وقالت البطارقة: صدقا أيها الملك، فأسلمهم إليهما، فليرداهم إلى قومهم وبلادهم ولكن رأى النجاشي أنه لابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعاً، فأرسل إلى المسلمين، ودعاهم، فحضروا، وكانوا قد أجمعوا على الصدق كائناً ما كان، فقال لهم النجاشي: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلو ابه في ديني أو دين أحد من هذه الملل؟
قال جعفر بن أبي طالب: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة، نأتي الفواحش ونقطع الأرحام، ونسىء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منا، نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنات وأمرنا أن نعبد الله وحده، لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام - فعدد عليه أمور الإسلام - فصدقناه، وآمنا به، واتبعناه على ماجاء من دين الله، فعبدنا الله وحده، فلم نشرك به شيئاً، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله تعالى، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ فقال جعفر: نعم: فقال النجاشي: فاقرأه عليَّ. فقرأ عليه صدراً من (كهيعص) فبكى والله النجاشي
стр. 177
حتى اخضلت لحيته، وبكت أساقفته حتى اخضلوا مصاحفهم حين سمعو ما تلا عليهم، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا - يخاطب عمرو وعبد الله - فلا والله لا أسلمهم إليكما ولا يكادون، فخرجا ... " (١).
стр. 178
الفصل الرابع
صور من هجر استماع القرآن
وفيه ثلاثة مباحث:
١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن.
٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن.
٣ - استماع الغناء.
стр. 179
١ - الصياح والغشي عند استماع القرآن
قال الحافظ السيوطي ﵀ في كتابه الأمر بالاتباع والنهي عن الإبتداع:
(ومن ذلك البدع): الصياح والتغشي عند سماع القرآن والوعظ. وقد صح من حديث العرباض بن سارية ﵁ قال: «وعظنا رسول الله ﷺ موعظة، وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون» (١). ولم يقل صرخنا ولا غشينا، كما يفعله الجاهلون أهل البدع)
قال محقق الكتاب: (قال سعيد بن عبد الرحمن الجمحي: مر ابن عمر برجل من أهل القرآن ساقط، فقال: ما بال هذا؟ قالوا: إنه إذا قرىء عليه القرآن، وسمع ذكر الله، سقط. فقال ابن عمر: إنا لنخشى الله، وما نسقط. ثم قال: إن الشيطان ليدخل في جوف أحدهم. ما كان هذا صنيع أصحاب محمد ﷺ .
وقال عمر بن عبد العزيز: ذُكِرَ عند ابن سيرين الذين يُصْرَعون، إذا قرىء عليهم القرآن، فقال: بيننا وبينهم أن يقعد أحدهم على ظهر بيت، باسطاً رجليه، ثم يُقْرَأ عليه القرآن من أوله إلى آخره، فإن رمى بنفسه، فهو صادق.
стр. 180
وأحوال الصحابه ومن تبعهم بإحسان: الخوف والوجل عند ذكر الله، وذلك لقوة إيمانهم ومراعاتهم لربهم، كأنهم بين يديه.
فهذ وصف حالهم، وحكاية مقالهم، ومن لم يكن كذلك فليس على هديهم، ولا على طريقتهم، فمن كان مستناً، فليستن، ومن تعاطى أحوال المجانين والجنون، فهو من أخسهم حالاً، والجنون فنون) (١).
٢ - شرب الدخان في مجلس القرآن
(ومن العادات السيئة التي انتشرت بين الناس بلا نكير شرب الدخان في مجلس القرآن، على الرغم من أن المقام مقام عبادة لله تعالى بسماع كلامه، والتدبر في معانيه، ومقام تعلم وتفهم لأوامره ونواهيه، فكيف يعرض فيه العبد عن سيده، ويتشاغل عنه بشهوته؟!
وينبغي أن يجتنب اللهو وشرب الدخان حال سماع القرآن من المذياع كما يجتنب ذلك حال سماعه من القارىء في المجلس، إذ لا فرق عندنا بين الحالين. فالمتلو فيهما قرآن، والمجلس مجلس سماعه وموطن عبادة لله. واللهو والشرب للدخان ملهاة عنها، وإعراض إلى مافيه حظ النفس وشهوتها) (٢).
стр. 181
٣ - الاستماع إلى الغناء
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(وقد تواتر عن الشافعي أنه قال: (خلفت ببغداد شيئاً أحدثته الزنادقة، يسمونه التغبير (١) يصدون به الناس عن القرآن).
فإذا كان هذا قوله في التغبير، وتعليله أنه يصد عن القرآن
- فليت شعري - ما يقول في سماع التغبير عنده كتفلة في بحر. قد اشتمل على كل مفسدة وجمع كل محرم (٢).
قال الإمام المناوي: يا لها من صفقة في غاية الخسران حيث باع سماع الخطاب من الرحمن بسماع المعازف والألحان، والجلوس على منابر الدر والياقوت بالجلوس في مجالس الفسوق.
قال الإمام ابن القيم: فمن خواصه - أي الغناء - أنه يلهي القلب ويصده عن فهم القرآن وتدبره والعمل بما فيه، فإن القرآن والغناء لا يجتمعان في القلب أبداً. لما بينهما من التضاد.
فإن القرآن ينهى عن اتباع الهوى، ويأمر بالعفة، ومجانية شهوات النفوس، وأسباب الغي، وينهى عن اتباع خطوات الشيطان والغناء بأمر بضد ذلك كله. (٣)
стр. 182
أدلة تحريم سماع الغناء
١ - قال الله : ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ (٦) سورة لقمان.
قال ابن مسعود: (واللهو هنا الغناء)، وكذلك قال عكرمة ومجاهد والحسن وسعيد بن جبير وقتادة وإبراهيم.
٢ - قال تعالى: ﴿وَأَنتُمْ سَامِدُونَ﴾ (٦١) سورة النجم قال ابن عباس: هو الغناء، وكذلك قال مجاهد، يقول أهل اليمن: سمد فلان إذا غني.
٣ - قال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ (٦٤) سورة الإسراء
قال مجاهد هو الغناء والمزامير.
٤ - قال ﷺ : "ليكونن من أمتي قوم يستحلون الحر (الفرج) والحرير والخمر والمعازف" (١)، والمعازف هي آلات اللهو كلها، لا خلاف بين أهل اللغة في ذلك.
٥ - قال ﷺ : "ليشربن ناس من أمتي الخمر، يسمونها بغير اسمها، يعزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف الله بهم الأرض، ويجعل منهم قردة وخنازير" (٢).
وقد توعد مستحلي المعازف فيه بأن يخسف الله بهم الأرض، ويمسخهم قردة وخنازير.
٦ - قال ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في القلب، كما ينبت الماء البقل، وقال الفضيل بن عياض: الغناء رقية الزنا، وقال الضحاك: الغناء مفسدة للقلب، مسخطة للرب.
стр. 183
٧ - قال الحافظ السيوطي ﵀: ومن ذلك ما أحدث من السماع والرقص والوجد، وفاعل ذلك ساقط المرءوة، عاص لله ولرسوله، وهو محظور.
وبعد فقد عرفت - أخي الحبيب - حكم استماع الغناء وأنه يجلب سخط الرحمن، فهل ترضى لنفسك بعد ذلك أن تكون من أصحاب الصفقات الخاسرة، فينبغي للعاقل أن ينصح نفسه وإخوانه ويحذرهم مكائد الشيطان، ولولا خوف الإطالة، لاستقصينا ماورد في ذلك، ولكن العاقل الفطن الموفق، من قبل نصح الناصح بأخصر عبارة عرف الحق، واتبعه بأدنى إشارة.
стр. 184
الباب الثالث
هجر تدبر القرآن
وفيه ثلاثة فصول:
الفصل الأول: تدبر القرآن (معناه - حكمه - فوائده).
الفصل الثاني: أسباب هجر تدبر القرآن وكيف أتدبر القرآن؟
الفصل الثالث: التدبر في القرآن والسنة وسير السلف الصالح.
стр. 185
الفصل الأول
تدبر القرآن الكريم
وفيه ثلاثة مباحث:
أولاً: معنى التدبر.
ثانياً: حكم التدبر.
ثالثاً: فوائد تدبر القرآن وثمراته.
стр. 186
أولاً: معنى التدبر
التدبر لغةً:
كلمة التدبر في اللغة: مصدر فعله الماضي (تَدَبَّر) وهو فعل مزيد اشتق من الفعل الماضي (دَبَر)، ومضارعه (يَدْبُر)، والمصدر (دَبْراً، ودُبُوراً) (١).
(الدُّبر) و (الدَّبُر) مخففاً ومثقلاً.
و (التدبير) في الأمر: النظر إلى ما تؤول إليه عاقبته. (٢)
و (تدبر الأمر): رأى في عاقبته ما لم ير في صدره، ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ (٦٨) سورة المؤمنون، أي: ألم يتفهموا ما خوطبوا به في القرآن (٣).
تدبر القرآن اصطلاحاً:
قال العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي ﵀:
(وهو - أي تدبر القرآن -: التأمل في معانيه، وتحديق الفكر فيه، وفي مبادئه وعواقبه، ولوازم ذلك) (٤).
стр. 187
ثانياً: حكم التدبر
إن تدبر القرآن الكريم من أجل الطاعات، وأفضل القربات، وأسمى العبادات؛ لأنه من خلاله يفهم الإنسان مراد الله ؛ ولهذا قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص.
قال العلامة السعدي ﵀:
(أي هذه الحكمة من إنزاله؛ ليتدبر الناس آياته فيستخرجوا علمها، ويتأملوا أسرارها وحكمها ... وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة القراءة التي لا تحصل هذا المقصود) (١).
قال الإمام القرطبي ﵀:
(وفي هذا دليل على وجوب معرفة معاني القرآن، ودليل على أن الترتيل أفضل من الهذ (٢)، إذ لا يصح التدبر مع الهذ، قال الحسن: تدبر آيات الله اتباعها) (٣).
قال الإمام الزركشي ﵀: (كراهة قراءة القرآن بلا تدبر).
تكره قراءة القرآن بلا تدبر، وعليه حُمِل حديث عبد الله بن عمرو: "لا يفقه مَنْ قرأ القرآن في أقل من ثلاث " (٤).
وقول ابن مسعود لمن أخبره أنه يقوم بالقرآن في ليلة: أهذاً كهذ الشعر (٥). وكذلك قوله ﷺ في صفة الخوارج: " يقرءون القرآن لا يجاوز تراقيهم
стр. 188
ولا حناجرهم" (١) ذمهم بإحكام لفظه، وترك التفهم لمعانيه) (٢).
قارئ القرآن الجاهل بمعانيه مأجور
أداوم على قراءة القرآن لكنني لا أفهم معانيه .. فهل أثاب من الله على ذلك؟
قال الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين ﵀:
(القرآن الكريم مبارك كما قال الله - تعالى -: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص. فالإنسان مأجور على قراءته سواءً أفهم معناه أم لم يفهم ... لكن لا ينبغي للمؤمن أن يقرأ قرآناً مكلفاً بالعمل به دون أن يفهم معناه، فالإنسان لو أراد أن يتعلم الطب مثلاً ودرس كتب الطب فإنه لا يمكن أن يستفيد منها حتى يفهم معناها وتُشرح له، بل هو يحرص كل الحرص على أن يفهم معناها من أجل أن يطبقها، فما بالك بكتاب الله الذي هو شفاء لما في الصدور وموعظة للناس أن يقرأه الإنسان بدون تدبر وبدون فهم لمعناه ... ولهذا كان الصحابة - رضوان الله عليهم - لا يتجاوزون عشر آيات حتى يتعلموها وما فيها من العلم والعمل، فالإنسان مثاب ومأجور على قراءة القرآن سواء أفهم معناه أم لم يفهم، ولكن ينبغي له أن يحرص كل الحرص على فهم معناه، وأن يتلقى هذا المعنى من العلماء الموثوقين، مثل: تفسير ابن جرير، وتفسير ابن كثير، وغيرهما ...) (٣).
стр. 189
ثالثاً: فوائد تدبر القرآن وثمراته
قال الإمام ابن القيم ﵀ في فوائد تدبر القرآن الكريم:
(فلا تزال معانيه تنهض العبد إلى ربه بالوعد الجميل، وتحذره وتخوفه بوعيده من العذاب الوبيل، وتحثه على التخفف من عناء اليوم الثقيل، وتهديه في ظلم الآراء والمذاهب إلى سواء السبيل، وتصده عن اقتحام طرق البدع والأضاليل، وتبعثه على الازدياد من النعم بشكر ربه الجليل، وتبصره بحدود الحلال والحرام وتوقفه عليها لئلا يتعداها فيقع في العناء الطويل، وتثبت قلبه عن الزيغ والميل عن الحق والتحويل، وتسهل عليه الأمور الصعاب، والعقبات الشاقة غاية التسهيل، وتنادي عليه كلما فترت عزماته، وونى في سيره: تقدم الركب وفاتك الدليل. فاللحاق اللحاق، والرحيل الرحيل، وتحدو به، وتسير أمامه سير الدليل. وكلما خرج عليه كمين من كمائن العدو أو قاطع من قطاع الطريق نادته: الحذر الحذر، فاعتصم بالله، واستعن به، وقل حسبي الله ونعم الوكيل. وفي تأمل القرآن وتدبره، وتفهمه أضعاف ما ذكرنا من الحكم والفوائد). (١)
قال العلامة السعدي ﵀: (فإن في تدبر القرآن:
١ - مفتاحاً للعلوم والمعارف، وبه يستنتج كل خير، وتستخرج منه جميع العلوم.
٢ - وبه يزداد الإيمان في القلب، وترسخ شجرته.
٣ - فإنه يُعَرِّفُ بالرب المعبود، وما له من صفات الكمال، وما يتنزه عنه من سمات النقص.
стр. 190
٤ - وبه يُعْرَفُ الطريق الموصلة إليه، وصفة أهلها، وما لهم عند القدوم عليه.
٥ - وبه يُعْرَفُ العدو الذي هو العدو على الحقيقة، والطريق الموصلة إلى العذاب، وصفة أهلها، وما لهم عند وجود أسباب العقاب.
٦ - وكلما ازداد العبد تأملاً في القرآن ازداد علماً، وعملاً، وبصيرة.
ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه يصل به العبد إلى درجة اليقين، والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، فترى الحكم والقصة والأخبار تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضاً؛ وبذلك يُعْلمُ كمال القرآن، وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور. فذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء. أي: فلما كان من عند الله؛ لم يكن فيه اختلاف أصلاً) (١).
قال سيد قطب ﵀: (تدبر القرآن يزيل الغشاوة، ويفتح النوافذ، ويسكب النور، ويحرك المشاعر، ويستجيش القلوب، ويخلص الضمير، وينشئ حياة للروح تنبض بها وتشرق وتستنير) (٢).
(ومن فوائد تدبر القرآن:
- معرفة الرب ومعرفة عظيم سلطانه وقدرته والتلذذ بالنظر إليه يوم القيامة.
- تحقيق العبودية لله - تعالى -.
стр. 191
- فيه تربية للعقول.
- فيه شفاء لما في الصدور.
- الأجر الكثير والربح الوفير.
- الهداية والتوفيق والنور، والراحة والطمأنينة.
- ذكر الله للمتدبر، وغشيان الملائكة، ونزول السكينة والرحمة.
- حصن من الشيطان) (١).
فهذه بعض فوائد تدبر القرآن الكريم، وثمراته الزكية، فأين أنت منها؟ (فسبحان الله! ماذا حُرم المعرضون عن نصوص الوحي، واقتباس العلم من مشكاته من كنوز الذخائر؟! وماذا فاتهم من حياة القلوب واستنارة البصائر؟! قنعوا بأقوال استنبطتها معاول الآراء فِكْراً، وتقطعوا أمرهم بينهم لأجلها زُبَراً، وأوحى بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً؛ فاتخذوا لأجل ذلك القرآن مهجوراً). (٢)
стр. 192
الفصل الثاني
هجر تدبر القرآن
وفيه مبحثان:
أولاً: أسباب هجر تدبر القرآن.
ثانياً: كيف نتدبر القرآن الكريم؟
стр. 193
أولاً: أسباب هجر تدبر القرآن الكريم
قل مَنْ يقرأ القرآن، وقل مِنْ هؤلاء القارئين مَنْ يتدبر القرآن، ويقف مع وعده ووعيده؛ حتى تتحقق له الدعوة إلى الطاعة، والزجر عن المعصية، فإذ بالقرآن - الذي لو أنزله الله على الجبال الرواسي الشامخات لتصدعت من خشية الله - إذا به يقرأ، وآيات الوعد والوعيد تسمع، ولكن قلوب قاسية، وأبدان جامدة، وأعين متحجرة، فلا قلب يخشع، ولا بدن يخضع، ولا عين تدمع.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀:
(مَنْ لم يقرأ القرآن فقد هجره، ومَنْ قرأ القرآن ولم يتدبره فقد هجره، ومَنْ تدبر القرآن ولم يعمل به فقد هجره) (١).
وترجع (ظاهرة) هجر تدبر القرآن إلى أسباب كثيرة منها:
١ - الذنوب والمعاصي.
٢ - ترك الدعاء
٣ - الجهل باللغة العربية.
٤ - التخلي عن موانع الفهم.
٥ - هجر كتب التفسير.
стр. 194
وإليك بيان هذه الأسباب بشيء من التفصيل:
أولاً: الذنوب والمعاصي
من عقوبات الذنوب والمعاصي أنها تصرف القلب عن صحته واستقامته إلى مرضه وانحرافه، فلا يزال مريضاً معلولاً لا ينتفع بالأغذية التي بها حياته وصلاحه، فإن تأثير الذنوب في القلوب كتأثير الأمراض في الأبدان، قال تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (١٤) سورة المطففين. قال العلماء: هو الذنب بعد الذنب حتى يطبع على قلب صاحبها فيكون من الغافلين، ويحرم من العلم؛ ولذلك قال الله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. فينبغي لمن أراد أن يتدبر القرآن أن يبتعد عن الذنوب والمعاصي (وبخاصة التي تتعلق بأدوات ووسائل التدبر: القلب والسمع واللسان والبصر. فاستخدام هذه الأدوات في الحرام يعرضها لعدم الانتفاع بها في الحق قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ (٢٥) سورة الأنعام. وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِّمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ (٥) سورة فصلت.
فذكر الله غطاء القلب وهو الأكنة، وغطاء الأذن وهو الوقر، وغطاء العين وهو الحجاب، فالحجاب يمنع من رؤية الحق، والأكنة تمنعه من فهمه، والوقر يمنعه من
سماعه) (١).
لما جلس الإمام الشافعي ﵀ بين يدي الإمام مالك ﵀، وقرأ عليه، أعجبه ما رأى من وفور فطنته، وتوقد ذكائه، وكمال فهمه؛ فقال له: (إن الله - تعالى - قد ألقى على قلبك نوراً، فلا تطفئه بظلمة المعصية).
стр. 195
ومما ورد عن الشافعي ﵀ قوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأن العلم نور ... ونور الله لا يؤتاه عاص
ومما سبق يتضح أن الذنوب والمعاصي من أعظم الأسباب التي تحول بين العبد وتدبر القرآن الكريم (١).
ثانياً: ترك الدعاء
إن الدعاء سلاح المؤمن في جميع أموره، ولذلك فإن سير الأنبياء والصالحين مليئة بالأدعية الصالحة المستجابة، وكان السلف الصالح إذا استعصى عليهم فهم آية من كتاب الله وتدبرها، لجأوا إلى الله بالتضرع والدعاء مع تخير الأوقات المناسبة للإجابة، وسنذكر بعضاً من سيرهم في ذلك:
يذكر الحافظ ابن كثير ﵀ في سياق هجرة عمر بن الخطاب مع عياش بن ربيعة وهشام بن العاص ﵃ (ولقد حبس الكفار هشاماً عن الهجرة، واستطاع أبوجهل أن يرد عياشاً إلى مكة بعد حيلة ماكرة وخطة غادرة ... وقد كان شائعاً بين المسلمين أن الله لا يقبل ممن افتتن توبة، وكانوا يقولون ذلك لأنفسهم حتى قدم رسول الله ﷺ المدينة، وأنزل الله ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ * وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٣ - ٥٥) سورة الزمر. قال عمر: وكتبتها وبعثت بها إلى
стр. 196
هشام بن العاص. قال هشام: فلما أتتني جعلت أقرؤها بذي طوى أصعد بها وأصوب، ولا أفهمها؛ حتى قلت: اللهم فهمنيها؛ فألقى الله في قلبي أنها إنما أنزلت فينا وفيما كنا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، قال: فرجعت إلى بعيري فجلست عليه فلحقت برسول الله ﷺ بالمدينة) (١).
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يقول في دعائه دائماً: (اللهم يا معلم آدم وإبراهيم علمني، ويا مفهم سليمان فهمني) فيجد الفتح في ذلك (٢). فالزم - أخي الحبيب - الدعاء دائماً، وسل الله من فضله أن يرزقك فهم كتابه، وتدبر معانيه، وقل: (اللهم إني عبدك ابن عبدك، ابن أمتك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدلٌ فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحداً من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب همي) (٣).
ثالثاً: الجهل باللغة العربية
إن الله - تعالى - أنزل القرآن الكريم بلغة العرب قال تعالى:
﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ﴾ (١٠٣) سورة النحل، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾ (١٩٢ - ١٩٥) سورة الشعراء.
قال الإمام ابن كثير ﵀:
(وذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات،
стр. 197
وأبينها، وأوسعها، وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس؛ فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات) (١).
وبَيَّنَ اللهُ - تعالى - الحكمة من إنزاله بلغة العرب فقال: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (٢) سورة يوسف. ﴿قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ (٢٨) سورة الزمر. ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (٣) سورة فصلت.
وإذا كان العبد لا يعرف لغة العرب ولا أساليب كلامهم؛ فأنى له أن يفهم مقصود ربه أو يتدبر آيات القرآن الكريم) (٢).
ذكر الإمام القرطبي ﵀:
(أن أعرابياً قدم المدينة فقال: مَنْ يقرئني مما أُنْزِلَ على محمد ﷺ ؟ فأقرأه رجل سورة براءة حتى أتى على الآية الكريمة: ﴿وَأَذَانٌ مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ أَنَّ اللهَ بَرِيءٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ﴾ (٣) سورة التوبة. فقرأها عليه بالجر ﴿وَرَسُولِهِ﴾ - أي بالكسرة تحت اللام -، فقال الأعرابي: وأنا أيضاً أبرأ من رسوله، فاستعظم الناس الأمر. وبلغ ذلك عمر فدعاه، فقال: يا أعرابي! أتبرأ من رسول الله ﷺ ؟! فقال: يا أمير المؤمنين! قدمت المدينة فأقرأني رجل سورة براءة، فقلت: إن يكن الله برئ من رسوله فأنا أبرأ منه. فقال عمر: ما هكذا الآية يا أعرابي!. قال: فكيف يا أمير المؤمنين؟ فقرأها عمر عليه بالضم ﴿وَرَسُولُهُ﴾. فقال الأعرابي: وأنا أبرأ مما برئ اللهُ ورسولُه منه. فأمر عمر ألا يُقْرِئُ الناس إلا عالمٌ بلغة العرب) (٣).
стр. 198
كيف يفهم المسلم كتاب ربه، ويتدبره وهو لا يعرف قواعد اللغة العربية، ولا يميز بين الاسم والفعل والحرف، ولا الفاعل من المفعول، وغيرها مما يتوقف عليه فهم الخطاب، فمثلاً كيف يفهم قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ (١٢٤) سورة البقرة. أو قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾ (٢٨) سورة فاطر
رابعاً: عدم التخلي عن موانع الفهم
(وموانع الفهم كثيرة منها:
١ - أن يكون الهم منصرفاً إلى تحقيق الحروف بإخراجها من مخارجها، وعدم التفكر في معاني كلام الله ، بحيث يحرص كل الحرص على ترديد الحرف وتكراره وذلك لأن الشيطان يخيل إليه أنه لم يخرج الحرف من مخرجه، ولم يعطه حقه في النطق.
٢ - أن يكون المسلم مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه، وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة، فهذا إن سمع تفسيراً للآية غير ما سمع، إذا به يرده من غير تردد: مثل مَنْ عرف أن تفسير قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) سورة طه. أن معنى: ﴿اسْتَوَى﴾ استولى. واستقر ذلك في نفسه حتى صار عقيدة راسخة له، فإذا به لو عرف بعد ذلك أن معنى: ﴿اسْتَوَى﴾ ليس استولى وأنه خلاف الحق والصواب الذي عليه جمهور السلف الصالح، وأن معناها الحقيقي: استقر وعلا وارتفع، فإذ به يرد هذا المعنى الحق، ولا يقبله، وأحياناً يعادي ويبغض من يدعو إليه.
стр. 199
٣ - أن يكون المسلم مُصِّراً على ذنب، أو متصفاً بكبر، أو مبتلى - في الجملة - بهوى في الدنيا، فإن ذلك يسبب ظلمة القلب وصدئه، وقد شرط الله الإنابة في الفهم والتذكير، فقال تعالى: ﴿تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُّنِيبٍ﴾ (٨) سورة ق. وقال : ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ﴾ (١٣) سورة غافر. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ﴾ (١٩) سورة الرعد. فالذي آثر غرور الدنيا على نعيم الآخرة فليس من ذوي الألباب؛ ولذلك لا تنكشف له أسرار الكتاب) (١).
خامساً: هجر كتب التفسير
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀: (إني لأعجب ممن قرأ القرآن ولم يعلم تأويله - تفسيره - كيف يلتذ بقراءته) (٢).
كيف يتدبر القرآن من هجر كتب تفسير القرآن ولم يطالعها ويدارسها، ولم يعرف أسباب النزول ... وغيرها من علوم القرآن، وغالباً لا يسلم صاحب هذا المنهج من الخطأ في فهم الآيات، والاستدلال بها، والخطأ في العمل والتطبيق.
عن أسلم أبي عمران التجيبي قال: (كنا بمدينة الروم، فأخرجوا إلينا صفاً عظيماً من الروم، فخرج إليهم من المسلمين مثلهم أو أكثر، وعلى أهل مصر عقبة بن عامر، وعلى الجماعة فُضَالة بن عُبيد، فحمل رجل من المسلمين على صف الروم، حتى دخل عليهم فصاح الناس، وقالوا: سبحان الله! يلقي بيديه إلى التهلكة! فقام أبوأيوب الأنصاري فقال: (يا أيها الناس إنكم لتأولون هذه الآية هذا التأويل؛ وإنما نزلت هذه الآية فينا معشر الأنصار، لما أعز الله الإسلام، وكثر ناصروه، فقال بعضنا
стр. 200
لبعض سراً دون رسول الله ﷺ : إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، وكثر ناصروه، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منها، فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ يرد علينا ما قلنا: ﴿وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ (١٩٥) سورة البقرة. فكانت التهلكة الإقامة على الأموال، وإصلاحها، وتَرْكنا الغزو، فما زال أبوأيوب شاخصاً في سبيل الله حتى دُفِنَ بأرض الروم) (١).
فتأمل - أخي الحبيب - كيف تأول بعض التابعين الآية على غير مراد الله، وهم من أفضل القرون، وأقرب إلى عصر التنزيل، فكيف بنا في هذا الزمان وقد صارت الألسن أقرب إلى لسان العجم منها إلى لسان العرب؛ فما أحوجنا - نحن المسلمين - إلى دراسة كتب التفسير ليحصل لنا فهم كلام الله وبخاصة ما يسمى (التفسير بالمأثور) ومن أشهر هذه الكتب: تفسير الإمام الطبري، وتفسير الإمام البغوي، وتفسير الإمام ابن كثير، وتفسير الدر المنثور للسيوطي، وتفسير الإمام الشوكاني ...
وإليك نماذج من كتاب الله - جل وعلا - يوهم ظاهرها التعارض، وبالرجوع إلى كتب التفسير يزول هذا الإشكال، ويُدْفَعُ هذا الإيهام والتعارض وصدق الله إذ يقول: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء (٢).
стр. 201
النموذج الأول: الهداية هدايتان:
قال الله - تعالى - عن وصف رسوله ﷺ : ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (٥٢) سورة الشورى. وقال في موضع آخر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٥٦) سورة القصص. في الآية الأولى أثبت الله لرسوله ﷺ الهداية، وفي الآية الثانية نفى عنه ذلك، فكيف نوفق بينهما؟
بالرجوع إلى كتب التفسير يتبين لنا أن الهداية هدايتان:
أ - هداية الدلالة والإرشاد: وهذه هي المثبتة في حق النبي ﷺ فهو يهدي: أي يدل ويرشد ويبين الصراط المستقيم، والطرق الموصلة إليه، وكذلك القرآن الكريم، فقد قال - تعالى -: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (٩) سورة الإسراء.
ب - هداية التوفيق والسداد: وهذه هي المنفية عن النبي ﷺ وعن غيره فهي خاصة بالله فهو وحده الذي يوفق ويسدد من يستحق إلى الهداية والصلاح.
النموذج الثاني: أين الله ؟
قال تعالى: ﴿أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء﴾ (١٦) سورة الملك. ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاء إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ (٨٤) سورة الزخرف. ويقول ﴿وَهُوَ اللهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ (٣) سورة الأنعام. في الآية الأولى ذكر الله عن نفسه أنه في السماء، وفي الآيتين الثانية والثالثة ربما يفهم البعض منهما أن الله في السماء والأرض، ومن ثم في كل مكان!
وبالرجوع إلى كتب التفسير يتضح أن الآية الأولى: تثبت عقيدة أهل السنة
стр. 202
والجماعة من الصحابة والتابعين والأئمة والصالحين أن الله - تعالى - في السماء كما أخبر مستوٍ على عرشه قال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ (٥) سورة طه (١).
وأما الآية الثانية: فلا علاقة لها بموضوع المكان، وإنما تتحدث عن العبودية لله ، فإن لفظ ﴿إِلَهٌ﴾ تعني: المعبود بحق، فمعنى الآية إذن: أن الله معبود من في السماء كما أنه معبود مَنْ في الأرض. وأما الآية الثالثة: تتناول قضية العلم فمعناها: أن الله يعلم ما في السموات والأرض.
ثانياً: كيف نتدبر القرآن الكريم ؟
يتم ذلك من خلال طريقين: العلمي، والعملي.
أولاً: الطريق العلمي: وذلك من خلال أن يعرف المسلم قيمة تدبر القرآن الكريم، وعِظَم مكانته، وكثرة فوائده، وأن تدبر القرآن سبيل إلى العلم النافع، والعمل الصالح، وطريق إلى حياة القلوب.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
فتدبر القرآن إن رمت الهدى ... فالعلم تحت تدبر القرآن (٢)
قال إبراهيم الخواص:
(دواء القلب خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتدبر، خلاء البطن، قيام الليل، التضرع عند السحر، مجالسة الصالحين) (٣).
إن المحروم مَنْ حُرِمَ تدبر القرآن، وأُغْلِقَ عليه فهم آياته، ومعرفة معانيه،
стр. 203
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. قال علي بن أبي طالب ﵁: (لا خير في عبادة لا علم فيها، ولا خير في علم لا فقه فيه، ولا خير في قراءة لا تدبر معها).
تفكر عمرو بن مرة في مَثَل من أمثال القرآن فلم يتبين له معناه، فجعل يبكي، فسئل ما يبكيك؟ فقال: (إن الله يقول: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ (٤٣) سورة العنكبوت. وأنا لم أعقل المثل فلست بعالم فأبكي على ضياع العلم مني) (١).
ثانياً: الطريق العملي: وذلك باتباع الخطوات الآتية:
١ - الالتزام بآداب التلاوة وبخاصة الإخلاص والطهارة والسواك والاستعاذة واختيار المكان المناسب ... وقد سبق ذكرها بشيء من التفصيل في هجر التلاوة.
٢ - تفريغ القلب من الشواغل ، والتخلي عن موانع الفهم وبخاصة الذنوب والمعاصي، والغفلة والكبر .. ، والعمل على صلاح القلوب وطهارتها عن طريق الذكر والتسبيح والاستغفار، والإنابة والتوبة، والتخلص من فضول الطعام والمنام والنظر والمخالطة.
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(فإذا أردت الانتفاع بالقرآن فاجمع قلبك عند تلاوته، وألقِ سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه سبحانه لك على لسان رسوله ﷺ ، وذلك أن تمام التأثير، لما كان موقوفاً على مُؤَثِّرٍ مُقْتَضٍ، ومَحْلٍ قَابل، وشرط لحصول الأثر، وانتفاء المانع الذي يمنع منه: تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ وأبينه، وأدله على المراد.
стр. 204
فقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (٣٧) سورة ق. وهذا هو المؤثر. وقوله: ﴿لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ فهذا هو المحل القابل، والمراد به: القلب الحي الذي يعقل عن الله، كما قال - تعالى -: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ * لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ (٦٩ - ٧٠) سورة يس. أي: حَيّ القلب.
وقوله: ﴿أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: وَجَّه سمعه وأصغى حاسة سمعه إلى ما يُقَال، وهذا هو شرط التأثير بالكلام. وقوله: ﴿وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ أي: شاهد القلب حاضر غير غائب.
قال ابن قتيبة: استمع لكتاب الله وأنت شاهد القلب والفهم، ليس بغافل ولا ساه. وهو إشارة إلى المانع من حصول التأثير وهو: سهو القلب وغيبته عن تعقل ما يقال له، والنظر فيه وتأمله.
فإذا حصل المؤثر: وهو القرآن.
والمحل القابل: وهو القلب الحي.
ووجد الشرط: وهو الإصغاء.
وانتفى المانع: وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب، وانصرافه إلى شيء آخر , حصل الأثر: وهو الانتفاع بالقرآن والتذكر) (١).
٣ - ترتيل القرآن ، قال تعالى: ﴿أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ (٤) سورة المزمل. إن ترتيل القرآن يساعد على تدبر الآيات، وفهم معانيها.
стр. 205
قال ابن عباس ﵄: (لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إليَّ من أن أقرأ القرآن كله).
وعن مجاهد أنه سُئلَ عن رجلَين: قرأ أحدهما البقرة وآل عمران، والآخر قرأ البقرة وحدها، وزمنهما وركوعهما وسجودهما وجلوسهما سواء، قال: الذي قرأ البقرة وحدها أفضل) (١).
وأكثر العلماء يستحبون الترتيل في القراءة ليتدبره القارئ ويفهم معانيه.
عن حفصة ﵂: (كان الرسول ﷺ يقرأ بالسورة فيرتلها حتى تكون أطول منها) (٢).
٤ - ترديد الآية حتى يتحصل على التدبر
عن عائشة ﵂ قالت: قام النبي ﷺ بآية من القرآن ليلة (٣).
وعن أبي ذر ﵁ قال: قام النبي ﷺ بآية يرددها حتى أصبح، الآية ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١١٨) سورة المائدة (٤).
وقام قتادة بن النعمان ﵁ الليل لا يقرأ إلا ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ يرددها لا يزيد عليها. (٥)
وعن تميم الداري ﵁ أنه كرر هذه الآية حتى أصبح ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ
стр. 206
اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢١) سورة الجاثية. (١)
٥ - التفاعل مع الآيات، وإظهار الحزن والتأثر، أثناء القراءة
قال رسول الله ﷺ : "إن من أحسن الناس صوتاً بالقرآن الذي إذا سمعتموه يقرأ حسبتموه يخشى الله " (٢).
ولقد ورد في سنن ابن ماجه بإسناد ضعيف (٣) " اقرءوا القرآن وابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا " فإن لم يتأثر الإنسان بالقراءة، وتبكي عينه، وتقشعر جوارحه، فعليه أن يتظاهر بالحزن والبكاء على الحرمان من ذلك، فإنه من أعظم المصائب.
عن حذيفة بن اليمان ﵄ قال: (صليت مع النبي ﷺ ذات ليلة، فافتتح (البقرة) فقلت: يركع عند المائة، ثم مضى، فقلت: يصلي بها في ركعة، فمضى، فقلت: يركع بها، ثم افتتح (النساء) فقرأها، ثم افتتح (آل عمران) فقرأها، يقرأ مسترسلاً، وإذا مَرَّ بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مَرَّ بآية سؤال سأل، وإذا مَرَّ بتعوذ تعوذ) (٤).
قال الإمام النووي ﵀:
(يستحب هذا السؤال والاستعانة، والتسبيح لكل قارئ سواء كان في الصلاة أو خارج منها ...) (٥).
стр. 207
الفصل الثالث
المقامات العليا في التدبر
وفيه ثلاثة مباحث:
أولاً: التدبر في القرآن الكريم.
ثانيًا: تدبر الرسول ﷺ .
ثالثًا: تدبر القرآن في سير السلف الصالح.
стр. 208
أولاً: التدبر في القرآن الكريم
لقد أمر الله بتدبر القرآن الكريم في آيات كثيرة نستعرضها بشيء من التفسير والتوضيح.
الحث على التدبر
قال تعالى: ﴿أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ (٨٢) سورة النساء.
قال الإمام ابن جرير الطبري ﵀:
(أفلا يتدبرون يا محمد كتاب الله، فيعلموا حجة الله عليهم في طاعتك، واتباع أمرك، وأن الذي أتيتهم من التنزيل من عند ربهم لاتساق معانيه، وائتلاف أحكامه، وتأييد بعضه بعضاً للتصديق، وشهادة بعضه لبعضه بالتحقيق، فإن ذلك لو كان من عند غير الله، لاختلفت أحكامه، وتناقضت معانيه، وأبان بعضه عن فساد بعض) (١).
قال الإمام ابن الجوزي ﵀:
(قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه التناقض، قاله ابن عباس، وابن زيد، والجمهور.
الثاني: الكذب، قاله مقاتل، والزجاج.
стр. 209
الثالث: أنه اختلاف تفاوت من جهة بليغ من الكلام، ومرذول، إذ لابد للكلام إذا طال من مرذول، وليس في القرآن إلا بليغ، ذكره الماوردي في جماعة) (١).
القلب وتدبر القرآن
قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد.
قال الإمام ابن الجوزي ﵀: ﴿أَمْ﴾ بمعنى: بل، وذكر الأقفال استعارة، والمراد أن القلب يكون كالبيت المقفل لا يصل إليه الهدى، قال مجاهد: الران أيسر إلى الطبع، والطبع أيسر من الإقفال، والإقفال أشد ذلك كله) (٢).
عن هشام بن عروة عن أبيه ﵁ قال: (تلا رسول الله ﷺ يوماً ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ (٢٤) سورة محمد. فقال شاب من أهل اليمن: بل عليها أقفالها حتى يكون الله تعالى يفتحها أو يفرجها. فما زال الشاب في نفس عمر ﵁ حتى ولي فاستعان به) (٣).
و تنكير القلوب: يتضمن إرادة قلوب هؤلاء وقلوب مَنْ هم بهذه الصفة، ولو قال: أم على القلوب أقفالها، لم تدخل قلوب غيرهم في الجملة.
تهويل حال القلوب وتفظيع شأنها بإبهام أمرها في القساوة والجهالة، كأنه قيل: على قلوب منكرة لا يعرف حالها، ولا يقدر قدرها في القساوة.
أو: لأن المراد بها قلوب بعض منهم، وهم المنافقون، فلم يحتج إلى تعريف القلوب، لأنه معلوم أنها قلوب من ذكر) (٤).
стр. 210
بركة القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص.
قال الإمام ابن كثير ﵀:
(ولما كان القرآن يرشد إلى المقاصد الصحيحة، والمآخذ العقلية الصريحة؛ قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٢٩) سورة ص. أي: ذو العقول وهي الألباب جمع (لُب) وهو العقل، قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه، وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله ما يُرَى له القرآن في خُلُقٍ ولا عَمَلٍ. رواه ابن أبي حاتم) (١)
عظمة القرآن الكريم
قال تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ (٢١) سورة الحشر
قال الإمام ابن كثير ﵀:
(يقول تعالى معظماً لأمر القرآن، ومبيناً علو قدره، وأنه ينبغي أن تخشع له القلوب، وتتصدع عند سماعه؛ لما فيه من الوعد الحق، والوعيد الأكيد: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾. أي: فإذا كان الجبل في غلظته وقساوته لو فهم هذا القرآن فتدبر ما فيه؛ لخشع وتصدع من خشية الله ، فكيف يليق بكم أيها البشر أن لا تلين قلوبكم؟! وتخشع وتتصدع من خشية الله؟! وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ
стр. 211
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) سورة البقرة) (١).
تدبر القرآن من صفات المؤمنين:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢٣) سورة الزمر.
قال الإمام ابن كثير ﵀:
(وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه:
أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات.
الثاني: أنهم إذا تُلِيَتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ
стр. 212
عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢ - ٤) سورة الأنفال، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٧٣) سورة الفرقان. أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين، لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها؛ فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم.
الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله - تعالى - من تلاوة رسول الله ﷺ ، تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية مالا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة ٠ قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان.
قال السدي: (﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ﴾ أي: إلى وعد الله، وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾) (١).
стр. 213
عتاب من الله للمؤمنين
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٦ - ١٧) سورة الحديد.
قال الإمام ابن كثير ﵀:
(يقول تعالى أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له، وتطيعه.
قال عبد الله بن مسعود ﵁ (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين) (١).
وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ نهى الله - تعالى - المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول الأمل؛ بدلوا كتاب الله، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؛ فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة.
وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيه إشارة إلى أن الله - تعالى - يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى
стр. 214
بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة، المجدبة، الهامدة، بالغيث الهتان، الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويلج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال) (١).
ثانياً: تدبر الرسول ﷺ للقرآن الكريم
لقد بلغ الرسول ﷺ الدرجة العليا، والمقام الأسمى، في تدبر القرآن الكريم، وهذه بعض حالاته مع القرآن من صحيح السنة النبوية:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " اقرأ عليَّ القرآن " فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال: " إني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، قال: " حسبك الآن ". فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان) (٢).
عن عطاء قال: (دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵂ فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ . فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: " يا عائشة! ذريني أتعبد لربي "، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام، فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال
стр. 215
يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (١٩٠) سورة آل عمران (١).
عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " شيبتني هود وأخواتها " (٢).
عن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر ﵁: يارسول الله!، قد شبت، قال: " شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت " (٣).
قال العلماء: (لعل ذلك لما فيهن من التخويف الفظيع، والوعيد الشديد؛ لاشتمالهن مع قصرهن على حكاية أهوال الآخرة، وفظائعها، وأحوال الهالكين والمعذبين، مع ما في بعضهن من الأمر بالاستقامة) (٤).
ثالثاً: تدبر القرآن في سير السلف الصالح
ينبغي لمن أراد تدبر القرآن الكريم، وفهم معانيه، ومعرفة وأحكامه، أن ينظر في سير السلف الصالح، وأن يعرف أحوالهم مع القرآن الكريم؛ حتى يكون دافعاً قوياً له أن يتشبه بهم، فإن التشبه بالصالحين فلاح.