الرفع منه في أصح قولي أهل العلم.
ويشرع فيه التكبير عند السجود لأنه قد ثبت من حديث ابن عمر ﵄ ما يدل على ذلك. أما إذا كان سجود التلاوة في الصلاة فإنه يجب فيه التكبير عند الخفض والرفع لأن النبي ﷺ كان يفعل ذلك في الصلاة في كل خفض ورفع وقد صح عنه ﷺ أنه قال: " صلوا كما رأيتموني أصلي" (١)
ويشرع في سجود التلاوة من الذكر والدعاء ما يشرع في سجود الصلاة لعموم الأحاديث ومن ذلك: " اللهم لك سجدت وبك آمنت ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه وبصره بحوله وقوته، فتبارك الله أحسن الخالقين " (٢) روى ذلك مسلم في صحيحه عن النبي ﷺ أنه كان يقول هذا الذكر في سجود الصلاة وروى عن النبي ﷺ أنه دعا في سجود التلاوة بقوله: " اللهم اكتب لي بها عندك أجراً وامح عني بها وزراً واجعلها لي عندك ذخراً وتقبلها مني كما تقبلتها من عبدك داود ﵇ " (٣).
والواجب في ذلك قوله: (سبحان ربي الأعلى) كالواجب في سجود الصلاة. ومازاد عن ذلك من الذكر والدعاء فهو مستحب، وسجود التلاوة في الصلاة، وخارجها سنة وليس بواجب لأنه ثبت عن النبي ﷺ من حديث زيد بن ثابت ما
стр. 107
يدل على ذلك (١) وثبت عن عمر ﵁ ما يدل على ذلك أيضاً. (٢) والله ولي التوفيق (٣).
حكم سجود التلاوة في الأوقات المكروهة:
قال الإمام الشوكاني ﵀:
(روي عن بعض الصحابة أنه يكره سجود التلاوة في الأوقات المكروه، والظاهر عدم الكراهة، لأن السجود المذكور ليس بصلاة والأحاديث الواردة بالنهي مختصة بالصلاة) (٤)
سجود المستمع لسجود القارئ:
من استمع إلى قارئ، فقرأ آية فيها سجدة؛ فالمستحب ألا يسجد المستمع حتى يسجد القارئ، لأنه بمثابة الإمام، وأما إن لم يسجد القارئ فلا يسجد المستمع.
قال ابن مسعود لتميم بن حذلم - وهو غلام - فقرأ عليه سجدة فقال: اسجد، فأنت إمامنا فيها (٥).
стр. 108
وعن ابن عمر ﵄ قال: (كان النبي ﷺ يقرأ علينا السورة فيها السجدة فيسجد ونسجد حتى ما يجد أحدنا موضع جبهته) (١).
وفرق بعض العلماء بين السامع والمستمع، لما ورد من الآثار ما يفيد ذلك، ومنها: قال عثمان بن عفان ﵁: (إنما السجدة على من استمعها) (٢).
وعن سعيد بن المسيب أن عثمان مَرَّ بقاصٍ فقرأ سجدة ليسجد معه عثمان، فقال عثمان: (إنما السجود على من استمع ثم مضى ولم يسجد)، وعنه أيضاً أنه قال: قال عثمان: (إنما السجدة على مَنْ جلس لها واستمع) (٣)
وعن أبي عبد الرحمن السلمي قال: (مَرّ سلمان على قوم قعود فقرأوا السجدة فسجدوا، فقيل له، فقال: ليس لهذا غدونا) (٤)
قال الشافعي في البويطي:
(لا أؤكده - السجود - على السامع؛ كما أؤكده على المستمع) (٥)
قال الإمام النووي ﵀: إذا سجد المستمع مع القارئ لا يرتبط به ولا ينوي الاقتداء به، وله الرفع من السجود قبله) (٦).
стр. 109
٩ - حكم نسيان القرآن
وردت آثار كثيرة تحث على تعاهد القرآن، والأمر باستذكاره وتلاوته، كما وردت آثار أخرى تحذر من نسيانه، والغفلة عنه، ومن ذلك حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: " إنما مثل صاحب القرآن كمثل الإبل المعقلة، إن عاهد عليها أمسكها، وإن أطلقها ذهبت" (١).
وحديث أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ قال: " تعاهدوا القرآن، والذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عُقلها " (٢)
قال الحافظ ابن حجر:
(الإبل المعقلة): أي المشدودة بالعقال وهو الحبل الذي يشد في ركبة البعير، شبه درس القرآن واستمرار تلاوته بربط البعير الذي يخشى منه الفرار، فما زال التعاهد موجوداً فالحفظ موجود كما أن البعير مادام مشدوداً بالعقال فهو محفوظ، وخص الإبل بالذكر لأنها أشد الحيوان الإنسي نفوراً، وفي تحصيلها بعد استكمان نفورها صعوبة). (٣)
واختلف السلف في نسيان القرآن، فمنهم من جعل ذلك من الكبائر، وأخرج أبوعبيد من طريق الضحاك بن مزاحم موقوفاً قال: (ما من أحد تعلم القرآن ثم نسيه إلا بذنب أحدثه لأن الله تعالى يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣٠) سورة الشورى.
стр. 110
وإن نسيان القرآن من أعظم المصائب)، ومن طريق أبي العالية موقوفاً: (كنا نعد من أعظم الذنوب أن يتعلم الرجل القرآن ثم ينام عنه حتى ينساه)، وإسناده جيد، ومن طريق ابن سيرين بإسناد صحيح في الذي ينسى القرآن كانوا يكرهونه، ويقولون فيه قولاً شديداً.
وقال الإمام القرطبي ﵀:
(مَنْ حفظ القرآن أو بعضه فقد علت رتبته بالنسبة إلى من لم يحفظه، فإذا أخلَّ بهذه الرتبة الدينية حتى تزحزح عنها ناسب أن يعاقب على ذلك، فإن ترك معاهدة القرآن يفضي إلى الرجوع إلى الجهل، والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد) (١).
وقال الإمام ابن كثير ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾ (١٢٤ - ١٢٦) سورة طه. (أي لما أعرضت عن آيات الله وعاملتها معاملة من لم يذكرها بعد بلاغها إليك تناسيتها وأعرضت عنها وأغفلتها كذلك اليوم نعاملك معاملة من نسيك ﴿فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ﴾ (٥١) سورة الأعراف.
فإن الجزاء من جنس العمل، وأما نسيان لفظ القرآن مع فهم معناه والقيام بمقتضاه فليس داخلاً في هذا الوعيد الخاص، وإن كان متوعداً عليه من جهة
стр. 111
أخرى، فإنه قد وردت السنة بالنهي الأكيد والوعيد الشديد في ذلك) (١).
وقال أيضا: (فإن الإعراض عن تلاوة القرآن وتعريضه للنسيان وعدم الاعتناء به فيه تهاون كبيروتفريط شديد نعوذ بالله به)
١٠ - حكم تقليد صوت القارئ
قال الشيخ بكر بن عبد الله أبوزيد ﵀:
(فاعلم أنه في عصرنا بدت ظاهرة عجيبة، لدى بعض القراء إذ أخذوا في التقليد والمحاكاة على سبيل الإعجاب والتلذذ، وتلقنه الطلاب وهم في دور التلقي ثم سرت هذه العادة فَتَكَوَّن من هذه الظاهرة ظاهرة المحاكاة والتقليد في الصوت، كل بحسب من أعجبه صوته، فعمروا المحاريب بالتقليد، وهم وقوف بين يدى الله تعالى، يؤمون المصلين، ليحرك الإمام نفوس المأمومين بصوت غيره، ويتلذذ السامعون بحسن أدائه فيه، بل وصل الحال إلى أن الإمام في التراويح، قد يقلد صوتين، أو ثلاثة، وهكذا، وقد سمعت في هذا عجبا، وصدق أبوالطيب المتنبي:
وأسرعُ مفعولٍ فعلت تغيراً ... تكلف شيء في طباعك ضده
стр. 112
وحيث إن هذا أمر إضافي في عبادة، والعبادات سبيلها الوقف على النص ومورده، بل هنا في أفضل الكلام (القرآن الكريم) وفي أفضل العبادات العملية (الصلاة) والمسلم مطالب بأن لا يعبد الله إلا بما شرع، فالسؤال الوارد إذاً: ما حكم التعبد بتقليد صوت القارئ هل هو مطلوب شرعاً أو غير مطلوب؟ وإذا كان مطلوباً فما دليله؟ وما منزلته من قسمي الطلب: الوجوب والندب؟ وإن لم يكن مطلوباً فما حكمه؟ وما موقعه من قسمي النهي: التحريم والكراهة؟
والجواب:
أن مجرد الصوت حسناً أو غير حسن، لم يعلق الله عليه حكماً، لا مدحاً، ولا ذماً، بل لا يجوز فيه ذمه إذا كان غير حسن، لأنه خلق الله، ولا اختيار للعبد فيه، وأن الصوت الطبيعي الحسن، نعمة على العبد، وأن النعم محن، فإن استعمله في الطاعة في قراءة كتاب الله تعالى كان ذلك أمراً مرغوباً فيه شرعاً، واستماعه مرغوب شرعاً، لا لذات الصوت لكن، لأنه يحمل كلام الله، ويحببه إلى النفوس ويوصل معانيه إلى القلوب، وأن من كان كذلك لم يمنحه الشرع حكماً مستقلاً لذات الصوت دون غيره. وأن تحريك الصوت للإنسان أمر طبعي، كما يتحرك كل إلى ما يناسبه من الأصوات وإنما التعبد أن يتحرك العبد إلى كلام الله وما فيه من العظة والعبرة، والتذكير بالمصير، وبالجنة والنار، وعظيم الحِكَم والأحكام، أما لو تحرك عند قراءة القرآن طرباً لمجرد حسن الصوت، دون ما يحمله من آيات القرآن الكريم، فهذا عشق مجرد من التعبد، لعدم ورود أمر التعبد عليه في الشرع المطهر.
وإذا استقر عندك هذا المحصول الجامع لأحكام الصوت الحسن، بقي الوقوف على حكم هذه الظاهرة الحادثة:
стр. 113
(الافتتان بتقليد أصوات القراء، والقراءة بها في المحاريب بين يدى الله تعالى) عندئذ نقول:
١ - هذا أمر إضافي إلى التعبد في القراءة، فهذا التقليد (عبادة) ومعلوم أنه قد وجد المقتضي لهذا في عصر النبي ﷺ ، وعصر صحابته ﵃ فلم يُعلم العمل به عند أحد منهم ﵃ وقد عُلم في (الأصول): (أن ترك العمل بالشيء في عصر النبي ﷺ مع وجود المقتضى له يدل على عدم المشروعية).
فالصوت الحسن في القراءة موجود في عصر النبي ﷺ ، ورأس الأمة في هذا نبينا ورسولنا محمد ﷺ فهذا المقتضى موجود، ولم يُعلم أن أحداً تقرب إلى الله بتقليد صوت النبي ﷺ أو أحد من صحابته، ولا من بعدهم، وهكذا. فدل هذا على عدم مشروعية هذا التقليد، وعُلِمَ به أن التقرب إلى الله تعالى بذلك التقليد والمحاكاة لأصوات القراء أمر مهجور، فالتعبد به أمر مُحْدَث، وقد نُهِينَا عن الإحداث في الدين.
وقاعدة الشرع: أن كل أمر تعبدي مُحْدَث فهو: بدعة وكل بدعة ضلالة، وأن الشغف والتدين بحسن الصوت فحسب، والتلذذ به، كالتدين بعشق الصور، فهما في الابتداع والتحريم سواء.
بل يضاف إلى المحاكاة للصوت الحسن، وأن فيها نوع تبعية مُذلة، والشرع يبني في النفوس: العزة، والكرامة، وترقية العقول، واستقلالها، وتمحض متابعتها لهدي النبوة لا غير.
٣ - والشرع يدعو إلى تحسين القارئ صوته، وهذا أمر مشروع في حق مَنْ يملكه، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها، وتطلبه بالتقليد والمحاكاة، تكليف بما لا
стр. 114
يسع العبد في طبعه، فهو غير مطلوب، وتكلف العبد ما لا يطيقه كمن يريد شبر البسيطة، وهذا يخالف الفطرة حساً، ويعاكسها عقلاً، ودين الإسلام دين الفطرة ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٣٠) سورة الروم.
٤ - واعلم أن المحدَث يتولد منه أمور محدثة، وهكذا تبدو المحدثات صغاراً، ثم تنمو، وتزداد، حتى تنقطع السبيل إلى سبل، وتغاب السنن.
وقد تولد عن فتنة التقليد:
١ - إحياء البدعة المهجورة لدى المتصوفة (التعبد بعشق الصوت) ولقد كشف أهل السنة بدعيتها.
٢ - الازدحام في المساجد التي سبيل إمامها المحاكاة والتقليد، وشد الرحال إليها وبخاصة في أيام رمضان ليصلي التراويح في مسجد إمامه (حسن الصوت) وفي هذا مخالفة لقوله ﷺ : " لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا " (١)
٣ - تَكَرُّه النفوس للصلاة خلف إمام لا يستحسن صوته.
٤ - انصراف مَنْ شاء الله مِنْ عباده عن الخشوع في الصلاة، وحضور القلب إلى التعلق بمتابعة الصوت الحسن لذات الصوت.
وأنصح كل مسلم قارئ لكتاب الله تعالى وبخاصة أئمة المساجد أن يكفوا عن المحاكاة والتقليد في قراءة كلام رب العالمين، فكلام الله أَجَلُّ، وأعظم من أن
стр. 115
يجلب له القارئ مالم يطلب منه شرعاً زائداً على تحسين الصوت حسب وسعه لا حسب قدرته على التقليد والمحاكاة. وقد قال الله عن نبيه محمد ﷺ : ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ (٨٦) سورة ص
وليجتهد العبد في حضور القلب، وإصلاح النية فيقرأ القرآن محسناً به صوته من غير تكلف، وليجتنب التكلف من الأنغام، والتقعر في القراءة، والممنوع من حرمة الأداء) (١).
١١ - حكم القراءة من المصحف في صلاة التراويح
انتشر في هذا الزمان ظاهرة القراءة من المصحف في صلاة التراويح، وأصبحت سمة عامة لكثير من المساجد، مما أدى إلى تكاسل كثير من الأئمة الحفاظ عن المراجعة، فما حكم هذه الظاهرة؟ وهل يجوز قراءة الإمام من المصحف في القيام استدلالاً بإمامة ذكوان لعائشة ﵂؟ أم أنه من محدثات الأمور.
الجواب: اختلف العلماء قديماً وحديثاً ما بين مانع ومجيز ولكل أدلته.
ولقد سئل الشيخ محمد ناصر الدين الألباني ﵀
فأجاب: (لا نرى ذلك، وما ذُكر عن ذكوان حادثة عين، لا عموم لها، وبإباحة ذلك لأئمة المساجد يؤدي بهم إلى ترك تعاهد القرآن والعناية بحفظه غيباً، وهذا خلاف قوله ﷺ : " تعاهدوا القرآن فوالذي نفسي بيده لهو أشد تفصياً من الإبل في عقلها" (٢).
стр. 116
ومعلوم أن للوسائل حكم الغايات كقولهم ما لا يقوم الواجب إلا به فهو واجب وما يؤدي إلى معصية فهو معصية ... وهكذا).
وهذه الظاهرة عليها الكثير من المآخذ منها:
١ - أنه خلاف لهدي النبي ﷺ الذي يقول " صلوا كما رأيتموني أصلي " (١).
٢ - أنه أيضاً خلاف لسنة الخلفاء الراشدين المهديين الذين أمرنا أن نتأسى بهم.
٣ - أنه يميت الرغبة لدى الكثير في حفظ القرآن الكريم، التي خص الله بها هذه الأمة وكان من قبلها لا يقرءون كتابهم إلا نظراً، فإذا طبقوه لم يحفظ ما فيه إلا الأنبياء، هذا وأكبر دافع وأقوى حافز للمسلم للقرآن للصلاة، فما دام يجوز القراءة من المصحف لماذا العناء والنصب؟
٤ - وبه - أيضاً - يهمل العمل بحديث النبي ﷺ " ليليني منكم أولو الأحلام والنُهى .. الحديث " (٢) إذ لا حاجة لأن يقفوا خلف الإمام للفتح عليه.
٥ - وكذا به لا يستطيع الإمام النظر إلى موضع السجود لتعلق نظره بصفحات المصحف.
٦ - فيه نقص لتمام الطمأنينة والخشوع لانشغال الإمام بتقليب الصفحات وتقديمه أثناء القيام من المصحف للقراءة والتأخر والرجوع عندما يريد الركوع بل البعض يكون المصحف عن يمينه فتراه يشيح بوجهه عن المسجد الحرام بدلاً
стр. 117
من أن يصمد إليه وجهه صمداً، لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ (١٥٠) سورة البقرة.
٧ - كثير من أهل العلم كره هذا الصنيع كما جاء ذلك عن مجاهد وعن الأعمش وعن إبراهيم قال: كانوا يكرهون أن يؤم الرجل في المصحف كراهية أن يتشبهوا بأهل الكتاب، بل إن سليمان بن حنظل مَرَّ بقوم يؤمهم رجل في مصحف في رمضان على مشجب فرمى به).
٨ - ما قاله ابن حزم في المحلى (ولا يحل لأحد أن يؤم وهو ينظر ما يقرأ به في المصحف لا في فريضة ولا نافلة، فإن فعل عالماً بأن ذلك لا يجوز بطلت صلاته وصلاة من ائتم به عالماً بحاله بأن ذلك لا يجوز وأما أبوحنيفة ﵀ قال عن صلاته: أنها فاسدة).
أما حجج من أجاز ذلك أهمها اثنتان:
١ - احتجاجهم بأنه لم يعد هناك من يحفظ القرآن فنقول لهم: إن النبي ﷺ قام ليلة بآية واحدة وهي قوله تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) سورة المائدة. كان بها يسجد وبها يركع وبها يقوم يقعد حتى يصبح .. الحديث (١).
٢ - استدلالهم بصنيع مولى عائشة ﵂ ذكوان بأنه كان يؤمها من المصحف في رمضان فنقول: أهذا الأمر كان من الدين؟ فهل عمل به النبي ﷺ سكت عنه وتجاهله؟! سبحانك هذا بهتان عظيم! وإلا فما معنى قوله تعالى:
стр. 118
﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا﴾ (٣) سورة المائدة.
أما الأئمة الأعلام الذين أجازوا ذلك فإنهم قيدوه بقيد الاضطرار فهذا الإمام أحمد ﵀ سئل هل يؤم في المصحف في رمضان؟ قال: ما يعجبني إلا أن يضطر إلى ذلك. وبه قال إسحاق.
وقال قتادة عن سعيد بن المسيب في الذي يقوم في رمضان: إن كان معه ما يقرأ به في ليلة، وإلا فليقرأ في المصحف.
وأما الحسن ﵀ فقال: يقرأ بما معه ويردده ولا يقرأ من المصحف كما تفعل اليهود. (١)
ومما سبق يتضح أن: الأولى أن يقرأ المسلم من حفظه ولو كان قليلاً يردده كما فعل الرسول ﷺ والسلف الصالح من بعده، ولا يقرأ من المصحف في الصلاة إلا أن يضطر إلى ذلك. والله أعلم.
стр. 119
الباب الثاني
هجر استماع القرآن
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: استماع القرآن الكريم (معناه - فضله - آدابه - سبب هجره).
الفصل الثاني: أقسام الناس في سماع القرآن.
الفصل الثالث: نماذج من استماع القرآن الكريم.
الفصل الرابع: صور من هجر استماع القرآن.
стр. 120
الفصل الأول
استماع القرآن الكريم
وفيه أربعة مباحث:
أولاً: معنى السماع.
ثانياً: فضائل استماع القرآن.
ثالثاً: آداب استماع القرآن الكريم.
رابعاً: سبب هجر استماع القرآن.
стр. 121
أولاً: معنى السماع
السماع لغةً:
قال ابن منظور ﵀: سمع: السَّمْعُ حسُّ الأذن، وفي التنزيل: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق؛ وقال ثعلبُ: معناه: خلا له فلم يشتغل بغيره، وقد سمعه سَمْعاً وسِمْعاً وسَمَاعاً وسَمَاعة وسَمَاعية ...
قال ابن السكيت: (السَّمْعُ) سَمْعُ الإنسان وغيره، ويكون واحداً وجمعاً، كقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ﴾ (٧) سورة البقرة. لأنه في الأصل مصدر قولك (سَمِعَ) الشيء بالكسر (سَمْعاً) و (سَمَاعاً) وقد يجمع على (أسماع) وجمع الأسماع (أسامع).
وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ إِن تُسْمِعُ إِلَّا مَن يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُم مُّسْلِمُونَ﴾ (٨١) سورة النمل. أي ما تسمع إلا من يؤمن بها، وأراد بالإسماع ههنا القبول والعمل بما يسمع، لأنه إذا لم يقبل ولم يعمل فهو بمنزلة من لم يسمع. وسَمَّعه الصوت وأسمعه: استمع له. وتَسَّمع إليه أي أصغى.
وقد تأتي (سَمِعَ) بمعنى أجاب، ومن أمثلة ذلك: (سمع الله لمن حمده) أي
стр. 122
أجاب الله حمده وتقبله، وفي الحديث: (اللهم إني أعوذ بك من دعاء لا يُسمع) أي لا يستجاب ولا يعتد به فكأنه غير مسموع.
والسميع: من صفاته وأسمائه، لا يعزب عن إدراكه مسموع، وإن خفي، وسع سمعه الأصوات كلها، قال تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾. وقال: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم بَلَى﴾ (٨٠) سورة الزخرف.
قال الأزهري: وهو سبحانه سميع ذو سمع بلا تكييف ولا يشبه بالسمع من خلقه ولا سمعه كسمع خلقه، ونحن نصف الله بما وصف به نفسه بلا تحديد ولا تكييف.
ورجل سمَّاع إذا كان كثير الاستماع لما يقال وينطق به، قال تعالى: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ (٤٢) سورة المائدة.
فُسِّر قوله: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ﴾ على وجهين: أحدهما: أنهم يسمعون لكي يكذبوا فيما سمعوا. الثاني: ويجوز أن يكون أنهم يسمعون الكذب ليشيعوه في الناس. والله أعلم بما أراد (١).
السماع اصطلاحاً: قال الإمام ابن القيم: (وحقيقة السماع تنبيه القلب على معاني المسموع وتحريكه عنها طلباً أو هرباً، وحباً أو بغضاً) (٢).
стр. 123
هل هناك فرق بين السماع والاستماع؟
نعم، فالاستماع يكون بحضور القلب مع سكون الجوارح بحيث يحصل التدبر؛ لذا يؤجر عليه صاحبه. وأما السماع فيكون بدون قصد ولا إرادة، لذا لا يترتب عليه أجر ولا إثم.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (فالرجل لوسمع الكفر والكذب والغيبة والغناء والشبابة، من غير قصد منه، كأن كان مجتازاً بطريق فسمع ذلك، لم يأثم، ذلك باتفاق المسلمين، ولو كان الرجل ماراً، فسمع القرآن، من غير أن يستمع إليه، لم يؤجر على ذلك، وإنما يؤجر على الاستماع الذي يقصد) (١).
ثانياً: فضائل استماع القرآن
إن فضائل استماع القرآن الكريم كثيرة، كما أن لتلاوة القرآن الأجر العظيم، فكن - أخي الحبيب - من المحافظين على تلاوته واستماعه، حتى تفوز بالأجر العظيم في الدنيا والآخرة، وتكون من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته.
ومن هذه الفضائل:
١ - استماع القرآن سبب لرحمة الله :
قال الله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف.
قال ﷺ : " وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله، يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده " (٢).
стр. 124
قال الليث: يُقَال: ما الرحمة إلى أحد بأسرع منها إلى مستمع القرآن، لقول الله جل ذكره: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف و (لعل) من الله واجبة. (١)
قال الحسن البصري: إذا جلست إلى القرآن فأنصت له. (٢)
وقد اختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية، وأن الأمر بالاستماع والإنصات في حق مَنْ؟ فمنهم مَنْ قال: في الصلاة المكتوبة إذا جهر الإمام بالقراءة، وآخرون قالوا: في الصلاة والخطبة يوم الجمعة، وغيرهم قال: الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام من الصلاة وهذا اختيار ابن جرير الطبري (٣).
والذي يظهر والله أعلم أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وإن كان في الصلاة أشد مطلوباً لمكان القرب والتأثر.
стр. 125
٢ - استماع القرآن سبب لتحصيل الأجر العظيم
وكما عرفنا أن مَنْ قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها، والله يضاعف لمن يشاء، فإن الأجر لا يتوقف على التلاوة فحسب، بل إن استماع القرآن الكريم - إذا أخلص الإنسان نيته لله - من الأسباب المعينة على تكثير الحسنات، ومضاعفة الطاعات، ومن أفضل القربات.
قال أبوهريرة ﵁: (مَنْ استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كُتب له حسنة مضاعفة، ومَنْ تلاها كانت له نوراً يوم القيامة) (١).
٣ - استماع القرآن سبب لهداية الإنسان
لقد أوضح الله أن القرآن مصدر الهداية في الدنيا والاخرة، ومن تمسك به تلاوة واستماعاً وعملاً وتدبراً فلن يضل أو يشقى، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٩) سورة الإسراء.
وإن استماع القرآن من الأعمال الصالحة التي بشر القرآن أصحابها بالهداية، ووصفهم بأنهم أصحاب العقول السليمة الراشدة فقال : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٧ - ١٨) سورة الزمر.
стр. 126
٤ - استماع القرآن سبب لتحصيل النور
عن ابن عباس ﵄: (من استمع إلى آية من كتاب الله تعالى كانت له نوراً) (١).
إن الاستماع إلى القرآن الكريم يكسب صاحبه نوراً في الدنيا: ينير له الطريق، ويبدد به الظلمات، ويكسب به الشبهات، ويقمع به الشهوات، ويقضي به على الضلالات، وكذلك يكسب صاحبه نوراً في الآخرة: يمشي به على الصراط، وينجو به من المهلكات حتى يفوز بجنة الله خالق الأرض والسموات، فمن دعاء المؤمنين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٨) سورة التحريم.
فوائد الاستماع:
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(فهذا السماع حادٍ يحدو القلوب، إلى جوار علام الغيوب، وسائق يسوق الأرواح إلى ديار الأفراح، وحرك يثير ساكن العزمات، إلى أعلى المقامات وأرفع الدرجات، ومنادٍ ينادي للإيمان، ودليل يسير بالركب في طريق الجنان، وداع يدعو القلوب بالمساء والصباح من قبل فالق الإصباح (حي على الفلاح، حي على الفلاح) .. فلم يعدم من اختار هذا السماع إرشاداً لحجة، وتبصرة لعبرة، وتذكرة لمعرفة، وفكرة في آية، ودلالة على رشد، ورداً على ضلالة، وإرشاداً من غيّ، وبصيرة من عمى، وأمراً بمصلحة، ونهياً عن
стр. 127
مضرة ومفسدة، وهداية إلى نور، وإخراجاً من ظلمة، وزجراً عن هوى، وحثاً على تقى، وجلاء لبصيرة، وحياة لقلب، وغذاء ودواء وشفاء، وعصمة ونجاة، وكشف شبهة، وإيضاح برهان، وتحقيق حق، وإبطال باطل ...) (١).
ثالثاً: آداب استماع القرآن الكريم
قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) سورة الأنفال. يذكر الله - تعالى - حال المؤمنين عند استماع آيات القرآن الكريم أنهم يُلقون إليها الأسماع في إصغاء وخشوع، وأدب وخضوع، وصمت وادِّكار، وتفكر واعتبار؛ مؤمنين بأن ما يسمعونه هو كلام رب العالمين، نزل به الروح الأمين، على سيد المرسلين, فوعاه قلبه، ونطق به لسانه، وبلغّه إلى أمته أداء للأمانة، وإبلاغاً للرسالة، فرقاناً بين الحق والباطل، هادياً إلى سبيل الرشاد، مبشراً بالوعد الصادق مَنْ أذعن له وأطاع، منذراً بالوعيد العدل مَنْ تمرد عليه وعصى، مذكراً بأيام الله وما خلا من قرون، ومضى من شئون، ذاكراً ما أعدَّ الله للمتقين من جنات وعيون، ونعيم مقيم، وما أعد للكافرين من نار موقدة، وعذاب دائم أليم.
فترى المؤمنين عند تلاوته وسماعه قد خشعت أصواتهم لرهبته، ووجلت قلوبهم لخشيته، وذرفت عيونهم من مخافته، وأقبلوا على ربهم تائبين، ومن ذنوبهم مستغفرين، وفي رضاه طامعين، ومن غضبه وجلين.
ذلك كان شأن الصحابة - رضوان الله عليهم -، والصدر الأول من المسلمين عند سماع القرآن وتلاوته وذلك ما تشير إليه الآية، في وصف المؤمنين أنهم إذا
стр. 128
ذكر الله بصفات الجلال، وأنه القاهر فوق عباده، المنفرد بالقدرة والسلطان والقوة والجبروت - وجلت قلوبهم. وإذا تليت عليهم آياته، وفقهوا ما في ثناياها من معان وأحكام، وبشارة ونذارة، ووعد ووعيد، وعظات وأمثال - قوي يقينهم بالله، وأقبلوا على ما فيه رضاه، وأعرضوا عما يسخطه، ولا يرضاه كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف.
فإن الأمر بالاستماع والإنصات عند قراءته في الصلاة وخارج الصلاة أمر صريح، وقد جعله الله مناط الرحمة؛ ليُعلم أن اللغو عند قراءته والتصدية والمكاء، والجَلَبة والضوضاء من موانع الرحمة، ونعوذ بالله ممن يضل سعيه، فيحول بعمله بين نفسه ورحمة ربه.
فأين نحن الآن من أسلافنا؟ وهم القدوة في الهدى، وقد اتخذنا القرآن أغاني فالقارئ يفنن في النغم والتلحين، ويخرج به عن سنن الترتيل وقواعد التجويد، ويعيد الآية عند استحسان السامعين للنغمة وطلبهم الإعادة، والسامع يستخفُّه الطرب، لا من معاني القرآن، بل من حسن التوقيع وموسيقى الشيطان، وأفانين الألحان؛ فيصيح في نهاية الآيات بكلمات الاستحسان، والثناء على القارئ والدعاء له، وطلب الإعادة منه، وغير ذلك مما يستحي المؤمن الوقور من ذكره، وكثيراً ما يكون ذلك في بيوت الله التي شرفها الله تعالى بإضافتها إليه، وجعل لها حُرمةً، وللدخول فيها والمكث بها آداباً وسنناً.
وكيف نرجو الثواب، ونقصد التعبدَّ بالقراءة والسماع؟ والأمر على ما وصفنا: من حركات طائشة، وكلمات مرذولة، وصياح وضوضاء، واستحسان للنغمات، وإغراء بالمزيد منها، وطلب الإعادة للآية لحسن التوقيع، وانتهاكٍ لحرمة
стр. 129
المساجد، وتجاوز في القراءة للحدود المرسومة المروية عن القدوة وأئمة الهدى؟!.
وأين الخشية من الله، والخوف عند تلاوة آية العذاب الذي تنخلع من هوله القلوب؟ والرهبة من آية الوعيد الذي يشق المرائر؟ وأين الخشوع والتفكر؟ وأين التوبة والاستغفار من الذنوب عند الذكر؟ (١).
قال الشيخ عبد العظيم بن بدوي - حفظه الله -: (٢)
(ولقد أمر الله - سبحانه - النبيين وأتباعهم المؤمنين بالاستماع للوحي عند تلاوته ونهاهم عن الانشغال عن الاستماع لما يوحي بأي شيء ولو بتلاوة الوحى نفسه، قال تعالى لموسى ﵇: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى﴾ (١٣) سورة طه، وكان النبي ﷺ إذا قرأ عليه جبريل القرآن القرآن تعجل بالقراءة خلفه خشية النسيان، فقال الله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ﴾ (١٦ - ١٩) سورة القيامة.
وقال للمؤمنين: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾، لأنه بالاستماع يحصل الفهم المؤدي للعمل.
ومن أدب الاستماع:
١ - سكون الجوارح.
٢ - وغض البصر.
٣ - والإصغاء بالسمع.
٤ - وحضور القلب.
٥ - والعزم على العمل.
стр. 130
فذلك هو الاستماع الذي يحبه الله تعالى، وهو أن يكف العبد جوارحه ولا يشغلها فيشتغل قلبه عما يسمع، ويغض طرفه فلا يلهو قلبه بما يرى، ويحضر عقله فلا يحدث نفسه بشيء سوى ما يستمع إليه، ويعزم على أن يفهم فيعمل بما فهم.
قال سفيان بن عيينة: أول العلم الاستماع، ثم الفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر (١).
فإذا استمع العبد إلى كتاب الله وسنة رسوله ﷺ بنية صادقة كما يحب الله أفهمه الله كما يحب، وجعل له في قلبه نوراً، وكان من أهل البشارة التي أمر الله نبيه أن يبشر بها: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٨) سورة الزمر، وهكذا شهد الله لمن يحسن الاستماع إلى كتابه بالهداية والعقل، وذم الذين يسيئون الاستماع إلى الوحي وحكم عليهم بالضلال وشبههم بالأنعام، فقال ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾ (١٦) سورة محمد. وقال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق. أي: أنه وجه سمعه، وأصغى حاسته إلى ما يتلى من الوحي وقلبه حاضر يفهم ما تسمعه الأذن، فإن السماع مع غفلة القلب سماع الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِندِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ﴾ , وهكذا تضمنت هذه الآية شروط الانتفاع بالقرآن والتأثر به وإفادتها السامعين بأوجز لفظ وأبينه وأدله
стр. 131
على المطلوب، فذكرت أنه لابد من محل قابل للتأثر، وهو القلب الحي، وأنه لابد من تحصيل شرط وهو إصغاء السمع وحضور القلب، وأنه لابد من انتفاء مانع يمنع من حصول الأثر وهو انشغال القلب وذهوله) (١).
رابعاً: سبب هجر استماع القرآن
من الأسباب الرئيسة لهجر استماع القرآن الكريم، استماع الغناء واللهو والمزمار، الذي أصبح سمة غالبة لكثير من المسلمين - إلا مَنْ رحم الله -.
ولقد صرح بذلك العلامة ابن القيم ﵀ فقال:
(ومن مكايد عدو الله ومصائده، التي كاد بها مَنْ قَلَّ نصيبه من العلم والعقل والدين، وصاد بها قلوب الجاهلين والمبطلين: سماع المكاء، والتصدية، والغناء بالآلات المحرمة، الذي يصد القلوب عن القرآن، ويجعلها عاكفة على الفسوق والعصيان. فهو قرآن الشيطان، والحجاب الكثيف عن الرحمن، وهو رقية اللواط والزنا، وبه ينال العاشق الفاسق من معشوقه غاية المنى، كاد به الشيطان النفوس المبطلة. وحسنه لها مكراً منه وغروراً، وأوحى إليها الشبه الباطلة على حسنه فقبلت وحيه واتخذت لأجله القرآن مهجوراً. فلو رأيتهم عند ذياك السماع وقد خشعت منهم الأصوات وهدأت منهم الحركات، وعكفت قلوبهم بكليتها عليه، وانصبت انصبابة واحدة إليه، فتمايلوا له ولا كتمايل النشوان، وتكسروا في حركاتهم ورقصهم، أرأيت تكسر المخانيث والنسوان؟ ويحق لهم ذلك وقد خالط خماره النفوس، ففعل فيها
стр. 132
أعظم ما يفعله حميا الكئوس فلغير الله، بل للشيطان، قلوب هناك تمزق، وأثواب تشقق، وأموال في غير طاعة الله تنفق. حتى إذا عمل السكر فيهم عمله، وبلغ الشيطان منهم أمنيته وأمله، واستفزهم بصوته وحيله، وأجلب عليهم برجله وخيله، وخز في صدورهم وخزاً، وأزهم إلى ضرب الأرض بالأقدام أزاً، فطوراً يجعلهم كالحمير حول المدار، وتارة كالذباب ترقص وسط الدمار.
فيا رحمتا للسقوف والأرض من دك تلك الأقدام، ويا سوأتا من أشباه الحمير والأنعام، ويا شماتة أعداء الإسلام بالذين يزعمون أنهم خواص الإسلام، قضوا حياتهم لذة وطرباً واتخذوا دينهم لهواً ولعباً، مزامير الشيطان أحب إليهم من استماع سور الرحمن، لو سمع أحدهم القرآن من أوله إلى آخره لما حرك ساكناً، ولا أزعج له قاطناً، ولا أثار فيهم وجداً، ولا قدح فيه من لواعج الشوق إلى الله زنداً حتى تُلِيَ عليه قرآن الشيطان، وولج مزموره سمعه، تفجرت ينابيع الوجد من قلبه على عينيه فجرت، وعلى أقدامه فرقصت، وعلى يديه فصفقت وعلى سائر أعضائه فاهتزت وطربت، وعلى أنفاسه فتصاعدت، وعلى زمراته فتزايدت، وعلى نيران أشواقه فاشتعلت.
فيا أيها الفاتن المفتون، والبائع حظه من الله بنصيبه من الشيطان صفقة خاسر مغبون، هلا كانت هذه الأشجان عند سماع القرآن؟ وهذه الأحوال السنيات، عند تلاوة السور والآيات؟ ولكن كل امرئ يصبو إلى ما يناسبه، ويميل إلى ما يشاكله، والجنسية علة الضم قدراً وشرعاً، والمشاكلة سبب الميل عقلاً وطبعاً، فمن أين هذا الإخاء والنسب؟ لولا التعلق من الشيطان بأقوى سبب، ومن أين هذه المصالحة التي أوقعت في عقد الإيمان وعهد الرحمن خللاً؟ قال تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا
стр. 133
لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاء مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا﴾ (٥٠) سورة الكهف (١).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ في موضع آخر:
(والسلف الصالح كانوا يجدون الأذواق الصحيحة المتصلة بالله في الأعمال الصحيحة المشروعة، وفي قراءة كتاب الله وتدبره واستماعه، وفي مزاحمة العلماء بالرُّكب، وفي الجهاد في سبيل الله، وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي الحب في الله، والبغض فيه، وتوابع ذلك فصار ذوق المتأخرين - إلا مَنْ رحم الله - في اليراع (القصبة التي يصفر بها الراعي) والدف والمواصيل والأغاني المطربة ومن الصور المستحسنة والرقص والزعقات، وتعطيل ما يحبه الله ويرضاه من عبوديته المخالفة لهوى النفوس، فشتان بين ذوق الألحان وذوق القرآن، وبين ذوق العود والطنبور، وذوق (المؤمنين) و (النور)، وبين ذوق الزَّمْر وذوق (الزُمَر)، وبين ذوق الناي وذوق (اقتربت الساعة وانشق القمر) وبين ذوق المواصيل والشبابات وذوق (يس) و (الصافات)، وبين ذوق غناء الشعر وذوق سورة (الشعراء)، وبين ذوق سماع المكاء والتصدية، وذوق (الأنبياء)، وبين الذوق على سماع تذكر فيه العيون السود والخصور والقدود، وذوق سماع سورة (يونس) و (هود)، وبين ذوق الواقفين في طاعة الشيطان على أقدامهم صواف وذوق الواقفين في خدمة الرحمن في سورة (الأنعام) و (الأعراف)، وبين ذوق الواجدين على طرب المثالث والمثاني، وذوق العارفين عند استماع (القرآن العظيم) و (السبع المثاني)، وبين ذوق أولي الأقدام
стр. 134
الصافات في حظيرة سماع الشيطان، وذوق أصحاب الأقدام الصافات بين يدي الرحمن.
سبحان الله! هكذا تنقسم الأذواق والمواجيد، ويتميز خُلُقُ المطرودين من خُلُق العبيد، سبحان المُمدِّ لهؤلاء وهؤلاء من عطائه، والمفارق بينهم في الكرامة يوم القيامة فوالله لا تجتمع محبة سماع الشيطان وكلام الرحمن في قلب رجل واحد أبداً، كما لا تجتمع بنت عدو الله وبنت رسول الله ﷺ عند رجل واحد أبداً) (١)(٢).
وقال الإمام ابن القيم ﵀ موضحاً أقسام الناس في سماع القرآن والغناء.
والناس في السماع أربعة أقسام:
أحدها: مَنْ يشتغل بسماع القرآن عن سماع الشيطان.
الثاني: عكسه (مَنْ يشتغل بسماع الشيطان عن سماع القرآن).
الثالث: مَنْ له نصيب من هذا وهذا.
الرابع: ليس له نصيب لا من هذا ولا من هذا.
стр. 135
فالاشتغال بسماع القرآن الرحماني حال السابقين الأولين وأتباعهم ومن سلك سبيلهم.
والثاني: حال المشركين والمنافقين والفجار والفساق والمبطلين ومَنْ سلك سبيلهم.
والثالث: حال مؤمن له مادتان: مادة من القرآن ومادة من الشيطان، وهو للغالب عليه منها.
والرابع: حال الفارغ من ذوق هذا وهذا، فهو في شأن وأولئك في شأن) (١).
стр. 136
الفصل الثاني
وفيه مبحثان:
أولاً: أقسام الناس في سماع القرآن.
ثانياً: فتاوى مهمة في استماع القرآن.
стр. 137
أولاً: أقسام الناس في سماع القرآن
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: (١)
(أصل السماع الذى أمر الله به هو سماع ما جاء به الرسول ﷺ سماع فقه وقبول ولهذا انقسم الناس فيه أربعة أصناف:
الأول: صنف معرض ممتنع عن سماعه.
الثاني: صنف سمع الصوت ولم يفقه المعنى.
الثالث: صنف فقه المعنى ولكنه لم يقبله.
الرابع: الذى سمعه سماع فقه وقبول.
فـ (الصنف الأول) صنف معرض ممتنع عن سماعه كالذين قال الله فيهم ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.
و (الصنف الثاني) مَنْ سمع الصوت بذلك لكن لم يفقه المعنى قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ﴾ (١٧١) سورة البقرة.
وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن يَرَوْاْ كُلَّ آيَةٍ لاَّ يُؤْمِنُواْ بِهَا حَتَّى إِذَا جَآؤُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنْ
стр. 138
هَذَا إِلاَّ أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ﴾ (٢٥) سورة الأنعام. وقال تعالى: ﴿وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ * وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ﴾ (٤٣) سورة يونس. وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِالآخِرَةِ حِجَابًا مَّسْتُورًا * وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْاْ عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا * نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا﴾ (٤٥ - ٤٧) سورة الإسراء. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ (٥٧) سورة الكهف.
وقوله: ﴿أَن يَفْقَهُوهُ﴾ يتناول مَنْ لم يفهم منه تفسير اللفظ كما يفهم بمجرد العربية ومَنْ فهم ذلك لكن لم يعلم نفس المراد فى الخارج وهو من: (الأعيان) و (الأفعال) و (الصفات) المقصودة بالأمر والخبر بحيث يراها ولا يعلم أنها مدلول الخطاب: مثل مَنْ يعلم وصفاً مذموماً ويكون هو متصفاً به أو بعضاً من جنسه ولا يعلم أنه داخل فيه وقال تعالى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ * وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ (٢٢ - ٢٣) سورة الأنفال. قال ذلك بعد قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ (٢٠) سورة الأنفال.
فقوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ لم يرد به مجرد إسماع الصوت لوجهين:
(أحدهما) أن هذا السماع لابد منه ولا تقوم الحجة على المدعوين إلا به كما
стр. 139
قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ (٦) سورة التوبة، وقال: ﴿لأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (١٩) سورة الأنعام، وقال: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ (١٥) سورة الإسراء.
و (الثانى) أنه وحده لا ينفع فإنه قد حصل لجميع الكفار الذين استمعوا القرآن وكفروا به كما تقدم، بخلاف إسماع الفقه فإن ذلك هو الذي يعطيه الله لمن فيه خير، وهذا نظير ما فى الصحيحين عن النبى ﷺ أنه قال: " من يرد الله به خيراً يفقهه فى الدين " وهذه الآية والحديث يدلان على أن من لم يحصل له السماع الذى يفقه معه القول فإن الله لم يعلم فيه خيراً ولم يرد به خيراً وأن من علم الله فيه خيراً أو أراد به خيراً فلابد أن يسمعه ويفقهه إذ الحديث قد بين أن كل من يرد الله به خيراً يفقهه: فالأول مستلزم للثانى، والصيغة عامة، فمن لم يفقهه لم يكن داخلا فى العموم فلا يكون الله أراد به خيراً وقد انتفى فى حقه اللازم فينتفي الملزوم.
وكذلك قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ﴾ (٢٢ - ٢٣) سورة الأنفال. بين أن الأول شرط للثانى: شرطاً نحوياً، وهو ملزوم وسبب، فيقتضى أن كل من علم الله فيه خيراً أسمعه هذا الإسماع، فمن لم يسمعه إياه لم يكن قد علم فيه خيراً فتدبر كيف وجب هذا السماع، وهذا الفقه، وهذا حال المؤمنين، بخلاف الذين يقولون بسماع لا فقه معه، أو فقه لا سماع معه أعنى هذا السماع.
وأما قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ﴾ فقد يشكل على كثير من الناس, لظنهم أن هذا السماع المشروط هو السماع المنفي في الجملة الأولى، الذى كان يكون لو علم فيهم خيراً، وليس فى الآية ما يقتضى ذلك، بل ظاهرها وباطنها ينافي ذلك، فإن الضمير فى قوله: ﴿وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ﴾ عائد إلى الضميرين فى
стр. 140
قوله: ﴿وَلَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا لَّأسْمَعَهُمْ﴾ , وهؤلاء قد دل الكلام على أن الله لم يعلم فيهم خيراً فلم يسمعهم إذن (لو) يدل على عدم الشرط دائماً وإذا كان الله ما علم فيهم خيراً فلو أسمعهم لتولوا وهم معرضون بمنزلة اليهود الذين قالوا سمعنا وعصينا وهم (الصنف الثالث) .
ودلت الآية على أنه ليس لكل مَنْ سمع وفقه يكون فيه خير بل قد يفقه ولا يعمل بعلمه فلا ينتفع به، فلا يكون فيه خيراً، ودلت أيضاً على أن إسماع التفهيم إنما يطلب لمن فيه خير، فإنه هو الذى ينتفع به، فأما مَنْ ليس ينتفع به فلا يطلب تفهيمه.
و (الصنف الثالث) من سمع الكلام وفقهه لكنه لم يقبله ولم يطع أمره كاليهود الذين قال الله فيهم: ﴿مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٤٦) سورة النساء.
وقال تعالى: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ (٧٥) سورة البقرة. إلى قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ﴾ (٧٨) سورة البقرة. أي تلاوة.
فهؤلاء من الصنف الأول الذين يسمعون ويقرءون ولا يفقهون ولا يعقلون إلى قوله: ﴿وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ﴾ (٨٨) سورة البقرة.
كما قال فى تلك الآية: ﴿لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾ (٤٦) سورة النساء.
стр. 141
وقال فى النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (١٥٥ - ١٥٦) سورة النساء. إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التى استحقوا بها ما استحقوه ومنها قولهم: ﴿قُلُوبُنَا﴾.
فعلم أنهم كاذبون فى هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب. ولهذا قال: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه﴾ و ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به، لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ (١٤٦) سورة البقرة. فـ ﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف. وأما (غلف) بالتحريك فجمع غلاف، والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون فى ذلك، واللعنة: الابعاد عن الرحمة، فلو عملوا به لرحموا، ولكن لم يعملوا به، فكانوا مغضوباً عليهم ملعونين، وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه، وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقاً وعملاً.
و (الصنف الرابع) الذين سمعوا سماع فقه وقبول فهذا هو السماع المأمور به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٨٣) سورة المائدة، وقال تعالى: ... ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن
стр. 142
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٩ - ٣١) سورة الأحقاف.
وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ (١٠٧ - ١٠٨) سورة الإسراء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) سورة الأنفال.
وقال ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١٢٥) سورة التوبة.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا * وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾ (٨٣) سورة الإسراء.
وكذلك قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤) سورة فصلت.
ومثله قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) سورة آل عمران. فالبيان يعم كل من فقهه والهدى والموعظة للمتقين.
وقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠) سورة الجاثية. وقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١ - ٢) سورة البقرة.
وهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا التقى المؤمن
стр. 143
أن يكون كان من المتقين قبل سماع القرآن فإن هذا:
(أولاً): ممتنع؛ إذ لا يكون مؤمنا متقياً مَنْ لم يسمع شيئاً من القرآن.
(ثانياً): أن الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدماً زمانياً كاستقبال القبلة فى الصلاة.
(ثالثا): أن المقصود أن يبين شيئان:
أحدهما: أن الانتفاع به بالاهتداء والاتعاظ والرحمة هو وإن كان موجباً له لكن لابد مع الفاعل من القابل، إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلاً له، وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم وهذا حال كل كلام.
(الثانى): أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون، ويستدل بعدم الاهتداء به على عدم الإيمان والتقوى، كما يقال: المتعلمون لكتاب بقراط هم الأطباء، وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه، بل بتعلمه وكما يقال: كتاب سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة، وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه، وكما يقال: هذا مكان موافق للرماة والركاب).
ثانياً: فتاوى مهمة في استماع القرآن
س: هل استماع القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. يدل على الوجوب أو الاستحباب؟
ج - يشرع لكل مسلم عند سماع القرآن في غير الصلاة: أن ينصت له إعظاماً واحتراماً له؛ لينال رحمة الله سبحانه، ويتعظ بمواعظه ويعتبر بعبره، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. وأن لا يعرض عن سماعه وينشغل عنه بغيره مع القدرة على الإنصات، ويتعمد ذلك فيتصف
стр. 144
بصفات كفار قريش الذين قال الله عنهم في إعراضهم عن سماع القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.
وأما في الصلاة فيجب على المأموم أن ينصت عند سماع إمامه يقرأ في الصلاة الجهرية وفي صلاة الجمعة والخطبة والعيدين ونحو ذلك؛ ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا "، وأخرج أصحاب السنن نحوه عن أبي هريرة ﵁. ويستثنى من ذلك قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية، وإن كان الإمام يقرأ؛ لوجوب قراءتها على كل من الأمام والمأموم والمنفرد؛ لمل صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، فيخصص هذا الحديث عموم الآية والحديث السابق فيوجوب الإنصات لقرءة القرآن؛ جمعاً بين الأدلة الثابتة الصحيحة، ولما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خاف رسول الله في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم" قلنا نعم. قال: "لاتفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود بإسناد حسن. (١)
س: ما حكم الاستماع إلى القرآن المذاع في الراديو؟
ج - الراديو آلة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم لما يذاع بها، وإن أذيع من الراديو قرآن أو بيان حق لشرائع الله أو مواعظ ترقق القلوب أو أخبار سياسية عادلة يعرف منها الناس أحوال العباد والبلاد ليكونوا على بينة من أمرهم ومما
стр. 145
يراد بهم، وليتخذوا لأنفسهم موقفاً سليماً ناجحاً ممن يواليهم ويعاديهم، أو أذيع منه أخبار تجارية يعرف منها الناس ما ينفعهم في حياتهم وفي معاشهم على غير هذا من المصالح كان السماع خيراً وقد يكون واجباً أحياناً.
وإن أذيع منه غناء ماجن فيه تخنث أو استهتار، أو أذيع منه أخبار سياسية كاذبة هوجاء سداها قلب الحقائق والتلبيس على الناس ولحمتها بهرج للتهريج وإثارة العواطف بقول الزور والإثم والبهتان إلى مثل هذا من الرذائل كان ما أذيع باطلاً لا يليق بالمسلمين السكوت عنه ولا الاستماع له، اللهم إلا أن يكون من يستمع للأخبار الكاذبة أو الآراء المغرضة والأقوال المنحرفة ممن عندهم وعي ولهم في الأمة شأن ليقوموا بكشف زائفها وبيان دخنها، وقاية للأمة من قائليها، وصيانة لمن يخشى عليه أن ينخدع بزخرفها (١)
س: ما حكم الاستماع إلى القرآن الكريم أثناء مزاولة العمل؟
ج: يجوز للإنسان أن يستمع للقرآن وهو يزاول عمله. (٢)
س: هل يجوز الاشتغال بعمل آخر سواء مذاكرة أو قراءة ... ويوجد في نفس المكان مسجل يقرأ القرآن؟
جـ - قال الشيخ: أبومحمد بن عبد السلام: (الاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع، وهو يقتضي أن لا بأس بالتحدث للمصلحة) (٣).