الإسلام وأرض العرب أهل لغة القرآن، وجميع المفسرين إنما نقلوا علومهم عنهم ومن خرج عن تلك الدائرة تأكد زيغه وضلاله لأنه لن يحكم في تفسير كتاب الله غير هواه والله المستعان.
وفي الجانب المقابل نلاحظ مبالغة واضحة من الفاضل ابن عاشور حيث إن اتفاق الطبري مع ابن سلام في اعتماد الرواية في التفسير لا يعني أن المتأخر منهما مدين بهذا المنهج للمتقدم، كيف وقد كان هذا هو المنهج السائد في تلك الفترة على جميع التصانيف سواء التفاسير أم كتب العقيدة أم الأجزاء الفقهية، بل إن تفسير الطبري متفرد عن تفسير ابن سلام بأمور عدة تثبت تفرده بمنهجه وأهمها تدخله بالترجيح والنقد في الروايات التفسيرية والقراءات، وكذا اهتمامه الكبير باللغويات والاستشهاد بالشعر وغير ذلك.
ثم يظهر لنا في الاتجاه الأثري للتفسير الإمام الجهبذ بقي بن مخلد القرطبي بتفسيره منقطع النظير فهو وإن لم يكن من أهل المنطقة إلا أنه من الداخلين إليها وقد بث علمه فيها في تلك الفترة المبكرة، كما رحل إليه واستفيد من علمه، والتداخل بين أهل المنطقة والأندلس واضح ومعلوم وسيأتي الحديث عنه باستقلالية في المباحث التالية.
وتطور التفسير بالمأثور في المنطقة على أيدي المهدوي ومكي بن أبي طالب إذ تخلصا من الأسانيد المطولة مع الالتزام بنقل الصحيح من الأخبار، وإلى هذا التطور الذي لحق ذلك الاتجاه، أشار حاجي خليفة بقوله: ... .ثم انتصبت طبقة إلى تصنيف تفاسير مشحونة بالفوائد محذوفة الأسانيد مثل أبي إسحاق الزجاج، وأبي علي الفارسي .. ومثل مكي بن أبي طالب وأبي العباس المهدوي (١).
كما ظهر أخيرا عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي بتفسيره الجواهر الحسان والذي هو في الحقيقة اختصار لتفسير ابن عطية المحرر الوجيز، وقد اعتبره البعض (٢) من التفاسير بالمأثور لاهتمامه بهذا الجانب واحتوائه على كم كبير من الأحاديث والآثار، إلا أنني صنفته في قسم التفسير بالرأي المحمود لأنه ألصق بذلك كما يأتي بيانه في دراسته.
стр. 492
ويظهر لنا في تلك المدرسة أيضا تفسير القرآن بالقرآن وقد برز فيه بجلاء كتاب أضواء البيان في تفسير القرآن بالقرآن للأمين الشنقيطي، وهو يعتبر أول من سلك هذا الاتجاه في التفسير (١)، وهو مع مافي كتابه من علم جم وماله من فضل مشهود، إلا أنني لا أوافق على هذا الاتجاه في التفسير بهذا المفهوم من الانفرادية فالقرآن وحده ليس كافيا لتفسير آياته، ولم يسلك هذا المنهج سلف الأمة ولا مفسروها السابقون، ولا الشيخ نفسه فقد استدل كثيرا بالحديث والآثار وبالشواهد الشعرية ولغة العرب، كما حرمنا من تفسير آيات كثيرة تجاوزها لعدم وقوفه على مايفسرها من كتاب الله .
والشيخ قد حماه الله بخلوص عقيدته من مغبة هذا الاتجاه من التفسير الذي سلكه من بعده بمفهوم آخر وهو إنكار السنة والاعتماد على القرآن فقط وهذه أم المهالك.
ومدرسة التفسير بالرأي وتنقسم بدورها للرأي المحمود والرأي المذموم:
ففي قسم الرأي المحمود ينبثق لنا اتجاهات عدة:
فبالنسبة للاتجاه اللغوي فإن عناية الأفارقة بلغة القرآن، وقواعدها قد ظهرت حتى في مراحل التعليم الأولى عندما اشترطوا على مؤدبي الكتاتيب تعليم أبنائهم إعراب القرآن فقد ذكر محمد بن سحنون أن المؤدب ينبغي أن يعلم الأطفال إعراب القرآن، وذلك لازم له (٢).
واستمرت العناية في المراحل التعليمية الأخرى حتى أصبح لإفريقية علماؤها في اللغة والنحو الذين اشتهروا وفاقوا أئمة المشرق، ومنهم من اشتهر بالتفسير كأبي عثمان سعيد بن الحداد الذي كان يحفظ كتاب سيبوية، وكانت له مؤلفات كثيرة من أهمها: كتاب توضيح المشكل في القرآن، وكتاب الاستواء (٣) وهو تفسير لجملة آيات تتعلق بهذه القضية الكلامية.
ومن أشهر علماء اللغة بالقيروان أبو القاسم إبراهيم بن عثمان بن الوزان
стр. 493
(يعد إمام الناس في النحو وكبيرهم في اللغة) (١) قيل: إنه فاق المبرد وثعلبا وابن النحاس المصري في هذا المجال وآخذ الشافعي في تفسيره لقوله ﴿ذلك أدنى أن لاتعولوا﴾ (٢) وخطأه في فهم معنى الآية إذ فسرها بقوله: أن لا يكثر عيالكم. فقال: أخطأ، يقال: عال يعيل: إذا افتقر، وأعال: إذا كثر عياله، وعال يعول عولا: إذا زاد، ومنه عالت الفريضة، وعالني الشيء يعولني: إذا أثقلني، ومنه قول الخنساء:
ويكفي العشيرة ماعالها
ويقال: عال يعيل عولاً، إذا تبختر، ... فذكر كلاما فيما يشبهه من أفعال (٣).
وهذا التوسع في ذكر مشتقات فعل (عال) وإيراد مختلف الأفعال المشابهة لدليل على عمق معرفة هذا العالم الإفريقي بلغة القرآن.
ويبدو أن لحركة الاعتزال (٤) تأثيرًا كبيرًا في توجيه التفسير نحو الوجهة
стр. 494
اللغوية ولذا عرف المعتزلة بحذق اللغة والتبحر فيها وكتبهم شاهد على ذلك.
وقد استغلوا سعة مدلولات اللغة والمسرح الواسع للبيان للعبث ببعض النصوص الشرعية للي عنقها كي توافق أهواءهم، وخاصة خوضهم في المتشابهات التي أمسك السلف عن الخوض فيها. (١)
إلا أن اللغة تعتبر سدًا منيعًا يحول دون تأويلات فرق أخرى كالشيعة والصوفية ونحوهما، ممن خرج عن جميع المدلولات التي تحتملها الآيات ببواطن أملتها عليهم ضلالاتهم.
كما أنها تدفع في نحر من حمل الآيات مالاتحتمله من دلالة على المكتشفات العلمية والنظريات الحديثة.
والوسط في الأمر هو حمل الكلمات على ظاهر مدلولاتها إلا بصارف دل عليه الدليل الشرعي والاعتماد في ذلك على أهل اللسان من سلف الأمة.
وقد تنازعت مدرسة التفسير في المنطقة في أحدث عصورها قضية المجاز في القرآن ففي حين اعتمد عليه الطاهر ابن عاشور في كتابه اعتمادًا أساسيًا وتذرع به كثيرًا نجد الأمين الشنقيطي يؤلف كتابه نفي جواز المجاز في المنزل للإعجاز.
ويلاحظ أنه ربما غلب على المفسر الاهتمام بالنحو والإعراب مثل مكي بن أبي طالب وأبي حيان.
وربما غلب عليه الاهتمام بالناحية البيانية مثل الطاهر ابن عاشور.
وصنف بعضهم في مفردات القرآن ومنهم محمد بن كي الموريتاني من علماء القرن الرابع عشر له قاموس أوضح التبيان في تفسير ألفاظ القرآن.
ويظهر في المنطقة مبكرا علم الأشباه والنظائر فتقدم لنا ثاني الكتب المصنفة في ذلك العلم في تاريخ الإسلام وهو كتاب التصاريف ليحيى بن محمد بن يحيى بن سلام ت ٢٨٠ هـ، وقد نسبه البعض لجده يحيى بن سلام ت ٢٠٠ هـ.
كما يظهر في المنطقة من المفسرين من صنف في غريب القرآن نظما
стр. 495
ونثرا فمن المنظوم تفسير غريب القرآن لمحمد بن الحسن المجاصي ت ١١٠٣ هـ في منظومة تحوي ٦٩٥ بيتا، ومن المنثور محمد بن عبد السلام بوستة ت بعد ١٣٤٠ هـ.
وألف بعضهم في إعراب القرآن كالصفاقسي والجشتيمي وغيرهما.
وأما الاتجاه الفقهي فسوف يأتي حديثنا عن تأثر التفسير بالفقه في المباحث التالية وقد اشتهر من مفسري هذا الاتجاه المنذر بن سعيد وابن عربي والقرطبي.
ومن أقدم من ألف في أحكام القرآن محمد بن سحنون ت ٢٥٦ هـ.
وبعده موسى بن حبيب القطان ت ٣٠٦ هـ
وربما غلب الاشتغال بالقراءات وتوجيهها على اتجاه المفسر وقد ظهر هذا الاتجاه على تفسير المهدوي ومكي وسوف يأتي الحديث عن ذلك أيضا في المباحث التالية.
وأما قسم الرأي المذموم فنرى فيه من سلك الاتجاه الصوفي والذي ينقسم بدوره إلى صوفي نظري فلسفي مثل ابن عربي والحرالي والعفيف التلمساني وغيرهم.
وإلى صوفي إشاري مثل ابن عجيبة وعبد الرحمن بن يوسف القصري وغيرهما
وهناك جماعة صنفوا في التفسير على طريقة الصوفية مطلقا ومنهم محمد المهدي بن سودة له هداية المنان في تفسير الفاتحة، وعبد الله بن محمد المرجاني القادم من مصر والمتوفى بتونس ٦٩٩ هـ له تفسير على تلك الطريقة.
ومنهم من ألف في التفسير على طريقة الحكماء ومنهم ابن مرزوق الحفيد له تفسير سورة الإخلاص.
ونرى فيه من سلك منهج الخوارج مثل عبدالوهاب بن رستم وهود بن محكم الهواري والورجلاني وإطفيش وغيرهم.
ونرى فيه من سلك الاتجاه الباطني الشيعي مثل النعمان بن حيون والعفيف التلمساني.
كما نرى فيه من تأثر بالمعتزلة وسلك مسلك الأشاعرة (١)
في التأويل مثل ابن عاشور وغيره.
стр. 496
وعلى الرغم من مرور المنطقة بعهد الأغالبة (١) الذي فشا فيه الاعتزال وصارت له صولة وجولة وامتحن فيه أهل السنة بسبب علماء المعتزلة إلا أنني لم أقف على تفسير مغربي يدعو إلى الاعتزال - إذا استثنينا مختصرات الكشاف (٢) التي لم نطلع عليها، أو من كان مثل العشاب ت ٧٣٠ هـ الذي جمع في تفسيره بين الكشاف وابن عطية ولم نطلع على كتابه أيضا - بل وقف المغاربة وقفة المنافح عن السنة ضد المعتزلة وقام بعضهم بالرد على الزمخشري وتتبع مخالفاته لأهل السنة ومنهم: عبد العزيز بن بزيزة ت ٦٦٢ هـ الذي جمع في كتابه البيان والتحصيل بين مشكلات الزمخشري وابن عطية، ومثل أبي علي السكوني ت ٧١٦ هـ ووالده أبي بكر ت ٦٤٦ هـ في كتابهما التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز، وغيرهم.
على أن من المغاربة من اختصر الكشاف فأزال عنه الاعتزال مثل: محمد بن علي ابن العابد الفاسي ت ٦٦٢ هـ.
وقد قال السلاوي متحدثا عن نقاء عقيدة أهل المنطقة في الحقبة الأولى بالرغم من دخول الأهواء إليها:
فبعد أن طهرهم الله تعالى من نزعة الخارجية أولاً، والرافضة ثانيًا (وأضيف أنا والمعتزلة ثالثا) أقاموا على مذهب أهل السنة والجماعة مقلدين للجمهور من السلف، ﵃ في الإيمان بالمتشابه، وعدم التعرض له بالتأويل، مع التنزيه عن الظاهر، وهو - والله - أحسن المذاهب
стр. 497
وأسلمها. (١)
كما نرى من أهل المنطقة من أفرد آيات أو سور أو بعض سور بالتفسير، مثل سور المفصل، وسورة الفاتحة، وسورة الإخلاص، ومثل البسملة وآية التطهير (٢) وآية الاصطفاء (٣) وغيرها (٤).
ومن عجائب عطاء المنطقة في التفسير كتاب الدر النفيس في تفسير القرآن بالتنكيس (٥) الذي صنفه محمد بن عبد السلام الدرعي الناصري ت ١٢٣٩ هـ
وكتاب السابق واللاحق لمحمد بن عبد الواحد الدكالي ت ٧٦٣ هـ وهو تفسير مطول جدا التزم فيه ألا ينقل حرفا من تفسير أحد ممن تقدمه وقال الصفدي: كانت طريقته في التفسير غريبة مارأيت له في ذلك نظيرا. (٦)
وأيضا كتاب بدع التفاسير لعبد الله بن محمد الصديق الغماري الذي قال في أوله:
هذا كتاب ما سبقت بمثله ... حجم الفوائد ناصح الثمرات
مهدت فيه مسائلا وقواعد تنفي ... عن التفسير بعض هنات (٧)
وقال في مقدمته:
هذا مؤلف عجيب، ليس له في بابه ضريب، تضمن التنبيه على بعض التفاسير المخطئة وقد تكون أحيانا خاطئة يجب اجتنابها في فهم كلام الله تعالى والبعد به عن أن تكون من جملة معانية لنبو لفظه عنها أو مخالفتها لما تقتضيه القواعد المأخوذة من الكتاب والسنة.
وقد ذكر فيه كثيرا من الانحرافات في التفسير وركز على نوعين من التفاسير:
أولهما: تفاسير المعتزلة أمثال أبي مسلم الأصفهاني والرماني والجبائي والزمخشري.
стр. 498
وثانيهما: تفاسير بعض المعاصرين مثل محمد فريد وجدي والخطيب والدمنهوري وعبد الجليل عيسى ومحمود شلتوت وعبد الوهاب النجار. (١)
إلا أنه وقع فيما فر منه في موقفه من صفات الله . (٢)
ونختتم الحديث في هذا المبحث بماقاله عبد السلام الكنوني واصفا الطابع المميز للمدرسة القرآنية بالمغرب:
أولا: تهتم بتوثيق النص عن طريق العناية بالقراءات إسنادا ونقلا وحفظا ودراسة.
ثانيا: تشغل في التفسير بفهم النص إعرابا وناسخا ونسوخا وإعجازا.
ثالثا: تتجه إلى تفسيره وتدبر معانيه واستخلاص أحكامه. (٣)
стр. 499
المبحث الثاني: تأثر التفسير في المنطقة بمدرسة المشرق:
الرحلة من المشرق إلى المنطقة والعكس (١):
لقد بدأت العلاقة بين المشارقة والمنطقة منذ الفتح الإسلامي وهذا بطبيعة الحال إلا أن الرحلة العلمية من المشرق إلى المنطقة قد بدأت ببعثة عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩ هـ وكانت لنشر العلم فيها لا لطلب العلم منها. (٢)
وقد كانت بداية دعوة المرابطين كما ذكرت في التمهيد على يد المفسر الفقيه المالكي عبد الله بن ياسين الذي وفد مع زعيم قبيلة جدالة الأمير يحيى بن إبراهيم إلى المنطقة بعد حج سنة ٤٢٩ هـ، فما كان من عبد الله بن ياسين إلا أن أسس رباطه الذي نشر عن طريقه العلم وحث الناس على الجهاد.
أما الرحلة من المنطقة إلى المشرق فقد بدأت من بعد الفتح الإسلامي وبالتحديد قبل سنة ٩٤ هـ قبل قدوم بعثة عمر بن عبد العزيز العلمية. (٣)
ومن ذلك رحلة خالد بن أبي عمران الذي رحل بمسائل الأفارقة المسلمين ليسأل عنها التابعين في المشرق. (٤)
وفي حوالي منتصف القرن الثاني بدأت الرحلة إلى المشرق تتكثف لاقتباس ما عند أهله من علوم الكتاب والسنة، وكان أكثر إقبال أهل القيروان على محدثي المدينة، لوفرتهم من جهة، ولكثرة تردد القرويين على مدنية الرسول ﷺ من جهة أخرى، وكان في المقدمة عندهم
стр. 500
الإمام أنس بن مالك، فأقبلوا عليه واتبعوا مذهبه، لاعتماده على الحديث، وموافقة ذلك ما في أنفسهم من التعطش إلى السنة والسعي إلى التزام الآثار، خاصة وأنه المذهب الوحيد، آنذاك، الذي يعتمد على الحديث إذ لم يظهر بعد مذهبا الشافعي وأحمد. (١)
وممن رحل إلى المشرق عبد الله بن فروخ الذي سمع من الإمام مالك بن أنس ومن سفيان الثوري والأعمش وابن جريج وكلهم من أعلام المفسرين ثم عاد إلى القيروان فأقام بها يعلم الناس فانتفع به كثيرون (٢).
ورحل موسى بن معاوية الصمادحي إلى المشرق، وسمع بمكة من سفيان بن عيينة صاحب التفسير المشهور، وسمع أيضا من وكيع بن الجراح بالعراق خمسة وثلاثين ألف حديث، وأخذ عنه مصنفه ورواه في القيروان وكما هو معلوم فإن وكيعا صاحب تفسير مسند ولاشك في دخول مرويات هذا التفسير أو جزء كبير منها في هذه الروايات (٣).
كما كان لعلي بن زياد شرف إدخال جامع سفيان الثوري الكبير وجامعه الأوسط إلى إفريقية (٤).
وأما سفيان الثوري فقد روى عنه كثير من أهل القيروان وسمعوا منه جامعيه الكبير والصغير، وكان بعضهم يميل إلى رأيه (٥) ولايخفى اشتغاله بالتفسير وتصنيفه فيه وليس ثمة شك في وصول تفسيره إلى المغرب رواية عنه.
وممن رحل في طلب العلم إلى المشرق من أبناء إفريقية أسد بن الفرات فلقي مالكا وصاحبي أبي حنيفة أبا يوسف يعقوب الكوفي ومحمد بن الحسن الشيباني الذي أقام عنده أسد مدة طويلة، واختص بالأخذ عنه في الفقه والتفسير، وذكر المالكي سؤال أسد للشيباني عن تعيين الذبيح فقال: قلت يومًا
стр. 501
لمحمد بن الحسن، اختلفت الروايات في الذبيح من هو؟ فقال قوم إسحاق، وقال قوم إسماعيل، وقال محمد أصح الروايات عندنا إسماعيل لأن الله يقول في كتابه الكريم ﴿فبشرناه بإسحاق ومن وراء إسحاق يعقوب﴾ (١) فكيف يختبر إبراهيم بذبح إسحاق وقد أعلمه الله أنه سيولد له إسحاق ويولد لإسحاق يعقوب؟ وإنما الاختبار فيما لم يعرف عاقبته وهو إسماعيل (٢).
ورحل إلى المشرق أيضا جماعة كبيرة من المفسرين بالمنطقة ومنهم محمد بن سحنون ت ٢٥٦ هـ ومحمد بن سعيد الفاسي ت ٧٧٨ هـ
وممن دخل المدينة وسمع بها سليمان بن سالم أبو الربيع القطان ت ٢٨١ هـ، ومحمد ابن عرفة الورغمي ت ٨٠٣ هـ
وممن دخل الحجاز ودرس فيه من المتأخرين محمد عبد الحي الكتاني ت ١٣٨٢ هـ ومحمد تقي الدين الهلالي ت ١٤٠٧ هـ وغيرهما.
كما قدم من مكة إلى المنطقة عبد اللطيف بن أحمد بن علي الفاسي ت ٨٤٣ هـ.
وعلى الرغم من أن العراق لم تكن في طريق رحلة القرويين إلى الحرمين فقد تكونت صلات علمية بين الطرفين حيث قصد أهل القيروان مختلف مدن العراق، وخاصة بغداد والبصرة والكوفة، وأخذوا عن علمائها ومنهم من أقام بها. كما أن بعض أهل العراق قد قدموا إلى القيروان واستوطنوها وبثوا فيها العلم، ويضاف إلى هذا الإجازات المتبادلة بين أهالي الجهتين، والمصنفات التي أدخلها القرويون من العراق. (٣)
وممن دخل العراق من المفسرين بالمنطقة:
فمن المتقدمين عكرمة مولى ابن عباس ت ١٠٥ هـ دخل البصرة وغيرها.
ومن المتأخرين محمد تقي الدين الهلالي ت ١٤٠٧ هـ دخل البصرة أيضا.
ومن الإباضية دخلها إبراهيم بن محمد إطفيش الإباضي ت ١٣٨٥ هـ.
وممن قدم من العراق من المفسرين جماعة على رأسهم يحيى بن سلام البصري الذي استوطن القيروان وحدث فيها بتفسيره.
كما دخلها محمد بن يحيى بن سلام ت ٢٦٢ هـ الذي قدم مع أبيه صغيرا وأقام بالمنطقة.
ومن بغداد دخلها إمام أهل السنة أحمد بن حنبل
стр. 502
ت ٢٤١ هـ
وأبو اليسر إبراهيم بن أحمد الشيباني البغدادي ت ٢٩٨ هـ الذي استوطن القيروان وكانت بها وفاته.
وأما بلاد الشام فدخلها جماعة كبيرة منهم:
علي بن أحمد الحرالي ت ٦٣٧ هـ الذي جال في البلاد وكانت وفاته بسورية.
وعلي بن عبد الله بن ناشر الوهراني ت ٦١٥ هـ الذي سكن دمشق وكان خطيبا لداريا.
سليمان بن علي العفيف التلمساني ت ٦٩٠ هـ وقد سكن دمشق.
ومحمد بن محمد بن أبي القاسم المشذالي ت ٨٦٥ هـ وسكن بيت المقدس.
محمد بن رشيد الفهري السبتي ت ٧٢١ هـ.
ومحمد بن علي الدكالي ت ٧٦٣ هـ.
ومحمد بن محمد ابن القوبع ت ٧٣٨ هـ.
ومحمد بن أحمد المقري التلمساني ت ٧٥٩ هـ والتقى هناك بالإمام ابن القيم وهو من هو في التفسير وغيره فاستفاد منه.
ومحمد بن إبراهيم التلمساني ت ٨٤٥ هـ وتزاحم عليه الناس حين علموا فضله وأجلوه.
محمد بن محمد بن الطيب التافلالتي ت ١١٩١ هـ وقد دخل دمشق مرارا.
وممن دخل الشام من المتأخرين ودرّس فيه محمد عبد الحي الكتاني ت ١٣٨٢ هـ، محمد الخضر حسين ت ١٣٧٧ هـ وكان له تأثير كبير فيه.
وأما من قدم من الشام إلى المنطقة فمنهم:
محمد بن عبد الوهاب بن عبد الكافي الواعظ الأطروش ت ٦٥٢ هـ وقد أقام بمراكش وتوفي بالقرب منها.
وإمام القراء محمد بن محمد ابن الجزري ت ٨٠٣ هـ
ودخلها من ملطية عبد الباسط بن خليل بن شاهين ابن الوزير ت ٩٢٠ هـ وأخذ بالمغرب النحو والكلام والطب.
وأما اليمن وتركيا (الروم) وبلاد ما وراء النهر فكانت الصلة بها محدودة جدًا لبعد المسافة إلا أنه لم يعدم الاتصال ومن أمثلة ذلك
رحلة يوسف بن يحيى المغامي القرطبي نزيل القيروان إلى اليمن حيث سمع بها من إسحق بن إبراهيم الدبري صاحب عبد الرزاق وراوي مصنفه ومعلوم أن عبد الرزاق له تفسير مسند ولا يستبعد أن يكون يوسف سمعه أيضا من إسحق (١).
وأيضا رحل ابن أبي منظور قاضي قيروان إلى صنعاء، فسمع بها من الدبري مصنف عبد الرزاق (٢).
وممن دخل بلاد الروم العفيف التلمساني
стр. 503
ت ٦٩٠ هـ، وأحمد بن محمد شهاب الدين المقري ت ١٠٤١ هـ دخل استانبول وغيرها ونال حفاوة من البلاد التي دخلها ودرس فيها، ويحيى بن محمد الشاوي الملياني ت ١٠٩٦ هـ وقرأ عليه المحبي وغيره وهو في تركيا تفسير سورة الفاتحة من تفسير البيضاوي، ومحمد بن الطيب الشرقي ت ١١٧٠ هـ، وأحمد بن مصطفى المستغانمي ت ١٣٥٣ هـ، ومحمد الخضر حسين ت ١٣٧٧ هـ
وقد وصل بعض أهل المنطقة في رحلته إلى المشرق إلى أواسط قارة أفريقيا قريبا من خط الاستواء وهو يوسف بن إبراهيم أبو يعقوب الورجلاني ت ٥٧٠ هـ
وأما من قدم من المفسرين من تلك البقاع ونحوها إلى المنطقة فقلة:
فقدم من الري إسماعيل بن علي ابن زنجويه أبو سعد السمان المعتزلي ت ٤٤٥ هـ
وقدم من تستر إلى المنطقة محمد بن عبد الملك بن سليمان الحنبلي الذي كان حيا سنة ٤٣٠ هـ
كما قدم علي بن فضال المجاشعي ت ٤٧٩ هـ من هجر.
أما مصر فتأثيرها في المنطقة كبير جدا وهذا واضح لمن تأمل التراجم فجل من رحل منهم إلى المشرق مر بمصر ونهل من علومها ودرس على علمائها وكثير منهم استقر بها وعلى وجه الخصوص بعد عودته من الحج، كما استفاد أمة من متأخريهم من الأزهر ورجاله وبعضهم انتسب إليه وارتبط به حتى درس فيه.
ومن هؤلاء:
مكي بن أبي طالب القيسي ت ٤٣٧ هـ
علي بن محمد الحصار ت ٦١١ هـ.
محمد بن أبي القاسم بن جميل الربعي وتوفي بها ٧١٥ هـ
ومحمد بن محمد ابن القوبع وتوفي بها ٧٣٨ هـ
محمد بن علي بن عبد الواحد الدكالي وتوفي بها ٧٦٣ هـ
محمد بن رشيد الفهري السبتي ت ٧٢١ هـ.
عبد العزيز ابن الدروال ت ٧٣٣ هـ وقد أقام بمصر ولم يحج.
إبراهيم بن محمد أبو إسحق السفاقسي ت ٧٤٢ هـ استقر بالقاهرة ولازم أباحيان الأندلسي.
محمد بن أحمد بن مرزوق العجيسي الجد الخطيب ت ٧٨١ هـ
محمد بن خلفة الوشتاتي الأبي ت ٨٢٧ هـ
القاسم بن سعيد العقباني ت ٨٥٤ هـ
عبد الرحمن بن مخلوف الثعالبي ت ٨٧٥ هـ وقد دامت رحلته إلى المشرق عشرين عاما.
محمد بن محمد بن أبي القاسم المشذالي ت ٨٦٥ هـ درس بمصر فبهر العقول
محمد بن عمر القلشاني ت ٨٩٠ هـ الذي
стр. 504
أقرأ التفسير بمصر.
يحيى بن محمد الشاوي الملياني ت ١٠٩٦ هـ أقام بمصر وأقرأ بها.
محمد بن محمد بن الطيب التافلالتي الأزهري ت ١١٩١ هـ وهو ممن تعلم بالأزهر وتحول إلى المذهب الحنفي.
محمد بن أحمد أبو راس المعسكري ت ١٢٣٩ هـ
أحمد بن محمود بن عبد الكريم ت ١٣١٥ هـ وكان له دروس في المشهد الحسيني حضرها محمد الخضر حسين وأعجب بها.
وأبو شعيب الدكالي ت ١٣٥٦ هـ
أما محمد الخضر حسين ت ١٣٧٧ هـ فقد استقر بمصر وكان له تأثير كبير فيها وتولى مشيخة الأزهر.
أحمد بن محمد الغماري ت ١٣٨٠ هـ وقد دخل القاهرة ودرس بها.
محمد العربي التطواني ت ١٤٠٠ هـ وهو ممن رحل للأزهر واستفاد بمصر من الشيخ رشيد رضا.
ودخلها من الإباضية صالح بن عمر بن داوود ت ١٣٤٧ هـ، ومحمد بن عمر بن أبي ستة المحشي ولزم حلق الأزهر ودرس به وتخرج عليه جماعة من الإباضية هناك، وإبراهيم بن محمد إطفيش ت ١٣٨٥ هـ وكان مرجعا للفتوى في المذهب الإباضي عند المشارقة والمغاربة.
وغيرهم كثير.
أما المفسرون القادمون من مصر إلى المنطقة فقلة جلهم من المتأخرين ومنهم:
عبد الله بن محمد بن عبد الملك المرجاني الصوفي ت ٦٩٩ هـ بتونس، وعماد الكندي السكندري ت ٧٤١ هـ، والحسن بن القاسم ابن أم قاسم ت ٧٤٩ هـ، وعبد الرحمن السيوطي ت ٩١١ هـ.
كما قدمها محمد عبده ت ١٣٢٣ هـ وكان تأثيره كبيرا على المنطقة، ومحمد الزمزمي بن محمد الصديق الغماري ت ١٤٠٨ هـ بطنجة، محمد الغزالي السقا ت ١٤١٦ هـ وقد ساهم في إنشاء جامعة الأمير عبد القادر الإسلامية بالجزائر، ومحمد متولي الشعراوي ت ١٤١٩ هـ مبتعثا من الأزهر ومدرسا بها.
ومن المعاصرين عطية محمد سالم الذي قدمها في بعثة كان لها أثر كبير في المنطقة.
التفاعل بين المشارقة والمغاربة بعد توقف الرحلة:
وفي العهد التركي كان الفقه والإنتاج الثقافي قد غلبت عليه التبعية والتقليد نتيجة للعوامل الفكرية التي كانت تسيطر آنذاك، وكأن البلاد أغلقت أبوابها في وجه التيارات الجديدة منذ استقرار الأندلسيين وتوقف الارتحال إلى
стр. 505
المشرق، وبعد حصول اليقظة العلمية عقب تلك الفترة ظهر اعتناء ببعض التفاسير المشرقية وعلى وجه الخصوص تفسير أبي السعود الذي اشتهر ووضعت عليه الحواشي أمثال حاشية الشيخ محمد زيتونة المنستيري المفسر (ت ١١٣٨ هـ) الذي سبقت ترجمته وسماها: مطالع السعود. (١)
وقد رحل الحسن بن مسعود اليوسي ت ١١٠٢ هـ إلى المشرق وقال: مابقي بالبلاد المشرقية من تشد له الرحال في طلب العلم. فرد عليه الكتاني. (٢)
ثم كان للشيخ محمد عبده ومحمد رشيد رضا من المشارقة تأثير واضح في المنطقة لاسيما في تونس والجزائر وتأثر بهما المفسر عبد الحميد بن باديس (ت ١٣٥٩ هـ) رئيس جماعة العلماء بالجزائر التي حاربت البدع المنتشرة عن طريق الطرق الصوفية واعتبرت حركة إصلاحية سلفية.
كما تأثر بهما أيضا محمد الطاهر بن عاشور صاحب التحرير والتنوير في التفسير (ت ١٣٩٣ هـ).
ومن تفاعل مفسري المنطقة مع المشارقة التعقب الذي ألفه أحمد بن محمد أبو العباس التطواني الرهوني ت ١٣٧٣ هـ على إنكار الشيخ محمد عبده سحر النبي ﷺ عند تفسيره للمعوذتين.
وممن تأثر كثيرا برحلته إلى المشرق محمد الأمين الشنقيطي ت ١٣٩٣ هـ فقد توجه إلى العقيدة السلفية وأثر ذلك التوجه في تفسيره وكان له تأثير بالغ في بلاده في تغيير مسار العقيدة فيها.
وعندما ألف الشنقيطي تفسيره متأثرا فيه برحلته إلى المشرق كان للموريتانيين منه موقف مشهور. (٣)
ومازالت العلاقة بين المنطقة والمشرق قائمة في عصرنا الحاضر متمثلة في انتقال المشتغلين بالتفسير من المنطقة للمشرق والعكس ونذكر من ذلك على سبيل المثال:
أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي الذي قدم من موريتانيا فاستفاد من علماء المشارقة ثم عاد إلى بلاده واشتغل بنشر العلم بها.
كتب التفسير التي دخلت المنطقة (٤):
لقد قدمت أن دخول أجزاء من الكتب التفسيرية مثل تفسير
стр. 506
المسيب بن شريك ونحوه إلى المنطقة كان في وقت مبكر، ومما دخل المنطقة أيضا من كتب التفسير ومايتعلق به:
التفسير المنسوب لابن عباس من رواية الكلبي. (١)
تفسير الحسن بن أبي الحسن. (٢)
تفسير عبد الله بن نافع. (٣)
تفسير عبد الرزاق. (٤)
تفسير القرآن للنسائي. (٥)
معاني القرآن للزجاج. (٦)
تفسير ابن جرير. (٧)
تفسير الفريابي. (٨)
شفاء الصدور للنقاش. (٩)
تفسير الماوردي. (١٠)
إعراب القرآن، معاني القرآن، الناسخ والمنسوخ الثلاثة للنحاس. (١١)
غريب القرآن لأبي عبيد القاسم بن سلام. (١٢)
تفسير ابن كثير. (١٣)
تفسير النسفي. (١٤)
ولست أشك في دخول تفسير الإمام أحمد (١٥) المغرب في رحلته إليها ويؤيد ذلك حصول الروداني المغربي على إجازته كما ذكرت في ترجمة الإمام أحمد، وماسقته في ترجمة بقي بن مخلد القرطبي الذي أكاد أجزم أن تفسيره العظيم يقوم أساسا على تفسير الإمام أحمد.
وفي العصور المتأخرة دخلت جل تفاسير المشارقة بسبب سهولة الاتصال بما يغني عن ذكر أسمائها هنا. (١٦)
стр. 507
اهتمام المغاربة ببعض تفاسير المشارقة (١):
لقد كان من نتاج العلاقة القائمة بين مدرسة التفسير في المشرق وبين مدرستنا، اهتمام أهل المنطقة بكثير من تفاسير المشارقة شرحا وتعليقا واختصارا، وكان من أكثر كتب التفسير التي كتب عليها حواش وتعليقات وعمل لها اختصارات الزمخشري والبيضاوي:
ومن ذلك: حاشية أحمد القصار على الزمخشري، وهو معاصر لابن عرفة من أهل القرن الثامن.
ومنها حاشية يحيى الشاوي الملياني ت ١٠٩٦ هـ ومنها تقييدات محمد المختار السوسي وهو من أهل القرن الرابع عشر.
وقد قدمنا أن العشاب ت ٧٣٠ هـ جمع في تفسيره بين الكشاف وابن عطية وأن عبد العزيز بن بزيزة ت ٦٦٢ هـ جمع في كتابه البيان والتحصيل بين مشكلات الزمخشري وابن عطية، وأن أبا علي السكوني ت ٧١٦ هـ ووالده أبا بكر ت ٦٤٦ هـ ألفا كتابهما التمييز لما أودعه الزمخشري من الاعتزال في تفسيره للكتاب العزيز، وأن هناك من اختصر الكشاف فأزال عنه الاعتزال مثل: محمد بن علي بن العابد الفاسي ت ٦٦٢ هـ.
وأما البيضاوي فكتب عليه محمد بن محمد البليدي ت ١١٧٦ هـ حاشية، ومحمد ابن الحسن الجنوي ت ١٢٠٠ هـ حاشية، ويوسف بن عدون بن حمو ت ١٢٢٣ هـ حاشية، ومحمد بن عثمان النجار ت ١٣٣١ هـ تقريرات.
كما ظهرت بعض الحواشي على كتب أخرى مثل تفسير الجلالين الذي كتب عليه حاشية يوسف بن محمد المصعبي المليكي ت ١١٨٨ هـ ومحمد بن الحسن الجنوي التطاوني ت ١٢٠٠ هـ
كما قام بعض المغاربة باختصار كتاب الطبري ت ٣١٠ هـ وممن قام باختصاره ثلاثة مترجمون في البحث وهم: أبو يحيى محمد بن أحمد بن صمادح التجيبي ت ٤١٩ هـ، ومحمد بن أحمد بن عبد الله ابن اللجالش ت ٤٩٠ هـ، ومحمد الطيب بن إسحق التنبكتي ت ١٣٦٣ هـ.
وكان الهدف من
стр. 508
ذلك تيسير وصول مضمون الكتاب الأصلي للعامة كما صرح بذلك ابن صمادح في المقدمة (١)، ولاشك أنه كان لذلك دور كبير في تأثر أهل المنطقة بجهود المشارقة التفسيرية.
ومن كتب التفاسير التي اختصرها أهل المنطقة أيضا:
تفسير الفخر الرازي اختصره محمد بن أبي قاسم بن جميل الربعي ت ٧١٥ هـ.
تفسير ابن الخطيب اختصره محمد بن محمد بن عبد النور التونسي كان حيا سنة ٧٦٢ هـ.
وقام جماعة من مفسري المغاربة بتدريس بعض تفاسير المشارقة ومن ذلك:
تفسير الدر المنثور للسيوطي كان يدرسه محمد الكبير السرغيني ت ١١٦٤ هـ
ومن المصادر التي أثرت في التفسير من كتب المشارقة أيضا:
التبيان الجامع لكل علوم القرآن لأبي جعفر الطوسي الشيعي ت ٤٦٠ هـ، لطائف الإشارات لعبد الكريم القشيري ت ٤٦٥ هـ، أحكام القرآن لعماد الدين الكيا الطبري ت ٥٠٤ هـ، مفاتيح الغيب للفخر الرازي ت ٦٠٦ هـ، التحرير والتحبير لأقوال أئمة التفسير في معاني كلام السميع البصير لجمال الدين ابن النقيب ت ٦٩٨ هـ (٢)
ولا شك أن المشارقة استفادوا أيضا من تفاسير أهل المنطقة وليس المجال مجال تتبع لذلك إلا أننا نشير هنا إلى أقدم استفادة وقفت عليها للدلالة على حصول هذا التأثير منذ المراحل الأولى لنشأة التفسير في منطقتنا وهو نقل ابن جرير الطبري شيخ مفسري التفسير بالمأثور عند المشارقة عن يحيى بن سلام شيخ مفسري التفسير بالمأثور عند المغاربة كما سيأتي عند كلامنا عن تفسيره.
стр. 509
المبحث الثالث: تأثر التفسير في المنطقة بالتفسير عند أهل الأندلس وغيرها من الدول المجاورة:
الرحلة من الأندلس إلى المنطقة والعكس:
لم يكن بالأندلس من العلم في بداية عهدها ما يغري الأفارقة بالرحلة لاكتسابه ثم إن من بها من العلماء كانوا يدخلون المنطقة عادة عند رحلتهم إلى المشرق وقد ابتدأت الرحلة إليها في آخر القرن الثالث. (١)
وأما الرحلة من الأندلس إلى القيروان فكانت على درجة عالية من النشاط حيث إنه لايخرج أندلسي للحج أو للطلب إلا ويمر على المنطقة وبخاصة القيروان ليتزود من علمائها ثم كان منهم من قام بالعطاء بها بعد عودته من المشرق واكتسابه الكثير من العلوم، وقد بدأت رحلة الأندلسيين إلى القيروان في أواخر القرن الثاني حيث قصد جماعة منهم يحيى بن سلام المفسر وأسد بن الفرات وغيرهما. (٢)
وفي القرن الثالث تكثفت الرحلة، وحل بالقيروان كبار محدثي الأندلس منهم: بقي بن مخلد (ت ٢٧٦ هـ) محدث الأندلس ومسندها، صاحب التفسير والمسند اللذين لانظير لهما (٣).
وقد كانت رحلة الأندلسيين إلى المنطقة كثيفة جدا وجل الفصل المتعلق بالوافدين على المنطقة إنما هو في المفسرين الأندلسيين، وقد استمرت الرحلة من الأندلس إلى المنطقة حتى أواسط القرن
стр. 510
الثامن حيث كانت جل الممالك الإسلامية قد سقطت في أيدي الفرنجة، ولم يبق إلا مملكة غرناطة التي منيت بالهزيمة في معركة طريف ٧٤١ هـ ثم ضربها الوباء ٧٤٩ هـ ثم استمر الصراع بينها وبين قشتالة إلى أن سقطت ٨٩٧ هـ، (١) وقد شملت الرحلة جل مناطق الأندلس الشهيرة ونذكر هنا على سبيل المثال مايؤيد ماذكرناه:
ففي القرن الثالث:
عبد الملك بن حبيب السلمي ت ٢٣٨ هـ من ألبيرة
إبراهيم بن حسين بن مرتيل ت ٢٤٩ هـ من قرطبة
قاسم بن محمد البياني ت ٢٧٦ هـ من قرطبة
وفي القرن الرابع:
محمد بن عبد الله بن مسرة الصوفي ت ٣١٩ هـ من قرطبة
محمد بن دليق ت ٣٣٥ هـ من وشقة
قاسم بن أصبغ ت ٣٤٠ هـ من بيانة
المنذر بن سعيد ت ٣٥٥ هـ من فحص البلوط
يحيى بن مجاهد ت ٣٦٦ هـ من إلبيرة
إبراهيم بن إسحق بن أبي زرد ت ٣٨٢ هـ من طليطلة
وفي القرن الخامس:
عبد الرحمن بن فطيس أبو المطرف ت ٤٠٢ هـ من قرطبة
عبد الرحمن بن مروان القنازعي ت ٤١٣ هـ من قرطبة
محمد بن أحمد بن صمادح ت ٤١٩ هـ من سرقسطة
أحمد بن محمد الطلمنكي ت ٤٢٩ هـ من طلمنكة
عثمان بن سعيد أبو عمرو الداني ت ٤٤٤ هـ من قرطبة
القاسم بن الفتح ابن الريولي ت ٤٥١ هـ من مدينة الفرج
سليمان بن خلف أبو الوليد الباجي ت ٤٧٤ هـ من بطليوس
محمد بن أحمد بن اللجالش ت ٤٩٠ هـ من المرية
وفي القرن السادس:
عبد الله بن طلحة بن محمد ت ٥١٨ هـ من يابرة
غالب بن عبد الرحمن ابن عطية ت ٥١٨ هـ من غرناطة
محمد بن الوليد أبو بكر الطرطوشي ت ٥٢٠ هـ من طرطوشة
علي بن عبد الله بن موهب الجذامي ت ٥٣٢ هـ من المرية
محمد بن إبراهيم أبو بكر الغساني ت ٥٣٦ هـ من المرية واستوطن مراكش ومات بها.
عبد السلام بن أبي الرجال ابن برجان الصوفي ت ٥٣٦ هـ من أشبيلية وتوفي بمراكش.
محمد بن عبد الله ابن العربي ت ٥٤٣ هـ من أشبيلية
أحمد بن معد الإقليشي ت ٥٥٠ هـ من دانيا
علي بن
стр. 511
عبد الله بن النعمة ت ٥٦٧ هـ من المرية
علي بن محمد الغرناطي ت ٥٧٧ هـ من غرناطة وتوفي بمراكش
أحمد بن عبد الصمد الخزرجي ت ٥٨٢ هـ من قرطبة وكان يدرس بجامع القرويين.
القاسم بن فيره الشاطبي ت ٥٩٠ هـ من شاطبة
أحمد بن عبد الرحمن بن مضاء ت ٥٩٢ هـ من قرطبة
وفي القرن السابع:
عبد الجليل بن موسى القصري ت ٦٠٨ هـ من قرطبة
محمد بن أحمد بن سليمان الإشبيلي ت ٦١٧ هـ من مالقة
إبراهيم بن محمد أبو إسحق الطائي ت ٦٢٠ هـ من قيجاطة
محمد بن علي ابن عربي الصوفي ت ٦٣٨ هـ من مرسية
محمد بن عبد الله بن أبي الفضل ت ٦٥٥ هـ من مرسية
محمد بن عبد الله بن ميمون ت ٦٥٧ هـ من قرطبة واستوطن مراكش وبها توفي.
علي بن محمد بن الحسن ت ٦٦٣ هـ من جيان وتوفي بتامطريت بالمغرب
محمد بن أحمد القرطبي صاحب التفسير ت ٦٧١ هـ من قرطبة
محمد بن سليمان بن أبي الربيع ت ٦٧٢ هـ من شاطبة
محمد بن أحمد بن سحمان ت ٦٨٥ هـ من شريش
وفي القرن الثامن:
محمد بن عبد الرحيم القيسي ت ٧٠١ هـ من الجزيرة الخضراء
محمد بن علي الجذامي ت ٧٢٣ هـ من أركش
محمد بن يوسف أبو حيان ت ٧٤٥ هـ من مطخشارش
ويلاحظ أن أعلى الفترات كثافة هو القرن السادس حيث ازدهرت الحياة العلمية ثم القرن السابع وأن أقل القرون حركة هو القرن الثامن لما تقدم.
وأما الذين رحلوا من المنطقة للأندلس وأخذوا عن علمائها فمنهم أحمد بن علي الربعي الباغايي المقرئ المفسر ت ٤٠١ هـ وأقرأ بجامع قرطبة.
وأحمد بن عمار المهدوي ت ٤٣١ هـ
والقاضي عياض اليحصبي السبتي ٥٤٤ هـ
وعمران بن موسى الهواري السلاوي ت ٦٤٠ هـ
وأحمد بن يوسف بن فرتون ت ٦٦٠ هـ
وأحمد بن محمد العشاب ت ٧٣٦ هـ
ورحل يوسف بن إبراهيم أبو يعقوب الورجلاني الإباضي ت ٥٧٠ هـ إلى الأندلس لطلب العلم وسكن قرطبة وقد شبهه الأندلسيون بالجاحظ.
وقد نعمت الأندلس بالإسلام قرابة ثمانية قرون منذ الفتح سنة ٩٢ هـ وحتى سقوط غرناطة آخر معاقل الإسلام بالمنطقة في أيدي الفرنجة عليهم من الله سخطه عام ٨٩٧ هـ، وختم عهد المفسرين بالأندلس بأبي حيان
стр. 512
ت ٧٤٥ هـ.
فانقطعت الرحلة حيث انقطع العطاء لزوال العلم الشرعي وسيم المسلمون أصناف العذاب والهوان فيما يسمى بمحاكم التفتيش وحاول الكفار إزالة كل مايمت للإسلام بصلة حتى غيروا أسماء المدن وحولوا المساجد إلى كنائس ولا حول ولا قوة إلا بالله (١)، وانقسمت الأندلس إلى أسبانيا والبرتغال، ولم أقف على من دخل تلك البلاد بعد ذلك من المفسرين سوى إبراهيم بن محمد التادلي ت ١٣١١ هـ الذي دخلها لأخذ بعض العلوم الحديثة.
وأما المفسرين الأندلسيين الذين رحل إليهم واستفيد من علومهم وإن لم يخرجوا من بلدهم الأندلس فكثير ومنهم على سبيل المثال:
من الفتح إلى انتهاء حكم الدولة الأموية: يوسف بن عبد البر النمري القرطبي ٣٦٠ هـ (٢)
وفي عصر ملوك الطوائف أبو محمد بن حزم الأندلسي الظاهري ٤٥٦ هـ (٣)
وفي عصر الموحدين أبو محمد عبد الحق بن غالب بن عطية ٥٤٦ هـ (٤)
التفاعل بين أهل المنطقة والأندلس في نتاج التفسير:
ومن تفاسير المشارقة التي اهتم بها أهل الأندلس وكان لها انتشار واسع:
تفسير ابن سلام:
والذين أجيزوا بتفسير ابن سلام من أهل الأندلس جماعة كثيرة منهم ابن الفرضي وغيره. (٥)
وكان من أهل الأندلس من يجيز بتفسير ابن سلام ومنهم أحمد بن سعيد بن عبد الملك من أهل بجانة (٦) وعلي بن الحسن المري (٧)، وقد سمع الناس بإلبيرة تفسير ابن سلام من علي بن عمر بن حفص الألبيري ت ٣٨٤ هـ
وروى محمد بن وضاح الصدفي وهو من
стр. 513
أهل شذونة بالأندلس تفسير ابن سلام بالقيروان. (١)
كما قام بعض الأندلسيين باختصاره ومنهم محمد بن عبد الله بن أبي زمنين ت ٣٩٩ هـ، وعبد الرحمن أبو المطرف القنازعي ت ٤١٣ هـ.
تفسير المهدوي:
قال الحافظ السيوطي في كتاب المهدوي: وقد اختصره أبو حفص الشيخ عمر بن أحمد الأندلسي وسماه: عين الأعيان وكان ذلك في سنة أربع وستين وسبعمائة (٢).
كما أن تفسير المهدوي مصدر من مصادر ابن عطية وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه ووصفه بالإتقان (٣).
تفسير أبي موسى الهواري:
وممن كان يرويه من أهل الأندلس المسيب بن سليمان الأستاجي. (٤)
وفي الجانب المقابل اهتم أهل المنطقة بتفاسير الأندلسيين ومن ذلك:
تفسير ابن عطية الإشبيلي (الوجيز) ت ٥٤١ هـ (٥):
وابن عطية كمفسر أندلسي كان له أثر على التفسير في المنطقة فقد جمع بين مشكلاته ومشكلات الزمخشري ابن بزيزة في تفسيره الموسوم بالبيان والتحصيل، واستفاد منه جمع ونقلوا عنه ومنهم الثعالبي الذي يعتبر ملخصا ومهذبا له وابن عاشور الذي نقل عنه في مواضع عدة من تفسيره.
وقام يحيى الشاوي الملياني ت ١٠٩٦ هـ بتأليف كتابه المحاكمات وهو حاشية على تفاسير ابن عطية وأبي حيان والزمخشري. كما قام بتدريسه بعض مفسري المغاربة ومنهم: هاشم بن محمد المدغري ت ١٢٦٥ هـ
وهكذا تفاعلت مدارس التفسير في شتى بقاع المسلمين وتلاقحت فيما بينها مما أثرى علم التفسير وساهم في نضوجه ووصوله للمستوى الذي وصل إليه الآن.
الصلة بصقلية (٦) وغيرها من المناطق المجاورة:
بدأت الصلات العلمية بين أهل المنطقة وبين صقلية على يد فاتحها
стр. 514
أسد بن الفرات وهو الفقيه المحدث الذي نشر بها مؤلفاته ثم ظهر فيها من المفسرين سليمان بن سالم أبو الربيع القطان ت ٢٨١ هـ وهو من تلاميذ سحنون وكان ابن مسكين قد ولاه مظالم القيروان ثم ولاه قضاء صقلية فخرج إليها ونشر بها علما كثيرا.
قال الشيرازي: وعنه انتشر مذهب مالك بها فلم يزل عليها قاضيا إلى أن مات.
وقد تردد أهل صقلية على المنطقة لطلب العلم ومنهم:
محمد بن أبي الفرج المازري ت ٥١٦ هـ، محمد بن عبد الله بن ظفر ت ٥٦٥ هـ
أما طرابلس الغرب فلم تنعدم الصلة بها بل قدم منها جماعة من المتأخرين للاستفادة من أهل المنطقة والإفادة ومنهم:
محمد بن علي الخروبي ت ٩٦٣ هـ الذي دخل الجزائر ونال بها شهرة واسعة وتوفي بها، ومحمد بن علي بن خليفة الغرياني ت ١١٩٤ هـ، وإبراهيم بن عبد القادر أبو إسحق ت ١٢٦٦ هـ بتونس، وكامل بن مصطفى ت ١٣١٥ هـ
وممن دخل طرابلس من أهل المنطقة محمد بن محمد التافلالتي ت ١١٩١ هـ.
стр. 515
المبحث الرابع: الفقه المالكي والظاهري وأثره في التفسير بالمنطقة:
عندما شعر أهل المنطقة بقلة منابع العلم في بلادهم خاصة بعد وفاة من عندهم من التابعين واستشهاد كثير من العلماء في الحروب الطويلة مع الخوارج بدأ توجههم يتكثف نحو المشرق لطلب العلم، تعويضا عن هذا النقص واتصلوا بكبار المحدثين والفقهاء من أمثال أبي حنيفة النعمان ومالك بن أنس وسفيان الثوري - وكان صاحب مذهب متبوع - وغيرهم ثم عادوا إلى القيروان ونشروا علم هؤلاء الشيوخ فكانت تلك هي البذرة الأولى لظهور المذاهب في المغرب.
ونظرًا لتطور البنية العامة للمجتمع الإسلامي وظهور المدارس الفقهية في الساحة وبروز المذاهب الفقهية المختلفة ظهر مايسمى بالتفسير الفقهي وتأثر بما صاحب ذلك من تقليد وانتصار لصاحب المذهب المتبوع حيث التمس كل تابع الأدلة الشرعية لمتبوعه، وأهم مايلتمس فيه الأدلة الشرعية هو كتاب الله .
فظهرت كتب خاصة بأحكام القرآن تتتبع آيات الأحكام فقط وتفسيرها، وتستنبط منها الأحكام الشرعية المستفادة، وظهرت كتب في التفسير غلب عليها الطابع الفقهي والاستطراد في الأحكام كلما مر صاحبها بآية من آيات الأحكام.
المذهب المالكي (١):
لقد تلقى أهل القيروان مذهب السلف على يد الصحابة والتابعين، ثم
стр. 516
شاهدوا بأعينهم الفتن التي أدى إليها التأويل والبعد عن النصوص، ولذلك ماإن أدخل علي بن زياد (ت ٣٨١ هـ) الموطأ إلى إفريقية وفسر لهم قول مالك ولم يكونوا بعرفونه، حتى أقبلوا عليه إقبالا منقطع النظير، لأنهم وجدوا فيه ضالتهم المنشودة لجمعه بين البساطة والأصالة، واعتماده على الحديث فإن صاحب هذا المذهب يدرس في مدينة رسول الله ص:، ويلتزم النص من الكتاب والسنة، ولايأخذ إلا عن الثقات، وبرع في السنة حتى سمي أمير المؤمنين في الحديث، وهو إلى جانب ذلك شديد الورع لايفتي إلا بحذر شديد وينفر من الرأي والتأويل. (١)
ويرجع سبب اختيار الأفارقة لمذهب مالك على غيره إلى اعتماده على الحديث وتقدمه على غيره من المذاهب التي سلكت نفس المنهج فقد كانوا متعطشين للوصول إلى المذهب الذي تتمثل السنة فيه، وقد وجدوا ذلك في مذهب مالك المبني أساسا على حديث أهل الحجاز، وهم الصفوة والكثرة من الصحابة والتابعين، كما أشار الأستاذ حسن حسني عبد الوهاب إلى أن السبب في ميل الأفارقة إلى مذهب مالك هو اتحاد سندهم وسند مدرسة مالك، حيث ذكر أن رواية الأفارقة للحديث أي قبل نشأة المذاهب، أكثر ما كانت بطريق المدنيين وسندهم. (٢)
وهناك أمر آخر يجدر التنبيه عليه، وبه يكتمل هذا التعليل، وهو التقدم الزمني للمذهب المالكي على غيره من المذاهب الأخرى المشتهرة بالاعتماد على الحديث، وخاصة مذهب الإمام الشافعي ومذهب الإمام أحمد، فكان الخيار أمام الأفارقة محصورا في المذهبين الحنفي والمالكي، فتجنبوا الأول لاشتهاره بالميل إلى الرأي، الذي كان سببا في الفتن التي عاشوها كما تقدم، وأقبلوا على الثاني، لاعتماده على الحديث وموافقة ذلك مافي نفوسهم من التعطش إلى السنة.
стр. 517
ويأتي في الدرجة الثانية من التعليل ماذهب إليه ابن خلدون (١) من أن رحلة أهل إفريقية كانت غالبا إلى الحجاز فاقتصروا على الأخذ عن علماء المدينة، وكذلك لمناسبة البداوة بين الشعبين.
وعلى يد علي بن زياد تخرجت الطبقة الأولى من علماء المالكية بالقيروان (٢)، مثل أسد بن الفرات، والبهلول بن راشد، وعبدالله بن غانم، وغيرهم ثم تسارع أهل هذه الطبقة للأخذ مباشرة عن الإمام مالك، حتى زاد الرواة عنه من أهل القيروان عن ثلاثين تلميذا (٣)، وبذلك كثر رواة الموطأ بالقيروان، وانتشر علم مالك، فأقبل عليه.
ثم جاء الإمام سحنون فجمع في مدونته علم مالك وفقهه، واستشهد لمسائلها بالآثار، فأصبحت عمدة المذهب، والكتاب الثاني بعد الموطأ، وقد أخذها عنه أهل إفريقية والمغرب والأندلس، حتى بلغ تلاميذه نحو السبعمائة (٤) نشروا علم مالك في هذه البلاد، قال الخشني: ثم قدم سحنون بذلك المذهب، وجمع مع ذلك فضل الدين والعقل والورع والعفاف والانقباض، فبارك الله تعالى فيه للمسلمين، فمالت إليه الوجوه وأحبته القلوب وصار زمانه كأنه مبتدأ، وقد محا ماقبله فكان سراج القيروان (٥)، وأقبل تلاميذ سحنون ومن بعدهم على التصنيف في المذهب واهتموا بالمدونة خاصة، مابين شارح ومختصر ومعلق ثم جاء ابن أبي زيد القيرواني الملقب بمالك الصغير، وعلى يديه استقر المذهب فهو الذي لخص المذهب وضم نشره، وذب عنه، وملأت البلاد تآليفه (٦) واستمر المذهب في نمو حتى صار في مطلع القرن الخامس هو المذهب الوحيد بإفريقية، وهكذا أصبحت القيروان هي المركز الثاني للمذهب المالكي بعد المدينة المنورة.
وبعد رحيل العبيديين لم يزل أمر السنة يقوى والمعز يعد العدة للتخلص من سلطانهم حتى كانت سنة ٤٣٥ هـ وفيها قطع دعوتهم، ولعنهم على المنابر،
стр. 518
ودخل في طاعة الدولة العباسية وحمل الناس على مذهب الإمام مالك حسما للخلاف، ولأنه مذهب معظم أهل إفريقية، وكانت بإفريقية مذاهب منحرفة كالشيعة والصفرية والإباضية والنكارية والمعتزلة، ومن مذاهب أهل السنة الحنفية والمالكية، فلم يبق في أيامه إلا مذهب الإمام مالك (١).
والإمام مالك من صدور أئمة التفسير المشهورين (٢) وله تفسير فقد قال الداوودي عنه: هو أول من صنف في تفسير القرآن بالإسناد على طريقة الموطأ وتبعه الأئمة ... (٣)
وقال القاضي عياض: وله في تفسير القرآن كلام كثير وقد جمع وتفسير يرويه عنه بعض أصحابه وقد جمع أبو محمد مكي مصنفا فيما روي عنه من التفسير والكلام في معاني القرآن وأحكامه ... (٤)
وقد نقل ابن العربي في كتابه القبس في شرح الموطأ جزءا من هذا التفسير. (٥)
وجل المفسرين الذين ذكرنا تراجمهم من المالكية مما كان له أثر كبير على التفسير في المنطقة.
وسوف يأتي في دراسة تفاسير بعض أهل المنطقة اهتمامهم بالفقه على مذهب مالك ومنافحتهم عنه في بعض الأحيان وترجيحهم له على غيره من المذاهب.
المذهب الظاهري:
وهذا المذهب لاينسب لشخص بعينه وإن نسبه البعض إلى داود بن علي بن خلف الأصبهاني المولود بالكوفة ٢٠٢ هـ والمستقر ببغداد حيث يقال: إنه أول من قال بالظاهر في الشريعة الإسلامية. (٦)
وإنما هذا منهج فقهي يقوم على نفي القياس في الأحكام الشرعية على
стр. 519
خلاف بين أهله، واستخراج الأحكام من ظواهر النصوص دون تأويل ولا بحث عن العلة. (١)
وقد انتشر هذا المذهب في المشرق حتى غدا في القرنين الثالث والرابع الهجريين مذهبا رابعا لمذاهب الحنفية والمالكية والشافعية.
وأول من أدخل هذا المذهب إلى منطقة المغرب والأندلس عبد الله بن محمد بن قاسم بن هلال ٢٩٢ هـ تلميذ داود بن علي الظاهري فنسخ كتبه واجتهد في نشرها. (٢)
ومذهب داوود بن علي الأصبهاني الظاهري (ت ٢٧٥ هـ) أدخله للمنطقة أبو جعفر بن خيرون (٣)، ويعتبر أول منافح عنه منذر بن سعيد البلوطي المفسر الذي كان كثير الاحتجاج والنظر ثم تلاه العبقري الفذ الذي قعد للمذهب ورفعه إلى أوج رفعته أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم وهو إمام في كل فن ومن ذلك التفسير على الرغم من كونه لم يصنف فيه، ومؤلفاته تشهد له بذلك وقد أفرده صاحب المدرسة القرآنية بفصل ذكر فيه جهوده التفسيرية. (٤)
وابن حزم وإن لم يخرج من الأندلس إلا أن علمه قد خرج عن طريق من تتلمذ عليه من العلماء والمكاتبات بينه وبين غيره وخروج مؤلفاته وكتبه.
كما أنه قد تأثر بمفسري المنطقة الأندلسيين وغيرهم ومن هؤلاء بقي بن مخلد القرطبي الذي وصف ابن حزم كتابه في التفسير بقوله: هو الكتاب الذي أقطع قطعا لا استثناء فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره. (٥)
ويكفي أن المنذر بن سعيد قد وطئ المنطقة وبث فيها من فكر أهل الظاهر الشيء الكثير.
وقد قام بتصنيف كتابه في أحكام القرآن: الإنباه على
стр. 520
استنباط الأحكام من كتاب الله. وقد رواه عنه الناس وقرأوه عليه كغيره من كتبه، كما صنف الناسخ والمنسوخ ولا شك أن هذه الكتب بناها على منهجه الفقهي وقرر فيها مايميل إليه. وقد مدحه ابن حزم بأنه في أحكام القرآن غاية. (١)
وظهر بعده من تبنى هذا المنهج وعلى رأسهم الإمام أبو حيان الأندلسي صاحب البحر المحيط الذي كان يقول: محال أن يرجع عن مذهب الظاهر من علق بذهنه. (٢)
وقد نقل المفسرون من أهل المنطقة قديما وحديثا نقولا عن أهل الظاهر عند تفسيرهم لآيات الأحكام ولا أطيل هنا بتتبع ذلك. (٣)
وقد اقتصرت في هذا المبحث على هذين المذهبين لانتشارهما وتأثر التفسير بهما بخلاف غيرهما من المذاهب الإسلامية التي ظهرت بصورة ضئيلة فيها ولكنها سرعان مااندثرت ولم يكثر الآخذون بها مثل مذهب أبي عمر الأوزاعي (ت ١٥٧ هـ) ومذهب سفيان الثوري (ت ١٦١ هـ)
أما مذهب محمد بن إدريس الشافعي (ت ٢٠٤ هـ) فقد كان حظه بالقيروان أكثر من سابقيه حيث مال إليه مجموعة من أهلها وقد صنف بعض علماء القيروان في الرد على مذهب الشافعي كتبا منها كتاب الرد على الشافعي لمحمد بن سحنون (ت ٢٥٦ هـ) وكتاب الحجة في الرد على الشافعي فيما أغفل من كتاب الله وسنة نبيه محمد ﷺ ليحيى بن عمر (ت ٢٨٩ هـ)
ومن المفسرين الذين تمذهبوا بالمذهب الشافعي من أهل المنطقة:
محمد بن علي بن عبد الواحد ابن النقاش الدكالي ت ٧٦٣ هـ
وعبد الله بن محمد بن الصديق الغماري ت ١٤١٣ هـ وقد كان مالكيا ثم أصبح شافعيا ثم ترك التقليد.
стр. 521
أما المذهب الحنفي فيعتبر أسبق المذاهب في الدخول إلى القيروان، وكان هو الغالب على أهلها قبل دخول المذهب المالكي باعتباره مذهب الدولة الرسمي ثم ضعف عندما أقبل الناس على مذهب مالك إلا أنه عاد إلى الظهور في عهد بني عبيد لموافقتهم إياهم في بعض المسائل إلى أن زالت أسبابه في مطلع القرن الخامس فامحت آثاره من إفريقية، وخاصة بعد ماألزم المعز بن باديس الناس بمذهب مالك حسماً لمادة الخلاف في المذاهب. (١)
وممن تمذهب بالمذهب الحنفي من أهل المنطقة من المفسرين:
الحسين بن محمد ابن العنابي الجزائري ت ١١٥٠ هـ، محمد بن محمد بن الطيب المغربي التافلالتي ت ١١٩١ هـ وقد كان مالكيا، وأحمد بن محمد ابن الخوجة ت ١٣١٣ هـ شيخ الحنفية في وقته، وأحمد بن محمود بن عبد الكريم ت ١٣١٥ هـ شيخ الحنفية أيضا.
стр. 522
المبحث الخامس: القراءات وأثرها في التفسير بالمنطقة:
إن القرآن الكريم هو أهم مايحرص المسلم على تلاوته وحفظه وفهم معانيه والعمل به. وهو أول ماتسعى الجيوش الفاتحة لأن تلقنه لمن أسلم من أهل البلاد المفتوحة، وذلك يستلزم ضرورة أن تتضمن تلك الجيوش أعدادا كبيرة من القراء، ولم يتخلف هذا الأمر عند فتح إفريقية، فقد اشتهر بعض من دخلها من الصحابة جميعا من العناية الفائقة بالقرآن والاهتمام بشأنه، وعلى عهد الصحابة نشأت الكتاتيب بالقيروان، كما ذكرت في التمهيد، وكانت مهمتها الأساسية تعليم القرآن، ثم ازدادت انتشارا في عهد التابعين، الذين عرف كثير منهم بالتقدم في علوم القرآن، مثل عكرمة مولى ابن عباس وراوي علمه، وقد كانت له حلقة علمية في جامع عقبة، وإسماعيل بن عبيد الله مؤدب ولد عبد الملك بن مروان الخليفة وجعثل بن عاهان الرعيني الذي كان من القراء وغيرهم وعن طريق التابعين تلقى أهل القيروان علوم القرآن المنقولة بالرواية، والتي كانت في تلك المرحلة تعتبر من أبواب الحديث.
وعليه فقد نشأ علم القراءات بالمنطقة كغيرها من بلدان المسلمين عن طريق القراء من الصحابة والتابعين ثم انتشرت بعض القراءات أكثر من غيرها في بعض المناطق لاعتبارات متعددة وعلى الرغم من وصول القراءات السبع إلى المنطقة حيث نقل المقري مايدل على وصولها إلى الأندلس (١)، إلا أن القراءة التي اعتمدت في جميع الأقاليم هي قراءة نافع بن أبي نعيم المدني (٢)
стр. 523
ويعزى ذلك للانتماء إلى مذهب أهل المدينة في الفقه والارتباط الشديد بها منذ العهود الأولى والرحلة منها وإليها.
وقد كان محمد بن برغوث القروي (ت ٢٧٢ هـ) يدرس مختلف القراءات في جامع عقبة، ويتوسع في ذلك فأمره القاضي عبد الله بن أحمد بن طالب (ت ٢٧٥ هـ) بالاقتصار على قراءة نافع. (١)
ولقد حفلت المنطقة بأئمة كبار من أئمة القراءات بل إن بعضهم كان المعول الذي عول عليه في هذا الفن سواء في المشرق أم في المغرب - وأعني بذلك أبناء المنطقة والداخلين إليها - والذي يعنينا هنا المفسرون منهم ونذكر على سبيل المثال: الإمام أحمد بن عمار المهدوي المولود بالمهدية ت ٤٣١ هـ صاحب الهداية والكفاية وغيرهما من كتب القراءات، والإمام مكي بن أبي طالب القيسي المولود بالقيروان ت ٤٣٧ هـ صاحب المصنفات العظيمة في هذا العلم، ثم أبو عمرو الداني المولود بقرطبة ت ٤٤٤ هـ صاحب التيسير الكتاب الذي يعتبر عمدة القراء من بعده، ثم الإمام الشاطبي المولود بشاطبة ت ٥٣٨ هـ صاحب الشاطبية التي طار ذكرها في الآفاق. (٢)
وأهمية القراءات ودورها في التفسير من الأمور المعلومة لدى المشتغلين بالقرآن وعلومه وقد اعتبر أهل العلم الإلمام بعلم القراءات من شروط المفسر الذي ينبري لتفسير كتاب الله وسير أغواره. (٣)
وقال السيوطي: باختلاف القراءات يظهر الاختلاف في الأحكام ... (٤)
وقال أيضا: وبالقراءات يترجح بعض الوجوه المحتملة على بعض. (٥)
وقد ذكر ابن الجزري ومن بعده السيوطي - وكلاهما قد دخل منطقتنا - فوائد
стр. 524
تنوع القراءات ومن ذلك أن يريد الله أكثر من معنى للآية فيضمن معنيين مثلا في قراءتين، أو تكون إحدى القراءتين مفسرة وموضحة لإجمال في القراءة الأخرى، وتعلق هذا بالتفسير وطيد بالإضافة لما فيه من المبالغة في إعجاز القرآن بإيجازه إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات ولو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخف مافيه من التطويل. (١)
وقد مرت القراءات في المنطقة بمراحل:
المرحلة الأولى: وهي طور القراءة الحرة قبل أن تعرف القراءات السبع أو العشر فقد رويت في ذلك حروف عن عبد الله بن عباس وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر ابن الخطاب وعبد الله بن عمرو بن العاص وعقبة بن عامر وعبد الرحمن بن الأسود وغيرهم من الصحابة الذين دخلوا المنطقة بل كان لبعضهم مصاحف خاصة، وكذا عن بعض التابعين أمثال عكرمة وحنش الصنعاني وعلي بن رباح اللخمي وغيرهم وقد كان لبعضهم أيضا مصاحف خاصة. (٢)
وفي تلك المرحلة لا يظهر أثر واضح للقراءات في التفسير إلا في آحاد الآثار المروية عن هؤلاء الصحابة والتابعين حيث لا يعرف تفسير متكامل لأحد منهم.
ويدخل في ذلك قول السيوطي: من المهم معرفة التفاسير الواردة عن الصحابة بحسب قراءة مخصوصة، وذلك أنه قد يرد عنهم تفسيران في الآية الواحدة مختلفان، فيظن اختلافا وليس باختلاف، وإنما كل تفسير على قراءة. وقد تعرض السلف لذلك فأخرج ابن جرير في قوله تعالى ﴿لقالوا إنما سكرت أبصارنا﴾ (٣) من طرق عن ابن عباس وغيره أن سكرت بمعنى سدت، ومن طرق أنها بمعنى أخذت. ثم أخرج عن قتادة قال: من قرأ سكرت مشددة فإنما يعني سدت، ومن قرأ سكرت مخففة فإنه يعني سحرت. وهذا الجمع من قتادة نفيس بديع. (٤)
المرحلة الثانية: طور الاختيار وقد تخلى فيه أهل المنطقة عن القراءات
стр. 525
الشاذة التي لا توافق المصحف العثماني مع حرية اختيار القراءة دون التزام بقراءة مصر معين، وذلك بعد بعثة عمر بن عبد العزيز سنة ٩٩ هـ. (١)
ثم ظهر في أواخر القرن الثاني يحيى بن السلام المفسر الذي ظهر له اختيار في القراءات (٢) كما سبق ذكره في ترجمته وذلك من خلال مروياته الواسعة في القراءات عن أهل البصرة والكوفة وأهل المدينة ويظهر سعة علمه في ذلك من خلال تفسيره الذي تأثر تأثرا بليغا بمحصلة صاحبه في القراءات. (٣)
ويظهر أثر المرحلة الثانية في انتشار القراءات في المنطقة في التفاسير المصنفة في تلك الحقبة ولم يصلنا منها إلا تفسير يحيى وما بني عليه مثل تفسير هود بن محكم الهواري الذي يعتبر اختصارا لتفسير يحيى مع تشويه في العقيدة لتوافق مذهب الإباضية كما سيأتي بيانه في دراسة الكتاب، ويلاحظ أن سوق القراءات فيه لا ينتمي لقراءة معينة أو لمصر معين.
المرحلة الثالثة: طور ترجيح القراءات بعد تسبيع السبعة من أبي بكر بن مجاهد (ت ٣٢٤ هـ) فقد ذكر ابن الفرضي مايفيد أن أهل إفريقية كان الغالب عليهم قراءة حمزة حتى قدم عليهم محمد بن عمر بن خيرون ت ٣٠٦ هـ بقراءة نافع فاجتمع إليه الناس ورحل إليه لتعلمها بعد أن كان لايقرأ بها إلا الخواص. (٤)
ويرجع انتشار قراءة حمزة أولا لانتشار المذهب الحنفي آنذاك بالمنطقة ومنبعه من الكوفة فتبنى الناس القراءة الشائعة بمصر إمامهم، كما وجدت أيضا قراءة أبي عمرو البصري نتيجة لتتلمذ الأفارقة على شيوخ بصريين دخل بعضهم المنطقة ومكث فيها وعلى رأسهم يحيى بن سلام. (٥)
ثم كان ما كان
стр. 526
من ضعف توجه أهل المنطقة لغير قراءة نافع حتى حمل الناس عليها.
وقد تأثرت التفاسير تأثرا ظاهرا بالقراءات جملة ويظهر ذلك جليا في تفاسير أئمة الإقراء المبرزين أمثال المهدوي ومكي ونحوهما بل إن بعضهم كالمهدوي اعتبر تفسيره مبنيا على كتبه في القراءات زاد عليها أو أن التفسير هو الأصل ثم اختصر منه كتبه في القراءات ونقحها.
ورغم كثرة تآليف المهدوي في القراءات إلا أنه خصص لها بابا في التفسير بكتابيه التفصيل والتحصيل هو الباب الثالث كما أدمجها مع الإعراب في الباب الرابع ثم جعل لها في آخر التفسير قسما خاصًا بأصولها. (١)
كما كان من التأثير البين لقراءة نافع في التفسير في العصور المتأخرة أن اعتبرها بعض المفسرين الأصل في تفاسيرهم بخلاف المشارقة الذين اعتمدوا قراءة عاصم من رواية حفص في الغالب ولم أقف على من خالف في ذلك سوى الشوكاني.
وممن نص على اعتماد قراءة نافع في تفسيره محمد الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير، ومحمد المكي الناصري في التيسير في أحاديث التفسير، وعبد الله كنون في تفسير سور المفصل، والأخضر بن قويدر في قطوف دانية من آيات قرآنية.
стр. 527
الفصل الثاني
دراسة أمثلة للتفسير بالمأثور بالمنطقة
стр. 528
تفسير يحيى بن سلام من خلال تفسيره ومختصره لابن أبي زمنين
مؤلف هذا التفسير هو يحيى بن السلام بن أبي ثعلبة البصري ثم القيرواني ت ٢٠٠ هـ وهو من أئمة القيروان ولو أنه مولود بالكوفة ونشأ بالبصرة وقد صنف تفسيره بالقيروان ومنها انتشر. (١)
التعريف بالتفسير:
وتفسير ابن سلام مشهور باسمه وهو من التفاسير المخطوطة غير الكاملة (٢) وقد رجعت إلى بعض أجزاء منه بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بعضها مصورة برقم ٦١١، ٦١٠، وبعضها على ميكروفيلم برقم ١٣٤٣، ١٣٤٤، ١٣٤٥، ١٣٤٦، وهي نسخة عن دار الكتب القومية برقم ٢٤٧٩١ / ب، ٢٤٧٩٢ / ب.
وتفسير ابن سلام اهتم به عدة من الباحثين (٣) فحاولوا تحقيق بعض أجزائه ولكن لم أقف على شيء طبع من ذلك حتى الآن.
وقد جاء تفسير ابن سلام من طرق: منها طريق ابنه محمد (ت ٢٦٢ هـ) الذي كانت له عناية كاملة ومعرفة بالحديث، ومنها طريق أبي داوود بن موسى بن جرير الأزدي العطار (ت ٢٧٤ هـ)، الذي اشتهر بطلب العلم منذ صغر سنه، وقد عمر، وعن طريقه انتشر تفسير ابن سلام بالأندلس وبالمشرق.
وتفسير ابن سلام اختصره عالمان أندلسيان هما أبو عبد الله محمد بن
стр. 529
عيسى بن أبي زمنين (١)، وعبد الرحمن بن مروان القنازعي ت ٤١٣ هـ، ولم يصلنا غير مختصر ابن أبي زمنين وقد اطلعت عليه في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية النسخة المصورة برقم ٣١٣١، والميكروفيلم برقم ١٣٥٠، ٤٤٩٨ وقال في مقدمته:
قرأت كتاب يحيى بن سلام في تفسير القرآن، فوجدت فيه تكرارا كثيرا وأحاديث ذكرها يقوم التفسير دونها، فطال بذلك الكتاب ... فاختصرت في هذا الكتاب مكرره وبعض أحاديثه ورددت مافيه من غير كتاب يحيى مالم يفسره يحيى، وأتبعت ذلك إعرابا كثيرا ... الخ. (٢)
ولهذا التلخيص أهمية كبيرة إذا يساعد على تلافي ما لحق تفسير ابن سلام من نقص، إذ الموجود منه، في مختلف قطعه، يقارب ثلثيه. (٣)
وهناك كتاب ثالث يعتبر اختصارا لتفسير ابن سلام وإن لم يصرح صاحبه بذلك إلا أنه عبث ببعض النصوص العقدية لتوافق معتقده ألا وهو تفسير هود بن محكم الهواري الإباضي وسوف يأتي الحديث عنه مفصلا في الفصل القادم.
وقد تكلم عن منهج ابن سلام في تفسيره عدة (٤)، سوف ألخص كلامهم وأزيد عليه مايتيسر إلا أنني لن أطيل في بيان منهجه لأنني سوف أتعرض له مرة ثانية ضمنا عند حديثي عن منهج هود الهواري.
ومقدمة تفسير ابن سلام مفقودة وجاء على بعض أجزائه: الجزء الحادي والعشرون والثاني والعشرون من تفسير يحيى بن سلام البصري ﵀ رواية أبي الحسن علي ابن
стр. 530
الحسن عن أبي داود وأحمد بن موسى عن يحيى بن سلام سماع لعبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن. وفيها خرم كثير وتكرار في بعض المواضع.
وقد ذكر ابن أبي زمنين أنه سيبدأ اختصاره بما بدأ به يحيى بن سلام وهو قوله: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. (١)
كما يتبين من نقل ابن أبي زمنين أن مقدمة ابن سلام تضمنت ذكر حد الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وبعض مايتعلق بنزول القرآن وترتيب الآيات داخل السور وماجاء في البسملة.
ونقل ابن أبي زمنين عن يحيى أيضا قوله في مقدمته: ولا يعرف تفسير القرآن إلا من عرف اثنتي عشرة خصلة: القرآن المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والتقديم والتأخير والمقطوع والموضوع والخاص والعام والإضمار والعربية (٢).
المنهج العام للتفسير:
وتفسير يحيى بن سلام تفسير أثري على منهج القدماء وهو حلقة بين التفاسير المتقدمة الخالية من أي تدخل من المفسر مثل تفسير ابن جريج ومجاهد وغيرهما وبين تفسير ابن جرير الطبري الذي استفاض في ذكر اللغويات والقراءات والترجيحات.
وهذا التفسير يعتبر أقدم تفسير بالمأثور موجود إلى اليوم حيث لم يصل إلينا ما ألف
من تفاسير قبله (٣).
ومنهج يحيى فيه أنه يذكر الآية ثم يسوق الأحاديث والآثار الواردة فيها