← Улюм аль-Кур’ан

Улюм аль-Кур’ан · id 17064

التفسير والمفسرون في غرب أفريقيا

محمد بن رزق الطرهوني

Полный текст (907 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

تحت قوله تعالى ﴿الم﴾ (١) وقد وصل به الأمر إلى شرح شعر الشواهد. (٢) وهو يعتمد في كثير من ذلك على الكشاف وشروحه اعتمادًا كبيرًا. ومن مواضع اهتمامه بالتنبيه على النكات البلاغية: واختيار لفظ النور في قوله تعالى ﴿ذهب الله بنورهم﴾ (٣) دون الضوء ودون النار لأن لفظ النور أنسب، لأن الذي يشبه النار من الحالة المشبهة هو مظاهر الإسلام التي يظهرونها، وقد شاع التعبير عن الإسلام بالنور في القرآن، فصار اختيار لفظ النور هنا بمنزلة تجريد الاستعارة لأنه أنسب بالحال المشبهة، وعبر عما يقابله في الحال المشبه بها بلفظ يصلح لهما أو هو بالمشبه أنسب في إصطلاح المتكلم كما قدمنا الإشارة إليه في وجه جمع الضمير في قوله ﴿بنورهم﴾. (٤) وانظر كلامه عن المثل في اللغة والتمثيل. (٥) وله كلام جيد عن التشبيه في قوله ﴿ومثل الذين كفروا﴾ (٦) وفي الاستعارة هل هي تبعية أم تمثيلية؟ (٧) ومن اهتمامه بالتنبيه على النكات في المتشابه اللفظي قوله: قد يقول قائل إن قريبًا من هذه الجملة تقدم عند قوله تعالى ﴿قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير﴾ (٨) فعبر هنالك باسم الموصول (الذي) وعبر هنا باسم الموصول (ما)، وقال هنالك (بعد) وقال هنا (من بعد) وجعل جزاء هنالك انتفاء ولي ونصير، وجعل الجزاء هنا أن يكون من الظالمين، وقد أورد هذا السؤال صاحب درة التنزيل وغرة التأويل وحاول إبداء خصوصيات تفرق بين ما اختلفت فيه الآيتان ولم يأت بما يشفي ... .ثم ذكر وجهًا آخر أحسن منه. (٩) وقد تعرض المصنف للإعجاز في مواضع عدة ومن ذلك: مقارنة بين

стр. 737

شعر وآية (١) الإعجاز وتعلقه بسورة أو آيات (٢) وقد أطال في الحديث عن الإعجاز تحت قوله ﴿ولن تفعلوا﴾ (٣). (٤) تاسعا: موقفه من القراءات: وقد جعل المصنف المقدمة السادسة في القراءات وبين فيها سبب إعراضه عن ذكر كثير من القراءات في أثناء التفسير. (٥) وقال ﵀: (تنبيه) أنا أقتصر في هذا التفسير على التعرض لاختلاف القراءات العشر المشهورة خاصة في أشهر روايات الراوين عن أصحابها لأنها متواترة، وإن كانت القراءات السبع قد امتازت على بقية القراءات بالشهرة بين المسلمين في أقطار الإسلام. وأبني أول التفسير على قراءة نافع برواية عيسى بن مينا المدني الملقب بقالون لأنها القراءة المدنية إماما وراويًا ولأنها التي يقرأ بها معظم أهل تونس، ثم أذكر خلاف بقية القراء العشرة خاصة. (٦) ولم يلتزم بما قال، بل أطنب إطنابا غريبا في بعض المواضع ومن ذلك قوله: والصراط: الطريق وهو بالصاد والسين وقد قرئ بهما في المشهورة وكذلك نطقت به بالسين جمهور العرب إلا أهل الحجاز نطقوه بالصاد مبدلة عن السين لقصد التخفيف في الانتقال من السين إلى الراء ثم إلى الطاء قال في لطائف الإشارات عن الجعبرى: إنهم يفعلون ذلك في كل سين بعدها غين أو خاء أو قاف أو طاء وإنما قلبوها هنا صادًا لتطابق الطاء في الإطباق والاستعلاء والتفخم مع الراء استثقالا للانتقال من سفل إلى علو أ. هـ. أى بخلاف العكس نحو طست لأن الأول عمل والثاني ترك. وقيسٌ قلبوا السين بين الصاد والزاي وهو إشمام وقرأ به حمزة في رواية خلف عنه. ومن العرب من قلب السين زايًا خالصة قال القرطبي: وهي لغة عذرة وكلب وبني القين وهي مرجوحة ولم يقرأ بها، وقد قرأ باللغة الفصحى (بالصاد) جمهور القراء وقرأ بالسين ابن كثير في رواية قنبل، والقراءة بالصاد هي الراجحة لموافقتها

стр. 738

رسم المصحف وكونها اللغة الفصحى. (١) وقال: واختلفوا أيضا في حركة ميم ضمير الجمع الغائب المذكر في الوصل إذا وقعت قبل متحرك فالجمهور قرأوا ﴿عليهم غير المغضوب عليهم﴾ (٢) بسكون الميم وقرأ ابن كثير وأبو جعفر وقالون في رواية عنه بضمة مشبعة ﴿غير المغضوب عليهمو﴾ (٣) وهي لغة لبعض العرب وعليها قول لبيد: وهمو فوارسها وهم حكامها فجاء باللغتين وقرأ ورش بضم الميم وإشباعها إذا وقع بعد الميم همز دون نحو ﴿غير المغضوب عليهم﴾ (٤) وأجمع الكل على إسكان الميم في الوقف. وفي قوله ﴿فمن اضطر غير باغ﴾ (٥) قال: وقرأ أبو جعفر: فمن اضطر بكسر الطاء، لأن أصله اضطرر براءين أولاهما مكسورة فلما أريد إدغام الراء الأولى في الثانية نقلت حركتها إلى الطاء بعد طرح حركة الطاء. (٦) وانظر أيضا في تعرضه للأصول في القراءات كلامه في قوله تعالى ﴿ءأنذرتهم﴾ (٧) وهذا خروج سافر عما أخذه على نفسه من عدم الإطالة في القراءات فجل المفسرين إنما يتكلمون في الخلاف المؤثر في المعنى أو المتعلق به لا في الأداء ونحوه. وقد أخطأ خطأ فاحشا في عزو القراءات في قوله تعالى ﴿يخادعون الله والذين آمنوا ومايخدعون إلا أنفسهم ومايشعرون﴾ (٨) حيث قال: ويؤيد هذا التأويل قراءة ابن عامر ومن معه: يخدعون الله. وهذا إنما يدفع الإشكال عن إسناد صدور الخداع من الله والمؤمنين مع تنزيه الله والمؤمنين عنه، ولا يدفع إشكال صدور الخداع من المنافقين لله. وأما التأويل في فاعل ﴿يخادعون﴾ المقدر وهو المفعول أيضا فبأن يجعل المراد أنهم يخادعون رسول الله فالإسناد إلى الله تعالى إما على طريق المجاز العقلي لأجل الملابسة بين الرسول ومرسله، وإما مجاز بالحذف

стр. 739

للمضاف، فلا يكون مرادهم خداع الله حقيقة، ويبقى أن يكون رسول الله مخدوعا منهم ومخادعا لهم، وأما تجويز مخادعة الرسول والمؤمنين للمنافقين لأنها جزاء لهم على خداعهم كذلك غير لائق. (١) وقال: واعلم أن قوله ﴿وما يخادعون إلا أنفسهم﴾ (٢) أجمعت القراءات العشرة على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف، والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنة المعبر عنها بالروح وخاطر العقل. (٣) وهذا الذي ذكره هو عكس الحقيقة فقد أجمع القراء على قراءة ﴿يخادعون الله والذين آمنوا﴾ بضم الياء والألف على المفاعلة، وأما في الموضع الثاني فاختلفوا فقرأها الجميع ماعدا نافع وابن كثير وأبي عمرو واليزيدي ﴿ومايخدعون إلا أنفسهم﴾ بفتح الياء وسكون الخاء بدون ألف، وقرأها الباقون كالحرف الأول. (٤) وقد أطال إطالة شديدة في اختلافهم في قراءة ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب أن القوة لله﴾ (٥) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول: أطال ﵀ نفسه كعادته في بعض المسائل التي لا علاقة لها بالتفسير ومن ذلك قراءة البسملة عند الشروع في قراءة السورة أو أجزائها. (٦) وقد أطنب في مسألة هل البسملة آية من كل سورة أم لا إطناب الفقهاء لا المفسرين. (٧) ومن مواضع حديثه عن الفقهيات بتطويل مسألة استقبال القبلة. (٨) وله كلام فقهي عجيب في ماذبح بنية أن الجن تشرب دمه ولايذكرون اسم الله عليه تحت قوله تعالى ﴿وما أهل به لغير الله﴾ (٩) وهو لا يلتزم مذهب مالك (١٠) وينقل عن الظاهرية وأهل الحديث (١١) ومن كلامه الجيد في الفقه مع كونه استطرادا في التفسير قوله: ومن العجيب ما

стр. 740

يتعرض له المفسرون والفقهاء من البحث في حرمة خنزير الماء وهي مسألة فارغة إذ أسماء أنواع الحوت روعيت فيها المشابهة كما سموا بعض الحوت فرس البحر وبعضه حمام البحر وكلب البحر، فكيف يقول أحد بتأثير الأسماء والألقاب في الأحكام الشرعية؟ وفي المدونة توقف مالك أن يجيب في خنزير الماء وقال: أنتم تقولون خنزير. قال ابن شأش: رأى غير واحد أن توقف مالك حقيقة لعموم ﴿أحل لكم صيد البحر﴾ (١) عموم قوله تعالى ﴿ولحم الخنزير﴾ (٢) ورأى بعضهم أنه غير متوقف فيه حقيقة، وإنما امتنع من الجواب إنكارا عليهم تسميتهم إياه خنزيرا ولذلك قال: أنتم تسمونه خنزيرا؟ يعني أن العرب لم يكونوا يسمونه خنزيرا وأنه لا ينبغي تسميته خنزيرا، ثم السؤال عن أكله حتى يقول قائلون: أكلوا لحم الخنزير، أي فيرجع كلام مالك إلى صون ألفاظ الشريعة ألا يتلاعب بها، وعن أبي حنيفة أنه منع أكل خنزير البحر غير متردد أخذا بأنه سمي خنزيرا، وهذا عجيب منه وهو المعروف بصاحب الرأي، ومن أين لنا ألا يكون لذلك الحوت اسم آخر في لغة بعض العرب فيكون أكله محرما على فريق ومباحا لفريق؟ (٣) (٤) موقفه من النسخ: وهو يقول بالنسخ وله في تفاصيله تفردات ومن ذلك قوله معللا بقاء تلاوة المنسوخ حكما: وقد بدا لي دليل قوي على هذا وهو بقاء الآيات التي نسخ حكمها وبقيت متلوة من القرآن ومكتوبة في المصاحف فإنها لما نسخ حكمها لم يبق وجه لبقاء تلاوتها وكتبها في المصاحف إلا ما في مقدار مجموعها من البلاغة بحيث يلتئم منها مقدار ثلاث آيات متحدى بالإتيان بمثلها مثال ذلك آية الوصية في سورة العقود. (٥) ومن كلامه في النسخ قوله: وقد اتفق علماء الإسلام على أن الوصية لا تكون لوارث لما رواه أصحاب السنن عن عمرو بن خارجة وما رواه أبو داود

стр. 741

والترمذي عن أبي أمامه كلاهما يقول سمعت النبيء قال: "إن الله أعطى كل ذى حق حقه، ألا لا وصية لوارث" (١). وذلك في حجة الوداع، فخص بذلك عموم الوالدين وهذا التخصيص نسخ، لأنه وقع بعد العمل بالعام وهو وإن كان خبر آحاد فقد اعتبر من قبيل المتواتر، لأنه سمعه الكافة وتلقاه علماء الأمة بالقبول. (٢) وفي معرض استبعاده لتشريع كيفية الصيام السابقة لصيام رمضان الثابتة في الأحاديث الصحيحة قال: فأما أن يكون ذلك قد شرع ثم نسخ فلا أحسبه، إذ ليس من شأن الدين الذي شرع الصوم أول مرة يوما في السنة ثم درجه فشرع الصوم شهرًا على التخيير بينه وبين الطعام تخفيفًا على المسلمين؛ أن يفرضه بعد ذلك ليلاً ونهارًا فلا يبيح الفطر إلا ساعات قليلة من الليل. (٣) والرد عليه في هذا الكلام يطول ويكفي في ذلك ثبوت الرواية ولم ينتبه لمدلول كلمة ﴿تختانون﴾ (٤) وكلمة ﴿فتاب عليكم﴾ (٥) وكلمة ﴿وعفا عنكم﴾ (٦) حيث أضرب عن تفسيرها تمامًا، كما حاول تأويل كلمة ﴿فالآن﴾ (٧) لأنها ليست متوافقة مع ماذهب إليه. ومن مواضع تعرضه للأصول قوله: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾ (٨) وأما كون الآية دليلاً على حجية إجماع المجتهدين عن نظر واجتهاد فلا يؤخذ من الآية إلا بأن يقال: إن الآية يستأنس بها لذلك فإنها لما أخبرت أن الله تعالى جعل هذه الأمة وسطًا وعلمنا أن الوسط هو الخيار العدل الخارج من بين طرفيه إفراط وتفريط علمنا أن الله تعالى أكمل عقول هذه الأمة بما تنشأ عليه العقول من الاعتقاد بالعقائد الصحيحة ومجانبة الأوهام السخيفة التي ساخت فيها عقول الأمة. (٩)

стр. 742

ويقول أيضا: وعلى هذا التفسير يجىء قول الفقهاء إن شهادة أهل المعرفة بإثبات العيوب أو بالسلامة لا تشترط فيها العدالة، وكنت أعلل ذلك في دروس الفقه بأن المقصود من العدالة تحقق الوازع عن شهادة الزور، وقد قام الوازع العلمي في شهادة أهل المعرفة مقام الوازع الديني لأن العارف حريص ما استطاع أن يؤثر عنه الغلط والخطأ وكفى بذلك وازعا عن تعمده وكفى بعلمه مظنة لإصابة الصواب فحصل المقصود من الشهادة. (١) ود أطال في حديثه عن بعض القضايا العقلية الأصولية وهي قضية التكليف بالمحال عند قوله تعالى ﴿سواء عليهم ءأنذرتهم﴾ (٢) وهو يتذرع كثيرا بالمجاز ومن ذلك ماذكره تحت قوله تعالى ﴿ختم الله على قلوبهم﴾ (٣) حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية: وقد اهتم بذلك ابن عاشور على الرغم من استنكاره على المفسرين الحشو والنقل غير الدقيق فحشا بها تفسيره ومن ذلك قوله: قال ابن عرفة عند قوله تعالى: ﴿تولج الليل في النهار﴾ (٤) كان بعضهم يقول: إن القرآن يشتمل على ألفاظ يفهمها العوام وألفاظ يفهمها الخواص وعلى ما يفهمه الفريقان ومنه هذه الآية فإن الإيلاج يشمل الأيام التي لا يدركها إلا الخواص والفصول التي يدركها سائر العوام. أقول: وكذلك قوله تعالى: ﴿أن السموات والأرض كانتا رتقًا ففتقناهما﴾ (٥) والدليل على إصراره على هذا الفهم المعكوس قوله: وفي ذلك آية لخاصة العقلاء إذ يعلمون أسباب اختلاف الليل والنهار على الأرض وإنه من آثار دوران الأرض حول الشمس في كل يوم ولهذا جعلت الآية في اختلافهما وذلك يقتضي أن كلا منهما ... الخ (٦) ويبدو أن جهلة القرن التاسع عشر عند ابن عاشور هم الخواص الذين

стр. 743

خاطبهم القرآن وعلماء القرون المفضلة من الصحابة والتابعين هم العوام حشرنا الله معهم. ويقول: وأعظم تلك الأسرار تكوينها على هيئة كرية. قال الفخر: كان عمر بن الحسام يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري فقال لهما بعض الفقهاء يومًا: ما الذي تقرأونه؟ فقال الأبهري أفسر قوله تعالى ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ (١) فأنا أفسر كيفية بنائها. ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار المخلوقات كان أكثر علمًا بجلال الله تعالى وعظمته. أ. هـ (٢). ويبدو أن النبي ﷺ لم يطبق هذا الأمر من النظر إلى السماء كيف بناها الله كما أنه لم يعلم أعظم الأسرار التي لاتدخل جنة ولا تنجي من نار! وكذا صحبه الأخيار ثم علماء الأمة الأبرار حتى جاء هذا الذي لعله لايحسن وضوءه ليفسرها. والنتيجة التي وصل إليها غير صحيحة فكم من عالم متوغل في بحار المخلوقات وهو من أعظم الناس جهلا بربه. وقال: وأما وجه شبه السماء بالبناء فهو أن الكرة الهوائية جعلها الله حاجزة بين الكرة الأرضية وبين الكرة الأثيرية فهي كالبناء فيما يراد له البناء وهو الوقاية من الأضرار النازلة، فإن الكرة الهوائية بين الكرة ... الخ فأطال بما لايسمن ولايغني من جوع. (٣) ثم وقع ﵀ في طامة من الطامات التي يقع فيها غالبا المفتونون بتلك العلوم المقحمون لها في دبن الله بغير ترو ولا بصيرة فقال: والسماوات جمع سماء والسماء إذا أطلقت فالمراد بها الجو المرتفع وإذا جمعت فالمراد بها أجرام عظيمة ذات نظام عظيمة وهي السيارات العظيمة المعروفة والتي عرفت من بعد والتي ستعرف عطارد، والزهرة، والمريخ، والشمس، والمشتري، وزحل، وأروانوس، ونبتون. ولعلها هي السماوات السبع والعرش العظيم وهذا السر في جمع السماوات هنا وإفراد الأرض لأن الأرض عالم

стр. 744

واحد في بعض الآيات فهو معنى طبقاتها أو أقسام سطحها. (١) السموات السبع والعرش العظيم؟؟ سبحانك هذا بهتان عظيم، ولا نقول إلا: لا حول ولا قوة إلا بالله!! فكيف نفهم إذن أحاديث المعراج المتواترة، وكيف نفهم أحاديث قبض الأرواح والأحاديث التي تتحدث عن خلق السموات؟ وماذا يقول مفسرنا لو عاش إلى يومنا هذا واكتشف أن هذه الأجرام التي فتنه العلم السطحي بها ليست إلا مجموعة من المجموعات الشمسية في مجرة رأس التبانة التي هي واحدة من ملايين المجرات التي تسيح في هذا الكون؟ ثم وقع ﵀ في كلام غير علمي من ناحية العلوم الحديثة ليته لم يقحم نفسه فيه فيضحك علينا من ليس منا، قال: والدم معروف مدلوله في اللغة وهو إفراز من المفرزات الناشئة عن الغذاء وبه الحياة وأصل خلقته في الجسد آت من انقلاب دم الحيض في رحم الحامل إلى جسد الجنين بواسطة المصران المتصل بين رحم وجسد الجنين وهو الذي يقطع حين الولادة، وتجدده في جسد الحيوان بعد بروزه من بطن أمه يكون من الأغذية بواسطة هضم الكبد للغذاء المنحدر إليها من المعدة بعد هضمه في المعدة، ويخرج من الكبد مع عرق فيها فيصعد إلى القلب الذي يدفعه إلى الشرايين وهي العروق الغليظة وإلى العروق الرقيقة بقوة حركة القلب بالفتح والإغلاق حركة ماكينيكية هوائية، ثم يدور الدم في العروق منتقلا من بعضها إلى بعض بواسطة حركات القلب وتنفس الرئة، وبذلك الدوران يسلم من التعفن فلذلك إذا تعطلت دورته حصة طويلة مات الحيوان. (٢) ومن شغفه أيضا بالكونيات كلامه عن الحديد وأصنافه وصدئه وأكسيده وأماكن وجوده وماوجد منه في مدافن الفراعنة بمنفيس وغير ذلك مما تميز به عمن سبقه من المفسرين!!!. (٣)

стр. 745

وربما نقل ابن عاشور شيئا من كلام الحكماء والفلاسفة هو في غنى عنه ومن ذلك قوله: والصوم بمعنى إقلال تناول الطعام عن المقدر الذي يبلغ حد الشبع أو ترك بعض المأكل: أصل قديم من أصول التقوى لدى المليين ولدى الحكماء الإشراقيين، والحكمة الإشراقية مبناها على تزكية النفس بإزالة كدرات البهيمية عنها بقدر الإمكان، بناء على أن للإنسان قوتين: إحداهما روحانية منبتة في قرارتها من الجسمانية كلها. (١) ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب: أفرد المصنف المقدمة الرابعة: فيما يحق أن يكون غرض المفسر فذكر ثمانية أمور وهي إصلاح الاعتقاد وتهذيب الأخلاق والتشريع وسياسة الأمة والتأسي بأخبار الأمم والتعلم والوعظ والإعجاز بالقرآن. (٢) كما جعل المقدمة السابعة: في قصص القرآن وفوائده. وذكر عشر فوائد كما ذكر حكمة تكرار القصة في مواضع عدة. (٣) ولم يظهر له اهتمام كبير في هذا الجانب ومما وقفت عليه من كلامه فيما يندرج تحته إعداده شجرة بتفريعات جيدة في الأمراض النفسانية الناشئة عن النفاق مبنية على الآيات والأحاديث ليحذرها المسلم (٤). إلى هنا وصلت إلى دراسة منهج المصنف بصورة لا بأس بها، وهذه جملة من الانتقادات الموجهة له خلا ماتقدم في الحديث عن المنهج التفصيلي أدى إليها الإعجاب به أختم بها حديثي عن تفسيره: فهو أولا: ذو ثقة زائدة بنفسه أوقعته في مزالق: فمن مواقف ثقته الزائدة بنفسه وتفرده قوله: والظاهر أن المراد بالقبلة المنسوخة وهي استقبال بيت المقدس أعني الشرق وهي قبلة اليهود ولم يشف أحد من المفسرين وأسباب النزول الغليل في هذا على أن المناسبة بينها وبين الآي الذي قبلها غير واضحة فاحتاج بعض المفسرين إلى تكلف إبدائها. (٥)

стр. 746

وقوله: وأنا أقول كلمة أربأ بها عن الانحياز إلى نصرة وهي أن اختلاف المسلمين في أول خطوات مسيرهم وأول موقف من مواقف أنظارهم وقد مضت عليه الأيام بعد الأيام وتعاقبت الأقوام يعد نقصا علميا لا ينبغى البقاء عليه. ولا أعرفني بعد هذا اليوم ملتفتا إليه. (١) ثم وقع في إشكال كبير في مسمى الإيمان والإسلام خرج به عن عقيدة أهل السنة والجماعة! والعجيب أنه ظن أنه استوفى المسألة وفصل فيها وهو لم يستوعب عشر معشار أدلة أحد الفريقين والمقام لا يحتمل سوق الأدلة والردود وفي نفس الوقت خرج عن حد التفسير فلا هو استوفى ولا هو راعى المقصد. (٢) كذلك عدم اعتباره التفسير علما كما ذكر في المقدمة، وعلى الرغم من كونه يعلم تماما أنه لم يسبقه أحد لهذا الفهم وأنه تحصيل حاصل ذهب إليه، وكان الأولى به أن ينخرط في آلاف العلماء من جميع عصور الإسلام الذين اعتبروا التفسير علما بل اعتبروه أجل العلوم. وكذا حملته الشعواء على التفسير بالمأثور واستقلاله له واستخفافه بأهله، عظيمة من العظائم، فبدون التفسير بالمأثور ضلت الأمة وبغير نوره زاغ المفسرون، وهو نفسه من الدلائل على ذلك فهو على الرغم من استفادته منه في كل تفسيره إلا أنه حاد عنه في بعض المواضع فوقع فيما وقع فيه. وانظر أيضا من مواضع مخالفته بالمأثور وثقته الزائدة بنفسه واستخدامه "لعله" لغير حجة. (٣) ثانيا: صاحب استطراد وتكلف خرج عن حد التفسير جملة وتفصيلا على الرغم من إهماله التفسير في مواضع لا يستغنى عن تفسيرها: فمع اهتمامه بإثبات الياء في دعان أو عدم إثباتها أهمل تفسير قوله تعالى ﴿فإني قريب﴾ (٤) ومن التكلفات التي دفع إليها الاستطراد قوله: وعندي أن البسملة كان ما يرادفها قد جرى على ألسنة الأنبياء من عهد إبراهيم ﵇ فقد حكى الله عن إبراهيم أنه قال لأبيه: ﴿يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن﴾ (٥) وقال: ﴿سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا﴾ (٦) ومعنى الحفى قريب

стр. 747

من الرحيم وحكي عنه قوله ﴿وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾ (١) وقوله: وقال الأستاذ محمد عبده: إن النصارى كانوا يبتدئون أدعيتهم ونحوها باسم الأب والابن والروح القدس إشارة إلى الأقانيم الثلاثة عندهم، فجاءت فاتحة كتاب الإسلام بالرد عليهم موقظة لهم بأن الإله الواحد وإن تعددت أسماؤه فإنما هو تعدد الأوصاف دون تعدد المسميات، يعني فهو رد عليهم بتغليظ وتبليد. وإذا صح أن فواتح النصارى وأدعيتهم كانت تشمل على ذلك إذ الناقل أمين فهي نكتة لطيفة. ثالثا: ذو ولع شديد بالنقد وإن كان هناك مندوحة لترك الانتقاد انتقاده لوجه في التفسير مقبول عند قوله تعالى ﴿فزادهم الله مرضا﴾ (٢) قال: قال بعض المفسرين: هي دعاء عليهم كقول جبير بن الأضبط: تباعد عنى فقال إذ دعوته ... أمين فزاد الله ما بيننا بعدا قال: وهو تفسير غير حسن لأنه خلاف الأصل في العطف بالفاء ولأن تصدى القرآن لشتمهم بذلك ليس من دأبه، ولأن الدعاء عليهم بالزيادة تنافي ما عهد من الدعاء للضالين بالهداية في نحو "اللهم اهد قومى فإنهم لا يعلمون ". (٣) وهذا ليس بلازم فقد قال تعالى ﴿قتل الإنسان ما أكفره﴾ (٤) وقال ﴿ملعونين أينما ثقفوا﴾ (٥) وقال ﴿قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾ (٦) غير ذلك. وقد كنت من المعجبين بهذا الكتاب وحرصت على اقتنائه بطبعته التونسية على الرغم من غلاء سعره جدا وعدم اكتماله وقتها وذلك قبل أكثر من سبع عشرة سنة، إلا أنني لمحت فيه تلك السلبيات مما حدا بي إلى الإطالة في بيانها. والكتاب في الجملة كتاب جيد من حيث الإضافات العلمية التي أضافها وقد كان تحرر صاحبه سلاحا ذا حدين فكما أفادنا في مواضع كثيرة، زلت قدمه في مواضع أكثر والمعصوم من عصمه الله.

стр. 748

تفسير المكي الناصري من خلال كتابه التيسير مؤلف هذا التفسير هو محمد المكي الناصري ت ١٤١٤ هـ وهو من أهل المنطقة ولد بالرباط وعاش وتوفي بالمغرب (١). التعريف بالتفسير: وكتاب "التيسير في أحاديث التفسير " تفسير مطبوع طبعته دار الغرب الإسلامي ببيروت في ستة مجلدات ط ١ سنة ١٤٠٥ هـ، وهو عبارة عن دروس يومية إذاعية في التفسير كان يلقيها المؤلف في إذاعة المغرب في الستينات الميلادية، وقد أذيعت أيضا في إذاعة المملكة العربية السعودبة خلال سنة ١٤١٨ هـ. المنهج العام للتفسير: هو تفسير اجتماعي يقوم على الإنشاء. وقد قدم له مؤلفه بمقدمة بين فيها المقصد من تلك الأحاديث التفسيرية فقال: ولتقدم (أي هذه الأحاديث) للجمهور المسلم معاني القرآن خالصة من جميع الشوائب التي تتنافى مع روح القرآن، ولتبرئ ساحة القرآن من كل ما يمت بسبب ولا نسب إلى القرآن أو السنة الصحيحة التي هي بيان القرآن، ولتستعن على بسط ما هو مجمل، وتقييد ما هو مطلق، وتخصيص ما هو عام، وتوضيح ما قد يعرض في فهمه إشكال أو غموض بمقارنة الآيات القرآنية الواردة في كل موضوع موضوع وكل ميدان ميدان، فكتاب الله من بدايته إلى نهايته كتاب واحد، يفسر بعضه بعضا ...

стр. 749

أقدم بين يدي الآيات ... مدخلا تمهيديا لتلك الآيات ونظرة عامة عليها ... وفي هذا المدخل أدرج ... ما يصح أن يكون شرحا لبعض المفردات ... وحتى لا يتشعب القول في هذه الأحاديث ... لم أجعل منها معرضا للمصطلحات العلمية ولا مرجعا للخلافات المذهبية ... ولم أشحنها بذكر القواعد العلمية ... إذ الغاية الأولى والأخيرة من هذه الأحاديث هي المساهمة العملية واليومية في التثقيف الشعبي والديني ... وإعداد برنامج إذاعي خاص للتعريف كل يوم برسالة القرآن الجامعة وهدايته النافعة، ولكل مقام مقال. أما الأسلوب الذي اخترته لإملاء هذه الأحاديث، فهو أسلوب مبسط وسط يفهمه الأمي، ويرتاح له المتعلم، بحيث لا ينزل حتى يتبذل عند الخاصة، ولا يعلو حتى يصعب على العامة. قال: وعسى أن تكون هذه الأحاديث فاتحة عهد جديد بصفتها أول تفسير إذاعي للمصحف الكريم عرفته الإذاعات العربية والإسلامية. (١) وقد اعتمد الناصري في تفسيره تقسيما لم يسبق إليه وهو تفسير القرآن ربعا ربعا فيبدأ بالربع الأول من الحزب الأول (٢) ثم الربع الثاني من الحزب الأول وهكذا حتى ينتهي من الأحزاب الستين للقرآن الكريم، ويتم ذلك إذاعيا بعد تلاوة الربع المعتزم تفسيره كاملا برواية قالون عن نافع المدني بصوت القارئ أبي سنينة. ويلاحظ في تفسير المكي الناصري كثرة الاعتذار عن عدم تفسير الآيات وإرجاءها إلى مناسبات قادمة. (٣) وهو تفسير مختصر جدا لا يوفي بحاجة طالب التفسير. وقد فسر الربع الأول مثلا جميعه في صفحتين بالخط الكبير وبكلام عام عبارة عن سوق الآيات مرة ثانية وسوف أنقل هنا ما ذكره لإعطاء

стр. 750

الصورة بدقة فقال: والآن نلقي نظرة سريعة بالخصوص على الآيات الأولى من سورة البقرة: لقد وصف القرآن الكريم في هذه الآيات ثلاث طوائف، عايش بعضها بعضا في بدء الهجرة المحمدية إلى المدينة، وهذه الأصناف من البشر وجدت في كل جيل مضى وتوجد في كل جيل لاحق فوصف القرآن الكريم لها وصف كاشف لها في جميع الأجيال والعصور. تلك الطوائف الثلاث هي طائفة المؤمنين الذين أكرمهم الله بالإيمان فساروا على هدي الأنبياء والرسل وطبقوا التعاليم الإلهية على حياتهم الخاصة وحياتهم العامة. ثم طائفة الكافرين الذين تمردوا على طاعة الله وتنكروا الهداية وأشهروا الحرب بالقول والفعل على دعوته. وأخيرا طائفة المنافقين الذين هم أخطر على المؤمنين من الكافرين والذين يلعبون أدوارا شيطانية ملتوية ولشدة خطر هذه الطائفة جعل الله عقابها أشد عقاب فقال تعالى ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا﴾ (١) فهذه الطوائف الثلاث التي عايشت حمل الرسالات، وعاصرت جميع الدعوات، ألقى عليها التنزيل الحكيم من أضوائه القوية ما كشف عنها القناع فوضح سمات المؤمنين التي لا لبس فيها ولا غموض في أربع آيات ... فذكرها. ووضح سمات الكافرين المعلنين بالكفر في آيتين ... .. فذكرهما. قال: ثم تطرق كتاب الله لوصف الطائفة الثالثة طائفة المنافقين فأطال الحديث عنها وخصص للكشف عن نفاقها ثلاث عشرة آية كاملة ... . فذكرها. ثم ذكر ما يأتي من النكتة في الإطالة في الحديث عن المنافقين ثم قال: ومن معجزات القرآن الكريم التي وصف بها هذه الطوائف الثلاث (المؤمنين والكافرين والمنافقين) كانت ولا تزال هي السمات البارزة والثابتة في كل طائفة منهم تحقيقا لمدلول هذه الآيات البينات التي أوصى بها خالق النفوس العليم الخبير بخلجات القلوب. صدق الله العظيم وبلغ رسوله المصطفى الكريم (٢).

стр. 751

ثم دخل في الربع الثاني. كما فسر الربع الأخير من الحزب الأول من أول قوله تعالى ﴿وإذ استسقى موسى﴾ (١) إلى قوله ﴿أفتطمعون أن يؤمنوا لكم﴾ (٢) في ثلاث صفحات بالخط الكبير الموسع (٣). وكذا الربع الأول من الحزب الثاني وهكذا جل الكتاب. فلا تحليل لمعاني الكلمات ولا تعرض للإعراب إلا نادرا ولا استدلال بالأحاديث إلا قليلا. وهو قليل النقل عن المفسرين السابقين وغيرهم وممن نقل عنهم: ابن العربي في أحكام القرآن (٤) وابن جرير الطبري في تفسيره (٥) وابن كثير (٦) والرازي (٧) والقرطبي (٨) والقاضي عبد الجبار (٩) والقشيري (١٠) ومما تميز به بالإضافة إلى سهولة أسلوبه، ما يعرضه من نظرة شاملة لموضوعات كل سورة وبيان لمحورها الذي يضمها ويربط بينها جميعا فقال مثلا في سورة البقرة متحدثا عن محورها: ذلك هو الحديث عن الجماعة الإسلامية الناشئة التي أخذت تنمو وتقوى بالمدينة وعن الجماعات الأخرى المناهضة للإسلام ... وعلى رأسها الجالية الإسرائيلية ... فهذه السورة تشرح كيف استقبل بنو إسرائيل الدعوة الإسلامية وكيف كان موقفهم من الرسول وأتباعه المهاجرين والأنصار ويمتد الحديث في نفس الموضوع حتى يشمل الأطوار التي مر بها بنو إسرائيل عبر التاريخ ... كما يتناول الحديث فيها توضيح المنهج الذي اختاره الله لسلوك المسلمين في عباداتهم ومعاملاتهم وتحديد النظام الإسلامي الذي شرعه لتنظيم حياتهم الخاصة وحياتهم العامة فيما بينهم وبعضهم مع بعض وفيما بينهم وبين الملل الأخرى ... الخ (١١). وانظر أيضا محور سورة آل عمران (١٢). وهناك آيات أضرب عنها صفحا

стр. 752

فلم يذكر فيها حرفا: ومن ذلك قوله تعالى ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ إلى قوله ﴿الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل مااعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين﴾ (١) وفي سورة آل عمران ترك تفسيرها من أولها إلى قوله ﴿زين للناس﴾ (٢) وآيات أخرى اكتفى فيها بأقل القليل؛ فأشكل آية في كتاب الله ومعضلة المعضلات وهي قوله تعالى ﴿وأتموا الحج والعمرة لله ...﴾ (٣) إلى قوله ﴿فإن خير الزاد التقوى واتقون يا أولي لألباب﴾ (٤) اكتفى فيها بقوله: يتجلى رفق الإسلام وما ابتنى من السماحة واليسر حيث يسمح لمن أصابه مرض أو لحقه أذى أثناء حجه بارتكاب ما كان ممنوعا عليه في حالة الصحة وعدم الأذى، والفدية عنه مقابل الرخصة التي رخص له بها الحق تيسيرا وتخفيفا، وتعرف هذه الفدية بفدية الأذى. (٥) المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: يهتم بذكر أسماء السور ، فقد ذكر في المدخل لتفسير الفاتحة أسماءها ولم سميت الفاتحة. (٦) وكذا سورة البقرة ولم سميت بذلك (٧). وهو يتعرض أحيانا للمكي والمدني ومن ذلك قوله: وسورة البقرة هذه واحدة من تسع عشرة سورة كلها نزلت على رسول الله ﷺ بالمدينة. (٨) ولم يذكر في سورة آل عمران هل هي مدنية أم مكية، وكذلك سورة النساء. (٩) وأما عد الآي فقد اعتمد فيه العدد الكوفي على الرغم من اعتماده قراءة قالون عن نافع المدني. (١٠)

стр. 753

ثانيا: موقفه من العقيدة: يمر عليها مرورا سريعا ويكفي أن آية مثل آية الكرسي لم يفسرها إطلاقا. (١) وفي قوله ﴿الظاهر والباطن﴾ (٢) قال: نقل البخاري في صحيحه تفسير معنى الظاهر والباطن عن يحيى حيث قال: الظاهر على كل شيء علما والباطن على كل شيء علما، والمراد بيحيى هنا يحيى ابن زياد الفراء صاحب كتاب "معاني القرآن". وفي قوله ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ (٣) قال: وقال ابن كثير: قوله تعالى ﴿وهو معكم أينما كنتم﴾ أي رقيب عليكم شهيد على أعمالكم حيث كنتم وأين كنتم من بر أو بحر في ليل أو نهار في البيوت أو في القفار ... .الخ (٤) وهو على منهج أهل السنة والجماعة في القول بالتوقيف في أسماء الله وصفاته فقد قال في قوله تعالى ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى﴾ (٥): والمراد بالأسماء الحسنى الأسماء التي تطلق على الحق إشارة إلى ذاته العلية أو صفاته الأزلية أو أفعاله القدسية، والتسمية بها أمر توقيفي لا دليل عليه إلا الشرع من كتاب أو سنة أو إجماع. قال أبو منصور التميمي البغدادي في كتابه "أصول الدين": ومن سماه بالقياس صار من القياس في إياس. (٦) وقد ظهر في كلامه منهج التأويل عند تفسيره للاستواء حيث قال: والاستواء على العرش في قوله تعالى هنا ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ (٧) كناية عن انفراده بالملك والسلطان وهمينته المطلقة على جميع الأكوان فلا عرش في الحقيقة إلا عرشه، ولا ملك إلا ملكه ﴿لله ملك السموات والأرض وما فيهن﴾ (٨) والعرش في كلام العرب مرتبط بمعنى الملك يقولون: ثل عرش فلان إذا ذهب ملكه، وتفاديا من أن يفهم معنى

стр. 754

الاستواء على وجه فيه تكييف وتجسيم أجاب الإمام مالك من سأله عن الاستواء في هذه الآية فقال: الاستواء معلوم والكيف مجهول والسؤال عنه بدعة والإيمان به واجب. (١) ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: إن تفسير المكي الناصري للقرآن بالقرآن قليل لدرجة أنه ذكر مدلول الآية عند تفسيره قوله ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٢) ولم يذكرها صراحة فقال: إشارة إلى سلسلة النور التي برزت أول حلقة من حلقاتها منذ أقدم العصور من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين الذي تعاقبوا على عرش الخلافة الإلهية في هذه الأرض (٣). وفي قوله ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٤) قال: وإلى هذا المعنى ينظر قوله تعالى في آية أخرى ﴿وإنه لذكر لك ولقومك﴾ (٥). (٦) رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: وهو ليس متبعا للمأثور بالمعنى المتعارف عليه ومن أمثلة ذلك تفسيره لقوله تعالى: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ (٧) حيث قال: إشارة إلى الفئات المنحرفة من بني الإنسان التي لم تستجب لنداء الرحمن، والتي قابلت الهداية الإلهية بالتمرد والعصيان والجحود والكفران (٨). فلم يذكر تفسيرها المأثور باليهود والنصارى ولم يشر إلى حديث ولا أثر. ومن الأحاديث القليلة التي ذكرها في تفسيره قوله عند كلامه عن السحر: الأمر الثاني: أن عمل السحر واستعماله كفر أو يؤدي إلى الكفر ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾ (٩) ... وفي الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "من أتى عرافا أو كاهنا فقد كفر بما أنزل على محمد". (١٠)

стр. 755

ودلالة الحديث في الحقيقة لا تتطابق مع ما ذكره قبله. وهو غالبا يذكر الأحاديث مع التخريج والدرجة (١)، وأغلبها من الصحيح (٢) مثل قوله: كما جاء في الحديث الذي خرجه الترمذي في سننه ووصفه بأنه حديث حسن صحيح عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني". (٣) وقوله روى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ... " الحديث (٤) وقوله: روى الإمام مسلم عن أبي أمامة الباهلي ... (٥) وانظر أيضا أحاديث صحيحة (٦) في فضل ليلة القدر وتحريها. ومن الأحاديث الضعيفة التي ذكرها قوله تحت آية ﴿لم تحرم ماأحل الله لك﴾ (٧) "أدبني ربي فأحسن تأديبي" (٨) وقوله ﴿إن مع العسر يسرا﴾ (٩) قال قتادة: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ بشر أصحابه بهذه الآية فقال: "لن يغلب عسر يسرين" (١٠)

стр. 756

وبالنسبة لأسباب النزول (١) لا يتعرض لها إلا ضمنا مثل قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله ...﴾ (٢) قال: يتحدث كتاب الله عن السعي بين الصفا والمروة ويؤكد تقرير الإسلام لحرمة كل منهما بصفتها من شعائر الله وذلك إزالة لمخاوف المسلمين الذين توقفوا في أمرهما ظنا منهم أنه يسري عليهما حكم الإسلام في منع كثير من مظاهر الجاهلية وتقاليدها. (٣) وربما ذكر سبب النزول ومن ذلك قوله: فقد جاء في صحيح البخاري عن ابن عباس ﵁ قال: كانت عكاظ ومجنة وذو المجاز أسواقا في الجاهلية فتأثموا في الإسلام أن يتجروا فيها - أي خافوا أن ينالهم إثم التجارة فيها - فنزلت الآية ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾ (٤) يعني في موسم الحج. (٥) وقوله: هذه السورة نزلت ردا على المشركين الذين قالوا لرسول الله ﷺ : يامحمد انسب لنا ربك. فأنزل الله تعالى ﴿قل هو الله أحد﴾ (٦) (٧) وعندما فسر سورة العلق لم يتطرق لشيء من أسباب النزول مع كونها لصيقة جدا بالمعنى ولا يتضح بدونها وأضرب صفحا عن تفسير عدة آيات منها لأجل ذلك. (٨) ويتعرض لفضائل القرآن بدون ضابط فهو مثلا لم يذكر شيئا مما ورد في فضل آية الكرسي (٩) ولكنه ذكر فضل غيرها ومن ذلك ماتقدم ذكره من

стр. 757

أحاديث في فضل الفاتحة، وذكر حديثا واحدا في فضل سورة البقرة وهو قوله ﷺ : " اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة " (١) كما ذكر فضل أواخر البقرة. (٢) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: ومن مواضع نقوله القليلة قوله: ﴿في جيدها حبل من مسد﴾ (٣) قال مجاهد: أي في جيدها طوق من حديد. وقال سعيد بن المسيب: كانت لها قلادة فاخرة فقالت لأنفقنها في عداوة محمد فأعقبها الله عنها حبلا في جيدها من مسد النار. (٤) ﴿إنا أعطيناك الكوثر﴾ (٥) قال ابن عباس: الكوثر هو الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه. وقيل لسعيد بن جبير: إن ناسا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. وروي عن أنس وأبي العالية ومجاهد وغير واحد من السلف أن الكوثر نهر في الجنة. (٦) ويقول: وبآية ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾ (٧) استشهد عثمان عندما قال: لأحدثنكم حديثا لولا آية من كتاب الله ماحدثتكموه. وإليها استند أبو هريرة إذ قال: إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة! ووالله لولا آية في كتاب الله ماحدثت شيئا. (٨) ويقول: وهكذا تم التوجه إلى بيت المقدس في بدء الهجرة بأمر نبوي كريم صدر عن اجتهاده ﵇ كما حكاه القرطبي في تفسيره عن عكرمة وأبي العالية والحسن البصري رضوان الله عليهم. (٩) وهذا الكلام فيه نظر لأن التوجيه إلى بيت المقدس كان بأمر من الله

стр. 758

ويدل عليه قوله تعالى ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها﴾ (١) وهو قول الجمهور كما حكاه القرطبي أيضا. (٢) وهناك نقول أخرى عن جماعة من السلف ومنهم: ابن عباس (٣) وعلي (٤) وابن مسعود (٥) والشعبي (٦) وعبيدة السلماني وأبو العالية. (٧) سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: يتعرض المكي الناصري للسيرة أثناء دروسه التفسيرية باختصار وبدون سوق للأحداث مثل قوله: ومن هنا ينتقل كتاب الله إلى الحديث بالخصوص عن يوم أحد وماجبلت فيه بعض المواقف من متاعب للمسلمين خصوصا ماوقع فيه من أولى المشركين لرسول الله ﷺ ويبين بالأخص أسباب الهزيمة في هذا اليوم (٨). وقوله: والغم الثالث غم الدعاية الكاذبة التي روجها المشركون عن المسلمين وفحواها أن الرسول قد قتل في المعركة مما يدخل في حرب الأعصاب (٩). وقوله: ﴿إن شانئك هو الأبتر﴾ (١٠) دفاع من الله عن كرامة رسوله فقد تهجم أبو لهب على مقام الرسول ﵇ وقال عنه: إنه قد بتر. لوفاة ابنه الذكر وكان العرب يقولون ذلك. (١١) وربما ذكر بعض المشاهد المختصرة من السيرة (١٢)

стр. 759

سابعا: موقفه من الإسرائيليات: بالنسبة لقصة هاروت وماروت اكتفى بقوله: ويشير القرآن الكريم إلى أن بني إسرائيل كانوا يذيعون بين الناس أن السحر إنما هو تراث أخذوه عن سليمان ﵇ كما كانوا ينسبونه إلى الملكين هاروت وماروت ومقصدهم من ذلك أن يجعلوا للسحر سنداً صحيحا مرفوعا إلى الأنبياء والملائكة مع أن السحر من الأمور التي يتحاشى منها مقام الأنبياء ومقام الملائكة جميعا. وهكذا ينفى القرآن الكريم تهمة السحر عن سليمان كما ينفيها عن الملكين هاروت وماروت وبذلك ينهدم الأساس المزور الذي يبني عليه بنو إسرائيل سحرهم ويثبت القرآن الكريم في نفس الوقت أن السحر إنما هو في الحقيقة من صنع الشياطين وحدهم أولا وأخيرا. (١) ويلاحظ هنا أنه ذهب إلى اعتبار مافي قوله تعالى ﴿وما أنزل على الملكين﴾ (٢) نافية وهو قول مرجوح يتناقض مع سياق القصة. وقال في الربع الأخير من الحزب الرابع: تناولت أغلب آياته الكريمة قصة تجري وقائعها بأرض فلسطين بعد مرور حقبة من الدهر انتصر فيها الفلسطينيون على بني إسرائيل، وهزموهم هزيمة شنعاء، واستولوا على التابوت الذي كان بنو إسرائيل يتحصنون به من قبل في حروبهم بالتبرك بما فيه من آثار موسى وهارون، فلما طال أمر الهزيمة على بني إسرائيل لجأوا إلى نبيهم صمويل يطلبون منه أن يختار لهم ملكا ... إلى أن قال: وأما داود فهو الفتى الشجاع الذي أردى جالوت قتيلا بمقلاعه البسيط وأحجاره الملساء، بعد مارأى بني إسرائيل يتساقطون كالذباب أمام جالوت العملاق، وقد كان إقباله على هذه المغامرة بعد استئذان منه لملكه طالوت، الذي زوجه بعد الانتصار على جالوت وجنوده ابنته مكيال مكافأة له على شجاعته التي أصبحت مضرب الأمثال، الأمر الذي كان بعد ذلك من أقوى العوامل في ترشيح داود لملك بني إسرائيل عندما تخلى طالوت وساح في الفلوات هائما على وجهه يتلمس النجاة والتوبة. (٣)

стр. 760

وواضح أننا لم نكن في حاجة لسوق مثل هذه القصة خاصة مع ضيق المقام بل إن فيها حشوا لا يمت لتفسير الآيات من قريب أو بعيد. ثامنا: موقفه من اللغة: لا يهتم المصنف باللغويات ولا يتعرض للإعراب كما سبق أن ذكرت ولكنه يتعرض للمفردات بقلة ومن ذلك قوله: وقوله تعالى ﴿نقيرا﴾ (١): المراد بالنقير النقرة التي في ظهر نواة التمر ومما يتصل به لفظ القطمير والمراد به اللفافة التي على نواة التمرة ولفظ الفتيل والمراد به الخيط الذي في شق النواة وهذه الألفاظ الثلاثة كلها وردت في القرآن الكريم. ثم ذكر مواضعها (٢) وهو لايتعرض للشعر إلا نادرا ومن ذلك: قوله في ﴿ورفعنا لك ذكرك﴾ (٣): وفي مثل هذا المقام قال حسان بن ثابت: أغر عليه للنبوة خاتم ... من الله نور يلوح ويشهد وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن أشهد (٤) وربما ذكر بعض الأمثال مثل: " على نفسها جنت براقش". (٥) ومن الجاري على الألسنة: "لكل اسم من مسماه نصيب". (٦) وهو ينبه بين الفينة والأخرى على بعض النكات التفسيرية ومن ذلك: قوله: وإنما طال الحديث عن طائفة المنافقين بما لم يطل به عن الطائفتين الأخريين لأن طائفة المنافقين ذات ألوان مختلفة وأقنعة متعددة، والكشف عن جوهرها المعقد وعن شخصيتها المزدوجة وعن تناقض مظهرها مع مخبرها؛ يحتاج إلى مزيد من الأضواء ... الخ (٧). وقال في قوله: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾ (٨): ومما يستلفت النظر في هذا المقام ورود اسم عيسى المسيح إلى جانب اسم موسى الكليم لأول مرة في سورة البقرة،

стр. 761

وفي ذلك تقرير لتسلسل الرسالات المنزلة من عند الله وتماسك حلقاتها وتأكيد لترابطها وتكاملها وإقامة للحجة على بني إسرائيل الذين أنكروا رسالة جميع الرسل بعد موسى منذ عيسى ابن مريم إلى محمد بن عبد الله. (١) ومع مافي هذه النكتة من نظر فإنه ليس هناك رسل منذ عيسى ابن مريم إلى محمد ابن عبد الله ﷺ وقد قال ﷺ : " أنا أولى الناس بابن مريم ... ليس بيني وبينه نبي". (٢) ومن اللطائف التفسيرية: (٣) قال: ومن لطائف التفسير ماذهب إليه الرازي أثناء تفسيره لهذه الآيات من أن كتاب الله ذكر ثلاثة أشياء في حق داود وثلاثة أشياء في حق سليمان ﵉ .. فذكرها (٤) ومن المبالغات التي وقع فيها بسبب اعتماده على التفسير الإنشائي قوله: ويلاحظ فيما جرت حكايته على لسان بني إسرائيل أنهم بدلا من أن يقولوا: ادع لنا ربنا، يفضلون أن يقولوا: ادع لنا ربك ويكررونها عدة مرات بهذه الصيغة، كأنهم لا يزالون في شك من أمره، ولا يعتبرونه ربا لهم بقدر ما يعتبرونه ربا لموسى وحده، وفي ذلك جحود منهم ظاهر لربوبية الله رب العالمين، وجرأة على مقامه الأقدس. وليس هذا بغريب عليهم فقد قالوا من قبل لموسى كما سبق في الربع الماضي ﴿يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة﴾ (٥). فقوله: جحود ظاهر لربوبية الله تكفير ظاهر لهم، وهذا لم يقل به أحد ولم تدل عليه الآيات، ولايساعد على هذا الفهم استمرار موسى ﵇ معهم. تاسعا: موقفه من القراءات: القراءة المعتمدة كما ذكر المصنف في مقدمته هي قراءة قالون عن نافع وقد اعتمدها بالضبط المناسب لها (٦).وعلى الرغم من ضيق المقام تعرض

стр. 762

أحيانا للقراءات ومن ذلك قوله: ﴿إن في ذلك لآيات للعالمين﴾ (١) وحسب قراءة "العالمين" بفتح اللام كما في قراءة ورش عندنا يكون المعنى أن التعرف على هذه الآيات الكونية والبشرية في متناول عموم الخلق لا يختص به فريق دون فريق لأنه على مرأى ومسمع منهم جميعا. وتروى فيه قراءة أخرى بكسر اللام وطبقا لهذه القراءة الثانية يكون المعنى أن الذين يدركون أسرار هذه الآيات ويستخلصون منها النتائج القريبة والبعيدة الجامعة بين العلم والإيمان هم الذين بلغوا درجة كافية من العلم ويشهد لهذه القراءة قوله تعالى في آية أخرى: ﴿ومايعقلها إلا العالمون﴾ (٢) عاشرا: موقفه من الفقه والأصول (٣): والمؤلف يتعرض للفقهيات بطريقة إجمالية: ومن ذلك قوله: وإنما يباح الفطر للمسافر إذا لم ينو إقامة أربعة أيام فأكثر بالمكان الذي انتقل إليه، فإذا نوى الإقامة به أربعة أيام فأكثر لزمه الصيام منذ وصوله، ولم يجز له الفطر. وقد اعتبر علماء الإسلام في حكم المريض: المرأة الحامل والمرأة المرضع إذا خافتا على نفسهما من الصيام أو خافت الأولى على حملها والثانية على رضيعها ... أما الذين فقدوا القدرة على الصيام، كالشيخ الهرم الذي بلغ من الكبر عتيا، والمرأة الكبيرة التي عجزت عن الإمساك؛ فقد رخص الإسلام لهما ولمن ماثلهما بالإفطار، على أن يقوموا بإطعام مسكين واحد، فدية عن كل يوم، ولا قضاء عليهم بالمرة ... (٤). ويقول: واتفق الإمامان مالك وأبو حنيفة ﵄ على اشتراط الصوم في الاعتكاف استنادا إلى قوله ﷺ : "اعتكف وصم" (٥) (٦).

стр. 763

وقال: قال مالك: والتكبير في أيام التشريق على الرجال والنساء من كان في جماعة أو وحده بمنى أو بالآفاق كلها واجب وقال: "الأيام المعدودات" أيام التشريق (١) وفي حين نجد الشيخ يعتذر بسبب ضيق الوقت المخصص لتفسير الربع الثاني من الحزب الرابع من قوله ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ (٢) إلى ﴿والوالدات﴾ (٣) فيقول: واضح أن ضيق الوقت المخصص لحصتنا اليومية لا يتسع لإلقاء نظرات مع هذه الموضوعات جميعا فسنقتصر على بعضها دون البعض على أن نتدراك الباقي في أول مناسبة قادمة فتكلم فقط عن الخمر؛ نجده أطال في الحديث عن الزواج من الكتابية ونقل عدة آثار عن ابن عمر وابن عباس وطلحة وحذيفة وعمر بن الخطاب وشقيق بن سلمة وذلك على خلاف عادته تماما. وفي قوله تعالى ﴿يعملون له مايشاء من محاريب وتماثيل﴾ (٤) قال: وتعليقا على كلمة تماثيل الواردة في هذه الآية وماتفيده من إباحة التصوير على عهد سليمان قال ابن العربي ما نصه: ورد على ألسنة أهل الكتاب أنه كان أمرا مأذونا فيه والذي أوجب النهي عنه في شرعنا - والله أعلم - ماكانت العرب عليه من عبادة الأوثان والأصنام فكانوا يصورون ويعبدون، فقطع الله الذريعة وحمى الباب (٥). وقد تكلم عن قضية الربا وكان حديثه عنها حديثا جيدا إلا أنه صب الحديث على ربا النسيئة ولم يتعرض البتة لربا الفضل. (٦) كما ترك آيات (٧) من سورة النساء وهي كلها في المواريث فلم يفسر منها حرفا. وكذلك لم يقل شيئا عن قوله ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ (٨) إلى ﴿عذابا أليما﴾ (٩) وكذلك قوله ﴿وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ...﴾ (١٠) حتى آية الوضوء مر عليها مرور الكرام. (١١)

стр. 764

أما موقفه من النسخ: فيقول في قوله تعالى: ﴿ماننسخ من آية ...﴾ (١) بعد أن ذكر إنكار اليهود للنسخ: وردا عليهم وإبطالا لنظريتهم جاءت الآية الكريمة تقول ﴿ماننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها﴾ تؤكد - على عكس مايدعون - إمكان النسخ في الشرائع بل تثبت وقوعه فيها فعلا ثم توضح وجه الحكمة فيه ... الخ (٢). وفي آية الوصية لا يرى النسخ فقال: ولا يستغرب السامع ذكر الوالدين هنا في سياق الوصية دون الإرث فهناك من الوالدين من لاحق لهم فيه أيضا مثال ذلك الأم الكتابية التي ليست على دين ابنها المسلم والزوجة الكتابية .. الخ (٣) ومن تعرضه لبعض الأصول: قال في قوله تعالى ﴿ومن يشاقق الرسول ...﴾ (٤): وعلى هذه الآية نفسها اعتمد الشافعي ﵁ في الحكم بحجية الإجماع ومايجب له من الاتباع (٥). حادي عشر: موقفه من العلوم الحديثة والرياضة والفلسفة والمعجزات الكونية: لا يظهر على تفسير المكي الناصري تركيز على هذا الجانب أو اهتمام به إلا أنه قد تعرض لشيء من الظواهر الكونية (٦). ثاني عشر: موقفه من المواعظ والآداب: هذا هو الجانب الذي اهتم به المكي الناصري اهتماما بينا وركز عليه في تفسيره وهو ملائم لكون التفسير أحاديث إذاعية تدخل بيوت عامة الناس ويرجى تأثيرها على المجتمع، ومن القضايا الاجتماعية التي اهتم بها: نبه على مضار الزواج في الوقت الحاضر من الكتابية مما يؤكد تأثره بأمراض المجتمع الإسلامي وتحذيره من سلبياته (٧). واهتم بشأن اليتامى (٨).

стр. 765

وتكلم عن الاعتقادات في الجن (١). وعن محاربة العنصرية والشعوبية (٢). وغير ذلك من القضايا الاجتماعية الكثيرة (٣). وقال في قوله تعالى: ﴿اذهبا إلى فرعون إنه طغى﴾ (٤) يستفاد منه أمران: الأمر الأول: أن الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون مصحوبة بالتفاؤل والرجاء لا بالتشاؤم والإياس بحيث يكون الداعي قوي الثقة بالله قوي الثقة بفعالية الدعوة وتأثيرها في النفوس والوصول بها إلى النتيجة المرجوة. الأمر الثاني: أن الدعوة إلى الله ينبغي أن تكون لغتها لغة مهذبة وأن يكون أسلوبها أسلوبا لينا فلا فحش ولا غلظة ولا جفوة. ونفس التوجيه الذي تلقاه موسى وهارون ﵉ تلقاه خاتم الأنبياء والمرسلين صلوات الله عليه، إذ خاطبه ربه قائلا ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (٥) قال القرطبي: القول اللين هو القول الذي لا خشونة فيه وإذا كان موسى أمر بأن يقول لفرعون قولا لينا فمن دونه أحرى بأن يقتدي بذلك في خطابه وأمره بالمعروف في كلامه قال تعالى ﴿وقولوا للناس حسنا﴾. (٦)

стр. 766

تفسير أبي بكر الجزائري من خلال كتابه أيسر التفاسير وحاشيته نهر الخير مؤلف هذا التفسير هو الشيخ أبو بكر جابر بن موسى بن عبد القادر الجزائري وهو واعظ بالمسجد النبوي الشريف ومن المعاصرين وقد التقيت به مرارا وهو من أهل المنطقة ولد بالجزائر سنة ١٣٤٠ هـ ولا زال على قيد الحياة نفع الله به (١). التعريف بالتفسير: وتفسيره المسمى "أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير" من التفاسير المطبوعة وقد وضع عليه حاشية مكملة اسمها " نهر الخير على أيسر التفاسير "، والطبعة التي وقفت عليها تقع في خمس مجلدات كبار وهي الطبعة الثالثة للكتاب. وقد ذكرت في ترجمة الشيخ الباعث على تأليفه هذا التفسير وأضيف هنا قوله: وشاء الله تعالى أن أجلس في أواخر محرم عام ١٤٠٦ هـ، إلى فضيلة الدكتور عبد الله بن صالح بن العبيد رئيس الجامعة الإسلامية ويلهم أن يقول لي: لو أنك وضعت تفسيرا على الجلالين يحل محله في المعاهد ودور الحديث تلتزم فيه العقيدة السلفية التي خلا منها تفسير الجلالين فضرّ كثيرا بقدر ما نفع، وصادف في النفس رغبتها فأجبته بأن سأفعل إن شاء الله تعالى وبهذا الوعد تعنيت واستعنت الله تعالى وشرعت. (٢)

стр. 767

المنهج العام للتفسير: أما عن المنهج العام في هذا التفسير فقد كفانا الشيخ حفظه الله استنباطه بذكره له في المقدمة وهو تفسير وعظي شامل. قال الجزائري: هذا وإن مميزات هذا التفسير التي بها رجوت أن يكون تفسير كل مسلم ومسلمة لا يخلو منه بيت من بيوت المسلمين فهي: ١ - الوسطية بين الاختصار المخل، والتطويل الممل. ٢ - اتباع منهج السلف في العقائد والأسماء والصفات. ٣ - الالتزام بعدم الخروج عن المذاهب الأربعة في الأحكام الفقهية. ٤ - إخلاؤه من الإسرائيليات صحيحها وسقيمها إلا ما لابد منه لفهم الآية الكريمة وكان مما تجوز روايته لحديث " وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج " (١). ٥ - إغفال الخلافات التفسيرية. ٦ - الالتزام بما رجحه ابن جرير الطبري في تفسيره عند اختلاف المفسرين في معنى الآية، وقد لا آخذ برأيه في بعض التوجيهات للآية. ٧ - إخلاء الكتاب من المسائل النحوية والبلاغية والشواهد العربية ٨ - عدم التعرض للقراءات إلا نادرا جدا للضرورة حيث يتوقف معنى الآية على ذلك وبالنسبة للأحاديث فقد اقتصرت على الصحيح والحسن منها دون غيرهما، ولذا لم أعزها إلى مصادرها إلا نادرا. ٩ - خلو هذا التفسير من ذكر الأقوال وإن كثرت والالتزام بالمعنى الراجح والذي عليه جمهور المفسرين من السلف الصالح حتى إن القارئ لا يفهم أن هناك معنى غير الذي فهم من كلام ربه تعالى، وهذه ميزة جليلة وذلك لحاجة جمع المسلمين على فكر إسلامي موحد صائب سليم. ١٠ - التزمت في هذا التفسير بالخطة التي مثلتها هذه المميزات رجاء أن

стр. 768

يسهل على المسلمين تناول كتاب الله دراسة وتطبيقا وعملا، لا هم لهم إلا مرضاة الله بفهم كلامه والعمل به، والحياة عليه عقيدة وعبادة وخلفا وأدبا وقضاء وحكما، فلذا أخليته من كل ما من شأنه أن يشتت الذهن، أو يصرف عن العمل إلى القول والجدل ولذا فقد جعلت الكتاب دروسا منظمة منسقة فقد أجعل الآية الواحدة درسا فأشرح كلماتها، ثم أبين معناها، ثم أذكر هدايتها المقصودة منها للاعتقاد والعمل وقد أجعل الآيتين درسا، والثلاث آيات والأربع والخمس ولا أزيد على الخمس إلا نادرا، وذلك طلبا لوحدة الموضوع وارتباط المعنى به. وقد جعلت الآيات مشكولة على قراءة حفص وبخط المصحف وإني أطالب المسلم أن يقرأ أولا الآيات حتى يحفظها، فإذا حفظها درس كلماتها حتى يفهمها، ثم يدرس معناها حتى يعيه، ثم يقرأ هداياتها للعمل بها فيجمع بين حفظ كتاب الله تعالى وفهمه والعمل به، وبذلك يسود ويكمل ويسعد إن شاء الله تعالى. (١) وقد ذكر الشيخ أن كتابه هذا قد اعتمد فيه على مراجع أربعة وهي: جامع البيان في تفسير القرآن لابن جرير الطبري تفسير الجلالين المحلي والسيوطي تفسير المراغي تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان لعبد الرحمن بن ناصر السعدي أما حاشية نهر الخير؛ فقد ذكرت الغرض منها في ترجمة المؤلف وسوف نوقع هذه الدراسة على الكتاب وحاشيته إن شاء الله تعالى. وهو لم يقتصر على المراجع المذكورة في المقدمة عندما صنف" نهر الخير" ولكن رجع إلى مصادر أخرى مثل: تفسير ابن كثير: ومن ذلك قوله: ذهب ابن كثير إلى أن استوى هنا مضمن معنى قصد لتعديته بإلى إذ يقال: " استوى على كذا" إذا كان بمعنى العلو والارتفاع، "واستوى إلى كذا " قصده، ويكون المعنى ثم قصد إلى السماء أي السموات فخلقهن سبع سموات، ولفظ السماء اسم جنس تحته أفراد لذا قال: ﴿فسواهن﴾ (٢) بالجمع. (٣) تفسير القرطبي: ومن ذلك قوله: ذكر القرطبي في تفسيره أن السجود

стр. 769

الذي أمرت به الملائكة هو أن يسجدوا لله تعالى مستقبلين وجه آدم وعليه فهو كصلاتنا خلف المقام، الصلاة لله والاستقبال للمقام. (١) وسيأتي غير ذلك من المراجع مثل التحرير والتنوير. المنهج التفصيلي للمؤلف: أولا: أسماء السور وعدد الآيات والوقوف وبيان المناسبات: يذكرالجزائري أسماء السور ومكية أم مدنية وعدد آياتها كقوله: سورة الفاتحة وهي مكية وآياتها سبع ثم قال: ولها أسماء كثيرة منها أم القرآن والسبع المثاني وأم الكتاب ثم شرح تلك الأسماء في حاشيته نهر الخير. (٢) وهو يتعرض لذكر المناسبات بين الآيات ومن ذلك قوله عن تفسير ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم﴾ (٣) وجه المناسبة أنه تعالى لما ذكر المؤمنين المفلحين، والكافرين الخاسرين ذكر المنافقين وهم بين المؤمنين الصادقين والكافرين الخاسرين، ثم على طريقة الالتفات نادى الجمع بعنوان الناس، ليكون نداء عاما للبشرية جمعاء في كل مكان وزمان، وأمرهم بعبادته ليقوا أنفسهم من الخسران، معرفا لهم نفسه ليعرفوه بصفات الجلال والكمال فيكون ذلك أدعى لاستجابتهم له، فيعبدونه عبادة تنجيهم من عذاب وتكسبهم رضاه وجنته. (٤) ثانيا: موقفه من العقيدة: وهو يقرر عقيدة السلف في القدر عند قوله ﴿سواء عليهم ءأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾ (٥) فقال في نهر الخير: قد يقال: ما دام قد علم الله تعالى أن بعضا لا يؤمنون فلم ينذرون؟ إذ إنذارهم مع العلم بأنه لا ينفعهم، تكليف بالمحال والجواب: أن دعوة النبي ﷺ لكل أحد وهو ﷺ لم يعلم من كتب الله تعالى عليه الشقاء ممن كتب له السعادة؛ فلذا هو يدعو وينذر، ومن كان من أهل السعادة أجاب الدعوة، ومن لم يكن من أهلها رفضها ولم يجب. (٦)

стр. 770

ويقول: ذهب المعتزلة - أذهب الله ريحهم - إلى أن الجنة التي هبط منها آدم وحواء كانت بستانا في الأرض في مرتفع منها، وهو قول باطل لا يسمع له ولا يلتفت إليه، إذ كل سياق القرآن دال على أنها الجنة دار النعيم لأولياء الله في الآخرة. ويقول في الشفاعة: الشفاعة ضم جاه إلى جاه ليحصل النفع للمشفوع له، والشفعة ضم ملك إلى ملك، والشفع الزوج مقابل الوتر، ولا تقبل شفاعة أحد يوم القيامة إلا بشرطين اثنين الأول: أن يكون الشافع قد أذن الله تعالى له في الشفاعة، والثاني: أن يكون المشفوع له ممن رضي الله قوله وعمله وهو المؤمن الموحد. (١) ويقول في السحر: اختلف هل للسحر حقيقة أو هو مجرد خداع لا أصل له؟ أهل السنة والجماعة على أن له حقيقة. وهو أنواع عديدة، وحكمه: أن من تعاطاه إذا أضر به فأفسد عقلا أو قتل فإنه يقتل بذلك وإلا فإنه يعزر حتى يتوب منه، ويشهد لمذهب الجمهور أن النبي ﷺ سحره لبيد بن الأعصم وأنزل الله تعالى سورة الفلق فرقاه بها جبريل فشفي وقال: إن الله شفاني. والحديث في البخاري وغيره. (٢) ويقول في خلق القرآن: روي أن أحمد استدل على كفر من قال بخلق القرآن بهذه الآية: ﴿من بعد ما جاءك من العلم﴾ (٣) وهو القرآن، فمن قال بخلق القرآن قال بخلق علم الله تعالى وهو كفر صريح. (٤) ويقول في معية الله لخلقه في صلب الكتاب: ﴿فثم وجه الله﴾ (٥): هناك الله تعالى، إذ الله محيط بخلقه فحيثما اتجه العبد شرقا أو غربا شمالا أو جنوبا وجد الله تعالى، إذ الكائنات كلها بين يديه وكيف لا يكون

стр. 771

ذلك وقد أخبر عن نفسه أن الأرض قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه، فليس هناك جهة تخلو من علم الله تعالى وإحاطته بها وقدرته عليها ويقرر هذا قوله إن الله ﴿واسع عليم﴾، إنه واسع الذات والعلم والفضل والجود والكرم عليم بكل شيء لأنه محيط بكل شيء. (١) ويقول ﴿وسع كرسيه السموات والأرض﴾ (٢) لكمال ذاته ثم ذكر في نهر الخير قوله: أورد ابن كثير عن ابن عباس ﵂ قوله: الكرسي موضع القدمين، والعرش لا يقدر أحد قدره. رواه الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. (٣) وفي بعض الآيات المشكلة مثل قوله: ﴿هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة﴾ (٤) اكتفى فيها بقوله: ما ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وعند ذلك يؤمنون، ومثل هذا الإيمان الاضطراري لا ينفع حيث يكون العذاب لزاما بقضاء الله العادل. (٥) ولم يذكر شيئا في الحاشية. ثالثا: موقفه من تفسير القرآن بالقرآن: وهو غير مكثر في ذلك ويتعرض له في الحاشية مثل قوله ﴿الذين أنعمت عليهم﴾ (٦) هم النبيون والصديقون والشهداء والصالحون. ثم قال في الحاشية: ورد هذا البيان في قوله تعالى من سورة النساء ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين﴾ (٧) ومثل قوله: ﴿ثم يقول للملائكة﴾ وهم أمامهم تقريرا للمشركين وتأنيبا ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون﴾ (٨) فتتبرأ الملائكة من ذلك. ثم قال في الحاشية: هذا كقوله تعالى ﴿وإذ قال الله ياعيسى ابن مريم ءأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله﴾ (٩) ... الخ. (١٠)

стр. 772

رابعا: موقفه من تفسير القرآن بالسنة: لا يذكر الأحاديث كثيرا في صلب الكتاب وربما يذكرها في الحاشية ومن ذلك قوله في صلب الكتاب: وفي الحديث" الدعاء هو العبادة " ثم ذكر في الحاشية قوله: رواه أصحاب السنن وصححه الترمذي عن النعمان بن بشير ﵁. (١) وفي موضع آخر يقول عند قوله تعالى ﴿بل أحياء ولكن لاتشعرون﴾ (٢) أما الآية فقد تضمنت نهيه تعالى لهم أن يقولوا معتقدين: إن من قتل في سبيل الله ميت إذ هو حي في البرزخ وليس بميت بل هو حي يرزق في الجنة كما قال رسول الله ﷺ : "أرواح الشهداء في حواصل طيور خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش" رواه مسلم. (٣) وقوله في في هداية الآيات: فضيلة الاسترجاع عند المصيبة وهو قول: إنا لله وإنا إليه راجعون، وفي الصحيح يقول ﷺ : "ما من عبد تصيبه مصيبة فيقول اللهم أجرني في مصيبتي واخلف لي خيرا منها إلا أجره الله في مصيبته وأخلف له منها". رواه مسلم (٤) ويقول تحت قوله تعالى ﴿كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية﴾ (٥) يقول رسول الله ﷺ : "فلا وصية لوارث" (٦). ونسخ الوجوب وبقي الاستحباب ولكن لغير الوالدين والأقربين الوارثين إلا أن يجيز ذلك الورثة وأن تكون الوصية ثلثا فأقل فإن زادت وأجازها الورثة جازت لحديث ابن عباس عند الدارقطني: "لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة" (٧) ودليل

стр. 773

استحباب الوصية حديث سعد في الصحيح حيث أذن له الرسول في الوصية بالثلث، وقد تكون الوصية واجبة على المسلم وذلك إن ترك ديونا لازمة، وحقوقا واجبة في ذمته فيجب أن يوصي بقضائها واقتضائها بعد موته لحديث ابن عمر في الصحيح: "ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي فيه يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" (١) أسباب النزول: يكثر المصنف من ذكرها في الأصل والحاشية (٢)، ومن ذلك قوله في نهر الخير: ذكر ابن كثير في سبب نزول قوله تعالى ﴿وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة﴾ (٣) أن عكرمة قال: خاصمت اليهود رسول الله ﷺ فقالوا: لن ندخل النار إلا أربعين ليلة وسيخلفنا فيها آخرون يعنون محمدا وأصحابه فقال رسول الله ﷺ بيده على رؤوسهم: "بل أنتم خالدون لا يخلفنكم فيها أحد" فأنزل الله ﴿وقالوا لن تمسنا النار الآية﴾. (٤) وقوله: روى الترمذي في سبب نزول ﴿قل من كان عدوا لجبريل﴾ (٥) الآية أن اليهود قالوا للنبي ﷺ : إنه ليس نبي من الأنبياء إلا يأتيه ملك من الملائكة من عند ربه بالرسالة وبالوحي فمن صاحبك حتى نتبعك؟ قال جبريل قالوا: ذلك الذي ينزل بالحرب وبالقتال ذلك عدونا لو قلت: ميكائيل الذي ينزل بالقطر والرحمة تابعناك فأنزل الله الآية إلى قوله ﴿للكافرين﴾. (٦) ويقول في الأصل: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ (٧) هذه الآية نزلت في حيين من العرب كان أحد الحيين يرى أنه

стр. 774

أشرف من الآخر فلذا يقتل الحر بالعبد، والرجل بالمرأة تطاولا وكبرياء فحدث بين الحيين قتل وهم في الإسلام فشكوا ذلك إلى رسول الله ﷺ فنزلت هذه الآية تبطل ذحل (١) الجاهلية، وتقر مبدأ العدل والمساواة في الإسلام فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾ فلا يقتل بالرجل رجلان، ولا بالمرأة رجل ولا امرأتان، ولا بالعبد حر ولا عبدان. (٢) ويقول: روي أن بعض الصحابة رضوان الله عليهم سألوا رسول الله ﷺ قائلين: ما بال الهلال يبدو دقيقا، ثم يزيد حتى يعظم ويصبح بدرا، ثم لا يزال ينقص حتى يعود كما كان أول بدئه؟ فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يسألونك عن الأهلة﴾ (٣) وأمر رسول الله ﷺ أن يقول لهم: ﴿هي مواقيت للناس﴾. (٤) فضائل السور والآيات: يتعرض لها في نهر الخير مثل قوله: الحمد لله أعظم سورة في القرآن لحديث البخاري عن أبي سعيد بن المعلى أن النبي ﷺ قال له: "لأعلمنك أعظم سورة في القرآن، وقوله له ما أنزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في القرآن مثلها". (٥) وقوله: ورد وصح في فضل سورة البقرة قوله ﷺ : "اقرءوا سورة البقرة فإن أخذها بركة وتركها حسرة ولا يستطيعها البطلة" (٦) ويقول: صح أن النبي ﷺ قال: " يا أبا المنذر - أبي بن كعب - أتدري أي آية من كتاب الله معك أعظم؟ " قال: قلت الله لا إله إلا هو الحي القيوم

стр. 775

فضرب في صدري وقال: " ليهنك العلم يا أبا المنذر ". (١) وروى أحمد أن آية الكرسي تعدل ربع القرآن وأن الزلزلة والكافرون والنصر كل واحدة تعدل ربع القرآن وأن الصمد تعدل ثلث القرآن. (٢) خامسا: موقفه من تفسير القرآن بأقوال السلف: والمصنف لا ينسب شيئا من الأقوال للمفسرين من السلف في صلب الكتاب أما في الحاشية فربما نسب بعض ذلك مثل قوله: قال رجل لابن عباس ﵄: إنا نصيب في العمد من أموال أهل الذمة الدجاجة والشاة ونقول ليس علينا في ذلك بأس فقال له: هذا كما قال أهل الكتاب ﴿ليس علينا في الأميين سبيل﴾ (٣) إنهم إذا أدوا الجزية لا تحل لكم أموالهم إلا عن طيب أنفسهم. (٤) وقد مر وسوف يأتي في النقول الآتية روايات منسوبة لبعض الصحابة والتابعين. سادسا: موقفه من السيرة والتاريخ وذكر الغزوات: وهو يتعرض للسيرة أثناء الآيات المتعلقة بالغزوات مثل غزوة بدر وأحد وتبوك والأحزاب وغيرها. ومن مواضع ذلك عند قوله تعالى ﴿وآخرون اعترفوا بذنوبهم﴾ (٥) ذكر قصة أبي لبابة ومن معه. (٦) وعند قوله تعالى ﴿والذين اتخذوا مسجدا ضرارا وكفرا﴾ (٧) ذكر قصة مسجد الضرار وما كان من أبي عامر الفاسق. (٨) وعند قوله تعالى ﴿لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار﴾ (٩) ذكر قصة توبة كعب بن مالك ومن معه باختصار. (١٠)
следующие страницы →