← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

ولما كانت السيما تدل على حال صاحبها ويعرف بها حاله أقامها الله سبحانه مقام الإخبار عن حال صاحبها فقال: ﴿تعرفهم بسيماهم﴾ (١) وقد قال الشيخ العارف بالله صاحب الكلم الفارقية والحكم الحقيقية: كل مادل على معنى فقد أخبر عنه ولو كان صامتا، وأشار إليه ولو كان ساكتا، لكن حصول الفهم والمعرفة بحسب اعتبار المعتبر ونظر المتأمل المتدبر. انتهى (٢) ومنه قوله: حدثني من أثق به أنه جلس عند شيخ من الأفاضل يجود عليه القرآن، فقرئت عليه هذه الآية فبكى عندها ثم بكى إلى أن فاضت نفسه، ومال فحركوه فإذا هو ميت ﵀، ونفع به. ياهذا من صحا عقله من سكر هواه وجهله، احترق بنار الندم والخجل من مهابة نظر ربه، وتنكرت صورة حاله في عينه نفوس الأغبياء الجهال، غافلة عن العظمة والجلال، ولاهية عن أهوال العباد والمآل، مشغولة برذائل الأموال، ولا يعلمون أنها فتنة ووبال، وطول حساب وبلاء وبلبال، اغتنموا ياذوي البصائر نعمة الإمهال، واطرحوا خوادع الأماني وكواذب الآمال، فكأن قد فجأتكم هواجم الآجال. انتهى من (الكلم الفارقية في الحكم الحقيقية) (٣) وقال في سورة النساء: تأمل رحمك الله صدر هذه السورة؛ معظمه إنما هو في شأن الأجوفين البطن والفرج مع اللسان، وهما المهلكان، وأعظم الجوارح آفة وجناية على الإنسان، وقد روينا عن مالك في الموطأ عن النبي ﷺ أنه قال: "من وقاه الله شر اثنتين ولج الجنة، مابين لحييه وما بين رجليه، مابين لحييه وما بين رجليه، مابين لحييه وما بين رجليه " (٤) قال أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد: ومعلوم أنه أراد ﷺ مابين لحييه: اللسان، وما بين رجليه: الفرج".والله أعلم (٥)

стр. 702

وقال في قوله تعالى: ﴿ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب﴾ (١) قال الأستاذ أبو بكر الطرطوشي في سراج الملوك: ولما ضرب ابن ملجم عليا ﵁ أدخل منزله فاعترته غشية، ثم أفاق فدعا أولاده الحسن والحسين ومحمدًا فقال: أوصيكم بتقوى الله في الغيب والشهادة، وكلمة الحق في الرضا والغضب، والقصد في الغنى والفقر، والعدل على الصديق والعدو، والعمل في النشاط والكسل، والرضا عن الله في الشدة والرخاء، يابني! ما شر بعده الجنة بشر، ولاخير بعده النار بخير، وكل نعيم دون الجنة حقير، وكل بلاء دون النار عافية، من أبصر عيب نفسه شغل عن عيب غيره، ومن رضي بقسم الله لم يحزن على مافاته، ومن سل سيف بغي قتل به، ومن حفر لأخيه بئرًا وقع فيها، ومن هتك حجاب أخيه كشف عورات بنيه، ومن نسي خطيئته استعظم خطيئة غيره، ومن استغنى بعقله زل، ومن تكبر على الناس ذل، ومن أعجب برأيه ضل، ومن جالس العلماء وقر، ومن خالط الأنذال احتقر، ومن دخل مداخل السوء اتهم، ومن مزح استخف به، ومن أكثر من شيء عرف به، ومن كثر كلامه كثر خطؤه، ومن كثر خطؤه قل حياؤه، ومن قل حياؤه قل ورعه، ومن قل ورعه مات قلبه، ومن مات قلبه دخل النار ... .الخ. (٢) وقد اهتم الثعالبي بموضوعات معاصرة لها صلة بحياة المسلمين: منها الجهاد (٣) وقد ذكر أسباب ضعف أحوال المسلمين وأنها تعود إلى حب الدنيا وكراهية بذل النفوس لله فيقول: ألا ترى إلى حال الصحابة ﵃ وقلتهم في صدر الإسلام وكيف فتح الله بهم البلاد ودان لدينهم العباد لما بذلوا لله أنفسهم في الجهاد؟ وحالنا اليوم كما ترى عدد أهل الإسلام كثير ونكايتهم في الكفار نزر يسير. وأورد الحديث الذي أخرجه أبو داود (٤) الذي أوله "يوشك الأمم أن تداعى عليكم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها ... " ثم علق على ذلك ووصف حال ملوك زمانه وتركهم الجهاد فقال: فانظر رحمك الله فهل هذا

стр. 703

الزمان إلا زماننا بعينه وتأمل حال ملوكنا إنما همتهم جمع المال من حرام وحلال وإعراضهم عن أمر الجهاد فإنا لله وإنا إليه راجعون على مصائب الإسلام وهذا موقف شجاع من مواقف الثعالبي. كما تكلم عن الرباط في سبيل الله (١) والزكاة (٢) واهتم بشئون المرأة (٣) وبين أهمية الشورى (٤) أما موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية ونحو ذلك فلا نرى له اهتماما بهذا الجانب، والله أعلم.

стр. 704

تفسير ابن باديس من خلال مجالس التذكير مؤلف هذا التفسير هو عبد الحميد بن باديس الصنهاجي الجزائري ت ١٣٥٩ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بقسنطينة وتوفي بها. (١) التعريف بالتفسير: وتفسير ابن باديس طبع باسم "تفسير ابن باديس في مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير " جمع وترتيب وإعداد وتعليق محمد الصالح رمضان أستاذ بوزارة التربية الجزائرية، وتوفيق محمد شاهين بمجمع البحوث الإسلامية بالأزهر - ط ٢ دار الفكر سنة١٣٩١ هـ. والكتاب عبارة عن مجالس قرآنية كان ابن باديس يفتتح بها مجلة الشهاب التي كان يتولى إصدارها، وقد جمعها المذكوران في هذا الكتاب بعد أن قام بجمع بعضها أحمد بوشمال. (٢) المنهج العام للتفسير: وتفسير ابن باديس في الجملة تفسير أدبي اجتماعي يناسب وضعه كدروس تلقى على العامة وغيرهم. والكتاب له مقدمة في التذكير وحاجة الخلق إليه وفي أفضل الأذكار وأنواع الذكر وتلاوة القرآن. (٣) ثم خطبة افتتاح لدروس التفسير ذكر فيها طريقته في التفسير فقال: هي تفسير الألفاظ بأرجح معانيها اللغوية وحمل التراكيب على أبلغ أساليبها البيانية وربط الآيات بوجوه المناسبات معتمدين في ذلك على صحيح المنقول وسديد المعقول مما

стр. 705

جلاه أئمة السلف المتقدمون أو غاص عليه علماء الخلف المتأخرون رحمة الله عليهم أجمعين وعمدتنا فيما نرجح إليه من كتب الأئمة: ١ - تفسير ابن جرير الطبري الذي يمتاز بالتعاليق السلفية وبأسلوب الترسل البليغ في بيان معنى الآيات القرآنية وبترجماته لأول الأقوال عنده بالصواب. ٢ - وتفسير الكشاف الذي يمتاز بذوقه البياني في الأسلوب القرآني وتطبيقه فنون البلاغة على آيات الكتاب، والتنظير لها بكلام العرب واستعمالها في أفانين الكلام. ٣ - وتفسير أبي حيان الأندلسي الذي يمتاز بتحقيقاته النحوية واللغوية وتوجيه القراءات. ٤ - وتفسير الرازي الذي يمتاز ببحوثه في العلوم الكونية مما يتعلق بالجماد والنبات والحيوان والإنسان وفي العلوم الكلامية ومقالات الفرق والمناظرة والحجاج في ذلك. (١) ومجالس ابن باديس تشمل أقساما ستة سورة الإسراء وسورة الفرقان وسورة النمل وسورة يس والمعوذتين ثم آيات متفرقة من سور يوسف والنحل والمائدة والنور ومريم وطه والأنبياء والحج والمؤمنون والذاريات والقسم السابع يعتبر تفسيرا موضوعيا عن العرب في القرآن. وهو يذكر آية أو عدة آيات ثم يتكلم عن مناسبتها ثم يتكلم عن معاني المفردات ثم يشرحها مستخرجا منها الآداب والإعجاز والنكات اللغوية وغير ذلك. وقد تكلم البشير الإبراهيمي عن خصائص تفسير ابن باديس في كلمة سماها "خصائص التفسير الباديسي" انظرها كاملة. (٢) وهو فيها يعتبر ظهور محمد عبده معجزة ويصفه بأنه إمام المفسرين وأنه قد خلفه ترجمان أفكاره محمد رشيد رضا ثم يجعل إمامة التفسير بعده في العالم الإسلامي كله إلى ابن باديس. (٣)

стр. 706

المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: يلاحظ أن المؤلف لا يتعرض لأسماء السور ولا عد الآي ولا للمكي والمدني ونحو ذلك لأنه ليس تفسيرا شاملا كما ذكرنا. أما المناسبات فهو يهتم بها ومن ذلك قوله: ولما ذكر تعالى آيته ونعمته بالقرآن الذي يهدي للتي هي أقوم ذكر آيته ونعمته بالليل والنهار المتعاقبين على ذلك على هذا الكون الأعظم فقال تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾. (١) وانظر أيضا المناسبة في الربط بين الإحسان للوالدين وإفراد الله بالعبادة. (٢) ثانيا: موقفه من العقيدة: لقد أولى ابن باديس القضايا الاعتقادية اهتماما بينا فعلى الرغم من قلة المادة التفسيرية التي وقفنا عليها نجد أنه تطرق إلى مسائل متعددة من مسائل العقيدة فقد تكلم عن التوحيد وأنه أساس الدين كله (٣) تحت قوله تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ (٤) وتكلم عن أقسام التوحيد توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية والتوحيد العلمي والتوحيد العملي (٥) وعن أقسام الكفر (٦) وتكلم عن الأحكام الشرعية والأحكام القدرية تحت قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها ... ..﴾ (٧) ثم قال: فما حكم من أحكامه القدرية إلا وله سببه وعلته لا لوجوب أو إيجاب عليه بل بمحض مشيئته ومقتضى عدله وحكمته (٨). وتطرق للرياء الذي هو شرك أصغر عند قوله تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها﴾ (٩) فقال: إن قصد الثواب والجزاء على العمل لا ينافي الإخلاص فيه لله. وتكلم عن العامل الذي لا يريد الآخرة أصلا وإنما

стр. 707

أراد الرياء أو منفعة دنيوية وفصل في ذلك تفصيلا جيدا. (١) وتحت قوله تعالى ﴿إلا من تاب وآمن ..﴾ (٢) تساءل هل يخرج غير التائب من النار؟ فقرر العقيدة السلفية من عدم خلود أهل الكبائر كالقاتل والزاني في النار (٣). ومع كونه امتدادا لمدرسة محمد عبده إلا أنه يرى جواز السحر على النبي ﷺ ويرى أنه من التأثير البدني فقط خلافا لمحمد عبده وذلك في تفسيره لقوله تعالى: ﴿ومن شر النفاثات في العقد﴾ (٤) (٥) كما تحدث عن منزلة الدعاء (٦). وفي الغيبيات يقول تحت قوله تعالى: ﴿ولا تقف ماليس لك به علم﴾ (٧): ... أحوال مابعد الموت فلا نقول فيها إلا ما كان لنا به علم بما جاء في القرآن العظيم أو ثبت في الحديث الصحيح (٨). وأما موقفه من البدع: فقد تطرق من ذلك إلى الإنكار على المبتدعة من المشركين الأوائل الذين اخترعوا الرقص والزمر والطواف حول القبور والذبح عندها ونداء أصحابها ... .الخ وذكر فساد ذلك، وحث المسلمين على أن يقتصروا في العبادة على ماثبت عن رسول الله ﷺ . (٩) ومن ردوده على الصوفية قوله: زعم قوم أن أكمل أحوال العابد أن يعبد الله تعالى لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره وهذه الآية وغيرها رد قاطع عليهم. الخ يعني قوله ﴿والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم﴾ (١٠) وقد تنازع في ذلك مع أحد هؤلاء ردا وجوابا (١١). وهو يرفض تفاسير الصوفية التي ليس لها معاني صحيحة في نفسها، ولم تؤخذ من التركيب القرآني أخذا عربيا صحيحا، وليس لها مايشهد من أدلة الشرع؛ فيقول: ... أما مالم تتوفر فيه الشروط المذكورة - وخصوصا الأول والثاني -

стр. 708

فهو الذي لا يجوز في تفسير كلام الله وهو كثير في التفاسير المنسوبة لبعض الصوفية كتفسير أبي عبد الرحمن السلمي من المتقدمين والتفسير المنسوب لابن عربي من المتأخرين. (١) ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: قال في قوله: ﴿ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وماله في الآخرة من نصيب﴾ (٢) ونظيرها أيضا آية ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها ...﴾ (٣) وقال في قوله: ﴿وننزل من القرآن ماهو شفاء﴾ (٤) وصف الله تعالى القرآن بأنه شفاء في مواضع من كتابه منها هذه ومنها قوله تعالى ﴿ياأيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين﴾ (٥) ومنها قوله: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء ...﴾ (٦) رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: ويتميز تفسير ابن باديس بانتقائه للأحاديث في الجملة فغالب أحاديثه صحيحة أو حسنة وهو يعزو الأحاديث لمخرجيها في معظم المواضع (٧). وهذه ظاهرة عزيزة لا تكاد توجد في أي من التفاسير، فهي حسنة من حسنات ابن باديس ﵀. وربما ذكر الحديث بدون عزو أو ذكر لدرجة صحته كقوله: وقال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كل شيء؛ فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة" (٨). (٩) وتحت قوله ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها﴾ (١٠)

стр. 709

ذكر عدة أحاديث مستطردا: منها قوله: جاء حديث أبي هريرة في الصحيح قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها قال: فما عملت فيها؟ قال: قاتلت فيك حتى استشهدت. قال: كذبت ولكنك قاتلت لأن يقال: جريء فقد قيل ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن ... ورجل وسع الله عليه ... ." الخ (١). وقال: حديث أبي هريرة في الصحيح قال رسول الله ﷺ قال الله ﵎ " أنا أغنى الشركاء عن الشرك من عمل عملا أشرك فيه معي غيري تركته وشركه" (٢). وقال: وسئل النبي ﷺ عن هذا - أي الرجل يبتغي الجهاد وهو يريد من عرض الدنيا - فقال: "لا أجر له"، وقال: رواه أبو داود وابن حبان. (٣) وكذا قوله: ومن أدلة هذا قوله ﷺ في حديث أبي ذر ﵁ عند مسلم: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" (٤). وبتعرض لأسباب النزول ومن ذلك قوله: ﴿أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة ... .﴾ (٥) قال ابن مسعود ﵁: هي في نفر من الإنس كانوا يعبدون نفرا من الجن فأسلم الجن وبقي الإنس على عبادتهم (٦).

стр. 710

خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: نظرا لاستعمال ابن باديس الأسلوب الأدبي الذي يخاطب مستوى العامة نلاحظ عدم اهتمامه بنسبة الأقوال للمفسرين جملة وبالتالي لم يظهر اهتمامه بالتنصيص على المفسرين من السلف إلا لماما. قال تحت قوله: ﴿واجعلنا للمتقين إماما﴾ (١): قال مجاهد التابعي الجليل الثقة الثبت المفسر الكبير: أئمة نقتدي بمن قبلنا ويقتدي بنا من بعدنا. ذكره البخاري ورواه ابن جرير بسند صحيح. (٢) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: وربما تطرق ابن باديس لبعض حوادث السبرة والتاريخ ومن ذلك: قال في قوله: ﴿إما يبلغن عندك الكبر﴾ (٣): يعني الوالدين، وكان والداه - أي النبي ﷺ عليهما الرحمة قد توفيا فلم يدخلا في الخطاب قطعا (٤). وقال في قوله ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك﴾ (٥): والمخاطب بهذا الخطاب إما مفرد غير معين فيشمل جمع المكلفين غير النبي ﷺ لأنه كان يأخذ لعياله قوت سنتهم حين أفاء الله عليه النضير وفدك وخيبر (٦). وقد ذكر بعضا من أهل الجاهلية أحيوا الموءودة تحت قوله تعالى ﴿ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق﴾ (٧) كزيد بن عمرو بن نفيل وصعصعة بن ناجية (٨). سابعا: موقفه من الإسرائيليات: وعلى الرغم من محدودية القطع التفسيرية التي نوقع عليها الدراسة، فقد

стр. 711

ظهر موقف ابن باديس من الإسرائيليات في قوله: تحذير: رويت في عظم ملك سليمان روايات كثيرة ليست على شيء من الصحة، ومعظمها من الإسرائيليات الباطلة التي امتلأت بها كتب التفسير، مما تلقي من غير تثبت ولا تمحيص من روايات كعب الأحبار ووهب بن منبه، وروى شيئا من ذلك الحاكم في مستدركه وصرح الذهبي ببطلانه، ومن هذه المبالغات الباطلة أنه ملك الأرض كلها مشارقها ومغاربها، فهذه مملكة عظيمة "سبأ" كانت مستقلة عنه ومجهولة لديه على قرب مابين عاصمتها باليمن وعاصمته بالشام. (١) ثامنا: موقفه من اللغة: يهتم المؤلف بشرح المفردات كوسيلة مباشرة لتوضيح المعنى لمن يلقي عليهم دروسه، ومن ذلك قوله في قوله تعالى ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل﴾ (٢): ﴿جعلنا الليل﴾: ... وجعل الشيء هو وضعه على حاله أو كيفية خاصة (٣). ﴿آيتين﴾: الآية: العلامة الدالة (٤). ﴿فمحونا﴾: المحو هو الإزالة (٥). وفي قوله ﴿محظورا﴾ (٦) قال: والحظر: المنع والمحظور الممنوع (٧). ومن استدلاله بالشعر أحيانا قوله: والأوابون في قوله تعالى ﴿فإنه كان للأوابين غفورا﴾ (٨) هم الكثيرو الرجوع إلى الله تعالى والأوبة في كلام العرب هي الرجوع قال عبيد: وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لايؤوب (٩) وربما ذكر بيت شعر لا على سبيل التوضيح اللغوي: ومن ذلك ما نقله عن البوصيري: كفاك بالعلم في الأمي معجزة ... في الجاهلية والتأديب في اليتم (١٠)

стр. 712

وربما تعرض للإعراب أحيانا (١). ومن مواضع تعرضه للنكات البلاغية: ﴿كلا نمد هؤلاء﴾ (٢) قال: قدم المفعول وهو ﴿كلا﴾ ردا على من يعتقد أن الله يمد بعضا دون بعض وفيه إيجاز بالحذف والأصل كلا الفريقين يعني فريق مريدي العاجلة ومريدي الآخرة (٣). قوله ﴿إنه كان للأوابين غفورا﴾ (٤): وقد أكد الكلام بإن لتقوية الرجاء في المغفرة وجيء بلفظ كان لتفيد أن ذلك هو شأنه مع خلقه من سابق وهذا مما يقوي الرجاء فيه في اللاحق ... الخ (٥). وقال ﴿واخفض لهما جناح الذل﴾ (٦) فشبه الولد في سعيه وحنوه وعطفه على والديه بالطائر في ذلك كله على فراخه وحذف المشبه به وأشير إليه بلازمه وهو خفض الجناح لأن الطائر هو ذو الجناح ... فيكون في الكلام استعارة بالكناية (٧). كما تكلم عن سر توجيه الخطاب للنبي ﷺ في قوله ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر﴾ (٨) وتكلم عن سر تنكير إحسانا في قوله ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (٩) وتكلم عن إعجاز القرآن: ومن ذلك كلامه عن الآيات من قوله: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾ (١٠) إلى قوله ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتلقى في جهنم ملوما مدحورا﴾ (١١) فقال: فهذه ثمان عشرة آية من سورة الإسراء قد أتت في إيجاز ووضوح على أصول الهداية الإسلامية كلها وأحاطت بأسباب السعادة في الدارين من جميع وجوهها ... ثم بين ذلك مفصلا (١٢).

стр. 713

تاسعا: موقفه من القراءات: وربما تعرض ابن باديس للقراءات وهو نادر ومن ذلك قوله في آية ﴿كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروها﴾ (١): ﴿ذلك﴾ إشارة إلى جميع ماتقدم من المأمورات والمنهيات على قراءة ﴿سيئُهُ﴾ (٢) فالمكروه هو سيء ماتقدم وهو القبائح المنهي عنها، أو إشارة إلى خصوص القبائح على قراءة ﴿سيئَةً﴾ (٣). (٤) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: يتعرض للفقه لماما مثل قوله تحت آية ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ (٥): وإنما تحل مخالفتهما - أي الوالدين - إذا منعاه من واجب عيني أو أمراه بمعصية. ويقول: لأن القيام عليهما فرض عيني والجهاد كان عليه فرض كفاية ولو تعين عليه ولم يكونا عن كفاية قدم القيام عليهما وكفايتهما عليه (٦). وفي قوله ﴿ولا تقربوا الزنا﴾ (٧) قال: وقد حمى الشرع الشريف العباد من هذه الفاحشة بما فرض من الحجاب الشرعي وهو ستر الحرة ماعدا وجهها، وجمع ثيابها عند الخروج بالتجلبب وبما حرم من تطيب المرأة وقعقعة حليها عند الخروج وخلوتها بالأجنبي واختلاط النساء بالرجال. وتحت قوله ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (٨): تساءل هل يسلَّم على الكافر؟ قال: نعم. كما قال إبراهيم لأبيه ﴿سلام عليك﴾ (٩) وقد قال تعالى ﴿قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم﴾ (١٠) ولم يستثن إلا قوله لأبيه لأستغفرن لك (١١). وقد فات ابن باديس النهي الوارد في السنة الصحيحة من قوله ﷺ :

стр. 714

"لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه" (١). وقد تعرض أيضا لحكم تارك الصلاة (٢). ومن مصادره في الفقهيات ابن العربي المالكي (٣). ويلاحظ أن ابن باديس ليس ناقلا فقط وإنما يناقش ويحلل ويرجح ومن ذلك كلامه في التهجد تحت قوله ﴿ومن الليل فتهجد به﴾ (٤) وهل كان مفروضا على النبي ﷺ وحده أم لا؟ (٥). ومن تفرداته واجتهاداته ماذكره تحت قوله: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس﴾ (٦) حيث ذكر قولا ثالثا في تفسيرها وقال: ولم أره لأحد، واللفظ يحتمله: أن ميل الشمس يبتدئ بالزوال وينتهي فيما يرى لنا بالبصر بمغيب الشفق غير أن ميلها في الزوال والغروب مشاهد بمشاهدة ذاتها، وميلها بعد الغروب مستدل عليه بما يشاهد من أخذ الشفق في المغيب إلى أن يغيب بتمامه، ولا شك أن ذلك نتيجة ميلها من وراء الأفق فالصلوات الأربع على هذا واجبة لدلوك الشمس (٧). وهو يتعرض للأصول أثناء التفسير ومن ذلك: قوله: والمطلق محمول على المقيد في البيان والأحكام. (٨) وقوله: العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (٩). وتكلم عن: التقليد وحكمه (١٠). والاجتهاد وخبر الآحاد والفتوى بالدليل (١١). وفي الحمل على الظاهر (١٢). ومن كلامه: وماأحسن التفسير عندما تعضده الأحاديث الصحاح. (١٣) ويقول: عندما يختلف عليك الرعاة الذين يدعي كل منهم أنه يدعوك إلى الله تعالى فانظر من يدعوك بالقرآن إلى القرآن ومثله ماصح من السنة

стр. 715

لأنها تفسيره وبيانه فاتبعه (١) .. أما النسخ فهو يرى وقوعه ويرفض الغلو فيه، ومن ذلك قوله في قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾ (٢): فهو أدب مشروع مؤكد وحكم دائم محكم، وهو في معاملات الأفراد كما ترى فلا ينافي ماشرع من الحرب عند وجود أسبابها وتوفر شروطها بين الأمم والجماعات، وهي من الأمور العامة كما ترى، فبطل قول من زعم أن هذه الآية بالنسبة لغير المسلم منسوخة بآية السيف لأن هذه الآية حكمها في حال وآية السيف حكمها في حال أخرى فلا تنسخ إحداهما الأخرى وماأكثر ماقتلت أحكام بآية السيف هذه!! وهي عند التحقيق غير معارضة لمباينة حالها لحالها (٣). وقوله: ولحديث عائشة ﵂: إن الله افترض قيام الليل في أول هذه السورة (المزمل) قيام الليل فقام النبي ﷺ وأصحابه حولا وأمسك الله خاتمتها اثني عشر شهرا حتى أنزل الله في آخر هذه السورة التخفيف فصار قيامه تطوعا بعد فرضه. رواه مسلم. (٤) حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية: لقد تعرض ابن باديس لبعض الكونيات فنراه يقرر كروية الأرض في تفسيره لقوله تعالى ﴿يكور الليل على النهار﴾ (٥) (٦) ويقول في قوله ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين﴾ (٧) قال: بتعاقبهما مقدرين بأوقات متفاوتة بالزيادة والنقص على نظام محكم وترتيب بديع بحسب الفصول الشتوية والصيفية وبسبب الأمكنة ومناطق الأرض المناطق الاستوائية والقطبية الشمالية والجنوبية وما بينهما حتى يكونا في القطبين ليلة ويوما في السنة، ليلة فيها ستة أشهر هي شتاء القطبين ويوم في ستة أشهر هو صيفهم (٨). وقد تكلم عن القمر عند علماء الفلك ثم عن المعجزة العلمية في محو القمر بمعنى أنه كان شديد الحمو والحرارة في الأزمان القديمة منذ ملايين

стр. 716

الستين ثم برد وزالت إضاءته على ماهو الآن (١). وعند التحقيق فهذه نظرية لا علاقة لها بالآية وهذا إغراق في تطبيق تلك النظريات على الآيات في حين ثبوت خطئها في كثير من الأحيان، والمراد بالمحو ظلمة الليل كما فهمه أهل اللغة الذين نزل القرآن بمخاطبتهم أصلا ونحن لهم تبع. كما تكلم عن استمداد القمر ضوءه من الشمس (٢). كما عقد ابن باديس فصلا في المدنية الحديثة (٣). ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب: وقد اهتم المؤلف بجانب الاجتماعيات والآداب اهتماما كبيرا مع شيء من الوعظ والإرشاد: فمن الآداب والاجتماعيات تكلم في سورة الإسراء مثلا على أصول الهداية وبر الوالدين وصلاح النفوس وإصلاحها والعلم والأخلاق والقول الحسن وغير ذلك. ومن استفاضته في التوجيه والإرشاد تطرقه إلى بر الوالدين بعد موتهما (٤). وفي قوله تعالى ﴿من كان يريد العاجلة﴾ (٥) قال: ومن مقتضى هذا أن من أهمل تلك الأسباب الكونية التقديرية الإلهية ولم يأخذ بها لم ينل مسبباتها ولو كان من المؤمنين وهذا معلوم ومشاهد من تاريخ البشر في ماضيهم وحاضرهم. ثم قسم ابن باديس العباد إلى أربعة أقسام: مؤمن آخذ بالأسباب فهو سعيد في الدنيا والآخرة، ودهري تارك لهما فهو شقي فيهما، ومؤمن تارك للأسباب شقي في الدنيا ناج بعد المؤاخذة على ترك الأسباب في الآخرة، ودهري آخذ بالأسباب فهو سعيد في الدنيا هالك في الآخرة. ويقول: فلا يفتتن المسلمين بعد هذا مايرونه من حالهم وحال من لا يدين دينهم ... الخ (٦). وفي قوله تعالى ﴿فأولئك كان سعيهم مشكورا﴾ (٧) قال:

стр. 717

فهذا كان سعيه مشكورا بثلاثة شروط: أن يقصد بعمله ثواب الآخرة ... ، أن يعمل لهما عملها ... ، أن يكون مؤمنا موقنا بثواب الله ... الخ وتحدث عن المجتمع السعيد ومقوماته (١). وله تقسيمات جيدة في أنواع الأمراض وفي التداوي بالقرآن (٢). ومن توجيهاته الوعظية: قال: فهذه الكلمات القليلة الكثيرة ﴿لتبتغوا فضلا من ربكم﴾ (٣) جمعت أصول السعادة في هذه الحياة، بالعمل مع الجد فيه والمحبة له والرجاء في ثمرته الذي به قوام العمران وبالرضا والتسليم للمولى الذي به طمأنينة القلب وراحة الضمير وبالكف للقلب واليد عن الناس الذي به الأمن والسلام (٤). وفي قوله ﴿من كان يريد العاجلة﴾ (٥) يقول: كل الناس في هذه الحياة حارث وهمام، عامل ومريد، فسفيه ورشيد، وشقي وسعيد، منهم من يريد بأعماله هذه الدار العاجلة والحياة الدنيا عليها قصر همه وعلى حظوظها عقد ضميره ... لايرجو سواها ثوابا ولا يخاف عقابا ... الخ (٦). ويقول: وإذا أخلصت في رجائك وخوفك هانت عليك نفسك فقمت في طاعته مجاهدا ... .. الخ (٧). ويقول في قوله تعالى ﴿قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ...﴾ (٨): هذه نملة وفت وأدت نحوهم واجبها فكيف بالإنسان العاقل فيما يجب عليه نحو قومه؟ هذه عظة بالغة لمن لا يهتم بأمور قومه، ولا يؤدي الواجب نحوهم، ولمن يرى الخطر داهما لقومه فيسكت أو يتعامى، ولمن يقود الخطر إليهم ويصبه بيده عليهم! آه .. ماأحوجنا معشر المسلمين إلى أمثال هذه النملة! (٩)

стр. 718

تفسير ابن عاشور من خلال كتابه التحرير والتنوير مؤلف هذا التفسير هو محمد الطاهر بن محمد بن محمد الطاهر بن عاشور التونسي ت ١٣٩٣ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بتونس وتوفي بها (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى بالتحرير والتنوير اسمه الأصلي: "تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد وتفسير الكتاب المجيد". والكتاب له طبعتان: طبعة على هيئة أجزاء متفرقة نشرتها الدار التونسية للنشر، وطبعة في خمس مجلدات، وطبعة قديمة سنة ١٣٨٤ هـ بمطبعة عيسى البابي الحلبي لم أقف منها على غير الجزء الأول فقط. قدم له المؤلف بتمهيد واف ذكر فيه مراده من هذا التفسير وقال: فجعلت حقًا علي أن أبدي في تفسير القرآن نكتا لم أر من سبقني إليها، وأن أقف موقف الحكم بين طوائف المفسرين تارة لها وآونة عليها، فإن الاقتصار على الحديث المعاد، تعطيل لفيض القرآن الذي ماله من نفاد، ولقد رأيت الناس حول كلام الأقدمين أحد رجلين: رجل معتكف فيما شاده الأقدمون، وآخر آخذ بمعولة في هدم ما مضت عليه القرون وفي تلك الحالتين ضر كثير، وهنالك حالة أخرى ينجبر بها الجناح الكسير، وهي أن نعمد إلى ما أشاده الأقدمون فنهذبه ونزيده وحاشا أن ننقضه أو نبيده، علما بأن غمص فضلهم كفران للنعمة، وجحد مزايا سلفها ليس من حميد خصال الأمة. (٢)

стр. 719

وقد ذكر فيها أهم التفاسير في نظره فبدأها بتفسير الكشاف ثم المحرر الوجيز ثم مفاتيح الغيب وتفسير البيضاوي والآلوسي وذكر بعض الحواشي على الكشاف والبيضاوي وتفسير أبي السعود والقرطبي وتقييد الأبي على ابن عرفة وتفسير ابن جرير ودرة التنزيل. ثم قال: ولقصد الاختصار أعرض عن العزو إليها. فكأنها مراجعه الأساسية. ولقد أخر ما حقه التقديم فجعل أولها كتاب الكشاف المعتزلي وجعل في آخرها كتاب ابن جرير أعظم المفسرين وعمدة السابقين واللاحقين مما يعطي الانطباع بأن منهج الشيخ عقلاني أكثر منه أثري. ثم قال: وقد ميزت ما يفتح الله لي من فهم في معاني كتابه وما أجلبه من المسائل العلمية مما لا يذكره المفسرون. (١) كما وضح أن فن البلاغة لم يخصه أحد من المفسرين بكتاب كما خصوا أفانين القرآن الأخرى ومن أجل ذلك التزم أن لا يغفل التنبيه على ما يلوح له منه كلما ألهمه. وأخيرًا فهو يمتدح كتابه بقوله: ففيه أحسن ما في التفاسير، وفيه أحسن مما في التفاسير. (٢) وقد أتبع كلامه عن تفسيره بعشر مقدمات: الأولى: في التفسير والتأويل وتعرض فيه لبيان أن التفسير ليس علمًا إلا على وجه التسامح وناقش ذلك بمقدمات منطقية ترسم أبعادًا لمنهجه العقلاني الذي يتضح من خلال مطالعة تفسيره شيئًا فشيئًا. (٣) وقد أثنى في تلك المقدمة على تفسيري الكشاف وابن عطية وقال: وكلاهما عضادتا الباب ومرجع من بعدهما من أولي الألباب. (٤) وسوف يأتي ذكر بقية المقدمات في غضون كلامنا عن المنهج التفصيلي. المنهج العام للتفسير: (٥) وتفسير التحرير والتنوير بعتير في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا

стр. 720

لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم بشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها. (١) المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات: لقد أفرد ابن عاشور المقدمة الثامنة من مقدماته وجعلها في اسم القرآن وآياته وسوره وترتيبها وأسمائها. ثم هو يتعرض أثناء التفسير لأسماء السور ومن ذلك في سورة الفاتحة إذ يقول: سورة الفاتحة من السور ذات الأسماء الكثيرة. أنهاها صاحب الإتقان إلى نيف وعشرين بين ألقاب وصفات وجرت على ألسنة القراء من عهد السلف، ولم يثبت في السنة الصحيحة والمأثور من أسمائها إلا فاتحة الكتاب، والسبع المثاني، وأم القرآن، أو أم الكتاب، فلنقتصر على بيان هذه الأسماء الثلاثة. (٢) ومما قاله في تقديمه لكتابه: واهتممت أيضًا ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض وبين أن البحث عن تناسب مواقع السور ليس حقًا على المفسر. ويتعرض لمكية السور ومدنيتها وترتيب نزولها كما في الفاتحة والبقرة وغيرهما. (٣) وفي ترتيب النزول جاء قوله: تحير المفسرون في محل هاته الحروف الواقعة في أول هاته السور، وفي فواتح سور أخرى عدة جميعها تسع وعشرون سورة ومعظمها في السور المكية، وكان بعضها في ثاني سورة نزلت وهى ﴿ن والقلم﴾ (٤) وأخلق بها أن تكون مثار حيرة ومصدر أقوال متعددة وأبحاث كثيرة (٥). وعند النظر لأول وهلة يتبين أن تحديد المصنف لتلك السورة بأنها ثاني سورة نزلت ليس بصحيح فإن أولى السور نزولا هي العلق ثم

стр. 721

المدثر والخلاف محصور فيهما مع الفاتحة، فسورة ن هي الرابعة على أقل تقدير. (١) وهو يتعرض لعد الآي ومن ذلك قوله في سورة البقرة: وعدد آيها مائتان وخمس وثمانون آية عند أهل العدد بالمدينة ومكة والشام، وست وثمانون عند أهل العدد بالكوفة، وسبع وثمانون عند أهل العدد بالبصرة (٢). وقد تعرض للخلاف في عد الفواتح. (٣) ثانيا: موقفه من العقيدة: وهو في العقيدة يسلك مسلك المؤولة: يقول: فوصف الله تعالى بصفات الرحمة في اللغات ناشئ على مقدار عقائد أهلها في ما يجوز على الله ويستحيل، وكان أكثر الأمم مجسمة، ثم يجيء ذلك في لسان الشرائع تعبيرًا على المعاني العالية بأقصى ما تسمح به اللغات مع اعتقاد تنزيه الله عن أعراض المخلوقات بالدليل العام على التنزيه وهو مضمون قول القرآن ﴿ليس كمثله شيء﴾ (٤) فأهل الإيمان إذا سمعوا أو أطلقوا وصفي: الرحمن الرحيم؛ لا يفهمون منه حصول ذلك الانفعال الملحوظ في حقيقة الرحمة في متعارف اللغة العربية لسطوع أدلة تنزيه الله تعالى عن الأعراض بل إنه يراد بهذا الوصف في جانب الله تعالى إثبات الغرض الأسمى من حقيقة الرحمة وهو صدور آثار الرحمة من الرفق واللطف والإحسان والإعانة لأن ماعدا ذلك من القيود الملحوظة في مسمى الرحمة في متعارف الناس لا أهمية له، لولا أنه لا يمكن بدونه حصول آثاره فيهم ألا ترى أن المرء قد يرحم أحدًا ولا يملك له نفعا لعجز أو نحوه وقد أشار إلى ما قلناه أبو حامد الغزالي في المقصد الأسنى بقوله: الذي يريد قضاء حاجة المحتاج ولا يقضيها فإن كان قادرًا على قضائها لم يسم رحيمًا إذ لو تمت الإرادة لوفى بها وإن كان عاجزا فقد يسمى رحيما باعتبار ما اعتبره من الرحمة والرقة ولكن ناقص. وبهذا تعلم أن إطلاق نحو هذا الوصف على الله تعالى ليس من المتشابه

стр. 722

لتبادر المعنى المراد منه بكثرة استعماله وتحقق تنزه الله عن لوازم المعنى المقصود في الوضع مما لا يليق بجلال الله، كما نطلق العليم على الله مع التيقن بتجرد علمه عن الحاجة إلى النظر والاستدلال وسبق الجهل، وكما نطلق الحي عليه تعالى مع اليقين بتجرد حياته عن العادة والتكون، ونطلق القدرة مع اليقين بتجرد قدرته عن المعالجة والاستعانة، فوصفه تعالى بالرحمن الرحيم من المنقولات الشرعية فقد أثبت القرآن رحمة الله في قوله ﴿ورحمتي وسعت كل شيء﴾ (١) فهي منقولة في لسان الشرع إلى إرادة الله إيصال الإحسان إلى مخلوقاته في الحياة الدنيا وغالب الأسماء الحسنى من هذا القبيل. (٢) ويقول: وإذا كانت حقيقة الغضب يستحيل اتصاف الله تعالى بها، وإسنادها إليه على الحقيقة، للأدلة القطعية الدالة على تنزيه الله تعالى عن التغيرات الذاتية والعرضية؛ فقد وجب على المؤمن صرف إسناد الغضب إلى الله عن معناه الحقيقي، وطريقة أهل العلم والنظر في هذا الصرف أن يصرف اللفظ إلى المجاز بعلاقة اللزوم أو إلى الكناية باللفظ عن لازم معناه، فالذي يكون صفة لله من معنى الغضب هو لازمه، أعني: العقاب والإهانة يوم الجزاء واللعنة أي الإبعاد عن أهل الدين والصلاح في الدنيا أو هو من قبيل التمثيلية. وكان السلف في القرن الأول ومنتصف القرن الثاني يمسكون عن تأويل هذه المتشابهات، لما رأوا في ذلك الإمساك من مصلحة الاشتغال بإقامة الأعمال التي هي مراد الشرع من الناس، فلما نشأ النظر في العلم وطلبوا معرفة حقائق الأشياء وحدث قول الناس في معاني الدين بما لا يلائم الحق، لم يجد أهل العلم بدًا من توسيع أساليب التأويل الصحيح لإفهام المسلم وكبت الملحد، فقام الدين بصنيعهم على قواعده، وتميز المخلص له عن ماكره وجاحده، وكل فيما صنعوا على هدى. وبعد البيان لا يرجع إلى الإجمال أبدًا، (٣) وما تأولوه

стр. 723

إلا بما هو معروف في لسان العرب مفهوم لأهله. فغضب الله تعالى على العموم يرجع إلى معاملته الحائدين عن هديه العاصين لأوامره ويترتب عليه الانتقام وهو مراتب أقصاها عقاب المشركين والمنافقين بالخلود في الدرك الأسفل من النار ودون الغضب الكراهية. (١) وقد يستطرد أحيانا في تلك القضايا المتعلقة بالصفات ويكفي القارئ لمعرفة مدى الاستطراد الذي وقع فيه المؤلف الخارج عن نطاق التفسير أن يقرأ هذه الفقرة التي ساقها ضمن كلامه الطويل عن الحمد: قال: ... ومنه أنه يكون ثناء على الجميل الاختياري: وبهذا يندفع الإشكال عن حمدنا الله تعالى على صفاته الذاتية كالعلم والقدرة دون صفات الأفعال، وإن كان اندفاعه على اختيار الجمهور أيضًا ظاهرا؛ فإن ما ورد عليهم من أن مذهبهم يستلزم أن لا يحمد الله تعالى على صفاته لأنها ذاتية، فلا توصف بالاختيار إذ الاختيار يستلزم إمكان الاتصاف. وقد أجابوا عنه إما بأن تلك الصفات العلية نزلت منزلة الاختيارية لاستقلال موصوفها وإما بأن ترتب الآثار الاختيارية عليها يجعلها كالاختيارية، وإما بأن المراد بالاختيارية

стр. 724

أن يكون المحمود فاعلا بالاختيار وإن لم يكن المحمود عليه اختياريًا. وعندي أن الجواب أن نقول: إن شرط الاختياري في حقيقة الحمد - عند مثبته - لإخراج الصفات غير الاختيارية، لأن غير الاختياري فينا ليس من صفات الكمال إذ لا تترتب عليها الآثار الموجبة للحمد، فكان شرط الاختيار في حمدنا زيادة في تحقق كمال المحمود، أما عدم الاختيار المختص بالصفات الذاتية الإلهية فإنه ليس عبارة عن نقص في صفاته، ولكنه كمال نشأ من وجوب الصفة للذات لقدم الصفة فعدم الاختيار في صفات الله تعالى زيادة في الكمال لأن أمثال تلك الصفات فينا لا تكون واجبة للذات ملازمة لها، فكان عدم الاختيار في صفات الله تعالى دليلا على زيادة الكمال، وفينا دليلا على النقص. وما كان نقصًا فينا باعتبار ما، قد يكون كمالا لله تعالى باعتبار آخر، مثل عدم الولد، فلا حاجة إلى الأجوبة المبنية على التنزيل إما باعتبار الصفة أو باعتبار الموصوف، على أن توجيه الثناء إلى الله تعالى بمادة (حمد) هو أقصى ما تسمى به اللغة الموضوعة لأداء المعاني المتعارفة لدى أهل تلك اللغة، فلما طرأت عليهم المدارك المتعلقة بالحقائق العالية عبر لهم عنها بأقصى ما يقربها من كلامهم. (١) ويقول في خلق الأفعال وقضية اللطف وهو كلام يشم منه رائحة الاعتزال: ﴿فزادهم الله مرضا﴾ (٢) وإنما أسندت زيادة مرض قلوبهم إلى الله تعالى مع أن زيادة هاته الأمراض القلبية من ذاتها، لأن الله تعالى لما خلق هذا التولد وأسبابه وكان أمره خفيا، نبه الناس على خطر الاسترسال في النوايا الخبيثة والأعمال المنكرة، وأنه من شأنه أن يزيد تلك النوايا تمكنا من القلب فيعسر أو يتعذر الإقلاع عنها بعد تمكنها، وأسندت تلك الزيادة إلى اسمه تعالى لأن الله غضب عليهم فأهملهم وشأنهم ولم يتداركهم بلطفه الذي يوقظهم من غفلاتهم لينبه المسلمين إلى خطر أمرها وأنها مما يعسر إقلاع أصحابها عنها ليكون حذرهم من معاملتهم أشد ما يمكن. وله كلام جيد في تقدير المحذوف في لا إله إلا الله: قال: قد أفادت

стр. 725

جملة (لا إله إلا هو) التوحيد لأنها نفت حقيقة الألوهية عن غير الله تعالى. وخبر" لا" محذوف دل عليه ما في" لا "من معنى النفي لأن كل سامع يعلم أن المراد نفي هذه الحقيقة فالتقدير لا إله موجود إلا هو، وقد عرضت حيرة للنحاة في تقدير الخبر في هاته الكلمة ... الخ (١) كما تعرض للخلاف في مسمى الإيمان فأطال فيه إطالة خرجت عن حد التفسير (٢) وتورط فيها ورطة كبيرة كما سيأتي في نهاية حديثنا عن هذا التفسير. وله ردود ومناقشات مع الفرق ومن ذلك: حملته في المقدمة الثالثة على تفسير الباطنية وقد عرج على التفسير الإشاري وخرجه تخريجًا يوحي بقبوله له وقال في بعض أنحائه: ورأيت الشيخ محيي الدين يسمي هذا النوع سماعًا ولقد أبدع. (٣) وقد تعرض للإباضية وقولهم في الإيمان (٤) كما تعرض لبعض الخلافات بين الأشاعرة والمعتزلة (٥) وابن عاشور يؤخذ عليه أنه ينقل عن أناس معروفين بالزيغ في باب الاعتقاد فهو ينقل عن ابن سينا (٦) وأمثاله إذ يقول بعد ذكر كلام للرازي: قلت: ولم يسم الإمام المرتبة الثالثة باسم والظاهر أنها ملحقة في الاسم

стр. 726

في المرتبة الثالثة أعني العبودية لأن الشيخ ابن سينا قال في الإشارات: العارف يريد الحق لا لشيء غيره ولا يؤثر شيئًا على عرفانه وتعبده له فقط لأنه مستحق للعبادة ولأنها نسبة شريفة إليه لا لرغبة أو رهبة أ. هـ فجعلهما حالة واحدة. (١) كما ينقل عنه مرة ثانية بعدها بصفحة فيقول: وأقل منه قول الشيخ ابن سينا في الإشارات: لما لم يكن الإنسان بحيث يستقل وحده بأمر نفسه إلا بمشاركة آخر من بني جنسه وبمعاوضة ومعارضة تجريان بينهما يفرغ كل واحدة منهما لصاحبه عن مهم لو تولاه لنفسه لازدحم على الواحد كثير وكان مما يتعسر إن أمكن، وجب أن يكون بين الناس معاملة وعدل يحفظه شرع يفرضه شارع متميز باستحقاق الطاعة، ووجب أن يكون للمحسن والمسيء جزاء من عند القدير الخبير، فوجب معرفة المجازي والشارع، وأن يكون مع المعرفة سبب حافظ للمعرفة ففرضت عليهم العبادة المذكِّرة للمعبود، وكررت عليهم ليستحفظ التذكير بالتكرير أ. هـ (٢) وتقدم نقله عن ابن عربي. (٣) كما تأثر بمن لديه انحراف في عقيدته ونقل عنه كثيرا أمثال الزمخشري، وهو يثني على الغزالي وينقل عنه كثيرًا أيضا. (٤) ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: ومن مواضع تفسير ابن عاشور للقرآن بالقرآن وهي تكاد تكون نادرة وغير مباشرة قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم﴾ (٥) قال: وقيل: أريد بالذين آمنوا الذين أظهروا الإيمان فتكون خطابا للمنافقين فيؤول قوله ﴿الذين آمنوا﴾ بمعنى أظهروا الإيمان فيكون تهكما بهم على حد قوله ﴿وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾ (٦) فيكون خطابا للمنافقين ... الخ. (٧) وقال: والعلو في قوله ﴿ولتعلن علوا كبيرا﴾ (٨) مجاز في الطغيان والعصيان كقوله كقوله ﴿إن فرعون علا في الأرض﴾ (٩) وقوله

стр. 727

﴿إنه كان عاليا من المسرفين﴾ (١) وقوله ﴿ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين﴾ (٢) تشبيها للتكبر والطغيان بالعلو على الشيء لامتلاكه تشبيه معقول بمحسوس. (٣) رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: وأفرد ابن عاشور المقدمة الثالثة من مقدماته العشر: في صحة التفسير بغير المأثور ومعنى التفسير بالرأي وقد انتقد فيها كتب التفسير بالمأثور حتى تجاوز الانتقاد إلى ذكر ما ليس بحقيقة كقوله: وإن أرادوا بالمأثور ما روي عن النبي ﷺ وعن الصحابة خاصة وهو ما يظهر من صنيع السيوطي في تفسيره الدر المنثور. لم يتسع ذلك المضيق إلا قليلا ولم يغن عن أهل التفسير فتيلا. (٤) وهذا غير صحيح فالدر المنثور جامع لأقوال التابعين وبعض تابعي التابعين أكثر مما جمع عن الصحابة. وقد انتقد الطبري وقال عن طريقته: وذلك طريق ليس بنهج وقد سبقه إليه بقي ابن مخلد ولم نقف على تفسيره، وشاكل الطبري فيه معاصروه، مثل ابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم، فلله در الذين لم يحبسوا أنفسهم في تفسير القرآن على ما هو مأثور مثل الفراء وأبي عبيدة من الأولين، والزجاج والرماني ممن بعدهم، ثم الذين سلكوا طريقهم مثل الزمخشري وابن عطية. (٥) وأقول: بل لله در من حبسوا نفسهم على منهاج أولهم ولم تزل أقدامهم في مازلت فيه أقدام غيرهم ممن خرجوا من القفص لحتفهم. أما موقفه من الحديث فيتعرض له على وجه التفسير وربما جاء به لدلالة لغوية ونحوها. وهو في الغالب يذكر الأحاديث بدون تخريج (٦). وربما ذكر التخريج وهو قليل (٧). وقد يخالف المصنف عادته لحاجة في نفس يعقوب ومن ذلك كلامه

стр. 728

عن حديث تحويل القبلة حيث لم يكتف بالتخريج ولا بالصناعة الحديثية بل ذكر أيضا طرفا من الأسانيد فقال عند قوله ﴿سيقول السفهاء من الناس ماولاهم عن قبلتهم﴾ (١): ولذلك جزم أصحاب هذا القول بأن هذه الآية نزلت بعد نسخ استقبال بيت المقدس ورووا ذلك عن مجاهد. وروى البخاري في كتاب الصلاة (٢) من طريق عبدالله بن رجاء عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن البراء حديث تحويل القبلة ووقع فيه: فقال السفهاء - وهم اليهود -: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾ ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم﴾. وأخرجه في كتاب الإيمان (٣) من طريق عمرو بن خالد عن زهير عن أبي إسحاق عن البراء بغير هذه الزيادة، ولكن قال عوضها: وكانت اليهود قد أعجبهم إذ كان يصلي قبل بيت القدس، وأهل الكتاب، فلما ولى وجهه قبل البيت أنكروا ذلك. وأخرجه في كتاب التفسير (٤) من طريق أبي نعيم عن زهير بدون شيء من هاتين الزيادتين، والظاهر أن الزيادة الأولى مدرجة من إسرائيل عن أبي إسحاق، والزيادة الثانية مدرجة من عمرو بن خالد لأن مسلما والترمذي والنسائي قد رووا حديث البراء عن أبي إسحاق من غير طريق إسرائيل ولم يكن فيه إحدى الزيادتين، فاحتاجوا إلى تأويل حرف الاستقبال من قوله ﴿سيقول السفهاء﴾ بمعنى التحقيق لا غير، أي قد قال السفهاء: ماولاهم (٥). وهذا التخريج المطول - بالنسبة للتفسير - لاقيمة له من حيث الصناعة الحديثية لإثبات الإدراج في الحديث، ولابد في ذلك من نص عالم متخصص من الحفاظ على ذلك الإدراج أو التتبع الكامل لجميع طرق الحديث ثم عرضها على قواعد أهل المصطلح للوصول لتلك الدعوى العريضة. وهو أحيانا يغض طرفه عن مشهور الحديث بعبارة مقتضبة لعدم قناعته بالتفسير المترتب عليه ومن ذلك: قوله ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (٦)

стр. 729

قال: فالمغضوب عليهم: جنس للفرق التي تعمدت ذلك واستخفت بالديانة عن عمد أو تأويل بعيد جدًا، والضالون: جنس للفرق التي أخطأت الدين عن سوء فهم وقلة إصغاء، وكلا الفريقين مذموم لأننا مأمورون باتباع سبيل الحق وصرف الجهد إلى إصابته، واليهود من الفريق الأول والنصارى من الفريق الثاني وما ورد في الأثر مما ظاهره تفسير ﴿المغضوب عليهم﴾ باليهود و ﴿الضالين بالنصارى﴾ فهو إشارة إلى أن في الآية تعريضًا بهذين الفريقين اللذين حق عليهما هذان الوصفان لأن كلا منهما صار علما فيما أريد التعريض به فيه. (١) فقوله: "وما ورد في الأثر مما ظاهره .. "واضح جدا فيما ذكرته، وتفسير الآية بذلك يعتبر نصا فيها لا ظاهرا كما يوهم كلامه وهو حديث مشهور رواه عدة واتفق السلف على تفسير الآية بذلك حتى قال ابن أبي حاتم: لا أعلم بين المفسرين في هذا الحرف خلافا. (٢) وربما نقد بعض الأحاديث (٣) ثم تناقض. (٤) وقد وهم في حديث نسبه للنبي ﷺ وهو من مشهور كلام علي بن أبي طالب وذلك في قوله: فالعالم يحرم عليه أن يكتم من علمه ما فيه هدى للناس لأن كتم الهدى إيقاع في الضلالة سواء في ذلك العلم الذي بلغة إليه في تاريخ الخبر كالقرآن والسنة الصحيحة والعلم الذي يحصل عن النظر كالاجتهادات إذا بلغة مبلغ غلبة الظن بأن فيها خيرًا للمسلمين، ويحرم عليه بطريق القياس الذي تومئ إليه العلة أن يثبت في الناس ما يوقعهم في أوهام بأن يلقنها وهو لا يحسن تزيلها ولا تأويلها، فقد قال رسول الله ﷺ : "حدثوا الناس بما يفهمون أتحبون أن يكذب الله ورسوله؟ " (٥) وكذلك كل ما يعلم أن الناس لا يحسنون وضعه (٦). وهو يتعرض لذكر أسباب النزول وقد أفرد لها المقدمة الخامسة حيث

стр. 730

تكلم فيها عن فوائدها وأنكر على من توسع فيها وخلط الغث بالسمين. ومن مواضع ذكره لأسباب النزول ماتقدم في قضية تحويل القبلة. ومنه أيضا قوله في آية ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض﴾ (١): ... فنزلت لبيان الأمر الأجدر فيما جرى في شأن الأسرى في وقعت بدر. وذلك مارواه مسلم عن ابن عباس والترمذي عن ابن مسعود ما مختصره أن المسلمين لما أسروا الأسارى، قال أبو بكر: يانبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام وقال عمر: أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله ما قال أبو بكر فأخذ منهم الفداء. (٢) كما رواه أحمد عن ابن عباس فأنزل الله ﴿ما كان لنبي أن يكون له أسرى﴾. (٣) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: أما أقوال الصحابة والتابعين فلا يكثر نقلها وهو في نقله غالبا تابع لابن عطية والرازي ونحوهما لا عن المصادر الأساسية، وأما أكثر نقوله فهي عن المتأخرين أمثال الرازي والغزالي وصاحب الكشاف والسكاكي والسيالكوتي والتفتازاني ونحوهم. ومن مواضع نقله عن السلف قوله: ويعضدنا في هذا ما ذكر الفخر عن ابن عباس والبراء بن عازب والحسن أن المراد بالسفهاء المشركون (٤). (٥) ومن المواضع التي تستحق التنبيه لتعلقها بتفسير السلف قوله: ... مثل اللات يزعم العرب أنه رجل كان يلت السويق للحجيج وأن أصله اللاتّ. (٦) وهذا الذي ذكره ليس زعما للعرب بل هو تفسير صحيح ثابت عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس (٧).

стр. 731

سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: والمصنف يتعرض للسيرة في مناسبات كثيرة منها ماتقدم في أسارى بدر. (١) ومن مواضع تعرضه للأمور التاريخية حديثه عن شهور العرب وإطالته فيها تحت قوله تعالى ﴿شهر رمضان﴾ (٢). سابعا: موقفه من الإسرائيليات: والمصنف إذ ينعى على التفسير بالمأثور إغراقه في الإسرائيليات ونقلها عن أئمة أهل الكتاب ممن أسلم أمثال عبد الله بن سلام ﵁ ووهب بن منبه وكعب ابتكر تعاملا جديدا معها وهو النقل المباشر من الأسفار ومن ذلك (٣): قوله: وقد جاء ذكر اللعنة على إضاعة عهد الله في التوراة مرات وأشهرها العهد الذي أخذه موسى على بني إسرائيل في (حواريب) حسبما جاء في سفر الخروج في الإصحاح الرابع والعشرين، والعهد الذي أخذه عليهم في (مؤاب) وهو الذي فيه اللعنة على من تركه وهو في سفر التثنية في الإصحاح الثامن والعشرين والإصحاح التاسع والعشرين ومنه: أنتم واقفون اليوم جميعكم أمام الرب إلهكم ... لكي تدخلوا في عهد الرب وقسمه لئلا يكون فيكم اليوم منصرف عن الرب ... الخ (٤) ثامنا: موقفه من اللغة: ومما قاله المصنف في تقديمه لكتابه: وقد اهتممت في تفسيري هذا ببيان وجوه الإعجاز ونكت البلاغة العربية وأساليب الاستعمال. وقال: واهتممت بتبيين معاني المفردات في اللغة بضبط وتحقيق مما خلت عن ضبطه وتحقيقه كثير منه قواميس اللغة. وهو كما قال فعلا حيث خرج من التفسير إلى إضافة قاموس لغوي لمفردات القرآن ومن أمثلة ذلك:

стр. 732

الإطناب في كلمة حجارة (١) الإطناب الشديد في فواتح السور (٢) وجعل المقدمة الثانية: في استمداد علم التفسير وركز على أهمية علمي البيان والمعاني ثم الشعر وبهما صدر العلوم التي يستمد منها التفسير فقدم ما حقه التأخير وأخر ما حقه التقديم. (٣) وجعل المقدمة التاسعة: في أن المعاني التي تتحملها جمل القرآن تعتبر مرادة بها. وأما المقدمة العاشرة والأخيرة فكانت في إعجاز القرآن ويقول فيها: وإن علاقة هذه المقدمة بالتفسير هي أن مفسر القرآن لا يعد تفسيره لمعاني القرآن بالغًا حد الكمال في غرضه ما لم يكن مشتملاً على بيان دقائق من وجوه البلاغة في آيه المفسرة بمقدار ما تسموا إليه الهمة من تطويل واختصار. (٤) وفي هذا مبالغة مكشوفة فإن تفسير ترجمان القرآن وحبر الأمة على الإطلاق كان خاليا مما ذكر ثم من بعده من أئمة التفسير من الصحابة الكبار والتابعين الأبرار الذين أجمعت الأمة على إمامتهم في ذلك الفن لم يتعرضوا لما ذكر، ثم جهابذة المفسرين المشهود لهم أمثال الإمام مالك والإمام أحمد وبقي بن مخلد والنسائي وابن أبي حاتم والطبري ثم ابن كثير وغيرهم لم يتعرضوا لما ذكر أيضا. ومن إطناباته اللغوية التي خرجت عن حد التفسير والتي هي كثيرة: كلامه عن اشتقاق كلمة الفاتحة في قريب من صفحة كاملة. (٥) كما أفاض في وجه إضافة سورة إلى فاتحة الكتاب بما يقرب من صفحة أيضًا. (٦) وكذا في أصل كلمة بسملة أكثر من صفحة كاملة. (٧) وفي متعلق الباء. (٨) وفي اشتقاق كلمة اسم. (٩) وفي الفرق بين الحمد والثناء والمدح. (١٠) كما نقل بابا من كلام سيبويه باختصار فوقع في أكثر من

стр. 733

صفحة كاملة وهو باب ما ينصب من المصادر على إضمار الفعل غير المستعمل إظهاره. (١) وفي جملة الحمد هل هي إنشائية أم خبرية. (٢) وهو لاشك متمكن من اللغة وإمام بارع فيها وله إضافات جميلة ومن ذلك قوله عند قوله تعالى ﴿وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد﴾ (٣) وقد عن لى في بيان إيقاعهم الفساد أنه مراتب: أولها: إفسادهم أنفسهم بالإصرار على تلك الأدواء القلبية التى أشرنا إليها فيما مضى وما يترتب عليها من المذام ويتولد من المفاسد. الثانية: إفسادهم الناس ببث تلك الصفات والدعوة إليها وإفسادهم أبناءهم وعيالهم في اقتدائهم بهم في مساوئهم كما قال نوح ﵇ ﴿إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجرا كفارا﴾ (٤) الثالثة: إفسادهم بالأفعال التي ينشأ عنها فساد المجتمع، كإلقاء النميمة والعداوة وتسعير الفتن وتأليب الأحزاب على المسلمين وإحداث العقبات في طريق المصلحين. والإفساد: فعل ما به الفساد، والهمزة فيه للجعل أي جعل الأشياء فاسدة في الأرض. والفساد أصله استحالة منفعة الشيء النافع إلى مضر به أو بغيره، وقد يطلق على وجود الشيء مشتملا على مضرة، وإن لم يكن فيه نفع من قبل يقال: فسد الشيء بعد أن كان صالحا، ويقال: فاسد إذا وجد فاسدا من أول وهلة، وكذلك يقال: أفسد إذا عمد إلى شيء صالح فأزال صلاحه، ويقال: أفسد إذا أوجد فسادا من أول الأمر. والأظهر أن الفساد موضوع للقدر المشترك في الأطعمة، ومنه إزالة الأشياء النافعة كالحرق والقتل للبرآء، ومنه إفساد الأنظمة كالفتن والجور، ومنه إفساد المساعي كتكثير الجهل وتعليم الدعارة وتحسين الكفر ومناوأة الصالحين، ولعل المنافقين قد أخذوا من ضروب الإفساد بالجميع، فلذلك حذف متعلق تفسدوا تأكيدا للعموم المستفاد من وقوع الفعل في حيز النفي.

стр. 734

وذكر المحل الذي أفسدوا ما يحتوى عليه وهو الأرض لتفظيع فسادهم بأنه مبثوث في هذه الأرض لأن وقوعه في رقعة منها تشويه لمجموعها. والمراد بالأرض هذه الكرة الأرضية بما تحتوى عليه من الأشياء القابلة للإفساد من الناس والحيوان والنبات وسائر الأنظمة والنواميس التي وضعها الله تعالى لها. (١) ومن التحقيقات اللغوية عميقة الدلالة كلامه عن "كذلك" في قوله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ (٢). وكلامه عن "لعل" وانفراده بقول مستقل فيها حيث يقول: وعندي وجه آخر مستقل وهو أن "لعل" الواقعة في مقام تعليل أمر أو نهى لها استعمال يغاير استعمال "لعل" المستأنفة في الكلام سواء وقعت في كلام الله أم في غيره، فإذا قلت: افتقد فلانا لعلك تنصحه، كان إخبارا باقتراب وقوع الشيء وأنه في حيز الإمكان إن تم ما علق عليه، فأما اقتضاؤه عدم جزم المتكلم بالحصول فذلك معنى التزامي أعلى قد يعلم انتفاؤه بالقرينة، وذلك الانتفاء في كلام الله أوقع، فاعتقادنا بأن كل شيء لم يقع أو لا يقع في المستقبل هو القرينة على تعطيل هذا المعنى الالتزامي دون احتياج إلى التأويل في معنى الرجاء الذي تفيده "لعل" حتى أن يكون مجازًا أو استعارة لأن "لعل" إنما أتي بها لأن المقام يقتضي معنى الرجاء فالتزام تأويل الدلالة في كل موضع في القرآن تعطيل لمعنى الرجاء الذي يقتضيه المقام والجماعة لجئوا إلى التأويل لأنهم نظروا إلى "لعل" بنظر متحد في مواقع استعمالها بخلاف "لعل" المستأنفة فإنها أقرب إلى إنشاء الرجاء من إلى إخبار به، وعلى كل فمعنى "لعل" غير معنى أفعال المقاربة (٣). وقد أطال في معنى الواو في قوله تعالى ﴿أولو كان آباؤهم﴾ (٤) كما توسع في اسم الإشارة: ذلك في تفسير قوله تعالى ﴿ذلك الكتاب﴾ (٥) ومن إطنابه في مسائل البيان بما يخرج أيضًا عن

стр. 735

حد التفسير قوله: فسورة الفاتحة بما تقرر منزلة من القرآن منزلة الديباجة للكتاب أو المقدمة للخطبة، وهذا الأسلوب له شأن عظيم في صناعة الأدب العربي وهو أعون للفهم وأدعى للوعي. وقد رسم أسلوب الفاتحة للمنشئين ثلاث قواعد للمقدمة: القاعدة الأولى: إيجاز المقدمة لئلا تمل نفوس السامعين بطول انتظار المقصود وهو ظاهر في الفاتحة، وليكون سنة للخطباء فلا يطيلوا المقدمة كي لا ينسبوا إلى العي فإنه بمقدار ما تطال المقدمة يقصر الغرض، ومن هذا يظهر وجه وضعها قبل السور الطوال مع أنها سورة قصيرة. الثانية: أن تشير إلى الغرض المقصود وهو ما يسمى براعة الاستهلال لأن ذلك يهيئ السامعين لسماع تفصيل ما سيرد عليهم فيتأهبوا لتلقيه إن كانوا من أهل التلقي فحسب، أو لنقده وإكماله إن كانوا في تلك الدرجة، ولأن ذلك يدل على تمكن الخطيب من الغرض وثقته بسداد رأيه فيه بحيث ينبه السامعين لوعيه، وفيه سنة للخطباء ليحيطوا بأغراض كلامهم. وقد تقدم بيان اشتمال الفاتحة على هذا عند الكلام على وجه تسميتها أم القرآن. الثالثة: أن تكون المقدمة من جوامع الكلم وقد بين ذلك علماء البيان عند ذكرهم المواضع التي ينبغي للمتكلم أن يتأنق فيها. الرابعة: أن تفتتح بحمد الله. (١) وهو من المكثرين جدا في الاستدلال بالشعر في أصل الكتاب وحاشيته وقلما تمر صفحة إلا وفيها بيت من الشعر إن لم يكن أكثر. وهو حريص جدا على نسبة الشواهد الشعرية لأصحابها حتى إنه قال فيما لم يقف على من قاله: كقول بعض فتاك العرب في أمه (أنشده في الكشاف ولم أقف على تعيين قائله) ... (٢). ومن مواضع خروجه عن التفسير استطراده في تسمية بعض الشعراء تعليقا على اسم شاعر استدل ببيت له. (٣) ومن استطراداته بذكر أشعار كثيرة كشواهد في مسألة واحدة ما ذكره

стр. 736

تحت قوله تعالى ﴿الم﴾ (١) وقد وصل به الأمر إلى شرح شعر الشواهد. (٢) وهو يعتمد في كثير من ذلك على الكشاف وشروحه اعتمادًا كبيرًا. ومن مواضع اهتمامه بالتنبيه على النكات البلاغية: واختيار لفظ النور في قوله تعالى ﴿ذهب الله بنورهم﴾ (٣) دون الضوء ودون النار لأن لفظ النور أنسب، لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر الإسلام التي يظهرونها، وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن، فصار اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة، وعبر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في إصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله ﴿بنورهم﴾. (٤) وانظر كلامه عن المثل في اللغة والتمثيل. (٥) وله كلام جيد عن التشبيه في قوله ﴿ومثل الذين كفروا﴾ (٦) وفي الاستعارة هل هي تبعية أم تمثيلية؟ (٧) ومن اهتمامه بالتنبيه على النكات في المتشابه اللفظي قوله: قد يقول قائل إن قريبًا من هذه الجملة تقدم عند قوله تعالى ﴿قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ (٨) فعبر هنالك باسم الموصول (الذي) وعبر هنا باسم الموصول (ما)، وقال هنالك (بعد) وقال هنا (من بعد) وجعل جزاء هنالك انتفاء ولي ونصير، وجعل الجزاء هنا أن يكون من الظالمين، وقد أورد هذا السؤال صاحب درة التنزيل وغرة التأويل وحاول إبداء خصوصيات تفرق بين ما اختلفت فيه الآيتان ولم يأت بما يشفي ... .ثم ذكر وجهًا آخر أحسن منه. (٩) وقد تعرض المصنف للإعجاز في مواضع عدة ومن ذلك: مقارنة بين

стр. 737

شعر وآية (١) الإعجاز وتعلقه بسورة أو آيات (٢) وقد أطال في الحديث عن الإعجاز تحت قوله ﴿ولن تفعلوا﴾ (٣). (٤) تاسعا: موقفه من القراءات: وقد جعل المصنف المقدمة السادسة في القراءات وبين فيها سبب إعراضه عن ذكر كثير من القراءات في أثناء التفسير. (٥) وقال ﵀: (تنبيه) أنا أقتصر في هذا التفسير على التعرض لاختلاف القراءات العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة، وإن كانت القراءات السبع قد امتازت على بقية القراءات بالشهرة بين المسلمين في أقطار الإسلام. وأبني أول التفسير على قراءة نافع برواية عيسى بن مينا المدني الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويًا ولأنها التي يقرأ بها معظم أهل تونس، ثم أذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة. (٦) ولم يلتزم بما قال، بل أطنب إطنابا غريبا في بعض المواضع ومن ذلك قوله: والصراط: الطريق وهو بالصاد والسين وقد قرئ بهما في المشهورة وكذلك نطقت به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء قال في لطائف الإشارات عن الجعبرى: إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء وإنما قلبوها هنا صادًا لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخم مع الراء استثقالا للانتقال من سفل إلى علو أ. هـ. أى بخلاف العكس نحو طست لأن الأول عمل والثاني ترك. وقيسٌ قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه. ومن العرب من قلب السين زايًا خالصة قال القرطبي: وهي لغة عذرة وكلب وبني القين وهي مرجوحة ولم يقرأ بها، وقد قرأ باللغة الفصحى (بالصاد) جمهور القراء وقرأ بالسين ابن كثير في رواية قنبل، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها

стр. 738

رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى. (١) وقال: واختلفوا أيضا في حركة ميم ضمير الجمع الغائب المذكر في الوصل إذا وقعت قبل متحرك فالجمهور قرأوا ﴿عليهم غير المغضوب عليهم﴾ (٢) بسكون الميم وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون في رواية عنه بضمة مشبعة ﴿غير المغضوب عليهمو﴾ (٣) وهي لغة لبعض العرب وعليها قول لبيد: وهمو فوارسها وهم حكامها فجاء باللغتين وقرأ ورش بضم الميم وإشباعها إذا وقع بعد الميم همز دون نحو ﴿غير المغضوب عليهم﴾ (٤) وأجمع الكل على إسكان الميم في الوقف. وفي قوله ﴿فمن اضطر غير باغ﴾ (٥) قال: وقرأ أبو جعفر: فمن اضطر بكسر الطاء، لأن أصله اضطرر براءين أولاهما مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد طرح حركة الطاء. (٦) وانظر أيضا في تعرضه للأصول في القراءات كلامه في قوله تعالى ﴿ءأنذرتهم﴾ (٧) وهذا خروج سافر عما أخذه على نفسه من عدم الإطالة في القراءات فجل المفسرين إنما يتكلمون في الخلاف المؤثر في المعنى أو المتعلق به لا في الأداء ونحوه. وقد أخطأ خطأ فاحشا في عزو القراءات في قوله تعالى ﴿يخادعون الله والذين آمنوا ومايخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون﴾ (٨) حيث قال: ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه: يخدعون الله. وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله. وأما التأويل في فاعل ﴿يخادعون﴾ المقدر وهو المفعول أيضا فبأن يجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريق المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومرسله، وإما مجاز بالحذف

стр. 739

للمضاف، فلا يكون مرادهم خداع الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعا منهم ومخادعا لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاء لهم على خداعهم كذلك غير لائق. (١) وقال: واعلم أن قوله ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ (٢) أجمعت القراءات العشرة على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف، والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنة المعبر عنها بالروح وخاطر العقل. (٣) وهذا الذي ذكره هو عكس الحقيقة فقد أجمع القراء على قراءة ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ بضم الياء والألف على المفاعلة، وأما في الموضع الثاني فاختلفوا فقرأها الجميع ماعدا نافع وابن كثير وأبي عمرو واليزيدي ﴿ومايخدعون إلا أنفسهم﴾ بفتح الياء وسكون الخاء بدون ألف، وقرأها الباقون كالحرف الأول. (٤) وقد أطال إطالة شديدة في اختلافهم في قراءة ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله﴾ (٥) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: أطال ﵀ نفسه كعادته في بعض المسائل التي لا علاقة لها بالتفسير ومن ذلك قراءة البسملة عند الشروع في قراءة السورة أو أجزائها. (٦) وقد أطنب في مسألة هل البسملة آية من كل سورة أم لا إطناب الفقهاء لا المفسرين. (٧) ومن مواضع حديثه عن الفقهيات بتطويل مسألة استقبال القبلة. (٨) وله كلام فقهي عجيب في ماذبح بنية أن الجن تشرب دمه ولايذكرون اسم الله عليه تحت قوله تعالى ﴿وما أهل به لغير الله﴾ (٩) وهو لا يلتزم مذهب مالك (١٠) وينقل عن الظاهرية وأهل الحديث (١١) ومن كلامه الجيد في الفقه مع كونه استطرادا في التفسير قوله: ومن العجيب ما

стр. 740

يتعرض له المفسرون والفقهاء من البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية؟ وفي المدونة توقف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزير. قال ابن شأش: رأى غير واحد أن توقف مالك حقيقة لعموم ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ (١) عموم قوله تعالى ﴿ولحم الخنزير﴾ (٢) ورأى بعضهم أنه غير متوقف فيه حقيقة، وإنما امتنع من الجواب إنكارا عليهم تسميتهم إياه خنزيرا ولذلك قال: أنتم تسمونه خنزيرا؟ يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيرا وأنه لا ينبغي تسميته خنزيرا، ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون: أكلوا لحم الخنزير، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يتلاعب بها، وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير البحر غير متردد أخذا بأنه سمي خنزيرا، وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب الرأي، ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون أكله محرما على فريق ومباحا لفريق؟ (٣) (٤) موقفه من النسخ: وهو يقول بالنسخ وله في تفاصيله تفردات ومن ذلك قوله معللا بقاء تلاوة المنسوخ حكما: وقد بدا لي دليل قوي على هذا وهو بقاء الآيات التي نسخ حكمها وبقيت متلوة من القرآن ومكتوبة في المصاحف فإنها لما نسخ حكمها لم يبق وجه لبقاء تلاوتها وكتبها في المصاحف إلا ما في مقدار مجموعها من البلاغة بحيث يلتئم منها مقدار ثلاث آيات متحدى بالإتيان بمثلها مثال ذلك آية الوصية في سورة العقود. (٥) ومن كلامه في النسخ قوله: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب السنن عن عمرو بن خارجة وما رواه أبو داود
следующие страницы →