عما في القرآن من الإخبار بأمور وقعت في هذا الزمان. (١)
المعجزة القرآنية في الإخبار بالأقمار الصناعية. مطبوع
ثناء القرآن على سيد ولد عدنان. مخطوط
وله أيضا:
الانتصار لطريق الصوفية الأخيار، الحجة الواضحة على أن حالق اللحية ملعون وصلاته باطلة، القنبلة الذرية على الخطيب الذي يأمر الناس بحلق اللحية، مناظرة بين محمد الزمزمي وناصر الدين الألباني، المحجة البيضاء فيما يجب اعتقاده في المعية والاستواء، تحذير الإخوان من إتيان الكهان، تقدير نصاب الزكاة بالميزان. وغير ذلك.
٩١ - محمد بن محمد بن محمد بن علي بن يوسف شمس الدين أبو الخير ابن الجزري (٢)
الإمام المقرئ شيخ الإقراء في زمانه. من حفاظ الحديث.
نسبته إلى جزيرة ابن عمر. (٣)
ولد ليلة السبت الخامس والعشرين من شهر رمضان سنة إحدى وخمسين سبعمائة داخل خط القصاعين بين السورين بدمشق.
نشأ في دمشق، وابتنى فيها مدرسة سماها "دار القرآن" ورحل إلى مصر مرارًا، ودخل بلاد الروم، وسافر مع تيمورلنك إلى ما وراء النهر.
سمع الحديث من جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري وأصحاب الدمياطي والأبرقوهي وغيرهم وأفرد القراءات وجمعها على عدة من المشايخ في أنحاء المعمورة في الشام ومصر والحجاز والروم وبلاد ماوراء النهر والعراق. (٤)
سافر إلى تونس رحلتين لقي
стр. 457
في الثانية منها محمد بن عبد السلام التونسي الحباس شيخ الإقراء بها. (١)
قال الأدنوي: كان حافظا قارئا محدثا وماهرا في المعاني والبيان والتفسير ... وألف في التفسير والحديث والفقه. (٢)
رحل إلى شيراز فولي قضائها.
توفي ضحوة الجمعة لخمس خلون من أول الربيعين سنة ثلاث وثمانمائة بمدينة شيراز وكانت جنازته مشهودة.
له:
كفاية الألمعي (٣) في تفسير آية ﴿وقيل ياأرض ابلعي﴾ (٤)
فضائل القرآن. (٥)
وله أيضا:
النشر في القراءات العشر، غاية النهاية في طبقات القراء، واختصره في: نهاية الدرايات في أسماء رجال القراءات، التمهيد في علم التجويد، منجد المقرئين، التتمة في القراءات، تقريب النشر في القراءات العشر، ذات الشفاء في سيرة النبي والخلفاء، الهداية في علم الرواية، الجوهرة في النحو، أحاديث مسلسلات وعشاريات الإسناد عاليات، الأربعون العوالي، شرح المصابيح، وله نظم، أكثره أراجيز في القراءات.
٩٢ - محمد بن الوليد بن محمد بن خلف القرشي الفهري الأندلسي أبو بكر الطرطوشي ابن أبي رَندقة (٦)
من فقهاء المالكية، الحفاظ.
من أهل طرطوشة (٧) بشرقي الأندلس، ولد
стр. 458
سنة إحدى وخمسين وأربعمائة.
تفقه ببلاده ورحل إلى المشرق فحج وزار العراق ومصر وفلسطين ولبنان، وأقام مده في الشام. وسكن الإسكندرية، فتولى التدريس واستمر فيها إلى أن توفي. وكان زاهداً لم يتشبث من الدنيا بشيء.
أخذ عن القاضي أبي الوليد وأبي علي التستري وأبي بكر الشاشي وغيرهم.
وعنه ابن العربي والسلفي وغيرهما.
قال ابن العربي: قال لي: إذا عرض لك أمر دنيا وأمر آخرة فبادر بأمر الآخرة يحصل لك أمر الدنيا والآخرة.
وقال: وكان كثيرا ماينشدنا:
إن لله عبادا فطنا ... طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
فكروا فيها فلما علموا ... أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا ... صالح الأعمال فيها سفنا (١)
توفي بالإسكندرية سنة عشرين وخمسمائة.
له:
مختصر تفسير الثعلبي. (٢)
المجالس (٣): وهي سبعة مجالس تفسيرية المجلس الأول في قوله تعالى ﴿الله لطيف بعباده﴾ (٤) والثاني في قوله ﴿وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم﴾ (٥) والثالث في قوله ﴿ضرب الله مثلا عبدا مملوكا﴾ (٦) والرابع في قوله ﴿فانظر إلى آثار رحمة الله﴾ (٧) والخامس في قوله ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ (٨) والسادس في قوله ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده﴾ (٩)
стр. 459
والسابع في قوله ﴿ألهاكم التكاثر﴾ (١).
وهو يفتتح هذه المجالس غالبا ببيتين من الشعر أو أكثر تناسب معنى الآية التي يتكلم عليها ثم يقدم بمقدمة تناسب المقام ثم يبدأ الكلام على الآية وقد افتتح المجلس الأول بقوله:
الحمد لله الذي لايؤنسه موجود، الحكيم الذي لايوحشه مفقود، العليم الذي لا يلده والد فيرثه مولود، الكريم الذي لاينازعه معبود، الواحد الذي لايقوم بذاته حادث، الماجد الذي لايرثه وارث، القادر الذي ليس له أعوان ولا أنصار ... الخ. (٢)
وله أبضا:
سراج الملوك، التعليقية: في الخلافيات، كتاب كبير عارض به إحياء علوم الدين للغزالي، بر الوالدين، الفتن، الحوادث والبدع، شرح رسالة ابن أبي زيد.
٩٣ - محمد بن يحيى بن أحمد بن خليل الإشبيلي أبو سعيد الشَلَوْبين (٣)
عالم بالتفسير من فقهاء المالكية
من أهل إشبيلية بالأندلس
روى عن أبيه وعمه أبي علي الشلوبين.
رحل إلى المشرق مع أخيه أبي الفضل محمد وحجا.
قال المقريزي: اعتنى بعلم التفسير اعتناء كبيرا.
وغلب عليه حال العبادة.
مات إثر وصوله من الحج في عشر الأربعين وستمائة.
له:
كتاب في غوامض التأويل.
وله أيضا:
كتاب في الأحكام.
- محمد بن يحيى بن سعادة (٤)
٩٤ - محمد بن يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري التيمي (٥)
ولد بالبصرة سنة ثمانين ومائة.
وفد القيروان صغيرا مع أبيه، وقرأ بها عليه وعلى غيره من المحدثين كالبهلول بن راشد، واتجهت عنايته إلى الحديث
стр. 460
خاصة فبرع فيه حتى عد من جلة نقلته ورواته،
واشتهر بمعرفة رجاله وحملته.
صحب أباه إلى الحج وزار المشرق، ولما مات أبوه حصلت له حظوة كبيرة بين العلماء.
كان يقرئ تفسير القرآن بكتاب أبيه في المسجد الجامع بالقيروان، وقد رواه عنه جماعة من أبناء إفريقية والأندلس، وسنده في الحديث وكذا في التفسير سند عال.
كانت له في داره حلقة عظيمة يحضرها عدد كبير من الطلاب وهي التي استهوت أبا العرب التميمي ودفعته للطلب والانتقال من حياة الأمراء إلى حياة العلماء. (١)
قال عنه أبو العرب: ثقة نبيل. (٢)
كان على عقيدة أهل السنة شديدا على المبتدعة فقد عاتب عباسا السدري وأنكر عليه رأيه السوء. (٣)
قال الدباغ: كان له عناية كاملة بالحديث ونقله وروايته وضبطه ومعرفة رجاله وحملته حافظا للسنن جامعا لها إماما فيها عارفا بأصول الديانات ... مبرزا في المعرفة والفهم على هدي وسنة واستقامة وقال: كان فقيها ورعا حافظا مطبوعا على الأخلاق الكريمة قليل الكلام والخوض في أمور الناس طويل الصلاة. (٤)
ولم يزل في مقام التعظيم والإجلال من أهل زمانه إلى أن توفي في منتصف ذي القعدة سنة اثنتين وستين ومائتين.
له:
زيادات على تفسير أبيه يحيى بن سلام: كانت تروى بالأندلس وإفريقية. (٥)
٩٥ - محمد بن يوسف بن سعادة أبو عبد الله المرسي (٦)
فقيه مالكي قاض نحوي كان عارفا بالسنن والآثار والتفسير والفروع
стр. 461
والأدب وعلم الكلام مائلا إلى التصوف
أصله من بلنسية ولد بمرسية سنة ست وتسعين وأربعمائة وتعلم بها
سمع أبا علي الصدفي واختص به وأكثر عنه.
رحل إلى المشرق فحج وأخذ عن علماء مكة والإسكندرية والمهدية وعاد إلى مرسية فولي خطة الشورى بها مضافة إلى الخطبة بجامعها، ثم ولي قضاءها فقضاء شاطبة.
توفي بشاطبة مصروفا عن القضاء في منسلخ ذي الحجة سنة خمس وستين وخمسمائة ودفن أول يوم من سنة ست وستين.
٩٦ - محمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن حيان الإمام أثير الدين أبو حيان الأندلسي الغرناطي النفزي (١)
نحوي عصره، ولغويه، ومفسره، ومحدثه، ومقرئه، ومؤرخه، وأديبه
ولد بمطخشارش، مدينة من حضرة غرناطة في آخر شوال سنة أربع وخمسين وستمائة.
نشأ بغرناطة وقرأ بها القراءات وجال في بلاد المغرب ثم قدم مصر قبل سنة ثمانين وستمائة. (٢)
أخذ القراءات عن أبي جعفر بن الطباع، والعربية عن أبي الحسن الأبذي، وأبي جعفر بن الزبير وابن أبي الأحوص، وابن الصائغ وأبي جعفر اللبلي
وبمصر عن البهاء بن النحاس وجماعة
وتقدم في النحو، وأقرأ في حياة شيوخه بالمغرب، وسمع الحديث بالأندلس وإفريقية والإسكندرية ومصر والحجاز من نحو أربع مائة وخمسين شيخا، منهم أبو الحسين بن ربيع وابن أبي الأحوص والرضي الشاطبي، والقطب القسطلاني،
стр. 462
والعز الحراني
وأجاز له خلق من المغرب والمشرق، منهم الشرف الدمياطي، والتقي ابن دقيق العيد، والتقي ابن رزين، وأبو اليمن ابن عساكر
وأكب على طلب الحديث وأتقنه وبرع فيه، وفي التفسير والعربية، والقراءات والأدب والتاريخ واشتهر اسمه، وطار صيته وأخذ عنه أكابر عصره وتقدموا في حياته، كالشيخ تقي الدين السبكي، وولديه، والجمال الأسنوي، وابن قاسم، وابن عقيل، والسمين، وناظر الجيش، والسفاقسي وابن مكتوم، وخلائق
قال الصفدي: لم أره قط إلا يسمع أو يكتب أو ينظر في كتاب، وكان ثبتا قيماً عارفا باللغة وأما النحو والتصريف فهو الإمام المجتهد المطلق فيهما خدم هذا الفن أكثر عمره حتى صار لا يدركه أحد في أقطار الأرض فيهما غيره، وله يد طولى في التفسير والحديث، وتراجم الناس ومعرفة طبقاتهم، خصوصاً المغاربة وأقرأ الناس قديماً وحديثا وألحق الصغار بالكبار. (١)
وكان سبب رحلته عن غرناطة أنه حملته حدة الشبيبة على التعرض للأستاذ أبي جعفر بن الطباع، وقد وقعت بينه وبين أستاذه أبي جعفر ابن الزبير واقعة، فنال منه وتصدى لتأليف في الرد عليه وتكذيب روايته، فرفع أمره إلى السلطان، فأمر
بإحضاره وتنكيله فاختفى، ثم ركب البحر، ولحق بالمشرق.
قال الصفدي: وقرأ على العلم العراقي، وحضر مجلس الأصبهاني، وتمذهب للشافعي، وكان أبو البقاء يقول: إنه لم يزل ظاهرياً
قال الحافظ ابن حجر: كان أبو حيان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه. (٢)
قال الأدفوي: وكان يفخر بالبخل كما يفخر الناس بالكرم، وكان ثبتاً صدوقاً حجة سالم العقيدة من البدع الفلسفية ... والتجسيم، ومال إلى مذهب أهل الظاهر وإلى محبة علي بن أبي طالب، كثير الخشوع والبكاء عند قراءة القرءان وكان شيخاً طوالاً حسن النغمة، مليح الوجه، ظاهر اللون، مشرباً بحمرة، منور الشيبة كبير اللحية، مسترسل الشعر.
وكان يعظم الشيخ تقي الدين ابن تيمية، ثم وقع بينه وبينه في مسألة نقل فيها أبو حيان شيئاً عن سيبويه،
стр. 463
فقال ابن تيمية: وسيبويه كان نبي النحو! لقد أخطأ سيبويه في ثلاثين موضعاً من كتابه، فأعرض عنه ورماه في تفسيره "النهر" بكل سوء.
وكان عالما بلغات أخرى فكان يجيد الفارسية والتركية وأتقن الحبشية. (١)
تولى تدريس التفسير بالمنصورية، والإقراء بجامع الأقمر، وكانت عبارته فصيحة، لكنه في غير القرآن يعقد القاف قريبة من الكاف.
ومن شعره:
عداي لهم فضل علي ومنة ... فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا
هموا بحثوا عن زلتي فاجتنبتها ... وهُمْ نافسوني فاكتسبت المعاليا
وفي شعره طبع كتاب ببغداد لأحمد مطلوب وخديجة الحديثي من شعر أبي حيان الأندلسي
وحدث، فسمع منه الأئمة العلماء والحفاظ وغيرهم، وأضر قبل موته بقليل.
مات بمنزله بظاهر القاهرة في صفر سنة خمس وأربعين وسبعمائة، ودفن بمقابر الصوفية.
تزيد تصانيفه على خمسين مصنفا منها:
البحر المحيط في التفسير. وهو كتاب عظيم القدر في أسفار عديدة. (٢)
النهر الماد من البحر: مختصر البحر المحيط، وكلاهما مطبوع
إعراب القرآن. (٣)
النكات الحسان على معاني القرآن. (٤)
شرح الفاتحة. (٥)
تحفة الأريب فيما في القرآن من الغريب: نظم. (٦) رتبه على حروف المعجم وهو مختصر لطيف كثير الفائدة.
وله أيضا:
التذييل والتكميل في شرح التسهيل، مطول الارتشاف
стр. 464
ومختصره، التنخيل الملخص من شرح التسهيل، الإسفار الملخص من شرح سيبويه، التجريد لأحكام كتاب سيبويه، التذكرة في العربية، التقريب، مختصر المقرب، التدريب في شرح المبدع في التصريف، غاية الإحسان في النحو، شرح الشذا في مسألة كذا، اللمحة والشذرة كلاهما في النحو، الارتضاء في الضاد والظاء، عقد اللآلئ في القراءات على وزن الشاطبية وقافيتها، الحلل الحالية في أسانيد القرآن العالية، نحاة الأندلس، الأبيات الوافية في علم القافية، منطق الخرس في لسان الفرس، الإدراك للسان الأتراك، شرح الألفية، نهاية الإغراب في التصريف والإعراب، نور الغبش في لسان الحبش، مجاني الهصر في تواريخ أهل العصر، وله ديوان شعر.
٩٧ - محمد بن يوسف بن أبي القاسم بن يوسف العبدري أبو عبد الله المواق الغرناطي (١)
عالم غرناطة ومفتيها وإمامها وصالحها في وقته من فقهاء المالكية
أخذ عنه أبو عبد الله المنثوري.
دخل فاسا وتوفي سنة سبع وتسعين وثمانمائة.
له:
سنن المهتدين في مقامات الدين: في تفسير قوله تعالى ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾ (٢) في تسع مقامات. قال عنه مخلوف: أبان فيه عن معرفة بالفنون أصولا وفروعا وتصوفا وغيرها مع الفوائد الجمة أرسله للإمام الرصاع ولما وقف عليه أثنى عليه كثيرا وشكره. (٣)
٩٨ - منذر بن سعيد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن قاسم بن عبد الله أبو الحكم البلوطي الكزني (٤)
стр. 465
قاضي قضاة الأندلس في عصره. كان فقيهاً خطيباً شاعراً فصيحاً.
من أهل قرطبة ولد سنة ثلاث وسبعين ومائتين وقيل غير ذلك.
سمع بالأندلس من عبيد الله بن يحيى وغيره
رحل حاجا سنة ثمان وثلاثمائة فأقام في رحلته أربعين شهرا فأخذ بمكة من ابن المنذر وغيره، روى بمصر وسمع من ابن النحاس وكان مذهبه في الفقه مذهب النظار والاحتجاج وترك التقليد وكان عالما باختلاف العلماء وكان يميل إلى رأي داود بن علي بن خلف العباسي ويحتج له ويأخذ به لنفسه فإذا جلس مجلس الحكومة قضى بمذهب مالك الذي عليه العمل في بلده. (١)
ولي قضاء مدينة ماردة وما والاها من مدن الجوف ثم ولي قضاء الثغور الشرقية ثم قدم إلى قضاء الجماعة بقرطبة وولي الصلاة بمدينة الزهراء فلم يزل قاضيا إلى أن توفي ولم تحفظ له قضية جور ولا جربت عليه في أحكامه زلة.
قال ابن الفرضي: كان بصيراً بالجدل، منحرفاً إلى مذهب أهل الكلام، لهجاً بالاحتجاج ... وله كتب مشهورة كثيرة مؤلفة في القرآن، والفقه، والرد أخذها الناس عنه وقرأوها عليه وكان خطيباً بليغاً شاعراً.
له اليوم المشهور الذي ملأ فيه الآذان وبهر العقول أمام رسول الروم، وله أخبار في الاستسقاء عجيبة. (٢)
ومن مواقفه القرآنية أن أمير المؤمنين الناصر عمل في بعض سطوح الزهراء قبة بالذهب والفضة، وجلس فيها ودخل الأعيان فجاء منذر بن سعيد فقال له الخليفة كما قال لمن قبله: هل رأيت أو سمعت أن أحدًا من الخلفاء قبلي فعل مثل هذا؟ فأقبلت دموع القاضي تتحدر، ثم قال: والله ما ظننت
стр. 466
ياأمير المؤمنين أن الشيطان يبلغ منك هذا المبلغ، أن أنزلك منازل الكفار، قال: لم؟ فقال: قال الله ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفًا من فضة﴾ إلى قوله ﴿والآخرة عند ربك للمتقين﴾ (١) فنكس الناصر رأسه طويلاً، ثم قال: جزاك الله عنا خيرًا وعن المسلمين، الذي قلت هو الحق، وأمر بنقض سقف القبة. (٢)
توفي يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة خمس وخمسين وثلاثمائة وهو ابن اثنتين وثمانين سنة وسبعة أشهر ودفن بمقبرة قريش وصلى عليه ابنه عبد الملك.
له كتب في القرآن والسنة والرد على أهل الأهواء، منها:
أحكام القرآن واسمه: الإنباه على استنباط الأحكام من كتاب الله. قال عنه ابن حزم: هو في أحكام القرآن غاية. (٣)
الناسخ والمنسوخ
وله أيضا:
الإبانة عن حقائق أصول الديانة.
٩٩ - موسى بن حسين بن موسى بن عمران القيسي أبو عمران الزاهد الميرتُلي (٤)
وقد ينسب لجده فيقال موسى بن عمران. (٥)
شاعر أندلسي، له علم بالتفسير والفقه والحديث.
أصله من ثغر ميرتلة من أعمال باجة بالأندلس ولد سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة.
أقام بإشبيلية.
ومن كلامه: "ملك فؤادك من أفادك"، "من خف لسانه وقدمه كثر ندمه".
توفي بمدينة فاس، في صفر سنة ثلاث وستمائة ودفن بخارج باب الفتوح. وقيل غير ذلك. (٦)
له:
ديوان شعر: أكثره في الزهد والتخويف.
- يحيى بن إبراهيم بن مزين (٧)
стр. 467
١٠٠ - يحيى بن إسحاق بن يحيى بن يحيى الليثي أبو إسماعيل ابن الرقيعة القرطبي (١)
من أهل قرطبة.
سمع من أبيه، ورحل فسمع بإفريقية من يحيى بن عمرو بن طالب، وبمصر من محمد بن أصبغ بن الفرج، وبالعراق من إسماعيل القاضي، وأحمد بن زهير وغيرهما
قال ابن الفرضي: شوور في الأحكام، وكان متصرفا في العربية، واللغة والتفسير، نبيها.
توفي في الوباء بقرطبة سنة ثلاث وثلاثمائة وقيل ثلاث وتسعين ومائتين.
له:
كتب مبسوطة في اختلاف أصحاب مالك وأقواله.
١٠١ - يحيى بن خلف بن نفيس أبو بكر ابن الخلوف الغرناطي (٢)
مقرئ كبير مفسر
من أهل غرناطة ولد سنة ست وستين وأربعمائة
رحل إلى المشرق وسمع بالإسكندرية ودمشق وبغداد، وعاد فتصدر للإقراء بجامع غرناطة.
قال ابن الأبار: طال عمره وشاع ذكره وكان رأسا في القراءات عارفا بالتفسير كثير التفنن.
توفي سنة إحدى وأربعين وخمسمائة.
١٠٢ - يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن مزين مولى رملة بنت عثمان بن عفان أبو زكريا القرطبي (٣)
عالم بالحديث ورجاله من فقهاء المالكية
ولد بطليطلة وانتقل إلى قرطبة فأكرمه أميرها عبد الرحمن وابتنى له دارا ووصله بصلة جزيلة.
رحل إلى المشرق وحج ودخل العراق وسمع بمصر وولي قضاء طليطلة
стр. 468
قال ابن لبابة: هو أفقه من رأيت في علم مالك وأصحابه.
مات بقرطبة سنة تسع وخمسين ومائتين.
له:
فضائل القرآن
١٠٣ - يحيى بن سعدون بن تمام بن محمد الأزدي أبو بكر ضياء الدين القرطبي (١)
عالم بالقراءات وعلوم القرآن والحديث والنحو واللغة
من أهل قرطبة ولد سنة ست وثمانين وأربعمائة
قرأ بها على ابن النحاس
رحل فقرأ بالمهدية وسمع بالإسكندرية والقاهرة ودخل بغداد فأخذ عن علمائها. وأقام بدمشق مدة واجتمع به السمعاني وسمع منه بها.
استوطن الموصل ورحل منها إلى أصبهان ثم عاد إليها.
توفي بها سنة سبع وستين وخمسمائة.
١٠٤ - يحيى بن السلام (٢) بن أبي ثعلبة أبو زكريا البصري التيمي تيم ربيعة مولاهم (٣)
الإمام صاحب التفسير
ولد بالكوفة سنة أربع وعشرين ومائة ونشأ
стр. 469
بالبصرة ثم انتقل إلى مصر.
خرج من مصر يريد إفريقية بنية التجارة، فقصد القيروان واستقر بها، فشاع في الأوساط ذكره وانتشر خبر علمه وفضله، فأقبل العلماء والطلاب عليه.
وقد بلغ في صيته أن قربه الأمير إبراهيم بن الأغلب لأول ولايته على إفريقية من نفسه وألحقه بخواص جلاسه ومستشاريه.
واتخذه عمران بن مجالد الربعي، الثائر على إبراهيم بن الأغلب، سفيرا وشفيعا للحصول على العفو منه، والأمان لنفسه ولولده وأهله وماله.
قيل: إنه ما سمع شيئا قط إلا حفظه حتى إنه كان إذا مر بمن يتغنى من أهل الملاهي يسد أذنيه لئلا يسمعه فيحفظه.
روى الحروف عن أصحاب الحسن البصري عن الحسن بن دينار وغيره وله اختيار في القراءة من طريق الآثار.
وروى عن حماد بن سلمة، وهمام بن يحيى، وسعيد بن أبي عروبة وغيره.
كان يقول: أحصيت بقلبي من لقيت من العلماء فعددت ثلاثمائة وثلاثة وستين عالما سوى التابعين وهم أربعة وعشرون وامرأة تحدث عن عائشة ﵂.
روى عنه جماعة بالمشرق والمغرب وسمع منه بمصر عبد الله بن وهب، ومثله من الأئمة
كان يقول: كل من رويت عنه العلم روى عني إلا القليل منهم.
وقال: روى عني من العلماء: مالك والليث بن سعد وعبد الله بن لهيعة
وقال: كتب عني مالك بن أنس ثمانية عشر حديثا.
وقد رماه بعضهم بالإرجاء (١) ولا يثبت عنه:
عن عون بن يوسف قال: كنت عند عبد الله بن وهب وهو يقرأ عليه فمر حديث ليحيى بن السلام فقال: امحه فقال عون: فقلت له: لم تمحوه أصلحك الله؟ فقال: بلغني أنه يقول بالإرجاء فقلت له: فأنا كشفته عن ذلك فقال لي: أنت؟ فقلت له: نعم فقال لي: فما قال لك؟ قال: قلت له فقال: معاذ الله أن يكون هذا رأيي أو أدين الله به ولكن أحاديث
стр. 470
رويتها عن رجال يقولون: الإيمان قول وآخرين يقولون: الإيمان قول وعمل فحدثنا بما سمعنا منهم فقال لي ابن وهب: فرجت عني فرج الله عنك قال عون: فلما قدمت القيروان - وكان يحيى باقيا بعد - أتاني فسلم علي وقال لي: يا أبا محمد، قد بلغني محضرك فجزاك الله خيرا، والله ما قلت إلا حقا، وما دنت الله به قط. (١)
وقال سليمان بن سالم: إنما نسب إلى يحيى بن السلام الإرجاء أن موسى بن معاوية الصمادحي أتاه فقال له: يا أبا زكريا، ما أدركت الناس يقولون في الإيمان؟ فقال: أدركت مالكا وسفيان الثوري وغيرهم - كذا - يقولون: الإيمان قول وعمل وأدركت مالك بن مغول وفطر بن خليفة وعمر بن ذر يقولون: الإيمان قول. قال سليمان: فأخبر موسى سحنون بن سعيد بما ذكر يحيى عن عمر بن ذر وفطر بن خليفة ومالك بن مغول ولم يذكر له ما قال عن غيرهم فقال سحنون: هذا مرجئ.
ولاشك أن قولة سحنون هذه قد طارت في الآفاق لما له من منزلة عالية عند الأفارقة ولكن أبى الله إلا أن يظهر حقيقة الأمر وتبرأ ساحة يحيى بن السلام مما نسب إليه.
قال أبو العرب: سألت أبا يحيى بن محمد بن يحيى بن السلام خاليا عن قول جده في الإيمان فقال لي: كان جدي يقول: الإيمان قول وعمل ونية قال: وكان أبو يحيى ثقة صدوقا لا يقول عن جده إلا الحق.
وقال عون: قلت ليحيى بن السلام: إن الناس يرمونك بالإرجاء، فأخذ يحيى لحيته بيده وقال: أحرق الله هذه اللحية بالنار إن كنت دنت الله قط بالإرجاء. (٢)
ومما يدل على ورعه وتقواه واتعاظه بكتاب الله وحديث رسوله ﷺ تلك القصة المعبرة:
قال ابنه محمد: كنت أمشي مع أبي إلى أن انتهينا إلى موقف الخيل بالقيروان فبينما نحن نمشي إذ جذبني جذبة شديدة ثم دخل إلى سقيفة هنالك
стр. 471
وأدخلني معه، فقلت لأبي: ما القصة؟ قال: يا بني، رأيت غريما لي فخفت أن يراني فيرتاع مني، وذكرت قول الله : ﴿وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة﴾ (١) فقعدنا ساعة ثم خرجنا فلما مشينا قليلا التفت إلي وقال: يابني، إنه قد جاء في الحديث "من رحم يرحم ".
وكان ثقة ثبتاً، ذا علم بالكتاب والسنة، ومعرفة اللغة والعربية، صاحب سنة
قال يحيى بن سلام: لا ينبغي لمن لا يعرف الاختلاف أن يفتي، ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول هذا أحب إلي. (٢)
وسئل قاضي القيروان عيسى بن مسكين عن رأيه في يحيى بن سلام، فقال: والله إنه لخير منا.
وقال أبو العرب: كان ثقة ثبتا لا يقول إلا الحق.
وقال: كان يحيى بن السلام من خيار خلق الله تعالى: دعا الله تعالى أن يقضي عنه الدين فقضى دينه، ودعا الله أن يورث ولده العلم فكان كما دعا، ودعا الله أن يكون قبره بمقطم مصر، فكان كذلك وقبره إلى جانب قبر ابن
فروخ وقيل: إنه يرى عليهما كل ليلة قنديلان. (٣)
حنت نفسه إلى زيارة الحجاز وإعادة العمرة فتأهب لذلك وسافر برا من طريق طرابلس، وقد صاحبه ابنه محمد فمرا بمصر، ودخلا الحجاز وحجا، وزارا مدينة الرسول. ثم عادا فمرض يحيى في طريق رجوعه، فما وصلا إلى مصر حتى أدركته المنية بعد أيام من حلوله بالفسطاط في خلال شهر صفر من سنة مائتين وانفجع العلماء لوفاته واحتفلوا بتشييع جنازته ودفن بالمقطم إلى جانب قبر عبد الله بن فروخ المحدث القيرواني.
وقال سزكين: توفى في مكة حاجاً. (٤)
له:
تفسير القرآن ويعرف باسمه "تفسير يحيى بن سلام "
وهو تفسير بالآثار على طريقة المتقدمين وربما كان أقدم ما لدينا من نوعه، وكان فيما سلف معروفا شائعا كثيرا إلى القرن الخامس للهجرة. قال أبو عمرو الداني: وليس لأحد من المتقدمين مثله. ثم قل تداوله بظهور التفاسير
стр. 472
المطولة المحشوة بمسائل النحو والبلاغة، والموجود منه الآن متفرق في ثلاث مكتبات. (١)
وقد عني من قديم جماعة من العلماء بهذا التفسير فأقرأوه وشرحوه، واختصروه (٢)،
وقد زاد عليه ابنه محمد - بعد وفاة أبيه - زيادات مهمة جعلها كالشرح عليه، وتقدم ذكر ذلك في ترجمته.
التصاريف: تفسير القران بما اشتبهت أسماؤه وتصرفت معانيه. (٣)
وله أيضا:
الجامع: على أبواب الفقه، كتاب الأشربة ولعله جزء من الجامع.
١٠٥ - يحيى بن مجاهد بن عوانة أبو بكر الفزاري الأندلسي الإلبيري (٤)
من أهل إلبيرة وسكن قرطبة
قال ابن الفرضي: كان منقطع القرين في العبادة، بعيد الاسم في الزهد ... عني بعلم القراءات والتفسير وأخذ نصيبا من الفقه. (٥)
وبنحو ذلك قال الذهبي أيضا. (٦)
حج فسمع بمصر من الأسيوطي
стр. 473
وأبي محمد بن الورد وابن شعبان وغيرهم.
وكان له حظ من الفقه والرواية إلا أن العبادة غلبت عليه.
أحب المستنصر بالله أن يجتمع به فلم يقدر عليه ووجه له من يتلطف به فقال مالي حاجة وإنما يدخل على السلطان الوزراء وأصحاب الهيئة وأيش يعمل بأصحاب الأطمار الرثة؟
وقال عمر بن عفيف: كان من أهل العلم والزهد والتقشف والعبادة وجميل المذهب.
جمع يونس بن عبد الله كتابا في فضائله.
توفي في جمادى الأولى سنة ست وستين وثلاثمائة، وهو ابن سبعين سنة أو نحوها.
تراجم النساء
١٠٦ - عائشة بنت محمد بن عبد الرحمن المصرية الدمياطية بنت الشاطئ (١)
كاتبة أديبة من المشتغلات بالتفسير
ولدت سنة ثلاثين وثلاثمائة وألف بمحلة دمياط على نيل مصر.
كان والدها من العلماء لم يسمح لها بدخول المدارس المدنية لفسادها وأراد لها أن تتلقى العلم على مشايخ الكتاتيب، ولكنها لم ترض بذلك وتلقت تعليمها كما أرادت.
عرفت ببنت الشاطئ خوفا من إظهار اسمها على كتاباتها وهي ابنة الأسرة المحافظة، وأرادت بذلك شاطئ دمياط على نيل مصر. (٢)
أصيبت بعدة مصائب حيث فقدت والديها ثم زوجها ثم ابنها وبناتها الثلاث في حياتها وبقيت وحيدة فريدة.
كانت مقالاتها وبحوثها تنشر في جريدة الأهرام اليومية.
كانت لها عدة معارك ومنها معركة عنيفة مع الدكتور مصطفى محمود الذي قدم تفسيرا عصريا للقرآن الكريم رأت فيه كثيرا من الشطط. (٣)
يقول نجيب محفوظ: هي أحد أهم من كتبوا في العلوم الدينية بمختلف التخصصات والنوعيات وحدث أن زاملتها عمرا طويلا في مبنى جريدة الأهرام حيث عملنا سويا في غرفة واحدة، فعرفت عنها كريم الخلق وسمو
стр. 474
الفكر والعقيدة ومدى تمسكها بدينها ومعتقداتها وعلمها. (١)
ويقول د. مصطفى عبد الواحد: هي امرأة ممتازة عن نساء عصرها .. إذ دخلت ميدان تفسير القرآن وعلوم الحديث وتفرغت في هذه المباحث في الشطر الأخير من حياتها بعد أن كانت في أول أمرها تكتب القصص الأدبية في مجلة الهلال ... متخرجة من معهد المعلمات في عاصمة إقليمها "دمياط" تلك المدينة العتيدة إلى الحصول على شهادة التوجيهية الثانوية بكلية الآداب بجامعة فؤاد الأول (القاهرة) درست على جماعة منهم طه حسين وأحمد أمين وأمين الخولي الذي كان يدرس علوم القرآن بقسم اللغة العربية فأعجب من تلميذته وتزوجها مع فارق السن الكبير بينهما ومع أنه كان له زوجة وأولاد كبار.
وكان أمين الخولي صاحب دراسات قرآنية مجترئة بعيدة عن المنهج العلمي الصحيح.
اتجهت بكل أدواتها في البحث والتحقيق إلى مجال ماأسمته التفسير البياني للقرآن فكتبت فيه كتابًا من جزئين يجمعان الدروس التي ألقتها على طالباتها في كلية البنات بجامعة عين شمس. (٢)
سافرت إلى تونس والمغرب وشغلت مناصب تدريسية هناك وأشرفت على رسائل علمية منها "المدرسة القرآنية إلى ابن عطية" لعبد السلام أحمد الكنوني وهي رسالة لنيل دبلوم الدراسات الإسلامية العليا بدار الحديث الحسنية بالرباط.
توفيت بمصر في شهر شعبان سنة تسع عشرة وأربعمائة وألف.
لها حوالي أربعون كتابا منها:
التفسير البياني للقرآن الكريم. يقول الدكتور مصطفى عبد الواحد: والذي يعنينا هنا أن نشير إلى طريقتها في التفسير فهي تعتمد أساسًا على معجم ألفاظ القرآن الذي أصدره مجمع اللغة العربية واستغرق إعداده فترة طويلة تتجاوز عشر سنين واشتراك زوجها أمين الخولي الذي كان عضوًا بمجمع اللغة العربية في إعداده إذ تبدأ حين تناولها لتفسير كلمة في آية باستعراض عدد مرات ذكرها في القرآن والسياق الذي ذكرت فيه ... ثم تنتقل إلى المعنى اللغوي ثم إلى صلة الكلمة بما قبلها وبعدها وقد كانت تحاول الاجتهاد فتصيب حينًا وتخطئ حينًا آخر.
стр. 475
أهالني وقوع بعض الأخطاء في اجتهاداتها وقد رددت عليها في محاضرتي التي طبعت في مذكرة للطلاب ولم تطبع في كتاب حتى الآن.
فمن ذلك قولها: إن القسم في قوله تعالى ﴿والنازعات غرقا﴾ (١) لايحتاج إلى جواب ونعت على المفسرين أنهم عنوا أنفسهم بالبحث عن جواب للقسم سواء كان موجودًا في الآيات أو محذوفًا مقدرًا .. ولم نعرف في لغة العرب قسمًا لايحتاج إلى جواب وإلا كان استخدام أسلوب القسم عبثًا ولغوًا ومعاذ الله أن نظن ذلك في القرآن.
وكذلك ماذهبت إليه أن قول الكافرين ﴿أئنا لمردودون في الحافرة﴾ (٢) إنما يكون بعد خروجهم من القبور وقد أثبت بالأدلة العلمية أن ذلك القول كانوا يقولونه في الدنيا استهزاء بعقيدة البعث ولا يعقل أن يقولوا ذلك بعد أن عاينوا البعث والحشر ورأوا أهوال القيامة. (٣)
الدراسات الإسلامية والقرآنية.
ولها أيضا:
رسالتها في الماجستير: بحوث في كتاب الأغاني، رسالتها في الدكتوراه: تحقيق رسالة الغفران، الريف المصري، أم النبي ﷺ ، تراجم سيدات بيت النبوة، حقيقة البهائية وخطرها على الإسلام، قضية الفلاح المصري، صور من حياتهن، وغيرها.
стр. 476
التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا
تأليف
د. محمد بن رزق بن طرهوني
«الجزء الثاني»
دار ابن الجوزي
стр. 477
الباب الثاني
التفسير في غرب إفريقية
ويشتمل على:
- الفصل الأول دراسة عن التفسير في هذه البلاد.
- الفصل الثاني دراسة أمثلة للتفسير بالمأثور بالمنطقة.
- الفصل الثالث دراسة أمثلة للتفسير بالرأي بالمنطقة.
стр. 478
الفصل الأول
دراسة عن التفسير في هذه البلاد
стр. 479
المبحث الأول: نبذة عن علم التفسير ونشأته في هذه البلاد:
لقد سبق أن ذكرت في التمهيد ما لعلم التفسير من منزلة عليا شرف بها على سائر العلوم لكونه الطريق الموصل لفهم كلام الله المنزل الذي عليه مدار الفلاح في الدارين، ولذلك فإنه ملازم للدعوة إلى الله منذ اللحظة الأولى، فليس هناك من دعوة إلى هذا الدين إلا ومبناها على كتاب الله جل وعلا، وهذا الكتاب يحتاج إلى بيان، وما التفسير إلا هذا البيان المنشود.
نشأة التفسير في المنطقة في الصدر الأول:
ومنطقتنا كسائر المناطق الإسلامية التي فتحها الرعيل الأول من الصحابة الكرام، شرفت بتلك النخبة الواعية لمقومات الفتح وأهدافه، فليس الفتح في منظورهم إلا فتح القلوب بالهداية والتعليم، وليس النصر في تصورهم إلا قهر القوى الشيطانية التي أضلت العباد، وليس همهم الأكبر إلا إخراج الناس من الظلمات إلى النور ومن عبادة العباد إلى عبادة رب العباد.
ومع ماتقرر من كون المؤمن كالغيث أينما وقع نفع، وماثبت في الكتاب والسنة من حث على العلم والتعليم والأمر بالدعوة والتبليغ يتضح لنا أن علم التفسير نشأ مواكبا للفتح الإسلامي بلا مراء.
ولقد اشترك صحابة كثيرون في فتح إفريقية (١) غير أن ظروف الفتح وما كان من ارتدادات الأفارقة (٢) لم تساعد على استقرار بعض الصحابة للتعليم والتفقيه
في
стр. 480
الدين ... ولذا لم تذكر المصادر شيئًا من هذا الجانب التعليمي، الذي كان يقوم به الصحابة في البلاد المفتوحة. فقام بهذه المهمة التعليمية الدينية، التابعون الذين أتوا إلى إفريقية منذ النصف الثاني من القرن الأول الهجري، ومنهم أبو عبد الرحمن ابن رباح اللخمي، سكن القيروان وبنى بها دارًا ومسجدًا وانتفع به أهلها (١). وأبو رشيد حنش بن عبد الله الصنعاني الذي سكن القيروان ومات بها (٢)، كما سكن القيروان أيضًا أبو سعيد كيسان المقبري (٣).
وهكذا دخل إفريقية جماعة من التابعين، وسكنوا القيروان وعلموا أبناءها الحلال والحرام، وكانت العلوم الدينية في هذه العصور تستمد من مصدرين رئيسين هما القرآن والسنة، وقد كان الطلبة يتلقون عنهم: القراءات والتفسير، وعلوم القرآن، وكل مايتعلق بآيات الأحكام.
والملاحظ أن هؤلاء التابعين أخذوا عن كبار الصحابة الذين اشتهروا خاصة بالتفسير كابن عباس، مما سيدعم مدرسته في التفسير (٤) بالقيروان والتي أسسها عكرمة في نهاية القرن الأول وفجر القرن الثاني، وكان مجلس عكرمة في مؤخر جامع القيروان في غربي المنارة الموضع الذي يسمى بالركيبية (٥) وقد دخل عكرمة القيروان لا للغزو وإنما لنشر العلم بها (٦)، وهو من أبرز تلاميذ ابن عباس (٧) في التفسير وأعلمهم به (٨)، وقد حل بالقيروان في أواخر أيامه وهو في منتهي نضجه
стр. 481
العلمي، فالتف حوله كثير من طلبة العلم وأخذوا عنه مارواه عن شيخه من تفسيره وبهذا يكون عكرمة واضع أسس مدرسة ابن عباس في التفسير المعتمدة على الأثر واللغة، مما سيؤثر على اتجاه التفسير بالمنطقة.
وعليه فإن مدرسة التفسير بالمأثور قامت أساسا على علم ابن عباس، عن طريقه شخصيا، ثم عن طريق عكرمة تلميذه النجيب ومولاه البربري الأصل، وقامت أيضا على المدرستين الأخريين من مدارس التفسير بالمأثور في ذلك الحين أعني مدرستي المدينة والعراق بدرجة أقل، فقد انتقل علم مدرسة التفسير بالمدينة، عن طريق تلاميذ الإمام مالك الذين نقلوا تفسيره المروي عن زيد بن أسلم وغيره، وعن طريق وكيع الذي أخرج روايات من تفسير أبي بن كعب، وانتقل علم مدرسة العراق عن طريق الأعمش وسفيان الثوري، كما وصلهم التفسير عن علي ابن أبي طالب، عن طريق رواية ابن عيينة عنه في تفسيره، وسوف يأتي في حديثنا عن الرحلة إلى المشرق ومنه إلى المنطقة مايتصل بذلك.
كما أنه قد أسهم في إرساء قواعد مدرسة التفسير بالمأثور تشرف المنطقة بدخول علماء من الصحابة عرفوا بتضلعهم في التفسير أمثال عبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، وتردد بعضهم عليها، وكان لهذا التردد أثر كبير في نشر العلم، وذلك لأن هؤلاء قد عرفوا البلاد وطبائع أهلها، فهم أقدر على معرفة مداخلها وأصلح الطرق لنشر العلم بها، ولاشك أنه قد أصبح لهم بها أصحاب وتلاميذ.
ولعل أقدم نص يشير إلى تعليم القرآن بالمنطقة مارواه غياث بن أبي شبيب قال: كان سفيان بن وهب صاحب رسول الله ﷺ يمر بنا ونحن غلمة بالقيروان فيسلم علينا بالكتاب (١)، وكان وجود سفيان بالقيروان بين سنوات (٦٠ هـ و٧٨ هـ) (٢).
ويستفاد من هذا الخبر أن تعليم القرآن قد شاع بها بعد تأسيس القيروان وأن بعض
الكتاتيب قد برزت في الأحياء الرئيسية منها، كما
стр. 482
كثرت المساجد (١) واهتم العلماء برواية الحديث والتفسير، وخاصة مايتعلق منها بآيات الأحكام.
وتدعم هذا العمل ببعثة الفقهاء العشرة، الذين أرسل بهم عمر بن عبد العزيز لتفقيه أهل إفريقية، فما أن انتهت الفتوح في إفريقية واستقر الإسلام بين البربر حتى قدمت من المشرق دعامة عظيمة للحياة العلمية بالقيروان، تلكم هي بعثة عمر بن عبد العزيز العلمية سنة ٩٩ هـ، وقد تكونت من عشرة من التابعين فبنوا المساجد، والكتاتيب في القيروان، وأقبلوا على نشر العلم بها، وانتفع بهم أهل إفريقية، وطال مقام بعضهم بالقيروان حتى زاد على الثلاثين عامًا، وعلى أيديهم تخرجت طلائع علماء القيروان. (٢)
وقد كان لهؤلاء العلماء من التابعين دور حاسم في نشر العلوم الإسلامية، وخاصة مايتعلق منها بأحكام القرآن وتفسيره ورواية الحديث. وقد تم على أيدي هؤلاء إسلام البربر ونشر تعاليم الإسلام في شتى أنحاء المغرب الإسلامي.
ولعل المهمة الأساسية للبعثة التعليمية تتضح من خلال رسالتهم التي كتبوها لحنظلة ابن صفوان (٣) ليبعث بها إلى أهالي طنجة لما ثاروا عليه، والتي تتضمن أبرز مواضيع القرآن، حيث أشاروا إلى أن آياته لا تخرج عن مواضيع أساسية عشرة: أمر بالمعروف، وزجر عن المنكر، وتبشير بالجنة، وإنذار بالنار، وإخبار عن الأولين والآخرين، ومحكم القرآن يعمل به، ومتشابهه يؤمن به، وحلاله أمر أن يؤتى، وحرامه أمر أن يتجنب، وفيه أمثال ومواعظ فمن يطع الآمرة وتزجره الزاجرة، فقد استبشر بالمبشرة، وأنذرته المنذرة، ومن يحلل الحلال ويحرم الحرام، ويرد العلم فيما اختلف فيه الناس
стр. 483
إلى الله، مع طاعة واضحة ونية صالحة، فقد أفلح وأنجح، وحيا حياة الدنيا والآخرة (١).
فهذه الرسالة في إيجازها وبلاغة ألفاظها، تضمنت خلاصة عن مواضيع القرآن التي سبق ذكرها، وهي تدل على أن مهمة هؤلاء في الدرجة الأولى كانت تعليم القرآن وتفسيره وبيان أهدافه، كما أنها تبين اتجاه التفسير في تلك المرحلة والمتمثل في العمل بالمحكم، والإيمان بالمتشابه، ورد مااختلف فيه الناس إلى الله تعالى مع طاعة واضحة وهي في جملتها تتعلق بالعقيدة، وبسلوك الإنسان في المجتمع الجديد.
وقد تخرج على هؤلاء العلماء الجيل الأول من أبناء إفريقية الذين سيتولون مواصلة مهمتهم التعليمية الدينية، والذين سيرتحل بعضهم إلى المشرق لزيادة التلقي عن محدثيه وفقهائه. ويأتي في مقدمتهم عبدالرحمن بن زياد بن أنعم الذي روى عن جماعة من التابعين بالمشرق، وتوسع في العلوم الإسلامية. وقد أقام بمكة مدة ودرس بها، وكانت له فيها مجالس مشهورة حتى أقبل عليه سفيان الثوري المفسر الإمام وأخذ عنه (٢)، ثم رجع إلى القيروان ودرس بها.
ومن علماء إفريقية الأوائل عبد الله بن فروخ الفارسي (٣) الذي رحل في طلب العلم إلى المشرق ولقي مالكا وسفيان الثوري وكلاهما من مشاهير المفسرين وكانت له مكاتبات مع مالك يسأله عن بعض القضايا فيجيبه. كما لقي ابن فروخ، عبد الملك بن جريج صاحب أول تصنيف في التفسير على أشهر الروايات وفي إفريقية أخذ عن ابن فروخ يحيى بن سلام (٤) صاحب أقدم تفسير إفريقي وأقدم تفسير باق إلى اليوم.
وسوف يأتي عند حديثنا عن تأثر المنطقة بالمشرق مكملات لهذا المقطع.
وبعد منتصف القرن الثاني دخلت بعض أجزاء تفاسير المشارقة إلى القيروان ورويت بها، مثل تفسير المسيب بن شريك الكوفي، الذي كان يقرأ
стр. 484
على أسد بن الفرات في جامع عقبة.
ثم ظهر في القيروان على يد يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ أول تفسير كامل للقرآن عرف حتى الآن.
وقد حفظت كتب الطبقات بعض دروس أسد بن الفرات في التفسير، والتي ظهرت فيها صلابة الرجل ورده على أهل الأهواء وخاصة في مسألة رؤية الله وخلق القرآن فعن ابن الحداد قال: حدثت عن أسد أن أصحابه كانوا يقرأون عليه يوما في تفسير المسيب بن شريك إلى أن قرأ القارئ ﴿وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة﴾ (١) وكان سليمان بن حفص جالسًا بين يديه فقال له: ياأبا عبدالله! من الانتظار؟ فقال: وكان إلى جانب أسد نعل غليظ، فأخذ أسد بتلابيبه - وكان أيدا - وأخذ بيده الأخرى نعله وقال: أي والله يازنديق لتقولنها أو لأبيضن بها عينك! فقال: نعم، ننظره. (٢)
وقد ذكر أبو العرب في مسألة خلق القرآن أن داود بن يحيى رأى أسد بن الفرات يعرض التفسير فتلا هذه الآية ﴿فاستمع لما يوحى إنني أنا الله لاإله إلا أنا فاعبدني﴾ (٣) فقال عند ذلك أسد: ويح لأهل البدع هلكت هوالكهم، يزعمون أن الله جل وعز خلق كلامًا يقول ذلك الكلام المخلوق ﴿أنا الله لاإله إلا أنا﴾. (٤)
وبهذا كانت دروس التفسير شائعة في حلقات التعليم (٥) بإفريقية على أيدي أبنائها الذين أسهموا في نشر العلوم الإسلامية، وأصبحت القيروان عاصمة العلم بالمغرب الإسلامي يفد عليها الطلبة من الأندلس والمغربين الأقصى والأوسط، حتى انتهت حضارتها وأصبحت أثرا بعد عين عقب نهب أعراب بني هلال وبني سليم لها وانتقل مشعل الحضارة للمهدية وتونس الحفصية كما سبق ذكره في التمهيد.
стр. 485
الطرق التي انتشر بها علم التفسير في المنطقة:
تم نشر العلوم الإسلامية في المنطقة في تلك الفترة وعلى وجه الخصوص التفسير الذي نحن بصدد الحديث عنه عن طريق:
١ - المساجد: وكان الحظ الأوفر في ذلك من نصيب جامع عقبة، الذي بدأ التدريس فيه على عهد الصحابة بعد تأسيسه مباشرة في غزوة عقبة الأولى، التي استمرت لمدة خمس سنوات كاملة (٥٠ هـ - ٥٥ هـ) كان أهم عمل للمسلمين فيها هو اختطاط المدينة، ولم تقع أثناءها غزوات كبيرة تتطلب غيابًا طويلاً عن القيروان، وقد سكن الناس واستقروا، وذلك يستلزم أن الصحابة الثمانية عشر الذين كانوا مع عقبة، قد جلسوا في الجامع لنشر علوم الكتاب والسنة، وتعليم مبادئ الإسلام لمن أسلم من البربر.
أما بعد غزوة عقبة الثانية، سنة ٦٢ هـ، فقد ورد أن عقبة أوصى أولاده - والمسلمين من ورائهم باعتباره قائد الجيش - بعدم رواية الحديث إلا عن الثقات، وعدم كتابة ما يشغلهم عن القرآن، وخير مكان يقع فيه ذلك هو المسجد الجامع، وقد شهدت القيروان نوعًا من الاستقرار، بعد أن مضى على بداية تأسيسها قرابة اثني عشر عامًا، وسكنها الناس وبدءوا يعيشون حياة طبيعية. ومن لوازم ذلك أن الصحابة الذين كانوا موجودين آنذاك وهم خمسة وعشرون رجلاً، قد جلسوا في جامع القيروان لنشر العلم وتوجيه المسلمين الجدد.
أما في عهد التابعين فقد زادت الرسالة العلمية للمسجد الجامع واتسعت عن ذي قبل، فكان حافلاً بالمجالس العلمية، لوفرة من كان بالقيروان من التابعين واهتمامهم بالرواية. وقد ثبت أن عكرمة مولى بن عباس لم يدخل إفريقية غازيًا، وإنما دخلها لنشر العلم، وكان مجلسه في مؤخرة الجامع كما ذكرنا آنفا، وكانت الحلقة فيه مكتظة من سائر أنحاء إفريقية والمغرب والأندلس، وحتى من السودان الغربي، على نمط ما نعرفه في الجامع الأزهر بالقاهرة، وجامع الزيتونة بتونس والقرويين بفاس. (١)
٢ - قصور الرباط: وهي الحصون التي تنشأ قريبًا من السواحل غالبًا،
стр. 486
وتتخذ لمراقبة العدو القادم من البحر، وقد بدأ إنشاؤها من منتصف القرن الثاني للهجرة على يد بعض ولاة الدولة العباسية بإفريقية، منهم هرثمة بن أعين الذي بنى قصر رباط المنستير سنة ١٨٠ هـ، ثم تكاثرت وشاعت على يد أمراء الدولة الأغلبية، بحيث إن الإشارات الضوئية التي كانت تستعمل للإنذار بالخطر بين هذه المراكز، كانت تصل من سبتة بالمغرب إلى الإسكندرية في ليلة واحدة. (١)
وكانت هذه الربط من جملة مواضع التعليم بإفريقية ويسكنها مقيمون رسميون من العلماء والعباد، كما يتناوب الحراسة بها أهل القيروان وغيرهم، وكان العلماء كثيرًا ما يقصدونها وخاصة في شهر رمضان حيث يعتكفون ويعلّمون الناس. ويعتبر (الفرد بل) أن الرباط كان له نفس دور المسجد في نشر الإسلام. وقد كانوا يسمون قصر زياد دار مالك لكثرة ما فيه من العلماء، وما يعقد فيه من المجالس العلمية، وقد اجتمع فيه أربعة عشر رجلاً من أصحاب سحنون، كما اجتمع في قصر ابن الجعد بالمنستير قبل تمامه ثمانية وأربعون حافظا للقرآن. (٢)
٣ - دور العلماء: ومنهم محمد بن يحيى بن سلام المفسر (ت ٢٦٢ هـ) الذي كانت في داره حلقة كبيرة أعجب بها الحافظ أبو العرب التميمي، وكانت سببا في إقباله على طلب العلم. (٣)
ومحمد بن محمد أبو بكر ابن اللباد المفسر (ت ٣٣٣ هـ) شيخ السنة بالقيروان عندما سجن ثم أطلق ومنع الفتوى والإسماع واجتماع الطلبة عليه، كان الطلبة يجتمعون إليه في بيته سرًا، وربما وضعوا الكتب في أوساطهم حتى تبتل بالعرق خوفًا من أبي عبيد (٤).
وكانت حلقة ربيع القطان المفسر (ت ٣٣٤ هـ) في منزله حافلة بالطلبة في ذلك العهد أيضا (٥).
كما كان عيسى بن مسكين يحدث بكتب ابن وهب صاحب التفسير في منزله (٦).
стр. 487
٤ - حوانيت العلماء: ومنهم المفسر ربيع القطان الذي حول حلقته إلى حانوته في عهد بني عبيد، قال عياض: وكان جعل على نفسه ألا يشبع من طعام ولا نوم حتى يقطع الله دولة بني عبيد، وكان مع ذلك ملتزمًا في حانوته يبيع فيه القطن، وفيه يأتيه من يطلب منه ويسأله. (١)
تطور التفسير في المنطقة بعد خراب القيروان:
بعد انتهاء عصر العبيديين وحلول ما حل بالقيروان ظهرت دولة المرابطين ثم الموحدين وفي تلك الحقبة ازدهرت العلوم الإسلامية حيث إن هاتين الدولتين قامتا أساسا على الدين وظهر من علماء التفسير المبرزين أبو الحسن علي بن محمد الغرناطي نزيل مراكش ت ٥٧٧ هـ الذي كان يجتمع إليه الناس فيفسر لهم القرآن من أوله إلى آخره كما ظهر محمد بن علي ابن الجوزي السبتي صاحب التفسير ت ٤٨٣ هـ، وعبد الجليل بن موسى الأنصاري الأوسي ت ٦٠٨ هـ، وغيرهم.
وبعد ذلك العصر (٢) انقسمت المنطقة إلى ثلاث دول كما قدمنا ومر عليها حكومات متعددة سبق الحديث عنها بالتفصيل في التمهيد ونذكر هنا على وجه الاختصار بعض سمات تطور التفسير أثناء تلك العهود:
ففي العهد الحفصي ظهر على الساحة ابن عرفة المفسر الفقيه ت ٨٠٣ هـ الذي اعتبر آخر المجددين وبعده أعلن علماء المغرب غلق باب الاجتهاد فتحجر العلم وأجدبت أرضه وانطوى العلماء.
وقد ظهر من التفاسير في العصر الحفصي غير تفسير ابن عرفة، تفسير عبد العزيز ابن إبراهيم ابن بزيزة التونسي ت ٦٧٤ هـ الذي جمع فيه بين تفسيري ابن عطية والزمخشري، وإعراب القرآن لأبي إسحاق برهان الدين إبراهيم بن محمد الصفاقسي ت ٧٥٢ هـ، وكانت تدرس في ذلك العصر مشاهير التفاسير
стр. 488
مثل:
الزمخشري وابن عطية والفخر الرازي وأبي حيان (١).
وفي العهد المريني راجت دراسة التفسير في الصقع السوسي وظهر من المفسرين أبو يحيى الكرسفي ت ٦٨٣ هـ وهو من الدارسين بالأندلس. (٢)
وكان من مزايا عصر السعديين الاعتناء بتفسير القرآن، وتعدد المفسرين ومن بينهم الحاج محمد الشنقيطي ت ٩٦٣ هـ وعبد الرحمن القصري ت ١٠٣٦ هـ وعلي بن الواحد الأنصاري السجلماسي ت ١٠٥٤ هـ، وبلقاسم بن إبراهيم الدكالي ت ٩٧٨ هـ، وغيرهم (٣).
وفي العهد التركي أغلقت الأبواب في وجه التيارات الجديدة منذ استقرار الأندلسيين وتوقف الارتحال إلى المشرق، وتوقف المد الثقافي وعكف الناس على المختصرات الفقهية يشرحونها ويعلقون عليها حتى أصبحت دراسة الكتب هي الهدف وضاع العلم واختفى الاجتهاد، وقد تأثر علم التفسير بهذا الركود، على أن اليقظة العلمية بعد ذلك جعلت الناس يعتنون بعلم التفسير واشتهر تفسير أبي السعود وقام الشيخ زيتونة المنستيري ت ١١٣٨ هـ بكتابة حاشية عليه كما يأتي ذكره في التأثر بالمشرق.
وظهر في الصقع السوسي كتاب إعراب القرآن لأبي زيد الجشتيمي ت ١٢٦٩ هـ
ثم شهد العالم تطورا مذهلا في شتى المجالات، فواكب ذلك نشاط في التأليف وساعدت وسائل الإعلام الحديثة في نشر العلوم، فكان للتفسير حظ ملحوظ واشتهر في المنطقة من المفسرين عبد الحميد بن باديس ت ١٣٥٩ هـ ومحمد الأمين الشنقيطي ت ١٣٩٣ هـ ومحمد الطاهر بن عاشور ت ١٣٩٣ هـ ومحمد المكي الناصري ت ١٤١٤ هـ
ومن أشهر من بقي على قيد الحياة من أهل التفسير في المنطقة أبو بكر جابر الجزائري صاحب أيسر التفاسير، والأخضر بن قويدر الدهمة صاحب قطوف دانية.
وقد ساهم في نهضة علم التفسير بالمنطقة، أن هيأ الله له طائفة من الملوك ومؤسسي
الدول في تلك البقعة اشتغلوا بالتفسير وبرعوا فيه حتى صنفوا
стр. 489
فيه المصنفات ومن هؤلاء:
عبد الرحمن بن رستم الإباضي ت ١٧١ هـ مؤسس دولتهم (١).
عبد الوهاب بن عبد الرحمن بن رستم ت ٢٠٨ هـ ثاني أئمة الدولة الرستمية (٢).
عبد الله بن ياسين الجزولي ت ٤٥١ هـ المؤسس الحقيقي لدولة المرابطين (٣).
محمد بن محمد بن زيدان المهدي ت ٩٦٤ هـ من ملوك السعديين. (٤)
زيدان ابن المنصور الملقب الذهبي ت ١٠٣٧ هـ من ملوك السعديين (٥).
المولى سليمان بن محمد ت ١٢٣٨ هـ من الأشراف العلويين (٦).
المولى عبد الحفيظ بن الحسن ت ١٣٥٦ هـ من الأشراف العلويين (٧).
ومن المجاهدين الذين كان لهم دور بارز قيادي في توجيه أهل المنطقة:
محمد المصطفى ماء العينين الشنقيطي ت ١٣٢٨ هـ (٨)
عبد الحميد بن باديس الصنهاجي ت ١٣٥٩ هـ (٩)
وقد وصفت المصادر العديد من علماء المنطقة بمعرفة التفسير ومعاني القرآن، والذي يمكن الجزم به استنادًا إلى المصادر أن مختلف علوم القرآن كانت تدرس بالمنطقة وخاصة التفسير والقراءات، والناسخ والمنسوخ وإعراب القرآن وبيان مشكله ... والمتأمل في تراجم المفسرين من أهل المنطقة والوافدين عليها يظهر له ذلك جليا على مر القرون المختلفة منذ نشأة التفسير فيها وحتى عصرنا الحالي وبنظرة خاطفة في فهرس المفسرين بآخر البحث يستطيع القارئ الإحاطة السريعة بأعلام المفسرين في كل قرن من تلك القرون.
المراحل التي مر بها التفسير في المنطقة:
ويتضح مما تقدم أن التفسير في المنطقة مر بثلاث مراحل: مرحلة التلقي والرواية على أيدي كبار التابعين، ثم الرحلة إلى المشرق للتوسع والاستزادة، ومرحلة الإسهام بتدريس التفاسير المروية عن علماء المشرق. ثم المرحلة الثالثة والأخيرة، وهي الإسهام بالتأليف والتفسير.
стр. 490
اتجاهات التفسير بالمنطقة:
لقد ظهر في المنطقة المدروسة جميع اتجاهات التفسير تقريبا ويرجع ذلك لعاملين أساسيين هما:
١ - طول الفترة الزمنية التي شملها البحث وقوامها أربعة عشر قرنا.
٢ - ضخامة المساحة المدروسة والتي شملت مناطق الغرب الإسلامي كله تقريبا.
فمدرسة التفسير بالمأثور يتربع على عرشها بعد الصدر الأول تفسير يحيى بن سلام الذي يمثل الصورة السلفية للتفسير بالمأثور ويعتبر أقدم تفسير بالمأثور وهو يمثل الحلقة التي تصل بين أول تصنيف في التفسير على يد عبد الملك بن جريج، وبين أشهر تفسير بالمأثور لمحمد بن جرير الطبري.
ولهذا التفسير أهمية تاريخية بالغة وأهمية علمية كبيرة إذ به يتضح تطور منهج التفسير عما كان عليه في عهد ابن جريج إلى ماأصبح عليه في تفسير الطبري. ويقول الفاضل ابن عاشور: ويتضح أيضا لمن كان الطبري مدينا بذلك المنهج الأثري النظري الذي درج عليه في تفسيره العظيم (١).
وللطاهر المعموري نظرة أخرى في تفسير ابن سلام إذ قال: لم يحتل التفسير بإفريقية مكانة كبيرة منذ بدأت العلوم الإسلامية تنتشر في البلاد لعدم حاجة الناس إليه وضعف استعدادهم لممارسته حتى إن مشاهير الإفريقيين لم تكن البيئة هي التي دفعتهم إلى وضع تفاسير اشتهرت بنسبتها إلى إفريقية، بل الأجواء الخارجية من شرقية وأندلسية هي التي بعثت فيهم تلك الهمة، فأبو زكريا يحيى بن سلام بن أبي ثعلبة البصري الذي وضع تفسير مشهورا، لم تساهم البيئة الإفريقية في تكوينه لأنه تفقه على علماء المشرق وأخذ عنهم، وهو بصري قبل أن يكون إفريقيا. إنما المدة التي قضاها بإفريقية ثم تدريسه الكتاب بها جعلا الأفارقة يدعون أنه تفسير إفريقي. (٢)
وفي كلامه نظر واسع يرد معظمه ماسبق بيانه عن تطور التفسير بالمنطقة، وكون المفسر تأثر بالمشرق أمر لابد منه فإن المشرق هو منبع
стр. 491
الإسلام وأرض العرب أهل لغة القرآن، وجميع المفسرين إنما نقلوا علومهم عنهم ومن خرج عن تلك الدائرة تأكد زيغه وضلاله لأنه لن يحكم في تفسير كتاب الله غير هواه والله المستعان.
وفي الجانب المقابل نلاحظ مبالغة واضحة من الفاضل ابن عاشور حيث إن اتفاق الطبري مع ابن سلام في اعتماد الرواية في التفسير لا يعني أن المتأخر منهما مدين بهذا المنهج للمتقدم، كيف وقد كان هذا هو المنهج السائد في تلك الفترة على جميع التصانيف سواء التفاسير أم كتب العقيدة أم الأجزاء الفقهية، بل إن تفسير الطبري متفرد عن تفسير ابن سلام بأمور عدة تثبت تفرده بمنهجه وأهمها تدخله بالترجيح والنقد في الروايات التفسيرية والقراءات، وكذا اهتمامه الكبير باللغويات والاستشهاد بالشعر وغير ذلك.
ثم يظهر لنا في الاتجاه الأثري للتفسير الإمام الجهبذ بقي بن مخلد القرطبي بتفسيره منقطع النظير فهو وإن لم يكن من أهل المنطقة إلا أنه من الداخلين إليها وقد بث علمه فيها في تلك الفترة المبكرة، كما رحل إليه واستفيد من علمه، والتداخل بين أهل المنطقة والأندلس واضح ومعلوم وسيأتي الحديث عنه باستقلالية في المباحث التالية.
وتطور التفسير بالمأثور في المنطقة على أيدي المهدوي ومكي بن أبي طالب إذ تخلصا من الأسانيد المطولة مع الالتزام بنقل الصحيح من الأخبار، وإلى هذا التطور الذي لحق ذلك الاتجاه، أشار حاجي خليفة بقوله: ... .ثم انتصبت طبقة إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي .. ومثل مكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي (١).
كما ظهر أخيرا عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي بتفسيره الجواهر الحسان والذي هو في الحقيقة اختصار لتفسير ابن عطية المحرر الوجيز، وقد اعتبره البعض (٢) من التفاسير بالمأثور لاهتمامه بهذا الجانب واحتوائه على كم كبير من الأحاديث والآثار، إلا أنني صنفته في قسم التفسير بالرأي المحمود لأنه ألصق بذلك كما يأتي بيانه في دراسته.
стр. 492
ويظهر لنا في تلك المدرسة أيضا تفسير القرآن بالقرآن وقد برز فيه بجلاء كتاب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للأمين الشنقيطي، وهو يعتبر أول من سلك هذا الاتجاه في التفسير (١)، وهو مع مافي كتابه من علم جم وماله من فضل مشهود، إلا أنني لا أوافق على هذا الاتجاه في التفسير بهذا المفهوم من الانفرادية فالقرآن وحده ليس كافيا لتفسير آياته، ولم يسلك هذا المنهج سلف الأمة ولا مفسروها السابقون، ولا الشيخ نفسه فقد استدل كثيرا بالحديث والآثار وبالشواهد الشعرية ولغة العرب، كما حرمنا من تفسير آيات كثيرة تجاوزها لعدم وقوفه على مايفسرها من كتاب الله .
والشيخ قد حماه الله بخلوص عقيدته من مغبة هذا الاتجاه من التفسير الذي سلكه من بعده بمفهوم آخر وهو إنكار السنة والاعتماد على القرآن فقط وهذه أم المهالك.
ومدرسة التفسير بالرأي وتنقسم بدورها للرأي المحمود والرأي المذموم:
ففي قسم الرأي المحمود ينبثق لنا اتجاهات عدة:
فبالنسبة للاتجاه اللغوي فإن عناية الأفارقة بلغة القرآن، وقواعدها قد ظهرت حتى في مراحل التعليم الأولى عندما اشترطوا على مؤدبي الكتاتيب تعليم أبنائهم إعراب القرآن فقد ذكر محمد بن سحنون أن المؤدب ينبغي أن يعلم الأطفال إعراب القرآن، وذلك لازم له (٢).
واستمرت العناية في المراحل التعليمية الأخرى حتى أصبح لإفريقية علماؤها في اللغة والنحو الذين اشتهروا وفاقوا أئمة المشرق، ومنهم من اشتهر بالتفسير كأبي عثمان سعيد بن الحداد الذي كان يحفظ كتاب سيبوية، وكانت له مؤلفات كثيرة من أهمها: كتاب توضيح المشكل في القرآن، وكتاب الاستواء (٣) وهو تفسير لجملة آيات تتعلق بهذه القضية الكلامية.
ومن أشهر علماء اللغة بالقيروان أبو القاسم إبراهيم بن عثمان بن الوزان
стр. 493
(يعد إمام الناس في النحو وكبيرهم في اللغة) (١) قيل: إنه فاق المبرد وثعلبا وابن النحاس المصري في هذا المجال وآخذ الشافعي في تفسيره لقوله ﴿ذلك أدنى أن لاتعولوا﴾ (٢) وخطأه في فهم معنى الآية إذ فسرها بقوله: أن لا يكثر عيالكم. فقال: أخطأ، يقال: عال يعيل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، وعال يعول عولا: إذا زاد، ومنه عالت الفريضة، وعالني الشيء يعولني: إذا أثقلني، ومنه قول الخنساء:
ويكفي العشيرة ماعالها
ويقال: عال يعيل عولاً، إذا تبختر، ... فذكر كلاما فيما يشبهه من أفعال (٣).
وهذا التوسع في ذكر مشتقات فعل (عال) وإيراد مختلف الأفعال المشابهة لدليل على عمق معرفة هذا العالم الإفريقي بلغة القرآن.
ويبدو أن لحركة الاعتزال (٤) تأثيرًا كبيرًا في توجيه التفسير نحو الوجهة
стр. 494
اللغوية ولذا عرف المعتزلة بحذق اللغة والتبحر فيها وكتبهم شاهد على ذلك.
وقد استغلوا سعة مدلولات اللغة والمسرح الواسع للبيان للعبث ببعض النصوص الشرعية للي عنقها كي توافق أهواءهم، وخاصة خوضهم في المتشابهات التي أمسك السلف عن الخوض فيها. (١)
إلا أن اللغة تعتبر سدًا منيعًا يحول دون تأويلات فرق أخرى كالشيعة والصوفية ونحوهما، ممن خرج عن جميع المدلولات التي تحتملها الآيات ببواطن أملتها عليهم ضلالاتهم.
كما أنها تدفع في نحر من حمل الآيات مالاتحتمله من دلالة على المكتشفات العلمية والنظريات الحديثة.
والوسط في الأمر هو حمل الكلمات على ظاهر مدلولاتها إلا بصارف دل عليه الدليل الشرعي والاعتماد في ذلك على أهل اللسان من سلف الأمة.
وقد تنازعت مدرسة التفسير في المنطقة في أحدث عصورها قضية المجاز في القرآن ففي حين اعتمد عليه الطاهر ابن عاشور في كتابه اعتمادًا أساسيًا وتذرع به كثيرًا نجد الأمين الشنقيطي يؤلف كتابه نفي جواز المجاز في المنزل للإعجاز.
ويلاحظ أنه ربما غلب على المفسر الاهتمام بالنحو والإعراب مثل مكي بن أبي طالب وأبي حيان.
وربما غلب عليه الاهتمام بالناحية البيانية مثل الطاهر ابن عاشور.
وصنف بعضهم في مفردات القرآن ومنهم محمد بن كي الموريتاني من علماء القرن الرابع عشر له قاموس أوضح التبيان في تفسير ألفاظ القرآن.
ويظهر في المنطقة مبكرا علم الأشباه والنظائر فتقدم لنا ثاني الكتب المصنفة في ذلك العلم في تاريخ الإسلام وهو كتاب التصاريف ليحيى بن محمد بن يحيى بن سلام ت ٢٨٠ هـ، وقد نسبه البعض لجده يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ.
كما يظهر في المنطقة من المفسرين من صنف في غريب القرآن نظما
стр. 495
ونثرا فمن المنظوم تفسير غريب القرآن لمحمد بن الحسن المجاصي ت ١١٠٣ هـ في منظومة تحوي ٦٩٥ بيتا، ومن المنثور محمد بن عبد السلام بوستة ت بعد ١٣٤٠ هـ.
وألف بعضهم في إعراب القرآن كالصفاقسي والجشتيمي وغيرهما.
وأما الاتجاه الفقهي فسوف يأتي حديثنا عن تأثر التفسير بالفقه في المباحث التالية وقد اشتهر من مفسري هذا الاتجاه المنذر بن سعيد وابن عربي والقرطبي.
ومن أقدم من ألف في أحكام القرآن محمد بن سحنون ت ٢٥٦ هـ.
وبعده موسى بن حبيب القطان ت ٣٠٦ هـ
وربما غلب الاشتغال بالقراءات وتوجيهها على اتجاه المفسر وقد ظهر هذا الاتجاه على تفسير المهدوي ومكي وسوف يأتي الحديث عن ذلك أيضا في المباحث التالية.
وأما قسم الرأي المذموم فنرى فيه من سلك الاتجاه الصوفي والذي ينقسم بدوره إلى صوفي نظري فلسفي مثل ابن عربي والحرالي والعفيف التلمساني وغيرهم.
وإلى صوفي إشاري مثل ابن عجيبة وعبد الرحمن بن يوسف القصري وغيرهما
وهناك جماعة صنفوا في التفسير على طريقة الصوفية مطلقا ومنهم محمد المهدي بن سودة له هداية المنان في تفسير الفاتحة، وعبد الله بن محمد المرجاني القادم من مصر والمتوفى بتونس ٦٩٩ هـ له تفسير على تلك الطريقة.
ومنهم من ألف في التفسير على طريقة الحكماء ومنهم ابن مرزوق الحفيد له تفسير سورة الإخلاص.
ونرى فيه من سلك منهج الخوارج مثل عبدالوهاب بن رستم وهود بن محكم الهواري والورجلاني وإطفيش وغيرهم.
ونرى فيه من سلك الاتجاه الباطني الشيعي مثل النعمان بن حيون والعفيف التلمساني.
كما نرى فيه من تأثر بالمعتزلة وسلك مسلك الأشاعرة (١)
في التأويل مثل ابن عاشور وغيره.