← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

٢ - أنه اعتمد في ترتيب كتابه على نسق الآيات والسور في القرآن الكريم، وهذا أحد منهجين سار عليهما العلماء الذين ألفوا في غريب القرآن ويقوم المنهج الآخر على ترتيب الكلمات حسب حروف المعجم كما فعل السجستاني والراغب الأصفهاني. ٣ - أنه يختار أولى الأقاويل في تفسير الغريب ويتجنب المنحول من التفسير والشاذ من الآراء، ويعتمد في أسلوبه اللفظ الموجز، والعبارة السهلة الواضحة، والاختصار الشديد وعدم التفصيل اللغوي، وذكر الآراء المختلفة، والمسائل النحوية التي حفلت بها كتب الغريب ككتاب "معاني القرآن" للفراء و "معاني القرآن" للأخفش الأوسط. أما كتاب مشكل إعراب القرآن: فقد ذكر مكي في سبب تأليفه لهذا الكتاب أنه رأى أن كل من تكلم عن الإعراب أطال الكلام في الخفض وحروفه والجزم وحروفه وبما هو ظاهر من ذكر الفاعل والمفعول واسم إن وخبرها مما يستوي في معرفته العالم والمبتدئ وأغفلوا مشكلات الإعراب التي هي حرية بالبيان، وهذا الإغفال دعاه إلى تفسيرها وذكر عللها وصعبها ونادرها حتى يسهل فهمها ويقرب تناولها لمن أراد حفظها. وقد بين أنه قد ألف كتابه هذا لمن بلغ مستوى عاليًا في معرفة النحو وقواعده وهو ما أشار إليه في مقدمة هذا الكتاب بقوله: ولم أؤلف كتابنا هذا لمن لايعلم من النحو إلا الخافض والمخفوض والفاعل والمفعول والمضاف والمضاف إليه والنعت والمنعوت في أشباه لهذه، إنما ألفناه لمن شدا طرفا منه، وعلم ظواهره وجملاً من عوامله، وتعلق بطرف من أصوله (١). ونبه في هذه المقدمة على أنه تحرى أن يوضح إعراب كل مشكل في الكلمات القرآنية لايترك إلا مايدخل في أشباه له أو نظائر سبق إيضاحها فيها تقدم من كتب تلافيا لآفة التكرار ورغبة في الاختصار مع نصه على موضع الكلام مما سبق كقوله مثلا في إعراب ﴿وما أدراك ما يوم الدين﴾ (٢) في

стр. 597

سورة الانفطار: قد تقدم الكلام فيه وفي نظيره في الحاقة والواقعة وغيرهما. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: موقفه من أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات: يتعرض مكي لذكر السورة هل هي مكية أم مدنية فقط ولا يتعرض لعد الآي ولا المناسبات ونحو ذلك مثل قوله: سورة طه مكية. الأنبياء مكية. وقال في سورة مريم بعد البسملة والتصلية: وكان نزولها قبل أن يهاجر أصحاب النبي ﷺ إلى أرض الحبشة. ثانيا: موقفه من العقيدة: يلاحظ أن موقف مكي من قضية الصفات هو موقف السلف الصالح من إثباتها من غير تشبيه أو تأويل أو تحريف أو تعطيل: قال في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (١): أي على عرشه ارتفع وعلا قال أبو عبيدة: استوى: علا، وقال غيره: استقر وقيل: معناه استولى وأحسن الأقوال في هذه: علا. والذي يعتقده أهل السنة ويقولونه في هذا أن الله جل ذكره فوق سماواته على عرشه دون أرضه وأنه في كل مكان بعلمه وله تعالى ذكره كرسي وسع السموات والأرض كما قال جل ذكره وكذلك ذكر شيخنا أبو محمد ابن أبي زيد ﵀ وقد سأل رجل مالكا عن هذا ... .فذكر أثر مالك المشهور في الاستواء. (٢) وقال مكي في معرض تفسير قوله تعالى: ﴿ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية﴾ (٣): ما جاء في القرآن والأحاديث من النزول والمجيء غير ذلك مضافا إلى الله - جل ذكره - فلا يجب أن يتأول فيه انتقال ولا حركة على الله، إذ لا يجوز عليه ذلك، والحركة والنقلة إنما هما من صفات المخلوقين، وكل ما جاء من هذا، فإنما هو صفة من صفات الله لا كما هي من المخلوقين فأجرها على ما أتت، ولا تعتقد ولا تتوهم في ذلك أمرا مما شاهدته في الخلق، إذ ليس كمثله شيء.

стр. 598

ثم يقول: وقد قال جماعة من العلماء في وصف الله - جل ذكره - بالمجيء والإتيان والتنزل، إنها أفعال يحدثها الله متى شاء، سماها بذلك فلا تقدم بين يديه، ولا تكيف ولا تشبه، وتقول كما قال، وتنفي عنه - جل ذكره - التشبيه، ولا تعترض في شيء مما أتى في كتابه من ذلك، وما روي عن نبيه ﷺ . (١) وربما سلك مسلك التأويل فيما أشكل مثلما قال عند قوله ﴿قدم صدق﴾ (٢) ومعنى ﴿قدم صدق﴾ قال الضحاك: ثواب صدق، وقال مجاهد: الأعمال الصالحات، وهو اختيار الطبري، قال ابن عباس: أجرًا حسنا قدموا من أعمالهم وعن ابن عباس ﴿قدم صدق﴾: ماتقدم لهم من السعادة في اللوح المحفوظ. وقال قتادة والحسن وزيد بن أسلم ﴿قدم صدق﴾: هو محمد ﷺ شفيع لهم. والقدم في اللغة: على أربعة أوجه: ١ - قدم الإنسان مؤنثة. ٢ - والقدم: السابقة والعامل الصالح مؤنثة أيضًا. ٣ - والقدم: الشجاع مذكر. ٤ - والقدم: المتقدم، مذكر أيضًا. وفي الحديث "أن جهنم لاتسكن حتى يضع الجبار فيها قدمه" (٣) وفي رواية أخرى "حتى يضع الله فيها قدمه" قال الحسن: معناه حتى يجعل فيها الذين قدمهم لها، فيمن قدم الله إلى النار. والمؤمنون قدمهم إلى الجنة. ومن رواه: "حتى يضع الجبار" فمعناه ماذكرنا إن جعلت الجبار اسمًا لله، وقيل:

стр. 599

الجبار اسم لجنس يدل على جميع الجبارين على الله، فالمعنى حتى يضع الجبارون على الله فيها أقدامهم، أي حتى يدخلوها فعند ذلك تقول: قط قط: أي كفى كفى. وفي هذا الحديث اختلاف روايات بألفاظ مختلفة لكنا فسرنا موضع الإشكال منه (١). وأما موقفه من القدر فيظهر في تفسيره لقوله تعالى: ﴿سواء عليهم ءأنذرتهم﴾ (٢) حيث قال: أعلمه الله في هذه الآية، أمر من سبق له في علم الله سبحانه، الكفر والثبات عليه إلى الموت، لايؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه (٣). وهذا مما يدل على إثباته القدر بخلاف ماتقوله المعتزلة. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: قال في قوله تعالى ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾ (٤): ... المنعم عليهم هم الأنبياء صلوات الله عليهم والصديقون والصالحون بدلالة قوله ﴿فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (٥) وقال في قوله تعالى: ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه﴾ (٦): ومعنى تبيض: تشرق، كما قال ﴿وجوه يومئذ مسفرة ضاحكة مستبشرة﴾ (٧) فهي تشرق لما تصير إليه من النعيم، وتسود وجوه من أجل ماتصير إليه من العذاب (٨). وفي شرح مشكل الغريب يستشهد على تفسير الكلمات الغريبة بالآيات القرآنية ومن ذلك قوله ﴿آنست نارا﴾ (٩) أي أبصرت، و ﴿آنستم منهم رشدا﴾ (١٠) أي علمتم (١١). وقوله: ﴿إن تتبعون إلا رجلا مسحورا﴾ (١٢) أي: مخادعا. ومنه قوله تعالى: ﴿فأنى تسحرون﴾ (١٣) أي: من أين تخدعون (١٤).

стр. 600

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: قال عند قوله تعالى ﴿يرثني ويرث من آل يعقوب﴾ (١): وأنكر آخرون وراثة المال في هذا لقوله ﷺ : "نحن معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة" (٢) وهذا الحديث يجب أن يكون حكمه مخصوصا بالنبي ﷺ وأخبر عن نفسه على لفظ الجماعة ... ويحتمل أن تكون هذه شريعة كانت ونسختها شريعة محمد ﷺ فمنع وراثته. (٣) وقال: وروى أبو سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "يجاء بالموت فيوضع بين الجنة والنار كأنه كبش أملح" قال: "فيقال ياأهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت" قال: "فيقال: ياأهل النار هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون فيقولون: نعم هذا الموت ثم يؤمر به فيذبح" قال: "فيقول: ياأهل الجنة خلود بلا موت وياأهل النار خلود بلا موت " ثم قرأ رسول الله ﷺ ﴿وأنذرهم يوم الحسرة﴾ (٤) الآية وأشار بيده في الدنيا يريد الغفلة في الدنيا". (٥) وفي قوله تعالى ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانًا حملته أمه كرهًا ووضعته كرها﴾ (٦) ذكر مارواه ابن مسعود أن الرسول ﷺ سئل: أي الأعمال أفضل؟ قال: "إيمان بالله، والصلاة لوقتها، وبر الوالدين، والجهاد في سبيل الله " (٧).

стр. 601

وذكر غيره من أحاديث في بر الوالدين وعقوقهما. وريما تكلم عن الحديث من حيث الصناعة الحديثية مثل الحديث المروي في حل أكل ذبائح المجوس وهو قوله: "سنوا بهم سنة أهل الكتاب" (١) فأشار إلى أن سنده غير متصل، وأن المراد به الجزية فقط. وقد ذكرت صاحبة التفسير واتجاهاته تبعا لفرحات أن من أهم خصائص منهج مكي: ١ - اقتصاره على رواية الصحيح من الحديث دون غيره، وهو بهذا تقدم خطوة حاسمة بمنهج التفسير بالمأثور نحو تخليصه من الروايات الضعيفة والواهية والموضوعة. ٢ - حذفه الأسانيد وهو ماذكره في مقدمته بقوله: وأضربت عن الأسانيد ليخف حفظه على من أراده. وقالت: واعتمد مكي في تفسير القرآن على الأحاديث الصحيحة دون غيرها، بعد حذف أسانيدها، قصد التخفيف على من يرغب في حفظ الكتاب. وهو منهج سلكه كثير من المفسرين والفقهاء، خاصة بعد أن دونت الأحاديث وعرف رجالها ووضعت المجاميع والمسانيد. قالت: ومما يؤكد اعتماد مكي على صحيح الحديث دون غيره ماقام بتحقيقه حسن فرحات إذا تتبع بعض الأحاديث الواردة في التفسير وقارنها مع ماخرجه ابن كثير في تفسيره فلاحظ التطابق بينهما في التفسيرين والمعلوم أن ابن كثير قد اشتهر بنقل الأحاديث الصحيحة مسندة ونقد رجالها جرحًا وتعديلاً (٢).

стр. 602

وهذا الذي ذكرته بالنسبة لاعتماده ذكر الصحيح فقط ليس بصحيح، كما أن تفسير ابن كثير به جملة من الأحاديث الضعيفة، والغريب أنها أتبعت كلامها ببعض مواضع استدلال مكي بالحديث فكانت الأمثلة في أحاديث ضعيفة ومن ذلك قولها: والمثال الأول منها: ماذكره مكي في تفسير قوله ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ (١) قال سفيان وابن عباس: ويل ماء يسيل من صديد، في أسفل جهنم، وروى عثمان عن النبي ﷺ أنه قال: "الويل جبل في النار" (٢) وروى عنه ﵇ أبو سعيد الخدري أنه قال: "ويل وادي في جهنم يهوي فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يبلغ قعره" (٣). وكل من حديث عثمان وأبي سعيد غير صحيح. قالت: ومن أمثلة تفسيره للقرآن بالحديث ماجاء في بيان معنى قوله تعالى ﴿ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك﴾ (٤) قال: معناه نعظمك بالحمد والشكر وقيل: التسبيح الصلاة. وروي عن النبي ﷺ أنه قال: "إن لله في السموات السبع ملائكة يصلون". وإن عمر بن الخطاب قال له: يارسول الله ماصلاتهم؟ فلم يرد عليه النبي ﵇ شيئا، فأتاه جبريل ﵇ فقال له: يانبي الله: سألك عمر عن صلاة أهل السماء. "قال: نعم"، فقال له: اقرأ على عمر السلام وأخبره أن أهل السماء الدنيا سجود إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي الملك والملكوت. وأهل السماء الثانية ركوع إلى يوم القيامة يقولون: سبحان ذي العزة والجبروت. وأهل السماء الثالثة قيام إلى يوم القيامة يقولون: سبحان الحي الذي لا يموت (٥).

стр. 603

وهذا أيضا حديث غير صحيح. وتحت قوله تعالى ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام﴾ (١) ذكر أن أصحاب الرسول ﷺ سألوه بقولهم: أو ينشرح القلب؟ فقال ﷺ : "نعم، إذا أدخل الله فيه النور انشرح، وانفسح". قالوا: فهل لذلك من علامة تعرف؟ قال: "نعم. التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والاستعداد للموت قبل الموت" (٢). وهو حديث ضعيف كذلك. أما الأمثلة على الأحاديث الصحيحة فقد تقدم جملة منها. وبالنسبة لأسباب النزول فهو من المهتمين بها المعتنين بإيرادها قال في قوله تعالى ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ (٣): أي صلاة من مات منكم، وهو يصلي إلى بيت المقدس. وقال المشركون من أهل مكة: تحير محمد في دينه، فكان ذلك فتنة للناس، واختبارًا وتمحيصًا للمؤمنين. قال قتادة: صلت الأنصار حولين بين بيت المقدس قبل هجرة النبي، ثم هاجر النبي ﷺ فصلى نحوها ستة عشر شهرًا، ثم وجهه الله نحو الكعبة، فقال قائلون من الناس: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها. وقالوا: لقد اشتاق الرجل إلى مولده، فابتلى الله عباده بما شاء من أمره، فأنزل الله في اليهود والمنافقين: ﴿سيقول السفهاء من الناس ما ولاهم عن قبلتهم﴾ إلى

стр. 604

﴿مستقيم﴾، وأنزل في المؤمنين ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾ إلى ﴿رحيم﴾. (١) (٢) وقال في قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ (٣): هذه الآية نزلت في سبب أقوام سألوا النبي ﷺ مسائل امتحانا له، فيقول له بعضهم إذا ضلت ناقته: أين ناقتي؟ فنهى الله عن ذلك. (٤) قال أنس: سأل الناس النبي ﷺ حتى أحفوه بالمسألة، فصعد المنبر ذات يوم وقال: "لا تسألوني عن شيء إلا بينت لكم " فألقى الناس ثيابهم على رؤوسهم يبكون، فأنشأ رجل كان إذا لاحى دعي بغير أبيه، فقال: يارسول الله! من أبي؟ قال: "حذافة " فقام عمر فقبل رجل النبي ﷺ فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد رسولا، أعوذ بالله من شر الفتن، فقال النبي ﷺ : "أما والذي نفسي بيده، لقد صورت مثل الجنة والنار آنفا في عرض هذا الحائط، فلم أر كاليوم في الخير والشر ". (٥) قال الزهري: فقالت أم عبد الله بن حذافة: ما رأيت ولدا أعق منك قط، أكنت تأمن أن تكون أمك قد قارفت ما قارفت أهل الجاهلية فتفضحها على رؤوس الناس؟ فقال: والله لو ألحقني بعبد أسود للحقته. وقال أبو هريرة: خرج رسول الله ﷺ وهو غضبان، حتى جلس على المنبر، فقام رجل فقال: أين أنا؟ فقال: "في النار"، وقال آخر: من أبي؟ فقال: "حذافة"، فقام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا

стр. 605

وبالقرآن إماما. فنزلت الآية. (١) وقال علي بن أبي طالب: لما نزلت هذه الآية ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ فقالوا: يارسول الله، أفي كل عام؟ فسكت، ثم قالوا: أفي كل عام؟ فسكت، ثم قال: "لا، ولو قلت نعم، لوجب " فأنزل الله الآية. وروي أنه قال - لما كرر عليه القول -: "والذي نفسي بيده لو قلت: نعم، لوجبت ولو وجبت عليكم ما أطقتموه، ولو تركتموه لكفرتم " فأنزل الله ﴿لا تسألوا عن أشياء﴾ الآية. (٢) وروي عنه أنه قال: "لو قلت لوجبت، ولو وجبت ثم تركتم لهلكتم اسكتوا عني ما سكت عنكم، فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم " فأنزل الله الآية. (٣) وفي شرح مشكل الغريب لم يكثر الاستشهاد بالحديث الشريف واقتصر على حديث واحد فقط في الكتاب كله وهو في تفسير قوله تعالى ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ (٤) قال: أي قتل بعد أن أخذ الدية من الجاني روي عن النبي ﷺ "لا أعافي أحدا قتل بعد أخذ الدية" (٥). خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: قال: قوله تعالى ذكره ﴿كهيعص﴾ (٦) وهذه الحروف عند ابن عباس مأخوذة من أسماء دالة على ذلك. فالكاف يدل على كبير. وقيل: الكاف يدل على كافٍ. قاله ابن جبير والضحاك، وروى أيضا ابن جبير أن الكاف تدل على كريم.

стр. 606

قال ابن عباس وابن جبير: الهاء تدل على هاد. كذلك قول الضحاك. قال ابن جبير: الياء من حكيم ... وقال ابن عباس وابن جبير: العين من عالم. وعن ابن عباس أيضًا: العين من عزيز وقال الضحاك: العين من عدل. وقال ابن عباس وابن جبير: الصاد من صادق. وعنه أيضا: الكاف كافٍ والهاء هاد والياء يد من الله على خلقه والعين عالم والصاد صادق. وعنه أيضًا أنه كان يقول: كهيعص اغفر لي. وعن ابن عباس أنه قال: هو قسم أقسم الله به، وهو من أسماء الله. وقال أبو العالية: كل حرف على حدته ليس من أسماء الله. وقال قتادة: كهيعص من أسماء القرآن. وقوله تعالى ﴿نداء خفيا﴾ (١) أي: دعاء سرًا كراهية الرياء قاله ابن جريح وغيره وقال السدي: رغب زكريا في الولد فقام يصلي ثم دعا ربه سرًا. ﴿أولى الأيدي ...﴾ (٢) قال ابن عباس: أولى القوة والعبادة، ﴿والأبصار﴾: الفقه في الدين. قال مجاهد: ﴿أولي الأيدي﴾ القوة في أمر الله ﴿والأبصار﴾ العقول. وقال قتادة: أعطوا قوة في العبادة وبصرا في الدين. وقال السدي: ﴿الأيدي﴾ القوة في طاعة الله ﴿والأبصار﴾ التبصر بعقولهم في دينهم. وقال في قوله تعالى ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (٣): قال علي بن أبي طالب دلوكها: غروبها. وهو قول ابن مسعود، وروي عن ابن عباس: دلوكها: زوالها، وقاله ابن عمر وأبو هريرة. ﴿وقرآن الفجر﴾ صلاة الصبح، وقال قتادة: ﴿وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس﴾ (٤) هي صلاة الفجر، ﴿وقبل غروبها﴾ هي صلاة العصر، ﴿ومن آناء الليل﴾ صلاة المغرب والعشاء الآخرة (٥). وقال في تفسير قوله تعالى ﴿اهبطوا مصرًا﴾ (٦): إن قتادة ومجاهد وغيرهما يرون أن ذلك يعني مصرًا من الأمصار بالتنكير. وأما أبو العالية فيرى أنها مصر التي بها فرعون وهو قول الكسائي أيضًا. وذكر مكي أن

стр. 607

أبيا وابن مسعود قرءا اهبطوا مصر، بغير صرف معرفة، وأن بعضهم يقول بأنها الشام، وروى أشهب عن مالك أنها بلاده مصر. وختم مكي هذه الروايات بقوله: في رأيي هي بلاد فرعون (١). وفي شرح مشكل الغريب يستشهد مكي بأقوال الصحابة الكرام والتابعين وتابعيهم من المفسرين مع توسط في هذا الأمر وعدم الإكثار منه، ومن الشواهد على ذلك قوله في تفسير أول سورة البقرة ﴿الم﴾ وعن ابن عباس ﵁ أنه قال: الألف الله، واللام جبريل، والميم محمد، روى ذلك عنه عطاء والضحاك قال: وكل ما ذكرنا من تفسير أوائل السور عن ابن عباس فهو مما رواه عنه عطاء والضحاك. (٢) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: يتعرض مكي لذكر بعض حوادث السيرة أثناء تفسيره ومن ذلك قوله في قراءة ﴿وكأين من نبي قتل معه ربيون﴾ (٣) بعد أن ذكر عدة أوجه في توجيهها: والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف رسول الله ﷺ أنه لم يقتل يوم أحد، أنا، رأيت عينه من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله. فأومأ إلي النبي ﷺ أن اسكت، وكان قد صاح الشيطان يوم أحد: قتل محمد فانهزم المسلمون خلا قليل منهم. وهناك مواضع أطال فيها جدًا في ذكر أحداث السيرة ومن ذلك ماذكره تحت قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا﴾ (٤) حيث ذكر تفاصيل غزوة الحديبية وقصة البيعة وقصة أبي جندل ثم ذكر المعجزات التي حصلت على يد النبي ﷺ في تلك الغزوة. وتحت قوله تعالى ﴿لتجدن أشد الناس عداوة﴾ (٥) ذكر قصة جعفر مع النجاشي بطولها من حديث ابن عباس وأم سلمة والسدي وغيرهم. ولذا قال فرحات عن مكي: ... فهو لايترك فرصة تمر دون أن يعلق على الآيات التي تتصل بالسيرة، ويشرح تفاصيل حوادثها ويستنتج منها العبر،

стр. 608

مما يجعل كتابه غنيًا بالنصوص التاريخية التي توضح النص القرآني في نفس الوقت الذي تعطي فيه قارئها ثقافة لا بأس بها في سيرة النبي ﷺ (١). سابعا: موقفه من الإسرائيليات: لقد ذكر مكي في تفسيره كثيرًا من الإسرائيليات نظرًا لاهتمامه بالجانب الأثري ومن ذلك ماساقه من روايات كثيرة تحت قوله تعالى ﴿واتبعوا ماتتلوا الشياطين على ملك سليمان ... .﴾ (٢) ومنها قوله: وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك وأسجدت له ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء؛ يعملون بالخطايا؟ فقال الرب تعالى لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم، قالوا: سبحانك ما كان ينبغي لنا ذلك. فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض، وأحل لهم كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر وقتل النفس. قال: فما استقرا حتى عرض لهما بامرأة قد قسم لها نصف الحسن فلما أبصراها تعرضا لها قالت: لا، إلا أن تكفرا بالله وتشربا الخمر، وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم، قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئا، فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها فقالت لا، إلا أن تشربا الخمر. فشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، فدخل عليهما سائل فقتلاه فلما وقعا فيما وقعا من الشر أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك إنك أنت أعلم، فأوحى الله إلى سليمان بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا. ونكتفي في بيان موقف مكي بن أبي طالب من الإسرائيليات بذكر النتيجة الني توصل لها فرحات من دراسته: قال فرحات: وإذا كان مكي قد انتبه بالنسبة لتفسير القرآن بالحديث فحرص على أن يفسر بالصحيح منه دون غيره (٣)، فإنه لم يوفق في جانب القصص الإسرائيلية والروايات التاريخية

стр. 609

الأخرى إلى تحقيقها ونقدها والإشارة إليها من قريب أو بعيد. (١) قال: لقد ذكرت تلك المصادر حوادث وأخبار في قصة داوود وأوريا وشعيب وابنتيه وسليمان والجن مما يتعارض أشد التعارض مع ما ينبغي أن يكون عليه الأنبياء من صفات خلقية نبيلة وكان على علمائنا أن يردوا هذه الأخبار (٢) وأن لا يستشهدوا بها في كتبهم وألا يجعلوها في تفاسير تشرح كتاب الله تعالى. (٣) ثامنا: موقفه من اللغة: لقد أشار مكي في مقدمة التفسير إلى أنه سوف لايطيل القول في الناحية الإعرابية خاصة لأنه أفردها بالتأليف، فقال: قدمت في أوله نبذًا من علل النحو وغامض الإعراب، ثم خففت ذكر ذلك فيها، لئلا يطول الكتاب ولأني قد أفردت كتابًا مختصرًا في شرح مشكل الإعراب خاصة (٤). وقد كان يؤكد على هذا المنهج الذي التزم به، ويذكر به من حين إلى آخر أثناء تفسيره للآيات القرآنية، ذكر في بيان قوله تعالى ﴿هدى للمتقين﴾ (٥)، قال: وقد فسرنا إعراب هذا وما يشابهه في كتاب: تفسير مشكل إعراب القرآن، فأخلينا هذا الكتاب من بسط لئلا يطول، إلا أن يقع نادر من الإعراب، فنذكره على شرطنا المتقدم فاعلم ذلك (٦). ومن أمثلة اهتمامه باللغويات: تفسيره لقوله تعالى ﴿وترى الملائكة حافين من حول العرش﴾ (٧)، أي وترى يامحمد يوم القيامة الملائكة محدقين من حول العرش والعرش: السرير، وواحد حافين: حاف: قاله الأخفش، وقال المبرد: لا يفرد.

стр. 610

ودخلت "من" في قوله: ﴿من حول العرش﴾ لأنه ظرف، والفعل يتعدى إلى الظرف بحرف وبغير حرف، ومثله قوله ﴿وإلى الذين من قبلك﴾ (١)، وقال بعض البصريين: دخلت من في الموضعين توكيدًا (٢). كما بين مكي إعراب الباء في باسم الله فقال: والباء متعلقة بفعل مضارع، والمعنى أبدأ باسم الله، فإذا اختلفت الأفعال التي نريد أن يسمى الله عليها، أضمرت لكل معنى فعلاً يشاكله، فإذا أردت القيام فقلت: باسم الله؛ أضمرت: أقوم باسم الله، وإذا أردت القعود؛ قدرت: أقعد باسم الله، وكذلك الركوب وشبهه ... الخ. وانتقل من بيان معنى الحروف، إلى تقرير قاعدة نحوية تتعلق بعمل حروف الجر، فقال: وإنما سميت الباء، ومن، وعن، وشبهها بحروف الجر، لأنها تجر الأفعال إلى الأسماء، لأن معناها الإضافة، تضيف فعلا إلى الاسم، أو معنى إلى الإسم كقولك: مررت بزيد، وعمرو كزيد، وإنما كسرت الباء لتكون حركتها مثل عملها (٣). وبين الفرق بين الاستفهام والتسوية عند تفسير قوله تعالى ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم ءأنذرتهم ام لم تنذرهم لايؤ منون﴾ (٤) قال: ومعنى لفظ الاستفهام في ﴿ءأنذرتهم﴾ التسوية وهو في المعنى خبر لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام. والمعنى على الخبر تقول: سواء علي أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمعارضة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: قد علمت أزيد في الدار أم عمرو. فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، مع علمه أن أحدهما في الدار، ولايدري بعينه، فهذا تسوية. وتقول في الاستفهام: أزيد في الدار أم عمرو؟ فأنت لاتدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك، وتدري أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما فقد صار الاستفهام كالتسوية، في عواقب الأمور. غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم،

стр. 611

ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما سئل عنه، فاعرف الفرق بينهما (١). ومن مواضع تعرضه للإعراب قوله: قوله جل ذكره: ﴿ذكر رحمة ربك عبده زكريا﴾ (٢) ﴿ذكر﴾ مرفوع عند الفراء على خبر ﴿كهيعص﴾ ثم رد معللاً إياه بقوله: لأن كهيعص ليس مما أثنى الله به على زكريا وليس كهيعص في شيء من قصة زكريا والتقدير: هذا الدين يدل على ذكر رحمة ربك عبده زكريا والتقدير فيما يتلى عليك يامحمد ذكر عبده زكرياء برحمته. وأما شرحه للمفردات فمثل قوله: ومعنى ﴿وهن العظم﴾: ضعف ورق من الكبر وقوله ﴿اشتعل الرأس شيبا﴾ أي كثر الشيب في الرأس. ونصب شيبًا. على المصدر لأن معنى اشتعل شاب. وقال الزجاج: نصبه على التمييز أي اشتعل من الشيب. وقال في قوله تعالى: ﴿أولي الأيدي﴾ (٣): وقيل: ﴿الأيدي﴾ جمع يد من النعمة أي هم أصحاب النعم التي أنعم الله عليهم بها وقيل: هم أصحاب النعم والإحسان لأنهم قد أحسنوا وقدموا خيرا وأصل اليد أن تكون للجارحة ولكن لما كانت العدة فيها سميت القوة يدا. والبصر هنا عني به بصر القلب الذي ينال به معرفة الأنبياء. أجاز الطبري أن يكون المعنى: أنهم أصحاب الأيدي عند الله بالأعمال الصالحة التي قدموها تمثيلاً باليد. وقد أفرد مكي للغريب كتابه تفسير المشكل كما ذكرنا قبل ذلك. واستدلاله بالشعر قليل فربما مرت عشرات الصفحات فلا يذكر فيها بيتًا واحدا. ومن مواضع استدلاله بالشعر في تفسير قوله تعالى: ﴿فامسحوا برؤوسكم وأرجلكم﴾ (٤) في عطف المسح على الغسل قال: ورأيت زوجك قد غدا ... متقلدًا سيفًا ورمحًا قال: فعطف الرمح على السيف وليس الرمح مما يتقلد به ولكن عطفه عليه لاشتراكهما في الحمل وفي أنهما سلاح. أما في شرح مشكل الغريب فلم

стр. 612

يستشهد إلا ببيت واحد من الشعر في الكتاب كله في الكلام على قوله تعالى ﴿فيما طعموا﴾ (١) أي ما شربوا من الخمر قبل التحريم يقال: لم أطعم خبزا ولا نوما قال الشاعر: فإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا (٢) قال: النقاخ: الماء، والبرد: النوم (٣). ومن كتاب مشكل إعراب القرآن ننقل تلك الأمثلة (٤): تكلم في البسملة على إعراب ثلاثة ألفاظ: الباء من بسم الله: لم يتكلم عن المعروف من عملها بل عن اختصاص كسر بائها معللاً ذلك بأنها كسرت لتكون حركتها مشابهة لعملها، أو كسرت فرقًا بين ما يخفض ولا يكون إلا حرفا نحو الباء واللام. وبين ما يخفض وقد يكون اسما نحو الكاف أما عملها الخفض فعلله بأنها لا معنى لها إلا في الأسماء. فعملت الإعراب الذي لا يكون إلا في الأسماء وهو الخفض. كما ذكر في تعليل حذف الألف من باسم الله خطا كثرة الاستعمال أو بسبب لزوم الباء لهذا الاسم أو حذفت لعلة تحرك السين في الأصل، لأن أصل السين الحركة، وسكونها لعلة دخلتها. اسم: تكلم عن أصله ... وعند البصريين مشتق من سما يسمو أو من سمى يسمى. وجمعه أسماء. وجمع أسماء أسامي. وعند الكوفيين مشتق من السمة. وأصله وسم. وبعد أن حلل كلا المذهبين صرح بقوله: وقول الكوفيين أقوى في المعنى. وقول البصريين أقوى في التصريف. الله: حكى ثلاثة آراء في أصل الكلمة: أصله إلاه. دخلت الألف واللام. فصار الإلاه فحذفت الهمزة بعد أن ألقيت حركتها على اللام الأولى، ثم أدغمت اللام في الثانية، ولزم الإدغام للتعظيم والتفخيم وقيل: حذفت

стр. 613

الهمزة وعوض منها الألف واللام، ولزمتا للتعظيم. وقيل: أصله لاه. دخلت الألف واللام ولزمتا للتعظيم، ووجب الإدغام لسكون الأول من المثلين. ودل على ذلك قولهم: لهي أبوك، يريدون: لله أبوك ... ويدل عليها أيضًا قوله: لاه ابن عمك. يريد: لله. وذكر الزجاج في بعض أماليه عن الخليل: أن أصله: ولاه، ثم أبدل من الواو همزة كإشاح ووشاح. والألف في لاه منقلبة عن ياء دل على ذلك قولهم: لهي أبوك. فظهرت الياء عوضًا من الألف تدل على أن أصل الألف الياء. وختم كلامه عن هذه الثلاثة بالتنبيه على القياس على ذلك فيما يغفله بعد من الأشباه والنظائر فقال: وإنما أشبعنا الكلام في هذين الاسمين لقياس عليهما شبههما مما لعلنا نغفله. وكذلك نغفل في كل ماهو مثل هذا. وفي مشكل إعراب سورة الفاتحة: تكلم عن كلمة سورة واشتقاقها ومعاني كل، ثم عن كلمة الحمد وسبب رفعها وتعلق اللام في قوله: لله. ثم تكلم عن كلمة: إياك فأطال في بيان مشكل إعرابها. وفي مشكل إعراب سورة الكوثر قال: قوله تعالى: ﴿إنا أعطيناك﴾ (١) أصل إنا: إننا. فحذفت إحدى النونات لاجتماع الأمثال، والمحذوف هي الثانية بدلالة جواز حذفها في أن تقول: إن زيدًا لقائم، فحذفت الثانية وتبقى الأولى على سكونها ساكنة. ولو كانت المحذوفة هي الأولى لبقيت الثانية متحركة، لأنها كانت كذلك قبل الحذف، ولا يجوز حذف الثانية لأنها من الاسم. تاسعا: موقفه من القراءات: لقد وقع حسن فرحات في خلل في دراسته حيث أغفل جانب القراءات في تفسير مكي مع أهميته القصوى واهتمامه بها وبتوجيهها على الرغم من حديثه عن القراءات عند مكي من خلال كتبه الأخرى في القراءات وننقل هنا بعضًا من مواضع ذكر مكي في تفسيره للقراءات وتوجيهه لها: في قوله تعالى ﴿بما كانوا يكذبون﴾ (٢) قال: أي بتكذيبهم الرسل، وقيل بتكذيبهم محمد ﷺ ، وهذا التفسير يدل على صحة قراءة من قرأ ﴿يُكَذّبون﴾ بالتشديد. ويدل على قوة التشديد أن الكذب لايوجب العذاب الأليم، إنما يوجبه التكذيب. وأيضًا فإنه تعالى أخبرهم بالشك في أول الكلام،

стр. 614

ومن شك في شيء فقد كذب به، فالتكذيب أولى بالآية على هذا القول. ومما استدل به من قرأ ﴿يَكْذِبون﴾ بالتخفيف، أن الله أخبر أنهم يقولون آمنا وما هم بمؤمنين فأخبر عنهم بالكذب في قولهم آمنا وتواعدهم عليه بالعذاب الأليم، فهو من الكذب أولى من أن يكون من التكذيب، إذ لم يتقدم في صدر الآية إلا الإخبار عنهم بالكذب لابالتكذيب. والقراءتان قويتان متداخلتان حسنتان لأن المرض: الشك، ومن شك في شيء، فقد كذب به (١). قوله تعالى ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير فما وهنوا لما أصابهم ...﴾ (٢) قال: ومن قرأ ﴿قُتِل﴾ فالمعنى عند عكرمة أن القتل إخبار عما فعل بالأنبياء، وأنهم قتلوا فيمامضى وأن من كان معهم لم يضعف بعدهم ولا تضعضع. ثم أخبر عن قولهم بعد نبيهم وثباتهم على دينهم، فيكون التمام على هذا قتل وفيه بعد، لأن مابعده من صفة نبي ويكون معنى الآية: إن الله وبخ بذلك أصحاب النبي الذين ضعفوا يوم أحد، حين قيل: قتل محمد. فأخبرهم أن كثيرًا من الأنبياء قتلوا، فلم يضعف من كان معهم ليتأسوا بهم. وقيل المعنى: أن الله أخبر أنه قد قتل مع الأنبياء ربيون كثير فما وهن من بقي ولا ضعف، ولا ذل، فيتأسى المؤمنون بهذا، فلا يضعفوا لما أصاب أصحابهم من القتل يوم أحد فلا يكون التمام على هذا ﴿قتل﴾، لأن الربيين مرفوعون بقتل. والأول أحسن لأن كعب بن مالك قال: أول من عرف رسول الله أنه لم يقتل يوم أحد، أنا، رأيت عينه من تحت المغفر فناديت بأعلى صوتي: هذا رسول الله. فأومأ إلي النبي أن اسكت، وكان قد صاح الشيطان يوم أحد: قتل محمد فانهزم المسلمون خلا قليل منهم، فأنزل الله ﴿وكأين من نبي قتل﴾ (٣) أي كثير من الأنبياء قتلوا، ولم يضعف من كان معه بعده ولا ذل. فكيف أردتم أيها المؤمنون أن تضعفوا حين سمعتم الشناعة بأن محمدًا قد قتل، فتأسوا أيها المؤمنون بمن كان قبلكم من أصحاب الأنبياء الربيين وعلى هذا التأويل اختار قوم من العلماء قراءة من قرأ ﴿قتل﴾ لأنهم عوتبوا على ضعف بعضهم لما سمعوا بقتل النبي ﵇ ومن قرأ ﴿قاتل﴾ حمله

стр. 615

على معنى أنهم وهنوا لقتل أصحابهم وجراحهم، فأنزل الله عليهم يعلمهم أن كثيرًا من الأنبياء قاتل معه أصحابه وأتباعه فلم يضعفوا لما أصابهم من قتل وجراح فيتأسوا بهم، واختار بعض أهل اللغة ﴿قاتل﴾ لأنه أبلغ في المدح للجميع (١). وقال: ﴿كهيعص﴾ (٢) قرأ بعض القراء بإمالة الياء، وعلة الإمالة أنها حرف مقصور، فإذا ثنيت ثنيت بالياء فشابهت ما ثني بالياء من الأسماء. فأميلت لذلك. وسبب الإمالة فيها عند الخليل وسبويه أنها أسماء للحروف فجازت إمالتها لتفرق ههنا بينها وبين الحروف التي لا يجوز إمالتها نحو: ما ولا وإلا ... فإن سميت بشيء منها جازت الإمالة. ولا يحسن إمالة كاف ولا قاف وصاد لأن الألف متوسطة. ﴿واذكر عَبْدَنا إبراهيم﴾ (٣) قال: أي اذكر إبراهيم وولده إسحاق وولده يعقوب. ومن قرأ ﴿عبادنا﴾ بالجمع أدخل الجمع في العبودية. وجعل ما بعده معطوفًا عليه. وهو يتعرض في حديثه عن القراءات للشاذ أيضا: ومن ذلك عند قوله ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون﴾ (٤) قال: قرأ عثمان بن عفان ﵁: وينهون عن المنكر ويستعينون بالله على ماأصابهم. ثم قال مكي زاد خمس كلمات ولا يقرأ بذلك اليوم، لأنه خلاف لخط المصحف المجمع عليه. قال: وقرأ ابن مسعود "أكان للناس عجبٌ " (٥) بالرفع جعل ﴿أن أوحينا﴾ في موضع نصب وهو بعيد، لأن المصدر معرفة، فهو أحق أن يكون اسم كان عجبا، لأنه نكرة. وفي شرح مشكل الغريب اهتم بإيراد القراءات القرآنية لما لها من أثر في توجيه معاني الآيات ويبرز بوضوح في هذا الكتاب من كتب مفردات القرآن، طغيان مسائل القراءات القرآنية على الجانب اللغوي الذي امتازت به كتب المتقدمين من أئمة اللغة: ومن ذلك قوله في تفسير كلمة ﴿فأزالهما﴾ (٦)

стр. 616

بالألف من الزوال أي نحّاهما، وبغير ألف من الزلل أي استزلهما (١). وقوله في تفسير كلمة ﴿يرتعْ﴾ (٢) من أسكن العين أراد يأكل، ومن كسر العين فمعناه يحرس بعضنا بعضا، ومنه رعاك الله أي حفظك الله (٣). وقال في مشكل الإعراب: قوله تعالى: ﴿إن هذان لساحران﴾ (٤) على لغة بني الحارث بن كعب: يأتون بالمثنى بالألف على كل حال (٥)، قال بعضهم: ... تزود منا بين أذناه طعنة وقيل: ﴿إن﴾ بمعنى نعم، وفيه بعد لدخول اللام في الخبر، وذلك لا يكون إلا في الشعر كقوله: أم الحليس لعجوز شهربة (٦) وكان وجه الكلام: لأم الحليس عجوز كذلك وجه الكلام في الآية إن حملت "إن" على "معنى" نعم: إن لهذان ساحران كما تقول: نعم لهذان ساحران، ونعم لمحمد رسول الله ﷺ ، وفي تأخير اللام مع لفظ إن بعض القوة على نعم. وقيل: الهاء مضمرة مع إن، وتقديره إنه هذان لساحران كما تقول: إنه زيد منطلق، وهو قول حسن لولا دخول اللام في الخبر بعده. فأما من خفف إن فهي قراءة حسنة لأنه أصلح أوجه الإعراب ولم يخالف بالخط لكن دخول اللام في الخبر يعترضه على مذهب سيبويه لأنه يقدر أنها المخففة من الثقيلة ارتفع مابعدها بالابتداء والخبر لنقص بنائها فرجع مابعدها إلى أصله فاللام لا تدخل في خبر الابتداء أى على أصله إلا في شعر كما ذكرنا.

стр. 617

وأما على مذهب الكوفيين فهو من أحسن شئ لأنهم يقدرون "أن" الخفيفة بمعنى ما واللام بمعنى إلا فتقدير الكلام ماهذان إلا ساحران فلا خلل في هذا التقدير إلا ما ادعو أن اللام تأتي بمعنى إلا (١). عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: لم يفرد فرحات ولا وسيلة بلعيد لذلك فصلاً مستقلاً إلا مايأتي ذكره عن النسخ عند مكي وهذا مقصور واضح في دراسة منهج مكي بن أبي طالب. وقد أطال مكي في بيان بعض الفقهيات: ففي قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ... .﴾ (٢) قال: والطواف بين الصفا والمروة عند مالك والشافعي فرض، فمن نسي ذلك رجع وسعى وإن بعد فإن كان قد أصاب النساء فعليه عمرة وهدي بعد تمام سعيه إذا رجع. ومذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف أنه يجزيه دم إن نسي السعي بينهما ولا عودة عليه إلا أن يشاء ذلك. وفي قوله تعالى: ﴿فكلوا مما أمسكن عليكم﴾ (٣) قال: قال ابن عمر: يؤكل (أي الصيد) وإن أكل (أي الكلب منه)، وبه قال جماعة ومالك معهم. ومن أرسل كلبا غير معلم، فأخذ فلا يؤكل ما أخذ، إلا أن تدرك ذكاته. فإن أرسل معلما فأخذ ولحقه قبل أن يموت، فاشتغل عن تذكيته حتى مات فلا يؤكل، لأنه أدركه حيا وفرط في تذكيته. فإن كان أدركه وقد أنفذ الكلب أو البازي مقاتله - وهو لم يدركه حتى مات - أكل، لأن الذكاة ليست بشيء إذ هو ميت لا محالة، لو ترك مات. فإن أرسل المعلم، فوجد معه كلبا آخر معلما أو غير معلم فلا يؤكل، لأنه لا يدري لعل الآخر قتله، ولم يرسله، ولا سمى الله عليه، كذلك قال مالك والشافعي وغيرهما. وقال الأوزاعي: إن كان الثاني معلما أكل، وإن كان غير معلم لم يؤكل ... الخ ولا بأس عند مالك بلعاب الكلب الصائد يصيب ثواب الإنسان، وقال الشافعي: هو نجس. وذكر كلاما كثيرا.

стр. 618

وفي قوله: ﴿فاقطعوا أيديهما﴾ (١) قال: ولا قطع على السارق حتى يخرج المتاع من حرزه، أو ما يشبه الحرز. وهو قول الشعبي والزهري وعطاء. وروي ذلك عن عثمان وابن عمر، وهو قول مالك والشافعي وغيرهما. ولو نقب بيتا فأدخل يده، وأخذ متاعا فرمى به إلى الخارج، ثم خرج وأخذه، فعليه في ذلك القطع - عند مالك وغيره - لأنه قد أخذه من حرزه وهو الحائط ولو ناوله آخر خارجا من البيت كان القطع على الداخل، ولم يقطع الخارج. ولو دخل جماعة بيتا وأخذوا متاعا وحملوه على أحدهم، وخرجوا به، فقال ابن القاسم - عن مالك - لا يقطع إلا من حمله. وفي قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (٢) قال: وأجمع أهل العلم، على أن أول وقت الظهر: الزوال. وقال مالك: آخر وقتها أن يصير ظل كل شيء مثله بعد الزوال. وبه قال الثوري والشافعي وأبو ثور. وقال عطاء: لاتفريط في الظهر حتى تصفر الشمس. وقال طاوس: لاتفوت حتى الليل. وقال النعمان: آخر وقتها مالم يصر الظل قامتين. وبالنسبة للأصول أفرد مكي للناسخ والمنسوخ كتابين هما: الإيجاز لناسخ القرآن ومنسوخه، والإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه، وقد خص فرحات فصلاً كاملاً للنسخ عند مكي جعل عمدته فيه كتاب الإيضاح وقد ذكر أمثلة كثيرة للنسخ عند مكي فلتنظر هناك (٣). أما موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية فهو بطبيعة الحال لا يتعرض لها لتقدم عهده حيث لم يظهر الاهتمام بمعظم تلك الأمور. وهو لا يتعرض في تفسيره لذكر شيء من المواعظ والآداب وإنما يأتي ذلك ضمنا في عرض الأقوال التفسيرية المنقولة حسب مايقتضيه المقام.

стр. 619

تفسير ابن ظفر من خلال كتابه ينبوع الحياة مؤلف هذا التفسير هو حجة الدين أبو جعفر محمد بن عبد الله بن ظفر الصقلي المكي ت ٥٦٥ هـ وهو من الوافدين على المنطقة قصد بلاد إفريقية، فجال فيها ودخل المغرب فأقام بالمهدية مدة. (١) التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى ينبوع الحياة من التفاسير المخطوطة (٢) ويقع في اثني عشر مجلدا وقد رجعت إلى نسخة ناقصة منه على الميكروفيلم بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة برقم ١٣٥٣ هـ وهي مصورة عن نسخة مكتبة تسشتربيتي وتقع في ٤١٥ ورقة غير مرقمة تبدأ بالمقدمة وتنتهي عند تفسير قوله تعالى ﴿وسارعوا إلى مغفرة من ربكم﴾ (٣) من سورة آل عمران، وبداية المقدمة غير واضحة وقد كتب عليها تفسير القرآن العظيم وهو ينبوع الحياة تأليف الفقيه حجة الدين محمد بن عبد الله بن ظفر المكي رحمة الله عليه، وفي النسخة خلط بين الأوراق في بعض المواضع. وقد بدأ المؤلف المقدمة بذكر أسانيده لبعض كتب السنة المشهورة ويبدأ الجزء الموجود بذكر إسناده لسنن أبي داود ثم ذكر مقدمة في أصول التفسير وعلومه وفي عدد آيات القرآن ثم انقطعت المقدمة إلى تفسير قوله تعالى ﴿مالك يوم الدين﴾ (٤).

стр. 620

المنهج العام للتفسير: وتفسير ينبوع الحياة يعتبر في الجملة تفسيرا لغويا يهتم بالقراءات وتوجيهها ولا يغفل الاعتماد على المأثور، وطريقة مؤلفه فيه أنه يقسم السورة إلى مقاطع يبدأ الحديث عن كل مقطع بذكر القراءات الواردة فيه وتوجيهها ثم يثني بالتفسير اللغوي لهذا المقطع، ويدرج فيه الآثار الواردة في تفسير تلك الآيات. فمثلا يقول في سورة البقرة: الكلام عليها من فاتحتها إلى قول الله سبحانه ﴿وأولئك هم المفلحون﴾ (١) ثم يقول: ذكر القراءات فيتكلم عنها وعن التوجيه ثم يبدأ التفسير. وقد وقفت على رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بعنوان " ابن ظفر ومنهجه في التفسير من خلال كتابه ينبوع الحياة " قدمها صالح عبد الرحمن الفايز تحت إشراف د. عبد العزيز القاري سنة١٤١٠ هـ بالجامعة الإسلامية مرقونة على الآلة الكاتبة، ولم أرها إلا بعد دراستي للتفسير فألحقت بعض الفوائد منها على عجالة ويلاحظ أنه ذكر أن مقدمة الكتاب غير موجودة (٢) كما ذكرت كما أنه عقد فصلا لمصادر ابن ظفر في تفسيره (٣). المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا (٤): لا يهتم المصنف بعد الآي ولا بالوقوف ولا بالمناسبات بين السور أو الآيات، وقد عقد فصلا في البسملة ابتدأه بقوله: ليست آية البسملة من الفاتحة ولا من أوائل السور عند المدني ﵀. ويبدأ تفسير السورة بقوله مثلا: السورة التي يذكر فيها البقرة (كذا)، ويذكر مدنية أم مكية أما في آل عمران فقال: سورة آل عمران. ويبدو أن الوجهين في التسمية عنده جائزان خلافا لمن كره ذلك. (٥)

стр. 621

ثانيا: موقفه من العقيدة (١): المصنف يحمل على المعتزلة بشدة فمن أول وهلة قال في قوله تعالى ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ (٢): وفي الكلام ما يشعر قلوب المؤمنين من تعاطي الحول والقوة إلا بالله وهذا مما حرمه المعتزلة وسيأتي بيانه. ومن ذلك أيضا قوله: ولهذا قلنا إن المعتزلة اعتزلوا مقام التعبد لله سبحانه. ويقول: وزعم المعتزلة أن الإنسان يقدر على أن يخلق الهدى لنفسه ولا يخلق الله الهدى له وأنهم اهتدوا بغير هدى من الله خلقه لهم فحصلوا من ذلك على تسمية الهوى هدى قال الله سبحانه ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ (٣) وقد أمر الله سبحانه عباده المهتدين بأن يقولوا: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ (٤) رغبة في أن يخلق لهم الثبات على الذي أنعم عليهم به. ومن ردوده على المعتزلة قوله: وإضلال الله وهدايته يكونان قدره وقضاؤه بذلك، ويكونان خلقه لهم الضلال والهداية، وإذا قدر ذلك وقضى على أحد في سابق علمه فلا بد أن يخلقه له. وقالت المعتزلة: ذلك محمول على التسمية والحكم بأنهم قد اهتدوا أو ضلوا. وذلك غير معلوم في اللغة، لا يقول العربي: هديت فلانا ولا أضللته بمعنى حكمت بأنه مهتد أو ضال أو سميته بذلك. ثم ما يصنعون بقول الله سبحانه ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾ (٥) الآية؟ ثم إن قوله تعالى ﴿يضل به كثيرا﴾ (٦) إنما هو جواب قولهم: ﴿ماذا أراد الله بهذا مثلا﴾ (٧)؟ فلا يطابقه الجواب إلا إذا كان التقدير: يريد أن يضل به كثيرا وما يضل به إلا الفاسقين. فيه دليل قول أهل الحق بالكسب لأنهم كسبوا الفسق فعوقبوا بالإضلال. وكذلك رد على المعتزلة عند قوله تعالى ﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد﴾ (٨) بالتفريق بين الإرادة والأمر. وهو يعتقد بوقوع

стр. 622

السحر للنبي ﷺ خلافا للمعتزلة وغيرهم من العقلانيين فقال عند كلامه عن آيات السحر في سورة البقرة وموقف اليهود منه: وقد سحروا المصطفى محمدا ﷺ وسيأتي هذا. وهو لا يتذرع بالمجاز ولا يميل للعقلانيات ولعل هذا أمر طبعي مع مايظهر من موقفه الصارم من الاعتزال وأهله فيقول عند قوله تعالى ﴿وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار﴾ (١) - بعد أن ذكر بعض الآيات والأحاديث الدالة على حصول الخشية من الحجارة -: وأما قول من قال: هذا على تقدير وجود الحياة والفهم لها، أي: لو كانت حية فاهمة لكان ما ذكر من تشققها أو سقوطها لخشية الله، وقول من قال: أضيفت الخشية إليها مجازا وحقيقة الخشية للمعتبرين بها، وأشباه هذا من الأقوال الملفقة؛ فإنها نتاج تعجب واستبعاد وجوانح نفس نافرة من غير معتاد. وقد استطرد في بعض المواضع ومن ذلك: أنه ذكر تحت قوله سبحانه ﴿بديع السموات﴾ (٢) معنى الابتداع ثم تطرق منه إلى الفرق المبتدعة من الخوارج والشيعة ثم القدرية وتصحيح منهج من رد على أهل البدع بالحجج العقلية واستدل لذلك ببعض الآيات التي رد فيها القرآن على المشركين بدلائل العقل مثل قوله تعالى ﴿لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا﴾ (٣) ونحوها، وبعض الأحاديث كقوله ﷺ في حديث العدوى: "فمن أعدى الأول؟ " (٤). وتكلم عن البدعة الحسنة وقول عمر: "نعمت البدعة". في قيام رمضان. ومن الفصول الاستطرادية قوله: فصل: قرأ رجل من المتكلمين في هذا العلم ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ (٥) ثم قال: الرؤية والنظر قد يراد بهما العلم بالمعلوم والخبرة للمختبر، وقد يراد بهما إدراك المبصرات بمعنى هو البصر، فإذا قرنا بإلى في الاستفهام أو في الإخبار اختصا بالإبصار. فقيل له: كيف ترى أمة سلفت؟ فقال: أتستبعد هذا لمحبوب محظوظ مكاشف بسطور من اللوح المحفوظ ... ثم ذكر استدلالات من قصة الإسراء

стр. 623

والمعراج وغيرها. وهو يميل إلى التأويل فهو أشعري العقيدة وذلك واضح جلي في تفسيره حيث فسر آيات الصفات وفقا لمذهب الأشاعرة وانتصر له وطعن في المخالفين له وغمز أهل السنة ولمزهم ووصفهم بأوصاف ذميمة قبيحة (١): يقول في قوله تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء﴾ (٢) وقال الزجاج: أي عمد وقصد إلى السماء كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا ثم استوى إلى العراق. والاستواء أيضا: العلو، قال الشاعر: أقول وقد قطعن بنا شَرَورَى ... نواجي واستوين من الضَّجوعي (٣) أي: علون منها، والضجوع: مواضع منخفضة. والاستواء أيضا يكون بمعنى الاستيلاء إذا قرن بعلى، تقول: استوى فلان على الملك أي: استولى عليه مثل الإحاطة وكل ذلك جائز في وصف الله سبحانه. فأما الحلولية القائلون استوى: استقر؛ فإنهم مجسمون وقد أكذبهم الله بقوله ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٤) إلى ما ادعوه من أن الله سبحانه ليس بغني عن ما خلق والله غني عن العالمين، وقد أجمع المسلمون على أن الله سبحانه كان غنيا عن العرش قبل خلقه فالقول بأنه حدث له حاجة إليه بعد خلقه، كفر صراح تعالى الله عن أن يكون محمولا بشيء أو حالا في شيء أو مجاذبا لشيء أو متنَفّعا بشيء وهو العلي الكبير. وقيل هذا من المتشابه الذي لا يتتبع الفكر فيه والسؤال عنه إلا من في قلبه زيغ؛ روي لنا أن رجلا سأل عنه مالك بن أنس فأجابه بأن قال: الاستواء غير مجهول والتكييف غير معقول والإيمان به واجب والسؤال عنه بدعة وما أراك إلا ضالا، ثم قال: أخرجوه. وقال في قوله تعالى ﴿بأسماء هؤلاء﴾ (٥) دليل على أن الاسم غير المسمى ومن آمن بأن أسماء الله تعالى ليس لها مثل لم ينكر أن ينفرد في هذا بحكم.

стр. 624

ويقول: ولا يجوز أن تكون الكتابة كلام الله لأن الكتابة فعل الكاتب وكلام الله صفة لذات الله وصفات الذات لا تفارق الذات ما بقيت الذات لكن المكتوب في اللوح المحفوظ وفي المصحف هو كلام الله والكتابة تدل عليه دلالة العبارة على المعبر عنه. وفي قوله تعالى ﴿منه آيات محكمات وأخر متشابهات﴾ (١) قال: قال ابن جبير: هن آيات تشابهن على الناس ومن أجل تشابههن ضل من ضل، تقرأ الفرقة الآية منها فتزعم أنها لها فمما اتبع الحرورية من المتشابه ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون﴾ (٢) ويقرءون معها ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾ (٣) فإذا رأوا الإمام يحكم بغير حق قالوا: قد كفر، ومن كفر فقد عدل بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه ... وقد أطال الحديث عن المتشابه وهل يعلم أحد تأويله أم لا؟ ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن (٤): من مواضع ذلك عند المصنف قوله في تفسير قوله تعالى ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٥): والذين أنعم الله عليهم: النبيون والصديقون والشهداء والصالحون، وهذا من التفسير بالكتاب. وهو يعني بذلك قوله تعالى ﴿من الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (٦). ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ (٧) قال: وقيل: أي لا تخلطوا الحق من كتابكم بالباطل من تحريفكم كقوله تعالى: ﴿يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب﴾ (٨) الآية. وقال: وقوله سبحانه ﴿لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ (٩) كقوله تعالى ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾ (١٠) فهذا من التفسير الفرقاني. وقال ﴿فاستقيما﴾ (١١) فأمر بالثبات على الطاعة والنهضة بالأمر ومثله ﴿فاستقم كما أمرت ومن تاب معك﴾ (١٢)

стр. 625

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة (١): ومن منهج المصنف الاحتجاج بالحديث في التفسير وهو يذكر الرواية بدون إسناد أو عزو للمخرجين ومن مواضع ذلك قوله: وروي لي أن رجلا سأل النبي ﷺ وهو بوادي القرى (٢) فقال: يا رسول الله! من المغضوب عليهم؟ قال: "اليهود" قال: ومن الضالون؟ قال: "النصارى" (٣). وربما ذكر بعض المخرجين ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى ﴿وقولوا حطة﴾ (٤) روي لنا مارواه مسلم بإسناده من حديث أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : " قيل لبني إسرائيل: ﴿ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم﴾ (٥) فبدلوا فدخلوا الباب يزحفون على أستاههم وقالوا: حبة في شعرة" (٦). وذكر أحاديث في التأمين وهي من مشاهير الأحاديث الصحيحة. وهو لا يلتزم الصحة فيما يورده من أحاديث بل ربما ذكر بعض الأحاديث الضعيفة مثل قوله: وروي لي أن ابن عباس قال: سألت النبي ﷺ ما معنى آمين؟ قال: "رب افعل" (٧). وقال في قوله ﴿وطهر بيتي للطائفين﴾ (٨): قال ابن عباس: قال النبي ﷺ : "إن لله في كل يوم عشرين ومائة رحمة ينزلها على البيت:

стр. 626

ستون للطائفين، وأربعون للمصلين، وعشرون للناظرين" (١). وأما أسباب النزول فهو من المهتمين بإيرادها ومن ذلك: قال في قوله تعالى ﴿أتامرون الناس بالبر﴾ (٢): كان الرجل من الأوس والخزرج يأتي حليفه أو رضيعه من اليهود فيسأله عن النبي ﷺ فينصح له ويأمره باتباعه فنزلت الآيات في هذا (٣). قال في قوله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ (٤) الآيتين: قيل: إنها أنزلت يوم أحد وهو ما روي لنا أن أنس بن مالك قال: إن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته في يوم أحد وشج في رأسه فجعل يسلت الدم عنه وهو يقول: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟ " فأنزل الله ﴿ليس لك من الأمر شيء﴾ (٥) وروي لنا أيضا أن عبد الله بن عمر سمع النبي ﷺ ورفع رأسه من الركوع في الركعة الأخيرة من الفجر يقول: "اللهم العن فلانا وفلانا وفلانا" بعد ما يقول: "سمع الله لمن حمده ربنا ولك الحمد " فأنزل الله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب الله عليهم أو يعذبهم فإنهم ظالمون﴾ (٦) وروي لنا من حديث أبي هريرة (٧) ... فلعلها إن شاء الله نزلت في الأمرين معا. وفي تحويل القبلة ذكر روايات كثيرة منها حديث أنس المشهور وغيره. وبالنسبة لفضائل السور والآيات: يفتتح بها كلامه عن التفسير مثل قوله:

стр. 627

روي لنا أن أبا أمامة الباهلي قال: إن رسول الله ﷺ قال: "اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة" (١). قيل: البطلة السحرة فهم أهل باطل ولا يستطيعون أن يسحروا من قرأها. وقيل: البطلة السفهاء أهل البطالة لا يستطيعون تحفظها قراءة. وذكر حديث النواس بن سمعان: "يؤتى بالقرآن وأهله ... " (٢) وحديث الآيتين من أواخر سورة البقرة عن أبي مسعود (٣). وقد ذكر أحاديث عدة في فضل آية الكرسي. وافتتح تفسير سورة آل عمران ببعض فضائلها. وذكر حديثا ضعيفا في فضل قوله تعالى ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو ...﴾ وهو حديث غالب القطان عن الأعمش. (٤) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف (٥): قال في قوله تعالى ﴿أنعمت عليهم﴾ (٦): قال أبو العالية: هم محمد رسول الله ﷺ ووزيراه أبو بكر وعمر ﵄. وقال في قوله تعالى ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ (٧) قال ابن عباس في الحجارة: إنها حجارة الكبريت. وقال في قوله تعالى ﴿وأتوا به متشابها﴾ (٨) قال ابن عباس: الرمان يؤدي طعم الكمثرى والسفرجل والتفاح. فجعل التشابه في المطعوم ... وقال مقاتل بن سليمان: يؤتون به بكرة على مقدار بكرة الدنيا في صحاف الدر والياقوت، ثم يؤتون به عشية على مقدار عشية الدنيا، فيقولون: هذا الذي طعمناه بكرة ...

стр. 628

وقال في قوله تعالى ﴿أزواج مطهرة﴾ (١): قال قتادة: مطهرة من الإثم والأذى. وقال مجاهد والحسن: من الحيض والبول والنخامة والبصاق وكل الأقذار. وقال عبد الله بن عمر: إن أزواج أهل الجنة لتغنين بأحسن أصوات سمعها أحد وإن مما يتغنين: نحن الخيرات الحسان أزواج قوم كرام ينظرون بقرة أعيان وإن مما يتغنين: نحن الخالدات فلا نموت ونحن الآمنات فلا نخاف ونحن المقيمات فلا نظعن وقال في قوله تعالى ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ (٢): قال قتادة: أي لا تلبسوا اليهودية بالإسلام وأنتم تعلمون أن دين الله هو الإسلام. وفي قوله ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ (٣): قال ابن عباس وغيره: أي حقا وصدقا في شأنه ﷺ ولا تغيروا نعته. وقال الحسن والثوري: هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وقال الربيع وعطاء وغيرهما هذا على العموم في تحسين القول للناس كلهم. وقد وقفت له على أثر يرويه بإسناده تحت تفسير قوله تعالى ﴿لا تأخذه سنة ولا نوم﴾ (٤) فقال: واللفظ الذي ذكرته روي لي فأخبرني به الفقيه أبو بكر محمد بن عبد الله المعافري عن الحسن بن عمر بن الحسن الهوزني عن عبد الله بن الوليد بن سعيد عن علي بن الحسن بن العباس بن فهر عن الحسن بن علي بن شعبان عن أبي بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر بن محمد بن علي النجار عن عبد الرزاق عن معمر عن الحكم بن أبان عن عكرمة. ولي فيه إسناد أقرب من هذا. واللفظ الذي ذكره قبل ذلك عن عكرمة: سأل سائل من بني إسرائيل

стр. 629

موسى ﵇: أينام ربنا؟ فصمت عنه، فأرسل الله تعالى إلى موسى ملائكة فأرقوه ثلاث ليال، ثم أعطوه قارورتين، فأمروه أن يمسك في كل يد قارورة وحذروه من كسرهما، فجعل ينعس وينتبه، ثم ينعس وينتبه، حتى نعس نعسة فضرب بإحداهما الأخرى فكسرهما (١). سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ: وهو يتعرض لبعض حوادث السيرة عند الحاجة لذلك فقد ذكر قصة العاقب والسيد وقدومهما على النبي ﷺ وأنها سبب نزول قوله تعالى ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ (٢) وذكر كتاب النبي ﷺ لهرقل تحت قوله تعالى ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا﴾ (٣) فقال: وبهذه الآية كاتب النبي ﷺ هرقل ملك الروم ... .. فذكر الحديث بطوله. كما سبق بعض الآيات المتعلقة بغزوة أحد في حديثنا عن أسباب النزول. وسوف يأتي في الحديث عن الإسرائليات روايات تاريخية تتعلق بالأمم الماضية. ولم يفرد الفايز في دراسته فصلا في ذلك، وهو من سلبيات رسالته. سابعا: موقفه من الإسرائيليات (٤): والمصنف من المكثرين جدا في نقل الروايات عن أهل الكتاب، وهو يسلك في ذلك مسلك قدامى المفسرين فلا يرد ما اشتهر رده عند جمهور المتأخرين: ومن ذلك قوله عند تفسير قوله تعالى ﴿فأزلهما الشيطان عنها﴾ (٥) قال ابن عباس: عرض إبليس نفسه على كل دابة من دواب الجنة أن يدخل فيها فتدخله الجنة فأبين إلا الحية فإنها طاعت له بذلك فدخل بين فكيها فأدخلته الجنة. وقال أيضا: قالت الحية: إني أخاف آدم. فقال: أنت في ذمتي منه

стр. 630

ومن ولده. قال ابن عباس: أخفروا ذمة عدو الله فإنه أعطى الحية ميثاقا أن يمنعها من آدم وولده. وقال في قوله تعالى ﴿ولا تقربا هذه الشجرة﴾ (١): واختلف في تعيين الشجرة؛ قال ابن عباس: هي السنبلة ... وقاله وهب بن منبه قال: وكانت الحبة مثل كلية الثور وأحلى من العسل وألين من الزبد. وحكى السدي عن ابن عباس أنه قال: هي شجرة العنب وكذلك قال ابن مسعود. وقال قتادة: هي الكرمة. وحكاه بعض العلماء عن علي كرمه الله والذي روي لنا عنه أنه قال: هي شجرة الكافور ... وقال ابن جريج: هي شجرة التين ... الخ. وقال في قوله تعالى ﴿قلنا اهبطوا﴾ (٢): فأهبط آدم إلى أرض الهند بسرنديب. قال محمد بن إسحق: إن مهبط آدم وحواء على جبل بأرض الهند يقال له: واشم ... والجمهور على أن حواء أهبطت بجدة على ساحل مكة ... الخ وقال في قوله تعالى ﴿يابني إسرائيل﴾ (٣): قال السدي: سمي إسرائيل لأنه هرب من عيصو فكان يسير ليلا ... الخ وفي قوله ﴿بعصاك الحجر﴾ (٤) قال: قيل كان حجرا طورانيا أخذه موسى ﵇ من جبل الطور وقال مقاتل: كان لطيفا مربعا أحمر وقيل: كان من حجار الجنة. وقد ذكر قصة بقرة بني إسرائيل كاملة بعد تفسيره للآيات فقال: ذكر القصة قال ابن عباس في رواية عنه ما معناه: كان في بني إسرائيل رجل صالح فلما حضرته الوفاة ... .فذكر القصة ثم نقل جزءا عن وهب بن منبه وآخر عن عكرمة ثم قال: وروي لي في ذلك بيان عزاه أبو الحسن علي بن إبراهيم الحوفي (٥) إلى ابن عباس في كتاب التفسير الذي ألفه فقال قال: عباس ... فذكر أكثر من صفحة وأتبعها بصفحتين عن ابن عباس أيضا في قصة القتيل. كما ذكر قصة هاروت وماروت المشهورة عن ابن عباس وابن عمر ولم

стр. 631

يذكر غير هذا القول في تفسير الآية. وفي قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ (١) ذكر قصتهم مع نبيهم حزقيل عن وهب بن منبه، وبعضها عن مقاتل. وذكر فصلا مستقلا بعد أن فسر الآيات المتعلقة بطالوت فقال: ذكر قصة التابوت وتمليك طالوت وقتل داود جالوت فقال: قال الطبري وغيره ... فذكر أكثر من ثمان صفحات في ذلك. وكذا في قوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ (٢) قال: ذكر ما قاله المفسرون في القصة ... فذكر فصلا مستقلا فيها حوالي سبع صفحات. وفي قوله ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ (٣) قال: ذكر القصة: كانت حنة بنت فاقود علت في السن ... الخ وذكر فصلا قال فيه: ذكر جمل من أمر زكريا ويحيى ﵉ ... فنقل فيه عن ابن إسحق وغيره حوالي ست صفحات. ثامنا: موقفه من اللغة (٤): وأما موقفه من اللغة فقد قدمنا أن تفسيره يعد من التفاسير اللغوية لأن الصناعة اللغوية تغلب عليه. وهو يكثر النقل عن الفراء وأبي عبيدة والزجاج ونحوهم من أئمة اللغة. قال في قوله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ (٥): وانتصبت ﴿يتوب﴾ لأن ﴿أو﴾ عاطفة على قوله ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم﴾ (٦) وقيل ﴿أو﴾ هي التي تأتي بمعنى: حتى، في مثل قولك: لأدعون أو يستجاب لي. وليس بجيد لأن ذلك يقتضي نفي ملك الأمر عن الرسول ﷺ إلى غاية وأمد، وقوله سبحانه ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ (٧) تأكيد بيان لانفراده سبحانه بملك الخلق والأمر. وفي تفسير قوله ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ (٨) تكلم عن اللبس لغويا وفسر الآية بناء عليه. وهو يطنب في المسائل اللغوية ويستدل بالشعر،

стр. 632

وقلما تخلو صفحة من بيت شعر أو أكثر، ومن ذلك قوله: وسمي الدعاء عبادة لتذلل الداعي، والطريق المعبد هو الذي ذلل بالوطىء، والإبل إذا جربت عبدت جلودها بالهناء (١) قال الشاعر: . . . . . . . . ... وأقردت أقراد البعير المعبد وقوله: وأصل ﴿نستعين﴾ نستعون أي نسأل العون فنقلت كسرة الواو إلى العين فسكنت الواو وانقلبت لسكونها وانكسار ما قبلها ياء. ويقول: ومن صنوف الفصاحة تقلب وجه الخطاب بين لفظي الغيبة والحضور قال الشاعر: يالهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر وأطال في بيان لغويات الهدى واستشهد لبعض معانيه بقول الشاعر: . . . . . . . . ... وهادية الصوار قوامها قال: والصوار القطيع من بقر الوحش ويقول: وقال جرير: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموراد مستقيم ومن ذلك قوله في معنى "آمين": يارب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا وهو يكثر من الرجز كقوله في تفسير ﴿رزقوا منها من ثمرة رزقا﴾ (٢): شبهت بالفاروق فافرق فرقه ... وارزق عيال المسلمين رزقه وقد تكلم عن الحروف التي في أوائل السور وعن موقعها من الإعراب وفائدتها في بداية سورة البقرة. ومن كلامه عن وقوع المعرب في القرآن قال: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ (٣) والقناطير جمع قنطار، فزعموا أنه بلسان الروم: ألف دينار، ولا ينكر توافر اللغتين في كلمات، ولا أعتقد أن في القرآن كلمة فما فوقها ليست عربية سوى الأسماء الأعلام العجمية، وإن صح أن العرب نطقت بكلمات من غير لغتها وفشا استعمالهم إياها فقد صارت بذلك الاستعمال الفاشي كلاما للعرب.

стр. 633

ومن الفضول اللغوي ما ذكره تحت قوله تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم﴾ (١) قال: فصل: أبو عبيدة يقول أن "إذ" و "إذا" من الكلمات التي تزاد صلة ... فذكر فصلاً مستقلاً في ذلك. وبعد أن ذكر حديث هرقل وكتاب النبي ﷺ له قال: تفسير ألفاظ من هذا الحديث ... فذكر حوالي ست صفحات في تفسير بعض ألفاظه. تاسعا: موقفه من القراءات (٢): المصنف من المهتمين بالقراءات وتوجيهها وكما قدمنا نجده يفرد بابا للقراءات فيقول: ذكر القراءات فيتكلم عنها وعن توجيهها، وقد بين شيئا من منهجه في ذلك فقال عند قوله تعالى ﴿بارئكم﴾ (٣): ولم أتعرض في هذا الكتاب غالبا لبيان أصولهم في التغليظ والترقيق والإدغام والإظهار والغنة والهمز والمد والإضجاع والوقف وإنما أودعته مالا يسع المفسر الجهل به في التلاوة. أ. هـ وليس الأمر كما قال، فقد استفاض في أمور يسع المفسر جهلها لعدم تعلقها بمعاني القرآن البتة وسوف يأتي شيء من ذلك. قال: قرأ قنبل عن ابن كثير ﴿السراط﴾ (٤) و ﴿سراط﴾ (٥) بالسين حيث كان وقرأ خلف عن سليم عن حمزة بإشمام الزاي حيث كان، ووافقه خلاد عن سليم عن حمزة، وقرأ الباقون بالصاد المحضة حيث كان. وقال: قرأ حمزة وحده ﴿عليهم﴾ (٦) و ﴿إليهم﴾ (٧) و ﴿لديهم﴾ (٨) بضم الهاء منهن خاصة حيث كن وبكسر الهاء من غيرهن ... قال الفراء: لأن الأصل في هذه الهاء من عليهم وإليهم ولديهم؛ الضم في قولك: هم. وهذا صحيح لكن تلزم المحافظة على ذلك فيما أشبه هذه الكلمات ... وذكر فصلا طويلا وتكلم عن الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وسكت يزيد بن القعقاع عليها وأردف ذلك بتوجيه القراءات الواردة في هذه الآيات. ويقول: قرأ اليزيدي عن أبي عمرو ﴿بارئكم﴾ (٩)

стр. 634

بإختلاس كسرة الهمزة وروى شجاع عنه إسكان الهمزة وحقق كسرتها الباقون ولو اضطر قارئ إلى الوقوف عليها لهمزها إلا على طريقة حمزة فيقف عليها بغير همز على ما أصله. ومن تفريعاته في القراءات قوله: حكى الحلواني وحده عن قالون إسكان هاء ﴿أن يملَّ هْوَ﴾ (١) وهو يذكر الشواذ وغيرها مثل قوله: وقرأ قتادة "مثوبة" (٢) بإسكان الثاء وفتح الواو وهو الأصل وهي لغة فيها وفي أشباهها. وفي قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ (٣) قال: وقرأ عمر كرمه الله وابن مسعود "القيَّام". وربما حمل على بعض القراءات المتواترة ومن ذلك قوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم﴾ (٤) قال: قرأ هشام عن ابن عامر ﴿إبراهام﴾ (٥) بألف وهو مذكور في هذه السورة خمس عشرة مرة، وهذه القراءة تنسب إلى عبد الله بن الزبير وهي شاذة، ولم يشتهر بها في قراءة ولا سنة نبوية ولا في أثر صحابي نقل. ومن مواضع توجيهه للقراءات لغويا قوله: قرأ عاصم وحده ﴿تجارةً حاضرةً﴾ (٦) فنصبها لأن التقدير عنده إلا يكون المال تجارة، ورفعها سائرهم لأنهم جعلوا كان بمعنى حدث. عاشرا: موقفه من الفقه (٧): يلاحظ على المؤلف ميله لمذهب مالك كسائر أهل المنطقة وهو ينقل عن غيره ولا يلمح في كلامه روح التعصب المذهبي، كما أنه ربما استطرد استطرادا عجيبا في بعض المسائل الفقهية على الرغم من كون تفسيره

стр. 635

لا يصنف ضمن التفاسير الفقهية، ومن الأمثلة على ماذكرت: قوله في البسملة: ويختار ترك قراءتها في أول الفاتحة وغيرها من السور سرا وجهرا في الصلوات المكتوبة خاصة، ثم ذكر حجته والخلاف، ثم تكلم عن وجوب قراءة الفاتحة. وفي قتل الساحر قال: وعن المدني ﵀ أن الساحر الذي وصفت كافر بسحره على الإطلاق وإن تظاهر بالإسلام وادعى أنه لا يستحله كالزنديق، فيقتل من غير أن يستتاب، فإن كان كافرا ذميا؛ فقد اختلفت الرواية عنه فيه فقال مرة: يقتل ولايستتاب كالساحر المسلم، وقال مرة: يستتاب وتوبته إسلامه. وعند آيات تحويل القبلة تطرق إلى حكم الصلاة داخل الكعبة واستدل لمالك. ومن مواضع إطالته الكلام أحيانا بما يخرج عن حد التفسير: في تفسير قوله تعالى ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات﴾ (١) أطال الكلام في الكلمات التي أمر بها إبراهيم ﵇، واستطرد إلى السنة في حلق العانة وقص الشارب ونحو ذلك. وفي قوله ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (٢) استنبط من الآية عصمة الأنبياء عن الظلم وعدم صحة الإمامة للظالم قال: وينتظم ذلك الإمامة في حملة الكتاب والسنة والقضاء والفتيا والصلاة، على تفصيل في الظلم الذي ليس بشرك ... الخ وفي تحريم الميتة قال: من العلماء من قال: لا يجوز لغير المضطر أن ينتفع من الميتة بشيء لأن التحريم جاء فيها مطلقا لا مجملا ... .إلى أن قال وهو قول مالك ﵀ وأجراه في جميع وجوه الانتفاع بالميتة وبكل نجس حتى قال: لا يطعم الكلب المقتنى لحم الميتة ولا يسقى الزرع بالماء النجس ... .. الخ واختلف أصحاب مالك في طهارة الزيت النجس إذا غسل واختلف قوله في طهارة اللحم إذا أصابته نجاسة في حال الطبخ ... الخ كما استفاض كثيرا عند حكم الإيلاء، وذكر مسائل منها: أن رجلا حلف ألا يطأ امرأته حتى يفطم ولده فلم ير علي ذلك إيلاء وأن مالكا عمل بذلك. كما عقد فصلا عند الكلام على العدة فقال: فصل: تجب العدة على المطلقة بمجرد الخلوة عند مالك وفي أظهر قولي الشافعي ... .. الخ
следующие страницы →