← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17066

فتح الرحمن في بيان هجر القرآن

محمود الملاح

Полный текст (360 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ وَمَا اللهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ (٧٤) سورة البقرة) (١). تدبر القرآن من صفات المؤمنين: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (٢٣) سورة الزمر. قال الإمام ابن كثير ﵀: (وقوله تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ أي: هذه صفة الأبرار، عند سماع كلام الجبار، المهيمن العزيز الغفار، لما يفهمون منه من الوعد والوعيد، والتخويف والتهديد، تقشعر منه جلودهم من الخشية والخوف ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ الله﴾ لما يرجون ويؤملون من رحمته ولطفه، فهم مخالفون لغيرهم من الفجار من وجوه: أحدها: أن سماع هؤلاء هو تلاوة الآيات، وسماع أولئك نغمات الأبيات من أصوات القينات. الثاني: أنهم إذا تُلِيَتْ عليهم آيات الرحمن خروا سجداً وبكياً بأدب وخشية ورجاء ومحبة وفهم وعلم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَّهُمْ دَرَجَاتٌ

стр. 212

عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢ - ٤) سورة الأنفال، وقال تعالى ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا﴾ (٧٣) سورة الفرقان. أي: لم يكونوا عند سماعها متشاغلين، لاهين عنها، بل مصغين إليها، فاهمين بصيرين بمعانيها؛ فلهذا إنما يعملون بها، ويسجدون عندها عن بصيرة، لا عن جهل ومتابعة لغيرهم. الثالث: أنهم يلزمون الأدب عند سماعها، كما كان الصحابة ﵃ عند سماعهم كلام الله - تعالى - من تلاوة رسول الله ﷺ ، تقشعر جلودهم، ثم تلين مع قلوبهم إلى ذكر الله، ولم يكونوا يتصارخون، ولا يتكلفون بما ليس فيهم، بل عندهم من الثبات والسكون والأدب والخشية مالا يلحقهم أحد في ذلك؛ ولهذا فازوا بالمدح من الرب الأعلى في الدنيا والآخرة ٠ قال عبد الرزاق: حدثنا معمر قال: تلا قتادة ﵀: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ قال: هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله، ولم ينعتهم بذهاب عقولهم، والغشيان عليهم، إنما هذا في أهل البدع، وهذا من الشيطان. قال السدي: (﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ﴾ أي: إلى وعد الله، وقوله: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء﴾ أي: هذه صفة من هداه الله، ومن كان على خلاف ذلك فهو ممن أضله الله: ﴿وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾) (١).

стр. 213

عتاب من الله للمؤمنين قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ * اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (١٦ - ١٧) سورة الحديد. قال الإمام ابن كثير ﵀: (يقول تعالى أما آن للمؤمنين أن تخشع قلوبهم لذكر الله أي: تلين عند الذكر والموعظة، وسماع القرآن، فتفهمه وتنقاد له، وتسمع له، وتطيعه. قال عبد الله بن مسعود ﵁ (ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين) (١). وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ﴾ نهى الله - تعالى - المؤمنين أن يتشبهوا بالذين حملوا الكتاب من قبلهم من اليهود والنصارى، لما تطاول الأمل؛ بدلوا كتاب الله، واشتروا به ثمناً قليلاً، ونبذوه وراء ظهورهم، وأقبلوا على الآراء المختلفة، والأقوال المؤتفكة، وقلدوا الرجال في دين الله، واتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله؛ فعند ذلك قست قلوبهم، فلا يقبلون موعظة، ولا تلين قلوبهم بوعد ولا وعيد، ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: في الأعمال، فقلوبهم فاسدة، وأعمالهم باطلة. وقوله تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فيه إشارة إلى أن الله - تعالى - يلين القلوب بعد قسوتها، ويهدي الحيارى

стр. 214

بعد ضلتها، ويفرج الكروب بعد شدتها، فكما يحيي الأرض الميتة، المجدبة، الهامدة، بالغيث الهتان، الوابل، كذلك يهدي القلوب القاسية ببراهين القرآن والدلائل، ويلج إليها النور بعد أن كانت مقفلة لا يصل إليها الواصل، فسبحان الهادي لمن يشاء بعد الضلال، والمضل لمن أراد بعد الكمال، الذي هو لما يشاء فعال، وهو الحكيم العدل في جميع الفعال، اللطيف الخبير الكبير المتعال) (١). ثانياً: تدبر الرسول ﷺ للقرآن الكريم لقد بلغ الرسول ﷺ الدرجة العليا، والمقام الأسمى، في تدبر القرآن الكريم، وهذه بعض حالاته مع القرآن من صحيح السنة النبوية: عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : " اقرأ عليَّ القرآن " فقلت: يا رسول الله! أقرأ عليك وعليك أُنْزِل؟ قال: " إني أحب أن أسمعه من غيري". فقرأت عليه سورة النساء حتى جئت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا﴾، قال: " حسبك الآن ". فالتفت إليه، فإذا عيناه تذرفان) (٢). عن عطاء قال: (دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة ﵂ فقال ابن عمير: حدثينا بأعجب شيء رأيتيه من رسول الله ﷺ . فبكت، وقالت: قام ليلة من الليالي، فقال: " يا عائشة! ذريني أتعبد لربي "، قالت: قلت: والله إني لأحب قربك، وأحب ما يسرك، قالت: فقام، فتطهر، ثم قام يصلي، فلم يزل يبكي حتى بلَّ حِجْره، ثم بكى، فلم يزل يبكي حتى بلَّ الأرض، وجاء بلال

стр. 215

يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله! تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: " أفلا أكون عبداً شكوراً؟ لقد نزلت عليَّ الليلة آيات ويلٌ لمن قرأها ولم يتفكر ما فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ﴾ (١٩٠) سورة آل عمران (١). عن عقبة بن عامر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " شيبتني هود وأخواتها " (٢). عن ابن عباس ﵄ قال: قال أبو بكر ﵁: يارسول الله!، قد شبت، قال: " شيبتني هود، والواقعة، والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت " (٣). قال العلماء: (لعل ذلك لما فيهن من التخويف الفظيع، والوعيد الشديد؛ لاشتمالهن مع قصرهن على حكاية أهوال الآخرة، وفظائعها، وأحوال الهالكين والمعذبين، مع ما في بعضهن من الأمر بالاستقامة) (٤). ثالثاً: تدبر القرآن في سير السلف الصالح ينبغي لمن أراد تدبر القرآن الكريم، وفهم معانيه، ومعرفة وأحكامه، أن ينظر في سير السلف الصالح، وأن يعرف أحوالهم مع القرآن الكريم؛ حتى يكون دافعاً قوياً له أن يتشبه بهم، فإن التشبه بالصالحين فلاح.

стр. 216

وكما قال ابن الجوزي ﵀: (إن صدقت في طلابهم فانهض وبادر، ولا تستصعب طريقهم فالمعين قادر، تعرض لمن أعطاهم، وسل، فمولاك مولاهم، رُبَّ كنز وقع به فقير، ورُبَّ فضل اختص به صغير، علم الخضر ما خفي على موسى، وكُشِفَ لسليمان ما خفي على داود) (١). وسنذكر بعضاً من قصص سلفنا الصالح مع القرآن الكريم: ١ - أبو بكر الصديق ﵁ -: عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ قالت: (... وكان أبو بكر رجلاً بكاءً لا يملك دمعه إذا قرأ القرآن) (٢). ٢ - عمر بن الخطاب ﵁ -: عن عبد الله بن شداد بن الهاد يقول: سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف، فسمعت نشيجه (٣)، وإني لفي آخر الصفوف، وهو يقرأ ﴿قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ (٨٦) سورة يوسف (٤). ٣ - عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄ -: عن نافع قال: (كان ابن عمر ﵁ إذا قرأ ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ

стр. 217

فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ (١٦) سورة الحديد. بكى حتى يغلبه البكاء. عن نافع مولى ابن عمر يقول: (ما قرأ ابن عمر هاتين الآيتين قط من آخر سورة البقرة إلا بكى ﴿لِّلَّهِ ما فِي السَّمَاواتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢٨٤) سورة البقرة ثم يقول: إن هذا الإحصاء شديد) (١). ٤ - عباد بن بشر ﵁ -: نزل النبي ﷺ بشِعْب في غزوة ذات الرقاع فقال: " مَنْ يحرسنا الليلة؟ " فقام رجل من المهاجرين ورجل من الأنصار، فباتا بفم الشِعب فاقتسما الليل للحراسة، فنام المهاجري، وقام الأنصاري يصلي، فجاء رجل من العدو، فرأى الأنصاري، فرماه بسهم، فأصابه، فنزعه، واستمر في صلاته، ثم رماه بثانٍ، فصنع كذلك، ثم رماه بثالث، فانتزعه، وركع وسجد وقضى صلاته، ثم أيقظ رفيقه. فلما رأى ما به من الدماء قال له: لِمَ لا أنبهتني أول ما رمى؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن لا أقطعها. وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من وجه آخر، وسمى الأنصاري المذكور: عباد بن بشر، والمهاجري: عمار بن ياسر ﵄ والسورة: سورة الكهف. (٢) ٥ - الحسن البصري ﵀ -: قرأ الحسن هذه الآية ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (٩٠) سورة النحل.

стр. 218

فقال: (إن الله جمع لكم الخير كله، والشر كله، في آية واحدة؛ فوالله ما ترك العدل والإحسان شيئاً من طاعة الله إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئاً) (١). ٦ - الربيع بن خثيم ﵀ -: عن عبد الرحمن بن عجلان قال: (بِتُّ عند الربيع بن خثيم ذات ليلة، فقام يصلي، فمرَّ بهذه الآية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أّن نَّجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاء مَّحْيَاهُم وَمَمَاتُهُمْ سَاء مَا يَحْكُمُونَ﴾ (٢١) سورة الجاثية. فمكث ليلته حتى أصبح ما جاوز هذه الآية إلى غيرها ببكاء شديد) (٢). ٧ - مطرف بن عبد الله ﵀ -: قال مطرف بن عبد الله: (إني لأستلقي من الليل على فراشي، فأتدبر القرآن، وأعرض عملي على عمل أهل الجنة، فإذا أعمالهم شديدة. ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ﴾ (١٧) سورة الذاريات. ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾ (٦٤) سورة النمل، ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (٩) سورة الزمر، فلا أراني فيهم. فأعرض نفسي على هذه الآية ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ﴾ (٤٢) سورة المدثر. فأرى القوم مكذبين. وأمُرُّ بهذه الآية ﴿وَآخَرُونَ اعْتَرَفُواْ بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُواْ عَمَلاً صَالِحًا

стр. 219

وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللهُ أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (١٠٢) سورة التوبة، فأرجو أن أكون أنا وأنتم يا إخوتاه منهم) (١). من قصص تدبر القرآن الكريم: تدبر أعرابي: ذكر الإمام ابن القيم ﵀: (أن أعرابياً سمع قارئاً يقرأ من سورة المائدة حتى وصل إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ فقال الأعرابي: ما هذا بكلام الله! فقال القارئ: أتكذب بكلام الله؟!. قال الأعرابي: لا. فرجع القارئ إلى حفظه، واسترجع، وقرأ: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللهِ وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ (٣٨) سورة المائدة فقال الأعرابي: عَزَّ فحكم فقطع، ولو غفر ورحم ما قطع) (٢). تدبر جارية: ذكر الإمام القرطبي ﵀ في تفسيره: (حكى الأصمعي (٣) قال:

стр. 220

(سمعت جارية أعرابية تنشد وتقول: أستغفر الله لذنبي كله ... قَبَّلتُ إنساناً بغير حِلِّه مثل الغزال ناعماً في دَلِّه ... فانتصف الليل ولم أصلِّه فقلت: قاتلك الله! ما أفصحك!. فقالت: أو يُعَدُّ هذا فصاحة مع قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ (٧) سورة القصص، فجمع في آية واحدة بين أمرين، ونهيين، وخبرين، وبشارتين) (١). قلنا: الأمران هما: ﴿أَرْضِعِيهِ﴾، ﴿فَأَلْقِيهِ﴾. والنهيان هما: ﴿وَلَا تَخَافِي﴾، ﴿وَلَا تَحْزَنِي﴾. والخبران هما: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾، ﴿فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ﴾. والبشارتان هما: ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾، ﴿وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾.

стр. 221

الباب الرابع هجر العمل بالقرآن الكريم وفيه ثلاثة فصول: الفصل الأول: العمل بالقرآن بين الترغيب والترهيب. الفصل الثاني: أسباب هجر العمل بالقرآن. الفصل الثالث: العمل بالقرآن في واقع السلف الصالح.

стр. 222

الفصل الأول العمل بالقرآن بين الترغيب والترهيب وفيه أربعة مباحث: أولاً: اقتضاء العلم للعمل. ثانياً: وجوب العمل بالقرآن الكريم. ثالثاً: الترغيب في العمل بالقرآن الكريم. رابعاً: الترهيب من هجر العمل بالقرآن الكريم.

стр. 223

أولاً: اقتضاء العلم للعمل اعلم - رحمك الله - أن طلب العلم مما تتنوع فيه الأغراض، وتختلف فيه المقاصد والنيات، كما أنه وسيلة من الوسائل التي يتوصل بها الإنسان إلى الأهداف والغايات، فمن الناس مَنْ يطلب العلم لغرض دنيوي، وذلك بأن يكون له به جاه وهيبة، وشرف ومكانة، ومنزلة وكرامة، ومنهم من يبتغي به الرياسة والقيادة، والهيمنة والزعامة، ومنهم مَنْ يتوصل به إلى أغراض دنيئة، ومقاصد خسيسة، كحب السيطرة والاستبداد، والجدل والمباهاة والمماراة. وأسعد الناس بالعلم، وأحسنهم حظاً وأزكاهم، وأشرفهم منزلة عند الله من يطلبه لمرضاة الله، والعمل به، والاهتداء بنوره، والامتثال لأمره. عن إياس بن عامر قال: أخذ علي بن أبي طالب بيدي، ثم قال: (إنك إن بقيت، سيقرأ القرآن ثلاثة أصناف: فصنف لله، وصنف للجدال، وصنف للدنيا، ومَنْ طلب به أدرك) (١) فالمقصود الأعظم من العلم ليس أن يتزين به الإنسان، ولا أن يتشرف بتحصيله وجمعه، ودراسته وروايته، وتحقيقه ونشره من غير أن يكون له رغبة في العمل به، والالتزام بمقتضاه.

стр. 224

ولقد ورد في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ (٦٩) سورة العنكبوت. قال عباس الهمداني أبو أحمد ﵀: والذين يعملون بما يعلمون نهديهم الله لما لا يعلمون (١). قال عمر بن عبد العزيز: إنما قصر بنا عن علم ما جهلنا تقصيرنا في العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما علمنا لأورثنا علماً لا تقوم به أبداننا، قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ اللهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ (٢٨٢) سورة البقرة (٢). عن أبي برزة الأسلمي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : «لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يُسْألَ عن أربع: عن عمره فيمَ أفناه، وعن علمه ماذا عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وعن شبابه فيمَ أبلاه» (٣). قال عمر بن الخطاب ﵁: (لا يغرنكم مَنْ قرأ القرآن، فإنما هو كلام يتكلم به، ولكن انظروا من يعمل به) (٤). وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: (هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل). قال معاذ بن جبل ﵁: (اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلمه حتى تعملوا).

стр. 225

قال الخطيب البغدادي ﵀: (ثم إني موصيك يا طالب العلم! بإخلاص النية في طلبه، وإجهاد النفس على العمل بموجبه، فإن العلم شجرة، والعمل ثمرة، وليس يعد عالماً من لم يكن بعلمه عاملاً. وقيل: العلم والد، والعمل مولود، والعلم مع العمل، والرواية مع الدراية، فلا تأنس بالعمل وما دمت مستوحشاً من العلم، ولا تأنس بالعلم مادمت مقصراً في العمل، ولكن اجمع بينهما وإن قلَّ نصيبك منهما. والعلم يراد للعمل، كما العمل يراد للنجاة، فإذا كان العمل قاصراً عن العلم، كان العلم كلاًّ على العالِم، ونعوذ بالله من علم عاد كلاًّ، وأورث ذلاً، وصار في رقبة صاحبه غِلاً. قال بعض الحكماء: العلم خادم العمل، والعمل غاية العلم، فلولا العمل لم يطلب علم، ولولا العلم لم يطلب عمل، ولأن أدع الحق جهلاً به، أحب إليَّ من أدعه زهداً فيه. وقال بعضهم: وهل جامع كتب العلم إلا كجامع الفضة والذهب، وهل المنهوم بها إلا كالحريص الجشع عليهما، وهل المغرم بحبها إلا كتاركهما، وكما لا تنفع الأموال إلا بإنفاقها، كذلك لا تنفع العلوم إلا لمن عمل بها، وراعى واجباتها، فلينظر امرؤٌ لنفسه، وليغتنم وقته، فإن الثواء (١) قليل، والرحيل قريب، والطريق مخوف، والاغترار غالب، والخطر عظيم، والناقد بصير، والله تعالى

стр. 226

بالمرصاد، وإليه المرجع والمعاد ﴿فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ (٧_ ٨) سورة الزلزلة. قال سهل بن عبد الله التستري ﵀: (الناس كلهم سكارى إلا العلماء، والعلماء كلهم حيارى إلا من عمل بعلمه). قال أبوعبد الله الروزباري ﵀: (العلم موقوف على العمل، والعمل موقوف على الإخلاص، والإخلاص لله يورث الفهم عن الله ). وقد أحسن القائل: يا أيها الرجل المُعلم غيره ... هلاَّ لنفسك كان ذا التعليم لاتنه عن خُلُق وتأتي مثله ... عارٌ عليك إذا فعلت عظيم وابدأ بنفسك فانهها عن غيها ... فإذا انتهت عنه فأنت حكيم فهناك تقبل إن وعظت ويقتدي ... بالقول منك وينفع التعليم تصف الدواء لذي السقام من الضنا ... كيما يصح به وأنت سقيم وأراك تلقح بالرشاد عقولنا ... نصحاً وأنت من الرشاد عديم وقال عبد الملك بن إدريس الوزير الكاتب: والعلم ليس بنافع أربابه ... مالم يفد عملاً وحسن تبصر سيَّان عندي علم من لم يستفد ... عملاً به وصلاة من لم يطهر فاعمل بعلمك توف نفسك وزنها ... لا ترض بالتضييع وزن المخسر وأنشد محمد بن علي الأصبهاني لبعضهم: اعمل بعلمك أيها الرجل ... لا ينفع العلم إن لم يحسن العمل والعلم زين وتقوى الله زينته ... والمتقون لهم في علمهم شغل

стр. 227

وحجة الله يا ذا العلم بالغة ... لا العلم ينفع فيها لا ولا الحيل تعلم العلم واعمل ما استطعت به ... لا يلهينك عنه اللهو والجدل فنعوذ بالله من علم لا يورث عملاً. ثانياً: وجوب العمل بالقرآن الكريم إن الهدف الأسمى، والغاية العظمى، من إنزال القرآن الكريم هو العمل به، واتباع أوامره، ولذا فقد ورد الأمر في كتاب الله بوجوب العمل به في مواضع عدة من كتاب الله - جل وعلا - منها. الدليل الأول: قال تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ (١٠٦) سورة الأنعام قال ابن كثير ﵀: (يقول تعالى آمراً رسوله ﷺ ولمن اتبع طريقته: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ أي: اقتد به، واقتف أثره، واعمل به، فإن ما أوحي إليك من هو الحق الذي لا مرية فيه، لأنه لا إله إلا هو) (١). قال الإمام القرطبي ﵀: (قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ﴾ يعني القرآن، أي: لا تشغل قلبك وخاطرك بهم، بل اشتغل بعبادة الله) (٢). الدليل الثاني: قال تعالى في سورة الأعراف: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٣) سورة الأعراف.

стр. 228

قال القرطبي ﵀: (قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ﴾ يعني الكتاب والسنة. قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾ (٧) سورة الحشر. وقالت فرقة: هذا أمر يعم النبي ﷺ وأمته. والظاهر أنه أمر لجميع الناس دونه. أي: اتبعوا ملة الإسلام والقرآن، وأحلوا حلاله، وحرموا حرامه، وامتثلوا أمره، واجتنبوا نهيه. ودلت الآية على ترك اتباع الآراء مع وجود النص) (١). قال الحافظ ابن كثير ﵀: (أي: اقتفوا آثار النبي ﷺ الأمي الذي جاءكم بكتاب أنزل إليكم من رب كل شيء ومليكه، ﴿وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ﴾ أي: لا تخرجوا عما جاءكم به الرسول ﷺ إلى غيره، فتكونوا قد عدلتم عن حكم الله إلى حكم غيره) (٢). الدليل الثالث: وقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ (١٠٩) سورة يونس قال الحافظ ابن كثير ﵀: (وقوله: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ﴾ أي: تمسك بما أنزل الله عليك وأوحاه إليك، واصبر على مخالفة من خالفك من الناس. ﴿حَتَّىَ يَحْكُمَ اللهُ﴾ أي: يفتح بينك وبينهم. ﴿وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ﴾ أي: خير الفاتحين بعدله، وحكمته) (٣).

стр. 229

الدليل الرابع: قال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ العَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٥٥) سورة الزمر. قال الإمام القرطبي ﵀ (... ﴿أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ﴾ هو القرآن وكله حسن، والمعنى ما قال الحسن: التزموا طاعته، واجتنبوا معصيته. وقال السدي: الحسن ما أمر الله به في كتابه. وقال ابن زيد: يعني المحكمات، وكلوا علم المتشابه إلى عالمه) (١). الخلاصة: مما سبق من الآيات وغيرها كثير، يدل دلالة واضحة على وجوب اتباع القرآن والعمل به، وهي إما آيات صريحة جاءت بفعل الأمر (اتبعوا) وهو دال على الوجوب بلفظه، وإما بأمر الله لنبيه ﷺ ، باتباع ما أوحي إليه وهو القرآن الكريم والسنة المطهرة، وكما هو معلوم أن الأمر للنبي أمر لأمته مالم يأت تخصيص له ﷺ . فتأمل - أخي الحبيب - أين نحن من العمل بالقرآن في حياتنا وواقعنا؟ فهل من توبة صادقة وعودة محققة إلى مصدر العز والشرف؟ حتى نفوز بالسعادة في الدارين، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾ (١٢٣) سورة طه.

стр. 230

ثالثاً: الترغيب في العمل بالقرآن الكريم لقد ورد في فضل العاملين بالقرآن الكريم، المتبعين له، المتمسكين بهديه، كثير من الفضائل بعضها في الدنيا، وبعضها في الآخرة ومن ذلك: ١ - العمل بالقرآن الكريم سبب للهداية في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُوْلَئِكَ هُمْ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ﴾ (١٨) سورة الزمر. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه ﵏ ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا ...﴾ (١٧) سورة الزمر نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي ﵃ والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن فهؤلاء لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال : ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ...﴾ أي: يفهمونه ويعملون بما فيه ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ﴾ أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والاخرة. (١) قال ابن عباس: ضمن الله تعالى لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة. وقال: من قرأ القرآن واتبع ما فيه هداه الله من الضلالة، ووقاه الله يوم القيامة سوء الحساب.

стр. 231

٢ - العمل بالقرآن سبب للفلاح في الدنيا والآخرة: قال تعالى: ﴿... فَالَّذِينَ آمَنُواْ بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١٥٧) سورة الأعراف. قال الحافظ ابن كثير ﵀: وقوله: ﴿وَاتَّبَعُواْ النُّورَ الَّذِيَ أُنزِلَ مَعَهُ﴾ أي القرآن والوحي الذي جاء به مبلغاً إلى الناس ﴿أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ أي في الدنيا والآخرة. روى الدارمي بسنده عن أبي موسى ﵁: (إن هذا القرآن كائن عليكم وزرا، اتبعوا هذا القرآن، ولا يتبعنكم القرآن، فإن من تبع القرآن يهبط به في رياض الجنة) (١). ٣ - العمل بالقرآن سبب للرحمة في الدنيا والآخرة: قال الله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ (١٥٥) سورة الأنعام. قال الإمام الطبري ﵀: (يعني جل ثناؤه بقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ وهذا القرآن الذي أنزلناه إلى نبينا محمد - ﴿فَاتَّبِعُوهُ﴾ يقول: فاجعلوه إماماً تتبعونه وتعملون بما فيه أيها الناس قال تعالى: ﴿وَاتَّقُواْ﴾ يقول: واحذروا الله في أنفسكم أن تضيعوا العمل بما فيه وتتعدوا حدوده وتستحلوا محارمه ... وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ يقول: لترحموا فتنجوا من عذاب الله وأليم عقابه). (٢)

стр. 232

قال الإمام ابن كثير ﵀: (يرغب سبحانه عباده في كتابه ويأمرهم بتدبره، والعمل به، والدعوة إليه، ووصفه بالبركة لمن اتبعه وعمل به في الدنيا والآخرة لأنه حبل الله المتين). (١) قلنا: لا يخفى أن (لعل) محققة الوقوع لأنها من الله، فالرحمة في الدنيا والآخرة لمن اتبع القرآن وعمل به. ٤ - العمل بالقرآن سبب للشفاعة في الآخرة: عن النواس بن سمعان الكلبي قال: سمعت النبي ﷺ يقول: " يؤتى بالقرآن يوم القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به، تقدمه سورة البقرة وآل عمران " وضرب لهما رسول الله ﷺ ثلاثة أمثال ما نسيتهن بعد قال: " كأنهما غمامتان أو ظلتان سوداوان بينهما شرق. أو كأنهما حزقان (٢) من طير صواف تحاجان عن صاحبهما " (٣). فهذا الحديث يبين أن العاملين بالقرآن في الدنيا يشفع لهم القرآن يوم القيامة. ٥ - العمل بالقرآن سبب لتكفير الذنوب وإصلاح البال: قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ (٢) سورة محمد.

стр. 233

قال الإمام القرطبي ﵀: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ لم يخالفوه في شيء، قال سفيان الثوري: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ﴾ يريد أن إيمانهم هو الحق من ربهم، وقيل: أي أن القرآن هو الحق من ربهم، نسخ به ما قبله. ﴿كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي: ما مضى من سيئاتهم قبل الإيمان. ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: شأنهم، عن مجاهد وغيره. وقال قتادة: حالهم. وابن عباس: أمورهم. والثلاثة متقاربة وهي متأولة على إصلاح ما تعلق بدنياهم. وحكى النقاش أن المعنى أصلح نياتهم ... وهو على هذا التأويل محمول على صلاح دينهم). (١) قال الإمام الشنقيطي ﵀: (أي غفر لهم ذنوبهم، وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾ أي: أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحاً لا فساد معه) (٢) قال الإمام الطبري ﵀: ﴿وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ﴾: وأصلح شأنهم وحالهم في الدنيا عند أوليائه، وفي الآخرة أن أورثهم نعيم الأبد والخلود الدائم في جنانه. (٣) هذه هي الثمرات الزكية والفضائل المرضية، وحسن الجزاء في الدنيا والآخرة للعاملين بالقرآن الكريم، المتمسكين بأوامره، فهل من مشمر عن ساعد الجد لنيل تلك الدرجات، والفوز برضا رب البريات.

стр. 234

رابعاً: الترهيب من هجر العمل بالقرآن الكريم يدور القرآن الكريم بين الترغيب والترهيب ليصل العبد بذلك إلى الله رب العالمين ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ (٩٠) سورة الأنبياء. فكما ورد الترغيب في العمل بالقرآن الكريم، ورد كذلك الوعيد الشديد والتهديد الأكيد في الدنيا والآخرة لمن ترك العمل بالقرآن الكريم، فلا يحل حلاله، ولا يحرم حرامه، ولا يأتمر بأمره، ولا ينته عن نهيه، فمن ذلك أن: ١ - هاجر العمل بالقرآن الكريم له مثل السوء: قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) سورة الجمعة. قال الإمام ابن القيم ﵀: (فقاس من حملة كتابه - سبحانه - ليؤمن به ويتدبره ويعمل به ويدعو إليه، ثم خالف ذلك، ولم يحمله إلا على ظهر قلب، فقراءته بغير تدبر ولا تفهم ولا اتباع له، ولا تحكيم له وعمل بموجبه، كحمار على ظهره زاملة أسفار لا يدري ما فيها، وحظه منها حمله على ظهره ليس إلا، فحظه من كتاب الله كحظ هذا الحمار من الكتب التي على ظهره. فهذا المثل وإن كان قد ضرب لليهود فهو متناول من حيث المعنى لمن حمل القرآن فترك العمل به، ولم يؤد حقه، ولم يرعه حق رعايته) (١). ٢ - هاجر العمل بالقرآن الكريم يعذب في قبره إلى قيام الساعة: روى البخاري من حديث سمرة بن جندب رؤيا النبي ﷺ وفيها: "فانطلقنا

стр. 235

حتى أتينا على رجل مضطجع على قفاه، ورجل قائم على رأسه بفهر أو صخرة، فيشدخ به رأسه، فإذا ضربه تدهده الحجر، فانطلق إليه ليأخذه فلا يرجع إلى هذا حتى يلتئم رأسه، وعاد رأسه كما هو، فعاد إليه فضربه، قلت: (من هذا؟) قالا: انطلق". وفي آخر الحديث: "والذي رأيته يُشدخ رأسه فرجل علمه الله القرآن، فنام عنه بالليل ولم يعمل فيه بالنهار، يفعل به إلى يوم القيامة " (١) فانتبه أيها القارئ العزيز. ٣ - هاجر العمل بالقرآن الكريم وقود النار يوم القيامة: عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " يظهر الإسلام حتى تختلف التجار في البحر، وحتى تخوض الخيل في سبيل الله، ثم يظهر قوم يقرءون القرآن، يقولون: مَنْ أقرأ منا؟ مَنْ أعلم منا، ومنْ أفقه منا؟ " ثم قال لأصحابه: " هل في أولئك من خير؟ " قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: " أولئك منكم من هذه الأمة، وأولئك هم وقود النار " (٢). ٤ - هجر العمل بالقرآن الكريم سبب من أسباب الفتنة وعلامة من علامات الساعة: عن علقمة عن عبد الله قال: (كيف أنتم إذا لبستكم فتنة يهرم فيها الكبير ويربو فيها الصغير، إذا ترك منها شيء قيل تركت السنة. قالوا: ومتى ذلك؟ قال: إذا ذهبت علماؤكم وكثرت جهلاؤكم، وكثرت قراؤكم وقلت فقاؤكم، وكثرت

стр. 236

أمراؤكم، وقلت أمناؤكم، والتمست الدنيا بعمل الآخرة، وتفقه لغير الدين) (١). وكل ذلك حاصل في زماننا فإلى الله المشتكى، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

стр. 237

الفصل الثاني أسباب هجر العمل القرآن الكريم وفيه ثلاثة مباحث: أولا: العادات والتقاليد. ثانياً: الخوف من الدنيا والحرص عليها. ثالثاً: فتنة الأئمة المضلين.

стр. 238

أولاً: العادات والتقاليد: إن من أهم أسباب هجر العمل بالقرآن الكريم في أي زمان ومكان التمسك بالعادات والتقاليد والمحافظة عليها وعدم التحرر من رقها. يقول تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤) سورة المائدة قال الإمام ابن كثير ﵀: (أي إذا دعوا إلى دين الله وشرعه وما أوجبه، وترك ما حرمه، قالوا يكفينا ما وجدنا عليه الآباء والأجداد من الطرائق والمسالك. قال الله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ﴾ (١٠٤) سورة المائدة. أي لا يفهمونه حقاً، ولا يعرفونه ولا يهتدون إليه، فكيف يتبعونه والحالة هذه، لا يتبعهم إلا من هو أجهل منهم وأضل سبيلاً). (١) إنها العبارات والكلمات التي قيلت للرسول المصطفى والنبي المجتبى ﷺ ، هي هي نفسها التي تقال لكل من دعا إلى الله ورسوله في كل عصر ومصر، وصدق الله إذ يقول: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ﴾ (٥٣) سورة الذاريات.

стр. 239

فتلك هي الحجة للتنصل من أحكام الله تعالى، وأوامر رسوله ﷺ وترك العمل بالقرآن، وتنحيته عن واقع الناس. إنه التقليد الأعمى والجمود، بل هو الكفران والجحود. لو نظرت - أخي الحبيب - إلى واقع الناس اليوم لوجدت ذلك واضحاً جلياً في كثير من النماذج والصور لهجر العمل بالقرآن الكريم بسبب العادات والتقاليد منها على سبيل المثال: قضية التبرج والسفور التي أصبحت سمة من سمات نساء هذا العصر حتى أصبح الحجاب غريباً بين نساء المسلمين. فلو دعوت إحداهن إلى الحجاب والطهر والعفاف لتعللت بأن النساء كلهن على هذا، أو أنها لم تقتنع به! أو أنه يخالف العصر والتقدم!! وغيرها من حيل الشيطان. ثانياً: الخوف على الدنيا والحرص عليها: لقد كانت الحجة منذ القديم، في ترك العمل بالقرآن الكريم هي ما ذكره الله - جل وعلا - في محكم التنزيل وهو أصدق القائلين. قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ (٥٧) سورة القصص. قال الإمام ابن كثير ﵀: (يقول تعالى مخبراً عن اعتذار بعض الكفار في عدم اتباع الهدى حيث قالوا لرسول الله ﷺ أي نخشى إن اتبعنا ما جئت به من الهدى وخالفنا من حولنا من أحياء العرب المشركين أن يقصدونا بالأذى والمحاربة ويتخطفونا أينما كنا. قال تعالى مجيباً لهم: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ يعني هذا الذي اعتذروا به كذب وباطل، لأن الله تعالى جعلهم في بلد أمين وحرم

стр. 240

معظم آمن منذ وضع، فكيف يكون هذا الحرم آمناً لهم في حال كفرهم وشركهم ولا يكون آمناً لهم وقد أسلموا وتابعو الحق؟) (١). يقول سيد قطب ﵀: (وإن الكثيرين ليشفقون من اتباع شريعة الله، والسير على هداه، ويشفقون من أعداء الله ومكرهم، ويشفقون من تألب الخصوم عليهم، ويشفقون من المضايقات الاقتصادية وغير الاقتصادية!! إن هي إلا أوهام كأوهام قريش يوم قالت لرسول الله ﷺ ﴿وَقَالُوا إِن نَّتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾. فلما اتبعت هدى الله سيطرت على مشارق الأرض ومغاربها في ربع قرن أو أقل من الزمان). (٢) فيا من تحرصون على الدنيا وزينتها، وعلى المنصب والجاه والسلطان وعلى الوظيفة والكراسي الزائلة، اعلموا أن الرزق بيد الله، وأن الحمى في جناب الله، يقول تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاء رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (٢٢) سورة الذاريات. ويقول تعالى في موضع آخر: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ (١٧٥) سورة الأعراف. قال الإمام ابن القيم ﵀: (فشبه سبحانه من آتاه كتابه، وعلمه العلم الذي منعه غيره، فترك العمل به، واتبع هواه، وآثر سخط الله على رضاه، ودنياه على آخرته، والمخلوق على الخالق، بالكلب الذي هو من أخبث الحيوانات، وأوضعها قدراً، وأخسها نفساً، وهمته لا تتعدى بطنه، وأشدها شرهاً وحرصاً، ... وفي تشبيه من آثر الدنيا وعاجلها على الله والدار الآخرة - مع وفور علمه -

стр. 241

بالكلب في حال لهثه سر بديع، وهو أن الذي هذا حاله ما ذكره الله من انسلاخه من آياته، واتباعه هواه، إنما كان لشدة لهفه على الدنيا لانقطاع قلبه عن الله والدار الآخرة، فهو شديد اللهف عليها، ولهفه نظير لهف الكلب الدائم في حال انزعاجه وتركه). (١) ثالثاً: فتنة الأئمة المضلين ومن الأسباب القوية في صرف الناس عن العمل بالقرآن الكريم وأحكامه وتعاليمه، الأئمة المضلون الذي يحلون ما حرم الله، ويلبسون على الناس أمورهم. ورأينا منهم من يبارك الفجور والعرى، وإشاعة الفاحشة بين الناس، ثم هو يخلع على هذا الوحل رداء الدين وشاراته وعناوينه. قال ميمون بن مهران ﵀: (لو صلح أهل القرآن صلح الناس) (٢) وصدق الله إذ يقول: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٥) سورة الجمعة. يقول سيد قطب ﵀: (إنه مثل لكل من آتاه الله من علم الله، فلم ينتفع بهذا العلم، ولم يستقم على طريق الإيمان، وانسلخ من نعمة الله، ليصبح تابعاً ذليلاً للشيطان، ولينتهي في المسخ إلى مرتبة الحيوان!. ولقد رأينا من هؤلاء - والعياذ بالله - في زماننا هذا من كان كأنما يحرص على ظلم نفسه، أو كمن يعض بالنواجذ على مكان له في قعر جهنم يخشى أن ينازعه

стр. 242

إياه أحد المتسابقين معه في الحلبة!. فهو ما يني يقدم كل صباح ما يثبت به مكانه هذا في جهنم! وما يني يلهث وراء هذا المطمع لهاثاً لا ينقطع حتى يفارق هذه الحياة الدنيا!. (١) وقد بين النبي الكريم ﷺ حال الأمة مع الأئمة المضلين: عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً، اتخذ الناس رؤوساً جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا " (٢). وصدق النبي الكريم إذ يقول: " أشد ما أخاف على أمتي منافق عليم اللسان" (٣). وما أكثرهم في هذه الأمة لا كثرهم الله. وصدق القائل: زَلْةُ العَالمِ، زَلْةُ العَالَمِ. وصدق الشاعر إذ يقول: رأيت الذنوب تميت القلو ... ب وقد يورث الذل إدمانها وترك الذنوب حياة القلو ... ب وخير لنفسك عصيانها وهل بدل الدين إلا الملوك ... وأحبار سوء ورهبانها

стр. 243

الله نسأل أن يصلح أئمتنا ويوفقهم للعمل بكتاب الله وسنة رسوله ﷺ ويقودوا الأمة إلى ما فيه صلاح دينها ودنياها إنه ولي ذلك والقادر عليه.

стр. 244

الفصل الثالث العمل بالقرآن الكريم في واقع السلف الصالح وفيه نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم

стр. 245

تمهيد: إن من يطلع على أصول السلف الصالح يرى عجباً من العجب، أقواماً يقبلون على القرآن إقبال الظمآن على الماء البارد، يتلون آياته ويتدبرونها، وينفذون أحكامه ويؤمنون بمتشابهه، ويعملون بمحكمه، ويتأثرون بما فيه من الوعد والوعيد، والثواب والعقاب، فيخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعاً كان الواحد منهم إذا قرأ القرآن لا يشغله عنه شاغل، ولا يجذبه عنه جاذب، وقد روي عنهم في ذلك الأعاجيب. أما تطبيقهم لآيات القرآن وسرعة استجابتهم لله، وتغلغلها في قلوبهم فيشهد لذلك كثير من الحوادث التي جرت لهم. ألا إن التاريخ لم يشهد رجالاً عقدوا عزمهم ونواياهم على غاية تناهت في العدالة والسمو، ثم نذروا لها حياتهم على نسق تناهي في الجسارة والتضحية والبذل كما شهد في صحابة رسول الله ﷺ . لقد جاءوا الحياة في أوانهم المرتقب، ويومهم الموعود .. فحين كانت الحياة تهيب بمن يجدد لقيمها الروحية شبابها وصوابها، جاء هؤلاء وراء رسولهم الكريم ﷺ مجددين وناسكين، وحين كانت تهيب بمن يضع عن البشرية الرازحة أغلالها، ويحرر وجودها ومصيرها، جاء هؤلاء وراء رسول الله ﷺ ثواراً ومحررين، كيف أنجز أولئك الأبرار كل هذا الذي أنجزوا في بضع سنين؟! كيف شادوا بالقرآن

стр. 246

الكريم وآياته عالماً جديداً يهتز نضرة ويتألق عظمة ويتفوق اقتداراً؟! (١) كل ذلك يرجع لفضل الله - جل وعلا - ثم لتمسكهم بكتاب الله علماً وعملاً فقد كانوا أشد الناس إيماناً بالتنزيل وتصديقاً لكتاب رب العالمين. وسوف نتركك أخي الكريم لتتابع نماذج أعظم ثلة ظهرت في التاريخ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) سورة التوبة. نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم أولاً: نماذج عامة: ١ - الصحابة كلهم مستجيبون لله ورسوله عاملون بالقرآن الكريم عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ (٢) فإني لقائم أسقي أباطلحة وفلاناً وفلاناً. إذا جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: ما ذاك؟ فقال: حُرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس؟ قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) (٣). فانظر - رحمنا الله وإياك - إلى حال صحابة النبي الكريم وسرعة استجابتهم

стр. 247

لأمر رب العالمين، وحال كثير من هذه الأمة وبعدهم عن العمل بهذا الدين. انظر كيف انتشرت المحرمات، وكثرت المنكرات، من شرب الدخان والمخدرات، وأنواع المسكرات، وآيات الله تتلى ليل نهار، ولا رجوع ولا توبة ولا استغفار إلا من رحم الله العزيز الغفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون. عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمرَّ على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت) (١). فانظر إلى سرعة استجابتهم، فلله درهم؛ ولذا استحقوا أن يرضى عنهم ربهم. ٢ - نساء الصحابة عاملات بالقرآن الكريم عن عائشة ﵂ قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣١) سورة النور. شققن مروطهن فاختمرن بها). ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن خثيم عن صفية قالت: (ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أُنْزِلَتْ سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها، فأصبحن يصلين الصبح

стр. 248

معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان) (١). قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الروايتين: (ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك). فليت نساء المسلمين اليوم تقرأ هذه النماذج، فطالما سمعوا آيات الله تتلى آناء الليل وأطراف النهار، ولكن آيات الله في واد، وهن في واد فإلى الله المشتكى، وحسبنا الله ونعم الوكيل. ثانياً: نماذج خاصة: ١ - صديق الأمة وخليفة رسول الله لقد كان أبو بكر ﵁ من أشد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - تصديقاً لكتاب الله، وإيماناً بالتنزيل، ومن أسرعهم استجابة لله ورسوله، والنماذج من حياته كثيرة. فمن ذلك ما أورده البخاري بسنده من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك الطويل. (... فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢٢) سورة النور.

стр. 249

قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً ...) (١). فانظر - رحمنا الله وإياك - كيف أن مسطح بن أثاثة خاض مع من خاض في عِرْضِ أم المؤمنين ومع ذلك ما أن نزلت الآية حتى استجاب أبو بكر لأمر الله وأعاد النفقة التي كان ينفق على مسطح، لأن هدفهم هو رضوان الله تعالى والجنة. فشتان شتان ما بين السلف الصالح والخلف اليوم، من العداوات لأتفه الأسباب، وإطالة الخصام بدون أسباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ٢ - فاروق الأمة والخليفة العادل عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر، عمر فاروق هذه الأمة أول من لقب بأمير المؤمنين، الخليفة العادل، الذكي العبقري، المحدث الملهم، عمر الذي وافق ربه في مواضع كثيرة، عمر الذي كان ينزل القرآن مؤيد لرأيه، عمر الذي ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه. عمر الذي أعز الله به الإسلام، عمر الذي توفي رسول الله وهو عنه راض، عمر الباب الحائل دون الفتنة، عمر الوقاف عند حدود الله. عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباباً. فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه.

стр. 250

قال ابن عباس: فاستأذن الحُرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل. فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٩٩) سورة الأعراف وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافاً عند حدود الله). (١) فليت الأمة اليوم تكون وقافة عند حدود الله، إذا ذكروا تذكروا حتى تعود الأمة إلى عزها ومجدها، فلن يصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها. ٣ - أبو طلحة الأنصاري عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبوطلحة الأنصاري أكثر الأنصار بالمدينة نخلاً، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب. فلما أنزلت ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبوطلحة قال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال رسول الله ﷺ : " بخ! ذلك مال رايح، ذلك مال رايح. وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ". قال أبوطلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبوطلحة في أقاربه وبني عمه. قال عبد الله بن يوسف وروح بن عبادة (بخ! ذلك مال رايح) حدثني يحيى بن
следующие страницы →