← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.

стр. 526

من ضعف توجه أهل المنطقة لغير قراءة نافع حتى حمل الناس عليها. وقد تأثرت التفاسير تأثرا ظاهرا بالقراءات جملة ويظهر ذلك جليا في تفاسير أئمة الإقراء المبرزين أمثال المهدوي ومكي ونحوهما بل إن بعضهم كالمهدوي اعتبر تفسيره مبنيا على كتبه في القراءات زاد عليها أو أن التفسير هو الأصل ثم اختصر منه كتبه في القراءات ونقحها. ورغم كثرة تآليف المهدوي في القراءات إلا أنه خصص لها بابا في التفسير بكتابيه التفصيل والتحصيل هو الباب الثالث كما أدمجها مع الإعراب في الباب الرابع ثم جعل لها في آخر التفسير قسما خاصًا بأصولها. (١) كما كان من التأثير البين لقراءة نافع في التفسير في العصور المتأخرة أن اعتبرها بعض المفسرين الأصل في تفاسيرهم بخلاف المشارقة الذين اعتمدوا قراءة عاصم من رواية حفص في الغالب ولم أقف على من خالف في ذلك سوى الشوكاني. وممن نص على اعتماد قراءة نافع في تفسيره محمد الطاهر ابن عاشور في التحرير والتنوير، ومحمد المكي الناصري في التيسير في أحاديث التفسير، وعبد الله كنون في تفسير سور المفصل، والأخضر بن قويدر في قطوف دانية من آيات قرآنية.

стр. 527

الفصل الثاني دراسة أمثلة للتفسير بالمأثور بالمنطقة

стр. 528

تفسير يحيى بن سلام من خلال تفسيره ومختصره لابن أبي زمنين مؤلف هذا التفسير هو يحيى بن السلام بن أبي ثعلبة البصري ثم القيرواني ت ٢٠٠ هـ وهو من أئمة القيروان ولو أنه مولود بالكوفة ونشأ بالبصرة وقد صنف تفسيره بالقيروان ومنها انتشر. (١) التعريف بالتفسير: وتفسير ابن سلام مشهور باسمه وهو من التفاسير المخطوطة غير الكاملة (٢) وقد رجعت إلى بعض أجزاء منه بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بعضها مصورة برقم ٦١١، ٦١٠، وبعضها على ميكروفيلم برقم ١٣٤٣، ١٣٤٤، ١٣٤٥، ١٣٤٦، وهي نسخة عن دار الكتب القومية برقم ٢٤٧٩١ / ب، ٢٤٧٩٢ / ب. وتفسير ابن سلام اهتم به عدة من الباحثين (٣) فحاولوا تحقيق بعض أجزائه ولكن لم أقف على شيء طبع من ذلك حتى الآن. وقد جاء تفسير ابن سلام من طرق: منها طريق ابنه محمد (ت ٢٦٢ هـ) الذي كانت له عناية كاملة ومعرفة بالحديث، ومنها طريق أبي داوود بن موسى بن جرير الأزدي العطار (ت ٢٧٤ هـ)، الذي اشتهر بطلب العلم منذ صغر سنه، وقد عمر، وعن طريقه انتشر تفسير ابن سلام بالأندلس وبالمشرق. وتفسير ابن سلام اختصره عالمان أندلسيان هما أبو عبد الله محمد بن

стр. 529

عيسى بن أبي زمنين (١)، وعبد الرحمن بن مروان القنازعي ت ٤١٣ هـ، ولم يصلنا غير مختصر ابن أبي زمنين وقد اطلعت عليه في مكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية النسخة المصورة برقم ٣١٣١، والميكروفيلم برقم ١٣٥٠، ٤٤٩٨ وقال في مقدمته: قرأت كتاب يحيى بن سلام في تفسير القرآن، فوجدت فيه تكرارا كثيرا وأحاديث ذكرها يقوم التفسير دونها، فطال بذلك الكتاب ... فاختصرت في هذا الكتاب مكرره وبعض أحاديثه ورددت مافيه من غير كتاب يحيى مالم يفسره يحيى، وأتبعت ذلك إعرابا كثيرا ... الخ. (٢) ولهذا التلخيص أهمية كبيرة إذا يساعد على تلافي ما لحق تفسير ابن سلام من نقص، إذ الموجود منه، في مختلف قطعه، يقارب ثلثيه. (٣) وهناك كتاب ثالث يعتبر اختصارا لتفسير ابن سلام وإن لم يصرح صاحبه بذلك إلا أنه عبث ببعض النصوص العقدية لتوافق معتقده ألا وهو تفسير هود بن محكم الهواري الإباضي وسوف يأتي الحديث عنه مفصلا في الفصل القادم. وقد تكلم عن منهج ابن سلام في تفسيره عدة (٤)، سوف ألخص كلامهم وأزيد عليه مايتيسر إلا أنني لن أطيل في بيان منهجه لأنني سوف أتعرض له مرة ثانية ضمنا عند حديثي عن منهج هود الهواري. ومقدمة تفسير ابن سلام مفقودة وجاء على بعض أجزائه: الجزء الحادي والعشرون والثاني والعشرون من تفسير يحيى بن سلام البصري ﵀ رواية أبي الحسن علي ابن

стр. 530

الحسن عن أبي داود وأحمد بن موسى عن يحيى بن سلام سماع لعبد الرحمن بن مروان بن عبد الرحمن. وفيها خرم كثير وتكرار في بعض المواضع. وقد ذكر ابن أبي زمنين أنه سيبدأ اختصاره بما بدأ به يحيى بن سلام وهو قوله: حدثنا سفيان الثوري عن عبد الأعلى عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار. (١) كما يتبين من نقل ابن أبي زمنين أن مقدمة ابن سلام تضمنت ذكر حد الناسخ والمنسوخ والمكي والمدني وبعض مايتعلق بنزول القرآن وترتيب الآيات داخل السور وماجاء في البسملة. ونقل ابن أبي زمنين عن يحيى أيضا قوله في مقدمته: ولا يعرف تفسير القرآن إلا من عرف اثنتي عشرة خصلة: القرآن المكي والمدني والناسخ والمنسوخ والتقديم والتأخير والمقطوع والموضوع والخاص والعام والإضمار والعربية (٢). المنهج العام للتفسير: وتفسير يحيى بن سلام تفسير أثري على منهج القدماء وهو حلقة بين التفاسير المتقدمة الخالية من أي تدخل من المفسر مثل تفسير ابن جريج ومجاهد وغيرهما وبين تفسير ابن جرير الطبري الذي استفاض في ذكر اللغويات والقراءات والترجيحات. وهذا التفسير يعتبر أقدم تفسير بالمأثور موجود إلى اليوم حيث لم يصل إلينا ما ألف من تفاسير قبله (٣). ومنهج يحيى فيه أنه يذكر الآية ثم يسوق الأحاديث والآثار الواردة فيها

стр. 531

بإسناده إلى أصحابها، وربما علق السند ولم يذكره كاملا، ويتعرض أحيانا للقراءات وبعض اللغويات. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: يذكر ابن سلام أسماء السور مجردة: فيقول مثلا: سورة التوبة ثم يسوق الروايات، لايتعرض لأسماء أخرى للسورة أو لعد آيها ومواضع الوقوف منها ونحو ذلك. وهو يذكر مكية أم مدنية ومن أمثلة ذلك (١): قال: تفسير سورة الرعد وهي مكية ماعدا آية واحدة مدنية ﴿ولا يزال الذين كفروا تصيبهم بما صنعوا قارعة﴾ (٢) إلى آخر الآية وقال: تفسير سورة الجمعة، وهي مدنية كلها تفسير سورة المزمل، وهي مكية كلها تفسير سورة الممتحنة، وهي مدنية كلها تفسير سورة الحواريين (٣)، وهي مدنية كلها، وهكذا ثانيا: موقفه من العقيدة: ومن خلال تفسيره، يبرز مذهبه العقائدي المتمثل في اتباع السلف الصالح، والابتعاد عن التأويل، والرد على المبتدعة وأصحاب الضلالات. وهو على مذهب السلف في الإمساك عن الخوض في آيات الصفات فقد فسر قوله تعالى ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٤) بأنه مثل قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٥). (٦) وساق آثارا في العرش وماهيته فقال: عن أبيه عن ابن آمنة عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "بين السماء السابعة وبين العرش كما بين سماءين" (٧).

стр. 532

عن أبيه عن المعلى بن هلال عن عمار الدهني عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: الكرسي الذي وسع السموات والأرض لموضع القدمين ولا يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه (١). وقال في قوله تعالى: ﴿وهو معكم﴾ (٢): حاضركم ﴿أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾ (٣). وذكر في تفسير قوله تعالى ﴿ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾ (٤) أن النضر سمع أبا قلابة يقول لأيوب: يا أيوب احفظ مني ثلاثا: لا تقاعد أهل الأهواء ولا تستمع منهم ولا تفسرن القرآن برأيك فإنك لست بذلك في شيء وانظر هؤلاء الرهط من أصحاب النبي فلا تذكرهم إلا بخير (٥). ثم يقول زيادة في التأكيد على ذم اتباع أهل الأهواء ومجادلتهم: ثلاث ارفضوهن: مجادلة أصحاب الأهواء وشتم أصحاب رسول الله ﷺ والنظر في النجوم (٦). كما تعرض أيضا إلى رأي السلف في القدر فأكد أن كل شيء بقدر وأن الخوض في القدر منهي عنه، فقد روى عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا ذكر القدر فأمسكوا، وإذا ذكرت النجوم فأمسكوا، وإذا ذكر أصحابي فأمسكوا" (٧). وفي قوله تعالى ﴿الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ (٨) روى أثرا عن علي قال: كل شيء بقدر حتى هذه ووضع طرف أصبعه السبابة على طرف لسانه ثم وضعها على ظفر إبهامه اليسرى.

стр. 533

وفي مبحث الإيمان تعرض ابن سلام إلى أن الشرك بالله يوجب النار وأنه لا ينجي منها إلا الإيمان بالله الواحد الأحد، وذكر جملة أحاديث وآثار وجميعها تفيد أن المشرك في النار وأن الموحد في الجنة (١)، وذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿ومن جاء بالسيئة﴾ (٢) ويؤكد ابن سلام على أهمية أعمال المؤمنين وعلى أنها المعيار الذي يحدد المنزلة التي ينالونها في الجنة خلافا لما شاع عنه من تهمة الإرجاء (٣). فقد ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا وليوفيهم أعمالهم وهم لا يظلمون﴾ (٤) أن للمؤمنين درجات في الجنة على قدر أعمالهم وللمشركين درجات في النار على قدر أعمالهم (٥). كما أكد على القيام بالفرائض والاشتغال بذكر الله وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾ (٦) ونقل عن السدي أن هؤلاء كانوا إذا سمعوا المؤذن تركوا بيعهم وقاموا إلى الصلاة وذكر الله (٧). وفي موضوع البعث والحساب يوم القيامة يورد ابن سلام أخبارا مطولة فيها تفصيلات لما يلقاه المؤمنون من جزاء حسن ينتهي بهم إلى منازلهم في الجنة ومايناله الكافرون والمشركون من عقاب وسوء مصير يفضي بهم إلى جهنم خالدين فيها وقد أوضح ابن سلام (٨) هذه المعاني عند تفسيره لقوله تعالى ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا﴾ (٩) كما نقل ابن سلام أحاديث متعددة في فضل الصحابة ﵃ ومن ذلك: عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : " إن في السماء الدنيا ثمانين ألف ملك يستغفرون لمن أحب أبا بكر وعمر ﵄، وفي السماء الثانية ثمانون ألف ملك يلعنون من أبغض أبا بكر وعمر، ومن أحب جميع أصحاب رسول الله ﷺ فقد برئ من النفاق" (١٠).

стр. 534

ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: إن تفسير القرآن بالقرآن كثير في تفسير يحيى فمن ذلك قول يحيى: قوله: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له﴾ (١) وتفسيره في سورة البقرة ﴿مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم﴾ (٢) وقال: قوله تعالى: ﴿يغشي الليل النهار﴾ (٣) وهو كقوله: ﴿يكور الليل على النهار ويكور النهار على الليل﴾ (٤). وقال: قوله ﴿هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام﴾ (٥) فيها إضمار خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، اليوم منها ألف سنة كقوله ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾ (٦). وقوله: ﴿للتي هي أقوم﴾ (٧) وقال في المزمل ﴿وأقوم قيلا﴾ (٨): أصوب. وقوله: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا﴾ (٩) تفسير الحسن: ألا يعذب قوم باستئصال حتى يحتج عليهم بالرسول كقوله ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولا﴾ (١٠) وكقوله ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير﴾ (١١) يعني الأمم التي أهلكها الله بالعذاب. وقوله: ﴿كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا﴾ (١٢) يقول: هي كقوله تعالى ﴿فذوقوا فلن نزيدكم إلا عذابا﴾ (١٣) (١٤) وقال في تفسير قوله تعالى ﴿ومن آياته منامكم بالليل﴾ (١٥): هي كقوله ﴿ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه﴾ (١٦) كما فسر قوله تعالى ﴿وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد﴾ (١٧) قال: هو كقوله ﴿وياقوم استغفروا

стр. 535

ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا﴾ (١) وكقوله: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ (٢) (٣) رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: ومن الأحاديث المرفوعة التي ذكرها يحيى في قوله في تفسير قوله تعالى ﴿قل نار جهنم أشد حرا﴾ (٤): وحدثني حماد عن محمد بن زياد عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ : "ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم " قيل: يارسول الله! إن كانت لكافية. قال: "فإنها فضلت عليها بتسعة وستين جزءا." (٥) وقال في قوله ﴿له معقبات﴾ (٦): عن نعيم بن عبد الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل والنهار فيجتمعون عند صلاة الصبح وعند صلاة العصر فيسألهم ربهم وهو أعلم بهم كيف تركتم عبادي فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون" (٧). وقال في تفسير قوله تعالى ﴿وجئتك من سبأ﴾ (٨) وحدثني ابن لهيعة عن عبد الله بن هبيرة عن عبد الرحمن بن وعلة أنه سمع ابن عباس يقول: سئل رسول الله ﷺ عن سبأ أرجل أم امرأة؟ فقال: "بل هو رجل ولد عشرة فباليمن منهم ستة وبالشام أربعة، فأما اليمانيون فمذحج وحمير وكندة وأنمار والأزد والأشعريون، وأما الشاميون فلخم وجذام وعاملة وغسان " (٩)

стр. 536

وقال في تفسير قوله تعالى ﴿إني وجدت امرأة تملكهم﴾ (١) وحدثني المبارك عن الحسن عن أبي بكرة قال قال رسول الله ﷺ : "لن يفلح قوم تملكهم امرأة" (٢) وقال في تفسير قوله تعالى ﴿ونفخ في الصور﴾ (٣) عثمان عن نعيم به عبد الله عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أول من تنشق عنه الأرض فأجد موسى متعلقا بالعرش فلا أدري أصعق فيمن صعق أم أجزأته الصعقة الأولى" (٤) وقال: وقال بعضهم ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (٥) كان رسول الله ﷺ يرى في الصلاة من خلفه كما يرى من بين يديه قال يحيى: سمعت سعيدا يذكر عن قتادة عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ "أحسنوا الركوع والسجود إذا ماركعتم وإذا ماسجدتم والذي نفسي بيده إني لأراكم من بعد ظهري كما أراكم من بين يدي". حماد عن ثابت البناني عن أنس بن مالك قال قال رسول الله ﷺ : "استووا والذي نفسي بيده إني لأراكم من ورائي كما أراكم من بين يدي". (٦) وقد اشتمل تفسير يحيى من ذلك على ثروة كبيرة من الحديث حتى إن ابن أبي زمنين قد صرح في مقدمة المختصر أن الدافع لاختصاره هو كثرة ما اشتمل عليه من الأحاديث. وهو لا يلتزم بإخراج الصحيح بل ربما أورد أحاديث ضعيفة بل وموضوعة كما تقدم، ومن ذلك أيضًا قوله: ﴿الذين يأكلون الربا لا يقومون ... .﴾ (٧) نا حماد عن أبي هارون العبدي عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ﷺ حدث عن ليلة أسري به فكان في حديثه أنه أتي به على سابلة آل فرعون حيث ينطلق بهم إلى النار يعرضون عليها

стр. 537

غدوا وعشيا فإذا رأوها قالوا: ربنا لاتقيمن الساعة لما يرون من عذاب الله قال: "فإذا أنا برجال بطونهم كالبيوت يقومون فيقعون لظهورهم ولبطونهم فيأتي عليهم آل فرعون ... . بأرجلهم ... قلت: من هؤلاء ياجبريل؟ فقال: هؤلاء أكلة الربا " ثم تلا هذه الآية ﴿الذين يأكلون الربا لايقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس﴾ (١) ومارواه أيضا عن أبي الأشهب والمبارك عن الحسن قال: قال رسول الله ﷺ : "ثلاثة من حفظهن هو عبد لي حقا، ومن ضيعهن فهو عدو لي؛ ائتمن الله ابن آدم على ثلاث: الصلاة، ولو شاء قال: قد صليت. وعلى الصوم، ولو شاء قال: قد صمت. وعلى الغسل من الجنابة، ولو شاء قال: قد اغتسلت." ثم تلا هذه الآية ﴿يوم تبلى السرائر﴾ (٢). (٣) وأما أسباب النزول فهو يهتم بذكرها وأمثلتها كثيرة ومن ذلك: قال في تفسير قوله ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾ (٤): حدثني الفرات عن طاووس أن رجلا قال: يا رسول الله! إني رجل أقف المواقف، أريد وجه الله، وأحب أن يرى مكاني، فلم يرد عليه رسول الله شيئا، فنزلت هذه الآية (٥). (٦)

стр. 538

وقال يحيى: عاصم بن حكيم عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾ (١) قال أصحاب النبي ﷺ : وأينا لم يظلم نفسه؟ فنزلت هذه الآية ﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾ (٢). (٣) وعند تفسيره لقوله تعالى ﴿أم اتخذ عند الرحمن عهدا﴾ (٤)، قال: أخبرني صاحب عن الأعمش عن أبي الضحاك عن مسروق عن خباب بن الأرت قال: كنت قينا في الجاهلية، فعملت للعاصي بن وائل حتى اجتمع لي عنده دراهم فأتيته أتقاضاه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لمبعوث؟. قلت: نعم. قال: فسيكون لي ثَمّ مال وولد فأقضيك، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فأنزل الله ﵎ هذه الآية إلى قوله ﴿ويأتينا فردا﴾ (٥). (٦) وأما تعرضه لفضائل السور والآيات فمن أمثلته: ذكر في آخر آية من سورة البقرة وهي قوله ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما كسبت﴾ (٧)، أنها دعاء غفر الله به للنبي ﷺ ، ثم نقل حديثا من طريق قتادة عن النبي ﷺ أنه قال: " إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق السموات والأرض بألفي سنة، فوضعه تحت العرش فأنزل منه آيتين فختم بهما سورة البقرة، لا تقرآن في بيت، فيقربه الشيطان ثلاث ليال ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه﴾ (٨) إلى آخر السورة.

стр. 539

كما ذكر فضل بعض الآيات من سورة الكهف، وهو ما جاء في حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : "من حفظ عشر آيات من أول سورة الكهف عصم من فتنة الدجال " (١). ويروي ابن سلام حديثًا آخر عن فضل خاتمة سورة الكهف عن قتادة أيضًا وهو قوله: "من حفظ خاتمة سورة الكهف كانت له نورا يوم القيامة من لدن قرنه إلى قدمه " (٢). خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: كثيرا ما يفسر يحيى الآيات بأقوال الصحابة والتابعين مسندة وغير مسندة: ففي قوله تعالى ﴿له معقبات﴾ (٣) قال يحيى: عبد القدوس بن مسلم عن ليث عن مجاهد قال: مامن آدمي إلا ومعه ملكان يحفظانه في ليله ونهاره ونومه ويقظته من الجن والإنس والدواب والسباع والهوام ... (٤) وقال في قوله ﴿وتوكل على العزيز الرحيم الذي يراك حين تقوم﴾ (٥): قال قتادة: الذي يراك قائما وجالسا وفي صلاتك. قال ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ (٦) قال قتادة: في الصلاة وقال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة وحدك ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في صلاة الجميع وقال بعضهم: ﴿الذي يراك حين تقوم﴾ في الصلاة قائما ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ في الركوع والسجود قال يحيى: أحد هذين

стр. 540

الوجهين تفسير السدي وقتادة ... وتفسير ابن مجاهد عن أبيه: الذي يراك حين تقوم أينما كنت. (١) وقال في قوله ﴿ياموسى لا تخف إني لا يخاف لدي﴾ (٢): قال قتادة: عندي ﴿المرسلون إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء فإني غفور رحيم﴾ (٣) تفسير الحسن: ﴿لا يخاف لدي المرسلون﴾ في الآخرة وفي الدنيا لأنهم أهل الولاية وأهل المحبة ﴿إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء﴾ فغفر الله له وهو قتل ذلك القبطي لم يتعمد قتله ولكن تعمد وكزه. (٤) قال: قوله : ﴿وأدخل يدك﴾ (٥) قال السدي: يعني يده بعينها، ﴿في جيبك﴾ (٦) قال قتادة: أي في جيب قميصك ﴿تخرج بيضاء من غير سوء﴾ (٧) قال: من غير برص، وهو تفسير السدي. قال: قوله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا ... .الجحيم﴾ (٨) أخبرنا سعيد عن قتادة وهشام عن قتادة قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل ﴿وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ (٩) ثم أنزل هذه الآية ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (١٠) إلى آخر الآية فلا ينبغي لمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ولا يقول رب ارحمهما (١١). وقال الحسن: ﴿من بعد ماتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم﴾ (١٢) ماتوا

стр. 541

على الكفر. قال يحيى: يقول: اللهم اهده ولا يقول: اللهم اغفر له. (١) وفي قوله تعالى ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾ (٢) قال يحيى: عن صاحب له عن فطر بن خليفة عن مجاهد قال: ﴿وآخرين منهم لما يلحقوا بهم﴾: إخوانهم من العجم (٣). وقال: قوله ﴿كما أنزلنا على المقتسمين الذين جعلوا القرآن عضين﴾ (٤) تفسير الحسن يقول: أنزلنا عليك القرآن كما أنزلنا على المقتسمين والمقتسمون أهل الكتابين الذين اقتسموه فجعلوه كتبا بعد إذ كان كتابا واحدا فجعلوه كالأعضاء وحرفوه عن مواضعه ثم قالوا: هذا من عند الله. وكتب الله كلها القرآن. وقال: قول الله تعالى: ﴿لمسجد أسس على التقوى من أول يوم﴾ (٥) حدثني إبراهيم بن محمد عن محمد بن المنكدر عن عبد الله بن جعفر عن علي وعمر قالا: المسجد الذي أسس على التقوى مسجد النبي ﵇ (٦). وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿رفع السموات بغير عمد ترونها﴾ (٧) سعيد عن قتادة عن ابن عباس: لها عمد ولكن لا ترونها (٨). وفي قوله ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم﴾ (٩) قال: أقسم بمواقع النجوم إن هذا القرآن ﴿لقرآن كريم﴾ على الله ﴿في كتاب مكنون﴾ عند الله بأيدي الملائكة السفرة الكرام البررة ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ (١٠) يعني من الذنوب وهم الملائكة وهو تفسير السدي.

стр. 542

قوله عند تفسير قول الله تعالى: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ (١). هشام عن قتادة عن مطرف بن عبد الله قال: فضل العلم أعجب إلي من فضل العبادة. قيل: لم؟ قال: لأنه أورع لله عن محارمه (٢). عاصم بن حكيم عن هلال بن خباب قال: قلت لسعيد بن جبير: متى هلاك هذه الأمة؟ فقال: إذا هلك فقهاؤها هلكوا (٣). سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: ذكر ابن سلام عدة روايات في الإسراء مستقاة من السيرة في بداية سورة الإسراء ومن ذلك قوله: وقال بعض من رواه: يامحمد نسألك عن عيرنا هل رأيتها في الطريق؟ قال: نعم قال: أين؟ قال: مررت على عير بني فلان بالروحاء وقد أضلوا ناقة لهم وهم في طلبها ... . فذكر قصة طويلة. ومن مواضع تعرضه للسيرة بيانه لقوله ﴿لا يحل لك النساء من بعد ولا أن تبدل بهن من أزواج﴾ (٤) بالاستناد إلى رواية الكلبي حيث ذكر أن الرسول ﷺ لما تزوج أسماء بنت النعمان الكندية وكانت من أحسن البشر، فقالت نساء نبي الله: لئن تزوج رسول الله علينا الغرائب، ما له فينا حاجه، فحبس الله نبيه على أزواجه اللائي عنده، وأحل له من بنات العم والعمة والخال والخالة ما شاء. (٥) وفسر قوله ﴿وأورثكم أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطأوها﴾ (٦)، بما رواه من أن النبي ﷺ ، لما حاصر بني النضير وقطع نخلهم، فرأوا أنه قد ذهب بعيشهم فصالحوه على أن يجليهم إلى الشام. (٧)

стр. 543

سابعا: موقفه من الإسرائيليات: والإسرائيليات في تفسير يحيى كثيرة لأنه ينقل عن الكلبي في مواضع عدة ومن ذلك قوله في تفسير قوله : ﴿قيل لها ادخلي الصرح﴾ (١) وقال الكلبي: إن الجن استأذنوا سليمان وقالوا: ذرنا فلنبن لها صرحا من قوارير - والصرح قصر - ننظر كيف عقلها وخافت الجن أن يتزوجها سليمان فتطلع سليمان على أشياء كانت الجن تخفيها من سليمان، قال قتادة: وكان أحد أبويها جنيا قال يحيى: فلذلك تخوفوا ذلك منها، قال الكلبي: وأذن لهم فعمدوا إلى الماء فحجزوه في أرض فضاء ثم أكثروا فيه من الحيتان والضفادع ثم بنوا عليه سترة من زجاج ثم بنوا عليه صرحا - قصرا ممردا - من قوارير - والممرد الألمس - ثم أدخلوا عرش سليمان - أي سرير سليمان - وعرشها وكراسي عظماء الملوك ثم دخل الملك سليمان ودخل معه عظماء جنده ثم قيل لها: ادخلي الصرح وفتح الباب فلما أرادت الدخول إذا هي بالحيتان والضفادع فظنت أنها مُكِر بها لتغرق ثم نظرت فإذا هي بالملك سليمان على سريره والناس عنده على الكراسي فظنت أنها مخاضة فكشفت عن ساقيها وكان بها سوء فلما رآها سليمان كرهها فلما عرفت الجن أن سليمان قد رأى منها ماكانت تكتم من الناس قالت لها الجن: لاتكشفي عن ساقيك ولا قدميك ... .الخ. وقال ابن مجاهد عن أبيه: وكانت أم بلقيس جنية وكان قدم بلقيس كحافر حمار وقال قتادة: وكان مؤخر رجلها كحافر الدابة. (٢) وفي قوله تعالى ﴿إن يأجوج ومأجوج مفسدون في الأرض﴾ (٣): قال: عن كعب الأحبار قال: إن يأجوج ومأجوج ينقرون كل يوم بمناقرهم في السد، فيشرعون فيه، فإذا أمسوا قالوا: نرجع غدا فنفرغ منه، فيصبحون وقد عاد كما كان، فإذا أراد الله ﵎ خروجهم قذف على ألسن بعضهم الاستثناء، فقالوا: نرجع غدا إن شاء الله، فنفرغ منه، فيصبحون وهو كما تركوه، فينقرونه فيخرجون على الناس.

стр. 544

ومما يتصل بهذا المبحث روايته لبعض الأخبار المتعلقة بتوضيح مبهمات القرآن فقد ذكر في تفسير الرجل، والمدينة من قوله تعالى ﴿وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى﴾ (١) أن الرجل هو حبيب النجار، وأن المدينة هي أنطاكية (٢). ثامنا: موقفه من اللغة: يقوم بتفسير بعض المفردات التي لا رواية فيها ومن ذلك قوله: قال يحيى: ﴿الدين﴾ (٣) في اللغة الجزاء، ومن كلام العرب دنته أي جازيته (٤). وقال: قوله ﴿إنه هو السميع العليم﴾ (٥) لاأسمع منه ولا أعلم منه. (٦) وقال يحيى: قوله: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم﴾ (٧) ذوو السعة والغنى في البقاء والتخلف عن الجهاد، ﴿وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين﴾ (٨) النساء (٩). وأقول: هذا فيه نظر وإنما النساء أردن بقوله: الخوالف، وأما القاعدون فهو جمع مذكر سالم أريد به المتخلفون من المعذورين (١٠). وقال يحيى عند تفسير قول الله : ﴿بئسما اشتروا به أنفسهم﴾ (١١): وكل شيء في القرآن "اشتروا" فهو شراء إلا هذه الآية، وكل شيء في القرآن "شروا" فهو بيع (١٢). وقال ﴿طوبى لهم﴾ (١٣) أي: حسنًا لهم وهي كلمة من كلام العرب. (١٤) ومن تعرضه أيضا لبعض النواحي اللغوية قوله: ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار﴾ (١٥) فيها تقديم وتأخير: سواء من أسر القول منكم ومن جهر به ...

стр. 545

قوله: ﴿له معقبات﴾ (١) لهذا المستخفي وهذا السارب، ﴿من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله﴾ (٢) فيها تقديم وتأخير: له معقبات من بين يديه ومن خلفه من أمر الله، أولئك يحفظونه (٣). وتعرض ابن سلام إلى بعض الألفاظ الواردة في القرآن والتي هي من أصل أعجمي فنسبها إلى أصولها. مثل لفظة (المشكاة) في قوله تعالى ﴿الله نور السموات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح﴾ (٤) قال: المشكاة: الكوة في البيت التي ليست بنافذة وهي بلسان الحبشة (٥). ولفظة (المنسأة) في قوله تعالى ﴿فلما قضينا عليه الموت مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته﴾ (٦) قال: وهي العصا بالحبشية (٧). وقال في أصل لفظة (القسطاس) في قوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم﴾ (٨) بالقسطاس: العدل بالرومية (٩) ولم أقف على استدلال ليحيى بالشعر فيما رجعت إليه من تفسيره (١٠). تاسعا: موقفه من القراءات (١١): لقد وصف الشيخ محمد الفاضل ابن عاشور منهج ابن سلام بقوله: ... يتدرج من اختيار المعنى إلى اختيار القراءة التي تتماشى وإياه، مشيرا إلى

стр. 546

اختياراته في القراءة بما يقتضي أن له رواية، أو طريقا، لا يبعد أن تكون راجعة إلى قراءة أبي عمرو بن العلاء البصري، لأن يحيى بن سلام بصري النشأة. (١) ويؤيد كلامه هذا ما جاء في تفسير يحيى لقوله ﵎ ﴿أن لهم النار وأنهم مُفْرَطون﴾ (٢) حيث قال: معجلون إلى النار ... وبعضهم يقرأ هذا الحرف ﴿وأنهم مُفَرِّطون﴾ يعني أنهم مفرّطون: قولهم: ﴿يا حسرتنا على ما فَرّطنا فيها﴾ (٣)، ثم قال: وكذلك قرأتها عند أبي عمرو. وقد كان له مصحف معتمد رجح البعض أنه مصحف البصرة (٤) ظهر ذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿الزانية والزاني﴾ (٥) حيث قال يحيى: وأما الرجم فهو في مصحف أبي بن كعب وفي مصحفنا. (٦) وكثيرًا ما يشير يحيى في تفسيره إلى أوجه القراءة المختلفة، غير أنه لا يصرح بأسماء أصحاب تلك القراءات إلا قليلا، ولا غرابة في ذلك، فقد ذكر ابن الجزري أنه روى الحروف عن أصحاب الحسن البصري ومنهم الحسن بن دينار وغيره. وقال: وله اختيار في القراءة من طريق الآثار. (٧) ومن نماذج ذلك ما يلي: قوله ﴿ولهم عذاب أليم بما

стр. 547

كانوا يكذبون﴾ (١)، أشار يحيى إلى أن أنها تقرأ بالتخفيف والتثقيل أي: يَكْذِبون من الكذب، ويُكَذِّبون من التكذيب. (٢) قوله ﴿وأتموا الحج والعمرة لله﴾ (٣) قال يحيى: مقرأ العامة بالنصب فيهما. وذكر قراءة أخرى وهي: نصب الحج ورفع العمرة، وذكر أن هذه القراءة تتفق مع قول من ذهب إلى أن الحج فريضة والعمرة تطوع. (٤) قوله ﴿قالوا ساحران تظاهرا وقالوا إنا بكل كافرون﴾ (٥) قال: يعنون موسى ومحمدا ﷺ في تفسير الحسن، وقال سعيد بن جبير: يعنون موسى وهارون ﵉. (٦) قوله ﴿فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون﴾ (٧) قال: وهي تقرأ زُبُرا وزُبَرا فمن قرأها زُبَرا يقول: قطعا، ومن قرأها زُبُرا يقول: كتبا. (٨) قوله ﴿وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية﴾ (٩) قال: وهي تقرأ على وجهين: ﴿قَرن﴾ و ﴿قِرن﴾، فمن قرأها ﴿وقِرن﴾ فمن قبل القرار، ومن قرأها ﴿وقَرن﴾ فمن قبل الوقار. (١٠) قوله ﴿سورة أنزلناها وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون﴾ (١١) قال: وهي تقرأ على وجهين: ﴿فرَضناها﴾ و ﴿فرَّضناها﴾ على التخفيف

стр. 548

والتثقيل ثم قال: فرض فيها فرائضه قال قتادة: وحد فيها حدوده وسن فيها سننه يعني مافرض في هذه السورة وسن فيها. وقال السدي: وفرَّضناها: يعني بيناها. (١) قوله ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ (٢)، قال: وهي تقرأ على وجهين: ﴿حمئة﴾ و ﴿حامية﴾ ثم قال: حدثني المعلى عن محمد بن عبيدالله عن ابن أبي مليكة قال: تمارى ابن عباس وعمرو بن العاص في ﴿عين حمئة﴾ فقال ابن عباس: حمئة، وقال عمرو: عين حامية فجعلا بينهما كعب الحبر فقال كعب: نجدها في التوراة تغرب في ماء وطين كما قال ابن عباس. (٣) ثم أشار ابن سلام إلى معنى ما جاء في قول كعب الأحبار فقال: يعني بالحمأ: الطين المنتن (٤)، ومن قرأها حامية يقول حارة. (٥) وهو يتعرض للقراءات الشاذة المخالفة لرسم المصحف: ومن هذا النوع ما ذكره في قراءة قوله تعالى: ﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما﴾ (٦) قال: قال سعيد عن قتادة: كانت تقرأ في الحرف الأول: صمتا (٧) وبلغني عن أنس بن مالك أنه كان يقرؤها ﴿صوما﴾ صمتا. (٨) قوله ﴿أن بورك من في النار ومن حولها﴾ (٩) قال: قال قتادة: ﴿ومن حولها﴾ الملائكة وهي في مصحف أبي بن كعب: نودي أن بوركت النار ومن حولها. (١٠) قوله: ﴿له معقبات من بين يديه ومن خلفه﴾ (١١). قال: سعيد عن قتادة قال: هي في قراءة أبي بن كعب: له معقبات من بين يديه ورقيب من

стр. 549

خلفه. وأما اختيار يحيى في القراءات الذي أشرنا إليه آنفا حفظ لنا بعض حروفه ابن أبي زمنين في مختصره ومن ذلك قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ (١) قال محمد: قراءة يحيى: ﴿واتخِذوا﴾ بكسر الخاء. وقوله ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن﴾ (٢) قال محمد: قراءة يحيى: يعشَ، بفتح الشين. (٣) وقوله ﴿في غيابة الجب﴾ (٤) قال محمد: كل شيء غيب عنك شيئا فهو غيابة، وكذلك قرأ يحيى: ﴿غيابة الجب﴾. (٥) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: وهو يتعرض للفقهيات دائما في نقوله عن الصحابة والتابعين وأحيانا من كلامه هو كما في تفسير قوله تعالى ﴿ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله﴾ (٦) بعد أن ذكر الآثار والكلام في الرجم قال يحيى: ولا تحصن الأمة ولا اليهودية ولا النصرانية ولا يحصن المملوك الحرة ولا يحصن الحر إذا كانت له امرأة لم يدخل بها ولا تحصن امرأة لها زوج لم يدخل بها وإذا أحصن الرجل أو المرأة فوطئ مرة واحدة ثم زنا بعد ذلك وليس له امرأة يوم زنا أو زنت امرأة ليس لها زوج يوم زنت فهما محصنان يرجمان وإذا زنا أحد الزوجين وقد أحصن ولم يحصن الآخر رجم الذي أحصن منهما وجلد الذي لم يحصن منهما مائة ولا تحصن أم الولد وإن ولدت له أولادا وإذا زنا الغلام أو الجارية وقد تزوجا وقد دخل الغلام بامرأته أو دخل على الجارية زوجها ولم يكن الغلام احتلم ولم تكن الجارية حاضت فلا حد عليهما لا رجم ولا جلد حتى يحتلم أو تحيض ... الخ كلامه فهو أطول من ذلك. (٧) وأطال أيضا في المواريث تحت قوله تعالى ﴿يوصيكم الله في أولادكم ...﴾ (٨) الآيات، إطالة مملة لا علاقة لها بالتفسير حيث عدد حالات تفصيلية: ومن ذلك قوله: أخ لأب وأم نصفه حر وأخ لأب حر فنصف المال للأخ

стр. 550

لأب وأم لأن نصفه حر والنصف الثاني للأخ للأب وقوله: رجل ترك ثلاثة بنين أحدهم حر ونصف الآخر حر ... الخ وعقد أبوابا: ميراث الملاعنة في قول ابن مسعود وعلي ... وللأرحام في قول ابن مسعود ... الخ. وكثيرًا ما يذكر يحيى اختياره من بين ما يورده من الروايات، معبرًا عن ذلك، بقوله: " وبه يأخذ يحيى" ومن ذلك: أنه أورد عدة روايات في نفقه المطلقة ثلاثًا وسكنها، ثم أورد الرواية عن عمر ﵁ بأن لها السكنى والنفقة، وقال على إثرها: " وبه يأخذ يحيى ". (١) كما ساق يحيى عدة روايات تتعلق بنفقة الحامل المتوفى عنها زوجها، وفي آخرها أورد رواية عن جابر بن عبد الله والحسن وسعيد بن المسيب وعطاء، قالوا: الحامل المتوفى عنها لا نفقه لها ثم قال: "وبه يأخذ يحيى". (٢) ومن رواياته في النسخ: ما تقدم في قوله ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا ... .الجحيم﴾ (٣) قال: أخبرنا سعيد عن قتادة وهشام عن قتادة قال: كان أنزل في سورة بني إسرائيل ﴿وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا﴾ (٤) ثم أنزل هذه الآية ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ (٥) إلى آخر الآية، فلا ينبغي لمسلم أن يستغفر لوالديه إذا كانا مشركين ولا يقول: رب ارحمهما. (٦) وللمؤلف استطرادات في بعض الأحيان سوى ماتقدم في الفقهيات ومن ذلك إطالته في الحديث عن الجمعة وخطبتها في تفسير سورة الجمعة فساق أحاديث وآثارا جانبية لا علاقة لها بالتفسير ومنها قوله: ابن لهيعة عن عبد ربه بن سعيد عن أخت لعمرة بنت عبد الرحمن قالت: حفظت هذه السورة ق: والقرآن المجيد من في رسول الله ﷺ عن ظهر قلب وهو على المنبر كل يوم جمعة. (٧)

стр. 551

تفسير بقي بن مخلد من خلال نقول من تفسيره وكتابه في الحوض والكوثر مؤلف هذا التفسير هو بقي بن مخلد بن يزيد الأندلسي أبو عبد الرحمن القرطبي ت ٢٧٦ هـ وهو من الوافدين على المنطقة دخل إفريقية وسمع بها من الإمام سحنون وجماعة من أهلها. (١) التعريف بالتفسير: وتفسير بقي بن مخلد من التفاسير المفقودة ويبدو أنه فقد فيما فقدته الأمة من تراث مع الهجمات الصليبية على الأندلس (٢)، والكتاب له مكانة كبيرة عند أهل العلم. قال الداوودي: ولبقي بن مخلد تفسير القرآن، ومسند النبي ﷺ ليس لأحد مثله. (٣) ووصفهما الذهبي بقوله: لانظير لهما. (٤) وقال الحميدي: قال لنا أبو محمد علي بن أحمد: فمن مصنفات أبي عبد الرحمن كتابه في تفسير القرآن فهو الكتاب الذي أقطع قطعا لا استثناء فيه أنه لم يؤلف في الإسلام مثله ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره ومنها في الحديث مصنفه الكبير ... ومنها مصنفه في فتاوى الصحابة والتابعين ومن دونهم ... إلى أن قال: فصارت تواليف هذا الإمام الفاضل قواعد للإسلام لا نظير لها. (٥)

стр. 552

وقد اختصر تفسيره هذا عبد الله بن محمد بن حسن بن عبد الله بن عبد الملك أبو محمد القرطبي المتوفى سنة ٣١٨ هـ ولم يصلنا هذا المختصر أيضا. وتفسير بقي يرويه ابن عبد البر عن شيخه أحمد بن عبد الله بن محمد الباجي عن أبيه عن عبد الله بن يونس بن محمد المرادي القبري عن بقي به. (١) وسوف أعطي عرضا موجزا عن تفسيره من خلال النقول التي وقفت عليها في كتاب التمهيد لابن عبد البر كما رواها عنه، ومن خلال بعض الروايات التفسيرية التي رواها بقي في كتابه: ماروي في الحوض والكوثر. منهج المؤلف العام في تفسيره: يبدو من خلال ماوقفنا عليه من نصوص تفسيرية أن منهج بقي في تفسيره هو سرد الروايات التفسيرية المسندة إلى النبي ﷺ وإلى الصحابة والتابعين ذات العلاقة بتفسير الآية، ويسوق الطرق ومختلف الألفاظ أحيانا ولا يتدخل بتعليقات من عنده على نهج كتب الأئمة المتقدمين المقتصرين على التفسير بالمأثور أمثال عبد الرزاق وعبد ابن حميد والنسائي وابن أبي حاتم وغيرهم، وتتضمن هذه الروايات نصوصا لغوية وأسباب نزول وناسخا ومنسوخا وغير ذلك. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: موقفه من العقيدة: ذكر بقي بعض الروايات التي تخدم أبوابا من أبواب العقيدة، وهي تدلل على عقيدة سلفية ومن ذلك مارواه في عذاب القبر: قال (٢): حدثنا إسحاق بن أبي إسرائيل قال حدثنا هشام بن يوسف عن ابن جريج قال أخبرني ابن طاوس، عن أبيه: ﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا﴾ (٣) لا إله إلا الله ﴿وفي الآخرة﴾ المسألة

стр. 553

في القبر. (١) ومارواه في إثبات الشفاعة للنبي ﷺ قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا قيس عن عاصم عن زر، عن ابن مسعود ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا﴾ (٢): الشفاعة (٣). كما قال ابن عبد البر (٤) محيلا القارئ إلى أقاويل العلماء في قوله تعالى ﴿فلما تجلى ربه للجبل﴾ (٥): فلينظر في تفسير بقي بن مخلد ومحمد بن جرير وليقف على ما ذكرا من ذلك ففيما ذكراه كفاية. وفي بعض القضايا المتعلقة بالروح: قال ابن عبد البر (٦): ... ﴿الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها﴾ (٧) فروي عن ابن عباس وسعيد بن جبير أنهما قالا: تقبض أرواح الأموات إذا ماتوا، وأرواح الأحياء إذا ناموا، تتعارف ماشاء الله أن تتعارف؛ فيمسك التي قضى عليها الموت التي قد ماتت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى. ذكره بقي بن مخلد عن يحيى بن عبد الحميد الحماني عن يعقوب القمي عن جعفر بن أبي المغيرة عن سعيد بن جبير. وذكره أيضا عن يحيى بن رجاء عن موسى بن أعين عن مطرف عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ومعنى حديثهما واحد. (٨)

стр. 554

ثانيا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: وتحت قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ (١) وقفت على رواية لبقي قال: نا ابن ذكوان، قال: حدثنا مروان، قال: نا معاوية بن سلام، قال: حدثني أخي زيد بن سلام أنه سمع جده أبا سلام قال: حدثني عامر بن زيد البكالي أنه سمع عتبة بن عبد السلمي يقول: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ما حوضك هذا الذي تحدث عنه؟ قال: "هو ما بين البيضاء إلى بصرى، ويمدني الله فيه بكراع (٢) لا يدري أحد ممن خلق الله أين طرفيه". قال: فكبر عمر. فقال: أما الحوض فيرد عليه فقراء المهاجرين الذين يقتلون في سبيل الله ويموتون في سبيل الله، وأرجو أن يوردني الله الكراع فأشرب منه. قال رسول الله ﷺ : "إن الله وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفا من غير حساب، ويشفع كل ألف لسبعين ألفا وحثا لي بكفه ثلاث حثيات" قال: فكبر عمر، فقال: سبعون ألفا كلهم يشفعون في آبائهم وأبنائهم وعشائرهم، وأرجو أن يجعلني الله في إحدى الحثيات الثلاث. فقال: يارسول الله وهل في الجنة شجر؟ قال: "نعم، فيها شجرة تدعى: طوبى، بطنان (٣) الفردوس." قال: يارسول الله وأي شجرنا تشبه؟ قال: "شجرة بالشام يقال لها: الجوزة، تنبت على ساق واحد وينتشر أعلاها." قال: يارسول الله فما غلظها؟ قال: "لو ركبت على جذعة من إبلك ما أحطت بها حتى يتكسر مشفرها (٤) من السير". قال: يارسول الله هل فيها عنب؟ قال: "نعم." قال: فما عظم العنقود؟ قال: "مسيرة الغراب شهرا لا يفتر، ولا يقع." قال: فما عظم الحبة؟ قال: "هل يجد أبوك تيسا عظيما فيسلخ جلده، فقال لأمك: أفرِ (٥) لنا هذه الجلد نصنع به ما شئنا " فقال: يارسول الله إن هذه الحبة تشبعني وأهل بيتي! قال: "نعم وعامة عشيرتك" (٦). وتحت تفسير سورة الكوثر

стр. 555

وقفت على تلك الروايات لبقي بن مخلد قال: نا أبو الأصبغ، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن جعفر بن عمرو، عن عبد الله ابن مسلم الزهري، عن أنس بن مالك، ونا الحزامي، قال: نا معن بن عيسى، عن ابن أخي ابن شهاب، عن أبيه عبدالله ابن مسلم، قال: أخبرني أنس، وقرئ على يحيى وأنا أسمع: عن الليث، عن ابن الهادي، عن عبد الله بن مسلم، عن ابن شهاب، عن أنس، ونا يونس بن عبد الأعلى، قال: نا يحيى بن بكير، قال حدثني الليث، عن ابن الهادي، عن عبد الوهاب، عن عبد الله بن مسلم عن ابن شهاب، عن أنس أن رجلا قال: يارسول الله ماالكوثر الذي أعطاك ربك؟ قال: "نهر في الجنة أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، ما بين صنعاء إلى أيلة ترده طير لها أعناق كأعناق الإبل". فقال عمر: والله يارسول الله إنها لناعمة! قال: " آكلها أنعم منها" (١). قال أبو الأصبغ في حديثه: قيل: يارسول الله، ولم يذكر: أشد بياضا من اللبن، وأحلى من العسل. وقال الحزامي في حديثه: "فيه طيور أعناقها كأعناق الجزر". وقال: نا ابن فضيل عن المختار بن فلفل، قال: سمعت أنسا يقول، ونا أبو بكر، قال: نا علي بن مسهر عن المختار، عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ غفا إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسما. فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: "نزلت علي آنفا سورة " فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إنا أعطيناك الكوثر،

стр. 556

فصل لربك وانحر، إن شانئك هو الأبتر﴾ (١). ثم قال: "هل تدرون ما الكوثر؟ ". قلنا: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منه، فأقول: يا رب هو من أمتي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك" (٢). ولم يذكر يحيى في حديثه: "بينا رسول الله بين أظهرنا"، وقال: فإما قال لهم، وإما قالوا له: لم ضحكت؟، وقال: "وعدنيه ربي في الجنة، عليه خير كثير، عليه حوض". نا هدبة بن خالد، قال: نا همام، قال: نا قتادة، عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "بينا أنا أسير في الجنة، إذا بنهر حافتاه الدر المجوف. فقلت: "ما هذا يا جبريل؟ "قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك. قال: "فضرب الملك بيده، فإذا طينته مسك أذفر (٣) " (٤). ونا هدبة قال: نا حماد بن سلمة، عن ثابت قال: أخبرني أنس في ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ قال: قال رسول الله ﷺ : "الكوثر نهر في الجنة يجري على وجه الأرض، حافتاه قباب" (٥). نا يحيى بن عبد الحميد. قال: نا عبد العزيز بن محمد، عن حرام بن عثمان، عن الأعرج، عن المسور بن مخرمة عن أسامة بن زيد أن الرسول ﷺ أتى بيت حمزة بن عبد المطلب إلى الباب، فتبعته، فسلم، فردت عليه امرأته السلام - وكانت امرأة من بني النجار - فقال النبي ﷺ : "أثم أبو عمارة؟ ". قلت: لا والله يا رسول الله بأبي أنت وأمي، خرج الساعة عامدًا إليك، فأظنه أخطأك في بعض أزقة بني النجار. أفلا تدخل يا رسول الله؟. فدخل، فقدمت إليه حيسًا، فأكل منه.

стр. 557

فقالت: يا رسول الله هنيئًا لك ومريئًا، لقد جئت وأنا أريد أن آتيك فأهنئك وأمرئك؛ أخبرني أبو عمارة أنك أعطيت نهرًا في الجنة يدعى الكوثر. قال: "أجل، وعرصته ياقوت ومرجان وزبرجد ولؤلؤ". قالت: أحب أن تصف لي حوضك بصفة أسمعها منك؟ قال: "هو ما بين أيلة وصنعاء، فيه أباريق مثل عدد النجوم، وأحب واردها علي قومك يا بنت قهد " - يعني الأنصار - (١). ومن مواضع اهتمام بقي بأسباب النزول قوله تعالى: ﴿ولاتحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ (٢) قال ابن عبد البر (٣) في سبب نزول هذه الآية: ذكر بقي بن مخلد، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن إسماعيل بن أمية عن أبي الزبير عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : لما أصيب إخوانكم يوم أحد جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار الجنة، وتأكل من ثمرها، وتأوي إلى قناديل من ذهب مذللة في ظل العرش، فلما وجدوا طيب مأكلهم ومشربهم ومقيلهم، فالوا: من يبلغ إخواننا عنا أنا أحياء في الجنة نرزق، لئلا ينكلوا عن الحرب ولا يزهدوا في الجهاد؟ قال: فقال الله : أنا أبلغهم عنكم، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾ (٤) الآية. (٥)

стр. 558

وفي سبب نزول قوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ (١) قال ابن عبد البر (٢) وذكر بقي بن مخلد، قال: حدثنا إبراهيم بن محمد الشافعي قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة قال: نزلت في أبي لبابة: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أمانتكم﴾ قال سفيان: هكذا قرأ. (٣) ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: قال ابن عبد البر (٤): روى بقي بن مخلد، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: حدثنا هشيم عن العوام بن حوشب، عن الشعبي عن عبد الله بن مسعود ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ (٥) قال: حبل الله: الجماعة. قال بقي: وحدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا محمد بن الحسن الأسدي، عن هشيم، عن العوام بن حوشب، عن الشعبي، عن عبد الله في قوله: ﴿واعتصموا بحبل الله جميعا﴾ قال: الحبل الذي أيد الله به: الجماعة (٦). قال بقي: وحدثنا أبو كريب، حدثنا أبو بكر بن عياش، عن أبي حصين،

стр. 559

عن الشعبي عن ثابت بن قطبة قال: قال ابن مسعود في خطبته: أيها الناس عليكم بالطاعة والجماعة، فإنها حبل الله الذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خير مما تحبون في الفرقة. (١) وقال ابن عبد البر (٢): وقال بقي: وحدثنا ابن المسيب، قال حدثنا ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾ (٣) الآية، قال: يرزقون من ثمر الجنة فيجدون ريحها. (٤) قال: وحدثنا محمد بن عبيد، قال: حدثنا محمد بن ثور، عن معمر عن قتادة في قوله: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾ الآية، قال: بلغنا أن أرواح الشهداء في صورة طير بيض، يأكلون من ثمار الجنة. (٥) وقال ابن عبد البر (٦): ذكر بقي بن مخلد قال: حدثنا سفيان بن وكيع قال: حدثنا جرير عن منصور، عن مجاهد في قوله: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ (٧) قال: صلاة الفجر يجتمع فيها ملائكة الليل وملائكة النهار. (٨) وذكر بقي قال: حدثنا محمد بن المثنى قال حدثنا محمد بن

стр. 560

جعفر قال حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة عن أبي عبيدة عن عبد الله أنه قال في هذه الآية: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾ قال: تدارك الحرسان، اقرأوا إن شئتم: ﴿وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهودا﴾. قال: تنزل ملائكة الليل وتصعد ملائكة النهار. (١) وقال ابن عبد البر (٢): ذكر بقي بن مخلد قال: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا غندر عن شعبة، عن أبي رجاء، عن الحسن في قوله: ﴿ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا﴾ (٣) قال: الحسد. (٤) رابعا: موقفه من القراءات: وربما تعرض بقي للقراءات أثناء سوق الروايات وقد تقدم معنا في أسباب النزول مارواه بقي من طريق سفيان بن عيينة عن ابن أبي خالد في قراءة ﴿وتخونوا أمانتكم﴾ (٥)، يعني: بالإفراد (٦). خامسا: موقفه من الفقه والأصول: ومن مرويات بقي التي وقفت عليها مايتعلق بقضية النسخ، قال ابن

стр. 561

عبد البر (١): بقي بن مخلد قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد قال: لم ينسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ (٢) نسختها: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ (٣) وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ (٤) نسختها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (٥). (٦) هذا مااستطعت الوقوف عليه من مرويات بقي التفسيرية، ولعل الله ييسر الوقوف على هذا التفسير العظيم فيخرج للنور بعد غيابه تلك القرون الطويلة.

стр. 562

الفصل الثالث دراسة أمثلة للتفسير بالرأي بالمنطقة

стр. 563

المبحث الأول: أمثلة الرأي المحمود تفسير المهدوي من خلال كتابيه التفصيل والتحصيل مؤلف هذا التفسير هو أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي التونسي ت ٤٣١ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بالمهدية من بلاد القيروان (١). التعريف بالتفسير: كتاب "التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" من التفاسير المخطوطة (٢)، ولا يوجد منه إلا الجزء الأول وهو مصور عن المكتبة الوطنية بباريس برقم ٥٩٤، ويبدأ من تفسير قوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ (٣) الباب الرابع في شرح خفي إعراب سورة البقرة ووجوه قراءاتها، وينتهي عند تفسير سورة التوبة الباب الأول في ذكر مافيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ (٤). وأما كتاب "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" فهو

стр. 564

كتاب مخطوط أيضًا ومنه عدة نسخ (١) ومنه نسخة مصورة غير كاملة على الميكروفيلم بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم ١٣٧٠، ١٣١٧ عن دار الكتب الظاهرية قد رجعت لها. وقد اشتغل المهدوي وهو بالأندلس بتأليف كتاب (التحصيل)، الذي هو اختصار لكتابه (التفصيل) الذي أدخله معه الأندلس. ويبدو أن تأليف هذا المختصر كان بسبب عدم الإقبال عليه في الأندلس والتشكيك في علمه وخاصة مايتعلق بتفسيره الكبير. وفي رواية أخرى ذكر بعض المؤرخين أنه قدم كتابه هذا إلى الوالي فطلب إليه اختصاره، وقد سجل المهدوي هذا في مقدمة (التحصيل) فقال: أمر الموفق ... باختصار كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل بمؤلف لخزانته العالية أدام الله فيها بدوام أيامه النعم المتوالية، بعد حصوله لديه، ووقوفه عليه، ليكون هذا الاختصار، قريب المتناول لمن أراد التذكار، كما كان الجامع خزانة جامعة لمن أراد المطالعة فبادرت إلى امتثال أمره ولم أقصر. المنهج العام للتفسير (٢): وتفسير المهدوي تفسير فقهي نحوي مولع بالقراءات وتوجيهها ولا يغفل الاعتماد على المأثور. أما المنهج العام الذي سار عليه المصنف في كتابه التفصيل فهو منهج غريب تفرد به ولم يرتضه ابن عطية إذ رأى فيه تشتيتا للنظر ومشعبة للفكر (٣). وهو كما قال حيث قام المهدوي بتقسيم الكتاب إلى خمسة أبواب فيأتي للسورة المعتزم تفسيرها فيجعل الباب الأول في أحكامها وناسخها ومنسوخها. (٤) والباب الثاني في تفسيرها ومعانيها وغريبها ومشكلها ومايتعلق بذلك. (٥)

стр. 565

والباب الثالث في ذكر مافيها من الحروف التي اختلف القراء فيها. (١) والباب الرابع في ذكر خفي إعرابها وشرح وجوه قراءتها. (٢) والباب الخامس في ذكر مواضع نزولها واختلاف العادين في عددها وتسمية رءوس آيها. (٣) وأما كتاب التحصيل فقد سلك فيه نفس المنهج تقربيا إلا أنه لم يطبقه على السورة بأكملها وإنما على مقاطع منها كل على حدة وفي ذلك يقول: وأجعل ترتيب السور مفصلة ليكون أقرب متناول، فأقول: القول من أول السورة كذا إلى موضع كذا منها، فأجمع من آيها عشرين آية أو نحوها، بقدر طول الآي، وقصرها، ثم أقول الأحكام والنسخ، فأقولهما ثم أذكر التفسير، فأذكره، ثم أقول القراءات، فأذكرها، ثم أقول الإعراب والتوجيه فأذكره، ثم أذكر الجزء الذي يليه، حتى آتي إن شاء الله تعالى إلى آخر الكتاب على شرطه فيه، فأذكر آخر كل سورة موضع نزولها واختلاف أهل الأمصار في عددها. (٤) فهو يذكر الآية أو الآيات، ويبدأ خدمته لها بذكر النسخ والأحكام إن وجد: ففي سورة مريم مثلاً قال: القول من أولها إلى قوله تعالى: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ (٥) لاأحكام فيها ولا نسخ. وفي سورة الكهف قال: القول من أولها إلى قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ (٦) وصدر الكلام عليها بقوله ليس فيها نسخ وليس فيها من أحكام سوى قوله تعالى ﴿ولاتقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ (٧) فذكر مايتعلق بها من أحكام. وبانتهائه بذكر مايتعلق في الآيات بالنسخ والأحكام يتابع المهدوي شرحه لها تحت عناوين ثلاثة: التفسير، القراءات، الإعراب. في التفسير يستهل الكلام على السورة بما ورد في فضلها. ثم ينتقل مباشرة إلى تفسير السورة مقسمة إلى مجموع آيات يحددها ويفسرها ثم ينتقل
следующие страницы →