← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

تمنى كتاب الله أول ليله ... وآخره لاقى حمام المقادر وإما معنى التمني أنهم يتمنون أن يكونوا يحفظونه ... الخ. (١) وسيأتي أمثلة أخرى فيما يلي. ومن مواضع تعرضه للبلاغيات وأفانين الكلام: في قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾ (٢)، قال: أورد الزمخشري هنا سؤالاً قال: الإشارة بذلك للبعيد وهو هنا قريب؟ وأجاب بأن المراد البعد المعنوي ورد ابن عرفة سؤال الزمخشري فقال: السؤال غير وارد لأنه أجاب في غير هذا الموضوع في قوله تعالى ﴿فذلكن الذي لمتنني فيه﴾ (٣) وفي قوله تعالى ﴿عوان بين ذلك﴾ (٤) بأن الإشارة بلفظ البعيد للقريب على سبيل التعظيم، وهو معنى يذكرة البيانيون. وعبر عنه باسم الإشارة دون ضمير الغيبة تنبيها على أنه كالمحسوس المشار إليه، فهو دليل على عظمته في النفوس. (٥) ومن معاني اسم الإشارة عند علماء البلاغة ماذكره ابن عرفة في تفسير قوله تعالى ﴿أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم ...﴾ (٦)، قال: قال أهل البيان اسم الإشارة يؤتى به للتحقير كهذه الآية، ومثله ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾ (٧)، وقوله: تقول وصكت صدرها بيمينها ... أبعلي هذا بالرحى المتقاعس يصف امرأة رأت بعلها يطحن وهو في جمع من النساء فاحتقرته. (٨) ونوع آخر من أنواع المجاز يذكره ابن عرفة وهو مجاز التمثيل قال في قوله تعالى: ﴿خطوات الشيطان﴾ (٩): ليس المراد النهي عن اتباع خطواته حقيقة، إذ لانراه نحن بل الخطوات معنوية. كما تعرض لأسلوب الالتفات في القرآن فقال في تفسير قوله تعالى: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق ... .﴾ (١٠)، الإشارة إلى الآيات المتقدمة وعبر عن التلاوة الماضية بصيغة المستقبل للتصور والدوام وإما أن يكون ﴿نتلوها﴾ مستقبلا حقيقة، والإشارة إلى التقدم باعتبار لفظه فقط مثل: عندي درهم

стр. 667

ونصفه، أو الإشارة إلى المستقبل المقدر في الذهن تحقيقًا لوقوعه، وتنزيلاً له، منزلة الواقع حقيقة وهي الآية، التفاتا بالانتقال من الغيبة إلى التكلم. (١) كما بين حسن التركيب في قوله تعالى ﴿ويعلم مافي السموات وما في الأرض والله على كل شيء قدير﴾ (٢)، قال: انظر حسن تركيب هذه الآية .. فإن الوعيد والتخويف إنما يكون لمجموع صفتي العلم والقدرة، فالقادر إذا لم يعلم بمخالفة عبده له، لايعاقبه، وكذلك إن علم ولم يقدر على العقوبة. (٣) كما تكلم عن اللف والنشر وبين أنه قسمان: أحدهما موافق وهذا مثل قوله تعالى ﴿فمنهم شقي وسعيد فأما الذين شقوا ففي النار﴾ (٤)، والثاني مخالف كقوله سبحانه ﴿يوم تبيض وجوه وتسود وجوه فأما الذين اسودت وجوههم﴾ (٥) قال: وحكمة ذلك في الجمع الاهتمام بمقام التخويف والإنذار فلذلك بدأ بأهل الشقاوة في الآيتين. (٦) ومن الصور البديعية في القرآن تأكيد الذم بما يشبه المدح وهو ماأشار إليه ابن عرفة عند تفسير قوله تعالى ﴿لايعلمون الكتاب إلا أماني﴾ (٧)، قال: هو من تأكيد الذم بما يشبه المدح، كقول الشاعر: هو الكلب إلا أن فيه ملالة ... وسوء مراعاة وما ذلك في الكلب (٨) وأما الإعراب فحين يقع الاختلاف بين المفسرين حول الإعراب في الآية يعرض آراءهم، ثم يأخذ بالرأي الذي يتفق مع منهجه في إبراز معاني الآية، وهو في سبيل الوصول إلى هذا الغرض يعرض الآراء ويحللها ويناقشها مرجحا بعضها على بعض. مثال ذلك تفسيره لقوله تعالى ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ (٩)، عرض رأي الزمخشري في هذه الجملة بأنه إما تفسير لما قبلها أو استئناف. وحلل ابن عرفة هذا الرأي بأن الفرق بينهما أنه على الأول يكونون وصفوا بأمرين: بعدم الإيمان وبالخداع، وعلى الثاني وصفوا بعدم الإيمان، فكأن قائلاً يقول: لم حكم عليهم بعدم الإيمان؟ فقيل: لأنهم يخادعون الله.

стр. 668

ثم عرض رأي أبي حيان بما نصه: ﴿يخادعون﴾ مستأنفة أو بدل من ﴿يقول آمنا﴾ ولا موضع لها، أو حال من فاعل يقول، فموضعها نصب. ثم انتقل إلى عرض رأي أبي البقاء الذي أجاز أن تكون الجملة حالا من الضمير في ﴿مؤمنين﴾، وأشار ابن عرفة إلى أنه اعترض بأنه يلزم منه نفي الإيمان المقيد بالخداع، وهو فاسد، لأن المقيد بقيد إذا نفي فله طريقان، إما نفي المقيد فقط وإثبات المقيد، وهو الأكثر، فيلزم إثبات الإيمان، ونفي الخداع وهو فاسد، وإما نفيهما معًا، فيلزم نفي الإيمان والخداع وهو فاسد. قال: ومنع أن تكون الجملة حالا من الضمير في آمنا، لأن آمنا محكي بيقول، فيلزم أن يكونوا أخبروا عن أنفسهم بأنهم يخادعون وهو باطل، وأيضًا فلو كان من قولهم لكان يخادع بالنون. وفي الخلاصة يؤيد ابن عرفة رأي أبي البقاء المتمثل في إعراب الجملة حالا من الضمير بمؤمنين، ومثال ذلك أن تقول: قال زيد: إن عمرا منطلق، وهو كاذب. فهذه الجملة الأخيرة وهو كاذب في موضع حال مع أنها ليست من قول زيد، وبذلك لايلزم أن يكون ﴿يخادعون الله﴾ (١) مقولا لهم بأي وجه من الوجوه. (٢) وبالإضافة إلى تعرضه للمواضيع النحوية فإنه يعللها أحيانا، ومن هذا تعليله للتأكيد في قوله تعالى ﴿ومن لم يطعمه فإنه مني﴾ (٣)، حيث أبان أنه أكد الثاني بإن، ولم يقل في الأول: فمن شرب منه فإنه ليس مني. وإنما جاءت الآية بقوله ﴿فمن شرب منه فليس مني﴾ (٤) فأجاب ابن عرفة على هذا بأنه لم يقع تأكيد الأول لأن سببه أكثر في الوقوع، وتم تأكيد الثاني لأن سببه أقل في الوقوع، بهدف التحريض على المبادرة إلى امتثال سببه والعمل بمقتضاه. (٥) ويرد ابن عرفة إعراب الزمخشري في قوله تعالى ﴿وصدها ماكانت تعبد﴾ (٦)، مستشهدًا على رأيه بالشعر حيث أشار إلى أن واصل صدها: "ما" في الأظهر في حين أن الزمخشري جعله مضمرًا أي ضلالها أو الله أو

стр. 669

سليمان، وما مفعول على إسقاط حرف الجر، أي صدها عما كانت تعبد ولا يقبل ابن عرفة هذا التأويل ويرده ويضعفه لأنه ليس من مواضع حذف الجار، وهو لايجوز إلا للضرورة الشعرية كقولهم: تمرون الديار ولم تعوجوا ... . . . . . . . . (١) وهو يهتم بالنكات التفسيرية: ومن ذلك قوله في قوله تعالى ﴿الرحمن﴾ (٢): وقدم على ﴿الرحيم﴾ إما لأن الرحمن انفرد به البارئ تعالى أو لإفادته عموم الرحمة فكان أصلا، والرحيم كان كالزيادة في التشريف للمؤمنين قال تعالى: ﴿للذين أحسنوا الحسنى وزيادة﴾ (٣) وإما لأجل رأس الآي في الفاتحة. وقيل: الرحيم أبلغ بدليل ذكره بعد الرحمن، ولأن الرحمن يفيد نوعًا من القهر والكبرياء قال تعالى: ﴿الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا﴾ (٤) ولولا ذلك لما ناسب ذكر الوعيد معه، ولأن ختم الكلام بما هو أقوى دلالة على أن الرحمة أرجى وأقرب لحسن الظن بالله تعالى. (٥) وقال: فإن قلت: لم قال ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٦) بلفظ الفعل و ﴿غير المغضوب عليهم﴾ بلفظ الاسم؟ وهلا قال: صراط المنعم عليهم كما قال: غير المغضوب؟ قلت: فالجواب أنه قصد التنبيه على التأدب مع الله تعالى بنسبة الإنعام عليه وعدم نسبة الشر إليه بل أتى به بلفظ المفعول الذي لم يتم فاعله فلم ينسب الغضب إليه على معنى الفاعلية وإن كان هو الفاعل المختار لكل شيء لكن جرت العادة في مقام التأدب أن ينسب للفاعل الخير دون الشر. وأجاب القاضي العماد بوجوه: الأول: من ألطاف الله أنه إذا ذكر نعمة أسندها إليه فقال: ﴿وإنا إذا أذقنا الإنسان منا رحمة فرح بها، وإن تصبهم سيئة ...﴾ (٧) ولذلك قال إبراهيم ﵇: ﴿وإذا مرضت فهو يشفين﴾ (٨)

стр. 670

الثاني إنما قال: ﴿غير المغضوب عليهم﴾، ليدخل غضبه وغضب الملائكة والأنبياء والمؤمنين فهو أعم فائدة. الثالث: إنما لم يقل صراط المنعم عليهم لأن إبراز ضمير فاعل النعمة ذكر وشكر له باللسان وبالقلب فيكون دعاء مقرونا بالشكر والذكر. الرابع فيه فائدة بيانية، وهو أنه من التفنن في الكلام لأنه لو أجري على أسلوب واحد لم يكن فيه تلك اللذاذة وإذا اختلف أسلوبه ألقى السامع إليه سمعه وهو تنبيه وطلب إحضار ذهنه من قريب ومن بعيد. قال: وإشارة إلى قوله تعالى: ﴿ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك﴾ (١) فالنعمة تفضل ورحمة والانتقام عدل وقصاص. (٢) وقوله: وفي دعوة الله عباده المؤمنين إلى الجنة والمغفرة في قوله تعالى ﴿والله يدعو إلى الجنة والمغفرة﴾ (٣)، تساءل ابن عرفة بقوله: هلا قال: والمؤمنون يدعون إلى الجنة والمغفرة بإذنه، كما أسند للمشركين الدعاء إلى النار. وأجاب بأن فيه كمال تشريف لدين الإسلام، وهذا شبيه بقوله تعالى ﴿إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله﴾ (٤). تاسعا: موقفه من القراءات: ومن مواضع تعرضه للقراءات كلامه في الاستعاذة حيث قال: وحكى أبو عمرو الداني في بحار البيان في كيفيته ثلاثة أوجه: إما أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، وإما أعوذ بالله من الشيطان الرجيم إنه هو السميع العليم وحكى في كتاب الإقناع: أن الأولى أن تقول: أعوذ بالله القوي من الشيطان الغوي. وقال الشاطبي: إذا ما أردت الدهر تقرأ فاستعذ ... جهارًا من الشيطان بالله مسجلا على ماأتى في النحل يسرًا وإن تزد ... لربك تنزيهًا فلست مجهلا وقد ذكروا لفظ الرسول فلم يزد ... ولو صح هذا النقل لم يبق مجملا (٥)

стр. 671

فظاهره أن الآية مجملة، هو خطأ لأن المجمل عند الأصوليين هو اللفظ المحتمل معينين فصاعدا على التساوي، وليست الآية كذلك بل هي عندهم من قبيل المطلق الذي يصدق بصورة ... قال: وعادتهم يجيبون عنه بأنه من قبيل الإجمال اللغوي لا الاصطلاحي. ثم قال: وفيه مقال في الأصول فروعه ... فلا تعد منها باسقًا ومظللا (١) ومراده بالأصول إما الكتب المطولة وإما أصول الفقه. (٢) وفي قوله تعالى: ﴿ءأنذرتهم ...﴾ (٣) قال: أنكر الزمخشري هنا قراءة ورش وجعلها لحنا وكفره الطيبي وظاهر كلام الطيبي هذا أن السبع قراءات أخبار آحاد وليس بمتواتر قال ابن عرفة: وحاصل كلام الناس فيها أنها على وجهين: فأما ما يرجع إلى آحاد الكلام كملك ومالك ويخدعون ويخادعون فهو متواتر اتفاقًا من غير خلاف منصوص إلا أن ظاهر كلام الداوودي على ما نقل عنه الأنباري أنها غير متواترة وأما ما يرجع إلى كيفية النطق بها من إعراب وإمالة وكيفية وقف ففيه ثلاثة أقوال: الأول: نقل الأنباري شارح البرهان عن أبي المعالي أنها متواترة وأنكره عليه وهو اختيار الشيخ أبي عبد الله محمد بن سلامة من أشياخنا الثاني: أنها متواترة عند القراء فقط نقله المازري في شرح البرهان واختاره شيخنا ابن عرفة. الثالث: أنها غير متواترة قاله ابن العربي في العواصم والقواصم والأنباري وابن رشد في كتاب الصلاة الأول وفي كتاب الجامع الرابع من البيان والتحصيل قال ابن عرفة: وهو اختيار الشيخ أبي إسحاق إبراهيم الجزري وشيخنا القاضي أبي عبد الله محمد بن عبد السلام وصاحبنا الفقيه أبي العباس أحمد بن إدريس البجائي. (٤) وهو يتعرض للقراءات من حيث التركيب اللغوي ويطنب في ذلك:

стр. 672

ذكر في تفسير قوله سبحانه ﴿والله يؤيد بنصره من يشاء إن﴾ (١)، أنها قرئت بتسهيل الهمزة، وأن أبا حيان جوز تسهيلها، وبعضهم يذهب إلى عدم تسهيلها، لأنه قريب من السكون فيلتقي ساكنان، غير أن ابن عرفة يرد قولهم هذا بما ورد في قراءة الآية ﴿سواء عليهم ءأنذرتهم﴾ (٢)، التي وقع فيها تسهيل، في حين التقى فيها ثلاث سواكن. (٣) وقال في قوله تعالى ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾ (٤): وقرأ ابن كثير ﴿آدم﴾ بالنصب و ﴿كلمات﴾ بالرفع. قال ابن عرفة: قراءة الجماعة بالرفع ظاهرة لأنه هو فاعل التلقي فكلفة التلقي والقصد إليه وإمعان النظر فيه ظاهر وأما قراءة ابن كثير فتقتضي أن آدم ﵇ أتاه التلقي هجما من غير نظر فيمكن فهمه على أنه أتته أوائل درجات النظر بالبديهة لأن المعقولات فرع المحسوسات فأول درجات النظر مدرك معلوم بالبديهة لا يفتقر إلى تقدم شيء قبله لأن لا يلزم عليه التسلسل وتنكير ﴿كلمات﴾ للتشريف والتعظيم. (٥) وهو يتعرض للقراءات الشاذة ومن ذلك قوله: قال ابن عطية: وقرأ سفيان بن عينية ورؤبة بن العجاج "الحمد لله" بفتح الدال ... على إضمار فعل. قال ابن عرفة: وقالوا: وقراءة الضم أدل على الثبوت ... ، قال الزمخشري: ومنه قوله تعالى: ﴿قالوا سلاما قال سلام﴾ (٦) بالرفع في الثاني ليدل على أن إبراهيم حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لأن الرفع دال على الثبوت. وكذا قال السكاكي في علم البيان. (٧) كما ذكر ابن عرفة رأي ابن جني في قراءة قوله تعالى: ﴿فرجل وامرأتان﴾ (٨)، وهو المتمثل في أنه لانظير لتسكين الهمزة المتحركة، وإنما خففوا الهمزة فقرب من الساكن، ثم بالغوا في التخفيف، فصارت الهمزة ألفا ساكنة، ثم جعلوا الهمزة على الألف ساكنة ومثلوا له بقراءة ابن كثير ﴿وكشفت عن سأقيها﴾ (٩)، لكن ابن عرفة بعد عرضه للقراءة التي نقلها ابن جني وتعليقه عليها يشير إلى أنه

стр. 673

توجد في القرآن، ثلاث نظائر لتسكين الهمزة المتحركة إجراء للوصل مجرى الوقف أولها في قوله تعالى ﴿وجئتك من سبأ بنبأ يقين﴾ (١) ورويت هذه القراءة عن قنبل، والموضع الثاني في قوله تعالى ﴿مادلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل منسأته﴾ (٢)، ورويت هذه القراءة عن ابن ذكوان، والموضع الثالث في قوله ﴿ومكر السيء﴾ (٣) وهي قراءة حمزة. (٤) كما كان لابن عرفة موقف موفق في رده قراءة ابن عطية التي خالف فيها القراءة المتواترة في قوله تعالى ﴿لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة﴾ (٥)، إذ قرأ ابن عطية المقيمون، وهي قراءة شاذة، وأشار إلى أن كلام الزمخشري في هذه الآية أصوب من كلام ابن عطية الذي أطنب في تخطئه قراءة ﴿المقيمين﴾ مع أنها نالت إجماع القراء السبعة. (٦) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: إن المتتبع لتفسير ابن عرفة يلاحظ اهتمامه بالفقه وأصوله: فهو يتوقف عند آيات الأحكام ويستخرج منها الأدلة الأصولية، ويعنى بالتفريعات الفقهية مما يدل على سعة علم الرجل، ودقة فهمه، وهو يقوم بهذا العمل حتى مع الآيات التي ظاهرها لايتناول الفقه فيستنتج منها حقائق أصولية واجتهادات فقهية، وقد أشار إلى هذا الشيخ ابن عاشور بقوله: وهو شديد الاهتمام بأن ينتزع من الآيات ماهو من سياقها أو ليس منه بما يرجع إلى الأحكام التكليفية من مسائل الأصول ومسائل الفقه، وإيراد مايتعلق بذلك من الأنظار ومناقشتها. (٧) وهو في تناوله لمسائل الفقه في تفسيره لايعرض رأيًا إلا وينسبه لقائله، ولا يتعرض إلى المسائل الخلافية إلا في القليل النادر، لأن المقام لايستدعي الإطالة، إذ هو يلقي دروسه على طلبته في علم التفسير وهو ليسوا في حاجة

стр. 674

إلى الخلافيات والمقارنات الفقهية، التي يتناولونها في دروس الفقه. في قوله تعالى ﴿ثلاثة قروء﴾ (١): يذهب إلى رأي يجمع فيه بين رأي مالك والشافعي لأن الأول يفسر القرء بالطهر، والشافعي يفسره بالحيض فيرى ابن عرفة أن القرء مشترك بين الطهر والحيض، غير أن الطلبة وهم يناقشون شيخهم في هذه المسالة قالوا له: كنت قلت لنا أن هذا ليس من ذلك لأن الجمع من قرية الماء في الحوض غير مهموز، والقرء مهموز، وقلت لنا الصحيح أنه للقدر المشترك، وهو براءة الرحم، فرد ابن عرفة على الطلبة: أن ظاهر الآية يدل على أن القرء هو الحيض، يعني معنى التربص هو الانتظار، وهذا الانتظار يستلزم قروء مستقبلة، إذ الشارع قد أمر بطلاق لم تمس فيه المرأة، فإذا اعتبرنا القرء حيضًا صح الانتظار وإذا اعتبرناه طهرًا لم يستقم إسناد الانتظار. (٢) ومن أمثلة ذلك رده لاجتهاد الإمام المازري في تجويزه إعطاء الرشوة للحصول على القضاء عند تفسيره لقوله تعالى ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل وتدلوا بها إلى الحكام﴾ (٣)، قيل لابن عرفة أن المازري حكى في تعليقه عن الشعبي أن الفقيه إذا علم وتأكد لديه أن ليس هناك من هو أفضل منه في بلده، فلا بأس أن يسعى للحصول على ولاية القضاء، ولو أدى به الأمر إلى إعطاء الأجرة والرشوة لولاة الأمر فأنكر ابن عرفة هذا الرأي، وقال: إنه من باب أكل المال بالباطل والمشارفة فيه على الخطأ، وأشار إلى أن ماأدرك عليه القضاة أن بعضهم كان يتسبب في الحصول على المنصب القضائي بالكلام فقط. (٤) وتفسير ابن عرفة كما ذكرنا متميز بأنه تفسير أصولي ويظهر ذلك في مواضع كثيرة إذ يستفيض في هذا المجال لأدنى مناسبة ومن ذلك عندما رد تفسير ابن عطية لقوله تعالى ﴿لم تلبسون الحق بالباطل﴾ (٥) حيث اعتمد رأي ابن جريج في أن المعنى يلبسون التوراة والإنجيل بالقرآن. فصرح ابن عرفة بأنه خطأ واضح لأن القرآن حق، وأما الذي دخلت عليه الباء في

стр. 675

الآية فهو الباطل ثم شرح الآية مستخدمًا في تفسيره طريقة أصول الفقه حيث إن عادة الأصوليين إيراد السؤال وهو أن القاعدة في اشتمال الكلام على أمرين: أعم وأخص، وأن يبدأ في الإثبات بالأعم ثم بالأخص. وفي النفي يبدأ بالأخص ثم بالأعم لأن ثبوت الأخص يستلزم ثبوت الأعم، ونفي الأعم يستلزم نفي الأخص والذم على فعل الشيء، يتنزل منزلة نفية، والكفر بآيات الله أعم من إلباس الحق بالباطل على مافسروه، لأن الكافر يلبس فيخلط التوراة بغيرها. وقد لا يفعل ذلك. والإلباس للحق بالباطل أخص لأنه كفر بلاشك. (١) وفي قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ (٢) قال ابن عرفة: مفهوم الآية ملغي بنص السنة لأن النبي ﷺ رهن درعه في الحضر وأيضًا فهو مفهوم خرج مخرج الغالب لأن السفر مظنة لعدم وجدان الكاتب أو هو شيء من الأدلة غالبا بخلاف الحضر. قال ابن عطية: أجمع الناس على صحة قبض المرتهن وعلى قبض وكيله. واختلفوا في قبض عدل فجعله الإمام مالك قبضا. قال ابن عرفة إذا لم يكن من جهة الراهن. وقال الحكم ابن عيينة وقتادة: ليس بقبض. قال ابن عرفة: إذا قبض المرتهن الرهن ولم يزل حائزا له كان أحق به بلا خلاف. وإن كان قبضه بالشهادة ثم أذن المرتهن للراهن في التصرف فيه فتصرف فيه الراهن بطل الحوز بلا خلاف وإن أذن المرتهن الراهن في التصرف فيه فلم يتصرف فيه ولم يزل بيد ... الخ. (٣) وقال ابن عرفة في قوله تعالى ﴿والله يعلم وأنتم لا تعلمون﴾ (٤) الآية تدل على أن جميع الأحكام الشرعية تعلل، وذلك أنهم اختلفوا في التعبدات، فذهب جماعة منهم الشيخ همام عز الدين ابن عبد السلام إلى أنها الأحكام التي لاعلة لها، والآية تقتضي أن الأحكام كلها لاتكون إلا لمصلحة لأنها خرجت مخرج التبيين على كمال المبادرة إلى امتثال الأحكام الشرعية فدل على أن المراد والله أعلم، مافي ذلك من المصلحة، وأنتم لا

стр. 676

تعلمون هذا فعليكم أن تأخذوها بالقبول. (١) ويرد على ابن عطية الذي اعتبر تخصيص القرآن لفعل الرسول ﷺ نسخًا. وتفصيل ذلك ماذكره من أن النبي ﷺ أتي بصدقة فجاءه يهودي يطلب العطاء فرد عليه الرسول ﷺ : "ليس لك من صدقة المسلمين شيء". فذهب اليهودي غير بعيد، فنزلت الآية، فدعاه رسول الله ﷺ ثم أعطاه، قال ابن عطية: نسخ الله ذلك بقوله: ﴿إنما الصدقات للفقراء والمساكين﴾ (٢)، قال ابن عرفة: هذا ليس بنسخ، لكن المتقدمين يطلقون عليه نسخًا والمتأخرين يقولون العام إذا عمل به، ثم ورد بعد ذلك خاص، فهو نسخ له، وإن ورد الخاص بعده، وقبل العمل به، فهو تخصيص لانسخ. (٣) وتعرض ابن عرفة إلى مسألة نسخ القرآن بخبر الواحد وهي مسالة خلافية، حيث إن الجمهور على جواز هذا النوع من النسخ عقلا، وأما وقوعه شرعًا ففيه خلاف بين العلماء. ذكر أبو المعالي أنه وقع في مسجد قباء، وذلك عندما كان جمع من الصحابة يصلون صلاة العصر إلى القدس فمر بهم صحابي وأعلمهم بأن القبلة حولت إلى المسجد الحرام فتحولوا. (٤) وتعرض ابن عرفة إلى نسخ الحكم الأثقل بالأخف، فأشار إلى ماأورده ابن عطية من إمكانية هذا النسخ ومثاله نسخ قتال الواحد للعشرة، ونسخ الثبوت للعشرة بالثبوت لشخصين فقط. ويبين ابن عرفة أن العبرة، في الثقل والخفة بالمصلحة فقد يكون متعلق هذه المصلحة أرجح من متعلق المصلحة الأخرى أو مساويًا لها ولا شك أن وقوف الواحد للعشرة ثوابه يكون أعظم من ثواب ماهو أخف منه، وأقل ثوابًا لكونه أكثر الوقوع، فيتعدد ثوابه ويكثر بتعدد وقوعه. (٥) كماعرض إلى موضوع نسخ القرآن بالقياس، فمنع وقوعه كما منع النسخ بالإجماع وأشار إلى هذا بقوله ولا يصح نسخ النص بالقياس، لأن النص المقيس عليه إما أن يكون موافقًا لذلك النص المنسوخ أو مخالفًا، فإن كان موافقًا، فلا نسخ، وإن كان مخالفًا فهو الناسخ لا القياس، ثم قال: ولا ينسخ

стр. 677

النص بالإجماع لأنه إنما يكون في حياة النبي ﷺ ، والإجماع إنما هو بعد وفاته. (١) ومن مواضع إطنابه في بعض المسائل قوله: ولقد اختلف الأصوليون في واضع اللغة على تسعة مذاهب ... فذكرها (٢) عاشرا: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية: لقد أعجب ابن عرفة بعلم المنطق وألف فيه (المختصر في المنطق) وطبقة في دروسه الفقهية، واعتمده كذلك في تفسيره فكان يورد تعاريف المناطقة ومصطلحاتهم أحيانًا يستعين بها لبيان المعاني القرآنية، ومن ذلك: في تفسيره لقوله ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلاً من ربكم﴾ (٣)، حيث تطرق إلى بيان التعبير بالنفي بحرف ليس. فقال: والنفي بليس لما يتوهم وقوعه، والإثم كان متوهما وقوعه في سفر الحج للتجارة، بخلاف النفي بلا حسبما ذكره المنطقيون في السالبة والمعدولة، مثل الحائط لايبصر وزيد ليس يبصر أو غير بصير. (٤) ويفصل القول في إحدى قضايا المنطق، وهي قضية القياس الشرطي، فيبين علاقة اللزوم والمتابعة فيها، وذلك عند تفسيره لقوله تعالى ﴿إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا ...﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فإن حزب الله هم الغالبون﴾ (٥). (٦) كما تعرض ابن عرفة لبعض القضايا العلمية الطبيعية فاستدل ابن عرفة على كروية الأرض بقوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ (٧)، وبقوله تعالى: ﴿فلا أقسم برب المشارق والمغارب﴾ (٨)، حيث بين أن تعدد المشرق والمغرب، دليل على أن الأرض كروية لأن كل مغرب وضع لقوم وكل مشرق وضع لآخرين. (٩) ورد على من ينكر كروية الأرض واعتبارها بسيطة، وهو مايستفاد من قوله تعالى ﴿وهو الذي مد الأرض﴾ (١٠)، فأوضح أن مد الأرض هو

стр. 678

بسطها وأنها نظرًا لاتساعها وكبرها تبدو بسيطة في حين أنها كروية، وأتى برأي إقليدس. (١) كما يؤكد على كروية الأرض في قوله تعالى ﴿ولله مافي السموات وما في الأرض﴾ (٢). ويذهب إلى أن السماء كروية أيضًا (٣) وهو مذهب المتأخرين واحتج بقوله تعالى ﴿رفع السموات بغير عمد﴾ (٤) إذ قال: مذهب الجمهور أنها مرفوعة بغير عمد والضمير عائد على السموات والصحيح عندهم أنها كروية. وفي قوله ﴿الصراط المستقيم﴾ (٥) قال: وصفه على هذا بالمستقيم لأن طريق الخير قسمان قريبة وبعيدة. فالمستقيم نص إقليدس على أنه أقرب خطين بين نقطتين فالخط المستقيم أقرب من المعوج فلذلك وصفه على هذا بالمستقيم. (٦) وحول مغرب الشمس أشار إلى أن الشمس أكبر من الأرض وأن غروبها لايقع في الحقيقة في العين الحمئة الواردة في قوله تعالى ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾ (٧)، لأن الجرم الكبير لايغرب في الصغير فالمراد أن ذلك هو المحل الذي رآها منه حتى غربت ولا تغرب كل يوم فيه فإن لها مغارب ومشارق، مع أنها تغرب على قوم وتطلع على آخرين. أما المواعظ والآداب فلم يكن لها في تفسير ابن عرفة حظ كبير بل تتضمنها بعض النقول التفسيرية التي نقلها المفسر وبعض تعليقاته.

стр. 679

تفسير الثعالبي من خلال كتابه الجواهر الحسان مؤلف هذا التفسير هو عبد الرحمن بن محمد بن مخلوف الثعالبي الجزائري ت ٨٧٥ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بوادي يسر بالجزائر وتوفي بعاصمتها (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى "الجواهر الحسان في تفسير القرآن" طبع أكثر من مرة فهو مطبوع في الجزائر سنة١٣٢٧ طبعة قديمة في المطبعة الثعالبية دون عناية أو تحقيق، وله معجم مختصر في شرح غريب بعض ألفاظ القرآن طبع بآخر التفسير. وله طبعة أخرى قديمة بعناية محمد بن المصطفى ابن الخوجة بالجزائر سنة ١٩٠٥ م وله طبعتان حديثتان الأولى بتحقيق عمار الطالبي - المؤسسة الوطنية للكتاب والثانية بتحقيق محمد الفاضلي - المكتبة العصرية - بيروت سنة ١٤١٧ هـ ونظرا لكون هذا التفسير أو تفسير مطبوع أتعرض له في الدراسة فسوف أختصر فيه المقال عن سابقيه لسهولة الوصول إليه، وأستعيض عن نقل النصوص الطويلة منه بالإشارة لأرقام الصفحات، وهكذا سيكون المنهج مع غيره ممن هو مثله إن شاء الله تعالى. وقد كتبت دراسة علمية بعنوان " عبد الرحمن الثعالبي ومنهجه في التفسير" كتبها عبدالحق عبد الدائم سيف القاضي وهي رسالة ماجستير مرقونة على الآلة الكاتبة بإشراف د. عبد الفتاح سلامة بالجامعة الإسلامية سنة ١٤٠٥ هـ.

стр. 680

وننقل هنا خلاصة ماتوصل له الباحث حول هذا التفسير، قال: جاء تفسير الثعالبي سديدا في منهجه وعذوبة مورده بعيدا عن الحشو والتطويل وفضول الكلام. ويعد مرجعا مهما في بابه لأنه يعتبر عصارة تفسير ابن عطية الذي يعتبره ابن خلدون عصارة التفاسير المتقدمة عليه. فقام إلى تفسير ابن عطية ونحى منه وفرة وفيرة من الأقوال المتشعبة والاختلافات الكثيرة والروايات المتعددة واختار منها ماهو أقرب إلى الروح القرآنية السمحة ... وهو بهذا يطمع أن ينتفع بذلك جمهرة كبيرة من العامة والخاصة كما نوه بذلك في مقدمة تفسيره وكان حريصا أثناء اختصاره لتفسير ابن عطية على تنقية الآراء وعلى إبقاء الطابع العام كما هو دون تغيير أو تبديل حتى تبقى شخصية ابن عطية ماثلة واضحة جلية إلا أنه أحيانا كانت تجذبه العاطفة الدينية كلما سنحت له الفرصة فيطلق لقلمه العنان في سرد الأحاديث والأقوال المتعلقة بالترغيب والترهيب والتذكير بأمور الآخرة والتزهيد في الدنيا والتقليل من شأنها ... الخ (١). وقد خلص الباحث إلى ملاحظات من خلال مقارنة الثعالبي بابن عطية تتلخص فيما يلي: - تفوق الثعالبي على ابن عطية في مجال الحديث. - تعقب الثعالبي ابن عطية في مسائل قال بها ثم عدل عنها. - استدراك الثعالبي على ابن عطية فيما يتعلق بمنزلة الأنبياء وعصمتهم. - ترجيح الثعالبي لغير آراء ابن عطية في فهم بعض الآيات القرآنية. - مناقشة الثعالبي لابن عطية في بعض القضايا المختلفة. - مخالفة الثعالبي لابن عطية في بعض الألفاظ اللغوية والنحوية. المنهج العام للتفسير: (٢) وتفسير الجواهر الحسان يعتير في الجملة تفسيرا أثريا ذا نزعة صوفية

стр. 681

وعظية يهتم بالقضايا الاجتماعية. كما يهتم بالمقارنة بين مختلف التفاسير، وترجيح بعضها على الآخر، وذلك في مواضع كثيرة من تفسيره كقوله مثلاً: "وأرجح الأقوال عندي قول هذه الطائفة وفي الحديث الصحيح ... " وذلك باعتماده على حديث صحيح، وكقوله: "وهي مع ذلك عند التأمل يلوح منها تأويل قتادة المتقدم فتأمله"، وكقوله: "وهذا التأويل عندي أبين إذا لخص وإن كان قد استبعده ابن عطية"، ويرجح أحيانًا تفسير الطبري فيقول: "وما قال الطبري عندي أبين" ويقول: "وهذا هو الراجح الذي تدل عليه الأحاديث وظواهر الآيات"، " وأظهرها عندي قول أبي جعفر". ويرجح أحيانًا عند مقارنته تفسير أهل بلده مثل ترجيحه تفسير عبد الحق الخراطي أو البجائي فيقول: " وهذا هو الصواب إن شاء الله تعالى وهو تأويل صاحب العاقبة" ويميل أحيانا أخرى إلى تأويل الحديث ليخلص إلى رأى اجتهادي له كرأيه في عدم القيام للقادم لتحيته يقول: "وفي الاحتجاج بقضية سعد نظر لأنها احتفت بها قرائن سوغت ذلك، والسلامة عندي ... "، ويرجح أحيانا كثيرة تفسير البخاري كقوله مثلا: " والأول أبين وهو تفسير البخاري ". ولم يخل منهجه من عنصر النقد، فكما نقد كثيرا من الآثار والروايات سندا ومتنا نقد أيضا في مواضع متعددة جماعة من المفسرين وعلى رأسهم ابن عطية الذي اختاره المصنف ليكون أساس تفسيره فيصرح أحيانا ببعد تفسير أو لفظة عن السياق فيقول مثلا: "وهذا تأويل بعيد من لفظ الآية كما ترى". ويكشف أحيانا عما يسميه قلقا في التوجيه أو في التعبير ويبين أحيانا أخرى أن ابن عطية خصص بدل أن يعمم بدون دليل مثل قوله في تفسير قوله تعالى: ﴿إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا﴾ (١) " والصواب عندي أن يقال: أما ثقله باعتبار سائر الامة فهو ماذكر من ثقل المعاني". كما ينبه في مواضع أخرى على تناقض ابن عطية فيقول مثلا: وماضعفه ﵀ صححه في

стр. 682

سورة البقرة ويقول: " وفي نظره ﵀ نظر يمنعني من البحث معه ماأنا له قاصد من الإيجاز والاختصار دون البسط والانتشار ". ونجده أحيانا أخرى ينبه إلى أخطاء وقع فيها ابن عطية فيقول: "وماذكره رحمه الله تعالى من البطلان لا يصح " ويشير في مواضع أخرى إلى أنه ترك عبارات من تفسير ابن عطية كلمات الواجب طرحها ولهذا أعرض عنها. أو أنه لم يتبع الأحسن في تفسير لفظة أو آية يقول: "فسر رحمه الله تعالى لفظ ﴿خاوية﴾ (١) في سورة الحج والنمل بخالية والأحسن أن تفسر هنا وفي الحج بساقطة وأما التي في النمل فيتجه أن تفسر بخالية وبساقطة". كما خطأ ابن عطية في ادعائه الإجماع على معنى آية فقال: "وليس هذا الإجماع بصحيح". ويصلح له بعض العبارات مثال ذلك قوله: "وصوابه أن يقول: عن بعض المقدورات لا عن كلها وهذا هو مراده ألا تراه قال في قوله تعالى: ﴿ولا يحيطون بشيء من علمه﴾ (٢) قال: يعني بشيء من معلوماته لأن علمه تعالى لا يتجزأ فافهم راشدا. " ولكن الإنصاف جعل الثعالبي يدافع عن ابن عطية إذا انتقده من لم يكن محقا في نقده كالصفاقسي، وأكثر من ذلك فإنه انتصر له في عدم موافقته الطبري في بعض مايذهب إليه. والتزم في طريقته تجنب التكرار والإعادة فيقول مثلا: "فأغنانا عن إعادته وهذه هي عادتنا في هذا المختصر." (٣) وبدأ الثعالبي بمقدمة لتفسيره جاء فيها: وماانفردت بنقله عن الطبري فمن اختصار الشيخ أبي عبد الله محمد بن عبد الله بن أحمد اللخمي النحوي لتفسير الطبري نقلت لأنه اعتنى بتهذيبه ... ، وكل مافي آخره انتهى، فليس هو من كلام ابن عطية، بل ذلك مما انفردت بنقله عن غيره ومن أشكل عليه لفظ في هذا المختصر فليراجع الأمهات المنقول منها، فليصلحه منها ولا يصلحه برأيه وبديهة عقله فيقع في الزلل من حيث لا يشعر، وجعلت علامة "التاء" لنفسي بدلا من "قلت" ومن شاء كتبها "قلت"، وأما "العين" فلابن عطية ومانقلته من الإعراب عن غير ابن عطية

стр. 683

فمن الصفاقسي مختصر أبي حيان غالبا وجعلت "الصاد" علامة عليه، وربما نقلت عن غيره معزوا لمن عنه نقلت وكل مانقلته عن أبي حيان فإنما نقلي له بواسطة الصفاقسي غالبا. قال الصفاقسي: وجعلت علامة مازدته على أبي حيان وما يتفق لي إن أمكن فعلامته: قلت، وبالجملة فحيث أطلق فالكلام لأبي حيان. قال: ومانقلته من الأحاديث الصحاح والحسان عن غير البخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في باب الأذكار والدعوات فأكثره من النووي وسلاح المؤمن، وفي الترغيب والترهيب وأحوال الآخرة فمعظمه من التذكرة للقرطبي والعاقبة لعبد الحق وربما زدت زيادات كثيرة من مصابيح البغوي وغيره كما ستقف عليه إن شاء الله تعالى كل ذلك معزو لمحاله وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم وجواهر السنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيدنا محمد ﷺ . وبعد المقدمة جعل بابا في فضل القرآن، ثم بابا في فضل تفسير القرآن وإعرابه، ثم فصلا في الجرأة على التفسير ومراتب المفسرين، ثم فصلا في المعرب من القرآن، ثم بابا في أسماء القرآن ومعنى السورة والآية، ثم شرع في تفسير البسملة، ثم قال: تفسير الفاتحة بحول الله وقوته. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: يهتم المصنف بذكر المكي والمدني وأسماء السورة ومن ذلك قوله في فاتحة الكتاب (١): قال ابن عباس وغيره: إنها مكية ويؤيد هذا أن في سورة الحجر ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم﴾ (٢) والحجر مكية بإجماع وفي حديث أبي بن كعب أنها "السبع المثاني" (٣). ولاخلاف أن فرض الصلاة

стр. 684

كان بمكة وما حفظ أنه كانت قط في الإسلام صلاة بغير الحمد لله رب العالمين وروي عن عطاء بن يسار وغيره أنها مدنية. وأما أسماؤها فلا خلاف أنه يقال لها: فاتحة الكتاب. واختلف هل يقال لها: أم الكتاب؟ فكره ذلك الحسن بن أبي الحسن وأجازه ابن عباس وغيره. وقوله في سورة البقرة (١): هذه السورة مدنية نزلت في مدد شتى وفيها آخر آية نزلت على رسول الله ﷺ وهي ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ماكسبت وهم لا يظلمون﴾ (٢) وهو يتعرض لعد الآي ومن ذلك قوله: وعدد آي سورة البقرة مائتان وخمس وثمانون آية، وقيل: وست وثمانون، وقيل: وسبع وثمانون. (٣) ثانيا: موقفه من العقيدة: وأما من الناحية الكلامية فمنهجه منهج الأشعري يأول آيات العقائد تأويل الأشعرية ويوجهها توجيههم، ولنأخذ مثالا على ذلك قال في قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش﴾ (٤) والمعتقد في هذا أنه سبحانه مستو على العرش على الوجه الذي قاله، وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار والتمكن والحلول والانتقال، لا يحمله العرش بل العرش وحملته محمولون بلطف قدرته ومقهورون في قبضته كان الله ولا شيء معه، كان سبحانه قبل أن يخلق المكان والزمان وهو الآن على ماعليه كان. (٥) وقوله: ﴿العلي﴾ (٦): يراد به علو القدر والمنزلة لا علو المكان لأن الله منزه عن التحيز (٧) وله ردود على المعتزلة وغيرهم وقد هاجم الزمخشري الذي ذهب إلى أن "لن" لتأبيد النفي لينفي رؤية الله سبحانه في قوله ﴿لن تراني﴾ (٨) وهنا نرى أن الثعالبي ينقد تفسير الزمخشري (٩) كما أنه لا يحبذ مطالعته متأثرا في ذلك ببعض شيوخه الأشاعرة الذين يرغبون عنه لاعتزاله (١٠).

стр. 685

وفي قوله ﴿ليس عليك هداهم﴾ (١) قال: ثم أخبر سبحانه أنه يهدي من يشاء، وفي الآية رد على القدرية، وطوائف المعتزلة، ثم بين تعالى أن النفقة المقبولة ما كان ابتغاء وجه الله، وفي الآية تأويل وهو أنها شهادة من الله تعالى للصحابة أنهم إنما ينفقون ابتغاء وجه الله سبحانه فهو خبر عنهم لهم فيه تفضيل. وقال في قوله تعالى ﴿واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ماكسبت﴾ (٢) ويومًا نصب على المفعول، لاعلى الظرف، وجمهور العلماء على أن هذا اليوم المحذر منه: هو يوم القيامة والحساب والتوفية، وقال قوم: هو يوم الموت، والأول أصح، وهو يوم تنفطر لذكره القلوب، وفي هذه الآية نص على أن الثواب والعقاب متعلق بكسب الإنسان، وهذا رد على الجبرية. الجانب الصوفي في منهجه: وإذا كان منهج الثعالبي منهجا تحقيقيا في أساسه وطابعه العام فإنه لم يخل من جانب صوفي واضح إذ كان هو نفسه صوفيا سنيا لا يذهب مذهب الحلول والغوص في مذهب وحدة الوجود (٣)، وهو ينقل في تفسيره نصوصا عن القشيري والمحاسبي من رعايته ومن مختصرها للعز بن عبد السلام ومن كتاب سنن الصالحين لأبي الوليد الباجي ومن التنوير لابن عطاء الله السكندري وعن صاحب التشوف المغربي وعن أبي القاسم عبد الرحمن بن يوسف اللجائي الصوفي وعن أبي مدين البجائي التلسماني وعن أبي الحسن الشاذلي وغيرهم. (٤) ومفهوم الولي عنده مفهوم قرآني قال في تفسير قوله تعالى: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾ (٥): وأولياء الله هم المؤمنون الذين والوه بالطاعة والعبادة وهذه الآية يعطي ظاهرها أن من آمن واتقى الله فهو داخل في أولياء الله وهذا هو الذي تقتضي الشريعة في الولي. (٦) وقد انتقد ظاهرة التصنع والرياء لدى بعض المتصوفة المرائين المتصنعين

стр. 686

فقال عند تفسير قوله تعالى ﴿فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال مبين﴾ (١): وهذا كله تغليظ على المرائين والمتصنعين ولا خلاف أعلمه بين أرباب القلوب وأئمة التصوف أن المتصنع عندهم بهذه الأمور ممقوت وأما من غلبه الحال لضعفه وقوي الوارد عليه حتى أذهبه عن حسه فهو إن شاء الله من السادة الأخيار يطول تعدادهم كابن وهب، وأحمد بن معتب المالكيين ذكرهما عياض في مداركه وأنهما ماتا من ذلك، وكذلك مالك بن دينار مات من ذلك ذكره عبد الحق في العاقبة ومن كلام عز الدين بن عبد السلام ﵀ في قواعده الصغرى قال: وقد يصيح بعضهم لغلبة الحال عليه، وإلجائها إياه إلى الصياح، وهو في هذا معذور، ومن صاح لغير ذلك فمتصنع ليس من القوم في شيء، وكذلك من أظهر شيئا من الأحوال رياء أو تسميعا فإنه ملحق بالفجار دون الأبرار. (٢) ونعلق على ماذكره هنا بأن أولى الناس بالخشوع النبي ﷺ ثم صحابته الكرام وعلماء الأمة الصدور من التابعين ومن بعدهم كالأئمة الأربعة ومن في منزلتهم ولم يصدر ذلك عن أحد منهم مما يدلل على كون ذلك مدخلا من مداخل الشيطان وتلبيسا من تلبيساته كما أفاض في ذكر جمل من ذلك ابن الجوزي في كتابه تلبيس إبليس وأفرده الشيخ أبو عبد الرحمن بن عقيل في رسالة مستقلة. ومن صوفياته قوله تحت قوله تعالى ﴿الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض﴾ (٣) وأخذ أبو سليمان الداراني قدح الماء ليتوضأ لصلاة الليل وعنده ضيف فرآه لما أدخل إصبعه في أذن القدح أقام كذلك مفكرًا حتى طلع الفجر، فقال له: ماهذا ياأبا سليمان؟ فقال: إني لما طرحت إصبعي في أذن القدح تذكرت قول الله سبحانه ﴿إذ الأغلال في أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم﴾ (٤) فتفكرت في حالي، وكيف أتلقى الغل إن طرح في عنقي يوم القيامة، فما زلت في ذلك حتى أصبحت.

стр. 687

ونقل عن ابن عطية قوله: وحدثني أبي ﵁ عن بعض علماء المشرق قال: كنت بائتًا في مسجد الأقدام بمصر فصليت العتمة فرأيت رجلا قد اضطجع في كساء له حتى أصبح، وصلينا نحن تلك الليلة وسهرنا، فلما أقيمت صلاة الصبح قام ذلك الرجل، فاستقبل القبلة فصلى مع الناس فاستعظمت جرأته في الصلاة بغير وضوء، فلما فرغت الصلاة خرج فتبعته لأعظه فلما دنوت منه سمعته وهو ينشد: منسحق الجسم غائب حاضر ... منتبه القلب صامت ذاكر منقبض في الغيوب منبسط ... كذاك من كان عارفًا ذاكرا يبيت في ليله أخا فكر ... فهو مدى الليل نائم ساهر قال: فعلمت أنه ممن يعبد بالفكرة، فانصرفت عنه. (١) وهذا أيضا الذي ذكره لا محل له من أهل الصدر الأول وهم أخشى الناس وأتقاهم، وقد حرم المسكين من قيام الليل ومناجاة الخالق والاقتراب منه في السجود، والتفكر في آيات الله وهو بين يدي الله، ليس وهو نائم أو سارح! غفر الله لنا تقصيرنا. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: من الأمثلة على انتهاجه منهج تفسير القرآن بالقرآن في بعض المواضع ماذكره في قوله تعالى ﴿ومن يرد ثواب الدنيا نؤته منها﴾ (٢) قال: (٣) أي نؤت من شئنا منها ماقدر له يبين ذلك قوله تعالى ﴿من كان يريد العاجلة ...﴾ (٤) ومن تفسير القرآن بالقرآن قوله ﴿المغضوب عليهم﴾ (٥) اليهود و ﴿الضالون﴾ النصارى ... وذلك بين من كتاب الله لأن ذكر غضب الله على اليهود متكرر فيه كقوله ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ (٦) ﴿قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله﴾ (٧) ... والنصارى كان محققوهم على شرعة قبل ورود شرع محمد ﷺ فلما ورد ضلوا، وأما غير متحققيهم فضلالتهم متقررة منذ تفرقت أقوالهم في عيسى

стр. 688

عليه السلام وقد قال الله تعالى فيهم ﴿ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل﴾ (١) (٢) رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: ذكرنا فيما سبق منهجه في ذلك في كلامه الذي ختمه بقوله: وبالجملة فكتابي هذا محشو بنفائس الحكم وجواهر السنن الصحيحة والحسان المأثورة عن سيدنا محمد ﷺ . (٣) وهو يقول أيضا: "وليس لأحد مع الحديث إذا صح نظر". (٤) ويمكن القول بأن منهج الثعالبي في تفسيره يقوم على تحقيق النصوص ونقدها حيث يقول: " وقد تحرينا في هذا المختصر التحقيق فيما علقناه جهد الاستطاعة ". كما اعتنى فيه اعتناء عظيما بالسنة النبوية باعتبارها بيانا للقرآن وأساسا هاما لمنهج التفسير بالمأثور الذي اختاره لنفسه فالتزم تخريج الأحاديث التي يوردها أو يوردها غيره من المفسرين فينقد سندها أحيانا ومتنها أحيانا أخرى مثال نقده للمتن نقده للحديث الذي ذكره تحت قوله تعالى ﴿ولقد علمنا المستقدمين منكم ولقد علمنا المستأخرين﴾ (٥) وأخرجه الترمذي عن ابن عباس ﵁ في شأن المرأة التي كانت تصلي خلف رسول الله ﷺ قال الثعالبي فيه: "والحديث المتقدم إن صح فلا بد من تأويل فإن الصحابة ينزهون عن فعل ما ذكر فيؤول بأن ذلك صدر من بعض المنافقين أو بعض الأعراب الذين قرب عهدهم بالإسلام ولم يرسخ الإيمان في قلوبهم، وأما ابن عباس فإنه كان يومئذ صغيرًا بلا شك، هذا إذا كانت الآية مدنيه، فإن كانت مكية فهو يومئذ في سن الطفولية وبالجملة فالظاهر ضعف هذا الحديث من وجوه" (٦).

стр. 689

وكذلك نقده لما أورده النقاش، قال الثعالبي: "وأما ما ذكره من الحبل [يعني حبل المرأة من الجن] فلا شك في ضعفه، وفساد قول قائله، ولم أر في ذلك حديثًا لا صحيحًا ولا سقيمًا ولو أمكن أن يكون الحبل من الجن - كما زعم ناقله - لكان ذلك شبهة يدرأ بها الحد عمن ظهر بها حبل من النساء اللواتي لا أزواج لهن، لاحتمال أن يكون حبلها من الجن كما زعم هذا القائل، وهو باطل". (١) وكتعليقه على حديث آخر في تفسير قوله تعالى: ﴿كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه﴾ (٢)، قال: "وهذا لين الإسناد والمتن كما ترى". (٣) ومن مواضع استدلاله بالحديث الصحيح: قوله تعالى ﴿وإن كان ذو عسرة ... ..﴾ (٤) قال: وفي الصحيحين (٥) عن النبي ﷺ قال: "كان رجل يداين الناس فكان يقول لفتاه إذا أتيت معسرًا فتجاوز عنه لعل الله يتجاوز عنا قال: فلقي الله فتجاوز عنه" وفي صحيح مسلم (٦): "من سره أن ينجيه الله من كرب يوم القيامة

стр. 690

فلينفس عن معسر، أو يضع عنه " وفي رواية "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة " وفي رواية "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أنجاه الله من كرب يوم القيامة " وفي رواية "من أنظر معسرًا أو وضع عنه أظله الله في ظله". وهو في الواقع كما أنه يكثر من الأحاديث الصحيحة ففي نفس الوقت يكثر من الأحاديث الضعيفة ومن ذلك قوله: وقد روى ابن المبارك في (رقائقه) قال: أخبرنا ابن لهيعة قال: حدثني سعيد بن أبي سعيد أن رجلا قال: يارسول الله كيف لي أن أعلم كيف أنا؟ قال: "إذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته يسر لك، وإذا أردت شيئا من الدنيا وابتغيته عسر عليك، فأنت على حال حسنة، وإذا رأيت كلما طلبت شيئا من أمر الآخرة وابتغيته عسر عليك، وإذا أردت شيئا من أمر الدنيا وابتغيته يسر لك، فأنت على حال قبيحة". انتهى فتأمله راشدا. (١) (٢) ومن ذلك أيضا قوله (٣): خرج الحاكم أبو عبد الله في المستدرك على الصحيحين عن معقل بن يسار ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " اعملوا بالقرآن، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، واقتدوا به ولا تكفروا بشيء منه وما تشابه عليكم منه فردوه إلى الله وإلى أولي العلم من بعدي كيما يخبروكم وآمنوا بالتوراة والإنجيل والزبور وما أوتي النبيون من ربهم وليسعكم القرآن وما فيه من البيان فإنه شافع مشفع وماحل مصدق ... .الخ " (٤) وهو يهتم بذكر أسباب النزول: ومن ذلك قوله ﴿الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار﴾ (٥) قال ابن عباس: نزلت هذه الآية في علي بن أبي طالب ﵁ كانت له أربعة دراهم فتصدق بدرهم ليلا وبدرهم

стр. 691

نهارا وبدرهم سرا وبدرهم علانية. (١) وفي قوله ﴿قل ادعو الله أو ادعو الرحمن﴾ (٢) قال: سبب نزول هذه الآية أن بعض المشركين سمع النبي ﷺ يدعو "ياالله يارحمن" فقالوا: كان محمد يأمرنا بدعاء إله واحد وهو يدعو إلهين. قاله ابن عباس؛ فنزلت الآية مبينة أنها أسماء لشيء واحد. (٣) وقال: وفي صحيح البخاري (٤) بسنده عن ابن عباس في قوله سبحانه ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ (٥) قال: نزلت ورسول الله ﷺ مختف بمكة كان إذا صلى بأصحابه رفع صوته بالقرآن فإذا سمع المشركون سبوا القرآن ومن أنزله ومن جاء به فقال الله ﵎ لنبيه ﷺ ﴿ولا تجهر بصلاتك﴾ أي بقراءتك فيسمع المشركون فيسبوا القرآن ولا تخافت به عن أصحابك فلا تسمعهم وابتغ بين ذلك سبيلا. (٦) وفي قوله ﴿يحلفون بالله ماقالوا﴾ (٧) قال: نزلت في الجلاس بن سويد وقوله: لئن كان مايقول محمد حقا لنحن شر من الحمر فسمعها منه ربيبه أو رجل آخر فأخبر النبي ﷺ فجاء الجلاس فحلف بالله ماقال هذه الكلمة فنزلت الآية. (٨) وقال قتادة: نزلت في عبد الله بن أبي سلول وقوله في غزوة المريسيع مامثلنا ومثلهم إلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك ولئن رجعنا إلا المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل﴾ فبلغ ذلك النبي ﷺ فوقفه

стр. 692

فخلف أنه لم يقل ذلك فنزلت الآية مكذبة له. (١) وهو يتعرض لذكر فضائل السور والآيات: فذكر أحاديث فضل الفاتحة فقال: مثل حديث أبي سعيد بن المعلى إذ قال له ﷺ : " ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن؟ الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته" (٢) انتهى من سلاح المؤمن تأليف الشيخ المحدث أبي الفتح تقي الدين محمد بن علي بن همام ﵀. وقال أيضا: ويقال لسورة البقرة فسطاط القرآن وذلك لعظمها وبهائها وماتضمنت من الأحكام والمواعظ وفيها خمسمائة حكم، وخمسة عشر مثلا وروي أن رسول الله ﷺ قال: " أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه والطواسين من ألواح موسى وأعطيت فاتحة الكتاب وخواتم سورة البقرة من تحت العرش " (٣) كما ذكر أحاديث في الفضائل صحيحة ومعزوة لمخرجيها في آية الكرسي (٤) وغيرها. (٥) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: وهو يقدم تفسير الصحابة فيقول في إحدى ترجيحاته مبررًا: " ... ولأنه تفسير صحابي وهو مقدم على غيره". (٦) ومن مواضع اهتمامه بتفسير السلف قوله: قال ابن عباس: ﴿كرسيه﴾ (٧) علمه. .. ومنه الكراسة. قوله: ﴿وتثبيتا من أنفسهم﴾ (٨)، قال قتادة وغيره: وتثبيتا معناه: وتيقنا، أي أن نفوسهم لها بصائر متأكدة فهي تثبتهم على الإنفاق في طاعة الله تثبيتًا، وقال مجاهد والحسن: معنى قوله وتثبيتا: أي أنهم يتثبتون أين يضعون صدقاتهم، قال الحسن: الرجل إذا هم تثبت فإن كان ذلك لله أمضاه، وإن خالطه شيء أمسك. (٩)

стр. 693

قوله ﴿فطل﴾ (١): المستدق من القطر، قاله ابن عباس وغيره. (٢) وفي قوله: ﴿إن تبدوا الصدقات فنعما هي﴾ (٣)، قال ابن عباس: جعل الله صدقة السر في التطوع، تفضل علانيتها، يقال: بسبعين ضعفا، وجعل صدقة الفريضة علانيتها أفضل من سرها، يقال بخمسة وعشرين ضعفًا، قال: وكذلك جميع الفرائض والنوافل في الأشياء كلها. (٤) وفي قوله ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ (٥) قال: السيما مقصورة العلامة واختلف المفسرون في تعيينها، فقال مجاهد: هي التخشع والتواضع، وقال الربيع والسدي: هي جهد الحاجة وقصف الفقر في وجوههم وقلة النعمة وقال ابن زيد: هي رثة الثياب، وقال قوم وحكاه مكي: هي أثر السجود. (٦) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: قال تحت قوله: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا﴾ (٧): وقد تواترت أخبار نبينا ﷺ وبعثته في الكتب السالفة، وعلم بذلك الأحبار، وأخبروا به، وبتعيين الزمن الذي يبعث فيه، وقد روى البيهقي أحمد بن الحسين وغيره: عن طلحة بن عبيد الله ﵁، قال: حضرت سوق بصري، فإذا راهب في صومعة، يقول: سلوا أهل هذا الموسم، أفيهم من هو من هذا الحرم؟ قال: قلت أنا فما تشاء؟ قال: هل ظهر أحمد بعد؟ قلت: ومن أحمد؟ قال: أحمد بن عبدالله بن عبد المطلب، هذا شهره الذي يخرج فيه، وهو خاتم الأنبياء، مخرجه من الحرم، ومهاجره إلى نخل وسباخ، إذا كان فلا تسبقن إليه، فوقع في قلبي ماقال، وأسرعت اللحاق بمكة فسألت هل ظهر بعدي أمر؟ فقالوا: محمد الأمي قد تنبأ، واتبعه أبو بكر ابن أبي قحافة، فمشيت إلى أبي بكر، وأدخلني إلى رسول الله ﷺ فأسلمت. (٨)

стр. 694

قال: وقد روى العذري وغيره عن أبي بكر ﵁ أنه قال: لقيت شيخًا باليمن، فقال لي: أنت حرمي؟ فقلت: نعم، فقال: وأحسبك قرشيًا؟ قلت: نعم. قال: بقيت لي فيك واحدة، اكشف لي عن بطنك! قلت: لا أفعل، أو تخبرني لم ذلك؟ قال: أجد في العلم الصحيح أن نبيًا يبعث في الحرمين يقارنه على أمره فتى، وكهلا، أما الفتى فخواض غمرات، ودفاع معضلات، وأما الكهل فأبيض نحيف، على بطنه شامة، وعلى فخده اليسرى علامة، وما عليك أن تريني ماسألتك عنه فقد تكاملت فيك الصفة إلا ماخفي علي. قال أبو بكر: فكشفت له عن بطني، فرأى شامة سوداء فوق سرتي، فقال: أنت هو ورب الكعبة ... وخف الله فيما خولك وأعطاك، قال أبو بكر: فلما ودعته قال: أتحمل عني إلى ذلك النبي أبياتا؟ قلت: نعم، فأنشأ الشيخ يقول: ألم تر أني قد سئمت معاشري ... ونفسي قد أصبحت في الحي هاهنا حييت وفي أيام المرء عبرة ... ثلاث مئين بعد تسعين آمنا وقد خمدت مني شرارة قوتي ... وألفيت شيخا لا أطيق الشواحنا وأنت ورب البيت تأتي محمدا ... لعامك هذا قد أقام البراهنا فحيي رسول الله عني فإنني ... على دينه أحيا وإن كنت قاطنا قال أبو بكر: فحفظت شعره، وقدمت مكة، وقد بعث النبي ﷺ فجاءني صناديد قريش وقالوا: ياأبا بكر يتيم أبي طالب يزعم أنه نبي، قال: فجئت إلى منزل النبي ﷺ فقرأت عليه فخرج إلي، فقلت: يامحمد فقدت من منازل قومك، وتركت دين آبائك، فقال: "ياأبا بكر إني رسول الله إليك، وإلى الناس كلهم، فآمن بالله " فقلت: وما دليلك؟ "قال الشيخ الراهب الذي لقيته باليمن"، قلت: وكم من شيخ لقيت؟ قال: "ليس ذلك أريد، إنما أريد الشيخ الذي أفادك الأبيات " قلت: ومن أخبرك بها؟ قال: "الروح الأمين الذي كان يأتي الأنبياء قبلي " قلت: مد يمينك أشهد أن لاإله إلا الله وأنك رسول الله، قال أبو بكر: فانصرفت وما بين لابتيها أشد من رسول الله ﷺ فرحا بإسلامي. انتهى من تأليف ابن القطان في الآيات والمعجزات. (١)

стр. 695

وفي ذكر هذين الموضعبن دليل على إهمال المصنف منهج التحقيق تماما في جانب السيرة فكلا الخبرين موضوع وهل كان بمكة لابتان؟؟ فما أسخف الوضاعين! وهل أسلم أبو بكر بعد أن فشا خبره ﷺ في مكة؟ وهو أول من أسلم من الرجال فيما ثبتت به الأخبار الصحيحة المستفيضة. كما ذكر طرفا من قصة غزوة بدر تحت قوله تعالى ﴿وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين﴾ (١) فقال: في هذه الآية قصص حسن محل استيعابه كتاب سيرة رسول الله ﷺ لابن هشام واختصاره أن رسول الله ﷺ لما بلغه ... الخ (٢) وكذا ذكر بعضا من مشاهد السيرة تحت قوله ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم﴾ (٣) (٤) سابعا: موقفه من الإسرائيليات: وقد نقد المصنف الإسرائيليات في عدة مواضع من تفسيره منها تعليقه على التفسير قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان﴾ (٥). قال: "قد أكثروا في قصص هذه الآية بما لا يوقف على صحته" (٦) وتبنى نقد أبي بكر بن العربي في أحكامه ونقل نصه: "وقد قال ابن العربي في توهين هذا القول وتزييفه: وهذا القول ونحوه مذكور في ضعيف الحديث في الترمذي وغيره، وفي الإسرائيليات التي ليس لها أساس ثابت، ولا يعول عليها من له قلب". (٧) إلا أن ذلك لا يعني أنه أهمل الإسرائيليات تماما بل إنه ذكر جملة منها ومن ذلك: في قوله تعالى ﴿ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه﴾ (٨) قال: ﴿ألم تر﴾ (٩) تنبيه وهي رؤية القلب، والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان ملك زمانه وصاحب النار والبعوضة، قاله مجاهد وغيره. قال قتادة: هو أول من تجبر وهو صاحب الصرح ببابل قيل: إنه ملك الدنيا بأجمعها، وهو أحد الكافرين، والآخر بختنصر، وقيل: إن النمروذ الذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن فالخ، وفي قصص هذه المحاجة روايتان إحداهما: ذكر زيد بن أسلم أن النمروذ قعد يأمر للناس بالميرة، فلما جاء قوم قال: من ربكم وإلهكم؟

стр. 696

فيقولون: أنت، فيقول: ميروهم، وجاء إبراهيم ﵇ يمتار، فقال له: من ربك وإلهك؟ قال إبراهيم: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ (١) فلما سمعها نمروذ قال: ﴿أنا أحيي وأميت﴾ فعارضه إبراهيم بأمر الشمس ﴿فبهت الذي كفر﴾ وقال: لاتميروه، فرجع إبراهيم إلى أهله دون شيء، فمر على كثيف رمل كالدقيق، فقال: لو ملأت غرارتي من هذا، فإذا دخلت به فرح الصبيان حتى أنظر لهما، فذهب بذلك فلما بلغ منزله فرح الصبيان، وجعلا يلعبان فوق الغرارتين، ونام هو من الإعياء، فقالت امرأته: لو صنعت له طعامًا يجده حاضرًا إذا انتبه، ففتحت إحدى الغرارتين، فوجدت أحسن مايكون من الحواري، فخبزته، فلما قام وضعته بين يديه، فقال: من أين هذا؟ قالت: من الدقيق الذي سقت، فعلم إبراهيم أن الله يسر لهم ذلك. (٢) وقوله ﴿أو كالذي مر على قرية﴾ (٣): عطفت (أو) في هذه الآية على المعنى الذي هو التعجب في قوله: ﴿ألم تر إلى الذي حاج﴾ (٤) قال ابن عباس وغيره: الذي مر على القرية هو عزير، وقال وهب بن منبه وغيره: هو أرميا. قال ابن إسحاق: أرميا هو الخضر، وحكاه النقاش عن وهب بن منبه، واختلف في القرية ماهي؟ فقيل: المؤتفكة، وقال زيد بن أسلم: قرية الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف. وقال وهب بن منبه وغيره: المقدس لما خربها بختنصر البابلي. (٥) ثامنا: موقفه من اللغة: وهو يهتم ببيان المفردات وذلك مثل قوله: ﴿لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي﴾ (٦) الدين في هذه الآية هو المعتقد والملة ومقتضى قول زيد بن أسلم. (٧) ﴿وهي خاوية على عروشها﴾ (٨): قال: والعريش: سقف البيت، قال السدي: يقول هي ساقطة على سقفها أي سقطت السقف، ثم سقطت الحيطان عليها، وقال غيره: معناه خاوية من الناس، وخاوية معناه خالية، يقال: خوت الدار تخوي خواء وخويا، ويقال: خويت، قال الطبري: والأول أفصح.

стр. 697

﴿الربا﴾ (١): قال: هو الزيادة، مأخوذ من ربا يربوا إذا نما وزاد عل ما كان وغالبه ماكانت العرب تفعله من قولها للغريم: أتقضي أم تربي؟ فكان الغريم يزيد في عدد المال ويصبر الطالب عليه. (٢) وهو يتعرض للإعراب والنحو: ومن ذلك قوله: ﴿من سيئاتكم﴾ (٣) للتبعيض المحض لا أنها زائدة كما زعم قوم. (٤) ﴿كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾ (٥) الخطاب عام و ﴿ما﴾ بمعنى: الذي، و ﴿حلالا﴾ حال من الضمير العائد على ﴿ما﴾ و ﴿طيبا﴾ نعت، ويصح أن يكون حالاً من الضمير في ﴿كلوا﴾ تقديره مستطيبين. ومن النكات التفسيرية قوله: ﴿عرضها السموات والأرض﴾ (٦): وخص العرض بالذكر لأنه يدل متى ما ذكر على الطول، والطول إذا ذكر لايدل على قدر العرض، بل قد يكون الطويل يسير العرض، كالخيط ونحوه. ﴿ليغيظ بهم الكفار﴾ (٧): والغيظ أصل الغضب، وكثيرًا مايتلازمان، ولذلك فسر بعض الناس الغيظ بالغضب، وليس تحرير الأمر كذلك، بل الغيظ حال للنفس لا تظهر على الجوارح، والغضب حال لها تظهر في الجوارح وفعلٍ ما، ولابد، ولهذا جاز إسناد الغضب إلى الله سبحانه، إذ هو عبارة عن أفعاله في المغضوب عليهم، ولا يسند إليه تعالى الغيظ. وهو يقدم الحقيقة على المجاز في التفسير فيقول: " حمل اللفظ على حقيقته أولى إن لم يمنع مانع " (٨) وهو لايكثر من الشعر: ومن مواضع استدلاله به قوله تحت قوله تعالى ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ (٩): ثم قال تعالى تسلية للمؤمنين ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾ والأسوة مسلاة للبشر ومنه قول الخنساء: ولولا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي (١٠)

стр. 698

تاسعا: موقفه من القراءات: وهو يهتم بذكر القراءات المتواترة وتوجيهها وإعرابها ولا يذكر الشواذ وجل اعتماده في ذلك على ابن عطية والسفاقسي ومن ذلك قوله: وقرأ ابن كثير وغيره: ﴿ونكفر﴾ بالنون ورفع الراء، وقرأ ابن عامر: ﴿ويكفر﴾ بالياء ورفع الراء، وقرأ نافع وغيره: ﴿ونكفر﴾ بالنون والجزم. فأما رفع الراء فهو على وجهين؛ أحدهما: أن يكون الفعل خبر ابتداء، تقديره: ونحن نكفر، أو والله يكفر، والثاني: القطع والاستئناف، والواو لعطف جملة على جملة، والجزم في الراء أفصح هذه القراءات، لأنها تؤذن بدخول التكفير في الجزاء وكونه مشروطًا إن وقع الإخفاء، وإما رفع الراء فليس فيه هذا المعنى. (١) وقال أيضا: وقرأ ابن عامر ﴿هو مولاها﴾ (٢) (٣) وقوله: ﴿والأرحام﴾ (٤) أي واتقوا الأرحام. وقرأ حمزة ﴿والأرحام﴾ بالخفض عطفًا على الضمير كقولهم: أسألك بالله وبالرحم، قاله مجاهد وغيره. قال (ع) وهذه القراءة عند نحاة البصرة لا تجوز، لأنه لا يجوز عندهم أن يعطف ظاهر على مضمر مخفوض إلا في ضرورة الشعر كقوله: فاذهب فما بك والأيام من عجب لأن الضمير المخفوض لا ينفصل، فهو كحرف من الكلمة، ولا يعطف على حرف، واستسهل بعض النحاة هذه القراءة. انتهى كلام (ع) قال (ص:): والصحيح جواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة الجار، كمذهب الكوفيين، ولاترد القراءة المتواترة بمثل مذهب البصريين، قال: وقد أمعنا الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿وكفر به والمسجد الحرام﴾ (٥) انتهى وهو حسن، ونحوه للإمام الفخر. (٦)

стр. 699

عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: ولم يرد الثعالبي أن ينهج منهجا فقهيا مبسوطا في تفسيره حيث يقول: "تركت ذلك خشية التطويل وإذ محل بسطها كتب الفقه". (١) وعليه فهو يتعرض للفقهيات بدون الإطالة ويركز على قول مالك ومن ذلك قوله: ﴿ولا تباشروهن ...﴾ (٢) قالت فرقة: المعنى ولا تجامعوهن، وقال الجمهور: ذلك يقع على الجماع فما دونه مما يتلذذ به من النساء و ﴿عاكفون﴾ أي ملازمون، قال مالك ﵀ وجماعة معه: لااعتكاف إلا في مساجد الجماعات. وروي عن مالك أيضًا أن ذلك في كل مسجد، ويخرج إلى الجمعة كما يخرج إلى ضروري أشغاله. قال ابن العربي في (أحكامه): وحرم الله سبحانه المباشرة في المسجد، وكذلك تحرم خارج المسجد، لأن معنى الآية ولا تباشروهن وأنتم ملتزمون للاعتكاف في المساجد، معتقدون له. (٣) وقال أيضا: قال ابن العربي: قال علماؤنا وفي الآية دليل على أن ملك اليمين لاحق لها في الوطء والقسم، لأن المعنى ﴿فإن خفتم أن لاتعدلوا﴾ (٤) في القسم ﴿فواحدة أو ماملكت أيمانكم﴾ (٥) فجعل سبحانه ملك اليمين كله بمنزلة الواحدة، فانتفى بذلك أن يكون للأمة حق في وطء أو قسم، انتهى من الأحكام. وقد أطال الكلام في النسخ وإثباته (٦) تحت قوله: ﴿ما ننسخ من آية﴾ (٧) ومن كلامه أيضا: فمن قال إن السنة المتواترة تنسخ القرآن جعل رجم الرسول دون جلد ناسخًا لجلد الثيب وهذا الذي عليه الأمة أن السنة المتواترة تنسخ القرآن، إذ هما جميعًا وحي من الله سبحانه، ويوجبان جميعًا العلم والعمل، ويتجه عندي في هذه النازلة بعينها أن يقال: إن الناسخ لحكم الجلد هو القرآن المتفق على رفع لفظه، وبقاء حكمه، في قوله تعالى: "والشيخ والشيخة فارجموهما البتة" وهذا نص في الرجم، وقد قرره عمر على المنبر

стр. 700

بمحضر الصحابة. والحديث بكماله في مسلم، والسنة هي المبينة ولفظ البخاري ﴿أو يجعل الله لهن سبيلا﴾ (١) الرجم للثيب والجلد للبكر. ويذهب إلى أن العقل لا مجال له في عالم الغيب وأن العبرة في ذلك بصحة النقل ففي صيرورة الحيوانات ترابًا يوم القيامة يقول: "واعلم أني لم أقف على حديث صحيح في عودها ترابًا ... والمعول عليه في هذا: النقل، فإن صح فيه شيء عن النبي ﷺ وجب اعتقاده، وصير إليه، وإلا فلا مدخل للعقل هنا" (٢) وهو مع ذلك يقول بالقياس وبالتأويل قال: "وفيه دليل على صحة القياس، لأنه علمهم سبحانه الاستدلال بالنشأة الأولى على النشأة الأخرى". (٣) حادي عشر: موقفه من المواعظ والآداب: لقد أولى المصنف هذا الجانب عناية ملحوظة تميز بها تفسيره فنجده يعلق تعليقات وعظية كثيرة دون أن يطيل فيها ويدعونا أحيانا للتأمل والتدبر في آيات القرآن كقوله مثلا: "ينبغي للمؤمن العاقل أن يتدبر هذه الآية ونظائرها ويقدر في نفسه أنه المقصود بها ". (٤) وقال تحت قوله تعالى: ﴿لا يسألون الناس إلحافا﴾ (٥): وينبغي للفقير أن يتعفف في فقره، ويكتفي بعلم ربه قال الشيخ ابن أبي جمرة: وقد قال أهل التوفيق: من لم يرض باليسير فهو أسير انتهى. وذكر عبد الملك بن محمد ابن أبي القاسم ابن الكردبوس في الاكتفاء في أخبار الخلفاء قال: وتكلم علي بن أبي طالب ﵁ بتسع كلمات: ثلاث في المناجاة وثلاث في الحكمة وثلاث في الآداب أما المناجاة فقال: كفاني فخرا أن تكون لي ربا، وكفاني عزا أن أكون لك عبدا، وأنت كما أحب فاجعلني كما تحب. وأما الحكمة فقال: قيمة كل امرئ ما كان يحسنه، وماهلك امرؤ عرف قدر نفسه، والمرء مخبوء تحت لسانه. وأما الآداب فقال: استغن عمن شئت فأنت نظيره، وتفضل على من شئت فأنت أميره، واضرع إلى من شئت فأنت أسيره انتهى.

стр. 701

ولما كانت السيما تدل على حال صاحبها ويعرف بها حاله أقامها الله سبحانه مقام الإخبار عن حال صاحبها فقال: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ (١) وقد قال الشيخ العارف بالله صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية: كل مادل على معنى فقد أخبر عنه ولو كان صامتا، وأشار إليه ولو كان ساكتا، لكن حصول الفهم والمعرفة بحسب اعتبار المعتبر ونظر المتأمل المتدبر. انتهى (٢) ومنه قوله: حدثني من أثق به أنه جلس عند شيخ من الأفاضل يجود عليه القرآن، فقرئت عليه هذه الآية فبكى عندها ثم بكى إلى أن فاضت نفسه، ومال فحركوه فإذا هو ميت ﵀، ونفع به. ياهذا من صحا عقله من سكر هواه وجهله، احترق بنار الندم والخجل من مهابة نظر ربه، وتنكرت صورة حاله في عينه نفوس الأغبياء الجهال، غافلة عن العظمة والجلال، ولاهية عن أهوال العباد والمآل، مشغولة برذائل الأموال، ولا يعلمون أنها فتنة ووبال، وطول حساب وبلاء وبلبال، اغتنموا ياذوي البصائر نعمة الإمهال، واطرحوا خوادع الأماني وكواذب الآمال، فكأن قد فجأتكم هواجم الآجال. انتهى من (الكلم الفارقية في الحكم الحقيقية) (٣) وقال في سورة النساء: تأمل رحمك الله صدر هذه السورة؛ معظمه إنما هو في شأن الأجوفين البطن والفرج مع اللسان، وهما المهلكان، وأعظم الجوارح آفة وجناية على الإنسان، وقد روينا عن مالك في الموطأ عن النبي ﷺ أنه قال: "من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة، مابين لحييه وما بين رجليه، مابين لحييه وما بين رجليه، مابين لحييه وما بين رجليه " (٤) قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: ومعلوم أنه أراد ﷺ مابين لحييه: اللسان، وما بين رجليه: الفرج".والله أعلم (٥)

стр. 702

وقال في قوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب﴾ (١) قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي في سراج الملوك: ولما ضرب ابن ملجم عليا ﵁ أدخل منزله فاعترته غشية، ثم أفاق فدعا أولاده الحسن والحسين ومحمدًا فقال: أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يابني! ما شر بعده الجنة بشر، ولاخير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على مافاته، ومن سل سيف بغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه كشف عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن أعجب برأيه ضل، ومن جالس العلماء وقر، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار ... .الخ. (٢) وقد اهتم الثعالبي بموضوعات معاصرة لها صلة بحياة المسلمين: منها الجهاد (٣) وقد ذكر أسباب ضعف أحوال المسلمين وأنها تعود إلى حب الدنيا وكراهية بذل النفوس لله فيقول: ألا ترى إلى حال الصحابة ﵃ وقلتهم في صدر الإسلام وكيف فتح الله بهم البلاد ودان لدينهم العباد لما بذلوا لله أنفسهم في الجهاد؟ وحالنا اليوم كما ترى عدد أهل الإسلام كثير ونكايتهم في الكفار نزر يسير. وأورد الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤) الذي أوله "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ... " ثم علق على ذلك ووصف حال ملوك زمانه وتركهم الجهاد فقال: فانظر رحمك الله فهل هذا

стр. 703

الزمان إلا زماننا بعينه وتأمل حال ملوكنا إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال وإعراضهم عن أمر الجهاد فإنا لله وإنا إليه راجعون على مصائب الإسلام وهذا موقف شجاع من مواقف الثعالبي. كما تكلم عن الرباط في سبيل الله (١) والزكاة (٢) واهتم بشئون المرأة (٣) وبين أهمية الشورى (٤) أما موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية ونحو ذلك فلا نرى له اهتماما بهذا الجانب، والله أعلم.

стр. 704

تفسير ابن باديس من خلال مجالس التذكير مؤلف هذا التفسير هو عبد الحميد بن باديس الصنهاجي الجزائري ت ١٣٥٩ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بقسنطينة وتوفي بها. (١) التعريف بالتفسير: وتفسير ابن باديس طبع باسم "تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير " جمع وترتيب وإعداد وتعليق محمد الصالح رمضان أستاذ بوزارة التربية الجزائرية، وتوفيق محمد شاهين بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر - ط ٢ دار الفكر سنة١٣٩١ هـ. والكتاب عبارة عن مجالس قرآنية كان ابن باديس يفتتح بها مجلة الشهاب التي كان يتولى إصدارها، وقد جمعها المذكوران في هذا الكتاب بعد أن قام بجمع بعضها أحمد بوشمال. (٢) المنهج العام للتفسير: وتفسير ابن باديس في الجملة تفسير أدبي اجتماعي يناسب وضعه كدروس تلقى على العامة وغيرهم. والكتاب له مقدمة في التذكير وحاجة الخلق إليه وفي أفضل الأذكار وأنواع الذكر وتلاوة القرآن. (٣) ثم خطبة افتتاح لدروس التفسير ذكر فيها طريقته في التفسير فقال: هي تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية وربط الآيات بوجوه المناسبات معتمدين في ذلك على صحيح المنقول وسديد المعقول مما

стр. 705

جلاه أئمة السلف المتقدمون أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون رحمة الله عليهم أجمعين وعمدتنا فيما نرجح إليه من كتب الأئمة: ١ - تفسير ابن جرير الطبري الذي يمتاز بالتعاليق السلفية وبأسلوب الترسل البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية وبترجماته لأول الأقوال عنده بالصواب. ٢ - وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام. ٣ - وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيه القراءات. ٤ - وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج في ذلك. (١) ومجالس ابن باديس تشمل أقساما ستة سورة الإسراء وسورة الفرقان وسورة النمل وسورة يس والمعوذتين ثم آيات متفرقة من سور يوسف والنحل والمائدة والنور ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والذاريات والقسم السابع يعتبر تفسيرا موضوعيا عن العرب في القرآن. وهو يذكر آية أو عدة آيات ثم يتكلم عن مناسبتها ثم يتكلم عن معاني المفردات ثم يشرحها مستخرجا منها الآداب والإعجاز والنكات اللغوية وغير ذلك. وقد تكلم البشير الإبراهيمي عن خصائص تفسير ابن باديس في كلمة سماها "خصائص التفسير الباديسي" انظرها كاملة. (٢) وهو فيها يعتبر ظهور محمد عبده معجزة ويصفه بأنه إمام المفسرين وأنه قد خلفه ترجمان أفكاره محمد رشيد رضا ثم يجعل إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله إلى ابن باديس. (٣)
следующие страницы →