وقال فى النساء: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً * وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ (١٥٥ - ١٥٦) سورة النساء. إلى آخر القصة فأخبر بذنوبهم التى استحقوا بها ما استحقوه ومنها قولهم: ﴿قُلُوبُنَا﴾.
فعلم أنهم كاذبون فى هذا القول قاصدون به الامتناع من الواجب. ولهذا قال: ﴿بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه﴾ و ﴿طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فهي وإن سمعت الخطاب وفقهته لا تقبله ولا تؤمن به، لا تصديقا له ولا طاعة وإن عرفوه كما قال: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ﴾ (١٤٦) سورة البقرة. فـ ﴿غُلْفٌ﴾ جمع أغلف. وأما (غلف) بالتحريك فجمع غلاف، والقلب الأغلف بمنزلة الأقلف فهم ادعوا ذلك وهم كاذبون فى ذلك، واللعنة: الابعاد عن الرحمة، فلو عملوا به لرحموا، ولكن لم يعملوا به، فكانوا مغضوباً عليهم ملعونين، وهذا جزاء من عرف الحق ولم يتبعه، وفقه كلام الرسل ولم يكن موافقا له بالإقرار تصديقاً وعملاً.
و (الصنف الرابع) الذين سمعوا سماع فقه وقبول فهذا هو السماع المأمور به كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ (٨٣) سورة المائدة، وقال تعالى: ... ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن
стр. 142
ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ (٢٩ - ٣١) سورة الأحقاف.
وقال تعالى: ﴿قُلْ آمِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ إِنَّ الَّذِينَ أُوتُواْ الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً﴾ (١٠٧ - ١٠٨) سورة الإسراء.
وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ (٢) سورة الأنفال.
وقال ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ (١٢٥) سورة التوبة.
وقال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا * وَإِذَآ أَنْعَمْنَا عَلَى الإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَؤُوسًا﴾ (٨٣) سورة الإسراء.
وكذلك قوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِن مَّكَانٍ بَعِيدٍ﴾ (٤٤) سورة فصلت.
ومثله قوله: ﴿هَذَا بَيَانٌ لِّلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١٣٨) سورة آل عمران. فالبيان يعم كل من فقهه والهدى والموعظة للمتقين.
وقوله: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّقَوْمِ يُوقِنُونَ﴾ (٢٠) سورة الجاثية. وقوله: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (١ - ٢) سورة البقرة.
وهنا لطيفة تزيل إشكالا يفهم هنا وهو أنه ليس من شرط هذا التقى المؤمن
стр. 143
أن يكون كان من المتقين قبل سماع القرآن فإن هذا:
(أولاً): ممتنع؛ إذ لا يكون مؤمنا متقياً مَنْ لم يسمع شيئاً من القرآن.
(ثانياً): أن الشرط إنما يجب أن يقارن المشروط لا يجب أن يتقدمه تقدماً زمانياً كاستقبال القبلة فى الصلاة.
(ثالثا): أن المقصود أن يبين شيئان:
أحدهما: أن الانتفاع به بالاهتداء والاتعاظ والرحمة هو وإن كان موجباً له لكن لابد مع الفاعل من القابل، إذ الكلام لا يؤثر فيمن لا يكون قابلاً له، وإن كان من شأنه أن يهدى ويعظ ويرحم وهذا حال كل كلام.
(الثانى): أن يبين أن المهتدين بهذا هم المؤمنون المتقون، ويستدل بعدم الاهتداء به على عدم الإيمان والتقوى، كما يقال: المتعلمون لكتاب بقراط هم الأطباء، وإن لم يكونوا أطباء قبل تعلمه، بل بتعلمه وكما يقال: كتاب سيبويه كتاب عظيم المنفعة للنحاة، وإن كانوا إنما صاروا نحاة بتعلمه، وكما يقال: هذا مكان موافق للرماة والركاب).
ثانياً: فتاوى مهمة في استماع القرآن
س: هل استماع القرآن الكريم في قوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. يدل على الوجوب أو الاستحباب؟
ج - يشرع لكل مسلم عند سماع القرآن في غير الصلاة: أن ينصت له إعظاماً واحتراماً له؛ لينال رحمة الله سبحانه، ويتعظ بمواعظه ويعتبر بعبره، قال الله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (٢٠٤) سورة الأعراف. وأن لا يعرض عن سماعه وينشغل عنه بغيره مع القدرة على الإنصات، ويتعمد ذلك فيتصف
стр. 144
بصفات كفار قريش الذين قال الله عنهم في إعراضهم عن سماع القرآن ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.
وأما في الصلاة فيجب على المأموم أن ينصت عند سماع إمامه يقرأ في الصلاة الجهرية وفي صلاة الجمعة والخطبة والعيدين ونحو ذلك؛ ولما رواه الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ " إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا "، وأخرج أصحاب السنن نحوه عن أبي هريرة ﵁. ويستثنى من ذلك قراءة الفاتحة للمأموم في الصلاة الجهرية، وإن كان الإمام يقرأ؛ لوجوب قراءتها على كل من الأمام والمأموم والمنفرد؛ لمل صح عن النبي ﷺ أنه قال: " لاصلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب "، فيخصص هذا الحديث عموم الآية والحديث السابق فيوجوب الإنصات لقرءة القرآن؛ جمعاً بين الأدلة الثابتة الصحيحة، ولما رواه عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا خاف رسول الله في صلاة الفجر، فقرأ رسول الله ﷺ فثقلت عليه القراءة، فلما فرغ قال: "لعلكم تقرؤون خلف إمامكم" قلنا نعم. قال: "لاتفعلوا إلا بفاتحة الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها" رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود بإسناد حسن. (١)
س: ما حكم الاستماع إلى القرآن المذاع في الراديو؟
ج - الراديو آلة لا حكم لها في نفسها وإنما الحكم لما يذاع بها، وإن أذيع من الراديو قرآن أو بيان حق لشرائع الله أو مواعظ ترقق القلوب أو أخبار سياسية عادلة يعرف منها الناس أحوال العباد والبلاد ليكونوا على بينة من أمرهم ومما
стр. 145
يراد بهم، وليتخذوا لأنفسهم موقفاً سليماً ناجحاً ممن يواليهم ويعاديهم، أو أذيع منه أخبار تجارية يعرف منها الناس ما ينفعهم في حياتهم وفي معاشهم على غير هذا من المصالح كان السماع خيراً وقد يكون واجباً أحياناً.
وإن أذيع منه غناء ماجن فيه تخنث أو استهتار، أو أذيع منه أخبار سياسية كاذبة هوجاء سداها قلب الحقائق والتلبيس على الناس ولحمتها بهرج للتهريج وإثارة العواطف بقول الزور والإثم والبهتان إلى مثل هذا من الرذائل كان ما أذيع باطلاً لا يليق بالمسلمين السكوت عنه ولا الاستماع له، اللهم إلا أن يكون من يستمع للأخبار الكاذبة أو الآراء المغرضة والأقوال المنحرفة ممن عندهم وعي ولهم في الأمة شأن ليقوموا بكشف زائفها وبيان دخنها، وقاية للأمة من قائليها، وصيانة لمن يخشى عليه أن ينخدع بزخرفها (١)
س: ما حكم الاستماع إلى القرآن الكريم أثناء مزاولة العمل؟
ج: يجوز للإنسان أن يستمع للقرآن وهو يزاول عمله. (٢)
س: هل يجوز الاشتغال بعمل آخر سواء مذاكرة أو قراءة ... ويوجد في نفس المكان مسجل يقرأ القرآن؟
جـ - قال الشيخ: أبومحمد بن عبد السلام: (الاشتغال عن السماع بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع، وهو يقتضي أن لا بأس بالتحدث للمصلحة) (٣).
стр. 146
س: ما حكم استماع القرآن الكريم على غير طهارة؟
جـ - يجوز استماع القرآن على غير طهارة سواء كان الإنسان غير متوضئ أو جنباً أو كانت المرأة حائضاً أو نفساء، حيث لا نعلم دليلاً يمنع من ذلك، بل ورد من الأدلة ما يفيد عكس ذلك قال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلاَمَ اللهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَعْلَمُونَ﴾ (٦) سورة التوبة.
فإذا كان المشرك يجوز له أن يسمع كلام الله؛ فمن باب أولى المسلم الموحد على أيه حال.
ومن حديث عائشة أن النبي ﷺ كان يتكئ في حجري وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن (١).
وقال العلامة ابن باز ﵀
(... أما الاستماع لقراءة القرآن فلا حرج في ذلك للجنب، بل يستحب له ذلك؛ لما فيه من الفائدة العظيمة). (٢)
س: ما حكم الاستماع إلى تلاوة النساء في مسابقات القرآن الكريم التي تقام سنوياً في بعض البلاد الإسلامية؟
ج: لا أعلم بأساً في هذا الشيء إذا كان النساء على حدة والرجال على حدة، من غير اختلاط في محل المسابقة، بل يكُنَّ على حدة، مع تسترهن وتحجبهن عن الرجال.
стр. 147
وأما المستمع فإذا استمع للفائدة والتدبر لكلام الله فلا بأس، أما مع التلذذ بأصواتهن فلا يجوز. (١).
س: ما هو موقف المسلم عند سماع آية من المتشابه من الكتاب العزيز؟
جـ - عليه أن يقول ابتداءً كما قال الراسخون في العلم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (٧) سورة آل عمران، ثم يسأل أهل الذكر لقول الله ﵎: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٧) سورة الأنبياء، وعليه أن يحذر من الذين يتبعون هذا المتشابه لقول النبي ﷺ لعائشة ﵂: " إذا رأيت الرجل يتبع المتشابه ويترك المحكم فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم " (٢).
стр. 148
الفصل الثالث
نماذج من استماع القرآن الكريم
وفيه ستة مباحث:
أولا: استماع الله .
ثانيا: استماع الملائكة.
ثالثا: استماع النبي ﷺ .
رابعا: استماع الكفار.
خامسا: استماع الجن.
سادسا: استماع النصارى.
стр. 149
أولاً: استماع الله
عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت أن يتغنى بالقرآن يجهر به " (١).
معنى قول النبي ﷺ " ما أذن الله ... ".
قال الحافظ ابن حجر ﵀ -: (قوله: " أن يتغنى " كذا لهم، وأخرجه أبونعيم من وجه آخر عن يحيى بن بكير شيخ البخاري فيه بدون " أن " وزعم ابن الجوزي أن الصواب حذف " أن " وأن إثباتها وهم من بعض الرواة لأنهم كانوا يروون بالمعنى فربما ظن بعضهم المساواة فوقع في الخطأ لأن الحديث لو كان بلفظ "أن" لكان من الإذن بكسر الهمزة وسكون الذال بمعنى الإباحة والإطلاق، وليس ذلك مراداً هنا وإنما هو من الأَذَن بفتحتين وهو الاستماع وقوله: " أذن " أي: استمع، والحاصل ان لفظ أَذِن بفتحة ثم كسرة في الماضي وكذا المضارع مشترك بين الإطلاق والاستماع، تقول: أذنت آذن بالمد، فإن أردت الإطلاق، فالمصدر بكسرة ثم بسكون، وإن أردت الاستماع فالمصدر بفتحتين:
стр. 150
قال عدي بن زيد:
أيها القلب تعلل بددن ... إن همي في سماع وأذن
أي: في سماع واستماع ....
قلت: (الحافظ): ومع ذلك كله فليس ما أنكره ابن الجوزي بمنكر بل هو موجه، وقد وقع عند مسلم في رواية أخرى كذلك ووجهها عياض بأن المراد الحث على ذلك والأمر به) (١).
قال العلامة ابن القيم ﵀ -:
(والأذن بمعنى الإذن الذي هو إطلاق وإباحة غلط من وجهين:
أحدهما: من اللغة، والثاني: من إحالة المعنى عن وجهه.
أما اللغة فإن الأذن مصدر قوله: أذن فلان لكلام فلان، فهو يأذن: إذا استمع له وأنصت، كما قال تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٢) سورة الإنشقاق، بمعنى سمعت لربها وحُقَّ لها ذلك، كما قال عدي بن زيد:
. . . . . . . . . . . . . ... إن همي في سماع وأذن (٢).
بمعنى، في سماع واستماع. فمعنى قوله: " ما أذن الله لشيء " إنما هو: ما استمع الله لشيء من كلام الناس ما استمع لنبي يتغنى بالقرآن.
وأما الإحالة في المعنى، فلأن الاستغناء بالقرآن عن الناس غير جائز وصفه بأنه مسموع ومأذون فيه انتهى كلام الطبري) (٣).
стр. 151
قال الإمام النووي ﵀ -:
ومعنى أذن في اللغة: الاستماع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (٢) سورة الإنشقاق (١).
هكذا يتضح من خلال عرض أقوال أهل العلم أن معنى (ما أذن الله) أي ما استمع الله، ولكن ما معنى استماع الله؟
قال الإمام القرطبي ﵀ -:
(أصل الأَذَن بفتحتين أن المستمع يميل بأذنه على جهة مَنْ يسمعه، وهذا المعنى في حق الله لا يراد به ظاهره، وإنما هو على سبيل التوسع على ما جرى به عرف المخاطب، والمراد به في حق الله تعالى إكرام القارئ وإجزال ثوابه، لأن ذلك ثمرة الإصغاء.
ووقع عند مسلم من طريق يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة في هذا الحديث: "ما أذن لشيء كأذنه " بفتحتين، ومثله عند ابن أبي داود من طريق محمد بن أبي حفصة عن عمرو بن دينار عن أبي سلمة، وعند أحمد وابن ماجه والحاكم وصححه من حديث فضالة بن عبيدالله: " لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القينة إلى قينته " (٢).
قال الإمام النووي ﵀:
(معنى أذن في اللغة: الاستماع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، قالوا: ولا يجوز أن تحمل ههنا على الاستماع بمعنى
стр. 152
الإصغاء، فإنه يستحيل على الله تعالى، بل هو مجاز (١) ومعناه الكناية عن تقريبه للقارئ وإجزال ثوابه لأن سماع الله لا يختلف فوجب تأويله ...) (٢).
قلنا: غفر الله لعلمائنا الأجلاء (٣) فقد صرفوا اللفظ عن ظاهره فوقعوا في التأويل، وكان الأولى بهم بعد أن أثبتوا أن الأذن هو الاستماع، أن يثبتوا ما يترتب عليه، وهو أن الله يسمع حقيقة أصوات عباده، وعلى وجه الخصوص أصوات قراء القرآن، سمعاً يليق بعظمته وجلاله واقتداره، لا يشابه
стр. 153
صفات خلقه مثل سائر الصفات، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. كما صرح بذلك الحافظ المفسر العلامة ابن كثير ﵀ حيث قال: (ومعناه أن الله تعالى ما استمع لشيء كاستماعه لقراءة نبي يجهر بقراءته ويحسنها وذلك أن يجتمع في قراءة الأنبياء طيب الصوت لكمال خلقهم، وتمام الخشية، وذلك هو الغاية في ذلك، وهو يسمع أصوات العباد كلهم برهم وفاجرهم.
كما قالت عائشة ﵂: (سبحان الذي وسع سمعه الأصوات كلها)، ولكن استماعه لقراءة عباده المؤمنين أعظم.
كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ (٦١) سورة يونس.
ثم استماعه لقراءة أنبيائه أبلغ كما دل عليه هذا الحديث العظيم.
ومنهم مَنْ فسر الأذن هنا بالأمر، والأول أولى؛ لقوله: "ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي يتغنى بالقرآن " أي يجهر به، والأذن: الاستماع؛ لدلالة السياق عليه، وكما قال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاء انشَقَّتْ * وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾ (١ - ٢) سورة الإنشقاق أي: استمعت لربها وحُقَّ لها أن تستمع أمره وتطيعه، فالأذن ههنا هو الاستماع، ولهذا جاء في الحديث رواه ابن ماجه بسند جيد (١) عن فضاله بن عبيد قال: قال رسول الله ﷺ : "لله أشد أذناً إلى الرجل الحسن الصوت بالقرآن من صاحب القَينة إلى قينته " (٢)
стр. 154
ثانيًا: استماع الملائكة
إن الملائكة الكرام يحبون استماع القرآن الكريم، وتحف مجالسه، وأحياناً تتنزل لاستماعه والإنصات إليه، وقد وضحت الأدلة الصحيحة هذا الأمر وبينته بياناً شافياً، فمنها:
استماع الملائكة لقرآن الفجر
قال تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (٧٨) سورة الإسراء.
والمقصود بـ ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾: قال مجاهد: صلاة الفجر.
أي أن القرآن الذي يتلوه الإمام في صلاة الفجر تشهده الملائكة (ملائكة الليل وملائكة النهار)؛ ولذلك كان هدي النبي ﷺ في صلاة الفجر، أنه كان يطيل القراءة فيها أكثر من غيرها من سائر الصلوات، فكان يقرأ فيها ما بين الستين إلى المائة آية.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " فضل صلاة الجمع على صلاة الواحد خمس وعشرون درجة وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الصبح" يقول أبوهريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ (١).
عن أُسَيْد بن حُضَير ﵁ قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وفرسه
стр. 155
مربوطة عنده إذ جالت الفرس، فسكت فسكت، فقرأ فجالت الفرس، فسكت وسكت الفرس، ثم قرأ فجالت الفرس فانصرف، وكان ابنه يحيى قريباً منها فأشفق أن تصيبه، فلما اجْتَرَّهُ رفع رأسه إلى السماء حتى ما يراه، فلما أصبح حدث النبي ﷺ فقال له: "اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير" قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريباً، فرفعت رأسي فانصرفتُ إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثلُ الظُلَّة فيها أمثالُ المصابيح، فخرجتُ حتى لا أراها، قال: " وتدري ما ذاك؟ " قال: لا، قال: " تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأت لأصبحت ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم" (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قوله: " اقرأ يا ابن حضير " أي كان ينبغي أن تستمر على قراءتك، وليس أمراً له بالقراءة في حاله التحديث، وكأنه استحضر صورة الحال فصار كأنه حاضر عنده لما رأى ما رأى، فكأنه يقول: استمر على قراءتك لتستمر لك البركة بنزول الملائكة واستماعها لقراءتك، وفهم أُسَيْد ذلك فأجاب بعذره في قطع القراءة أن تطأ الفرس ولدي، ودل سياق الحديث على محافظة أسيد على خشوعه في صلاته لأنه كان يمكنه أول ما جالت الفرس أن يرفع رأسه، وكأنه كان بلغه حديث النهي عن رفع المصلي رأسه إلى السماء فلم يرفعه حتى اشتد به الخطب؛ ويحتمل أن يكون رفع رأسه بعد انقضاء صلاته فلهذا تمادى به الحال ثلاث مرات. ووقع في رواية ابن أبي ليلى المذكورة " اقرأ أبا عتيك " وهي كنية أسيد. قوله: " دنت لصوتك " في رواية إبراهيم بن سعد " تستمع لك " وفي رواية ابن كعب المذكورة " وكان أسيد حسن الصوت" وفي رواية يحيى بن أيوب عن يزيد بن الهاد
стр. 156
عند الإسماعيلي أيضاً " اقرأ أسيد فقد أوتيت من مزامير آل داود " وفي هذه الزيادة إشارة إلى الباعث على استماع الملائكة لقراءته.
قال الإمام النووي ﵀:
وفي هذا الحديث جواز رؤية آحاد الأمة للملائكة، كذا أطلق، وهو صحيح لكن الذي يظهر التقييد بالصالح مثلاً والحسن الصوت، قال: وفيه فضيلة القراءة وأنها سبب نزول الرحمة وحضور الملائكة.
قلت (الحافظ ابن حجر): الحكم المذكور أعم من الدليل فالذي في الرواية إنما نشأ عن قراءة خاصة من سورة خاصة بصفة خاصة، ويحتمل من الخصوصية ما لم يذكر، وإلا لو كان على الإطلاق لحصل ذلك لكل قارئ.
وقد أشار في آخر الحديث بقوله: " ما يتوارى منه " إلى أن الملائكة لاستغراقهم في الاستماع كانوا يستمرون على عدم الاختفاء الذي هو من شأنهم، وفيه منقبة لأسيد بن حضير، وفضل قراءة سورة البقرة في صلاة الليل، وفضل الخشوع في الصلاة، وأن التشاغل بشيء من أمور الدنيا ولو كان من المباح قد يفوت الخير الكثير فكيف لو كان بغير الأمر المباح) (١).
استماع الملائكة القرآن من ثابت بن قيس ﵁ -
قيل لرسول الله ﷺ : ألم تر ثابت بن قيس بن شماس لم تزل داره البارحة تزهر مصابيح؟ قال: "فلعله قرأ سورة البقرة" قال: فسئل ثابت؟ فقال: قرأت سورة البقرة. (٢)
стр. 157
استماع الملائكة القرآن من قارئه
وبَيّنَ النبي ﷺ أن الملائكة تحف مجالس القرآن تستمع وتنصت فقال: " ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده" (١).
عن علي ﵁ قال: أمرنا بالسواك وقال: (إن العبد إذا قام يصلي أتاه مَلَكٌ فقام خلفه يستمع القرآن ويدنو، فلا يزال يستمع ويدنو حتى يضع فاه على فيه، فلا يقرأ آية إلا كانت في جوف المَلَك) (٢).
ثالثاً: استماع النبي ﷺ -
لقد كان النبي ﷺ يحب استماع القرآن الكريم ويطلب من غيره أن يسمعه القرآن، ويقف أحياناً فترات طويلة ينصت ويستمع لقراءة أحد أصحابه من ذوي الأصوات الحسنة الجميلة.
استماع النبي ﷺ القرآن من ابن مسعود ﵁ -
فقد صح عن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: قال لي رسول الله ﷺ :"اقرأ عليَّ القرآن" فقلت: يارسول الله! اقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال:" إني أحب أن أسمعه من غيري" فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾ (٤١) سورة النساء. قال: " حسبك الآن" فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان (٣).
стр. 158
قال ابن بطال: (يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سنة، ويحتمل أن يكون ليتدبره ويتفهمه، وذلك أن المستمع أقوى على التدبر، ونفسه أخلى وأنشط لذلك من القارئ لاشتغاله بالقراءة وأحكامها، وهذا بخلاف قراءته هو ﷺ على أُبَيّ بن كعب لما تقدم في المناقب وغيرها (١) فإنه أراد أن يعلمه كيفية أداء القراءة ومخارج الحروف ونحو ذلك (٢).
وعن ابن مسعود قال: دخل رسول الله ﷺ المسجد وهو بين أبي بكر وعمر وإذا ابن مسعود يصلي وإذا هو يقرأ النساء فانتهى إلي رأس المائة فجعل ابن مسعود يدعو وهو قائم يصلي. فقال النبي ﷺ : " اسأل تعطه، اسأل تعطه، ثم قال: مَنْ سَرَّه أن يقرأ القرآن غضاً كما أُنْزِل فليقرأه بقراءة ابن أم عبد "، فلما أصبح غدا إليه أبو بكر ﵁ ليبشره، وقال له: ما سألت الله البارحة؟ قال: قلت: اللهم إني أسألك إيماناً لا يرتد، ونعيماً لاينفد، ومرافقة نبينا محمد ﷺ في أعلى جنة الخلد. ثم جاء عمر ﵁ فقيل له: إن أبا بكر قد سبقك، قال: يرحم الله أبا بكر ما سبقته إلى خير قط إلا سبقني إليه (٣).
стр. 159
استماع النبي ﷺ القرآن من سالم مولى أبي حذيفة ﵁ -
وعن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: أبطأتُ على عهد الرسول ﷺ ليلة بعد العشاء ثم جئت فقال: " أين كنت؟ " قلت: كنت أستمع قراءة رجل من أصحابك لم أسمع مثل قراءته وصوته من أحد. قالت: فقام وقمت معه حتى استمع له ثم التفت إليَّ فقال: " هذا سالم مولى أبي حذيفة، الحمد لله الذي جعل في أمتي مثل هذا" (١).
استماع النبي ﷺ القرآن من أبي موسى ﵁ -
وعن أبي موسى ﵁ أن النبي ﷺ قال له: " يا أباموسى، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود " (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قوله: " يا أبا موسى، لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود " كذا وقع عنده مختصراً من طريق بُرَيد، وأخرجه مسلم من طريق طلحة بن يحيى عن أبي بردة بلفظ «لو رأيتني وأنا أستمع قراءتك البارحة ... " الحديث. وأخرجه أبويعلى من طريق سعيد بن أبي بردة عن أبيه بزيادة فيه (أن النبي ﷺ وعائشة مَرَّا بأبي موسى وهو يقرأ في بيته، فقاما يستمعان لقراءته، ثم إنهما مضياً. فلما أصبح لقي أبوموسى رسول الله ﷺ فقال: " يا أباموسى، مررت بك" فذكر الحديث فقال: " أما إني لو علمت بمكانك لحبرته لك تحبيراً".
стр. 160
ولابن سعد من حديث أنس بإسناد على شرط مسلم (أن أبا موسى قام ليلة يصلي، فسمع أزواج النبي ﷺ صوته - وكان حلو الصوت - فقمن يستمعن، فلما أصبح قيل له، فقال: " لو علمت لحبرته لهن تحبيراً " ...
قال الخطابي: قوله: " آل داود " يريد داود نفسه، لأنه لم ينقل أن أحداً من أولاد داود، ولا من أقاربه، كان أعطي من حسن الصوت ما أعطي) (١).
استماع النبي ﷺ القرآن من الأشعريين ﵁ -
عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إني لأعرف أصوات رفقة الأشعريين بالقرآن. حين يدخلون بالليل، وأعرف منازلهم من أصواتهم، بالقرآن بالليل. وإن كنت لم أر منازلهم حين نزلوا بالنهار. ومنهم حكيم إذا لقى الخيل أو لقى العدو قال لهم: إن أصحابي يأمرونكم أن تنظروهم ". (٢)
استماع النبي ﷺ القرآن من جبريل ﵇
عن ابن عباس ﵄ قال: (كان النبي ﷺ أجود الناس بالخير، وأجود ما يكون في شهر رمضان، لأنه جبريل كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ، يعرض عليه رسول الله ﷺ القرآن، فإذا لقيه جبريل كان أجود بالخير من الريح المرسلة) (٣).
قال الحافظ ابن حجر: (أول نزول جبريل بالقرآن كان في شهر رمضان، وأن جبريل كان يعارض النبي ﷺ بالقرآن في شهر رمضان وفي ذلك حكمتان: إحداهما: تعاهده.
стр. 161
والأخرى: تبقية ما لم ينسخ منه ورفع ما نسخ فكان رمضان ظرفاً لإنزاله جملةً وتفصيلاً وعرضاً وأحكاماً) (١).
وقال أيضاً: (والمعارضة: مفاعلة من الجانبين كأن كلاً منهما كان تارة يقرأ والآخر يستمع) (٢).
رابعاً: استماع الكفار
لم يكن النبي ﷺ وصحابته وحدهم الذين يستمعون القرآن، ويتأثرون به، بل العجيب أن الكفار والمشركين - على الرغم من كفرهم وشركهم - كانوا كذلك يحبون استماع القرآن، ويصغون إليه أحياناً؛ لما للقرآن من سيطرة على النفوس، وتأثير على القلوب.
استماع زعماء قريش للقرآن
روى البيهقي (٣) أن جماعة من الكفار والمشركين كانوا يتسللون في ظلام الليل ليسمعوا القرآن من رسول الله ﷺ وهو يصلي بالليل في بيته، وقد أخذ كل واحد منهم مجلسه ليستمع فيه، وكل لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون القرآن، حتى إذا أصبحوا وطلع الفجر، إذا بهم يتفرقون فيجمعهم الطريق فيتساءلون أين كنتم؟ فيقولون: كنا نسمع القرآن من محمد بن عبد الله ﷺ فتلاوموا على ذلك وقال بعضهم لبعض: لا تعودوا لمثل هذا، فلو رآكم بعض سفائكم لأوقعتم في نفسه
стр. 162
شيئاً، وتعاهدوا على عدم العودة إلى سماع القرآن مرة أخرى، وعلى الرغم من ذلك، تكرر منهم هذا الأمر مرتين بعد ذلك؛ لسيطرة القرآن على قلوبهم، وتأثرهم بآياته ولكن يمنعهم الكبر والحسد أن يؤمنوا برسول الله ﷺ وتمنوا أن ينزل القرآن على عظيم من العظماء من القريتين (مكة والطائف) قال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ (٣١) سورة الزخرف.
استماع الوليد بن المغيرة للقرآن
عن ابن عباس ﵄ أن الوليد بن المغيرة جاء إلى رسول الله ﷺ فقرأ عليه القرآن فكأنه رَقَّ له، فبلغ ذلك أباجهل فأتاه، فقال: يا عم! إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالاً قال: لم؟ قال: ليعطوكه فأنت أتيت محمداً تعرض لما قبله، قال: قد علمت قريش أني أكثرها مالاً، قال: فقل فيه قولاً يبلغ قومك أنك منكر لما قال. قال: وماذا أقول، فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيدة مني، ولا بأشعار الجن مني، والله ما يشبه الذي يقول شيئاً من هذا ووالله إن لقوله الذي يقوله حلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله، وأنه ليعلو ولا يعلى، وأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرضى عنك قولك حتى تقول فيه قال: قف عني حتى أفكر فيه. فلما فكر، قال: إن هذا إلا سحر يؤثر يأثره عن غيره فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَّمْدُودًا * وَبَنِينَ شُهُودًا * وَمَهَّدتُّ لَهُ تَمْهِيدًا * ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلَّا إِنَّهُ كَانَ لِآيَاتِنَا عَنِيدًا * سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا ...﴾ [المدثر:١١ - ٣٠] (١).
стр. 163
استماع نساء المشركين وأبنائهم للقرآن
عن عروة بن الزبير؛ أن عائشة زوج النبي ﷺ ؛ قالت: " لم أعقل أبوي إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله ﷺ طرفي النهار بكرة وعشياً. ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجداً بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيقف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين " (١).
استماع عتبة بن ربيعة للقرآن
عن محمد بن كعب القرظي قال: حُدِّثت أن عتبة بن ربيعة وكان سيداً قال يوماً، وهو في نادي قريش!، ورسول الله ﷺ جالس في المسجد وحده: يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أموراً لعله يقبل بعضها فنعطيه أيها شاء ويكف عنا؟ وذلك حين أسلم حمزة ﵁ ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون، فقالوا: بلى يا أبا الوليد! قم إليه، فكلمه، فقام إليه عتبة، حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال: يا ابن أخي!، إنك منا حيث قد علمت من السطة (المنزلة الرفيعة) في العشيرة، والمكان في النسب، وأنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت بة جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من
стр. 164
مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أموراً تنظر فيها، لعلك تقبل منها بعضها قال: فقال رسول الله ﷺ :" قل يا أبا الوليد! أسمع " قال: يا ابن أخي!، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالاً جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالاً، وإن كنت تريد به شرفاً سودناك علينا، حتى لا نقطع أمراً دونك، وإن كنت تريد به ملكاً ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئياً (كانوا يُسمون التابع من الجن رئياً) تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يُداوي منه - أو كما قال له - حتى إذا فرغ عتبة ورسول الله ﷺ يستمع منه، قال: " أقد فرغت يا أباالوليد؟ ". قال: نعم، قال: "فاسمع مني" قال: أفعل، فقال: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾ (١ - ٤) سورة فصلت
ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبه أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمداً عليهما، يسمع منه، قم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها فسجد (١)، ثم قال: " قد سمعت يا أباالوليد! ما سمعت، فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبوالوليد بغير الوجه الذي ذهب به. فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أباالوليد؟ قال: ورائي أني سمعت قولاً، والله ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالسحر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها بي، وخلوا بين هذا
стр. 165
الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على العرب فمُلْكُه مُلْكُكُم، وعِزُّه عِزُّكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه، فاصنعوا ما بدا لكم.
وفي رواية أخرى أن عتبه استمع حتى جاء الرسول ﷺ إلى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِّثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ (١٣) سورة فصلت فقام مذعوراً، فوضع يده على فم رسول الله ﷺ يقول: أنشدك الله والرحم! وذلك مخافة أن يقع النذير، وقام إلى القوم فقال ما قال (١).
ومن هذا المنطلق - ألا وهو تأثير القرآن على النفوس، وسيطرته علي القلوب - بدأ الكفار والمشركون يخططون لصرف الناس عن استماع القرآن، حتى لايحولهم من الكفر إلى الإيمان، ومن الظلمات إلى النور، فإذا بهم يتواصون فيما بينهم أن محمداً ﷺ ساحر، وأن قوله سحر يفرق بين الناس فلا يسمعوا منه شيئًا
стр. 166
مخافة أن يسحرهم بكلماته، وذلك حكاه القرآن عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ (٢٦) سورة فصلت.
وأخذ الكفار يشيعون هذا الخبر في القبائل المجاورة، بل وفي الوفود التي تفد إلى مكة في مواسم الحج.
استماع الطفيل بن عمرو الدوسي للقرآن
وتحكى لنا كتب السيرة قصة رجل من اليمن من قبيلة دوس قدم مكة عام (١١) من النبوة ألا وهو الطفيل بن عمرو الدوسي ﵁ فاستقبله أهل مكة قبل وصوله إليها، وبذلو له أجل تحية وأكرم تقدير، وقالوا له: يا طفيل!، إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل بين أظهرنا قد أعضل بنا، وقد فرِّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وأبيه، وبين الرجل وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمعن منه شيئاً.
يقول الطفيل: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت ألا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوت أذني حين غدوت إلى المسجد كُرْسفًا (قطناً)؛ فرقًا من أن يبلغني شيئ من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا هو قائم يصلي عند الكعبة فقمت قريباً منه، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلت في نفسي، واثكل أمي، والله إني رجل لبيب شاعر ما يخفى علىَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول؟ فإذا كان حسناً قبلته، وإن كان قبيحاً رددته، فمكثت حتى انصرف إلى بيته، فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فعرضت عليه قصة مقدمي، وتخويف الناس إياي، وسد الأذن بالكُرْسف، ثم سماع بعض كلامه، وقلت
стр. 167
له: اعرض عليَّ أمرك، فعرض عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فوالله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق (١).
استماع جبير بن مطعم للقرآن
عن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: (سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالطور فما سمعت أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه).
وفي رواية: فلما وصل قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ (٣٥) سورة الطور. كاد قلبي أن يطير (٢).
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
(وكان جبير لما سمع هذا بعد مشركاً على دين قومه وإنما كان قدم في فداء الأسارى بعد بدر، وناهيك بمن تؤثر قراءته في المشرك المصر على الكفر فكان هذا سبب هدايته: ولهذا كان أحسن القراءات ما كان بخشوع القلب) (٣).
стр. 168
حادثة سجود المشركين عند استماع القرآن
عن ابن عباس ﵄ قال: (سجد النبي ﷺ بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (١).
لم تكن علة سجود المشركين مع الرسول ﷺ تلك المقالة التي يقولون أن الشيطان ألقاها على لسان رسول الله وهو يتلو القرآن (تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى) (والغرانيق): الطير البيض المعروفة، واحدها: غرنوق، ويزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض فتشفع عنده لعابديها، قبحهم الله ما أكفرهم، ومسألة الغرانيق مع استحالتها شرعاً، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. قال ابن كثير: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح. وقال الشوكاني: لم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، وعن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وقال ابن خريمة هذه القصة من وضع الزنادقة) (٢).
سبحان الله العظيم! لم يتمالك المشركون أنفسهم عندما تلا النبي ﷺ على مسامعهم سورة النجم كاملة إلا أن يخروا سجداً لله رب العالمين؛ وذلك لبلاغة القرآن وتأثيره على نفوسهم.
فما بال المنتسبين إلى هذا الدين يسمعون القرآن ولا يحرك فيهم ساكنا، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
стр. 169
خامساً: استماع الجن
لقد وردت الأدلة من القرآن والسنة الصحيحة على أن الجن يستمعون القرآن، بل ويتأثرون بسماعه، وبوعده ووعيده، حتى يدفعهم إلى الدعوة للقرآن والإيمان برسول الله ﷺ .
استماع الجن للقرآن
قال تعالى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
(يقول الله تعالى آمراً رسوله ﷺ أن يخبر قومه أن الجن استمعوا القرآن، فآمنوا به، وصدقوه وانقادوا له) (١).
قال تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِم مُّنذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنزِلَ مِن بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُّسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَن لَّا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِن دُونِهِ أَولِيَاء أُوْلَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ (٢٩ - ٣٢) سورة الأحقاف.
قال سيد قطب ﵀: (قصة النفر من الجن الذين استمعوا لهذا القرآن، فتنادوا بالإنصات، واطمأنت قلوبهم إلى الإيمان، وانصرفوا إلى قومهم منذرين يدعونهم إلى الله ويبشرونهم بالغفران والنجاة، ويحذرونهم الإعراض
стр. 170
والضلال. سياقة الخبر في هذا المجال، بهذه الصورة، وتصوير مس القرآن لقلوب الجن هذا المس الذي يتمثل في قولهم: (أنصتوا) عندما طرق أسماعهم، يتمثل فيما حكوه لقومهم عنه، وفيما دعوهم إليه. كل هذا من شأنه أن يحرك قلوب البشر، الذي جاء القرآن لهم في الأصل وهو إيقاع مؤثر ولا شك، يلفت هذه القلوب لفتة عنيفة عميقة) (١).
عن ابن عباس ﵄ قال: (انطلق النبي ﷺ في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ (٢)، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأُرسلتْ عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم، قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، قالوا: ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك الذين توجهوا نحو تهامة إلى النبي ﷺ وهو بنخلة عامدين إلى سوق عكاظ، وهو والله الذي حال بينكم وبين
стр. 171
خبر السماء، فهناك حين رجعوا إلى قومهم، فقالوا: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُّشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ (١ - ٢) سورة الجن.
فأنزل الله على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِّنَ الْجِنِّ﴾ وإنما أوحي إليه قول الجن) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وفي الحديث إثبات وجود الشياطين والجن وأنهما لمسمى واحد، وإنما صارا صنفين باعتبار الكفر والإيمان، فلا يقال لمن آمن منهم إنه شيطان. وفيه أن الصلاة في الجماعة شرعت قبل الهجرة. وفيه مشروعيتها في السفر. والجهر بالقراءة في صلاة الصبح، وأن الاعتبار بما قضي الله للعبد من حسن الخاتمة لا بما يظهر منه من الشر ولو بلغ ما بلغ، لأن هؤلاء الذين بادروا إلى الإيمان بمجرد استماع القرآن لو لم يكونوا عند إبليس في أعلى مقامات الشر ما اختارهم للتوجه إلى الجهة التي ظهر له أن الحدث الحادث من جهتها، ومع ذلك فغلب عليهم ما قضى لهم من السعادة بحسن الخاتمة، ونحو ذلك قصة سحرة فرعون) (٢).
قال الحافظ ابن كثير ﵀ بعد ما أورد الطرق والروايات التي تفيد استماع الجن للقرآن:
(فهذه الطرق كلها تدل على أنه ﷺ ذهب إلى الجن قصداً فتلا عليهم القرآن ودعاهم إلى الله وشرع الله تعالى لهم على لسانه ماهم محتاجون إليه في ذلك الوقت وقد يحتمل أن أول مرة سمعوه يقرأ القرآن لم يشعر بهم كما قال
стр. 172
ابن عباس ﵄ (ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم)، ثم بعد ذلك وفدوا إليه كما رواه ابن مسعود ﵁ وأما ابن مسعود ﵁ فإنه لم يكن مع النبي ﷺ حال مخاطبته الجن ودعائه إياهم وإنما كان بعيداً منه ولم يخرج مع النبي ﷺ أحد سواه ومع هذا لم يشهد حال المخاطبة، هذه طريقة البيهقي، وقد يحتمل أن يكون أول مرة خرج إليهم لم يكن معه ﷺ ابن مسعود ﵁ ولا غيره كما هو ظاهر سياق الرواية الأولى من طريق الإمام أحمد وهي عند مسلم، ثم بعد ذلك خرج معه ليلة أخرى والله أعلم) (١).
سجود الجن عند استماع القرآن
عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ سجد بالنجم، وسجد معه المسلمون والمشركون والجن والإنس) (٢).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
قوله (والجن) كأن ابن عباس استند في ذلك إلى إخبار النبي ﷺ إما مشافهة له، وإما بواسطة، لأنه لم يحضر القصة لصغره، وأيضاً فهو من الأمور التي لا يطلع الإنسان عليها إلا بتوقيف، وتجويز أنه كشف له عن ذلك بعيد لأنه لم يحضرها قطعاً) (٣).
استماع الجن لسورة الرحمن
عن جابر ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ على أصحابه فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: «لقد قرأتها على الجن ليلة فكانو
стр. 173
أحسن مردوداً منكم، كنت كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: "ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد" (١).
قال الحافظ ابن كثير ﵀: موضحاً حكمة اختيار سورة الرحمن لقراءتها على الجن (وقرأ عليهم (الجن) السورة التي فيها خطاب الفريقين (الإنس والجن) وتكليفهم ووعدهم ووعيدهم وهي سورة الرحمن) (٢).
وقال أيضاً في موضع آخر في معرض حديثه عن مؤمن الجن هل يدخل الجنة أم لا؟
(الصحيح أن مؤمني الجن كمؤمني الإ نس يدخلون الجنة كما هو مذهب جماعة من السلف، لقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ * فَبِأَيِّ آلَاء رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ (٤٦ - ٤٧) سورة الرحمن.
فقد امتن الله تعالى على الثقلين بأن جعل جزاء محسنهم الجنة، وقد قابلت الجن هذه الآية بالشكر القولي أبلغ من الإنس فقالوا: ولا بشيء من آلائك ربنا نكذب فلك الحمد، فلم يكن تعالى ليمتن عليهم بجزاء لا يحصل لهم، وأيضاً فإنه إذا كان يجازي كافرهم بالنار وهو مقام عدل فلأن يجازى مؤمنهم بالجنة وهو مقام فضل بطريق الأولى والأحرى) (٣).
стр. 174
سادساً: استماع النصارى
لقد أخبرنا القرآن أن النصاري استمعوا له، وتأثروا به، مما دفعهم إلى الإيمان بالرسول ﷺ والدخول في الإسلام، بعدما فاضت أعينهم بالدمع مما عرفو من الحق.
تأثر النصارى عند استماع القرآن
قال تعالى: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الَّذِينَ قَالُوَاْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ (٨٢) وَإِذَا سَمِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٨٣) وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ بِاللهِ وَمَا جَاءنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَن يُدْخِلَنَا رَبَّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ﴾ (٨٤) ﴿فَأَثَابَهُمُ اللهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاء الْمُحْسِنِينَ﴾ (٨٢ - ٨٥) سورة المائدة (١).
لقد ضرب أولئك القوم المثل الصالح، والقدوة الحسنة، عند استماع القرآن، فلو نظرت إليهم لوجدتهم:
стр. 175
١ - أهل التواضع وعدم الكبر.
٢ - التدبر لما يسمع.
٣ - البكاء والخشية عند استماع القرآن.
٤ - الاستجابة السريعة، وذلك يتضح في سرعة إيمانهم بالله
٥ - الدعاء الصالح بعد العمل الصالح.
٦ - مراقبة الله في السر والعلن، ولذا وصفهم الله بالمحسنين
٧ - جزاؤهم يوم القيامة جنات تجري من تحتها الأنهار.
استماع النجاشي وأساقفته للقرآن الكريم
وهذه قصة أخرى في استماع النصاري للقرآن، وتأثرهم به، ترويها لنا أم المؤمنين أم سلمة ﵄ وذلك عندما هاجر المسلمون بدينهم إلى الحبشة فراراً من أذى الكفار والمشركين، ولكنه عز على المشركين أن يجد المهاجرون مأمناً لأنفسهم ودينهم، فاختارو رجلين جلدين لبيبين، وهما: عمرو بن العاص وعبد الله ابن أبي ربيعة - قبل أن يُسْلمَا - وأرسلوا معهما الهدايا المستطرفة للنجاشي ولبطارقته، وبعد أن ساق الرجلان تلك الهدايا إلى البطارقة، وزوداهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون، وبعد أن اتفقت البطارقة أن يشيرو على النجاشي بإقصائهم، حضرا إلى النجاشي، وقدما له الهدايا ثم كلماه، فقالا له: أيها الملك، إنه قد ضوى إلى بلدك غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم، وعاتبوهم فيه.
стр. 176
وقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعاً، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً ما كان، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلو ابه في ديني أو دين أحد من هذه الملل؟
قال جعفر بن أبي طالب: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، نأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ماجاء من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم: فقال النجاشي: فاقرأه عليَّ. فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى والله النجاشي
стр. 177
حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعو ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا - يخاطب عمرو وعبد الله - فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون، فخرجا ... " (١).
стр. 178
الفصل الرابع
صور من هجر استماع القرآن
وفيه ثلاثة مباحث:
١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن.
٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن.
٣ - استماع الغناء.
стр. 179
١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن
قال الحافظ السيوطي ﵀ في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الإبتداع:
(ومن ذلك البدع): الصياح والتغشي عند سماع القرآن والوعظ. وقد صح من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون» (١). ولم يقل صرخنا ولا غشينا، كما يفعله الجاهلون أهل البدع)
قال محقق الكتاب: (قال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن، وسمع ذكر الله، سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله، وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم. ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﷺ .
وقال عمر بن عبد العزيز: ذُكِرَ عند ابن سيرين الذين يُصْرَعون، إذا قرىء عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت، باسطاً رجليه، ثم يُقْرَأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه، فهو صادق.
стр. 180
وأحوال الصحابه ومن تبعهم بإحسان: الخوف والوجل عند ذكر الله، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، كأنهم بين يديه.
فهذ وصف حالهم، وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، فمن كان مستناً، فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون، فهو من أخسهم حالاً، والجنون فنون) (١).
٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن
(ومن العادات السيئة التي انتشرت بين الناس بلا نكير شرب الدخان في مجلس القرآن، على الرغم من أن المقام مقام عبادة لله تعالى بسماع كلامه، والتدبر في معانيه، ومقام تعلم وتفهم لأوامره ونواهيه، فكيف يعرض فيه العبد عن سيده، ويتشاغل عنه بشهوته؟!
وينبغي أن يجتنب اللهو وشرب الدخان حال سماع القرآن من المذياع كما يجتنب ذلك حال سماعه من القارىء في المجلس، إذ لا فرق عندنا بين الحالين. فالمتلو فيهما قرآن، والمجلس مجلس سماعه وموطن عبادة لله. واللهو والشرب للدخان ملهاة عنها، وإعراض إلى مافيه حظ النفس وشهوتها) (٢).