← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

يذكر غير هذا القول في تفسير الآية. وفي قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم﴾ (١) ذكر قصتهم مع نبيهم حزقيل عن وهب بن منبه، وبعضها عن مقاتل. وذكر فصلا مستقلا بعد أن فسر الآيات المتعلقة بطالوت فقال: ذكر قصة التابوت وتمليك طالوت وقتل داود جالوت فقال: قال الطبري وغيره ... فذكر أكثر من ثمان صفحات في ذلك. وكذا في قوله تعالى ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ (٢) قال: ذكر ما قاله المفسرون في القصة ... فذكر فصلا مستقلا فيها حوالي سبع صفحات. وفي قوله ﴿كلما دخل عليها زكريا المحراب﴾ (٣) قال: ذكر القصة: كانت حنة بنت فاقود علت في السن ... الخ وذكر فصلا قال فيه: ذكر جمل من أمر زكريا ويحيى ﵉ ... فنقل فيه عن ابن إسحق وغيره حوالي ست صفحات. ثامنا: موقفه من اللغة (٤): وأما موقفه من اللغة فقد قدمنا أن تفسيره يعد من التفاسير اللغوية لأن الصناعة اللغوية تغلب عليه. وهو يكثر النقل عن الفراء وأبي عبيدة والزجاج ونحوهم من أئمة اللغة. قال في قوله تعالى ﴿ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم﴾ (٥): وانتصبت ﴿يتوب﴾ لأن ﴿أو﴾ عاطفة على قوله ﴿ليقطع طرفا من الذين كفروا أو يكبتهم﴾ (٦) وقيل ﴿أو﴾ هي التي تأتي بمعنى: حتى، في مثل قولك: لأدعون أو يستجاب لي. وليس بجيد لأن ذلك يقتضي نفي ملك الأمر عن الرسول ﷺ إلى غاية وأمد، وقوله سبحانه ﴿ولله ما في السموات وما في الأرض﴾ (٧) تأكيد بيان لانفراده سبحانه بملك الخلق والأمر. وفي تفسير قوله ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾ (٨) تكلم عن اللبس لغويا وفسر الآية بناء عليه. وهو يطنب في المسائل اللغوية ويستدل بالشعر،

стр. 632

وقلما تخلو صفحة من بيت شعر أو أكثر، ومن ذلك قوله: وسمي الدعاء عبادة لتذلل الداعي، والطريق المعبد هو الذي ذلل بالوطىء، والإبل إذا جربت عبدت جلودها بالهناء (١) قال الشاعر: . . . . . . . . ... وأقردت أقراد البعير المعبد وقوله: وأصل ﴿نستعين﴾ نستعون أي نسأل العون فنقلت كسرة الواو إلى العين فسكنت الواو وانقلبت لسكونها وانكسار ما قبلها ياء. ويقول: ومن صنوف الفصاحة تقلب وجه الخطاب بين لفظي الغيبة والحضور قال الشاعر: يالهف نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر وأطال في بيان لغويات الهدى واستشهد لبعض معانيه بقول الشاعر: . . . . . . . . ... وهادية الصوار قوامها قال: والصوار القطيع من بقر الوحش ويقول: وقال جرير: أمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموراد مستقيم ومن ذلك قوله في معنى "آمين": يارب لا تسلبني حبها أبدا ... ويرحم الله عبدا قال آمينا وهو يكثر من الرجز كقوله في تفسير ﴿رزقوا منها من ثمرة رزقا﴾ (٢): شبهت بالفاروق فافرق فرقه ... وارزق عيال المسلمين رزقه وقد تكلم عن الحروف التي في أوائل السور وعن موقعها من الإعراب وفائدتها في بداية سورة البقرة. ومن كلامه عن وقوع المعرب في القرآن قال: ﴿والقناطير المقنطرة﴾ (٣) والقناطير جمع قنطار، فزعموا أنه بلسان الروم: ألف دينار، ولا ينكر توافر اللغتين في كلمات، ولا أعتقد أن في القرآن كلمة فما فوقها ليست عربية سوى الأسماء الأعلام العجمية، وإن صح أن العرب نطقت بكلمات من غير لغتها وفشا استعمالهم إياها فقد صارت بذلك الاستعمال الفاشي كلاما للعرب.

стр. 633

ومن الفضول اللغوي ما ذكره تحت قوله تعالى ﴿وإذ قالت الملائكة يا مريم﴾ (١) قال: فصل: أبو عبيدة يقول أن "إذ" و "إذا" من الكلمات التي تزاد صلة ... فذكر فصلاً مستقلاً في ذلك. وبعد أن ذكر حديث هرقل وكتاب النبي ﷺ له قال: تفسير ألفاظ من هذا الحديث ... فذكر حوالي ست صفحات في تفسير بعض ألفاظه. تاسعا: موقفه من القراءات (٢): المصنف من المهتمين بالقراءات وتوجيهها وكما قدمنا نجده يفرد بابا للقراءات فيقول: ذكر القراءات فيتكلم عنها وعن توجيهها، وقد بين شيئا من منهجه في ذلك فقال عند قوله تعالى ﴿بارئكم﴾ (٣): ولم أتعرض في هذا الكتاب غالبا لبيان أصولهم في التغليظ والترقيق والإدغام والإظهار والغنة والهمز والمد والإضجاع والوقف وإنما أودعته مالا يسع المفسر الجهل به في التلاوة. أ. هـ وليس الأمر كما قال، فقد استفاض في أمور يسع المفسر جهلها لعدم تعلقها بمعاني القرآن البتة وسوف يأتي شيء من ذلك. قال: قرأ قنبل عن ابن كثير ﴿السراط﴾ (٤) و ﴿سراط﴾ (٥) بالسين حيث كان وقرأ خلف عن سليم عن حمزة بإشمام الزاي حيث كان، ووافقه خلاد عن سليم عن حمزة، وقرأ الباقون بالصاد المحضة حيث كان. وقال: قرأ حمزة وحده ﴿عليهم﴾ (٦) و ﴿إليهم﴾ (٧) و ﴿لديهم﴾ (٨) بضم الهاء منهن خاصة حيث كن وبكسر الهاء من غيرهن ... قال الفراء: لأن الأصل في هذه الهاء من عليهم وإليهم ولديهم؛ الضم في قولك: هم. وهذا صحيح لكن تلزم المحافظة على ذلك فيما أشبه هذه الكلمات ... وذكر فصلا طويلا وتكلم عن الحروف المقطعة في أول سورة البقرة وسكت يزيد بن القعقاع عليها وأردف ذلك بتوجيه القراءات الواردة في هذه الآيات. ويقول: قرأ اليزيدي عن أبي عمرو ﴿بارئكم﴾ (٩)

стр. 634

بإختلاس كسرة الهمزة وروى شجاع عنه إسكان الهمزة وحقق كسرتها الباقون ولو اضطر قارئ إلى الوقوف عليها لهمزها إلا على طريقة حمزة فيقف عليها بغير همز على ما أصله. ومن تفريعاته في القراءات قوله: حكى الحلواني وحده عن قالون إسكان هاء ﴿أن يملَّ هْوَ﴾ (١) وهو يذكر الشواذ وغيرها مثل قوله: وقرأ قتادة "مثوبة" (٢) بإسكان الثاء وفتح الواو وهو الأصل وهي لغة فيها وفي أشباهها. وفي قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو الحي القيوم﴾ (٣) قال: وقرأ عمر كرمه الله وابن مسعود "القيَّام". وربما حمل على بعض القراءات المتواترة ومن ذلك قوله: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم﴾ (٤) قال: قرأ هشام عن ابن عامر ﴿إبراهام﴾ (٥) بألف وهو مذكور في هذه السورة خمس عشرة مرة، وهذه القراءة تنسب إلى عبد الله بن الزبير وهي شاذة، ولم يشتهر بها في قراءة ولا سنة نبوية ولا في أثر صحابي نقل. ومن مواضع توجيهه للقراءات لغويا قوله: قرأ عاصم وحده ﴿تجارةً حاضرةً﴾ (٦) فنصبها لأن التقدير عنده إلا يكون المال تجارة، ورفعها سائرهم لأنهم جعلوا كان بمعنى حدث. عاشرا: موقفه من الفقه (٧): يلاحظ على المؤلف ميله لمذهب مالك كسائر أهل المنطقة وهو ينقل عن غيره ولا يلمح في كلامه روح التعصب المذهبي، كما أنه ربما استطرد استطرادا عجيبا في بعض المسائل الفقهية على الرغم من كون تفسيره

стр. 635

لا يصنف ضمن التفاسير الفقهية، ومن الأمثلة على ماذكرت: قوله في البسملة: ويختار ترك قراءتها في أول الفاتحة وغيرها من السور سرا وجهرا في الصلوات المكتوبة خاصة، ثم ذكر حجته والخلاف، ثم تكلم عن وجوب قراءة الفاتحة. وفي قتل الساحر قال: وعن المدني ﵀ أن الساحر الذي وصفت كافر بسحره على الإطلاق وإن تظاهر بالإسلام وادعى أنه لا يستحله كالزنديق، فيقتل من غير أن يستتاب، فإن كان كافرا ذميا؛ فقد اختلفت الرواية عنه فيه فقال مرة: يقتل ولايستتاب كالساحر المسلم، وقال مرة: يستتاب وتوبته إسلامه. وعند آيات تحويل القبلة تطرق إلى حكم الصلاة داخل الكعبة واستدل لمالك. ومن مواضع إطالته الكلام أحيانا بما يخرج عن حد التفسير: في تفسير قوله تعالى ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات﴾ (١) أطال الكلام في الكلمات التي أمر بها إبراهيم ﵇، واستطرد إلى السنة في حلق العانة وقص الشارب ونحو ذلك. وفي قوله ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ (٢) استنبط من الآية عصمة الأنبياء عن الظلم وعدم صحة الإمامة للظالم قال: وينتظم ذلك الإمامة في حملة الكتاب والسنة والقضاء والفتيا والصلاة، على تفصيل في الظلم الذي ليس بشرك ... الخ وفي تحريم الميتة قال: من العلماء من قال: لا يجوز لغير المضطر أن ينتفع من الميتة بشيء لأن التحريم جاء فيها مطلقا لا مجملا ... .إلى أن قال وهو قول مالك ﵀ وأجراه في جميع وجوه الانتفاع بالميتة وبكل نجس حتى قال: لا يطعم الكلب المقتنى لحم الميتة ولا يسقى الزرع بالماء النجس ... .. الخ واختلف أصحاب مالك في طهارة الزيت النجس إذا غسل واختلف قوله في طهارة اللحم إذا أصابته نجاسة في حال الطبخ ... الخ كما استفاض كثيرا عند حكم الإيلاء، وذكر مسائل منها: أن رجلا حلف ألا يطأ امرأته حتى يفطم ولده فلم ير علي ذلك إيلاء وأن مالكا عمل بذلك. كما عقد فصلا عند الكلام على العدة فقال: فصل: تجب العدة على المطلقة بمجرد الخلوة عند مالك وفي أظهر قولي الشافعي ... .. الخ

стр. 636

كما أطال الكلام عن الخلع وهل هو طلاق أم لا؟ وعن الطلاق ثلاثا ونحو ذلك من أحكام الطلاق. وأطال الحديث عن الذي بيده عقدة النكاح، وعن ولاية الأب على ابنته، وعن الصلاة الوسطى. كما أطال الكلام عن الربا وذكر ربا الفضل وتفرع إلى تفريعات دقيقة فيه فحكى مذهب الشافعي في إلحاق كل مطعوم للتغذي أو للتأدم أو للتداوي أو للتفكه وقال والتحق بها الأدهان والزعفران والطين الأرميني والطين الذي يأكله بعض الناس لشهوة ودهن البنفسج ... .الخ وهو يتعرض للأصول أحيانا ويرى جواز النسخ ومن ذلك قوله في قصة بقرة بني إسرائيل: قال ابن عباس: لو ذبحوا أي بقرة ذبحوا لأجزت عنهم ولكن شددوا فشدد الله عليهم. قال: وفي هذا شهادة لجواز النسخ قبل فعل المأمور بفعله لأن طاعة الأمر كانت تحصل منهم بذبح أي بقرة شاءوا، ثم نسخ ذلك بإلزامهم ذبح بقرة مخصوصة بأوصاف مخصوصة. كما استنبط منها أيضا أن امتثال الأمر يحصل بفعل أقل ما يقع عليه الاسم إذا كان المأمور به غير موصوف ولا محدود قال: وفيها أن الأمر الذي لم يخصص بزمان معين لا يلزم حمله على الفور لأنهم أخروا فعل ما أمروا بفعله حتى راجعوا في الخطاب. وفيها أن الأمر إذا لم يقترن به ما يدل على الندب أو الاستحباب لزم حمله على الوجوب، ولا يخفى أن قوله: اذبحوا بقرة عري عن القرائن. وقد تكلم عن النسخ فأطال وذكر بعض الآيات التي دخلها النسخ مثل: قوله تعالى ﴿فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت﴾ (١) وقوله ﴿والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم﴾ (٢) وقوله ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون﴾ (٣) ورد على اليهود في إنكارهم النسخ بوقوعه عندهم وذكر أمثلة على ذلك. ويقول في قوله تعالى ﴿لا إكراه في الدين﴾ (٤) والنسخ تعطيل للمنسوخ فلا يصار إليه إلا بحديث نبوي وعند عدم المروي عن بعض السلف بما فيه مندوحة عن القضاء بالنسخ على الكلمة المنزلة وعند امتناع الجمع بين ما قيل إنه ناسخ وما قيل إنه منسوخ. والمصنف لا يعتبر في تفسيره هذا مجرد جامع أو ناقل ومهذب بل

стр. 637

تظهر شخصيته في ترجيحه بين الأقوال ومن مواضع ترجيحه في تفسير قوله تعالى ﴿وسيدا وحصورا﴾ (١) قال وقال عكرمة: ... وأما الحصور: الذي لا يأتي النساء. وتبعه في هذا مجاهد وقتادة وابن جبير والضحاك وعطية العوفي وغيرهم، وروي عنه أيضا أنه قال: الحصور: الذي لا ينزل الماء. ويشبه هذا قول الربيع بن أنس: الحصور: هو الذي لا يولد له. قال: والتفسير الأول أصح بالقبول لحديث رواه سعيد بن المسيب عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "ما من عبد يلقى الله تعالى إلا ذا ذنب إلا يحيى بن زكريا فإن الله تعالى يقول: ﴿وسيدا وحصورا﴾ (٢) " قال: "وإنما كان ذكره مثل هدبة الثوب ". (٣) ولما حسمت عنه شهوة النساء سلم من الذنوب، ومن نقب عن أسباب أكثر الذنوب عرف أنها متصلة بالرغبة في النساء على قرب وبعد. ولم يتعرض المصنف للمواعظ والآداب فيما وقفت عليه من تفسيره، إلا بطريقة غير مباشرة كما تقدم في كلامه السابق. ونظرا لتقدمه لا نجد في كلامه ذكرا للعلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية ونحو ذلك مما ظهر في تفاسير المتأخرين. هذا وقد ذكر الفايز في رسالته بعض المزايا التي تميز بها تفسير ابن ظفر وبعض المآخذ التي أخذت عليه (٤) وسوف أجملها في ما يلي:

стр. 638

أولا: المزايا: - يهتم بالمأثور - يهتم باللغة - يهتم بآيات الأحكام - يهتم بعلوم القرآن ثانيا: المآخذ: - ... مخالفته لأهل السنة وشتمه لهم. - عدم تمحيص الروايات. - إهماله لمذهب أبي حنيفة وأحمد. - كثرة الإسرائيليات.

стр. 639

تفسير ابن بزيزة من خلال كتابه البيان والتحصيل مؤلف هذا التفسير هو أبو محمد عبد العزيز بن إبراهيم ابن بزيزة المالكي الصوفي ت ٦٦٢ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بتونس وتوفي بها (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى "البيان والتحصيل المطلع على علوم التنزيل" من التفاسير المخطوطة الناقصة وقد رجعت إلى نسخة على الميكروفيلم بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية وهي مصورة عن نسخة مكتبة القرويين وتقع في١٤٠ورقة غير مرقمة وتبدأ من قوله تعالى ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ (٢) من سورة القصص إلى سورة محمد وفيها سقط في الوسط وخلط شديد مع سوء في الخط. وعلى آخر لوحة من القسم الثاني من الكتاب جاء قوله: كمل السفر ... . من تفسير القرآن العظيم المسمى بالبيان والتحصيل المطلع على علوم التنزيل الجامع بين الزمخشري وابن عطية وكان الفراغ من نسخه من أصل مؤلفه في بوم الأحد الرابع والعشرين من شهر المحرم عام ستة عشر وسبعمائة مؤلف هذا الكتاب هو الشيخ عبد العزيز بن إبراهيم بن أحمد القرشي التميمي التونسي عرف بابن بزيزة ... كان ﵀ خيرا صوفيا وعالما فقيها جليلا ... وذكر بعض مؤلفاته وينتهي هذا القسم عند قوله: قوله ﴿ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة﴾ (٣).

стр. 640

المنهج العام للتفسير: إن تفسير البيان والتحصيل تفسير متسع للقرآن جمع فيه مؤلفه المشكلات بين تفسيري ابن عطية والزمخشري ومن الأمثلة على نقله عنهما قوله: قال تعالى ﴿لما أنزلت إلي من خير فقير﴾ (١) قال ابن عطية: اتفق جميع المفسرين على أنه طلب في هذا المقام مايأكله ولم يصرح بذلك ... (٢) قال الزمخشري: فإن قلت كيف ساغ لنبي الله شعيب أن يرضى لابنتيه بسقي الماشية؟ قلت: الأمر في نفسه ليس بمحظور، فالدين لا يأباه، وأما المروءة فالناس مختلفون في ذلك والعادات متباينة فيه، وأحوال العرب فيه خلاف أحوال العجم ومذهب أهل البدو فيه غير مذهب أهل الحضر خصوصا إذا كانت الحالة حالة ضرورة (٣). وهو يعتبر تفسيرا جامعا يقطتف من كل بستان زهرة دون تركيز على اتجاه معين وإن ظهر منه شيء من الاستطراد في بعض الفقهيات. وهو يبدأ بقوله سورة كذا ثم يذكر جملة من آياتها ثم يشرع في التفسير وذلك مثل قوله: سورة العنكبوت مكية قوله: ﴿الم أحسب الناس أن يتركوا﴾ (٤) إلى أول الحزب ... الخ المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: لا يهتم بعد الآي ولا بالوقوف ولا المناسبات ويبدأ التفسير بقوله سورة كذا ويذكر مكية أم مدنية ومن ذلك قوله: تفسير سورة القتال ... اختلفوا هل هي مكية أو مدنية فقال مجاهد: مدنية، وقال الضحاك: مكية وهو قول ابن جبير كذا نقله الزمخشري وقال ابن عطية: هي مدنية بإجماع غير أن بعض الناس قال في قوله تعالى ﴿وكأين من قرية﴾ (٥) أنها نزلت بمكة في وقت دخول النبي ﵇ عام الفتح أو سنة الحديبية وما كان مثل هذا فهو معدود في المدني لأن المراعاة في ذلك إنما هو ما كان قبل الهجرة أو بعدها (٦).

стр. 641

ثانيا: موقفه من العقيدة: وهو يتعرض لبعض مسائل الاعتقاد فمن ذلك تعقبه للزمخشري في قوله ﴿إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾ (١) حيث قال الزمخشري: ﴿جعلناه﴾ بمعنى صيرناه معدى إلى المفعولين أو المعنى خلقناه معدى للواحد كقوله ﴿وجعل الظلمات والنور﴾ (٢) ونحوه. قال المؤلف عفا الله عنه: هذا فاسد لأن القرآن ليس بمخلوق (٣) كما تقرر في قواعد علم الكلام لاستحالة قيام الحوادث بذات الله سبحانه لما يلزم من حدوثه تقدير قبول الذات العليا لقيام الحوادث. فالذي لا يصح غيره؛ أن الجعل هنا بمعنى ... (٤) والحكم والإنزال ... وهذه من غلطاته الشنيعة التي هي عند أهل السنة آيلة إلى الجهل بصفات الله سبحانه وقد اختلفوا في تكفير من جهل الصفات كما بسطناه في موضعه. ومن استطراداته ماذكره في قوله تعالى ﴿ياأيها النبي إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا﴾ (٥) قال: قال العلماء: والنبي إذا عظم قدره عظمت أسماؤه. قال بعض الصوفية: لله ألف اسم، وللنبي ﵇ ألف اسم. قال القاضي أبو بكر بن العربي: فأما أسماء الله فهذا العدد حقير فيها ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي﴾ (٦) وأما أسماء النبي ﷺ فالمعلوم منها سبعة وستون اسما وهي النبي الرسول الرشيد المصدق ... الخ فذكرها كلها. أقول: وجلها لا اعتبار له ولا صحة وقد قال ﷺ : "لي خمسة أسماء؛ أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي وأنا العاقب" (٧) كما في الصحيح وجاء النص على بعض الأسماء زيادة على تلك الخمسة أرى أن الاقتصار عليها

стр. 642

أولى (١) وجعل بعض الصفات أسماء أمر توسعي ظاهر يشترك فيه جمل من الناس. على أنه قد أوصل البعض أسماءه ﷺ إلى تسعة وتسعين اسما ذكروها في كتاب (٢) وكذا أوصلوا أسماء عبد القادر الجيلاني!! (٣) والآية التي نقلها عن ابن العربي لا حجة فيها على موضوعنا، وقد ثبت في الصحيح قوله ﷺ : "إن لله تسعة وتسعين اسما من أحصاها دخل الجنة" (٤). وقد تعب العلماء في حصرها، والزيادة التي وردت في الحديث في تعيينها مدرجة لا تصح. (٥) ومن مواضع تأثر ابن بزيزة باتجاهه الصوفي: قوله: ﴿عسى ربي أن يهديني سواء السبيل﴾ (٦): وهذه الآية أصل المتوكلين في الخروج بغير زاد ولأنه خرج حافيا خائفا بغير زاد ولا دراهم قالوا: ولم يكن له طعام إلا ورق الشجر. أقول: وهذا الكلام فيه نظر من وجوه: أولا: نفس الاستدلال فإن الآية ليس فيها أنه خرج من غير زاد ولا دراهم وإنما هذا مما نقل من أخبار لا زمام لها، ثم إن موسى ﵇ لو سلم بما نقل - كان قد خرج خائفا وفي عجلة من أمره وفي هذا مدعاة لترك الجهاز وليس ذلك من التوكل في شيء، ثم إنه لو صح أنه خرج بدون زاد بنية التوكل لم يكن في ذلك حجة لأن موسى ﵇ لم يكن نبئ بعد، ولم يَعْدُ تصرفه أن يكون سلوكا خاصا لا شرعا، وأخيرا لو كان كل ذلك متحققا لما كان فيه دليل لأنه شرع سابق عارضه شرعنا وننتقل بذلك للنقطة التالية. ثانيا: قد ثبت في الصحيح في سبب نزول قوله تعالى ﴿وتزودوا فإن

стр. 643

خير الزاد التقوى﴾ (١) مايرد ذلك حيث نزلت في أهل اليمن الذين كانوا يحجون ولا يتزودون (٢). فما ذكره مخالف لشريعتنا، ولو لم يكن مخالفا لكان في الاستدلال به نظر للخلاف المشهور بين الأصوليين هل شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ (٣). ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: لا يُلحظ في القسم الذي وقفت عليه من الكتاب اهتمام كبير من المؤلف بهذا الجانب، وربما كان ذلك لكونه متتبعا لغيره ناقلا عنه ثم محللا، ومن مواضع تفسيره للقرآن بالقرآن قوله ﴿إنا أنزلناه﴾ (٤) الضمير عائد على القرآن ﴿في ليلة مباركة﴾ اختلفوا في هذه الليلة المرادة فقيل: ليلة القدر، وقيل: ليلة النصف من شعبان، والأول أصح لقوله سبحانه ﴿إنا أنزلناه في ليلة القدر﴾ (٥) وفي قوله ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ (٦). رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: قال في قوله تعالى ﴿وما يهلكنا إلا الدهر﴾ (٧): وعن أبي هريرة عن النبي ﷺ : "كان أهل الجاهلية يقولون إنما يهلكنا الليل والنهار فقال الله : يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر؛ أقلب الليل والنهار" (٨). وقد أطال تحت قوله ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم﴾ (٩) في الكلام على ليلة النصف من شعبان وفضلها وأن ماء زمزم فيها يحلو وكذا ماء البحر وذكر فيها آثارا وأحاديث في قيامها وصيامها وفضلها منها قوله وروي عن عثمان عن النبي ﷺ قال: "تقطع الآجال من السنة إلى السنة في ليلة النصف من شعبان" (١٠). وهذا كله على الرغم من أنه صدر

стр. 644

كلامه عنها بقول الحافظ أبي بكر ابن العربي: من قال إنها ليلة النصف من شعبان فهو باطل ولم يثبت في ليلة النصف من شعبان حديث يعول عليه في فضلها ولا في نسخ الآجال فيها. وهو يذكر أسباب النزول ومن ذلك قوله: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ماعاهدوا الله عليه﴾ (١) قال أنس: غاب عمي أنس ابن النضر ... عن بدر ... وقال: غبت عن أول مشهد شهده رسول الله ﷺ ... فذكر الحديث في مقتله بأحد بعد بلاء شديد وقال: فما عرفناه حتى عرفته أخته ببنانه ونزلت ﴿من المؤمنين رجال ...﴾ قال: وكنا نقول نزلت هذه الآية فيه وفي أصحابه (٢). وهو يتعرض لفضائل السور والآيات غير مبال بالرواية هل هي صحيحة أم ضعيفة أم موضوعة: قال في آخر الأحقاف: روي عن ابن عباس (٣) أنه قال: إذا عسر على المرأة الطلق فليكتب هاتين الآيتين والكلمتين في صحيفة ثم تغسل وتسقى منها وهي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لاإله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات ورب العرش العظيم ﴿كأنهم يوم يرونها لم يلبثوا إلا عشية أو ضحاها﴾ (٤) ﴿كأنهم يوم يرون مايوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾ (٥) صدق الله العظيم. وعن رسول الله ﷺ : "من قرأ سورة الأحقاف كتب له عشر حسنات بعدد كل رملة في الدنيا" (٦).

стр. 645

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: وهو يهتم بهذا الجانب ومن ذلك قوله: ﴿ولما توجه تلقاء مدين﴾ (١) ... وكان موسى ﵇ لا يعرف الطريق إليها قال ابن عباس: خرج وليس له علم بالطريق إلا حسن ظنه بربه. وعن ابن مسعود: أفرس الناس ثلاثة بنت شعيب وصاحبة فرعون في قولها ﴿عسى أن ينفعنا﴾ (٢) وأبو بكر في عمر. ﴿سواء السبيل﴾ (٣) ... قال الحسن: أراد سبيل الهدى. وقال مجاهد: أراد طريق مدين. وقال ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ (٤) ... وعن ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة (٥). خامسا: موقفه من السيرة وذكر الغزوات: وعلى الرغم من كون القسم الذي اطلعت عليه من التفسير قسما محدودا وفيه سقط فقد وقفت على عدة نقول نقلها المصنف من سيرة ابن هشام وغيرها فيما يتعلق بأحداث السيرة والغزوات فمن ذلك: تحت قوله تعالى ﴿إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم﴾ (٦) ذكر قصة النبي ﷺ مع ابن الزبعرى. وذكر تحت قوله تعالى ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن﴾ (٧) قضية اللقاء بين النبي ﷺ وبين الجن فقال: اختلف السلف في هذه القضية في مواطن؛ الأول: هل كان عند النبي ﵇ علم بوفود الجن عليه أم لا ... الخ. الموطن الثاني: الاختلاف في عددهم ... الخ. الموطن الثالث: هل حضر ابن مسعود ليلة الجن أم لا؟ ... الخ. كما ذكر من قتل من الكفار صبرا يوم بدر تحت قوله تعالى ﴿فإما منا بعد وإما فداء﴾. (٨) وتحت قوله تعالى ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل﴾ (٩) قال: وفي حديث أنس جاء عبد الله إلى النبي ﷺ قدمه المدينة فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي: ما أول أشراط الساعة؟ ... الخ الحديث. (١٠)

стр. 646

سادسا: موقفه من الإسرائيليات: يتعرض لها أحيانا ومن ذلك قوله تحت آية ﴿قالت إن أبي يدعوك﴾ (١): واختلف أهل الآثار في قائلة هذا القول هل هي الصغرى أو الكبرى؟ وكانت الكبرى تسمى صفيرا والصغرى صبيرا (٢) وكذلك اختلفت الآثار هل زوجه الصغرى أو الكبرى؟ فروي عن النبي ﷺ أنه زوجه الصغرى ذكره الثعلبي وغيره (٣) وفي كتاب النقاش: كانتا توأمين ولدت إحداهما قبل الأخرى بنصف نهار. وقال: ﴿ولما توجه تلقاء مدين﴾ (٤) هي قرية شعيب سميت بمدين بن إبراهيم ولم تكن في سلطان فرعون وبينها وبين مصر مسيرة ثمان ... وقيل: خرج حافيا لا يعيش إلا بورق الشجر فما وصل حتى سقط خف قدمه ... ويقال: إن الله تعالى بعث إليه ملكا يسدده الطريق وأعطاه عصاه التي كانت فيها الآيات والصحيح أن العصا إنما أخذها من عند شعيب. سابعا: موقفه من اللغة: وهو يتعرض للنحويات والإعراب ومن ذلك: قوله: ﴿أو من ينشأ في الحلية﴾ (٥) أجازوا في محل ﴿من﴾ وجهين في قوله ﴿أو من ينشأ﴾ أحدهما أن تكون في محل نصب مفعول بفعل مضمر يدل عليه جعلوا تقديره: أو من ينشأ في الحلية جعلتم أو اتخذتم ونحوه مما يقتضي المعنى ... والثاني أن يكون في محل رفع بالابتداء والتقدير: أو من ينشأ في الحلية من الذي خصصتم به الله سبحانه ... الخ. وقال: ﴿أجر ماسقيت لنا﴾ (٦) أي جزاء سقيك لنا "وما" مصدرية ... وعندما ذكر حديث: وأنا الدهر تحت قوله تعالى ﴿ومايهلكنا إلا الدهر﴾ (٧) قال: فيه روايتان

стр. 647

وأنا الدهر على الابتداء والخبر ونصب الدهر على الظرف وخبر المبتدأ الذي هو أنا؛ الجملة بعده التي هي "بيدي الأمر" وهو قليل ذكر الشعر، إلا أنه أطال في ذكر بعض الأبيات عند كلامه عن الهوى في قوله تعالى ﴿واتبعوا أهواءهم﴾ (١)، حيث نقل عن ابن المبارك وأبي العتاهية وابن دريد وغيرهم أشعارا في الهوى. كما ذكر بعض الشعر أيضا عند قوله ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا﴾ (٢) فقال: قال الزمخشري: وعن بعض العرب أن امرأته وضعت بنتا فهجر البيت الذي فيه المرأة، فقالت المرأة في ذلك: ما لأبي حمزة لا يأتينا يظل في البيت الذي يلينا غضبان ألا نلد البنينا ليس لنا من أمرنا ما شينا وإنما نأخذ ما أعطينا (٣) وفي قوله: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون﴾ (٤) قال: إنه لن يريحهم التأسي باشتراكهم في العذاب، ثم ذكر قول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي ثامنا: موقفه من القراءات: وهو يذكر القراءات ويوجهها ومن ذلك: قوله ﴿ولقد وصلنا لهم القول﴾ (٥) إلى آخر السورة قرئ ﴿وصَلنا﴾ بالتخفيف والتشديد وقرئ ﴿واصلنا﴾ (٦) أي تابعنا إنزال الكتاب بعد الكتاب التوراة ثم الإنجيل ثم القرآن والقول واقع على الكتب الإلهية وقيل: على القرآن وحده،

стр. 648

والمعنى: جعلناه متواصلا وعدا ووعيدا وقصصا وعبرا ونصائح ومواعظ إرادة أن يذكروا، وعن ابن زيد: وصلنا لهم خير الدنيا بخير الآخرة. وقال ﴿وقال موسى ربي أعلم﴾ (١) الجمهور على إثبات الواو وقرأ ابن كثير ﴿قال موسى﴾ بغير واو، وقرئ ﴿ومن تكون﴾ بالتاء على التأنيث للعاقبة لفظا وبالياء من حيث أن تأنيثها غير حقيقي. تاسعا: موقفه من الفقه والأصول: والمؤلف يتعرض للفقهيات ومن ذلك قوله: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث﴾ (٢) قال المؤلف عفا الله عنه: قد أكثر أهل الآثار في تحريم الغناء وذكر أبو حامد الغزالي في الإحياء فيه أخبارا كثيرة وورد عن ابن المنكدر أن النبي ﷺ قال: "من استمع إلى قينة صب في أذنيه الآنك يوم القيامة" (٣) واختلف أهل العلم في سماع الغناء، وأقاويل العلماء في ذلك بينة؛ فمنهم من حرمه، ومنهم من كرهه، ومنهم من أجازه. وحكى المازري وغيره الاتفاق على تحريم سماعه بآلة واختلفوا في جواز سماعه بغير آلة ... الخ ثم ذكر أحاديث في الغناء والمغنيات. وهو أحيانا يستطرد في الحديث الفقهي ومن ذلك إطالته في لبس الذهب والحرير وحكمها للنساء دون الرجال تحت قوله تعالى ﴿في الحلية﴾ (٤) وقال في قوله: ﴿أجر ماسقيت لنا﴾ (٥): وفي الآية دلالة على أن الإجارة كانت مشروعة عندهم وكذلك كانت في كل ملة لأنها من المصالح الداعي إليها ضرورة ... . وأجمعت أمة محمد ﵇ على جوازها. وأخذ العلماء من الآية فوائد حكيمة منها جواز عرض الرجل الولي وليته على الرجل وقد عرض صالح مدين ابنته على صالح بني اسرائيل وعرض عمر بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان وعرضت أم المؤمنين أختها على رسول ﷺ وفي حديث حفصة أنه لما عرضها على أبي بكر سكت أبو بكر ... .. فذكر جزءا من الحديث. وقال: حكي في هذه الآية خصائص منها أنه لم يعين الزوجة قال

стр. 649

المؤلف عفا الله عنه: هذا فيه نظر لأن هذا عرض لا عقد إذ لو كان عقدا لعين المعقود عليها وقد اتفق الفقهاء على أن الإبهام في النكاح لا يجوز إذ لا يجوز في النكاح خيار واختلفوا في جوازه في البيع مثل أن يقول ... (وأطال في تلك المسألة) ومن مواضع تعرضه لبعض الأصول ماذكره تحت قوله ﴿فضرب الرقاب ... فإما منا بعد وإما فداء﴾ (١) حيث تكلم عن نسخها أو عدمه وقال: ولا دليل في ذلك على النسخ ... ثم أخذ يقرر ذلك. ولتقدم المؤلف لا نجد ذكرا للعلوم الحديثة والكونيات ونحو ذلك في تفسيره، كما لا نلمح منه اهتماما بجانب الوعظ والحديث عن الآداب أو الاجتماعيات بصفة مباشرة، كما نلاحظ أن له بعض الاستطرادات فيما لا علاقة له بالتفسير ومن ذلك قوله: ليس في الصحابة من اسم أبيه سلام إلا رجلين عبد الله بن سلام هذا ورجل آخر ذكره أبو بكر ابن ثابت الخطيب في تاريخه.

стр. 650

تفسير ابن عرفة من خلال تقييد الأبي والبسيلي مؤلف هذا التفسير هو محمد بن محمد بن عرفة الورغمي التونسي ت ٨٠٣ هـ وهو من أهل المنطقة ولد وتوفي بتونس (١). التعريف بالتفسير: وتفسير ابن عرفة عبارة عن مجالس أملاها في التفسير فقيدها عنه بعض تلاميذه واشتهر منها رواية البسيلي وهو أحمد بن محمد أبو العباس التونسي (٢) وله تقييدان عن شيخه تقييد كبير وآخر صغير وكلاهما مخطوط والكبير فقدت بعض أجزائه والصغير ناقص، وليس كل مافيه من كلام ابن عرفة كما تقدم في ترجمة البسيلي ويوجد من رواية البسيلي نسخة مصورة على ميكروفيلم بمكتبة المخطوطات بالجامعة الإسلامية تحت رقم ١٢٦٠، ١٢٦١ عن نسخة الخزانة الملكية بالرباط، ورواية الأبي وهو محمد بن خلفة الوشتاتي (٣) وهي أكمل الروايات لتفسير ابن عرفة ومنها نسخ خطية كثيرة من أكملها نسخة المكتبة الوطنية بتونس وقد نقلت عنها أكثر النصوص، وقد طبع جزء من هذه الرواية في مجلدين إلى نهاية سورة البقرة بتحقيق الدكتور حسن المناعي نشرها مركز البحوث بكلية الزيتونة سنة ١٩٨٦ م، ورواية أبي القاسم الشريف الإدريسي السلاوي من أهل القرن التاسع (٤) وله تقييد في مجلدين وهو مفقود.

стр. 651

المنهج العام للتفسير: (١) وتفسير ابن عرفة تفسير بياني منطقي أصولي فقهي لا يغفل المأثور ويهتم بذكر القراءات. وقدم له ابن عرفة بمقدمة تكلم فيها عن علم التفسير وشروط المفسر ثم شرع في تفسير الاستعاذة (٢). وقد أفاض محمد الفاضل ابن عاشور في بيان أصاله تفسير ابن عرفة وشموله العناية بالناحية اللغوية والبيانية البلاغية وأصول العقيدة والشريعة ونزعته النقدية، وتعدد مصادره (٣) التي كان تفسير ابن عطية يحتل فيها الصدارة. ومن مصادر ابن عرفة في تفسيره أيضا: كتاب " فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب" لشرف الدين الطيبي، وهو من المصادر الهامة في تفسيره. وقد بين ابن عاشور منهجه بقوله: ويهتم بالتخريج والتأويل حتى تتضح دلالة الآية مستقيمة على المعنى الذي تتعلق به، ويرد ماعسى أن يكون قد وقع من تخريج بعيد أو تأويل غير مقبول، بتطبيق القواعد اللغوية، والنكت البلاغية، أو بإثارة مايتعلق بالمفاد من مباحث أصلية ترجع إلى أصول الدين أو أصول الفقه، جاعلا عمدته في هذه المباحث تفسير ابن عطية غير معرض عن تفسير الكشاف، فيعتبر كلام ابن عطية حاصلا بين أيدي مستمعية، ليسايره أو يرده ويورد كلام الزمخشري ويكثر إيراد الآراء والمذاهب عن العلماء في كل مسألة. (٤) وقال المناعي ملخصا منهج ابن عرفة في تفسيره: سارت دروس التفسير في منهجها على نسق متشابه حيث كانت تتلى الآية أو الآيات ثم يبدأ في التفسير، فيورد كلام أئمة القراءات أو اللغة والنحو، ويعتني ببيان ما احتمل التأويل أو الاختلاف بين المفسرين، فيذكر أقوال العلماء من أصوليين وفقهاء ومحدثين، وقد يعرج في ذكر نكتة بلاغية أو علمية أو شواهد شعرية أو قضايا اجتماعية ظرفية أو مباحث في أصول الدين أو أصول الفقه ليقوم بهما ما لم

стр. 652

يستقم من تفسير أو تأويل، ويرجح به آراء على أخرى، وتلتقي جميعها أحيانا في الآية الواحدة، وتعرض على التلاميذ لتناقش، فيصير الدرس محكمة تفسيرية تتداول فيها الآراء سجالا بين الحاضرين، فتجمع الاحتمالات العديدة والأوجه المختلفة وتتدارس برؤى سنية أشعرية ومنهجية حرة، ربما كانت فيها الكلمة الأخيرة لأحد الطلبة يقره عليها شيخه بكل تواضع علمي. ولقد اختار ابن عرفه لنفسه هذا المنهج التربوي وآثره على غيره من المناهج، وسار بالتفسير وجهة جديدة؛ وجهة السؤال والجواب قبل تقرير المسألة. (١) وقال أيضا: فجاء هذا التفسير يزخر بالنقل عن عشرات الكتب الثمينة النادرة وعشرات العلماء في كل فن، دون تمييز أحدهم عن سواهم، وإن كان قد خص بعضهم باهتمام أكثر من غيرهم كالزمخشري وابن عطية، وهو ما حمل المرحوم الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور على القول بكون هذا التقييد تعليقًا على ابن عطية أشبه منه بالتفسير. والحقيقة أن هذا غير صحيح ذلك لأننا نلاحظ مثلا في سورة البقرة أن النقل عن ابن عطية يكاد يتساوي مع النقل عن الزمخشري عدديا فعن الأول نقل ابن عرفة مائتين وخمسًا وأربعين مرة وعن الثاني مائتين وإحدى عشرة مرة. (٢) المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: لقد اعتنى ابن عرفة بمجال المناسبات فبحث عن وجه مناسبة الآية لما قبلها وبين ما كان منها مكملاً للآخر، ووجه اتصال الآية بما قبلها، وما سيقت له ، ومن ذلك: ماذكره في تفسير قوله جل ذكره ﴿زين للناس حب الشهوات﴾ (٣)، فقال: مناسبتها لما قبلها أن الآية المتقدمة اقتضت الحض على الجهاد، ومدح المتصف به، ومن خالف نفسه في سبيل الراحة، أتت هذه الآية في معرض الذم لمن لم يتصف بذلك وطاوع نفسه وشهوته البهيمية (٤). ومثل ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ (٥)،

стр. 653

قال: لما تضمن الكلام السابق التنبيه على بركة البيت كان ذلك كالسبب الحامل على حجه وأعمال السفر إليه، وأركان معظم الحج عرفة كما في الحديث "الحج عرفة" (١) إنما ذلك لأجل أن عرفة له وقت (٢). وكذلك قوله تعالى: ﴿واضرب لهم مثل الحياة الدنيا ...﴾ (٣)، قال ابن عرفة: وجه مناسبتها لما قبلها أنه لما تقدم ذم الحياة الدنيا باعتبار مانشأ عنها من ... العجب والرياء عقبه ببيان ذمها في نفسها، لأن نعيمها زائل مضمحل ... ، فالماء كونه ينزل فينشأ عنه النبات الأخضر الناعم ثم يضمحل، فكذلك الإنسان مثله، يوجد بعد أن لم يكن، تتدرج حاله من الصغر إلى الشباب ثم إلى الكبر ثم ينعدم (٤). ومن مباحث ابن عرفة قوله: قيل البسملة آية من كل سورة. فقال الغزالي في المستصفى: معناه أنها آية من كل سورة وليست جزءا من كل سورة. وقال غيره: معناه أنها آية - أي جزء - من كل سورة. وورد في الحديث عن عائشة ﵂: ما كنا نعلم تمام السورة إلا بالبسملة. (٥) فظاهره أنها تكرر إنزالها مع كل سورة مثل ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (٦). (٧) وهو يتعرض لأسماء السور ومكيتها ومدنيتها ولا يتعرض لعد آيها ومن ذلك قوله في الفاتحة: اختلفوا فيها؛ فقال ابن عباس ﵄ وجماعة: إنها مكية واحتج له ابن عطية بقوله تعالى في الحجر: ﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني والقرآن العظيم﴾ (٨) وهي مكية بإجماع وفي حديث أبي بن كعب أنها السبع المثاني. قال الإمام: وذهب عطاء والزهري وجماعة إلى أنها مدنية وقيل: إنها نزلت بمكة والمدينة، وأبطله القاضي العماد بأنه يجب عليه تحصيل الحاصل وهو محال. أجاب ابن عرفة بأن التأكيد شائع في كلام العرب وليس فيه

стр. 654

تحصيل الحاصل فإن قلت: يلزم عليه أن تكون الفاتحة في القرآن مرتين لنزولها مرتين وكان تكرر كما تكرر ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ (١) قلنا: إنما ذلك إذا نزلت على أنها غير الأولى. فقد ذكر الأصوليون على أن الغيرين يصدقان على المثلين، أما إذا نزلت على أنها هي الأولى بعينها فلا يلزم ذلك فيها. زاد القاضي العماد في إبطال النزول بمكة والمدينة أنه يلزم منه أن يكون كلما نزل بمكة نزل بالمدينة مرة أخرى، لأن جبريل ﵇ كان يعرضه القرآن في كل سنة مرة وفي الأخيرة مرتين فيكون ذلك إنزالا آخر وهذا لايقوله أحد. وقال: ولعلهم يعنون بنزولها مرتين، أن جبريل نزل حين حولت القبلة فأخبره ﵊ أن الفاتحة ركن في الصلاة كما كانت بمكة وأقرأه فيها قراءة لم يكن أقرأه بها في مكة فظنوا ذلك إنزالا وهو ضعيف. (٢) ثانيا: موقفه من العقيدة: من مواضع تعرض ابن عرفة للمسائل الاعتقادية قضية الاسم والمسمى وقد ذكر فيها ثلاثة أقوال قال: الأول: أن الاسم هو المسمى وهو قول أهل الحق. الثاني: أنه غيره وهو مذهب المعتزلة. ومثله للأشعري في بعض كتبه. الثالث: ما كان اسمًا لله تعالى باعتباره صفة فعل كخالق فهو غير المسمى، وإلا فهو المسمى وهو قول الباقلاني الإمام. (٣) وقال أيضا: قال الفخر ابن الخطيب في نهاية العقول: المشهور عن أصحابنا أن الاسم هو المسمى، وعن المعتزلة أنه التسمية، وعن الغزالي أنه مغاير لهما، والناس طولوا في هذا وهو عندي فضول. (٤) ويفسر ابن عرفة آيات العقيدة، معتمدًا مذهبه السني المالكي الأشعري، رادًا على المخالفين كالمعتزلة، وغيرهم.

стр. 655

قال ابن عرفة: ولما قال ﴿إياك نعبد﴾ أوهم أن للإنسان في العبادة ضربا من المشاركة والاختيار، فعقبه بطلب الهداية تنبيها على كمال الافتقار وأن كل العبادة والطاعة من الله تعالى وليس للعبد عليها قدرة، فهو دليل لأهل السنة. (١) وقد تعرض ابن عرفة إلى رأي المعتزلة في قول الزمخشري: إن الشيء يطلق على الممكن والمستحيل. ثم قال معلقًا على هذا الرأي: وظاهر الآية حجة للمعتزلة لأنه لو كان المراد أن الله على كل موجود قدير، للزم تحصيل الحاصل، ثم تعرض بعد ذلك إلى شرح متعلق القدرة فقال: القدرة تتعلق بالممكن المعدوم المقدر الوجود، كما يفهم من معنى قوله تعالى ﴿الزانية والزاني ...﴾ (٢)، المراد من حصل منه الزنى بالفعل، ومن سيحصل منه الزنى؛ يصدق عليه في الحال أنه زان باعتبار، على تقدير أنه سيوجد منه، وهذا كما يقول المنطقيون: القضية الخارجية، والقضية الحقيقية، ويجعلون الخارجية عامة في الأزمنة الثلاثة، مثل كل أسود مجمع للبصر، وكل أبيض مفرق للبصر، المراد كل موصوف بالسواد مطلقًا في الماضي والحال والاستقبال (٣). ثم ذكر حجة الزمخشري في نفي الرؤية، قال: وقوله ﴿لن تراني﴾ (٤) استدل بها الزمخشري على عدم الرؤية منطلقًا، لأن لن عنده لنفي دائم وهي المسماة بلن الزمخشرية ونحن نقول: إنها لنفي غير دائم، ويثبت بعد ذلك الرؤية مستدلا عليها بقوله تعالى ﴿فإن استقر مكانه فسوف تراني﴾ (٥)، قال: دليل على أن الرؤيا ممكنة لأن استقرار الجبل في مكان، ممكن عقلا، وقد علق عليه بسوف تراني فدل على إمكان الرؤية إذ لايصح تعليق المستحيل على الممكن ... (٦) كما يناقش الزمخشري في تفسير قوله تعالى ﴿لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم﴾ (٧)، الذي يرى أن ﴿بإذن ربهم﴾ تعني بتسهيله فرد ابن عرفة عليه بأن هذا التفسير متماش مع مذهبه في نسبة أفعال العباد إليهم، وأنها ليست مقدورة لله، وإنما ييسرها ويسهلها الله عليهم ... .

стр. 656

ثم ناقش ابن عطية في نفس الموضوع الذي فسر بإذن ربهم بعلم الله، واقتضائه وتوفيقه، فرد عليه ابن عرفة بأن هذه نزعة اعتزالية ولولا قوله واقتضائه لكان صريحًا في اتباع المعتزلة، لانهم يقولون: إن العبد يستقل بافعاله، ويخلقها، وإن الله لم يخلق الشر، ولا أراد. ثم يفسر ابن عرفة الآية بما يراه صوابًا وهو أن معنى قوله بإذن ربهم، أي بقدرته وخلقه واختراعه وأنه خلق الهداية والضلال، وأراد تعالى أن يكون في ملكه مالا يريد (١). وفي قوله تعالى ﴿ولكم في القصاص حياة ... .﴾ (٢)، قال ابن عرفة: فيه دليل لأهل السنة القائلين بأن لاحسن ولا قبح لأن الآية خرجت مخرج الامتنان بتعداد هذه النعم فدل على أنها تفضل من الله تعالى، ولو كان القصاص واجبًا في العقل لما حسن كونه نعمة، ولما صح الاتيان به لأن ذلك تحصيل الحاصل (٣). وهو يفسر الألفاظ حسب اصطلاح أهل الكلام عليها: وقال في تفسير قوله تعالى ﴿فيعلمون أنه الحق ...﴾ (٤)، الحق يقع في القرآن كثيرًا كقوله تعالى ﴿ماخلقنا السموات والارض وما بينهما إلا بالحق﴾ (٥)، فمن يفهمه على ظاهره يعتزل، لأن مذهب المعتزلة مراعاة الأصلح على قاعدة التحسين والتقبيح. والصواب أن يقال في تفسير الحق: هو الأمر الثابت في نفس الأمر الذي دل الدليل الشرعي على ثبوته. أو يقال: إنما هو الثابت بدليل شرعي أو مدلول الكلام القديم الأزلي (٦). وفي قوله تعالى ﴿ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا﴾ (٧) قال ابن عرفة: حكى ابن الخطيب اختلاف المتكلمين على الاستطاعة مع الفعل أو قبله؟ قال: والآية حجة لمن يقول إنها قبله، ورد ابن عرفة هذا الرأي وقال: الاستطاعة تطلق على معنين فتارة يراد بها التمكن من الفعل كقوله: زيد الفاعل مستطيع على القيام فهذا لاخلاف أنها تشترط فيها المقارنة وليست هي المصطلح عليها عند المتكلمين، وتارة يراد بها القدرة على

стр. 657

الفعل فهذه التي تعرض لها الأصوليون وذكروا فيها الخلاف، والآية من القسم الأول (١). ويفسر لفظة "إله" من قوله تعالى ﴿وإلهكم إله واحد لاإله إلا هو الرحمن الرحيم﴾ (٢)، معتمدا على الأصوليين واللغويين، ويختم كل ذلك بالاستشهاد بالقرآن. قال: الإله في اصطلاح المتقدمين من الأصوليين هو الغني بذاته المفتقر غيره إليه، وعند الأصوليين المتأخرين واللغويين: هو المعبود تقربا، وبه يفهم قوله ﴿وقال فرعون يا أيها الملأ ماعلمت لكم من إله غيري﴾ (٣)، وقول إبراهيم لأبيه آزر ﴿أتتخذ أصنامًا آلهة ..﴾ (٤)، وقول الله ﴿ءآلهتنا خير أم هو ...﴾ (٥) (٦). كما يستدل ابن عرفة بقوله ﴿ولا ليهديهم طريقا إلا طريق جهنم﴾ (٧) لعقيدة أهل السنة فقال: وفيه دليل لأهل السنة في أن الله تعالى يخلق الخير والشر (٨). وفي قوله تعالى ﴿ومن يرتدد منكم عن دينه﴾ (٩)، قال ابن عرفة: في لفظ هذه الآية رحمة وتفضل من الله لأن قبلها ﴿حتى يردوكم عن دينكم﴾ (١٠)، فكان المناسب أن يقال: ومن يرد منكم عن دينه لكنه لو قيل هكذا لدخل في عمومه من أكره على الردة فإن الله سبحانه لما قال ومن يرتدد: يكون الوعيد مختصًا بمن ارتد مختارًا متعمدًا وتسائل ابن عرفة: هلا قيل فيمت وهو مرتد ليناسب أول الآية آخرها؟ ويسمونه رد العجز على الصدر فقال: إن من عادتهم يجيبون بأنه لو قيل كذلك لتناول مرتكب الكبيرة من المسلمين لأنه يصدق عليه أنه مرتد عن دينه لقوله تعالى ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (١١)، وأشار إلى مفهوم الإسلام الوارد في الحديث والمتمثل في الشهادتين وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والصوم والحج للمستطيع فأفاد بأن الإسلام حقيقة مركبة من هذه القواعد الخمسة فمتى عدم بعضها عدم الإسلام لامتناع وجود الماهية بدون بعض أجزائها، فمن فعلها كلها ثم بدا له

стр. 658

بعضها فلم يفعله يصدق عليه أنه مرتد عن دينه، وأنه غير مسلم فلذلك قال: فيمت وهو كافر (١). ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: وابن عرفة ممن يهتم بهذا الجانب من التفسير ومن ذلك قوله: ﴿يسبحون الليل والنهار لايفترون﴾ (٢) معناه: لايفترون من العبادة وفي آية أخرى ﴿والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾ (٣) (٤) وهو يجمع بين الآية التي يفسرها مع آية أخرى استعملت فيها نفس اللفظة ليبين أن المعاني القرآنية متناسقة وأن الألفاظ التي تدل عليها متآلفة، يقول عند تفسير قوله تعالى ﴿قل هو أذى﴾ (٥)، وقال تعالى ﴿لن يضروكم إلا أذى﴾ (٦)، والجامع أن الأذى: هو الأمر المؤلم الذي يقصد إماطته وأتى هنا بالحكم مقرونا بعلته ونصوا على أن الأصل تقديم العلة على المعلول كهذه الآية. وكقولك: سهى فسجد وزنى فرجم (٧). ويحلل تقديم الصغير على الكبير في قوله تعالى ﴿ولا تسأموا أن تكتبوه صغيرًا أو كبيرًا إلى أجله﴾ (٨)، بخشية التهاون به والتفريط فيه، واستدل بقوله تعالى ﴿لايغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها﴾ (٩)، وقوله: ﴿من بعد وصية يوصى بها أو دين﴾ (١٠)، وقوله ﴿فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة﴾ (١١) (١٢). ومن الأمثلة أيضا مايأتي في الفقرة التالية. رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: ويتعرض ابن عرفة لتفسير القرآن بالحديث، كما في قوله تعالى ﴿لاإكراه في الدين ..﴾ (١٣) حيث قال: فالدين هنا عام، خصص بقوله سبحانه ﴿إن الدين عند الله الإسلام﴾ (١٤)، ووقع تفصيله وزيادة

стр. 659

بيانه بقوله ﷺ "أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا ". (١) كما ذكر في تفسير قوله تعالى: ﴿وذلك جزاء المحسنين﴾ (٢)، أن الرسول ﷺ فسر الإحسان في حديث القدر بقوله: "هو أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك" (٣) ثم أوضح أن الحديث أخص مما جاء في قوله تعالى بيانًا لمعنى المحسنين ﴿هدىً ورحمة للمحسنين، الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون﴾ (٤). (٥) وفي تفسير قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم﴾ (٦)، يذكر تفسيره لمعنى الظن الذي يراه مصروفًا لزمن ملاقاة الله، أي أن هؤلاء يستحضرون الموت، ويظنونه واقعا عليهم في كل حين، ثم يواصل شرح الآية بما نقله القشيري من أن أبا بكر وعمر جلسا ذات يوم مع النبي ﷺ فقال أبو بكر ﵁: إني إذا أصبحت لا أدري هل أمسي أم لا؟. وقال عمر ﵁: إذا أمسيت لا أدري هل أصبح أم لا؟ فقال ﷺ : "وإذا صعد النفس لاأدري هل أرده أم لا؟ " (٧) وهذا المثال دليل على عدم تدقيقه في صحة الرواية أم عدم صحتها. أما أسباب النزول فهو يتعرض لها ومن ذلك: قوله تعالى ﴿وليس البر بأن تأتوا البيوت من ظهورها ...﴾ (٨) قال: كانوا إذا حجوا واعتمروا يلتزمون أن لايحول بينهم وبين السماء شيء فيدخلون بيوتهم من

стр. 660

خلفها (١) ينقبون الحائط، أو من سقفها، أو يطلعون سلم على السطح فينزلون في وسط الدار، وهذا عند البداء الدخول، فإذا تكرر ذلك تركوه. (٢) وقال في قوله عز ذكره ﴿فمن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وماله في الآخرة من خلاق﴾ (٣): قال ابن عطية: سببها أنهم كانوا في الجاهلية يدعون في مصالح الدنيا فقط إذ كانوا لايعرفون الآخرة فنهوا عن ذلك. (٤) وفي قوله تعالى ﴿ومن الناس من يعجبك قوله﴾ (٥) قال ابن عرفة: حكى ابن عطية في سبب نزولها ثلاثة أوجه: إما أنها عامة في كل من أبطن الكفر وأظهر الإسلام. وإما أنها خاصة بقوم من المنافقين تكلموا في قوم من المؤمنين استشهدوا في غزوة الرجيع. (٦) وإما أنها خاصة بالأخنس بن شريق. (٧) (٨) وقال في تفسير قوله تعالى: ﴿لئن جاءتهم آية ليؤمنن بها﴾ (٩): ذكر المفسرون في سبب نزولها أن المشركين طلبوا من النبي ﷺ أن يصير لهم الصفا ذهبًا وفضة وحينئذ يؤمنون. (١٠) وأما فضائل السور والآيات فليس من

стр. 661

المكثرين في ذكرها ومن مواضع تعرضه لها قوله في الفاتحة: قال ابن عطية: ويروى أنها تعدل ثلثي القرآن (١). والعدل إما في المعاني باشتمالها على التوحيد وغيره و ﴿قل هو الله أحد﴾ (٢) على التوحيد فقط، وإما أن يكون فضلا من الله لايعلل. (٣) وقوله: قال الزمخشري: وعنه ﵊: "من قرأ الآيتين من سورة البقرة في كل ليلة كفتاه" (٤) قال ابن عرفة: أولهما ﴿آمن الرسول﴾ ومعنى كفتاه أن يرفعان قارئهما عن رتبة من حرم قيام اليل. (٥) وربما تعرض ابن عرفة لبعض أصول علم الحديث ومن ذلك قوله: نص المحدثون على أن الراوي إذا قال: قال رسول الله ﷺ إنه من قبيل المسند لكنه عندهم يحتمل السماع مباشرة أو بواسطة، لكن الصحابي إنما يروي عن صحابي فلذلك عدوه في المسند وفي هذه زيادة اللام للمقول له كقولك: قال لي فلان: كذا. فهو أصرح في الدلالة على المباشرة من الأول. (٦) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: ومن اعتماد ابن عرفة على ماأثر عن الصحابة، تفسيره لقوله تعالى ﴿وللرجال عليهن درجة﴾ (٧)، والمعنى درجة في التفضيل، إلا أن تفسير لفظة درجة وقع حوله خلاف، فعند الجمهور هي حسن المعاشرة وهو رأي ابن عباس، وهو الظاهر، فيقولون وله عليها من القيام بحقه المبادرة إلى غرضه ورفقه، مثل الذي عليه وزيادة درجة التقديم. وأشار ابن عرفة إلى تفسير غريب نقل عن ابن مسعود مفاده أن الدرجة: هي اللحية. (٨)

стр. 662

وفي تفسير قوله ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ (١)، يعرض ابن عرفة روايتين حول الخطاب، أولاهما بأنه للمؤمنين، وهو مانقله ابن عطية عن ابن عباس وعن مجاهد ومعناه: أيه المؤمنون ليس البر أن تكتفوا بالصلاة ... وثاني الروايتين تجعل الخطاب لليهود والنصارى وهذا مروي عن قتادة والربيع. (٢) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: وهو يتعرض للسيرة ضمن حديثه عن أسباب النزول وغيرها ومن ذلك: قوله تحت آية ﴿إن الذين كفروا سواء عليهم﴾ (٣): قال ابن عطية: وقال الربيع ابن أنس: إن الآية نزلت في قادة الأحزاب وهم أهل القليب. وأهل القليب ببدر. قال ابن عرفة: وهو الصحيح فإن غزوة الأحزاب متأخرة عن بدر وأهل القليب ببدر قتلوا فلم يبق منهم أحد للأحزاب. قال ابن عرفة: إلا أن يريد بالأحزاب الجماعة ولا يريد بهم الغزوة. (٤) وقوله في الآية ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ (٥)، قال الزمخشري: سبب نزولها أن أبا سفيان والوليد والنضر وعتبة وشيبة وأبا جهل، استمعوا قراءة رسول الله ﷺ فقالوا للنضر: ياأبا قتيلة مايقول محمد؟ فقال: والذي جعلها بيته - يعني الكعبة - ماأدري مايقول محمد، إلا أنه يحرك لسانه ويقول أساطير الأولين. فقال أبو سفيان: إني لأراه حقا، فقال أبو جهل: كلا فنزلت الآية. (٦) سابعا: موقفه من الإسرائيليات: لا يلاحظ على تفسير ابن عرفة اهتمام كبير بها، ولعل ذلك لما سبق ذكره من كون التفسير عبارة عن تقييدات للمجالس وليس تفسيرا متكاملا، ويتضح مما هنا أن ابن عرفة ممن يقف منها موقف الناقد كعادته. ففي قوله تعالى ﴿ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات﴾ (٧) قيل لابن

стр. 663

عرفة: أو يجاب بعكس ما قال الزمخشري؛ وهو أنه خلقت السموات والأرض ملتصقة ثم خلقت الأرض ودحيت ثم فصلت السموات وصيرت سبعا والله أعلم؟ فقال: هذا يمكن لكن الأثر الذي أورده هنا أن الأرض خلقت كالفهر وعلاها الدخان فخلقت منه السموات يرده ماذكره الشيخ الزمخشري ونقله عن الحسن وللفخر في الأربعين كلام طويل وليس فيه خبر صحيح. (١) وقال: قال ابن عطية: قال ابن عباس ﵁: كانت الجن قبل بني آدم في الأرض فأفسدوا وسفكوا الدماء فبعث الله إليهم قبيلا من الملائكة فقتلت بعضهم وهربت باقيهم وحصروهم إلى البحار ورؤوس الجبال وجعل آدم وذريته خليفة. قال ابن عرفة: هذا يدل على أن الجن أجسام كبني آدم لأجل القتل والمبالغة فيه. قيل لابن عرفة: كيف يفهم هذا مع قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم مافي الأرض جميعا﴾ (٢) إن اللام في لكم تقضي اختصاصه بنا؟ فقال: لعل اللام هنا ليست للاختصاص، ولو سلمنا أنها للاختصاص يكون مافي الأرض لهم ولا يلزم من ذلك كونه قاصرًا عليهم فهو خلق لهم ولا ينافي أن يكون خلقا لغيرهم. وقال: قال ابن عطية: لما دخل إبليس لآدم سأله عن حاله فقال له: ما أحسن هذا لو أن خلدا كان. فوجد به السبيل إلى إغوائه. قال ابن عرفة: هذا إلهام للنطق بما وقع في الوجود حيث قال إبليس: ﴿هل أدلك على شجرة الخلد﴾ (٣) كما قال يعقوب ﵇ لبنيه ﴿وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون﴾ فقالوا له ﴿إنا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب﴾ (٤) كما قال الشاعر: احفظ لسانك أن تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق وأكله من الشجرة إما لظنه أن النهي للكراهة أو المنهي عنها شجرة واحدة بالشخص وهذا من نوعها فقط. زاد ابن عطية: إن حواء سقته الخمرة فأكل في حال السكر. قيل لابن عرفة: خمر الجنة لا يسكر فقال: إن تلك الجنة التي من دخلها يؤمن من الخروج منها ولعل هذه إذ ذاك كان خمرها

стр. 664

مسكرا. قال: ومذهب مالك أن جميع ما يصدر عن السكران من طلاق وقذف وقتل وزنى وسرقة كله يلزمه ويؤاخذ به وهي أول مسألة في العتبية من النكاح الأول. قيل له: إنما هذا اللزوم بعد تحريم الخمر وقد كانت حين إذ حلالا فيعذر شاربها؟ فقال: حفظ العقول من الكليات الخمس الذي اتفقت جميع الملل عليها فالسكر حرام وإنما كان يجوز فيها ما لا يسكر. (١) وفي قوله تعالى ﴿وقلنا اهبطوا بعضكم لبعض عدو﴾ (٢) قال ابن عطية: المخاطب بالهبوط آدم وحواء وإبليس والحية؟ وقال الحسن: آدم وحواء والوسوسة. قال ابن عرفة: أي عدو الوسوسة. وقال غيره: والحية لأن إبليس قد كان أهبط. (٣) وفي قوله: ﴿هاروت وماروت﴾ (٤) قال: قال ابن عطية: روي أنهما ملكان اختصمت إليهما امرأة وحكى القصة وضعفه ابن عطية من جهة السند. قال ابن عرفة: بل هو ضعيف من جهة الاستدلال فإنه قد قام الدليل على عصمة الملائكة، ولا يقال: إنهما كانا معصومين ثم انتقت العصمة عنهما حينئذ فإن ذلك إنما هو فيمن يتصف بالحفظ لابالعصمة، فيصح أن يحفظ تارة دون تارة، أما العصمة فلا تزول عمن ثبتت له أبدًا. وقد كان الشيوخ يخطئون ابن عطية في هذا الموضوع لأجل ذكره هذه الحكاية ونقل بعضهم عن القرافي: أن مالكًا أنكر ذلك في حق هاروت وماروت. (٥) وفي قصة بقرة بني إسرائيل لم يتعرض لتفاصيلها ومر عليها مرور الكرام. (٦) ثامنا: موقفه من اللغة: لقد عني ابن عرفة باللغويات ومن ذلك وضع الحروف في الجملة القرآنية وأهميته في تصوير المعنى، ومن ذلك قوله: الألف واللام في ﴿الحمد﴾ (٧)

стр. 665

للجنس ويتناول الحمد القديم وهو حمده تعالى نفسه وبنفسه ويتناول حمده في الدنيا وحمده في الآخرة وإن كان خبرا بمعنى الطلب فيكون " الـ " للماهية إذ لا يقدر أحد على حمده تعالى بجميع محامده ولذا قال ﵊: فأحمده بمحامد يعلمنيها لم أكن أحمده بها قبل ذلك. (١) في قوله تعالى ﴿ذهب الله بنورهم﴾ (٢) قال: وفي التعدية بالباء التى للمصاحبة نوع زيادة وإشعار بدوام الذهاب، وملازمته بسبب ملازمة فاعل الذهاب له، فلا يزال ذاهبا عنهم، فهو أشد في عقوبتهم حتى لا يتصور رجوعه إليهم بوجه. (٣) وفي قوله تعالى ﴿فإن آمنوا بمثل ماآمنتم به، فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما هم في شقاق﴾ (٤) قال: الباء إما للسبب والمراد أسباب إيمانكم وهي البراهين والمعجزات أو للتعدية به، والمراد متعلق الإيمان وهو الإله، فإن كانت للسبب فواضح أي: فإن آمنوا، بسبب مثل الأسباب التي أرشدتكم أنتم إلى الإيمان، فقد اهتدوا، وإن أريد متعلق الإيمان فمشكل، ثم أورد رأي ابن عطية في معنى الباء الواردة وفي نفس الآية، ويتمثل في ثلاثة أقوال ... (٥) كما يتعرض للمتشابه اللفظي مثل ماجاء في قوله تعالى: ﴿فلهم أجرهم عند ربهم﴾ (٦)، وقوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم﴾ (٧) حيث ذكر أن الآية الأولى التي أثبتت فيها الفاء، كان ماسبق لها وهو قوله تعالى ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سرا وعلانية ... .﴾ (٨)، أكمل وأبلغ إذ أكده بالسر والعلانية، بينما في الآية الثانية، حذفت الفاء لأنه لاحاجة للتأكيد، إذ هو موجود وثابت بحرف إن. (٩) وهو يستشهد بالشعر أحيانا كما في تفسير قوله تعالى ﴿ومنهم أميون لايعلمون الكتاب إلا أماني ..﴾ (١٠)، قال: والأماني إما بمعنى التلاوة أي لايعلمون معنى الكتاب بل يحفظون ألفاظه فقط وأنشدوا عليه قولا في عثمان:

стр. 666

تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر وإما معنى التمني أنهم يتمنون أن يكونوا يحفظونه ... الخ. (١) وسيأتي أمثلة أخرى فيما يلي. ومن مواضع تعرضه للبلاغيات وأفانين الكلام: في قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ (٢)، قال: أورد الزمخشري هنا سؤالاً قال: الإشارة بذلك للبعيد وهو هنا قريب؟ وأجاب بأن المراد البعد المعنوي ورد ابن عرفة سؤال الزمخشري فقال: السؤال غير وارد لأنه أجاب في غير هذا الموضوع في قوله تعالى ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (٣) وفي قوله تعالى ﴿عوان بين ذلك﴾ (٤) بأن الإشارة بلفظ البعيد للقريب على سبيل التعظيم، وهو معنى يذكرة البيانيون. وعبر عنه باسم الإشارة دون ضمير الغيبة تنبيها على أنه كالمحسوس المشار إليه، فهو دليل على عظمته في النفوس. (٥) ومن معاني اسم الإشارة عند علماء البلاغة ماذكره ابن عرفة في تفسير قوله تعالى ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ...﴾ (٦)، قال: قال أهل البيان اسم الإشارة يؤتى به للتحقير كهذه الآية، ومثله ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ (٧)، وقوله: تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس يصف امرأة رأت بعلها يطحن وهو في جمع من النساء فاحتقرته. (٨) ونوع آخر من أنواع المجاز يذكره ابن عرفة وهو مجاز التمثيل قال في قوله تعالى: ﴿خطوات الشيطان﴾ (٩): ليس المراد النهي عن اتباع خطواته حقيقة، إذ لانراه نحن بل الخطوات معنوية. كما تعرض لأسلوب الالتفات في القرآن فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ... .﴾ (١٠)، الإشارة إلى الآيات المتقدمة وعبر عن التلاوة الماضية بصيغة المستقبل للتصور والدوام وإما أن يكون ﴿نتلوها﴾ مستقبلا حقيقة، والإشارة إلى التقدم باعتبار لفظه فقط مثل: عندي درهم

стр. 667

ونصفه، أو الإشارة إلى المستقبل المقدر في الذهن تحقيقًا لوقوعه، وتنزيلاً له، منزلة الواقع حقيقة وهي الآية، التفاتا بالانتقال من الغيبة إلى التكلم. (١) كما بين حسن التركيب في قوله تعالى ﴿ويعلم مافي السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير﴾ (٢)، قال: انظر حسن تركيب هذه الآية .. فإن الوعيد والتخويف إنما يكون لمجموع صفتي العلم والقدرة، فالقادر إذا لم يعلم بمخالفة عبده له، لايعاقبه، وكذلك إن علم ولم يقدر على العقوبة. (٣) كما تكلم عن اللف والنشر وبين أنه قسمان: أحدهما موافق وهذا مثل قوله تعالى ﴿فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار﴾ (٤)، والثاني مخالف كقوله سبحانه ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم﴾ (٥) قال: وحكمة ذلك في الجمع الاهتمام بمقام التخويف والإنذار فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين. (٦) ومن الصور البديعية في القرآن تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو ماأشار إليه ابن عرفة عند تفسير قوله تعالى ﴿لايعلمون الكتاب إلا أماني﴾ (٧)، قال: هو من تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقول الشاعر: هو الكلب إلا أن فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذلك في الكلب (٨) وأما الإعراب فحين يقع الاختلاف بين المفسرين حول الإعراب في الآية يعرض آراءهم، ثم يأخذ بالرأي الذي يتفق مع منهجه في إبراز معاني الآية، وهو في سبيل الوصول إلى هذا الغرض يعرض الآراء ويحللها ويناقشها مرجحا بعضها على بعض. مثال ذلك تفسيره لقوله تعالى ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ (٩)، عرض رأي الزمخشري في هذه الجملة بأنه إما تفسير لما قبلها أو استئناف. وحلل ابن عرفة هذا الرأي بأن الفرق بينهما أنه على الأول يكونون وصفوا بأمرين: بعدم الإيمان وبالخداع، وعلى الثاني وصفوا بعدم الإيمان، فكأن قائلاً يقول: لم حكم عليهم بعدم الإيمان؟ فقيل: لأنهم يخادعون الله.

стр. 668

ثم عرض رأي أبي حيان بما نصه: ﴿يخادعون﴾ مستأنفة أو بدل من ﴿يقول آمنا﴾ ولا موضع لها، أو حال من فاعل يقول، فموضعها نصب. ثم انتقل إلى عرض رأي أبي البقاء الذي أجاز أن تكون الجملة حالا من الضمير في ﴿مؤمنين﴾، وأشار ابن عرفة إلى أنه اعترض بأنه يلزم منه نفي الإيمان المقيد بالخداع، وهو فاسد، لأن المقيد بقيد إذا نفي فله طريقان، إما نفي المقيد فقط وإثبات المقيد، وهو الأكثر، فيلزم إثبات الإيمان، ونفي الخداع وهو فاسد، وإما نفيهما معًا، فيلزم نفي الإيمان والخداع وهو فاسد. قال: ومنع أن تكون الجملة حالا من الضمير في آمنا، لأن آمنا محكي بيقول، فيلزم أن يكونوا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يخادعون وهو باطل، وأيضًا فلو كان من قولهم لكان يخادع بالنون. وفي الخلاصة يؤيد ابن عرفة رأي أبي البقاء المتمثل في إعراب الجملة حالا من الضمير بمؤمنين، ومثال ذلك أن تقول: قال زيد: إن عمرا منطلق، وهو كاذب. فهذه الجملة الأخيرة وهو كاذب في موضع حال مع أنها ليست من قول زيد، وبذلك لايلزم أن يكون ﴿يخادعون الله﴾ (١) مقولا لهم بأي وجه من الوجوه. (٢) وبالإضافة إلى تعرضه للمواضيع النحوية فإنه يعللها أحيانا، ومن هذا تعليله للتأكيد في قوله تعالى ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ (٣)، حيث أبان أنه أكد الثاني بإن، ولم يقل في الأول: فمن شرب منه فإنه ليس مني. وإنما جاءت الآية بقوله ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ (٤) فأجاب ابن عرفة على هذا بأنه لم يقع تأكيد الأول لأن سببه أكثر في الوقوع، وتم تأكيد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع، بهدف التحريض على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه. (٥) ويرد ابن عرفة إعراب الزمخشري في قوله تعالى ﴿وصدها ماكانت تعبد﴾ (٦)، مستشهدًا على رأيه بالشعر حيث أشار إلى أن واصل صدها: "ما" في الأظهر في حين أن الزمخشري جعله مضمرًا أي ضلالها أو الله أو

стр. 669

سليمان، وما مفعول على إسقاط حرف الجر، أي صدها عما كانت تعبد ولا يقبل ابن عرفة هذا التأويل ويرده ويضعفه لأنه ليس من مواضع حذف الجار، وهو لايجوز إلا للضرورة الشعرية كقولهم: تمرون الديار ولم تعوجوا ... . . . . . . . . (١) وهو يهتم بالنكات التفسيرية: ومن ذلك قوله في قوله تعالى ﴿الرحمن﴾ (٢): وقدم على ﴿الرحيم﴾ إما لأن الرحمن انفرد به البارئ تعالى أو لإفادته عموم الرحمة فكان أصلا، والرحيم كان كالزيادة في التشريف للمؤمنين قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (٣) وإما لأجل رأس الآي في الفاتحة. وقيل: الرحيم أبلغ بدليل ذكره بعد الرحمن، ولأن الرحمن يفيد نوعًا من القهر والكبرياء قال تعالى: ﴿الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ (٤) ولولا ذلك لما ناسب ذكر الوعيد معه، ولأن ختم الكلام بما هو أقوى دلالة على أن الرحمة أرجى وأقرب لحسن الظن بالله تعالى. (٥) وقال: فإن قلت: لم قال ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٦) بلفظ الفعل و ﴿غير المغضوب عليهم﴾ بلفظ الاسم؟ وهلا قال: صراط المنعم عليهم كما قال: غير المغضوب؟ قلت: فالجواب أنه قصد التنبيه على التأدب مع الله تعالى بنسبة الإنعام عليه وعدم نسبة الشر إليه بل أتى به بلفظ المفعول الذي لم يتم فاعله فلم ينسب الغضب إليه على معنى الفاعلية وإن كان هو الفاعل المختار لكل شيء لكن جرت العادة في مقام التأدب أن ينسب للفاعل الخير دون الشر. وأجاب القاضي العماد بوجوه: الأول: من ألطاف الله أنه إذا ذكر نعمة أسندها إليه فقال: ﴿وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة ...﴾ (٧) ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٨)

стр. 670

الثاني إنما قال: ﴿غير المغضوب عليهم﴾، ليدخل غضبه وغضب الملائكة والأنبياء والمؤمنين فهو أعم فائدة. الثالث: إنما لم يقل صراط المنعم عليهم لأن إبراز ضمير فاعل النعمة ذكر وشكر له باللسان وبالقلب فيكون دعاء مقرونا بالشكر والذكر. الرابع فيه فائدة بيانية، وهو أنه من التفنن في الكلام لأنه لو أجري على أسلوب واحد لم يكن فيه تلك اللذاذة وإذا اختلف أسلوبه ألقى السامع إليه سمعه وهو تنبيه وطلب إحضار ذهنه من قريب ومن بعيد. قال: وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ (١) فالنعمة تفضل ورحمة والانتقام عدل وقصاص. (٢) وقوله: وفي دعوة الله عباده المؤمنين إلى الجنة والمغفرة في قوله تعالى ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة﴾ (٣)، تساءل ابن عرفة بقوله: هلا قال: والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة بإذنه، كما أسند للمشركين الدعاء إلى النار. وأجاب بأن فيه كمال تشريف لدين الإسلام، وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (٤). تاسعا: موقفه من القراءات: ومن مواضع تعرضه للقراءات كلامه في الاستعاذة حيث قال: وحكى أبو عمرو الداني في بحار البيان في كيفيته ثلاثة أوجه: إما أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم وحكى في كتاب الإقناع: أن الأولى أن تقول: أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي. وقال الشاطبي: إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ ... جهارًا من الشيطان بالله مسجلا على ماأتى في النحل يسرًا وإن تزد ... لربك تنزيهًا فلست مجهلا وقد ذكروا لفظ الرسول فلم يزد ... ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا (٥)
следующие страницы →