← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

عبد البر (١): بقي بن مخلد قال: حدثنا يحيى بن عبد الحميد قال: حدثنا يزيد بن هارون قال: حدثنا سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد قال: لم ينسخ من المائدة إلا هاتان الآيتان: ﴿فإن جاءوك فاحكم بينهم أو أعرض عنهم﴾ (٢) نسختها: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم﴾ (٣) وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تحلوا شعائر الله ولا الشهر الحرام﴾ (٤) نسختها: ﴿فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ (٥). (٦) هذا مااستطعت الوقوف عليه من مرويات بقي التفسيرية، ولعل الله ييسر الوقوف على هذا التفسير العظيم فيخرج للنور بعد غيابه تلك القرون الطويلة.

стр. 562

الفصل الثالث دراسة أمثلة للتفسير بالرأي بالمنطقة

стр. 563

المبحث الأول: أمثلة الرأي المحمود تفسير المهدوي من خلال كتابيه التفصيل والتحصيل مؤلف هذا التفسير هو أبو العباس أحمد بن عمار بن أبي العباس المهدوي التونسي ت ٤٣١ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بالمهدية من بلاد القيروان (١). التعريف بالتفسير: كتاب "التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" من التفاسير المخطوطة (٢)، ولا يوجد منه إلا الجزء الأول وهو مصور عن المكتبة الوطنية بباريس برقم ٥٩٤، ويبدأ من تفسير قوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾ (٣) الباب الرابع في شرح خفي إعراب سورة البقرة ووجوه قراءاتها، وينتهي عند تفسير سورة التوبة الباب الأول في ذكر مافيها من الأحكام والناسخ والمنسوخ (٤). وأما كتاب "التحصيل لفوائد كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل" فهو

стр. 564

كتاب مخطوط أيضًا ومنه عدة نسخ (١) ومنه نسخة مصورة غير كاملة على الميكروفيلم بمكتبة الجامعة الإسلامية برقم ١٣٧٠، ١٣١٧ عن دار الكتب الظاهرية قد رجعت لها. وقد اشتغل المهدوي وهو بالأندلس بتأليف كتاب (التحصيل)، الذي هو اختصار لكتابه (التفصيل) الذي أدخله معه الأندلس. ويبدو أن تأليف هذا المختصر كان بسبب عدم الإقبال عليه في الأندلس والتشكيك في علمه وخاصة مايتعلق بتفسيره الكبير. وفي رواية أخرى ذكر بعض المؤرخين أنه قدم كتابه هذا إلى الوالي فطلب إليه اختصاره، وقد سجل المهدوي هذا في مقدمة (التحصيل) فقال: أمر الموفق ... باختصار كتاب التفصيل الجامع لعلوم التنزيل بمؤلف لخزانته العالية أدام الله فيها بدوام أيامه النعم المتوالية، بعد حصوله لديه، ووقوفه عليه، ليكون هذا الاختصار، قريب المتناول لمن أراد التذكار، كما كان الجامع خزانة جامعة لمن أراد المطالعة فبادرت إلى امتثال أمره ولم أقصر. المنهج العام للتفسير (٢): وتفسير المهدوي تفسير فقهي نحوي مولع بالقراءات وتوجيهها ولا يغفل الاعتماد على المأثور. أما المنهج العام الذي سار عليه المصنف في كتابه التفصيل فهو منهج غريب تفرد به ولم يرتضه ابن عطية إذ رأى فيه تشتيتا للنظر ومشعبة للفكر (٣). وهو كما قال حيث قام المهدوي بتقسيم الكتاب إلى خمسة أبواب فيأتي للسورة المعتزم تفسيرها فيجعل الباب الأول في أحكامها وناسخها ومنسوخها. (٤) والباب الثاني في تفسيرها ومعانيها وغريبها ومشكلها ومايتعلق بذلك. (٥)

стр. 565

والباب الثالث في ذكر مافيها من الحروف التي اختلف القراء فيها. (١) والباب الرابع في ذكر خفي إعرابها وشرح وجوه قراءتها. (٢) والباب الخامس في ذكر مواضع نزولها واختلاف العادين في عددها وتسمية رءوس آيها. (٣) وأما كتاب التحصيل فقد سلك فيه نفس المنهج تقربيا إلا أنه لم يطبقه على السورة بأكملها وإنما على مقاطع منها كل على حدة وفي ذلك يقول: وأجعل ترتيب السور مفصلة ليكون أقرب متناول، فأقول: القول من أول السورة كذا إلى موضع كذا منها، فأجمع من آيها عشرين آية أو نحوها، بقدر طول الآي، وقصرها، ثم أقول الأحكام والنسخ، فأقولهما ثم أذكر التفسير، فأذكره، ثم أقول القراءات، فأذكرها، ثم أقول الإعراب والتوجيه فأذكره، ثم أذكر الجزء الذي يليه، حتى آتي إن شاء الله تعالى إلى آخر الكتاب على شرطه فيه، فأذكر آخر كل سورة موضع نزولها واختلاف أهل الأمصار في عددها. (٤) فهو يذكر الآية أو الآيات، ويبدأ خدمته لها بذكر النسخ والأحكام إن وجد: ففي سورة مريم مثلاً قال: القول من أولها إلى قوله تعالى: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون﴾ (٥) لاأحكام فيها ولا نسخ. وفي سورة الكهف قال: القول من أولها إلى قوله تعالى ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا﴾ (٦) وصدر الكلام عليها بقوله ليس فيها نسخ وليس فيها من أحكام سوى قوله تعالى ﴿ولاتقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت﴾ (٧) فذكر مايتعلق بها من أحكام. وبانتهائه بذكر مايتعلق في الآيات بالنسخ والأحكام يتابع المهدوي شرحه لها تحت عناوين ثلاثة: التفسير، القراءات، الإعراب. في التفسير يستهل الكلام على السورة بما ورد في فضلها. ثم ينتقل مباشرة إلى تفسير السورة مقسمة إلى مجموع آيات يحددها ويفسرها ثم ينتقل

стр. 566

إلى مجموعة آيات أخرى. لايفسر كل كلمة في الآية بل يقتصر منها على ما يراه في حاجة إلى التفسير ويقدمه بقوله: والمعنى. القراءات: ثم يفرغ للقراءات التي يخصص لها عنوانا مستقلا بعد تفسير السورة الإعراب: يسير على خطته في التفسير والقراءات فيفرع له بعدهما بعنوان مستقل: الإعراب فلا يعرب إلا مايراه في حاجة إلى إعراب وما فيه اختلاف في القراءات لمقتضى الاختلاف في الإعراب. إلا أن طريقته هذه في تقسيم الكلام في كل سورة إلى (مدخل - تفسير - قراءات - إعراب) لم يسر عليها في سور: الفيل - الكافرون - النصر - القارعة - الناس) حيث قال: ليس في حروفها اختلاف ولا إعراب مشكل. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: بالنسبة للمكي والمدني وعد الآي ونحو ذلك فهو يهتم به ومن ذلك: قوله في آخر سورة البقرة: هذه السورة مدنية وعددها في الكوفي مائتان وست وثمانون وفي البصري سبع وثمانون وفي بقية العدد خمس وثمانون اختلافها إحدى عشرة آية. (١) وقال: الأنعام: هذه السورة مكية وقد روي عن ابن عباس وغيره ثلاث آيات منها نزلت بالمدينة من قوله تعالى ﴿أتل﴾ (٢) إلى قوله ﴿تتقون﴾ (٣) ونزلت جميعها سواهن جملة بمكة ... عددها في المدنيين والمكي مائة آية وسبع وستون آية وفي البصري والشامي ست، وفي الكوفي خمس اختلف فيها في أربع آيات ... فذكرهن. وفي سورة الانفطار قال: هذه السورة مكية تسع عشرة آية بإجماع. (٤)

стр. 567

وفي سورة الكوثر: هي مكية وقيل إنها نزلت بالحديبية وعددها ثلاث آيات بإجماع. (١) ثانيا: موقفه من العقيدة: يلاحظ أنه يميل للتأويل في باب الصفات قال المهدوي في تفسير قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ (٢) قيل معناها: أقبل عليها، وقيل: صعد أمره، وقيل: قصد إلى خلقها بالإرادة، وبعد إيراده لما روي في تفسير الآية أشار إلى تنزيه الله عن الانتقال والحركة فقال: ولا يجوز أن يحمل شيء مما جاء في ذلك على انتقال ولا حركة ولا زوال، وإنما يحمل ذلك على علو قدرته وأمره، وما يجوز أن يوصف به تعالى. وقال عند قوله سبحانه ﴿مامنعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ (٣) قال: اليدان صفة من صفات الله . وقيل: عبر باليدين عن القدرة وقيل: عبر بهما عن القوة وقيل: ذكرتا للتأكيد على ماتستعمله العرب من نحو قولهم: هذا جنته يداك، فمعنى ﴿لما خلقت بيدي﴾ على هذا: لما خلقته. وقال في قوله تعالى ﴿بل عجبتُ ويسخرون﴾ (٤) في قراءة الضم: ويجوز أن يكون إخبار الله تعالى عن نفسه بالعجب محمولا على أنه ظهر من أمره وسخطه على من كفر به؛ ما يقوم مقام العجب من المخلوقين، كما يحمل إخباره تعالى عن نفسه بالضحك لمن رضي عنه - على ماجاء في الخبر عن النبي ﵇ على أنه أظهر له من رضاه عنه ما يقوم له مقام الضحك من المخلوقين مجازا واتساعا. ونقل المهدوي في تفسير قوله تعالى ﴿وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾ (٥)، عن الحسن البصري قال: اجتمع أربعة أملاك فقال أحدهم: جئت من الأرض السفلى. قالوا: فأين تركت ربنا؟ قال: ثم. وقال أحدهم: جئت من المشرق. قالوا: فأين تركت ربنا؟ قال: ثم وقال أحدهم: جئت من المغرب. قالوا: فأين تركت ربنا؟ قال: ثم. ثم علق المهدوي على

стр. 568

هذا الخبر مؤكدًا على تنزيه الله تعالى عن المكان. قال: وهذا كله إنما يحمل على مايجوز أن يوصف به الباري سبحانه مما قدمناه في أول الكتاب، لا على وجه التحيز وشغل الأمكنة وغير ذلك مما يوصف به المخلوقون، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرا. واهتم المهدوي بمسألة الشفاعة وحللها، وذكر مفهومها اللغوي وقرر مذهب أهل السنة والجماعة فيها وذلك عند تفسير قوله تعالى ﴿واتقوا يومًا لاتجزي نفس عن نفس شيئا ولايقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ (١). قال المهدوي: سميت الشفاعة شفاعة لأن طالبها جاء بآخر معه يشفع، والشفع هو: الزوج، وهذا عام في اللفظ خاص في المعنى خوطب به اليهود لأنهم زعموا أن آباءهم يشفعون لهم، ويبين ذلك قوله تعالى في موضع آخر ﴿ولا يشفعون إلا لمن ارتضى﴾ (٢) ثم أنهى المهدوي مبحث الشفاعة برأي بعض المعتزلة الذي أنكر الشفاعة إنكارًا كليا، وبين أن في هذا ردا للكتاب والسنة. كما ذكر مذهب أهل السنة والجماعة في قضية مرتكب الكبيرة عند تفسير قوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ماتنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ (٣) فقال: أعلم الله تعالى أنه يكفر الصغائر باجتناب الكبائر وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال في الكبائر: أن تدعو لله ندًا وقد خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك، وأن تزني بحليلة جارك، وتلا ﴿والذين لايدعون مع الله إلها آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾ (٤) (٥) وذكر آثارا عن ابن عباس وابن عمر ثم ذكر حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة فأوضح أنها تغفر لمن أقلع عنها وتاب قبل الموت، وأضاف أنها قد تغفر لمن مات عليها من المسلمين مستشهدًا بقوله تعالى ﴿إن الله لايغفر أن يشرك به ويغفر مادون ذلك لمن يشاء﴾ (٦). ويقصد بذلك من مات على الذنوب، فانتفاء الغفران مرتبط بالشرك، وأما من لم يشرك ومات على ذنوبه فهو من أهل الغفران تحت المشيئة.

стр. 569

ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: ومن مواضع تفسيره القرآن بالقرآن قوله في تفسير قوله تعالى ﴿إن الله لايستحيي أن يضرب مثلا ما﴾ (١): لا يوصف الله تعالى بالاستحياء على حد مايوصف به المخلوقين، والمعنى لا يخشى، كما جاء يخشى بمعنى يستحيي، كقوله ﴿وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ (٢)، قاله جماعة من المفسرين واختاره الطبري. (٣) وقال في قوله ﴿وقالوا قلوبنا غلف﴾ (٤) أي قلوبنا مستورة عما تقول كقوله ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه﴾ (٥) (٦) ويستدل على معنى اللفظة القرآنية بما جاء في مواضع القرآن، ففي تفسير الإخوة من قوله تعالى: ﴿ولأبويه لكل واحد منهما السدس ..﴾ (٧) إلى قوله ﴿فإن كان له إخوة فلأمه السدس﴾ (٨)، يذهب إلى أن الإخوة في قول سائر العلماء، اثنان فأكثر، يحجبون الأم عن الثلث ويردونها إلى السدس. وقد قال إخوة، لأن الاثنين جماعة، بدليل قوله ﴿وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب﴾ (٩) وكانا ملكين اثنين، وقوله تعالى لموسى وهارون ﴿إنا معكم مستمعون﴾ (١٠) وقوله في داود وسليمان ﴿وكنا لحكمهم شاهدين﴾ (١١)، وذلك كثير ... (١٢). رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: وهو يعتمد على الحديث في تفسير كتاب الله بجانب القرآن إلا أن منهجه فيه يقوم على حذف الأسانيد وإهمال التخريج بالإضافة إلى عدم اشتراط الصحة فربما ذكر حديثا ضعيفا. قال في تفسير قوله تعالى ﴿إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم﴾ (١٣) وروى ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال في الكبائر: أن تدعو لله ندا وقد خلقك، وأن تقتل ولدك من أجل أن يأكل معك وأن تزاني بحليلة جارك، وتلا ﴿والذين لايدعون مع الله إلها

стр. 570

آخر ...﴾ (١). (٢) وفي تفسير ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل ..﴾ (٣) ذكر عن رسول الله ﷺ أنه قال: "باب التوبة مفتوح من قبل المغرب، عرضه مسيرة سبعين عاما، فإذا طلعت الشمس منه لم تقبل لأحد توبة " وتلا الآية السابقة. (٤) وروى أبو هريرة عن النبي ﷺ : أن العلامات التي لا ينفع الإيمان بعدها طلوع الشمس من مغربها والدجال ودابة الأرض (٥). وأورد في تفسير قوله تعالى ﴿إن الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس﴾ (٦) عن أبي عبيدة بن الجراح أن النبي ﷺ قال: قتلت بنو إسرائيل ثلاثة وأربعين نبيا من أول النهار في ساعة واحدة، فقام مائة رجل واثنا عشر رجلا من أبناء بني إسرائيل فأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر فقتلوا جميعا في آخر النهار من ذلك اليوم وهم الذين ذكر الله في هذه الآية. (٧) وفي تفسير قوله تعالى ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾ (٨) ذكر أن الشافعي تأول هذه الآية بأن الإنسان يأخذ من مال من خانه بمقدار ما خانه من غير علم، واستشهد على ذلك بقول النبي ﷺ لهند زوج أبي سفيان: خذي من ماله ما يكفيك وولدك. (٩)

стр. 571

وفي قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (١) ذكر أن أنس بن مالك روى عن النبي ﷺ أنه قال: "من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله تعالى يقول: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ " (٢) وهو من المهتمين بإيراد أسباب النزول ومن ذلك: في قوله ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون﴾ (٣) قال: روي أن النبي ﷺ دعا اليهود إلى كتاب الله فقال له نعيم بن عمرو، والحارث بن زيد: على أي دين أنت يامحمد؟ فقال له: "على ملة إبراهيم ودينه"، قال: فإن إبراهيم كان يهوديا. فقال لهم النبي ﷺ : "فهلموا إلى التوراة فهي بيننا وبينكم" فأبيا من ذلك فنزلت الآية (٤). وفي قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال﴾ (٥) قال: عن ابن عباس قال: قال النبي ﷺ يوم بدر: "من أتى مكان كذا وكذا فله كذا" فأسرع الشباب وبقي الشيوخ فجاء الشباب يطلبون ماجعل لهم فنازعهم الشيوخ فنزلت (٦). وفي قوله تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا إذا ضربتم في سبيل الله فتبينوا﴾ (٧) قال: قال ابن عباس: نزلت في قوم من المسلمين مروا براع، فقال: سلام عليكم، فقالوا: إنما تعوذ، فقتلوه (٨).

стр. 572

﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ (١) قال: روي أن ذلك إنما نزل بسبب أن النبي ﷺ لما سأله اليهود عن ذي القرنين وعن خبر صاحب موسى وعن الروح قال: غدًا أخبركم ولم يقل إن شاء الله فأبطأ عنه الوحي بضع عشرة ليلة، ثم جاءته سورة الكهف (٢). وربما ذكر أكثر من رواية في سبب نزول الآية من غير ترجيح ومن ذلك: في قوله تعالى ﴿ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء﴾ (٣) ذكر أنها إما نزلت في عامر بن طفيل وأربد بن قيس حين أرادا الغدر بالنبي ﷺ فأرسل الله على أربد صاعقة فمات، وأصاب عامر الطاعون في عنقه فمات (٤). وقيل: نزلت في يهودي قال للنبي ﷺ : أخبرني من أي شيء ربك؟ أمن لؤلؤ أو من ياقوت؟ فجاءت صاعقة فأحرقته، روي ذلك عن مجاهد وأنس (٥). وهو يتعرض لفضائل السور والآيات ومن ذلك: عند تفسيره لقوله تعالى ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله ..﴾ (٦) قال: روي أن النبي ﷺ قال: "كتب الله كتابا قبل أن يخلق السماوات والأرض بألفي عام فأنزل منه آيتين ختم بهما سورة البقرة ولا تقرآن في دار ثلاث ليال، فيقربها الشيطان" (٧). وقال: جاء في الخبر أن سورة الأنعام نزل معها سبعون ألف ملك مع آية واحدة منها اثنا عشر ألف ملك وهي ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾ (٨)

стр. 573

الآية ونزلت سورة الأنعام جملة (١). وقال في سورة الكهف: روى وهب بن منبه أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بسورة عظيمة ملأت مابين السماء والأرض وما جاء فيها من الأجر مثل ذلك؟ ". قالوا: يانبي الله أي سورة هي؟ قال: "سورة الكهف من قرأ بها يوم الجمعة أعطي نورًا بين السماء والأرض ووقي بها فتنة القبر" (٢). وعن أنس عن النبي ﷺ : "من قرأ سورة الكهف يوم الجمعة غفر له مابينه وبين الجمعة الأخرى وزيادة ثلاثة أيام" (٣). خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: يلاحظ اهتمام المهدوي بإيراد الأقوال المختلفة عن علماء الصحابة والتابعين ومن ذلك: قوله تعالى ﴿كأنهن بيض مكنون﴾ (٤) قال: قال ابن عباس: يعني اللؤلؤ المكنون. وعن الحسن وابن يزيد: شبهن ببيض النعام يكن تحت الريش من الريح والغبار. سعيد بن جبير والسدي: شبهن ببطن البيض قبل أن يقشر وتمسه الأيدي (٥). قوله تعالى ﴿طوبى لهم وحسن مآب﴾ (٦) عن ابن عباس: طوبى شجرة في الجنة، ونقل عنه أيضًا: أنها الجنة (٧).

стр. 574

قوله ﴿وذروا ظاهر الإثم وباطنه﴾ (١) قال قتادة: يعني علانيته وسره. ابن جبير: الظاهر مانهي عنه من قوله: ﴿ولاتنكحوا مانكح آباؤكم من النساء﴾ (٢) والباطن الزنا. ابن زيد: الظاهر التجرد في الطواف، والباطن الأخدان. قوله: ﴿وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم﴾ (٣) يعني أن إبليس يوصي إلى مشركي قريش يقول لهم: كيف تعبدون ربا لا تأكلون ما قتل؟ قاله ابن عباس. قوله: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجًا قيما﴾ (٤) قال ابن عباس: أي لم يجعل له ملتبسًا. وعنه أيضًا: لم يجعله مخلوقًا. وقيل: لم يجعل له اختلافًا. والعوج: العدول عن طرفي الاستقامة. ومعنى قوله قيمًا في قول ابن عباس: عدلاً، الضحاك: مستقيمًا، ابن إسحاق: معتدلاً لااختلاف فيه. وقيل: معناه قيمًا على الكتب يصدقها. قوله ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾ (٥) قال ابن عباس: المعنى استثن في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت في حال اليمين قال: وله أن يستثني ولو بعد سنة. وقال أبو العالية: يستثني متى ذكر. عكرمة: المعنى واذكر ربك إذا غضبت. قوله تعالى: ﴿يغاثوا بماء كالمهل﴾ (٦) قال: المهل كل شيء أذيب حتى أماع. ابن عباس: دردي الزيت (٧)، ومجاهد: الدم والقيح ... سعيد بن جبير: هو الذي انتهى حره. وقيل: هو ماأذيب من الذهب والفضة والرصاص والنحاس. الضحاك: هو ماء جهنم، هو أسود، وشجرها أسود وأهلها سود. وقيل: هو عكر القطران يشوي الوجوه أي يحرقها. قوله تعالى: ﴿يوم يأتي بعض آيات ربك﴾ (٨) عن ابن عباس وغيره قال: يعني بعد طلوع الشمس من مغربها. قوله تعالى ﴿ويمنعون الماعون﴾ (٩) عن ابن عمر

стр. 575

والحسن وغيرهما أن الماعون: هو الزكاة، وعن ابن المسيب أنه المال بلغة قريش. وعن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما: ما يتداوله الناس نحو الفأس والقدر (١). قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمأ مسنون﴾ (٢) عن ابن عباس وغيره: سمي صلصالا لأنه يصلصل أي يصوت. مجاهد: هو مثل الخزف الذي يصلصل وعنه أيضا: هو المنتن (٣). وربما تعرض المهدوي إلى نقد بعض الآثار والتعليق عليها قال في تفسير قوله سبحانه ﴿فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾ (٤): إن مجاهدا خالف جميع من سبقه من أهل التفسير عندما ذهب إلى القول بعدم المسخ المادي، وتأول ذلك بأن المراد هو المسخ لقلوبهم، وظاهر الآية يشير إلى المسخ بدون تأويل وهذا ما يستفاد من تفسير ابن عباس الذي روي عنه أنهم مسخوا قردة فأقاموا ثلاثة أيام ثم ماتوا (٥). سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: يلاحظ أن المهدوي يهتم بذكر حوادث السيرة وبعض التفاصيل الدقيقة للغزوات أثناء تفسيره ومن ذلك ماجاء في قوله تعالى ﴿لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾ (٦) قال: يعني بيعة الرضوان التي كانت في الحديبية بايع المسلمون النبي ﷺ تحت شجرة على الموت، وكانوا ألفا وستمائة وقيل فيما زاد على الألف: إنه خمسمائة، وقيل: ثلاثمائة، وعن ابن عباس: ألف وخمسمائة وعشرون. ثم نقل الأخبار في تعيين الفتح القريب في قوله تعالى ﴿وأثابهم فتحًا قريبا﴾ (٧)، يعني فتح خيبر، عن أبي ليلى وغيره، وقيل: هو فتح مكة (٨). وفي قوله تعالى ﴿كمن مثله في الظلمات﴾ (٩) قال: روي أن أبا جهل رمى النبي ﷺ بفرث فأُخبر بذلك حمزة قبل إسلامه فغضب للنبي ﷺ فمر أبا جهل فعلاه بقوس كان في يده وأسلم حمزة ﵁ ونزلت الآية في ذلك. وقد تقدم في أسباب النزول طرف مما يتعلق بالسيرة أيضًا.

стр. 576

سابعا: موقفه من الإسرائيليات: وليس المهدوي من المكثرين من ذكر الإسرائيليات في تفسيره إلا أنه ربما تعرض لها لاسيما عند تعيين بعض من أبهم ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه﴾ (١) حيث ذكر أن الرجل عند الحسن: قبطي ابن عم لفرعون، وأما السدي فيجعله إسرائيليًا يكتم إيمانه من آل فرعون، وذكر بعض المفسرين أن اسم هذا الرجل حبيب، وقيل: سمعان وقيل: حزقيل. ثم يعلق المهدوي على هذه الروايات بقوله: ومن جعل الرجل قبطيًا فمن عنده متعلقة بمحذوف، صفة لرجل، والتقدير: وقال رجل مؤمن منسوب من آل فرعون، ومن جعله إسرائيليًا فمن متعلقة بيكتم في موضع مفعول ثان ليكتم. ويختار المهدوي التفسير الأول وهو تفسير الحسن محتجًا لذلك بقوله تعالى ﴿ياقوم لكم الملك اليوم ظاهرين في الأرض﴾ (٢)، قال: وفي قول الرجل ياقوم دليل على أنه قبطي (٣). ثامنا: موقفه من اللغة: يتضح لدارس تفسير المهدوي أحاطته الواسعة بفنون اللغة وأساليبها واستعمالاتها، وامتلاكه لقواعد اشتقاقها وتصريفها، ومعرفة غريبها، وقدرته الفائقة على توجيهه القراءات القرآنية، وحل مشاكل الإعراب الخفية. ويتسم منهج المهدوي في تناول شرح المفردات اللغوية في التفسير باعتماد علماء اللغة والنحو، الذين سبقوه في الظهور، وخاصة من اشتهر منهم بالعناية بالتفسير اللغوي للقرآن كسيبويه والفراء وأبي عبيدة والأصمعي والمبرد وغيرهم ... . قال في تفسير قوله تعالى: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ (٤): وأصل اسم الله الذي هو "الله" عند سيبويه (لاه) دخلت عليه الألف واللام للتعظيم، لا للتعريف ولسيبويه أيضا قول آخر: أن أصله (إله) فحذفت الهمزة .. الخ. (٥)

стр. 577

وفي قوله تعالى ﴿وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة﴾ (١) ذكر أن اشتقاق آدم من الأدمة في اللون، وهي السمرة فلا يصرف على هذا الوجه، إذا سمي به، ثم نكر عند سيبويه. وقيل: هو مشتق من أديم الأرض: وهو وجهها فيصرف إذا سمي به في المعرفة والنكرة (٢). وفسر السبات بأنه الراحة في قوله تعالى ﴿وجعلنا نومكم سباتا﴾ (٣)، وقال: يقال: سبتت المرأة شعرها: إذا حلته وأرسلته. وقيل: إن أصل السبات الانقطاع عن العمل من أجل الراحة. ومنه يوم السبت (٤). وفي شرح قوله تعالى: ﴿والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم﴾ (٥) قال ثعلب: التعس: الشر. وقيل: هو البعد. ابن السكيت: التعس، أن يخر على وجهه، والنكس أن يخر على رأسه. والتعس أيضا: الهلاك (٦). وقال في قوله تعالى ﴿لافيها غول ولا هم عنها ينزفون﴾ (٧): والغول في اللغة: الأذى والمكروه. يقال غاله الشراب واغتاله، إذا أذاه وذهب بعقله، والنزيف: السكران، وهو المنزف أيضًا، يقال: نزف الرجل: إذا ذهب عقله من السكر. وحكى أبو عبيدة: أنزف، إذا سكر. وقال في قوله تعالى ﴿ولاتؤمنوا إلا لمن تبع دينكم قل إن الهدى هدى الله أن يؤتى أحد مثل ما أوتيتم أو يحاجوكم﴾ (٨): إن (أو) عند الفراء تدل على حتى، وتدل على (إلا أن) وذهب إلى نفس المعنى الكسائي واستدل بقول العرب: لا نلتقي أو تقوم الساعة. أما عند الأخفش فهي عاطفة على ﴿ولا تؤمنوا﴾ أي ولا تصدقوا أن يحاجوكم عند ربكم (٩). وفي قوله تعالى ﴿وفتحت أبوابها﴾ (١٠)، قال: الواو إثباتها عطف جملة وحذفها للضمير العائد من الجملة الثانية. وقيل: الواو في قصة أهل الجنة زائدة، وقيل: زيادة الواو دليل على أن الأبواب، فتحت لهم قبل أن يأتوا لكرامتهم على الله ، والتقدير: حتى إذا جاؤوها وأبوابها مفتحة. وحذف الواو في قصة أهل النار، لأنهم وقفوا على النار وفتحت بعد

стр. 578

وقوفهم، إذلالا وترويعا لهم وهو قوله تعالى ﴿حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها﴾ (١)، ثم ذكر أن الواو زيدت في قصة أهل الجنة الذين فتحت لهم الأبواب ﴿وفتحت أبوابها﴾، لأن أبواب الجنة ثمانية. أما أبواب جهنم فهي سبعة، ووقع التفريق بينهما - الجنة وجهنم - بزيادة الواو (٢). وفسر قوله تعالى ﴿وإذا العشار عطلت﴾ (٣) بأن العشار من النوق: الحامل التي بلغت عشرة أشهر في حملها وواحدها عشراء، وقد تسمى بذلك إلى أن تلد، وبعيد ذلك. والعشار أعز مايكون عند العرب، واهتمامهم بها أشد فأخبر أنها تعطل يوم القيامة (٤). وهو لا يكثر من الاستدلال بالشعر ففي قرابة ستين صفحة لم يذكر سوى بيتين من الشعر تقريبا. ومن مواضع استدلاله بالشعر في قوله سبحانه ﴿وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي﴾ (٥) قال: وقيل: إن الطرف هاهنا العين، والمعنى ينظرون من عين ضعيف النظر، والعرب تستعمل هذا في المريب ومنه قول الشاعر: فغض الطرف إنك من نمير ... . . . . . . . . وقال في تفسير آية ﴿ولتعرفنهم في لحن القول﴾ (٦)، أي في فحواه ومعناه، ومنه قول الشاعر: وخير الكلام ما كان لحنا ... . . . . . . . . أي ما عرف بالمعنى ولم يصرح به. وقد ذكرنا أنه يفرد فصلا يقول فيه: الإعراب ويرتبه بناء على القراءات التي ذكرها، ويمثل قسم الإعراب جانبا هاما من تفسير المهدوي. والمهدوي في حل مشكل إعراب القرآن يعرض الوجوه المختلفة، وينتقد بعضها أحيانا، مع تعليل سبب الاعتراض، ولا يكتفي بإعراب مشكل الآية بل يعلل الإعراب ويختار مايراه أسلم في الذوق العربي، وأقرب إلى منطق القواعد النحوية.

стр. 579

ففي سورة الكهف بعد أن انتهى من ذكر فضلها والتفسير والقراءات قال: الإعراب: قوله: ﴿قيما﴾ (١) منصوب على الحال من الكتاب. وقوله: ﴿ولم يجعل له عوجا﴾ (٢) اعتراض بين الحال وبين ذي الحال الذي هو الكتاب. وقيل إن ﴿قيمًا﴾ منصوب بإضمار فعل، المعنى: ولكن جعله قيمًا فهو مفعول ثان لجعل المضمر فيوقف على هذا التقدير على الكتاب ولا يوقف عليه على التقدير الأول وقيل: انتصابه على تقدير: ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ (٣) أنزله قيمًا. فهو منصوب على الحال من الهاء المضمرة في الفعل المضمر. وسكوت حفص على ﴿عوجا﴾ إيذان بأن الجملة معترضة وفرار من أن يتوهم في وصله أن ﴿قيمًا﴾ وصف لعوج. وسكوته على ﴿مرقدنا﴾ (٤) ليدل على أن هذا ماوعد الرحمن. وفي سورة طه: بدأ بعد التفسير الإعراب فقال قوله: ﴿إلا تذكرة لمن يخشى﴾ (٥): مفعول له على تقدير فعل مضمر، التقدير: ما أنزلنا القرآن لتشقى، ما أنزلناه إلا تذكرة، ولا يجوز حمله على الفعل الأول، لأن ثم مفعولاً آخر، فلا يكونان لفعل واحد. وأجاز بعض النحويين أن يكون بدلاً من ﴿لتشقى﴾ (٦) وأنكره أبو علي (يعني الكسائي) من أجل أن التذكرة ليست بتشقى. ويجوز أن ينتصب على أنه مصدر على التقدير: أنزلناه به تذكرة. وفي سورة المسد بعد أن تكلم عن التفسير والقراءات قال: الإعراب: فتح الهاء وإسكانها من أبي لهب لغتان، ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ (٧) يجوز أن تكون ابتداء وخبره فيمن رفع ﴿حمالة﴾ يكون: ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ (٨) فيوقف على ماتقدم على ﴿ذات لهب﴾ ويجوز أن تكون "وامرأته" معطوفة على المضمر في ﴿سيصلى﴾ (٩) فلا يوقف على ﴿ذات لهب﴾ ويوقف على ﴿امرأته﴾ وتكون ﴿حمالة الحطب﴾ خبر مبتدأ محذوف ومن نصب ﴿حمالة﴾ فعلى الذم كأنها اشتهرت بذلك فجاءت الصفة للذم لا للتخصيص. وفي إعرابه لقوله تعالى ﴿قل اللهم مالك الملك﴾ (١٠)، نقل عن سيبويه أن الميم من ﴿اللهم﴾ هي عوض عن ياء النداء، ولا توصف لفظة ﴿اللهم﴾، وقوله: ﴿مالك الملك﴾ منصوب على النداء. ونقل عن الزجاج والمبرد

стр. 580

وغيرهما أنه صفة. وأشار المهدوي إلى أن أبا علي اختار رأي سيبويه لأنه أبين ولأنه ليس في الأسماء الموصوفة شيء على حد اللهم، فإذ خالف أصل ما عليه الأسماء الموصوفة، ودخل في حيز الأصوات وجب ألا يوصف. ثم نقل المهدوي تعليل أبي علي لهذا الإعراب المتمثل في أن ﴿اللهم﴾ اسم منادى، وأن الأصل عدم وصف المنادى المعرفة المفرد، فلما وصف بسماع كما حكى سيبويه عن العرب من قولهم: ياتميم أجمعين، وضم إلى اسم الله تعالى صوت، وصيغ معه، وكان حكم الأصوات ألا توصف، وكان قياس المضموم إليه هذا الصوت قبل ضمه، ألا يوصف، صار بمنزلة صوت مضموم إلى صوت ... (١) وقال في إعراب قوله : ﴿جنات عدن مفتحة لهم الأبواب﴾ (٢): في ﴿مفتحة﴾ ضمير الجنات، والأبواب بدل منها، بدل البعض من الكل أو بدل الاشتمال، لأن الأبواب بعض الجنات، وهي مشتملة عليها. والفراء يذهب إلى أن ﴿الأبواب﴾ مرفوعة بلفظة مفتحة والألف واللام في مقام الضمير والتقدير: مفتحة لهم أبوابها. وأنكر أبو علي القولين معا وقال: لو جاز ماذهب إليه الفراء لم يقولوا: هند حسنة الوجه، ولقالوا هند حسن الوجه. كما قالوا: هند حسن وجهها، ففي ذلك دليل على أن الألف واللام لا تسد مسد الضمير في اللفظ، وإن كان المعنى عليه ... الخ (٣) وهو لا يهتم كثيرا بالنكات البلاغية، وإنما يشير إلى بعضها أثناء تفسيره بايجاز، ففي أسلوب التمثيل تناول تفسير قوله تعالى ﴿وأما ماينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال﴾ (٤) فأوضح أن هذا مثل ضربه الله للحق في ثباته، والباطل في زواله ليعلم أن الباطل وإن قوي وعلا، فإنه إلى اضمحلال واندثار كالزبد الذي يذهب جفاء والماء في الآية هو الحق والزبد الرابي هو الباطل، والأودية مثل القلوب ... الخ (٥) وعني المهدوي بأسلوب الحذف في القرآن، وأشار إلى ماورد في ذلك، والحذف حسب رأي سيبويه وابن عطية والزركشي وغيرهم، من مجاز القرآن،

стр. 581

وهو أنواع منه حذف المفعول، وحذف المضاف، وحذف الجواب (١). ومن أمثلة الحذف ماذكره المهدوي في تفسير قوله تعالى ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض ..﴾ (٢) فأوضح أن الجواب محذوف، كأنه قال: هذا القرآن، ثم أورد رأي الفراء في تعيين الجواب المحذوف وهو: لو فعل لهم هذا لكفروا. كما نقل عن بعض النحاة رده لتعيين الجواب المحذوف الذي هو: هذا القرآن. وذلك لأن الآية لم تأت لتفضيل القرآن، بل سيقت في معرض ذم الكفار، والدليل ما جاء قبلها في القرآن، وهو قوله تعالى ﴿وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي﴾ (٣)، وما جاء بعدها ﴿أفلم ييأس الذين آمنوا﴾ (٤) (٥) تاسعا: موقفه من القراءات: ورغم كثرة تآليف المهدوي في القراءات إلا أنه خصص لها بابا في التفسير بكتابيه التفصيل والتحصيل، وهو الباب الثالث كما أدمجها مع الإعراب، في الباب الرابع ثم جعل لها في آخر التفسير قسما خاصا بأصولها. وقد قال في مقدمة كتابه: وأذكر القراءات السبع في الروايات التي اقتصر عليها أهل الأمصار، سوى من لم يبلغ مبلغهم في الاشتهار إلا مالا اختلاف بين السبعة القراء، فإني أذكره منسوبا إلى بعض من روي عنه من القراء، ليعرف من هذا الاختصار ما هو من القراءات المروية مما لم يقرأ بها قارئ، وإن كان جائزا في العربية (٦). وإن القسم الخاص بالقراءات من تفسير المهدوي ليشكل كتابا بمفرد في القراءات واختلاف أوجهها يمكن أن يضاف إلى كتبه الأخرى التي أفردها للتأليف في القراءات خاصة إذا أضيف إليها ما ألحقه بآخر التفسير من عناية بأصول القراءات. وجاء في آخر كتابه قوله: قد أتيت في جميع سور القرآن على ما شرطته في صدر الديوان وأنا أذكر على أثر ذلك أصول القراءات وأجمل منها ما بسطته في الكبير (٧).

стр. 582

وقد ذكرت صاحبة التفسير واتجاهاته خلاصة لخصائص معالجة المهدوي لفن القراءات في تفسيره وهي: ١ - له اهتمام كبير بالقراءات، إذ هو من أئمة هذا العلم. ٢ - ماذكره في التفسير بقسم القراءات يمثل كتابا خاصا منفردا فيها. ٣ - يعتمد منهجه في القراءات على قواعد أساسية ثابتة هي: أ - أخذ جملة آيات وعرض القراءات المختلفة فيها. ب - جمع القراءات وذكر الاختلاف بين القراء حول الحرف الواحد. ت - تعليل القراءة والاحتجاج لها بالشعر وأقوال العرب. ث - تفسير القرآن بحسب اختلاف القراءة. ج - رده بعض القراءات المخالفة للرسم القرآني. ح - التنصيص على القراءة الشاذة. خ - العناية بالوقف. د - عدم التخلي عن ذكر تخلف القراء، أو الإعراب في السورة، والتنصيص على الاستثناءات في كل ذلك (١). ومن الأمثلة التطبيقية على بعض ماتقدم قال: سورة الأنعام: تقدم القول في قوله ﴿ميتا﴾ (٢) و ﴿رسالاته﴾ (٣) ابن كثير: ﴿يجعل صدره ضَيْقا حرجا﴾ بالتخفيف وشدد الباقون، وكذلك الاختلاف في الفرقان (٤). نافع وأبوبكر: ﴿حرِجا﴾ بكسر الراء وفتح الباقون. ابن كثير: ﴿كأنما يَصْعَد في السماء﴾ أبوبكر ﴿يصّاعَد﴾ الباقون ﴿يَصَّعَّد﴾ (٥) ابن هرمز والحسن: ... .الخ وذكر فيمن ذكر من القراء: أبا رجاء وطلحة بن مصرف وأبا السمال وابن رئاب والنخعي.

стр. 583

ثم تكلم عن توجيهها جميعا وقال: فيها عشر ياءات إضافة فذكرها وفيها محذوفتان فذكرهما. وبعد أن انتهى من تفسير سورة الكهف قال: القراءات. كان حفص عن عاصم يسكت على قوله ﴿عوجا﴾ (١) سكتة خفيفة وكذلك ﴿مرقدنا﴾ (٢) نافع وابن عامر: ﴿مَرفِقا﴾، والباقون: ﴿مِرفَقا﴾ (٣). ابن عامر: ﴿تَزْورّ (٤) عن كهفهم﴾ (٥)، عاصم وحمزة والكسائي: ﴿تَزَاوَر﴾ بالتخفيف، والباقون: ﴿تَزَّاور﴾ بالتشديد، وروى الجحدري: ﴿تَزْوَارّ﴾ (٦). وفي سورة الأنبياء بعد أن انتهى من التفسير قال: القراءات. معاذ بن جبل: "وبالله لأكيدن أصنامكم" (٧)، الكسائي: ﴿فجعلهم جِذاذا﴾ (٨) بكسر الجيم، وابن عباس وأبو نهيك وأبو السمال بفتحها. أبو حيوة: " ثم نكِّسوا على رؤوسهم" (٩) بتشديد الكاف. وقال أيضا: القراءات الواردة في سورة (ص:) من قوله تعالى ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار﴾ (١٠) إلى آخر آية من السورة. ابن كثير ﴿واذكر عبدنا إبراهيم﴾ على التوحيد. والباقون ﴿عبادنا﴾ بالجمع. الحسن وعيسى الثقفي والأعمش: "أولي الأيد والأبصار" (١١)، بغير ياء. نافع وهاشم عن ابن عامر ﴿بخالصةِ ذكرى الدار﴾ (١٢) بالإضافة والباقون بتنوين خالصة. ابن كثير وأبو عمرو ﴿هذا ما يوعدون ليوم الحساب﴾ (١٣) بياء (١٤)

стр. 584

والباقون بتاء (١). حفص وحمزة والكسائي ﴿حميم وغسّاق﴾ (٢) بالتشديد، وكذلك الذي في ﴿عم يتساءلون﴾ (٣)، والباقون بالتخفيف. أبو عمرو: ﴿وأُخر من شكله أزواج﴾ (٤) جمع أخرى. والباقون ﴿وآخر﴾ مفرد مذكر. الخ ماذكره من القراءات. ثم ذكر بعد هذه القراءات المختلفة، أن سورة ص: تضمنت ست ياءات إضافة، وقع الاختلاف فيها، فأما حفص فقد فتح ﴿وليَ نعجة واحدة﴾ (٥) ﴿ما كان ليَ من علم﴾ (٦) الخ ثم أشار إلى أن في السورة يائين محذوفتين وهما قوله تعالى ﴿بل لما يذوقوا عذاب﴾ (٧) وقوله ﴿فحق عقاب﴾ (٨) وقد أثبت الياء سلام ويعقوب (٩). وفي سورة المسد قال: القراءات. ابن كثير: ﴿يدا أبي لَهْب﴾ (١٠) بإسكان الهاء، وفتح الباقون، الأعمش: "وما اكتسب" (١١) وهو خلاف المرسوم. ومن مواضع اهتمامه بتوجيه القراءات: قوله تعالى ﴿بل عجبت ويسخرون﴾ (١٢) قال: من فتح التاء فهو على الخطاب للنبي ﵇، ومن ضم، جاز أن يكون على معنى أن حالهم إذا تأملتموها كانت مما يقول القائل منكم: عجبتُ. ويجوز أن يكون على إضمار القول كأنه قال: قل يامحمد: عجبت. وإضمار القول كثير (١٣). وقد رد المهدوي عدة قراءات لمخالفتها للمصحف ومن ذلك قراءة من حذف الكاف في قوله تعالى ﴿ونادوا يا مالك﴾ (١٤)، وقراءة: "وهو الذي في السماء الله وفي الأرض الله" (١٥). وربما أحال القارئ على القسم المخصص لأصول القراءات في آخر الكتاب، فقد ذكر في إشباع كسرة الكاف في قراءة قوله تعالى ﴿مالك يوم الدين﴾ (١٦)، أن

стр. 585

أحمد بن صالح روى عن ورش عن نافع، إشباع كسرة الكاف وقال: وذلك مذكور في باب في آخر الكتاب (١). ومن مواضع تناوله لموضوع الوقوف في القرآن: ذكر في قوله تعالى ﴿أفلا تبصرون أم أنا خير من هذا ...﴾ (٢)، أن الوقف على ﴿أفلا تبصرون﴾ وقال: وروي عن عيسى الثقفي ويعقوب الحضرمي أنهما وقفا على (أم)، على أن يكون التقدير: أفلا تبصرون أم تبصرون؟، فحذف تبصرون الثاني. وقيل من وقف على (أم) جعلها زائدة، وكأنه وقف على ﴿تبصرون﴾ من قوله ﴿أفلا تبصرون﴾، ولا يتم الوقف على ﴿تبصرون﴾ عند الخليل وسيبويه لأن (أم) تقتضي الاتصال بما قبلها (٣). عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: وكما ذكرنا فإن المهدوي يفرد الأحكام والنسخ بالقسم الأول عند تفسيره الآيات وهو لايصرح باختياره لأحد الآراء الفقهية، وهو المنهج الذي سلكه في تناوله لأغلب المسائل الخلافية. غير أنه يمكن ملاحظة ميله إلى مذهبه المالكي إذ كثيرا مايورد رأي مالك في الصدارة ثم يعقبه برأي الشافعي تلميذه قبل ذكر رأي أبي حنيفة. في قوله تعالى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾ (٤) قال: يعني الأحرار خاصة في قول أكثر العلماء. ولا تجوز شهادة العبد عند مالك والشافعي وأبي حنيفة وغيرهم. وأجازها شريح وابن حنبل وإسحاق وغيرهم. وأجازها الشعبي والنخعي في الشيء اليسير. ثم أشار المهدوي إلى شهادة الصبيان واختلاف أئمة الفقه حولها فصدر ذلك برأي مالك، الذي يجيز شهادتهم فيما بينهم في الجراح خاصة مالم يختلفوا، ولا تجوز شهادة الواحد منهم على كبير أو لكبير على صغير .. ولم يجز الشافعي وأبو حنيفة وأصحابه شهادة الصبيان. ثم تعرض إلى الاختلاف حول شهادة القاذف إذا تاب، وهي التي أجازها

стр. 586

مالك والشافعي، ولم يجزها أبو حنيفة وأصحابه، وبين أن أكثر العلماء يجيزون شهادة من أتى حدا من الحدود كشرب الخمر وغيره إذا تاب وحسنت توبته. وبعد أن أورد المهدوي أقوال العلماء في تعيين من تقبل شهادتهم واختلافهم في ذلك، انتقل إلى موضوع آخر له اتصال بالشهادة، وهو شهادة أهل الأهواء، وهل تقبل شهادتهم ومن يردها من الأئمة، ومن يعمل بها منهم، قال: ولم يجز مالك شهادة القدرية، وأجاز الشافعي وأبو حنيفة شهادة أهل الأهواء. ثم تكلم بعد ذلك عن نوع آخر من الشهود فقال: وتجوز شهادة لاعب الشطرنج في قول مالك، والشافعي وغيرهما، قال الشافعي: إلا أن تشغله عن الصلاة. أما شهادة شاهد الزور فلا تقبل أبدا عند مالك، وتقبل شهادته عند الشافعي وأبي حنيفة إذا تاب. ولا تقبل عند مالك وأبي حنيفة والشافعي شهادة الولد للوالدين ولا الوالدين للولد. وعقب المهدوي على ذلك بذكر من يقبل هذه الشهادة وهم أبو ثور وابن راهويه وغيرهما. ثم تعرض إلى حكم شهادة أحد الزوجين لصاحبه فأوضح أن مالكا لا يقبلها، في حين قبلها الشافعي وأبو ثور وغيرهما. كما أورد القول في شهادة الأعمى التي أجازها مالك وغيره ولم يجزها الشافعي وأبو حنيفة (١). وفي قوله تعالى ﴿وآتوا النساء صدقاتهن نحلة﴾ (٢) ذكر اختلاف العلماء حول هذا الموضوع، بعضهم لا يضبطه بمقدار، يكثر ويقل بحسب ما تواصوا به، وهو مذهب الحسن البصري وعمرو بن دينار والثوري والشافعي وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وأبي ثور وابن المسيب، ويجمعون على أنه لو أصدقها سوطا حلت به ... وحدد مالك المهر بربع دينار، وحدد أبو حنيفة وأصحابه أقل المهر بعشرة دراهم. وذكر ابن جبير أنه يجب أن يكون خمسين درهما، والأوزاعي يكتفي بمهر قدره درهم ... .

стр. 587

وكل هذا يستفاد مما نقل عن الرسول ﷺ ، وصحابته والتابعين من إكثار في المهر وإقلال وتوسط. وقد سأل أبو سلمة بن عبد الرحمن عائشة ﵂ عن صداق النبي ﷺ ، الذي كان يقدمه لنسائه، فقالت: اثنتي عشرة أوقية ونش (١). قال مجاهد: الأوقية أربعون درهما، والنش عشرون درهما. وروي أن الحسن بن علي لما تزوج إحدى نسائه أرسل إليها مائة جارية، ومع كل جارية ألف درهم .. . وتزوج عمر بن الخطاب ابنة علي بن أبي طالب على أربعين ألف درهم. وأصدق ابن عمر صفية عشرة آلاف درهم، وكذلك كان يزوج بناته. وتزوج ابن عباس شميلة على عشرة آلاف درهم أيضا ... كما تزوج أنس بن مالك بنفس هذا المقدار ... . وروي عن الرسول ﷺ قوله لرجل: "فالتمس ولو خاتما من حديد" (٢). وفي سورة طه الآيات من أولها إلى قوله تعالى: ﴿وقد خاب من افترى﴾ (٣) حدد المهدوي مايتعلق بالأحكام في تلك الآية بقوله: فيه ما يتعلق بها في موضعين: أحدهما قوله تعالى ﴿فاخلع نعليك إنك بالوادي المقدس طوى﴾ (٤) فظاهر هذه الآية يدل على وجوب نزع النعلين في المساجد. وذلك غير لازم. وإنما أمر موسى بخلع نعليه لأنهما كانتا من جلد حمار غير ذكي. وروي ذلك عن النبي ﷺ . (٥)

стр. 588

وقال الحسن ومجاهد وغيرهما إنما أمر بخلعها ليباشر الوادي المقدس بقدميه تبركا به. قال الحسن وابن جريح: كانت نعلاه من جلد بقر. وقد تبين أن النبي ﷺ كان يصلي في نعليه ولا ينزعهما (١) وكان يدخل بهما في مسجده والمسجد الحرام. والآية الأخرى قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة لذكري﴾ (٢)، ... الخ فذكر مافيها على نفس النهج. وقال في سورة الأعراف: القول من أولها إلى قوله ﴿فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون﴾ (٣) لا أحكام ولا نسخ فيها ثم قال: التفسير ... وتحت قوله تعالى: ﴿يواري سوءاتكم﴾ (٤) أفاض في الكلام عن حد العورة وتطرق منه لصلاة المرأة وشعرها مكشوف أو شيء من بدنها ونقل أقوال المذاهب في ذلك على غرار ماتقدم. وأما موقف المؤلف من النسخ فهو يقول بوقوعه مثل الجمهور، ويدل على هذا وضعه العناوين الخاصة بذلك مثل: الأحكام والنسخ، لا أحكام ولا نسخ، لا أحكام والنسخ كذا ... الخ. وقد قدم تعريفا موجزا للنسخ وأنواعه محيلا على كتابه الكبير لزيادة البيان والتفصيل، وذلك أثناء تفسيره لقوله تعالى ﴿ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ (٥) حيث قال: أصل النسخ إبدال الشيء من غيره، وهو على ضروب: نسخ الرسم وبقاء الحكم، ونسخ الحكم وبقاء الرسم، ونسخ الرسم والحكم جميعا ثم أشار إلى أن من معانيه تحويل الخط من كتاب إلى كتاب وختم بقوله: وقد بينت ذلك في الكبير (٦). وقال في تفسير بقية الآية وهو قوله تعالى ﴿أو ننسها﴾، يعني النسيان الذي هو ضد الذكر كما قال تعالى ﴿سنقرئك فلا تنسى﴾ (٧) ثم قال ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، يعني بخير منها لنا في العاجل ... وقد ذكر نسخ أول الأنفال بقوله ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء﴾ (٨) وقال:

стр. 589

وممن روي عنه أنها منسوخة ابن عباس ومجاهد وغيرهما. ومن الآيات التي رجح أنها منسوخة، ما جاء في تفسيره لقوله تعالى ﴿لله ما في السماوات وما في الأرض وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله﴾ (١) قال: قال ابن عباس وعائشة وغيرهما: هي محكمة، والمعنى عندهما أن الله تعالى يحاسب خلقه على ماعملوه وما أسروه في أنفسهم فيغفر للمؤمنين ويؤاخذ الكافرين والمنافقين. وعن عائشة ﵂ أن محاسبة الله خلقه على ما أسروه ولم يعملوه، إنما هو بالمصائب في الدنيا هذا معنى قولها. وروي معناه عن النبي ﷺ . (٢) وعن مجاهد وعكرمة وغيرهما أنها محكمة مخصوصة في كتمان الشهادة. وعن ابن عباس أيضا وأبي هريرة وابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهم أنها منسوخة بقوله ﴿لا يكلف الله نفسا إلا وسعها﴾ (٣). ويعقب المهدوي على كل هذا بقوله وأحسن ما يحمل هذا المذهب عليه أن تكون الآية إنما نسخت الشدة اللاحقة بأصحاب النبي ﷺ عند نزولها، فيكون من قولهم: نسخت الريح الآثار أي أزالتها، ومن قولهم نسخت الشمس الظل إذا أزالته وحلت محله فكأن اللين في الآية الأخرى أزال الشدة التي في الأولى وحل محلها، فإن لم يحمل على هذا ففيه بعد، لأنه خبر، وإذا لم يكن في الخبر معنى الأمر والنهي استحال نسخه (٤). ولا يجيز المهدوي نسخ القرآن بالسنة وقد عبر عن رأيه هذا عند تفسير قوله تعالى ﴿آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾ (٥)، وتأول معنى الحديث الذي اعتبره البعض ناسخا للآية السابقة فقال: قال بعض من يجيز نسخ القرآن بالسنة أن زكريا ﵇ منع الكلام وهو قادر وأنه منسوخ، بقول النبي ﷺ : "ولا صمات يوم إلى الليل" (٦). وأكثر العلماء على أنه ليس

стр. 590

بمنسوخ، وعلى أن زكريا إنما منع من الكلام بآفة دخلت عليه منعته من الكلام، وتلك الآفة عدم المقدرة على الكلام مع الصحة، كذلك قال المفسرون. وذهب كثير من العلماء إلى أن قوله ﵊: "لا صمات يوم إلى الليل" إنما معناه عن ذكر الله، وأما عن الهذر وما لا فائدة فيه، فالصمت عن ذلك واجب (١). كما لا يقبل نسخ الأخبار كما تقدم ويرى أنه مستحيل ولهذا فهو يرفض أن تكون آية النساء الواردة في وعيد القاتل ناسخة لآخر آية في سورة الفرقان المتضمنة حصول التوبة له (٢). ومن مواضع تعرضه لبعض الأصول الأخرى: ماجاء في تفسيره لقوله ﴿أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرا﴾ (٣) حيث فسر قوله تعالى ﴿يتدبرون﴾ بالتفكير في القرآن وفي معانيه وأوامره ونواهيه ثم قال: وفي الآية دليل بين على وجوب فهم معاني القرآن وفساد قول من قال لا يجوز أن يؤخذ التفسير إلا من النبي ﷺ وفيها دليل على فساد التقليد والأمر بالنظر، والاستدلال، وفيها دليل على إثبات القياس (٤). ونظرا لتقدم هذا التفسير نراه لا يتعرض للعلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية. أما موقفه من المواعظ والآداب فنراه سلبيا لا يظهر لها ذكر واضح وإنما تأتي ضمنا خلال سوق النقول التفسيرية.

стр. 591

تفسير مكي بن أبي طالب من خلال كتبه الهداية ومشكل الإعراب وتفسير المشكل مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد مكي بن أبي طالب حموش القيسي القيرواني ت ٤٣٥ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بالقيروان ونشأ بها (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى "الهداية إلى بلوغ النهاية في علم معاني القرآن وتفسيره وأحكامه" تفسير مخطوط يوجد منه أربع مجلدات، موزعة على مكتبات شتى في العالم، سبق ذكر مواضعها في ترجمته. ومنه نسخة تقتصر على السفر الثالث من أول سورة مريم إلى آخر سورة الزمر مكتوبة على رق الغزال بتاريخ ٤٨٥ هـ تقع في ٤٠١ صفحة يوجد منها نسخة مصورة على ميكروفيلم بمكتبة الجامعة الإسلامية تحت رقم ١٨٩٨، ٣٠٣١ عن نسخة الخزانة العامة بالرباط رجعت إليها. وأما كتابه مشكل إعراب القرآن فهو مطبوع طبعتان محققتان. وأما كتابه تفسير المشكل من غريب القرآن على الإيجاز والاختصار، فهو مطبوع في مجلد لطيف طبعة محققة. وقد كتب د / أحمد حسن فرحات عن مكي دراسة هامة أحاط فيها بمختلف جوانب شخصيته التفسيرية وهي بعنوان: "مكي بن أبي طالب وتفسير القرآن" طبعتها دار الفرقان بالأردن - ط ١ سنة١٤٠٤ هـ. (٢) وهذه الدراسة حواشيها نادرة جدا واعتمادها في النقد مبني على وجهات

стр. 592

نظر الباحث مع نقول مجردة. وتفسير مكي يعد مرحلة أساسية من مراحل التفسير بإفريقية، إذ على يده تطور التفسير بالمأثور، الذي مثله ابن سلام، فاتجه به مكي نحو حذف السند والاكتفاء بإثبات الروايات ونقدها، مع التعمق في علمي اللغة والقراءات اعتمادا على اللغويين الذين أسهموا بالتأليف في كتب معاني القرآن، مثل الفراء، وأبي عبيدة ... واستناداً إلى ما لحق القراءات، من نمو التأليف، وتنوع البحث فيها. المنهج العام للتفسير: وتفسير مكي بن أبي طالب يعتبر تفسيرا نحويا لغويا يهتم بالأثر ويعنى كثيرا بالقراءات. قال مكي في مقدمة الهداية: هذا كتاب جمعت فيه ما وصل إلي من علوم كتاب الله جل ذكره واجتهدت في تلخيصه وبيانه واختياره واختصاره، وتقصيت ما وصل إلي من مشهور تأويل الصحابة والتابعين ومن بعدهم في التفسير دون الشاذ على حسب مقدرتي، وما تذكرته في وقت تأليفي له، وذكرت المأثور عن النبي ﷺ ما وجدت إليه سبيلاً، من روايتي، أو ما صح عندي من رواية غيري (١). ثم أخذ مكي في تعداد الكتب التي اعتمدها، قال: جمعت أكثر هذا الكتاب من كتاب شيخنا أبي بكر الأدفوي ﵀، وهو الكتاب المسمى بكتاب (الاستغناء) والمشتمل على نحو ثلاثمائة جزء في علوم القرآن أفضيت في هذا الكتاب نوادره، وغرائبه ومكنون علومه، مع ما أضفت إلى ذلك من كتاب تفسير القرآن، تأليف أبي جعفر الطبري، وما تخيرته من كتب أبي جعفر النحاس، وكتاب أبي إسحاق الزجاج، وتفسير ابن سلام، ومن كتاب الفراء ومن غير ذلك من الكتب في علوم القرآن والتفسير والمعاني والغريب والمشكل، انتخبته من ألف جزء أو أكثر مؤلفة في علوم القرآن مشهورة مروية. وقال: أعني بقولي: بلوغ النهاية إلى ماوصل إلي من ذلك لأن علم

стр. 593

كتاب الله لايقدر أن يبلغ أحد إلى نهايته وفوق كل ذي علم عليم. وقد تخفف في كل ماذكره من الأقوال والمأثورات من ذكر الأسانيد مصرحًا بذلك بقوله: وأضرب عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراد، وليتفرغ إلى ماجمع فيه من علوم كثيرة، وفوائد عظيمة من تفسير المأثور، وذكر الأحكام والناسخ والمنسوخ وغيرهما من فنون علم كتاب الله من قراءة عربية أو إعراب غامض أو اشتقاق مشكل أو تصريف خفي أو تعليل نادر أو تصريف مسموع مع ما يتعلق بذلك من أنواع علوم يكثر تعدادها ويطول ذكرها. وصرح في ختام مقدمته بأنه فيما قدم من علل النحو والغامض من الإعراب تخفف من نبذ جمعها لئلا يطول الكتاب وأنه أفرد كتابا مختصرا في شرح مشكل الكتاب بغية التفرغ لما ألف كتاب الهداية من أجله وهو تفسير التلاوة وبيان القصص والأخبار وكشف مشكل المعاني وذكر الاختلاف في ذلك وبيان الناسخ والمنسوخ وذكر الأسباب التي نزل فيها. ووفاء بالأمانة العلمية أخبر أنه سيتصرف في أقوال العلماء المتقدمين فينقلها بأسلوبه - على وجه التضمين - بغية تقريب معناها وذهاب غامضها، إلا إذا انتفى السبب الذي حمله على التصرف فيها قال: ذكرت ألفاظهم بعينها، مالم يشكل. وقد أفرد فرحات في دراسته الباب الثالث لمنهج مكي في تفسيره (١) وجعله في ثلاثة فصول: (انظر أيضا: كلام وسيلة على منهج مكي (٢) الفصل الأول: احتجاجه بالأثر ١ - تفسير القرآن بالقرآن. ٢ - تفسير القرآن بالحديث الصحيح. ٣ - عنايته بأسباب النزول. ٤ - التفسير بأقوال الصحابة فمن بعدهم. ٥ - بيان القصص والأخبار. ٦ - موقفه من الإسرائيليات.

стр. 594

الفصل الثاني: اعتداده بالعربية: ١ - بيان المفردات. ٢ - عنايته بالاشتقاق. ٣ - معاني الحروف. ٤ - اختلاف الإعراب وأثره في الأحكام. ٥ - علوم البلاغة. ٦ - النقد اللغوي. ٧ - التعليل اللغوي. الفصل الثالث: احتفاله بالنظر: ١ - بيان معنى النظر وحدوده. ٢ - مجالات النظر ودرجاته: ١ - مجال النقد اللغوي. ٢ - الآيات المشكلة. ٣ - آيات العقيدة. ردوده على الرافضة وعلى المعتزلة. وفرق في هذا الفصل بين معنى النظر والرأي عند مكي، إذا أن النظر عنده هو: التدبر والتفكر في مجموع النصوص ومقابلتها ببعضها ومحاولة الوصول إلى فهم صحيح يجلو الغوامض ويزيل الالتباس، ويكشف مشكل المعاني. كما أشار فرحات إلى المجال الذي يدور فيه النظر، فبين أنه محدود بحدين: حد النصوص وحد اللغة، أي التمييز والاختيار بين النصوص على ضوء المعاني. وبذلك أوضح أن النظر عند مكي لا يدخل في باب التفسير بالرأي المجرد لأنه ليس رأيا شخصيا له وإنما هو فهم على أصول وقواعد، كما حدد مجالات النظر عند مكي ودرجاته، فبين أنه يظهر في النقد اللغوي، وتفسير الآيات المشكلة، وآيات العقيدة حيث يستطرد للرد على الفرق المخالفة كالمرجئة والمعتزلة.

стр. 595

وفي الباب الخامس تكلم عن قيمة تفسير مكي فذكر كلام القاضي عياض وابن سعيد وابن عطية (١). ثم ذكر نماذج من استفادة ابن عطية منه (٢) ثم القرطبي (٣) ثم أبي حيان (٤) ومن أهم نتائجه لهذه الدراسة أنه بين ولأول مرة مكانة مكي العلمية وقيمة تفسيره، وأثره في المفسرين من بعده، كما ظهر له أن تفسير مكي (يعتبر في جملته تلخيصا جيدا لتفسير الطبري، لا يخل بجوهره لأنه لم يحذف منه إلا الأسانيد والمكررات). والمآخذ على هذه النتيجة، أن الباحث اعتمد فيها على مثال وجده في تفسير الطبري يتفق وتفسير مكي وهذا لا يكفي للحكم على تفسير مكي بأكمله، وفي دراسة حسن فرحات ما يفيد أن مكيًا ألف تفسيره في مدة طويلة استغرقت شبابه وكهولته، ولو كان تلخيصا لكتاب الطبري، لأتمه في مدة محدودة، وقد ذكر مكي نفسه أن من مراجعه الأساسية تفسير الطبري وذكر غيره من المصادر وعلى وجه الخصوص كتاب الاستغناء مما يبعد تماما فكرة التلخيص هذه. وطريقة مكي في تفسيره الهداية أنه يستهل تفسير السورة بالبسملة والتصلية ويقول: قوله تعالى ذكره .. ثم يذكر آية أو عدة آيات ثم يذكر قراءاتها وإعرابها وتفسيرها. وقلما يهتم بذكر الروايات مسندة لأصحابها في أسباب النزول، أما الإعراب والتصريف فكثيرًا ما يسند الأقوال فيهما إلى علماء اللغة إذا كان بينهم خلاف في التوجيه الإعرابي للآية. وكذلك يذكر الأقوال مسندة إلى من رويت عنهم في تأويل غريب القرآن، وكلما تقدم في التفسير استغنى عن خدمة الألفاظ التي سبق له أن فسرها في سورة قبلها. وقد أفرد مكي كتابه "تفسير المشكل من غريب القرآن العظيم على الإيجاز والاختصار" لبيان معاني المفردات وتميز منهجه فيه بالأمور التالية (٥): ١ - أنه جمع فيه غريب القرآن ممن تقدمه من مصنفي الغريب، وكان أكثر اعتماده على كتاب "تفسير غريب القرآن" لابن قتيبة.

стр. 596

٢ - أنه اعتمد في ترتيب كتابه على نسق الآيات والسور في القرآن الكريم، وهذا أحد منهجين سار عليهما العلماء الذين ألفوا في غريب القرآن ويقوم المنهج الآخر على ترتيب الكلمات حسب حروف المعجم كما فعل السجستاني والراغب الأصفهاني. ٣ - أنه يختار أولى الأقاويل في تفسير الغريب ويتجنب المنحول من التفسير والشاذ من الآراء، ويعتمد في أسلوبه اللفظ الموجز، والعبارة السهلة الواضحة، والاختصار الشديد وعدم التفصيل اللغوي، وذكر الآراء المختلفة، والمسائل النحوية التي حفلت بها كتب الغريب ككتاب "معاني القرآن" للفراء و "معاني القرآن" للأخفش الأوسط. أما كتاب مشكل إعراب القرآن: فقد ذكر مكي في سبب تأليفه لهذا الكتاب أنه رأى أن كل من تكلم عن الإعراب أطال الكلام في الخفض وحروفه والجزم وحروفه وبما هو ظاهر من ذكر الفاعل والمفعول واسم إن وخبرها مما يستوي في معرفته العالم والمبتدئ وأغفلوا مشكلات الإعراب التي هي حرية بالبيان، وهذا الإغفال دعاه إلى تفسيرها وذكر عللها وصعبها ونادرها حتى يسهل فهمها ويقرب تناولها لمن أراد حفظها. وقد بين أنه قد ألف كتابه هذا لمن بلغ مستوى عاليًا في معرفة النحو وقواعده وهو ما أشار إليه في مقدمة هذا الكتاب بقوله: ولم أؤلف كتابنا هذا لمن لايعلم من النحو إلا الخافض والمخفوض والفاعل والمفعول والمضاف والمضاف إليه والنعت والمنعوت في أشباه لهذه، إنما ألفناه لمن شدا طرفا منه، وعلم ظواهره وجملاً من عوامله، وتعلق بطرف من أصوله (١). ونبه في هذه المقدمة على أنه تحرى أن يوضح إعراب كل مشكل في الكلمات القرآنية لايترك إلا مايدخل في أشباه له أو نظائر سبق إيضاحها فيها تقدم من كتب تلافيا لآفة التكرار ورغبة في الاختصار مع نصه على موضع الكلام مما سبق كقوله مثلا في إعراب ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ (٢) في

стр. 597

سورة الانفطار: قد تقدم الكلام فيه وفي نظيره في الحاقة والواقعة وغيرهما. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: موقفه من أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات: يتعرض مكي لذكر السورة هل هي مكية أم مدنية فقط ولا يتعرض لعد الآي ولا المناسبات ونحو ذلك مثل قوله: سورة طه مكية. الأنبياء مكية. وقال في سورة مريم بعد البسملة والتصلية: وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي ﷺ إلى أرض الحبشة. ثانيا: موقفه من العقيدة: يلاحظ أن موقف مكي من قضية الصفات هو موقف السلف الصالح من إثباتها من غير تشبيه أو تأويل أو تحريف أو تعطيل: قال في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١): أي على عرشه ارتفع وعلا قال أبو عبيدة: استوى: علا، وقال غيره: استقر وقيل: معناه استولى وأحسن الأقوال في هذه: علا. والذي يعتقده أهل السنة ويقولونه في هذا أن الله جل ذكره فوق سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه وله تعالى ذكره كرسي وسع السموات والأرض كما قال جل ذكره وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد ابن أبي زيد ﵀ وقد سأل رجل مالكا عن هذا ... .فذكر أثر مالك المشهور في الاستواء. (٢) وقال مكي في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (٣): ما جاء في القرآن والأحاديث من النزول والمجيء غير ذلك مضافا إلى الله - جل ذكره - فلا يجب أن يتأول فيه انتقال ولا حركة على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، والحركة والنقلة إنما هما من صفات المخلوقين، وكل ما جاء من هذا، فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين فأجرها على ما أتت، ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمرا مما شاهدته في الخلق، إذ ليس كمثله شيء.

стр. 598

ثم يقول: وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله - جل ذكره - بالمجيء والإتيان والتنزل، إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك فلا تقدم بين يديه، ولا تكيف ولا تشبه، وتقول كما قال، وتنفي عنه - جل ذكره - التشبيه، ولا تعترض في شيء مما أتى في كتابه من ذلك، وما روي عن نبيه ﷺ . (١) وربما سلك مسلك التأويل فيما أشكل مثلما قال عند قوله ﴿قدم صدق﴾ (٢) ومعنى ﴿قدم صدق﴾ قال الضحاك: ثواب صدق، وقال مجاهد: الأعمال الصالحات، وهو اختيار الطبري، قال ابن عباس: أجرًا حسنا قدموا من أعمالهم وعن ابن عباس ﴿قدم صدق﴾: ماتقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ. وقال قتادة والحسن وزيد بن أسلم ﴿قدم صدق﴾: هو محمد ﷺ شفيع لهم. والقدم في اللغة: على أربعة أوجه: ١ - قدم الإنسان مؤنثة. ٢ - والقدم: السابقة والعامل الصالح مؤنثة أيضًا. ٣ - والقدم: الشجاع مذكر. ٤ - والقدم: المتقدم، مذكر أيضًا. وفي الحديث "أن جهنم لاتسكن حتى يضع الجبار فيها قدمه" (٣) وفي رواية أخرى "حتى يضع الله فيها قدمه" قال الحسن: معناه حتى يجعل فيها الذين قدمهم لها، فيمن قدم الله إلى النار. والمؤمنون قدمهم إلى الجنة. ومن رواه: "حتى يضع الجبار" فمعناه ماذكرنا إن جعلت الجبار اسمًا لله، وقيل:

стр. 599

الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله، فالمعنى حتى يضع الجبارون على الله فيها أقدامهم، أي حتى يدخلوها فعند ذلك تقول: قط قط: أي كفى كفى. وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة لكنا فسرنا موضع الإشكال منه (١). وأما موقفه من القدر فيظهر في تفسيره لقوله تعالى: ﴿سواء عليهم ءأنذرتهم﴾ (٢) حيث قال: أعلمه الله في هذه الآية، أمر من سبق له في علم الله سبحانه، الكفر والثبات عليه إلى الموت، لايؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه (٣). وهذا مما يدل على إثباته القدر بخلاف ماتقوله المعتزلة. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: قال في قوله تعالى ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (٤): ... المنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقون والصالحون بدلالة قوله ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (٥) وقال في قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ (٦): ومعنى تبيض: تشرق، كما قال ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ (٧) فهي تشرق لما تصير إليه من النعيم، وتسود وجوه من أجل ماتصير إليه من العذاب (٨). وفي شرح مشكل الغريب يستشهد على تفسير الكلمات الغريبة بالآيات القرآنية ومن ذلك قوله ﴿آنست نارا﴾ (٩) أي أبصرت، و ﴿آنستم منهم رشدا﴾ (١٠) أي علمتم (١١). وقوله: ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ (١٢) أي: مخادعا. ومنه قوله تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ (١٣) أي: من أين تخدعون (١٤).

стр. 600

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: قال عند قوله تعالى ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (١): وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ : "نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" (٢) وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصا بالنبي ﷺ وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة ... ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ فمنع وراثته. (٣) وقال: وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح" قال: "فيقال ياأهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت" قال: "فيقال: ياأهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت ثم يؤمر به فيذبح" قال: "فيقول: ياأهل الجنة خلود بلا موت وياأهل النار خلود بلا موت " ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ (٤) الآية وأشار بيده في الدنيا يريد الغفلة في الدنيا". (٥) وفي قوله تعالى ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرها﴾ (٦) ذكر مارواه ابن مسعود أن الرسول ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله " (٧).
следующие страницы →