الكريم وآياته عالماً جديداً يهتز نضرة ويتألق عظمة ويتفوق اقتداراً؟! (١)
كل ذلك يرجع لفضل الله - جل وعلا - ثم لتمسكهم بكتاب الله علماً وعملاً فقد كانوا أشد الناس إيماناً بالتنزيل وتصديقاً لكتاب رب العالمين.
وسوف نتركك أخي الكريم لتتابع نماذج أعظم ثلة ظهرت في التاريخ ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (١٠٠) سورة التوبة.
نماذج من عمل الصحابة بالقرآن الكريم
أولاً: نماذج عامة:
١ - الصحابة كلهم مستجيبون لله ورسوله عاملون بالقرآن الكريم
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ (٢) فإني لقائم أسقي أباطلحة وفلاناً وفلاناً. إذا جاء رجل فقال: وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: ما ذاك؟ فقال: حُرمت الخمر. قالوا: أهرق هذه القلال يا أنس؟ قال: فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل) (٣).
فانظر - رحمنا الله وإياك - إلى حال صحابة النبي الكريم وسرعة استجابتهم
стр. 247
لأمر رب العالمين، وحال كثير من هذه الأمة وبعدهم عن العمل بهذا الدين. انظر كيف انتشرت المحرمات، وكثرت المنكرات، من شرب الدخان والمخدرات، وأنواع المسكرات، وآيات الله تتلى ليل نهار، ولا رجوع ولا توبة ولا استغفار إلا من رحم الله العزيز الغفار، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
عن البراء ﵁ أن رسول الله ﷺ صلى إلى بيت المقدس ستة عشر شهراً أو سبعة عشر شهراً، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت، وأنه صلى - أو صلاها - صلاة العصر، وصلى معه قوم فخرج رجل ممن كان معه فمرَّ على أهل مسجد وهم راكعون، قال: أشهد بالله لقد صليت مع النبي ﷺ قبل مكة، فداروا كما هم قبل البيت) (١).
فانظر إلى سرعة استجابتهم، فلله درهم؛ ولذا استحقوا أن يرضى عنهم ربهم.
٢ - نساء الصحابة عاملات بالقرآن الكريم
عن عائشة ﵂ قالت: (يرحم الله نساء المهاجرات الأول لما أنزل الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ (٣١) سورة النور. شققن مروطهن فاختمرن بها).
ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن خثيم عن صفية قالت: (ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن، فقالت: إن نساء قريش لفضلاء، ولكن والله ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقاً بكتاب الله، ولا إيماناً بالتنزيل، لقد أُنْزِلَتْ سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلا قامت إلى مِرْطها، فأصبحن يصلين الصبح
стр. 248
معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان) (١).
قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الجمع بين الروايتين: (ويمكن الجمع بين الروايتين بأن نساء الأنصار بادرن إلى ذلك).
فليت نساء المسلمين اليوم تقرأ هذه النماذج، فطالما سمعوا آيات الله تتلى آناء الليل وأطراف النهار، ولكن آيات الله في واد، وهن في واد فإلى الله المشتكى، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
ثانياً: نماذج خاصة:
١ - صديق الأمة وخليفة رسول الله
لقد كان أبو بكر ﵁ من أشد الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - تصديقاً لكتاب الله، وإيماناً بالتنزيل، ومن أسرعهم استجابة لله ورسوله، والنماذج من حياته كثيرة.
فمن ذلك ما أورده البخاري بسنده من حديث أم المؤمنين عائشة ﵂ في حديث الإفك الطويل.
(... فلما أنزل الله براءتي قال أبو بكر الصديق ﵁ وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره: والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال. فأنزل الله ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ (٢٢) سورة النور.
стр. 249
قال أبو بكر: بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً ...) (١).
فانظر - رحمنا الله وإياك - كيف أن مسطح بن أثاثة خاض مع من خاض في عِرْضِ أم المؤمنين ومع ذلك ما أن نزلت الآية حتى استجاب أبو بكر لأمر الله وأعاد النفقة التي كان ينفق على مسطح، لأن هدفهم هو رضوان الله تعالى والجنة.
فشتان شتان ما بين السلف الصالح والخلف اليوم، من العداوات لأتفه الأسباب، وإطالة الخصام بدون أسباب، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
٢ - فاروق الأمة والخليفة العادل
عمر بن الخطاب وما أدراك ما عمر، عمر فاروق هذه الأمة أول من لقب بأمير المؤمنين، الخليفة العادل، الذكي العبقري، المحدث الملهم، عمر الذي وافق ربه في مواضع كثيرة، عمر الذي كان ينزل القرآن مؤيد لرأيه، عمر الذي ما سلك فجاً إلا سلك الشيطان فجاً غير فجه.
عمر الذي أعز الله به الإسلام، عمر الذي توفي رسول الله وهو عنه راض، عمر الباب الحائل دون الفتنة، عمر الوقاف عند حدود الله.
عن ابن عباس ﵄ قال: (قدم عيينة بن حصن فنزل على ابن أخيه الحُرِّ بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر، وكان القراء أصحاب مجالس عمر ومشاورته، كهولاً كانوا أو شباباً.
فقال عيينة لابن أخيه: يا ابن أخي لك وجه عند هذا الأمير، فاستأذن لي عليه، قال: سأستأذن لك عليه.
стр. 250
قال ابن عباس: فاستأذن الحُرُّ لعيينة، فأذن له عمر، فلما دخل عليه قال: هي يا ابن الخطاب، فوالله ما تعطينا الجزل ولا تحكم فينا بالعدل.
فغضب عمر حتى همَّ به، فقال له الحرُّ: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى قال لنبيه ﷺ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ (١٩٩) سورة الأعراف وإن هذا من الجاهلين. والله ما جاوزها عمر حين تلاها وكان وقافاً عند حدود الله). (١)
فليت الأمة اليوم تكون وقافة عند حدود الله، إذا ذكروا تذكروا حتى تعود الأمة إلى عزها ومجدها، فلن يصلح هذه الأمة اليوم إلا بما صلح به أولها.
٣ - أبو طلحة الأنصاري
عن أنس بن مالك ﵁ قال: (كان أبوطلحة الأنصاري أكثر الأنصار بالمدينة نخلاً، وكان أحب ماله إليه بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، وكان رسول الله ﷺ يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب.
فلما أنزلت ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ قام أبوطلحة قال: يا رسول الله إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وأن أحب أموالي إليَّ بيرحاء، وأنها صدقة لله أرجو برها وذخرها عند الله، فضعها يا رسول الله حيث أراك الله. قال رسول الله ﷺ : " بخ! ذلك مال رايح، ذلك مال رايح. وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين ".
قال أبوطلحة: أفعل يا رسول الله. فقسمها أبوطلحة في أقاربه وبني عمه. قال عبد الله بن يوسف وروح بن عبادة (بخ! ذلك مال رايح) حدثني يحيى بن
стр. 251
يحيى قال: قرأت على مالك (مال رايح). (١)
قال الحافظ ابن حجر في شرحه للحديث: وممن عمل بالآية ابن عمر. فروى البزار من طريقه أنه قرأها (يعني ابن عمر) قال: فلم أجد شيئاً أحب إلى من مرجانة - جارية لي رومية - فقلت: هي حرة لوجه الله، فلولا أني لا أعود في شيء جعلته لله لتزوجتها).
قال الإمام القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فإن الصحابة - رضوان الله عليهم أجمعين - لم يفهموا من فحوى الخطاب حين نزلت الآية غير ذلك. ألا ترى أباطلحة حين سمع الآية لم يحتج أن يقف حتى يرد البيان الذي يريد الله أن ينفق منه عباده بآية أخرى أو سنة مبينّة لذلك. فإنهم يحبون أشياء كثيرة ...
وأعتق ابن عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار قالت صفية بنت أبي عبيدة: أظنه تأول قول الله ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وروى شبل عن أبي نجيح عن مجاهد قال: كتب عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري أن يبتاع له جارية من سبي جلولاء يوم فتح مدائن كسرى، فقال سعد بن أبي وفاص: فدعا بها عمر فأعجبته، فقال إن الله يقول: ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فأعتقها عمر ﵁.
وروى عن الثوري أنه بلغه أن أم ولد الربيع بن خثيم قالت: كان إذا جاءه السائل يقول لي: يا فلانة أعطي السائل سكراً فإن الربيع يحب السكر.
стр. 252
قال سفيان يتأول قوله جل وعز ﴿لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾.
وروي عن عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه كان يشتري أعدالاً من السكر ويتصدق بها. فقيل له: هلا تصدقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليَّ فأردت أن أنفق مما أحب.
وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تؤملون إلا بالصبر على ما تكرهون). (١)
٤ - أبو الدحداح والعذق الرداح
روى الإمام أحمد في مسنده من طريقه أنه لما نزل قول الله تعالى: ﴿مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (٢٤٥) سورة البقرة قال أبوالدحداح: يا رسول الله!، وإن الله يريد منا القرض؟ قال: " نعم يا أبا الدحداح ". قال: أرني يدك يا رسول الله!. فناوله يده. قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي (بستان) فيه ستمائة نخلة.
وأم الدحداح فيه وعيالها، فجاء أبوالدحداح فنادها: يا أم الدحداح. قالت: لبيك. قال: أخرجي فقد أقرضته ربي . قالت: ربح بيعك يا أبا الدحداح!. ونقلت منه متاعها وصيبانها. وأن رسول الله ﷺ قال: " كم من عذق رَدَاح (٢) في الجنة لأبي الدحداح " (٣).
فانظر - رحمنا الله وإياك - كيف استقرت الآخرة في قلوبهم، فهانت عندهم الدنيا، يسمع أبوالدحداح الآية فيتصدق بستمائة نخلة.
стр. 253
وليس العجب من فعل أبي الدحداح، ولكن العجب كل العجب من سرعة استجابة أم الدحداح ودعائها بالربح والقبول.
ولو أن رجلاً فعل قريباً من هذا في زماننا لرفعت عليه زوجته دعوى قضائية مطالبة بالحجر على زوجها بالسفه والجنون، ولانتشر خبره في الجرائد، وفضحته زوجته على رؤوس الأشهاد - إلا مَنْ رحم الله -.
٥ - ثابت بن قيس من أهل الجنة
عن أنس بن مالك ﵁ قال: لما نزلت هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ (٢) سورة الحجرات.
كان ثابت بن قيس بن شماس رفيع الصوت فقال: أنا الذي كنت أرفع صوتي على رسول الله ﷺ وأنا من أهل النار حبط عملي وجلس في أهله حزيناً.
ففقده رسول الله ﷺ فانطلق بعض القوم إليه فقالوا له: تفقدك رسول الله ﷺ مالك؟ قال أنا الذي أرفع صوتي فوق صوت النبي وأجهر له بالقول حبط عملي أنا من أهل النار.
فأتوا النبي ﷺ فأخبروه بما قال فقال النبي ﷺ : " لا، بل هو من أهل الجنة ".
قال أنس ﵁ فكنا نراه يمش بين أظهرنا ونحن نعلم أنه من أهل الجنة. فلما كان يوم اليمامة كان فينا بعض الانكشاف، فجاء ثابت بن قيس بن شماس وقد تحنط ولبس كفنه، فقال: بئسما تعودون أقرانكم، فقاتلهم حتى قُتِلَ ﵁. (١)
стр. 254
هكذا كان السلف الصالح من الصحابة والتابعين إذا سمعوا آيات الله ظنوا أنها ما أنزلت إلا فيهم، وما تخاطب إلا هم أما نحن فشتان ما بيننا وبينهم نسمع آيات الله ونظن أنها نزلت لغيرنا، فكان هذا حال السلف وهذا حالنا فإلى الله المشتكى!.
٦ - معقل بن يسار بين السمع والطاعة
قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاء فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ (٢٣٢) سورة البقرة.
عن معقل بن يسار أنها نزلت فيه. قال: زوجت أختاً لي من رجل فطلقها حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها، لا والله لا تعود إليك أبداً، وكان رجلاً لا بأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله هذه الآية ﴿فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ...﴾ فقلت: الآن أفعل يا رسول الله!، قال: فزوجها إياه.
وفي رواية أبي مسلم الكجي من طريق مبارك بن فضالة عن الحسن (فسمع ذلك معقل بن يسار فقال: سمعاً لربي وطاعة، فدعا زوجها فزوجها إياه) (١).
لو نظرت - أخي الحبيب - إلى واقعنا لوجدت الكثير من المشاكل، إنما هي مشاكل عائلية نتيجة خلافات تافهة بسيطة، ولكن عناد الأب أو الأخ غالباً ما يؤدي إلى تفاقمها، مما يؤدي إلى إنهيار الأسر، وتصدع البيوت وتفكك الأواصر والعلاقات.
стр. 255
ولو توفر لدينا السمع والطاعة لأوامر القرآن الكريم كما توفر لدى السلف الصالح لما امتلأت المحاكم بالقضايا والشوارع بالمتشردين. فإلى العمل بالقرآن الكريم يا عباد الله.
٧ - زينب بنت جحش أم المؤمنين ﵂ -
عن قتادة قال: خطب النبي ﷺ زينب وهي - بنت عمته - وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت، فأنزل الله - تعالى ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ (٣٦) سورة الأحزاب. فرضيت وسلمت. (١)
هذه بعض النماذج المشرقة من عمل السلف الصالح بالقرآن الكريم، وهذا غيض من فيض، وقطر من بحر، والأمثلة في هذا الباب أكثر من أن تسطر، ولكن اللبيب تكفيه الإشارة، والسعيد من وعظ بغيره.
стр. 256
الباب الخامس
هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم
وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: المرض - أنواعه - وعلاجه.
الفصل الثاني: الصرع - أدلته - أنواعه - أسبابه.
الفصل الثالث: الرقية - حكمها - أقسامها - بدع المعالجين.
الفصل الرابع: صور من هجر التداوي والاستشفاء بالقرآن الكريم.
стр. 257
الفصل الأول
المرض
وفيه سبعة مباحث:
أولاً: تعريف المرض.
ثانياً: أنواع المرض.
ثالثاً: ماذا يعني المرض عند المسلم؟
رابعاً: الأمر بالتداوي.
خامساً: الدعاء من أنفع الأدوية.
سادساً: القرآن علاج وشفاء.
سابعاً: أحاديث ضعيفة وردت في فضل التداوي بالقرآن.
стр. 258
أولاً: تعريف المرض:
(المرض) هو ما خرج بالكائن الحي عن حد الصحة
والاعتدال.
(المريض): مَنْ به مرض أو نقص أو انحراف. ويقال: قلب مريض: ناقص الدين، ورأي مريض: ضعيف أو فيه انحراف عن الصواب.
جمع المريض، والمريضة: مَرْضَى أو مِرَاض. (١)
ثانياً: أنواع المرض: (٢)
قال العلامة ابن القيم ﵀:
(المرض نوعان:
١ - مرض القلوب.
٢ - مرض الأبدان.
ومرض القلوب نوعان:
أ - مرض شبهة وشك.
ب - مرض شهوة وغي.
قال تعالى في مرض الشبهة: ﴿فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضاً﴾ (١٠) سورة البقرة.
стр. 259
وقال تعالى في حق مَنْ دُعِيَ إلى تحكيم القرآن والسنة، فأبى وأعرض: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم مُّعْرِضُونَ * وَإِن يَكُن لَّهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ (٤٩) سورة النور. فهذا مرض الشبهات والشكوك.
وأما مرض الشهوات: قال تعالى: ﴿يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَّعْرُوفًا﴾ (٣٢) سورة الأحزاب. فهذا مرض شهوة الزنا، والله أعلم.
وأما مرض الأبدان: قال تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ﴾ (٦١) سورة النور. وذكر مرض البدن في الحج (١) والصوم (٢) والوضوء (٣) لسر بديع يبين لك عظمة القرآن والاستغناء به لمن فهمه وعقله عن سواه، وذلك أن قواعد طب الأبدان ثلاثة:
١ - ضبط الصحة.
٢ - الحمية عن المؤذي.
٣ - استفراغ المواد الفاسدة.
فذكر سبحانه هذه الأصول الثلاثة في هذه المواضع الثلاثة.
стр. 260
ثالثاً: ماذا يعني المرض عند المسلم ؟
إن الناظر في الشريعة الإسلامية يجد أن المرض عند المسلم يعني أموراً عدة منها:
١ - المرض عقوبة:
إن الله لا يظلم الناس شيئاً ولكن الناس أنفسهم يظلمون ... فإذا رأيت البلاء في الأجساد، فإنك إنما ترى أثر بعض الذنوب التي قدمتها أيدي الناس ... فما من خدش عود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر، قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾ (٣٠) سورة الشورى.
قال الحافظ ابن كثير ﵀:
(أي مهما أصابكم أيها الناس من المصائب فإنما من سيئات تقدمت لكم، ﴿وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ﴾، أي من السيئات فلا يجازيكم عليها بل يعفو عنها، ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ﴾) (٦١) سورة النحل (١).
وتعجيل العقوبة في الدنيا من فضل الله ورحمته بعباده المؤمنين، فهذا خير من أن تجتمع على العبد الذنوب فتطرحه في النار ... ولا يعني ذلك تَمنَّي المرض، بل نسأل الله العافية، فإن أُصِبْتَ شكرت؛ لعلمك أنها رحمة وعدل ... رحمة إذ عُجِلَ لك ذلك في الدنيا، وعدل إذ أنه ما أصابك إلا بذنب مما كسبت يداك.
стр. 261
٢ - المرض كفارة:
عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ :
" ما من مصيبة تصيب المسلم - وفي رواية: ما من وجع أو مرض يصيب المؤمن - إلا كَفَّرَ الله بها عنه حتى الشوكة يشاكها " (١).
وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄ عن النبي ﷺ قال: " ما يصيب المسلم من نصبٍ (تعب) ولا وَصَبٍ (مرض) ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كَفَّر الله بها خطاياه ". (٢)
ومن حديث ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما من مسلم يصيبه أذى إلا حاتَّ الله عنه خطاياه كما تحاتَّ ورَقُ الشجر " (٣).
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يَلْقَى الله وما عليه خطيئة " (٤).
عن عائشة ﵂ عن النبي ﷺ قال: " إذا اشتكى المؤمن أخلصه الله كما يخلص الكير خبث الحديد " (٥).
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وفي هذه الأحاديث بشارة عظيمة لكل
стр. 262
مؤمن؛ لأن الآدمي لا ينفك غالباً من ألم بسبب مرض أو هم أو نحو ذلك مما ذكر، وإن الأمراض والأوجاع والآلام - بدنية كانت أو قلبية - تكفر ذنوب مَنْ تقع له ... وظاهره تعميم جميع الذنوب، لكن الجمهور خصُّوا ذلك بالصغائر لقوله ﷺ في الحديث " ... ما اجتنبت الكبائر " فحملوا المطلقات الواردة في تكفير السيئات على هذا المقيد ... ويحتمل أن يكون معنى هذه الأحاديث التي ظاهرها التعميم أن المذكورات صالحة لتكفير الذنوب، فيكفر الله بها ما شاء من الذنوب، ويكون كثرة التكفير وقلته باعتبار شدة المرض وخفته ... ثم المراد بتكفير الذنب ستره، أو محو أثره المترتب عليه من استحقاق العقوبة) (١).
٣ - المرض منزلة ودرجة:
عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: " إن الله يقول: إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه (عينيه) فصبر عوضته منهما الجنة " (٢).
وقال ﷺ : " مَنْ أُعْطِيَ فشكر، وابْتُلِيَ فصبر، وظَلَم فاستغفر، وظُلِمَ فغفر، أولئك لهم الأمن وهم مهتدون " (٣).
وقال ﷺ : " المبطون شهيد، والمطعون شهيد " (٤).
وقال ﷺ : " مَنْ يرد الله به خيراً يُصب منه " (٥).
стр. 263
فَعُلِمَ من مجموع هذه الأحاديث أن المرض منزلة من الله وخير أراده لعبده، قد ينال العبد به عند الله درجة، وقد ينال به شهادة، وقد يحصل له به الأمن والهداية، بل وقد يبلغه إلى الجنة ... فيا عبد الله!، يا مَنْ ابتلاك الله بألم أو مرض، اعلم أن مولاك إنما ابتلاك ليكفر سيئاتك، ابتلاك ليختبر صبرك، ليضاعف أجرك .. ، ابتلاك ليرفع درجتك .. فهلاَّ صبرت واحتسبت؟ فقد جاء في الحديث " وإن كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرح أحدكم بالرخاء " (١).
رابعاً: الأمر بالتداوي:
عن جابر ﵄ عن النبي ﷺ قال: " لكل داء دواء، فإذا أصيب دواء الداء برأ بإذن الله " (٢).
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء " (٣).
عن أسامة بن شريك، قال: كنت عند النبي ﷺ ، وجاءت الأعراب، فقالوا: يارسول الله! أنتداوى؟. قال: " نعم يا عباد الله تداووا، فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء غير داء واحد "، قالوا: وما هو؟ قال: " الهَرَمُ " (٤)
стр. 264
قال ﷺ : "إن الله لم ينزل داء إلا أنزل له شفاء، علمه مَنْ علمه، وجهله مَنْ جهله" (١).
ويستفاد من الأحاديث ما يلي: (٢)
١ - إثبات الأسباب والمسببات، وإبطال مَنْ أنكرها، وأن ذلك لا ينافي التوكل على الله لمن اعتقد أنها بإذن الله وتقديره، وأنها لا تنجح بذواتها بل بما قدره الله فيها.
٢ - قوله " لكل داء دواء " على عمومه حتى يتناول الأدوية القاتلة، والتي اعترف حذاق الأطباء بأنه لا دواء لها، وأقروا بالعجز عن مداواتها ... ، وكما فيها أيضاً تقوية لنفس المريض والطبيب، وحث على طلب الدواء والتفتيش عنه، وفي ذلك فتح لباب الرجاء.
٣ - الأمر بالتداوي لا ينافي التوكل، كما لا ينافيه دفع داء الجوع، والعطش، والحر، والبرد بأضدادها. بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله مقتضيات لمسبباتها قدراً وشرعاً، وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظن معطِّلُها أن تركها أقوى في التوكل، فإن تركها عجزاً ينافي التوكل الذي حقيقته اعتمادُ القلب على الله في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولابد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلاً للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلاً، وتوكله عجزاً.
стр. 265
أنواع الطب:
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
والطب نوعان:
١ - طب القلوب ومعالجته: وهذه خاصة ومسلمة بما جاء به الرسول ﷺ عن ربه .
٢ - طب الجسد.
أ - منه ما جاء في المنقول عن الرسول ﷺ مثل الرقية والدعاء.
ب - ومنه ما جاء عن غيره ﷺ ، وغالبه راجع إلى التجربة.
ثم هو نوعان:
١ - نوع لا يحتاج إلى فكر ونظر بل فطر الله على معرفته الحيوانات، مثل ما يدفع الجوع والعطش.
٢ - نوع يحتاج إلى فكر ونظر كدفع ما يحدث في البدن مما يخرج عن الاعتدال، وهو إما حرارة أو برودة. وغالب معرفته بتحقيق الأسباب والعلامة) (١).
حكم التداوي:
اختلف العلماء في التداوي: هل مباح وتركه أفضل، أم مستحب أم واجب؟
فالمشهور عن أحمد: الأول، والمشهور عند الشافعية: الثاني، حتى ذكر النووي في شرح مسلم: أنه مذهبهم، ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف، واختاره الوزير أبوالمظفر، قال: (ومذهب أبي حنيفة: أنه مؤكد حتى يداني به الوجوب). قال: ومذهب مالك: أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه. (٢)
стр. 266
قال شيخ الإسلام: (ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد). (١)
والذي يظهر - والله أعلم - أن التداوي من الأمراض يعتريه الأحكام التكليفية الخمسة:
١ - الوجوب: عند تحقق الشفاء التام وخوف الهلاك والتلف.
٢ - الندب: عند غلبة الظن في تحقق الشفاء ودفع المرض.
٣ - الإباحة: مثل كثير من الأمراض التي لا تسبب هلاكاً ولا يتوقع منها تلف.
٤ - الكراهة: مثل الكي.
٥ - التحريم: مثل التداوي بالمحرم كالتداوي بالخمر والسحر ونحو ذلك.
خامساً: الدعاء من أنفع الأدوية:
قال الله تعالى: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاء الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ (٦٢) سورة النمل.
وقال أيضاً: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ (٦٠) سورة غافر.
وقال أيضاً: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ (١٨٦) سورة البقرة.
قال الإمام ابن القيم ﵀: (٢)
(والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدو
стр. 267
البلاء، ويدفعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه، أو يخففه إذا نزل، وهو سلاح المؤمن كما روى الحاكم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ مرفوعاً: "إن الدعاء سلاح المؤمن، وعماد الدين، ونور السموات والأرض" (١).
وله مع البلاء ثلاث مقامات:
أحدها: أن يكون أقوى من البلاء فيدفعه.
الثاني: أن يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء، فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه وإن كان ضعيفاً.
الثالث: أن يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه.
وقد روى الحاكم في صحيحه من حديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : " لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما ينزل، وإن البلاء لينزل فيلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة ". (٢)
وفيه أيضاً من حديث ثوبان عن النبي ﷺ : " لا يرد القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر، وإن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه ". (٣)
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(فمن ينكر التداوي بالدعاء يلزمه أن ينكر التداوي بالعقاقير ولم يقل بذلك إلا شذوذ، والأحاديث الصحيحة ترد عليهم، وفي الالتجاء إلى الدعاء مزيد فائدة ليست في التداوي بغيره، لما فيه من
стр. 268
الخضوع والتذلل للرب سبحانه، بل منع الدعاء من جنس ترك الأعمال الصالحة اتكالاً على ما قدر، فيلزم ترك العمل جملة، ورَدُّ البلاء بالدعاء كرد السهم بالقوس، وليس من شروط الإيمان بالقدر أن لا يتترس من رمي بالسهم، والله أعلم).
سادساً: القرآن علاج وشفاء:
قال الإمام ابن القيم ﵀:
(قال تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٨٢) سورة الإسراء والصحيح: أن (من) هاهنا، لبيان الجنس لا للتبعيض، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥٧) سورة يونس.
فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية، وما كل أحد يُؤهَّل يوفق للاستشفاء به، وإذا أحسن العليل التداوي به، ووضعه على دائه بصدق وإيمان، وقبول تام، واعتقاد جازم، واستيفاء شروطه، لم يقاومه الداءُ أبداً.
وكيف تقاوم الدواء كلام رب الأرض والسماء الذي لو نزل على الجبال، لَصدَعَهَا، أو على الأرض لقطعها، فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا في القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه، والحمية منه لمن رزقه الله فهماً في كتابه). (١)
وقال ابن القيم في تعليقه على الفاتحة: (وحق لسورة تشمل على هذين الشفاءين: الأبدان والأرواح أن يستشفي بها من كل مرض. ولقد جربت ذلك في نفسي وفي غيري أموراً عجيبة، ولاسيما في مدة المقام بمكة فإنه كان يعرض لي آلامٌ مزعجة بحيث تكاد تقطع الحركة مني في الطواف فأبادر إلى قراءة الفاتحة، وأمسح بها
стр. 269
على محل الألم، فكأنه حصاة تسقط، ولقد جربت ذلك مرات عديدة). (١)
سابعاً: أحاديث ضعيفة وردت في فضل التداوي بالقرآن:
هذه بعض الأحاديث التي اشتهرت على الألسنة وسطرت في الكتب وتناقلها الخطباء نذكرها هنا للتحذير منها وبيان حالها؛ لأن في الأحاديث الصحيحة الواردة غنية عن الضعيف وحتى لا نقع تحت قوله ﷺ : " مَنْ يقل عليَّ ما لم أقل فهو أحد الكاذبين ".
١ - عن علي مرفوعاً: " خير الدواء القرآن ".
(ضعيف)، ضعيف ابن ماجه (٧٧٤، ٧٦٧)، ضعيف الجامع (٢٨٨٥).
٢ - حديث " خذوا من القرآن ما شئتم لما شئتم ".
(لا أصل له) السلسلة الضعيفة (٥٥٧).
٣ - عن عبد الله بن مسعود مرفوعاً: " عليكم بالشفاءين: العسل والقرآن ".
(ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً) السلسلة الضعيفة
(١٥١٤)، ضعيف الجامع (٣٧٦٥).
٤ - عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه، قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إن أخي وجع.
فقال: " ما وجع أخيك؟ ".
قال: به لمم (اللمم: طرق من الجنون يلم بالإنسان ويعتريه).
قال: " فابعث به إليَّ ".
стр. 270
فجاء، فجلس بين يديه، فقرأ عليه النبي ﷺ : فاتحة الكتاب، وأربع آيات من أول سورة البقرة، وآيتين من وسطها ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ * إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ (١٦٣ - ١٦٤) سورة البقرة. حتى فرغ من آخر سورة البقرة. وآية من أول سورة آل عمران ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ ...﴾ (١٨) سورة آل عمران. وآية من سورة الأعراف ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ ...﴾ ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ (١١٦) سورة المؤمنون. وآية من سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾ (٣) سورة الجن. وعشر آيات من سورة الصافات من أولها، وثلاثاً من سورة الحشر، وقل هو الله أحد، والمعوذتين.
(إسناده ضعيف جداً) أخرجه ابن السني في عمل اليوم والليلة (٦٣٢)، والطبراني في الدعاء (١٠٨٠)، من طريق أبي جناب يحيى بن أبي حية عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن رجل عن أبيه وهذا (إسناد ضعيف جداً) فيه علتان:
الأولى: جهالة الرجل وأبيه.
الثانية: يحيى بن أبي حية، ضعفوه لكثرة تدليسه.
راجع كتاب (صحيح الأذكار وضعيفه) للنووي، بقلم سليم عيد الهلالي، المجلد الأول ص (٣٥٤ - ٣٥٥) طبعة مكتبة الغرباء الأثرية - المدينة المنورة.
стр. 271
والحديث ضعفه الألباني في ضعيف ابن ماجه (٧٧٨) طبعة المكتب الإسلامي.
стр. 272
الفصل الثاني
الصرع
وفيه خمسة مباحث:
أولاً: تعريف الصرع.
ثانياً: الأدلة على إثبات الصرع.
ثالثاً: أنواع الصرع.
رابعاً: أسباب الصرع.
خامسًا: أسباب انتشار ظاهرة الصرع.
стр. 273
تمهيد:
إن الصرع، والمس، والسحر من الأمور التي انتشرت في هذا الزمان بصورة كبيرة، حتى اختلط على كثير من الناس التفريق بين الصرع الجني والصرع الطبي، وبينهما وبين الوهم الذي يدعيه الكثير من المرضى للهرب من مشكلاتهم الخاصة.
وفي هذا الفصل تفصيل لهذه المسألة في ضوء الكتاب والسنة.
أولاً: تعريف الصرع:
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(هي علة تمنع الأعضاء الرئيسية عن انفعالها منعاً غير تام، وسببه ريح غليظة تنحبس في منافذ الدماغ، أو بخار رديء يرتفع إليه من بعض الأعضاء، وقد يتبعه تشنج في الأعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصباً بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة، وقد يكون الصرع من الجن، ولا يقع إلا من النفوس الخبيثة منهم، إما لاستحسان بعض الصور الإنسية وإما لإيقاع الأذية به، والأول هو الذي يثبته جميع الأطباء ويذكرون علاجه، والثاني يجحده كثير منهم، وبعضهم يثبته ولا يعرف له علاجاً إلا بمقاومة الأرواح الخيرة العلوية لتندفع آثار الأرواح الشريرة السفلية وتبطل أفعالها). (١)
стр. 274
ثانياً: الأدلة على إثبات الصرع:
لقد وردت الأدلة من القرآن الكريم على أن الصرع أمر واقع وحقيقي، ولا ينكره إلا مكابر ومعاند.
أولاً: الأدلة من القرآن:
قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾ (٢٧٥) سورة البقرة
قال الإمام القرطبي ﵀:
(في هذه الآية دليل على فساد مَنْ أنكر الصرع من جهة الجن وزعم أنه من فعل الطبائع، وأن الشيطان لا يسلك في الإنسان ولا يكون منه مس). (١)
قال الحافظ ابن كثير ﵀: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ﴾ الآية. أي لا يقومون من قبورهم يوم القيامة إلا كما يقوم المصروع حال صرعه وتخبط الشياطين له، وذلك أنه يقوم قياماً منكراً). (٢)
ثانياً: الأدلة من السنة:
١ - عن عطاء بن أبي رباح قال: قال لي ابن عباس: ألا أريك امرأة من أهل الجنة؟ قلت: بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت النبي ﷺ فقالت: إني أصرع وإني أتكشف، فأدع الله لي. قال: " إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ". فقالت: أصبر. فقالت إني أتكشف، فادع الله لي أن لا أتكشف، فدعا لها.
стр. 275
عن ابن جريج أخبرني عطاء أنه رأى أم زفر، تلك المرأة الطويلة السوداء، على ستر الكعبة (١).
قال الحافظ ابن حجر:
(وفي الحديث فضل مَنْ يُصْرع، وأن الصبر على بلايا الدنيا يورث الجنة، وأن الأخذ بالشدة أفضل من الأخذ بالرخصة لمن علم من نفسه الطاقة ولم يضعف عن التزام الشدة، وفيه دليل على جواز ترك التداوي، وفيه أن علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله أنجح وأنفع من العلاج بالعقاقير) (٢).
٢ - عن عثمان بن أبي العاص ﵁ قال: لما استعملني رسول الله ﷺ على الطائف جعل يعرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي فلما رأيت ذلك رحلت إلى رسول الله ﷺ . فقال: " ابن أبي العاص " قلت: نعم يا رسول الله!. قال: " ما جاء بك؟ " قلت: يا رسول الله! عرض لي شيء في صلاتي حتى ما أدري ما أصلي. قال: " ذاك الشيطان. ادنه " فدنوت منه فجلست على صدور قدمي قال: فضرب صدري بيده وتفل في فمي وقال: " اخرج عدو الله " فعل ذلك ثلاث مرات ثم قال: " الحق بعملك " قال: فقال عثمان: فلعمري ما أحسبه خالطني بعد. (٣)
قال العلامة الألباني ﵀:
(وفي الحديث دلالة صريحة على أن الشيطان قد يتلبس الإنسان ويدخل فيه ولو كان مؤمناً صالحاً) (٤).
стр. 276
٣ - عن يَعْلَى بن مُرَّة ﵁ قال: لقد رأيت من رسول الله ﷺ ثلاثاً ما رآها أحد قبلي، ولا يراها أحد بعدي: لقد خرجت معه في سفر، حتى إذا كنا ببعض الطريق، مررنا بامرأة جالسة، معها صبي لها، فقالت: يا رسول الله!، هذا صبي أصابه بلاء، وأصابنا منه بلاء، يؤخذ في اليوم ما أدري كم مرة، قال:" ناولنيه "، فرفعته إليه، فجعلته بينه وبين واسطة الرحل، ثم فغر فاه، فنفث فيه ثلاثاً، ثم قال: " بسم الله أنا عبد الله، اخسأ عدو الله " ثم ناولها إياه، فقال: " ألفينا في الرجعة في هذا المكان، فأخبرينا ما فعل " قال: فذهبنا، ورجعنا فوجدناها في ذلك المكان معها شياه ثلاث. فقال ﷺ : " ما فعل صبيك؟ " فقالت: والذي بعثك بالحق، ما حسسنا منه شيئاً حتى الساعة، فاجتزر هذه الغنم، قال: " انزل فخذ منها واحدة ورد البقية ... " (١)
ثالثاً: أنواع الصرع:
قال الإمام ابن القيم ﵀: (الصرع صرعان:
الأول: صرع من الأرواح الخبيثة الأرضية.
الثاني: صرع من الأخلاط الرديئة، وهو الذي يتكلم الأطباء في سببه وعلاجه.
أما صرع الأرواح: فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون به، ولا يدفعونه، ويعترفون بأن علاجه بمقابلة الأرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة، فتدافع آثارها، وتعارض أفعالها وتبطلها، وقد نص على ذلك أبقراط في بعض
стр. 277
كتبه، فذكر بعض علاج الصرع، وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة. وأما الصرع الذي يكون من الأرواح، فلا ينفع هذا العلاج.
وأما صرع الأخلاط: فهو علة تمنع الأعضاء النفسية عن الأفعال والحركة والانتصاب منعاً غير تام).
رابعاً: أسباب الصرع:
عرفنا أن الصرع قسمان: صرع من قبل الجن، وآخر من قبل المرض، ولكل واحد منهما أسبابه التي تختلف عن الآخر.
أولاً: أسباب الصرع الجني:
ويمكن تلخيص أسباب مس الجن للإنس فيما يلي:
١ - (عشق الجني للإنسية، أو عشق الجنية للإنسي.
٢ - ظلم الإنسي للجني، بصب ماء ساخن عليه، أوبالوقوع عليه من مكان عالٍ، وغير ذلك.
٣ - ظلم الجني للإنسي، كأنه يمسه دون سبب، ولا يتسنى له ذلك، إلا في حالة من هذه الحالات الأربع:
أ - الغضب الشديد.
ب - الخوف الشديد.
جـ - الإنكباب على الشهوات.
د - الغفلة الشديدة. (١)
٤ - قلنا: ويمكن أن يمس الجني الإنسي بدون سبب ويكون الإنسي مؤمناً
стр. 278
صالحاً، مثل: عثمان بن أبي العاص ﵁، والمرأة السوداء وأنه يقع كنوع من الإبتلاء والاختبار؛ إما لتكفير الذنوب أو لرفع المنزلة والدرجة في الآخرة. والله أعلم.
ثانياً: أسباب الصرع الطبي:
(الصرع من أقدم الأمراض المعروفة، ومع تقدم الطب تبين أن السبب هو وجود بؤرة في مكان ما في المخ تصدر شحنة كهربائية زائدة، ويتمثل المرض في نوبة هياج عصبي تبدأ تلقائياً، وتنتشر في أجزاء الجسم، ثم تنتهي دون أي تدخل خارجي، وليس بالضرورة أن يغيب الشخص عن الوعي. وتظهر آثاره بشكل معين في رسام المخ الكهربائي.
أسباب المرض في الطفولة:
١ - التشنجات المصاحبة للحميات، وهي من أهم الأسباب ما بين (٢ - ٥) سنوات.
٢ - إصابات الرأس قبل الولادة.
٣ - الالتهاب السحائي أو وجود خراج بالمخ.
٤ - نزيف داخلي.
٥ - أمراض التمثيل الغذائي مثل نقص الكالسيوم في الدم.
٦ - التسمم بالرصاص.
٧ - بعض حالات التخلف العقلي.
الأسباب في البالغين:
١ - الأورام المختلفة داخل المخ.
٢ - أمراض الأوعية الدموية بالمخ الناتجة من ضغط الدم المرتفع، أو نزيف
стр. 279
داخلي، أو جلطة. وكلها من أهم الأسباب لمن هم فوق سن الخمسين.
٣ - إصابات الدماغ.
٤ - الالتهابات المختلفة للمخ وأغشيته.
٥ - بعض أنواع السموم خصوصاً إدمان الكحولات). (١)
خامسًا: أسباب انتشار ظاهرة الصرع:
إن الناظر في أحوال الناس في الآونة الأخيرة يسمع كلاماً كثيراً عن حالات الصرع الذي انتشر انتشاراً واسعاً في جميع المستويات والطبقات، حتى أصبحت من جملة الظواهر التي يعاني منها المسلمون، والواضح أن هناك أسباباً كثيرة أدت إلى هذه الظاهرة، منها:
١ - الوهم:
(الوهم مرض نفسي خبيث، وقد كان لخوف الناس من الجن والشيطان دور كبير في حصول هذا الوهم، وبدأ كثير من الناس يربط بين مرض معين أصابه، أو مشكلة في حياته، أو خلافات زوجية عادية أو حادثة معينة حدثت له، وبين أمور أخرى، فأخذ يقلب في ذاكرته عن سبب هذه المشكلة، أو تلك الخلافات، فاعتقد أن فلاناً من الناس قد أصابه بعين، أو أنه وقع يوماً ما فأصابه الجن بالمس، ثم يحكي أعراضاً يُحس بها.
وفي الحقيقة: إن مرض الوهم إذا أصاب الإنسان، كان أخطر من المرض
стр. 280
الحقيقي، لأن مس الجن يزول بفضل الله أمام الرقية بالقرآن الكريم، أما مرض الوهم فهو في دَوَّامة لا تنتهي، والحقيقة أن المترددين على المعالجين بالقرآن الكريم نسبة كبيرة منهم مرضى بالوهم والقلة القليلة مَنْ به مس من الجن.) (١).
٢ - الفراغ:
قال الحسن البصري: نفسك إن لم تشغلها بالحق شغلتك بالباطل.
إن الفراغ والخواء قد ملأ القلوب، فوجد الشيطان فيها أرضاً خصبة، فصال وجال، وبذر وزرع وحصد.
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
٣ - كثرة كتب الجن والشياطين:
إن الناظر في المكتبات الإسلامية يجد العشرات، بل المئات من الكتب التي تتحدث عن الجن والشيطان، وحالات المس والصرع، والحسد، والربط ... ، وغيرها من القضايا المختلفة، فضلاً عن انتشار أشرطة المعالجين بين الناس، وكذلك الإعلان عن مراكز العلاج الروحاني أو العلاج بالقرآن الكريم في كثير من الصحف والمجلات، وتبني بعض الأحزاب السياسية لهذا الموضوع؛ لرفع رصيدها الشعبي بين الناس.
٤ - حب الاستطلاع:
إن حب الاستطلاع والتشوق إلى معرفة الأخبار الغريبة، والحكايات العجيبة، وبخاصة مما يتعلق بالغيب، ومن الأمور التي يقبل عليها الناس؛ ولذلك
стр. 281
أشبع القرآن الكريم هذه الناحية بالحديث عن الغيبيات كالملائكة والجن والجنة والنار ... وغيرها. (١)
٥ - جهل كثير من المعالجين:
إن جهل كثير من المعالجين بحقيقة الجن والشياطين والأمراض العضوية أدى إلى عدم التفريق بينها مما زاد من حجم المشكلة وأدى إلى تفاقمها وسنعرض لشيء من أخطائهم في المباحث القادمة - إن شاء الله -.
стр. 282
الفصل الثالث
الرقية الشرعية
وفيه خمسة مباحث:
أولاً: تعريف الرقية الشرعية.
ثانياً: حكم الرقية وشروطها.
ثالثاً: أقسام الرقى.
رابعاً: بعض الرقى لعلاج الصرع والسحر والحسد وسائر الأمراض.
خامساً: بدع وأخطاء المعالجين.
стр. 283
أولاً: تعريف الرقية الشرعية:
(الرقية: العوذة، معروفة، قال رؤبة:
فما تركا من عوذة يعرفانها ... ولا رقية إلا بها رقياني (١)
والعوذة والمعاذات والتعويذ: الرقية ما يُرْقَى به الإنسان من فزع أو جنون، لأنه يُعَاذ بها وقد عوَّذه، يقال: عوذت فلاناً بالله، وبأسمائه، وبالمعوذتين، إذا قلت: أعيذك بالله، وبأسمائه من كل ذي شر) (٢).
ثانياً: حكم الرقية وشروطها:
الرقية مشروعة، وجائزة، دل على ذلك أحاديث كثيرة منها:
١ - عن أم سلمة ﵂ أن النبي ﷺ رأى في بيتها جارية في وجهها سفعة (٣) فقال: " استرقوا لها فإن بها النظرة " (٤).
стр. 284
٢ - عن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه نفث في كفيه بـ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ وبالمعوذتين جميعاً، ثم يمسح بهما وجهه، وما بلغت يداه من جسده). (١)
قال العلامة الألباني ﵀: عن عائشة: أن رسول الله ﷺ دخل عليها وامرأة تعالجها أو ترقيها فقال: " عالجيها بكتاب الله " (٢).
(وفي الحديث مشروعية الترقية بكتاب الله تعالى، ونحوه مما ثبت عن النبي ﷺ من الرقي ... وأما غير ذلك من الرقى فلا تشرع، لاسيما ما كان منها مكتوباً بالحروف المقطعة، والرموز المغلقة، التي ليس لها معنى سليم ظاهر، كما ترى أنواعاً كثيرة منها في الكتاب المسمى بـ (شمس المعارف الكبرى) ونحوه). (٣)
شروط الرقية الجائزة:
قال الحافظ ابن حجر ﵀:
(وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
١ - أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
٢ - وباللسان العربي أو بما يعرف معناه من غيره.
٣ - وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بذات الله تعالى.
واختلفوا في كونها شرطاً، والراجح أنه لابد من اعتبار الشروط المذكورة، ففي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك قال: كنا نرقي في الجاهلية، فقلنا:
стр. 285
يا رسول الله كيف ترى ذلك؟ قال: " اعرضوا عليَّ رقاكم، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " وله من حديث جابر نهى رسول الله ﷺ عن الرقى، فجاء آل عمرو ابن حزم فقالوا: يا رسول الله! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب، قال: فَعَرضُوا عليه فقال: " ما أرى بأساً، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه ") (١).
قال العلامة الألباني ﵀:
(وفي الحديث استحباب رقية المسلم بما لا بأس به من الرقى وذلك ما كان معناه مفهوماً مشروعاً، وأما الرقى بما لا يعقل معناه من الألفاظ فغير جائز. قال المناوي: وقد تمسك ناس بهذا العموم، فأجازوا كل رقية جربت منفعتها، وإن لم يعقل معناها، لكن دل حديث عوف الماضي أن ما يؤدي إلى شرك يمنع، وما لا يعرف معناه لا يؤمن أن يؤدي إليه، فيمنع احتياطاً). (٢)
ثالثاً: أقسام الرقى:
تنقسم الرقى إلى قسمين بهذه الاعتبارات:
أولاً: باعتبار الراقي .
ثانياً: باعتبار الزمن.
ويتضح هذا التقسيم من خلال العرض الآتي:
أولاً: باعتبار الراقي وتنقسم إلى ثلاثة أقسام:
١ - أن يرقي الإنسان نفسه، وتعتبر هذه من أفضل المنازل، وأقربها للقبول، وذلك لأن المريض هو المضطر والله يقول: ﴿أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ