Полный текст (277 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
الموضع القرآني [٣٥]
بعض ما سخره الله للإنسان
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في الآيات التاليات ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ * وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ [إبراهيم: ٣٢ - ٣٤]
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنَّه خلق السموات بنجومها وشموسها وأقمارها، وجعلها سقفًا محفوظًا، وجعلها سبعًا طباقًا، وخلق الأرض بجبالها وسهولها، وحيوانها ونباتها، وأنزل سبحانه الماء من السماء , فأخرج به أزواجًا من نباتٍ شتى ما بين ثمارٍ وزروعٍ، مختلفة الألوان والأشكال، والطعوم والروائح والمنافع، وسخر لنا الفلك، وهي السفن لتجري في البحر بإرادته ومشيئته، فتحملنا وتحمل أثقالنا، وسخَّر لنا الأنهار تشقُّ الأرض من قطر إلى
стр. 177
قطرٍ وجعل ماءها شرابًا لنا، ولحيواناتنا، ونباتاتنا، وسخَّر لنا ربُّنا سبحانه الشمس والقمر دائبين، يسيران، ولا يقرّان ليلًا ولا نهارًا، وسخَّر لنا الليل والنهار، أحدهما لمنامنا وراحتنا، والآخر يبعثنا فيه، لنعمل ونقوم بمهامنا، وقد جعل ربُّنا سبحانه الشمس والقمر يتعاقبان، والليل والنهار يتقارضان، فتارة يأخذ هذا من هذا فيطول، ثمَّ يأخذ الآخر من هذا فيقصر.
وآتانا ربُّنا من كلِّ ما سألناه إياه ﴿وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ﴾ لقد آتانا الله ﵎ من كلِّ ما سألناه واحتجنا إليه من أنواع الطعام وأنواع الشراب وأنواع الفواكه وأنواع اللباس، وأخبرنا ربُّنا أننا لا نستطيع إحصاء نعمه التي أنعم بها علينا ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ ومع كثرة النعم التي أنعم بها على عباده، فإنَّ الإنسان كثير الظلم لنفسه، فبدل أن يقابل النعم بالشكر لله الواحد الأحد، إذا هو يقابلها بالكفر ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ وظلومٌ وكفَّارٌ صيغتان من صيغ المبالغة أراد الله تعالى بهما إظهار مدى ظلم الإنسان وكفره.
* * *
стр. 178
الموضع القرآني [٣٦]
خلق الله الإنسان من نطفة
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا ﵎ في هذه الآيات بنفسه، وحدَّثنا بنعمه التي أنعم بها علينا في الأرض والسماء، ومن ذلك خلقه الأرض والسماء، وخلقنا من نطفةٍ ضعيفةٍ، وخلق لنا الأنعام، لتكون لنا مأكلًا، وصوفها ملبسًا، ونركبها في حاجاتنا، وتحمل أثقالنا.
وخلق لنا ربُّنا الخيل والبغال والحمير لنركبها، ونتجمل بها، وأنزل لنا الماء من السماء لنشرب منه، ونسقي منه دوابَّنا، ونروي زروعنا، وسخَّر لنا الليل والنهار، والشمس والقمر والنجوم، وبثَّ لنا في الأرض ما نحتاج إليه من المنافع والمصالح , وسخَّر لنا البحر لنأكل منه اللحم الطريَّ، ونلبس مما يخرج منه من حليِّ، ونسيِّر فيه سفننا لتحملنا وتحمل تجاراتنا، وثبَّت الله العظيم الكريم سبحانه أرضنا بالجبال الرواسي، وسيَّر لنا فيها الأنهار، وجعل لنا فيها
стр. 179
الممرات والطرقات نسير فيها مشرِّقين ومغربين، وجعل لنا فيها العلامات التي تهدينا في أسفارنا، وهدانا بالنجوم في ظلمات الليل، وهو ربُّنا ﵎ الذي لا يعدُّ ولا يحصى خلقه، ولا تعدُّ نعمه، وهو العالم بنا لا يخفى عليه شيءٌ مما نسرُّ به ونخفيه، ولا ما نعلنه ونبديه سبحانه.
ثانيًا: آيات هذا الموضع من سورة النحل
﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ * خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ * وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ * هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ * وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ * وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ
стр. 180
وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ * أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ
لَغَفُورٌ رَحِيمٌ * وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ * وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ * أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ * إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ * لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾ [النحل: ٣ - ٢٣].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الأنعام: الجمال والأبقار والأغنام.
النطفة: الحيوان المنوي الذي يخلق منه الإنسان.
تريحون وتسرحون: تريحون بالعودة إلى منازلكم، وتسرحون عندما تنطلقون إلى المرعى.
جائر: ظالمٌ ضالٌّ.
تسيمون: ترعون أنعامكم.
ذرأ: بثَّ ونشر.
مواخر: تشقُّ عباب الماء.
تميد: تميل وتضطرب.
لا جرم: حقّاً.
стр. 181
رابعًا: شرح هذه الآيات
هذه الآيات مقطع طويل من الآيات، عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه فيها عبر النقاط التالية:
١ - خلق الله ﵎ السموات والأرض بالحق:
عرَّفنا ربُّنا أنَّه ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] وعرَّفنا أنَّه خلق السموات والأرض خلقًا كائنًا بالحقِّ متصفًا به، وقد سبق أن بيَّنت فيما مضى في سورة الحجر أنَّ الحق هو الذي جعل السموات والأرض معبدًا تتجاوب أرجاؤه بالتقديس والتسبيح والتحميد، ويتردَّد فيه الدعاء، وتقام فيه الصلاة، وقد نزَّه الله تعالى نفسه عمَّا يشركون، أي ما يشركونه به من الأوثان والأصنام.
وأخبرنا أنه ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ﴾ [النحل: ٤] أي خلقه، من حيوانٍ منويٍّ ضعيفٍ، فلما نما وكبر وأصبح إنسانًا خاصم ربَّه الذي خلقه، وكذَّبه، وحارب رسله، كما قال ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ * وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس: ٧٧ - ٧٩].
وقد روى بسر بن جحاشٍ قال: بصق رسول الله ﷺ في كفه، ثمَّ قال: «يقول الله تعالى: ابن آدم، أنَّى تعجزني، وقد خلقتك من مثل هذه؟ حتَّى إذا
стр. 182
سوَّيتك, فعدلتُك مشيت بين بُرديك, وللأرض منك وئيدٌ, فجمعت ومنعت, حتَّى إذا بلغت الحلقوم, قلت: أتصدَّق؛ وأنَّى أوان الصدقة» [قال محقق ابن كثير (٣١١٤): أخرجه ابن ماجه وأحمد وصحح البوصيري إسناده في الزوائد, وانظر «الصحيحة» (١٠٩٩)].
وأعلمنا أنَّه خلق لنا الأنعام, لمصالح كثيرةٍ حدَّثنا ربُّنا عنها ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَاكُلُونَ * وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ * وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ * وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥ - ٨]. والأنعام هي الإبل والبقر والغنم, وقد جعل الله تعالى لنا فيها الدفء, فالبشر يصنعون من أصوافها وأوبارها وأشعارها ملابس يتجملون بها, ويصنعون ملابسهم التي تقيهم البرد, ويصنعون منها خيامهم التي تؤويهم في الحرِّ والقرِّ, وجعل لنا فيها منافع كثيرةً, وجعل لحمها طعاماً لنا, وجعل لنا فيها جمالاً حين نريح وحين نسرح, أي حين نرجع بها من المرعى عشياً, ﴿وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ أي: غدوة حين نبعثها إلى المرعى, ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾ والأثقال تتمثل بالأمتعة وأنواع البضائع والأثاث التي يرغب الناس بنقلها من مكانٍ إلى مكان, تحملها الإبل إلى بلادٍ بعيدة, لم نكن بالغيها إلا بشقِّ الأنفس, نسافر بها إلى الحجِّ والعمرة, أو ننتقل للتجارة أو الزيارة أو السياحة, وعقَّب ربُّنا ﵎ على ذلك
стр. 183
بقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ لرؤوف رحيم بكم, ومن أجل ذك سخر لكم هذه الأنعام.
ثم أخبرنا ربُّنا أنَّه سخَّر لنا ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨]. فالخيل والبغال والحمير تستعمل لأمرين: الأول: ركوب بني آدم لها. والثاني: أنَّ في اقتنائها وركوبها زينةً يستمتع بها أصحابها, وقوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الوسائل التي يركبها العباد, ويتخذونها زينة, وقد يسَّر الله للبشر اختراع السيارات والطيارات (والقطارات) , وطوروا السفن, وسيخترع البشر أنواعاً أخرى لمزيد من الانتفاع بها.
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ﴾ [النحل: ٩]. ذكر الله تعالى الحيوانات من الإبل والبقر والغنم والخيل والبغال والحمير, وذكر ما فيها من المنافع, ثمَّ ذكر الطرق التي يسلكها الناس إليه, فبيَّن أنَّ منها السبيل القاصدة, وهي الطريق الموصلة إليه, وهي طريق الحقِّ, وهي متمثلة في دين الإسلام الذي سلكه أنبياؤه ورسله وأتباعهم, ﴿وَمِنْهَا جَآئِرٌ﴾ وهذا شامل للطرق الضالة كلها, وهي اليهودية والنصرانية والبوذية والهندوسية والمجوسية والشيوعية, وغيرها من طرق الضلال والغواية, وأعلمنا ربُّنا في خاتمة الآية أنه لو شاء لهدانا أجمعين, ولكنَّه قضى بتدبيره وحكمته أن نكون مختلفين.
стр. 184
٢ - إنزال الله ﵎ الماء من السماء لينبت به الزرع:
أعلمنا ربُّنا ﵎ أنه ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ * يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٠ - ١١].
ذكر الله - تعالى - نعمته على عباده في إنزاله الماء من السماء, والمراد به إنزاله من السحاب, وقد جعل من هذا الماء النازل من السماء شراباً يشرب منه العباد ودوابُّهم ومواشيهم, ومنه تتغذى الآبار وتتدفق العيون, ومنه ما يسقي الزرع والشجر الذي فيه تسيمون أنعامكم, أي: ترعونها فيه, تقول العرب: الإبل السائمة.
وبهذا الماء الواحد ينبت لنا ربُّنا الزرع والزيتون والنخيل والأعناب, ثم قال: ﴿مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ أي: ويخرج لكم غيرها من الثمرات, كالتفاح والبرتقال والخوخ وأنواع الفواكه, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ أي: فيما حدثنا الله من سقينا بالماء النازل من السماء, وما ينبت به من الزروع والثمار, لآيات دالة على الله تعالى, ولكن لقوم يحسنون التدبر والتفكر والاتعاظ بهذه الآيات.
٣ - سخَّر الله ﵎ لعباده الليل والنهار والشمس والقمر:
عرَّفنا ربُّنا ﵎ أنه سخَّر لنا ما شاء من مخلوقاته ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ
стр. 185
لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٢ - ١٣].
ذكر الله ﵎ النعم التي لا تقوم حياتنا من غيرها, ذكر أنَّه سخَّر لنا الليل والنهار, يتعاقبان, ويتقارضان, والشمس والقمر يدوران, وسخر لنا النجوم وبثَّها في أرجاء الفضاء, وجعلها لنا نوراً وضياء, وجعلها لنا علاماتٍ نهتدي بها في ظلمات الليل, وقد حدَّثنا في غير هذا الموضع عن مساراتها ومنازلها.
وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢] أي: في ذلك آيات لقوم يعقلون دين الله ﵎ ويفقهون حججه, وقوله: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أخبرنا ربَّنا عمَّا ذرأه في أرضنا من الأمور العجيبة والأشياء المختلفة من الحيوانات المختلفة والنبات والمعادن والجمادات على اختلاف أشكالها وألوانها ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ أي: آياتٌ دالةٌ على الله سبحانه لقومٍ يذَّكرون آلاءه ونعمه, فيشكرونها.
٤ - الله ﵎ الذي سخر لعباده البحر:
الله ﵎: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَاكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون﴾.
стр. 186
حدَّثنا ربُّنا ﵎ عن تسخيره البحر لنا, والبحر في هذه الأرض أكثر من اليابسة, وقد سخَّر لنا هذا البحر الشاسع الواسع المتلاطم بالأمواج, وجعل فيه الأسماك والحيتان, وأحلَّها لعباده, ولحمها طريٌّ صالحٌ للأكل, وجعل فيها الحليَّ التي نستخرجها من البحار, كما قال ربُّ العزَّة: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢]. ومن الآيات البحرية مسير الفلك في البحر, وهي السفن التي تمخر بصدرها عباب البحر, وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: لتركبوا الفلك, وتسيروا فيها, متنقلين من قطرٍ إلى قطر, ومن بلادٍ إلى بلاد, لطلب الرزق, وزيارة الأصحاب والأقارب والأحباب, ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ أي: تشكرونه على نعمة وإحسانه وفضله.
٥ - ألقى ربُّ العزَّة الجبال في الأرض ليثبتها وأجرى فيها الأنهار:
أعلمنا ربُّنا أنَّه ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل: ١٥ - ١٦] خلق الله تعالى الأرض فمادت, فأرساها وثبَّتها بالجبال, وسيَّر فيها الأنهار تسقي العباد والبلاد, وجعل فيها الطرق والممرات تخترق الجبال, وينتقل الناس فيها في أسفارهم, كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا﴾ [الأنبياء: ٣١].
وجعل ربُّنا في الأرض علاماتٍ يستدلُّ بها المسافرون على ما يقصدونه في أسفارهم, وتكون العلامة جبلاً شامخاً, أو رابيةً مدببة, أو صخرةً مفلطحةً, أو هوةً سحيقةً, أو غير ذلك.
стр. 187
وكما جعل لنا علاماتٍ نهتدي بها في جنبات الأرض, جعل لنا النجوم لنهتدي بها في ظلمة الليل, ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ فكثيرٌ من الناس يستطيعون تحديد مشارق الأرض ومغاربها في الليل بالتعرف على مواقع النجوم.
٦ - استحقاق الله تعالى العبادة وحده:
أعلما ربُّنا ﵎ أنَّه وحده الخالق دون غيره بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧] فالله الذي خلق الخلق في الأرض وفي السماء هو الذي يستحقُّ أن يعبد وحده, فغيره لا يخلق شيئًا.
وعقَّب الله ﵎ على هذا السيل الذي ساقه من النعم الكثيرة الوافرة بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] أي أنَّ العباد لا يستطيعون عدَّ نعم الله على عباده, وقد تكون في النعمة الواحدة نعمٌ كثيرة, ولذلك لا يستطيع العباد الوفاء بنعم الله كلِّها, فمن فضل الله ﵎ علينا أنَّه يرضى عنَّا, وإن لم نستطع أن نفيه حقَّ النعم كلِّها, و ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ولذلك يغفر لنا ما وقع منا من تقصير في شكر نعمه.
﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ١٩]. أخبرنا ربُّنا في خاتمة هذا النصِّ أنه يعلم ما نسره ونخفيه, وما نعلنه ونبديه, فعلمه بنا محيط, لا تخفى عليه خافية من أعمالنا وأقوالنا وخطرات قلوبنا.
стр. 188
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا على نفسه في هذه الآيات
١ - الله ﵎ الذي خلق السموات والأرض.
٢ - الله ﵎ خلق الإنسان من نطفةٍ ضعيفة, ثم أصبح لله خصيماً.
٣ - خلق الله ﵎ لنا الأنعام, نصنع من أوبارها وأصوافها ملابسنا, التي تدفئنا, ولنا في لحومها وألبانها منافع كثيرةٌ, ومنها نأكل, ولنا فيها جمالٌ حين نذهب للراحة في المساء, وحين نغدو بها في الصباح, وتحملنا وتحمل أثقالنا إلى بلدٍ لم نكن بالغيه إلا بشقِّ الأنفس.
٤ - الله تعالى هو الذي خلق لنا الخيل والبغال والحمير لنركب فوق ظهورها, وجعل لنا فيه زينةً وجمالاً.
٥ - الله تعالى الذي أنزل لنا من السماء ماءً نشرب منه, ونسقي منه دوابنا, ويخرج به الشجر الذي نطلق فيه أنعامنا لتأكل منه.
٦ - ينبت الله بالغيث الذي ينزله من السماء الزرع والزيتون والنخيل والأعناب, ويخرج لنا به من كلِّ أنواع الثمار.
٧ - الله - سبحانه - الذي سخَّر الليل والنهار, وجعلهما يتعاقبان ويتقارضان, وخلق لنا الشمس والقمر, لنعلم عدد الأيام, ونعلم الشهور والأعوام.
٨ - أخرج الله تعالى لنا من الأرض شتى أنواع الفواكه والخضراوات, وجعلها مختلفة الألوان فذا ذهبيٌّ, وهذا فضيٌّ, وهذا أسود, وهذا أخضر , وهذا أصفر.
стр. 189
٩ - خلق الله تعالى البحر وسخَّره لنا, وخلق لنا فيه الأسماك والحيتان, لنأكل منه اللحم الطريَّ, وجعل فيه اللؤلؤ والمرجان, لنستخرجها من البحر, ونجعلها حليةً نتحلى بها.
١٠ - خلق لنا ربُّنا السفن, لتسير بنا في البحار, وتحمل أثقالنا فيه, ولنسافر فيه لتجارتنا إلى مختلف بقاع الأرض
١١ - ألقى الله تعالى الجبال في الأرض كي لا تميد بنا, وكي تثبت وتستقرّ.
١٢ - خلق الله لنا الأنهار تسير في الأرض مشرقةً ومغربةً, تسقينا وتسقي الدوابَّ والحقول والأشجار.
١٣ - جعل الله تعالى ممراتٍ بين الجبال, وفي الهضاب والآكام, كي نعبُر عَبرَها عندما نتحرك من مكان إلى مكان.
١٤ - الله يعلم ما نسرُّه ونخفيه في قلوبنا وضمائرنا, وما نظهره ونبديه من أقوالنا.
١٥ - الآلهة التي يعبدها المشركون آلهةٌ باطلةٌ, فهي مخلوقةٌ مربوبةٌ, تُخْلَقُ ولا تَخْلُقُ, وهي ميتةٌ ليس فيها حياةٌ, وما تدري متى البعث والنشور.
١٦ - الله - تعالى - هو الإله الواحد الذي يستحقُّ أن يعبد وحده دون غيره.
* * *
стр. 190
الموضع القرآني [٣٧]
﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾
الله تعالى هو الذي أحيا العباد بعد أن كانوا أمواتاً, ثم يميتهم في الحياة الدنيا, ثم يوم القيامة يحييهم جميعاً, ويوقفهم بين يديه, ويحاسبهم على ما قدموه في دنياهم.
وكان كفار قريش وعامة العرب يكذبون بقدرة الله على البعث والنشور, وأعلمنا ربُّنا في هذه الآيات أن الكفار قد أقسموا على أنَّ الله لا يبعث الذي يموت, فقال: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٤٨]. فالكفار من قريشٍ يكذِّبون بالبعث والنشور, وليؤكدوا قولهم هذا أقسموا بالله ﴿جَهْدَ
стр. 191
أَيْمَانِهِمْ﴾ أي: بحلفهم أغلظ الأيمان, وقد ردَّ الله تعالى عليهم قولهم هذا بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ أي: بلى, أي سيبعث الله كلَّ من يموت, وبعث الناس يوم القيامة وعد على الله, لا بدَّ منه, ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ أي: لا يعلمون أنَّ بعث العباد أمر يسير على الله, لا يعجزه من ذلك شيءٌ.
ثم بيَّن ربُّ العزَّة سبحانه الغرض من بعث العباد, فقال سبحانه: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ [النحل: ٣٩] أي: ليبين الله تعالى لعباده ما كانوا يختلفون فيه في الحياة الدنيا, وأعظمه اختلافهم في التوحيد, واختلافهم فيما كانوا يعبدونه من دون الله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ أي: وليعلم الذين كفروا أنهم كاذبين فيما أقسموا عليه أنَّ الله تعالى لا يبعث من يموت, ولذلك فإنَّ زبانية النار تقول لهؤلاء المكذبين بالبعث والنشور, وهي تدعُّهم إلى النار: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ * أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ * اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُون﴾ [الطور: ١٤ - ١٦].
ثم بيَّن لنا ربُّنا أنَّ أمر بعث العباد في يوم المعاد سهل يسير عليه سبحانه, ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] فالله ﵎ إذ أراد أن يخلق شيئًا, فإنما يقول له: كن, فيكون كما أراده الله ﵎, فالله لا يعجزه شيءٌ, وليس هناك شيءٌ يأمره الله فيرفض, ولا يطيع.
стр. 192
وقد جاء في الحديث أنَّ الذين زعموا أن الله تعالى لا يبعث من يموت, قد كذبوا على الله ﵎, فعن أبي هريرة, قال: قال رسول الله ﷺ : «قال الله: كذَّبني ابن آدم, ولم يكن له ذلك, وشتمني, ولم يكن له ذلك, أمَّا تكذيبه إياي أن يقول: إنِّي لن أعيده كما بدأته, وأمَّا شتمه إياي أن يقول: اتَّخذ الله ولداً, وأنا الصمد الذي لم ألد ولم أُولد, ولم يكن لي كفؤاً أحدٌ» [البخاري: ٤٩٧٥].
* * *
стр. 193
الموضع القرآني [٣٨]
لله يسجد ما في السموات وما في الأرض
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات الكريمات, عرَّفنا ربُّنا أنَّ الظلال تسجد له, وتسجد له الدوابُّ, كما تسجد له الملائكة في السموات العلا, والله تعالى معبودٌ واحد, وله الدين وحده لا شريك له, والنعم التي في أنفسنا أو التي تحيط بنا فمن الله وحده, وكفار العرب كانوا يدعون الله وحده إذ أصابهم الضرُّ, فإذا رفعه عنهم أشركوا.
وكفار العرب كانوا يجعلون لمن يعبدون نصيباً من رزقهم الله, وتلك جريمةٌ سيسألهم الله عنها يوم القيامة, وكفار العرب كانوا يجعلون لله البنات, فيقولون: الملائكة بنات الله, ويكرهون أن يرزقوا البنات, فإذا رزق أحدهم بالأنثى إما أن يبقيها حيَّةً على هون, أو يقتلها بأن يدسَّها في التراب.
стр. 194
ثانيًا: آيات هذا الموضع
﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ * وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ * وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ * وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ * ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ * لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ * وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ * وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ * لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٤٨ - ٦٠].
ثالثًا: غريب الآيات
يتفيأ ظلاله: دوران الظلِّ ورجوعه من موضع إلى موضع.
فارهبون: فخافون.
تجأرون: ترفعون أصواتكم متضرعين إلى الله, لعلَّه يرفع الضرَّ عنكم.
واصباً: دائماً.
стр. 195
تفترون: تكذبون وتختلقون.
يشتهون: يختارون.
كظيم: الكظيم الذي امتلأ غيظاً وحنقاً, فلا يتكلم.
يتوارى من القوم: يتغيب عن قومه.
أيمسكه على هونٍ, أي: يبقيه حياً وهو يشعر بالذلة والهوان.
مثل السوء: صفة السوء.
المثل الأعلى: الصفة العليا التي لا نقص فيها.
رابعًا: تفسير هذه الآيات الكريمات
عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات الكريمات, ببيان ما يأتي:
١ - أمر الله تعالى عباده أن ينظروا إلى ما خلق من شيء:
وجَّه الله ﵎ أنظار عباده إلى النظر إلى ما خلق من شيءٍ يُتفيَّؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجَّداً لله, فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ * وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ * يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٤٨ - ٥٠].
قال ابن جريرٍ في تفسيره: «أو لم ير هؤلاء الذين مكروا السيئات إلى ما خلق الله من جسمٍ قائمٍ شجرٍ أو جبلٍ أو غير ذلك يتفيأ ظلاله عن اليمين
стр. 196
والشمائل, يقول: يرجع من موضع إلى موضع, فهو في أوَّل النهار على حال, ثم يتقلَّص, ثم يعود إلى حالٍ أخرى في آخر النهار» [تفسير الطبري: ٦/ ٤٩٨٨].
وقال ابن الجوزي: «قوله تعالى: ﴿إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ أراد من شيء له ظلٌّ, من جبلٍ, أو شجرٍ, أو جسمٍ قائمٍ ﴿يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ﴾ وهو جمع ظل, وإنما جمع وهو مضاف إلى واحد, لأنه واحدٌ يراد به الكثرة. قال ابن قتيبة: ومعنى يتفيَّأ ظلاله: يدور ويرجع من جانبٍ إلى جانب, والفيء: الرجوع, ومنه قيل للظل بالعشيِّ: فيئٌ لأنه فاء عن المغرب إلى المشرق.
قال المفسرون: إذا طلعت الشمس وأنت متوجه إلى القبلة, كان الظلُّ قُدَّامك, فإذا ارتفعت كان عن يمينك, فإذا كان بعد ذلك كان خلفك, وإذا دنت للغروب كان على يسارك, وإنما وحّد اليمين, والمراد به: الجمع, إيجازاً في اللفظ, كقوله تعالى: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] , ودلّت «الشمائل» على أن المراد به الجميع, وقال الفراء: إنما وحَّد اليمين, وجمع الشمائل, ولم يقل: الشمال, لأنَّ كل ذلك جائز في اللغة» [زاد المسير: ٤/ ٤٥٢].
وقوله تعالى: ﴿سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ﴾ أي: يسجدون لله رب العالمين, وهم داخرون, أي: صاغرون.
ثم أخبر ربُّ العزَّة - سبحانه - عن سجود الدواب والملائكة لله تعالى ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [النحل: ٤٩]. وهذا الكون كل ما فيه يسجد لله ربِّ العالمين, كما قال تعالى:
стр. 197
﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] , وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾ [الحج: ١٨] , ونحن نعلم أن المخلوقات التي عدَّها ربُّنا وغيرها تسجد له حقيقةً, ولكننا لا نعرف كيف تسجد, كما قال الله تعالى في تسبيح الكائنات ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ [الإسراء: ٤٤].
وقد كانت الجبال والطير يسبحن مع نبي الله داود ﵇ ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] وأخبرنا ربُّنا أنَّ الرعد يسبح بحمده ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾ [الرعد: ١٣].
وأخبرنا ربُّنا العليم الحكيم سبحانه أنَّ الملائكة تسبح بحمده وهم لا يستكبرون, وأنهم ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠]. فالملائكة الكرام مع ما أعطاهم من قوى وقدراتٍ, لا يملك مثلها أحد من أهل الأرض يخافون ربَّهم من فوقهم, وهم يديمون طاعة ربِّهم, وكلُّ ما أمرهم به فعلوه من غير تقصير.
٢ - نَهْيُ الله عباده عن اتخاذ إلهين اثنين:
نهى الله - تعالى - عباده أن يتخذوا إلهين اثنين, وقرَّر أنَّ الإله الذي يستحقُّ العبادة إلهٌ واحدٌ ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [النحل: ٥١].
стр. 198
نهى الله ﵎ عن اتخاذ إلهين اثنين, ثم أثبت أنَّ الإلهية منحصرة في إلهٍ واحدٍ, وهو الله سبحانه, ثمَّ أمر الله سبحانه بالخوف منه وحده ﴿فإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ أي: ولا تخافوا المعبودات الباطلة التي كان يعبدها المشركون.
وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [النحل: ٥٢] أي: هو مالكهما وخالقهما سبحانه, ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ [النحل: ٥٢] أي: الدينونةُ لله ربِّ العالمين, وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ , أي: دائماً, ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ﴾ [الصافات: ٩] أي: دائمٌ.
وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ [النحل: ٥٢] أغير الله تتقون عذابه وعقابه؟ ثم قرر ربُّ العزَّة في خطابه عباده أنَّ كلَّ النعم التي تحيط بنا هي من ربِّنا وحده سبحانه, ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣]. والنعم قد تكون دينية, وهي معرفة الحقِّ والعمل به, وإما دنيوية نفسانية أو بدنية, أو هي خارجية وهي تتمثل في الأولاد والأزواج والزروع والحرث ومتاع الدنيا, ونعم الله تعالى تحتاج إلى شكر.
وقوله: ﴿ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾ [النحل: ٥٣] , أي: إذا أصابتنا المصائب, ونزلت بنا الدوائر, فإلى الله تعالى نجأر, أي: ترفعون أصواتكم مستغيثين به سبحانه متضرعين له, لعلمكم أنَّه وحده الذي يستطيع رفع الضرِّ عنكم.
وأخبرنا عن حال الكفار إذا رفع الضر عنهم, فقال: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٥٤]. أي: إذا رفع ربُّ العزَّة
стр. 199
الضرَّ الذي نزل بعباده سبحانه ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾ أي: إذا جماعةٌ من العباد الذين أخلصوا دينهم في حال نزول الضرِّ بهم يشركون في حال رفعه الضرَّ عنهم, وهذا الذي فعله هؤلاء أمر مستغربٌ منه, متعجبٌ منه, فهؤلاء بعد أن وحّدوا كفروا ﴿لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٥٥] أي: ليكفروا بما آتاهم الله تعالى من كشف الضرِّ, وقوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ أي: بدنياكم, فإنَّها قليلةٌ فانيةٌ و ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ عندما تصيرون إلى يوم الدين, وينزل بكم العذاب.
٣ - كفار أهل مكة يجعلون لأصنامهم نصيباً مما رزقهم الله تعالى:
أخبرنا ربُّنا العليم الحكيم أنَّ مشركي أهل مكَّة ﴿يَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٥٦]. أخبرنا ربُّنا ﵎ أنَّ هؤلاء الكفار يجعلون للأصنام والأوثان التي لا تعقل, ولا تعلم, ولا تضر, ولا تنفع, يجعلون لها نصيباً من أموالهم وأنعامهم التي رزقهم الله تعالى إياها, ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ أقسم ربُّ العزَّة بذاته الكريمة, على أنَّهم سيسألون يوم القيامة عما كانوا يفترونه, وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع, والمراد به أن يعترفوا على أنفسهم في ذلك اليوم, لأنَّ سؤال التوبيخ هو الذي لا جواب لصاحبه إلا ما يظهر فيه فضيحته.
وقوله: ﴿تَفْتَرُونَ﴾ أي: تقوَّلونه على الله ﵎.
стр. 200
٤ - كان أهل الجاهلية ينسبون لله سبحانه البنات وينسبون لأنفسهم الذكور:
أخبرنا ربُّنا أنَّ قبائل من عرب الجاهلية كانوا يجعلون البنات لله, ويجعلون لأنفسهم ما يشتهونه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧]. وهذا من إفكهم وضلالهم, فقد كانوا يزعمون أنَّ الملائكة بناتُ الله تعالى الله عما يقولون ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ * وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ * أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ * مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ﴾ [الصافات: ١٥١ - ١٥٤].
وقوله تعالى ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ أي: يختارون لأنفسهم الذكور, ويأنفون من البنات, وأخبرنا ربُّنا أنه ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ * يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [النحل: ٥٨ - ٥٩].
أخبرنا ربُّنا أن الواحد من أهل الجاهلية إذا رزقه الله تعالى بالأنثى, وبُشِّر بها, امتلأ قلبه غيظاً, وأصابه النكد والهمُّ, وتغيَّرت ملامح وجهه, وتعكَّرت, وظهرت عليه علامات الاكتئاب, وأصبح كظيماً, والكظيم الذي امتلأ غيظاً وحنقاً, فلا يتكلم. وتراه ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِه﴾ أي: تراه يتغيَّب عن قومه, ويختفي منهم, من سوء العار الذي بشِّر به, وأصبح الواحد منهم بين حالين تجاه هذه الوليدة, الأولى: أن يمسكها على هونٍ, أي:
стр. 201
على هوانٍ, والثانية: أن يدسَّ هذه الوليدة في التراب, وهذا الذي كان يعرف عند أهل الجاهلية بالوأد, يقتلون الصغيرة بدفنها حيَّةً.
وقال ربُّ العزَّة سبحانه معقباً ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ والحكم الذي حكموا به, وذمَّهم الله تعالى به هو نسبتهم البنات اللواتي يكرهونهن إلى ربِّ العزَّة, ألا بئس الحكم الذي حكموه. من جعل البنات لله ولهم الذكور.
وقرَّر ربُّ العزَّة أنَّ ﴿لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعزَّيزُ الْحَكِيمُ﴾ [النحل: ٦٠]. قرر - سبحانه - أنَّ هؤلاء القوم الذين نسبوا إلى الله - تعالى - البنات, وهم لا يؤمنون بالآخرة لهم مثل السوء, أي: صفة السوء, ومن أمثلة السوء التي يستحقها هؤلاء ما ضربه الله من الأمثال للأصنام وعبدتها, والله تعالى له المثل الأعلى, أي: الصفة العليا, فالله تعالى كمالٌ لا نقص فيه, فالله تعالى واحدٌ أحدٌ, فرد صمدٌ, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد, والله واحد في ذاته, واحد في صفاته, لا يشبهه شيءٌ, ولا يماثله شيءٌ, سبحانه.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات الكريمات
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في هذه الآيات الكريمات بتقرير ما يأتي:
١ - الظلال تسجد لله تعالى, ظلال الناس والأشجار والجبال وغيرها.
٢ - الله تعالى هو الإله الذي لا يستحقُّ العبادة غيره, فلا يجوز للبشر أن يعبدوا غيره.
стр. 202
٣ - الله تعالى له ما في السموات وما في الأرض, لا يَشركُه معه فيهما غيره, وله سبحانه الدين وحده, فلا يجوز الدينونةُ لغيره.
٤ - كلُّ النعم التي في الإنسان, والنعم التي تحيط بالإنسان في الأرض وفي السماء من الله تعالى وحده.
٥ - المشركون يفردون الله بالالتجاء إليه إذا أصابهم الضرُّ, فإذا رفع الله عنهم ما أصابهم من الضرِّ أشركوا.
٦ - يجعل المشركون مما رزقهم ربُّهم ﵎ من الحبوب والثمار والأنعام نصيباً لآلهتهم, يتقربون إليهم بها, وليسألنَّهم الله تعالى يوم القيامة عمَّا يفترونه ويختلقونه.
٧ - يزعم كفار العرب أنَّ الملائكة بنات الله, في الوقت الذي يكرهون نسبة البنات إليهم, فإذا بشِّر أحدهم بالأنثى ظلَّ وجهه مسوداً وهو كظيم.
* * *
стр. 203
الموضع القرآني [٣٩]
إيحاءُ الله تعالى إلى النحل
أولًا: تقديم
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بنفسه, وذلك ليرقِّق بها قلوبنا, ويصفِّي بها نفوسنا, ويمضي بنا إلى نور الإيمان, فمن ذلك إنزاله الماء من السماء, فيحيي به الأرض بعد موتها, وإخراجه اللبن من بطون الأنعام لبنًا سائغًا للشاربين, وأخرج لنا من ثمرات النخيل والأعناب لنتخذ منه سكراً ورزقاً حسناً, وأخرج لنا من بطون النحل عسلاً صافياً, فيه شفاء للناس, وهو خلقنا ثم يتوفانا, وقد نردُّ إلى أرذل العمر كي لا نعلم من بعد علمٍ شيئًا.
وفضَّل الله - تعالى - بعضنا على بعضٍ في الرزق, وجعل الله تعالى لنا أزواجًا, وجعل لنا منهن بنين وحفدةً.
стр. 204
ثانيًا: آيات هذا الموضع
﴿وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ * وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ * وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ * وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ * وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ * وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٦٥ - ٧٢].
ثالثًا: تفسير مفردات هذه الآيات
الأنعام: الإبل والبقر والغنم.
الفرث: ما يبقى في كرش الأنعام بعد هضمها الطعام.
خالصاً: صافياً لا تخالطه الشوائب.
سائغاً: يتقبله شاربه ويتذوقه.
يعرشون, أي: ما يصنعونه من العرائش القائمة على الأعمدة والجدران.
стр. 205
سبلُ ربك: السبل الطرق التي يسير فيها النحل.
أرذل العمر: أسوؤه وأدناه.
حفدة: الأحفاد أولاد الأولاد.
رابعًا: تفسير آيات هذا الموضع من سورة النحل
عرَّفنا ربُّنا ﵎ بنفسه في آيات هذا الموضع ببيان ما يأتي:
١ - الله - تعالى - أنزل من السماء ماءً فأحيا به الأرض بعد موتها:
أخبرنا ربُّنا أنَّه ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥] أنزل الله ﵎ من السماء ماءً, أي: من السحاب, فأحيا به الأرض بعد موتها, فإنَّك تمرُّ بالأرض, فتراها يابسةً خاشعةً, فإذا جادها الله تعالى بالغيث تراها وقد أينعت وأنبتت, واكتست جنباتها بالخضرة والزهور, ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ أي: إنَّ في ذلك لآيةً تدلُّ على وحدانية الله تعالى, وقوله: ﴿يَسْمَعُونَ﴾ أي: يسمعون كلام الله تعالى, ويفقهون ما يتضمنه من العبر, ويتفكرون في خلق السموات والأرض.
٢ - إسقاءُ الله - تعالى - لنا مما في بطون الأنعام لبناً خالصاً للشاربين:
قال سيد قطب رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾
стр. 206
] النحل: ٦٦] «فهذا اللبن الذي تدرُّه ضروع الأنعام مم هو؟ إنه مستخلصٌ من بين فرثٍ ودمٍ, والفرث ما يتبقى في الكرش بعد الهضم, وامتصاص الأمعاء للعصارة التي تتحول إلى دم, هذا الدم الذي يذهب إلى كل خلية في الجسم, فإذا صار إلى غدد اللبن في الضرع تحول إلى لبن ببديع صنع الله العجيب, الذي لا يدري أحد كيف يكون.
وعملية تحول الخلاصات الغذائية في الجسم إلى دمٍ, وتغذية كلُّ خليةٍ بالمواد التي تحتاج إليها من مواد هذا الدم, عمليةٌ عجيبة فائقة العجب, وهي تتم في الجسم في كلِّ ثانيةٍ, كما تتم عمليات الاحتراق, وفي كلِّ لحظة تتمُّ في هذا الجهاز الغريب عمليات هدمٍ وبناءٍ مستمرة, لا تكف حتى تفارق الروح الجسد. . . , ولا يملك إنسان سويُّ الشعور أن يقف أمام هذه العمليات العجيبة لا تهتف كلُّ ذرَّةٍ فيه بتسبيح الخالق المبدع لهذا الجهاز الإنساني, الذي لا يقاس إليه أعقد جهازٍ من صنع البشر, ولا إلى خلية واحدة من خلاياه التي لا تحصى.
ووراء الوصف العام لعمليات الامتصاص والتحول والاحتراق تفصيلات تدير العقل, وعمل الخلية الواحدة في الجسم في هذه العملية عجبٌ لا ينقضي التأمل فيه.
وقد بقي هذا كله سراً إلى عهد قريب, وهذه الحقيقة العلمية التي يذكرها القرآن هنا عن خروج اللبن من فرثٍ ودمٍ لم تكن معروفة لبشر, وما كان بشر في ذلك العهد ليتصورها فضلاً على أن يقررها بهذه الدقة العلمية
стр. 207
الكاملة , وما يملك إنسانٌ يحترم عقله أن يماري في هذا أو يجادل , ووجود حقيقةٍ واحدةٍ من نوع هذه الحقيقة يكفي وحده لإثبات الوحي من الله بهذا القرآن , فالبشرية كلها كانت تجهل يومذاك هذه الحقيقة.
والقرآن - يعبر هذه الحقائق العلمية البحتة - يحمل أدلة الوحي من الله في خصائصه الأخرى لمن يدرك هذه الخصائص ويقدرها؛ ولكن ورود حقيقة واحدة على هذا النحو الدقيق يفحم المجادلين المتعنتين» [في ظلال القرآن ٤/ ٢١٨٠].
٣ - أخرج الله لنا من ثمرات النخيل والأعناب سكراً ورزقاً حسناً:
ومن آيات الله ﵎ الدالة على بديع صنعه, وعجيب أمره ما أخرجه لنا من ثمرات النخيل والأعناب نتخذ منه سكراً ورزقاً حسناً ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]. فثمار النخيل يصنع منها المسكرات , وكانت الخمر في أوَّل الإسلام. . . حلالاً , ثم حُرِّمت , وقوله: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ فيها إشارةٌ إلى أنَّ الخمر غير داخلةٍ في الرزق الحسن , والرزق الحسن هو في تناول ثمار النخيل , وصنع ألوان الطعام من تلك الثمار , فمن ذلك صناعة التمر والزبيب واستخراج الدبس منهما, وأنواع العصير , وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَة لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إنَّ فيما أخرجه ربُّنا ﵎ من ثمرات النخيل والأعناب آياتٌ, وليس بآيةٍ واحدةٍ تدلُّ على بديع صنع الله, والذي يفقه هذه الآيات هم الذين يعقلون عن الله كلامه, ويحسنون النظر إلى ما خلق من آياته.
стр. 208
٤ - أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شراباً مختلفاً ألوانه فيه شفاء للناس:
أخبرنا ربُّنا أنَّه ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨ - ٦٩].
وقد فسَّر سيِّد قطب رحمه الله تعالى هذه الآيات بقوله:. . . «والنحل تعمل بإلهامٍ من الفطرة التي أودعها إياها الخالق, فهو لونٌ من الوحي تعمل بمقتضاه, وهي تعمل بدقةٍ عجيبةٍ يعجز عن مثلها العقل المفكر سواءً في بناء خلاياها. أو في تقسيم العمل بينها, أو في طريقة إفرازها للعسل المصفى.
وهي تتخذ بيوتها - حسب فطرتها - في الجبال والشجر وما يعرشون, أي: ما يرفعون من الكروم وغيرها, وقد ذلَّل الله لها سبل الحياة بما أودع في فطرتها وفي طبيعة الكون حولها من توافق , والنصُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس قد شرحه بعض المختصين في الطبِّ, شرحاً فنياً, وهو ثابتٌ بمجرد نصِّ القرآن عليه؛ وهكذا يجب أن يعتقد المسلم استناداً إلى الحقِّ الكليِّ الثابت في كتاب الله» [في ظلال القرآن: ٤/ ٢١٨١].
وقد جاءت أحاديث كثيرةٌ تدلُّ على أنَّ العسل فيه شفاءٌ للناس, فمن ذلك ما رواه أبو سعيد الخدريُّ أنَّ رجلاً أتى النبيَّ ﷺ فقال: أخي يشتكي بطنه, فقال: «اسقه عسلاً» ثمَّ أتى الثانية, فقال: «اسقه عسلاً» ثمَّ أتاه الثالثة
стр. 209
فقال: «اسقه عسلاً» ثمَّ أتاه فقال: قد فعلت , فقال: «صدق الله, وكذب بطن أخيك, اسقه عسلاً» , فسقاه فبرأ [البخاري: ٥٦٨٤, ومسلم: ٢٢١٧].
وعن عائشة ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يحبُّ الحلواء والعسل [البخاري: ٥٤٣١. مسلم: ١٤٧٤مطولاً].
وعن ابن عباس ﵁ , عن النبي ﷺ قال: «الشفاء في ثلاثةٍ: في شرطةِ مِحْجمٍ, أو شربةِ عسلٍ, أو كيَّةِ نارٍ, وأنا أنهى أمتي عن الكيِّ» [البخاري: ٥٦٨١].
وعن جابر بن عبد الله ﵁ , قال: سمعت رسول الله ﵁ يقول: «إن كان في أدويتكم - أو يكون في شيءٍ من أدويتكم - خيرٌ, ففي شرطةِ مِحْجمٍ, أو شربةِ عسلٍ, أوى لذعةٍ بنارٍ توافق الدَّاء, وما أُحبُّ أن أكتوي» [البخاري: ٥٦٨٣. مسلم٢٢٠٥].
٥ - الله ﵎ خلقنا ثم يتوفانا:
أخبرنا ربُّنا سبحانه أنَّه خلقنا من العدم, ثم يتوفانا سبحانه, أي يميتنا, وقد يردُّ بعضنا إلى أرذل العمر, وأرذل العمر الشيخوخة, وبلوغ الإنسان حالةً لا يعلم فيها شيئًا, كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ﴾ [الروم: ٥٤].
وكان الرسول ﵁ يدعو ربَّه أن لا يردَّ إلى أرذل العمر, فعن أنس بن مالك أن الرسول كان يدعو: «أعوذ بك من البخل والكسل, وأرذل العمر, وعذاب القبر, وفتنة المحيا والممات» [البخاري: ٤٧٠٧ - ومسلم: ٢٧٠٦].
стр. 210
٦ - فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق:
قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [النحل: ٧١].
خاطب الله - نبارك وتعالى - المشركين به غيره قائلاً لهم: الله فضَّل بعضكم على بعض في الرزق الذي رزقكم في الدنيا, فما الذين فضَّلهم الله على غيرهم ﴿بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُم﴾ فهم لا يرضون بأن يكونوا هم ومماليكهم فيما رزقتهم سواءٌ, قال قتادة في تفسير الآية: «وهذا مثلٌ ضربة الله, فهل أحد منكم شاركه مملوكه في زوجته, وفي فراشه, فتعدلون بالله خلقه وعباده؟ فإذا لم ترض لنفسك هذا, فالله أحقُّ أن ينزَّه منه من نفسك ولا تعدل بالله أحدا من خلقه» [تفسير الطبري: ٦/ ٥٠١٧].
وقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ أي: جحدوا نعمة الله عندما جعلوا لأصنامهم من الحرث والأنعام نصيباً.
٧ - جعل الله ﵎ لنا من أنفسنا أزواجاً وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدة:
خاطب ربُّ العزَّة عباده قائلاً لهم: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾ [النحل: ٧٢].
стр. 211
امتنَّ الله ﵎ على عباده من البشر بأنَّه خلق لهم من أنفسهم أزواجاً, وقد خلق الله ﵎ لآدم من ضلعه زوجاً له, وهي أمُّنا حواء كما قال ﵎: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ [النساء: ١].
وجعل لنا ربُّنا من أزواجنا ﴿بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾ أي جعل لنا منهنَّ الأولاد, وجعل لنا الحفدة, وهم أولاد الأولاد, ورزقنا ﴿مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ أي: من الطعام والشراب واللباس, ثمَّ ذمَّ ربُّ العزَّة ﵎ المشركين لإيمانهم بالباطل من الأصنام والأوثان, وكفرهم بنعم الله, أي: عندما يصرفون العبادة لغير الله من الآلهة الباطلة ﴿أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَتِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ﴾.
٨ - ذمَّ الله - تعالى - المشركين لعبادتهم غيره:
ذمَّ ربُّ العزَّة المشركين بعبادتهم ما لا يملك لهم رزقاً من السماوات والأرض ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ [النحل: ٧٣] فهذه الآلهة الباطلة لا تملك شيئًا من الرزق في السماوات والأرض, فلا تملك أن تنزل المطر من السماء, ولا تملك أن تخرج الزرع, ولا تُدرَّ الضرع, ولا تملك دفع الشرِّ عن عابديها, ولا تملك جلب الخير لهم, ﴿وَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾ أي: هذه الأصنام لا تملك شيئًا من ذلك لأنفسها فهي ضعيفةٌ عاجزة.
ونهى الله - تعالى - المشركين عن ضرب الأمثال لله ﵎: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]. أي: فلا تجعلوا لله
стр. 212
أنداداً ولا أشباهاً وأمثالاً, فإنَّ الله ﵎ يعلم أنَّه واحدٌ لا شريك له, وأنتم لا تعلمون ذلك.
٩ - ضرب الله ﵎ مثلين للإله الحقِّ والإله الباطل:
ضرب الله ﵎ مثلين للإله الحقِّ وللإله الباطل ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٥].
قال مجاهد في هذه الآية: «كلُّ هذا مثل إله الحقِّ, وما يُدعى من دونه من الباطل, وقال السُّديُّ: هذا مثلٌ ضربه الله للآلهة, يقول: كما لا يستوي عندكم عبدٌ مملوك لا يقدر من أمره على شيءٍ, وعبدٌ حرٌّ قد رُزق رزقاً حسناً, فهو ينفق منه سراً وجهراً, لا يخاف من أحدٍ, فكذلك أنا والآلهة التي تدعون, ليست تملك شيئًا, وأنا الذي أملك وأرزق من شئت, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج, قال: بيَّن الله لهم أمر ضلالتهم وبعدهم عن الطريق في عبادتهم الأوثان, فذكر أن المالك المقتدر على الإنفاق, والعاجز الذي لا يقدر أن ينفق لا يستويان, فكيف يسوَّى بين الحجارة التي لا تتحرك ولا تعقل, وبين الله الذي هو على كلِّ شيءٍ قديرٍ, وهو رازقٌ جميع خلقه» [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٢].
وضرب الله ﵎ مثلاً آخر, فقال: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجلَّيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل: ٧٦].
стр. 213
وذهب مجاهدٌ والسدِّيُّ وقتادة إلى أنَّ هذا المثل كسابقه ضرب الله تعالى فيه مثلاً لإله الحقِّ والأصنام والأوثان, وهذا القول هو اختيار الفراء والزجاج وابن قتيبة. [تفسير الواحدي: ١٣/ ١٤٧].
والأبكم: الأقطع اللسان, وهو العييُّ بالجواب, الذي لا يحسن وجه الكلام, لأنَّه لا يفهم وجه الكلام, ولا يُفهم عنه. وقوله:. . . ﴿لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ﴾ أي: لا يقدر على شيء من الأشياء المتعلقة بنفسه أو بغيره لعدم فهمه ﴿وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ﴾ أي: هو ثقلٌ, أي: عيالٌ على مولاه وصاحبه, ﴿أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَاتِ بِخَيْرٍ﴾ أي: أينما يرسله ويبعثه لا يأت بخير, لقلة فهمه, وقصور إدراكه ﴿هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَامُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ أي: هل يستوي هذا الأبكم الذي هذه صفاته, هو والرجل السويُّ القادر على النطق, التامُّ العقل, الذي يحسن التدبير والعمل, الذي يأمر بالعدل, وهو على صراطٍ مستقيم, أي: على الدين القويم.
والجواب: أنهما لا يستويان.
١٠ - الله ﵎ محيط علمه بالسموات والأرض:
ثم أخبرنا ربُّنا - ربُّنا تعالى - أن له: ﴿غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [النحل: ٧٧].
فالله ﵎ العليم الخبير مطلعٌ على كلِّ ما غاب عنكم من غيوب السماوات والأرض لا يخفى عليه شيءٌ من أمورهما, ومن جملة هذه
стр. 214
الغيوب التي لم يُطْلع ربُّنا عليها أحداً, لا ملكاً مقرَّباً, ولا نبياً مرسلاً, زمن وقوع الساعة, وقد أخبرنا ربُّنا عن قدرته على وقوع الساعة, فإذا شاء إيقاعها, كان وقوعها في مثل لمح البصر, أو هو أقرب من ذلك, لأنَّه يقول لها: كن, فتكون كما يريده الله تعالى, والله تعالى على كل شيءٍ قديرٍ.
خامساً: كيف عرَّفنا ربُّنا بنفسه في هذه الآيات:
عرَّفنا ربُّنا في هذه الآيات بإعلامنا ما يأتي:
١ - أنزل الله - تعالى - الماء من السماء بالمطر, فأحيا به الأرض بالنبات.
٢ - أخرج الله تعالى لنا اللبن من الأنعام من بين فرثٍ ودم, ليكون لنا شراباً نافعاً مفيداً.
٣ - أخرج الله تعالى لنا من النخيل والأعناب الثمار النافعة لتكون لنا رزقاً.
٤ - أخرج الله تعالى لنا من بطون النحل شراباً مختلفاً ألوانه, فيه شفاء للناس.
٥ - الله تعالى هو الذي خلقنا, ثم يتوفانا, وبعضنا قبل الوفاة يردُّ إلى أرذل العمر حتى لا يعلم من بعد علم شيئًا.
٦ - الله - تعالى - فضَّل بعضنا على بعضٍ في الرزق.
٧ - الله - تعالى - جعل لنا من أنفسنا أزواجاً, وجعل لنا من أزواجنا بنين وحفدةً, ورزقنا من الطيبات.
* * *
стр. 215
الموضع القرآني [٤٠]
الله ﵎ أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئاً
أولًا: تقديم
قال قتادة: «هذه السورة - يعنى سورة النحل - سورة النعم» [ابن كثير: ٤/ ٦٠]. وهذا هو النصُّ الثالث في هذه السورة الذي يعرفنا ربُّ العباد فيه بنفسه, فحدَّثنا فيها كيف أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا, وجعل لنا السمع والبصر والفؤاد لنعقل ونفقه.
وأمرنا أن ننظر إلى الطيور وهي تحلق في جوِ السماء, لا يقدر على إمساكها إلا الله تعالى, وجعل لنا من بيوتنا سكناً, وجعل لنا من جلود الأنعام بيوتاً, يسهل علينا حملها ونصبها في أسفارنا وأماكن إقامتنا, وامتنَّ علينا بما نصنعه من أصواف الخراف, وأوبار الإبل, وشعر الماعز, من الأثاث والمتاع.
следующие страницы →