← Акыда

Акыда · id 17070

تعظيم الله جل جلاله «تأملات وقصائد»

أحمد بن عثمان المزيد

Полный текст (275 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

أثرُ الذنوبِ والمعاصِي في ضَعْفِ تعظيمِ اللهِ في القلبِ قالَ الإمامُ ابنُ القيمِ: «ومن عُقُوباتِها ـ أي الذنوبُ والمعاصي ـ أنها تُضْعِفُ في القلبِ تعظيمَ الربِّ ﷻ وتضعِفُ وقَارَهُ في قلبِ العبدِ ولا بدَّ شاءَ أم أبى، ولو تمَكَّنَ وقَارُ اللهِ وعظمتُه في قلبِ العبدِ لما تجرَّأَ على معاصِيه. وربَّما اغتَرَّ المغتَرُّ وقال إنما يحمِلُني على المعاصِي حسنُ الرجاءِ وطَمَعِي في عَفْوِهِ لا ضعفُ عظمتِه في قلبِي وهذا من مغالطةِ النفسِ؛ فإنَّ عظمةَ اللهِ تعالى وجلالَه في قلبِ العبدِ وتعظيمَ حرماتِه يحولُ بينَه وبينَ الذنوبِ، والمتجرِّؤنَ على معاصِيه ما قَدَرُوه حقَّ قدرِه، وكيفَ يَقْدُرُهُ حقَّ قدرِه أو يعظِّمُه أو يكَبِّرُه أو يرجُو وقارَه ويُجِلُّهُ من يهونُ عليهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ؛ هذا من أمحلِ المحالِ وأبينِ الباطلِ، وَكَفَى بالعاصِي عقوبةً أَنْ يَضْمَحِلَّ من قَلْبِهِ تعظيمُ اللهِ ﷻ وتعظيمُ حرماتِه، ويهونَ عليهِ حَقُّهُ. ومن بعضِ عقوبةِ هذا أن يرفَعَ اللهُ مهابَتَهُ من قلوبِ الخلقِ ويهونُ عليهم ويستخِفُّونَ به كما هَانَ عليه أَمْرُهُ واستَخَفَّ به، فعلى قدرِ محبةِ العبدِ للهِ يحِبُّهُ النَّاسُ، وعلى قَدْرِ خَوْفِهِ منَ اللهِ يخافُهُ الناسُ، وعلى قدرِ تعظِيمِه للهِ وحرماتِه يُعَظِّمُ الناسُ حرمَاتِهِ. وكيفَ يَنْتَهِكُ عبدٌ حرماتِ اللهِ ويطمَعُ أنْ لا يَنْتَهِكَ الناسُ حرماتِه، أم كيفَ يهونُ عليهِ حقُّ اللهِ ولا يُهَوِّنُهُ اللهُ على الناسِ، أم كيفَ يستخِفُّ بمعاصِي اللهِ ولا يستخِفُّ به الخلقُ.

стр. 107

وقدْ أشارَ سبحانَهُ إلى هذا في كتابِهِ عندَ ذِكْرِ عقوباتِ الذنوبِ وأنَّهُ أَرْكَسَ أربابَها بما كَسبُوا، وغَطَّى على قلوبِهم وطَبَعَ عليها بذنوبِهم، وأنَّه نسيَهُمْ كما نَسُوهُ، وأهانَهُمْ كما أهانُوا دينَه، وضَيَّعَهُم كما ضَيَّعُوا أمرَهُ؛ ولهذا قال تعالى في آيةِ سجودِ المخلوقاتِ له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]؛ فإنَّهم لما هانَ عليهِمُ السجودُ له واستَخَفُّوا بِهِ ولم يَفْعَلُوهُ، أهانَهُم فلم يَكُنْ لهم مِنْ مُكْرِمٍ بعدَ أنْ أهانَهُمْ، ومَنْ ذا يُكْرِمُ من أهانَهُ اللهُ أو يُهِنْ من أَكْرَمَ» (١). * * *

стр. 108

عشرةُ وسائل لتعظيم الله لا شكَّ أن تعظيمَ اللهِ من أجلِ العباداتِ القلبيةِ التي تَظْهَرُ آثارُها على الجوارحِ من خلالِ المسارعةِ إلى كلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ ويرضَاهُ منَ الأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ والباطنةِ. فلولا وجودُ نوعِ تعظيمٍ للهِ في القلبِ لما صبرَ الناسُ على طاعةِ اللهِ، وعن معصيةِ اللهِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلمةِ. وعلى قَدْرِ تعظيمِ اللهِ تعالى في القلبِ يكونُ إحسانُ العبادةِ وإتمامُها وإكمالُها وإتقانُها. وهناك وسائل كثيرة لتعظيمِ اللهِ تعالى منها: ١ - إفرادُ اللهِ سبحانَه بالوحدانيةِ: فيشهد العبدُ انفرادَ اللهِ تعالى بالخلقِ والحُكْمِ، وأن ما شاء كان وما لم يشا لم يكنْ، وأنه لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنِه، وأنَّ الخلقَ مقهورونَ تحتَ قبضَتِهِ، وأنه ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعينِ من أصابِعِهِ، إنْ شاءَ اللهُ أن يُقِيمَهُ أقَامَهُ، وإنْ شاءَ أن يُزِيغَهُ أزَاغَهُ، فالقلوبُ بيدِهِ، وهو مُقَلِّبُهَا ومُصَرِّفُهَا كيفَ شاءَ وكيفَ أرادَ، وأنَّه هو الذي آتَى نفوسَ المؤمنينَ تَقْوَاهَا، وهو الذي هَداهَا وزكَّاهَا، وأَلْهَمَ نُفوسَ الفُجَّارِ فُجُورَهَا وَأَشْقَاهَا، من يهدِ اللهَ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بفضْلِهِ ورحمَتِهِ، ويُضِلُّ من يشاءُ بعدلِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]» (١).

стр. 109

فإذا شاهدَ العبدُ ذلك، واستقرَّ في قلبِهِ إفرادُ اللهِ تعالى بالوحدانيةِ، فأوْرَثَه ذلك ـ ولا بدَّ ـ تعظيمَ اللهِ ، وانتقلَ من توحيدِ الربوبيةِ إلى توحيدِ الألوهيةِ، فاتخذ اللهَ وحدَه إلهًا ومعبودًا، وأحبَّ ما يحبُّه الله، وأبغضَ ما يبغضُه اللهُ، وأعطى للهِ، ومنع للهِ، ووالى في اللهِ، وعادى في اللهِ، فهذا التوحيدُ هو الذي من أجلِهِ أُرْسِلَتِ الرُّسلُ، وأُنْزِلَتِ الكتبُ، وخُلِقَ الخلقُ، وقَامَتْ سوقُ الجهادِ على ساقٍ. قال ابنُ القيمِ ﵀ في منزلةِ التعظيمِ: «هذه المنزلةُ تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قَدْرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به، أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يُعَظِّمْه حقَّ عظمتِه، ولا عرفَه حقَّ معرفتِه، ولا وَصَفَهُ حقَّ صِفَتِه، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً﴾ [نوح:١٣]، قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: «لا ترجُونَ للهِ عظمةً». وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «ما لكم لا تعظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمَتِه» (١). ٢ - تدبُّر معاني أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه: فأسماءُ اللهِ تعالى كلُّهَا حُسْنَى، وكلُّها تدلُّ على الكمالِ المطلقِ، والحمدِ المطلقِ، وكلُّهَا مشتقةٌ من أوصَافِها، فتدبرُ معاني هذه الأسماءِ وما تُوجِبُهُ من آثارٍ من وسائلِ تعظيمِ اللهِ قال تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقد ثبتَ في الصحيحينِ (٢) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ:

стр. 110

«إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أَحْصَاهَا دخلَ الجنةَ» أي من حَفِظَها وفهمَ معانِيها ومدلولَها، وأثْنَى على اللهِ بها، وسأَلَهُ بها، واعْتَقَدَها دخلَ الجنةَ، والجنةُ لا يدخُلُها إلا المؤمنونَ، فعُلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادةٍ لحصولِ الإيمانِ وقوتِهِ وثباتِهِ (١). ٣ - تدبر القرآن: قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فهذا دليلٌ على أن تدبرَ القرآنِ العظيمَ يورثُ الخشيةَ والتعظيمَ للهِ ، قال ابنُ القيمِ: «فليسَ شيءٌ أنفعُ للعبدِ في معاشِه ومعادِه، وأقربُ إلى نجاتِه من تدبرِ القرآنِ، وإطالةِ التأملِ فيه، وجمعِ الفكرِ على معانِي آياتِهِ، فإنَّها تُطْلِعُ العبدَ على معالمِ الخيرِ والشرِّ بحذافِيرِها، وعلى طرقَاتِهِمَا وأسبابِهِمَا وغاياتِهِمَا وثمراتِهِمَا، ومآلِ أهلِهِمَا، وتُتِلُّ في يدِهِ (٢) مفاتيحَ كنوزِ السعادةِ والعلومِ النافعةِ، وتُثَبِّتُ قواعدَ الإيمانِ في قلبِه، وتُشَيِّدُ بنيانَه، وتُوَطِّدُ أركانَه، وتُرِيهِ صورةَ الدنيا والآخِرَةَ، والجنةِ والنارِ في قلبِه، وتُحْضِرُه بينَ الأممِ، وتُرِيهِ أيَّامَ اللهِ فيهم، وتبصِّرُه مواقِعَ العِبَرِ، وتُشْهِدُهُ عدلَ اللهِ وفَضْلِهِ، وتُعَرِّفُهُ ذاتَهُ، وأَسْمَاءَهُ وصِفَاتِهُ وأَفْعَالَهُ، وما يحبُّهُ وما يبغضُه، وصراطَه الموصِّلَ إليه، وما لسالِكِيه بعدَ الوصولِ والقدومِ عليه، وقواطعَ الطريقِ وآفاتِها» (٣).

стр. 111

وقد قال الله تعالى في وصفِ كتابِه: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١]، فإذا كانَ هذا تأثيرُ القرآنِ على الجبالِ، فكيفَ يكونُ تأثيرُه على قلبِ المؤمنِ؟ قال جعفرُ: «سمعتُ مالكَ بن دينارٍ قرأَ: ﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ ..﴾ الآية، ثم قالَ: أقسمُ لكم لا يؤمنُ عبدٌ بهذا القرآنِ إلا صُدِعَ قلبُه» (١). وعن ثابتٍ البنانيِّ أنه قرأ: ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾ [الهمزة:٧]، قال: تأكلُه إلى فؤادِه وهو حيٌّ، ثم بكَى وأبكَى من حَوْلَه (٢). ٤ - التفكرُ في آلاءِ اللهِ وعظيمِ نعمِه: قال ابنُ القيمِ: «فجديرٌ بمن له مُسْكَةٌ من عقلٍ (٣) أن يسافرَ بفكرِهِ في هذه النعمِ والآلاءِ، ويكررُ ذكرَهَا، لعلَّه يوقِفُه على المرادِ منها ما هو، ولأيِّ شيءٍ خُلِقَ، ولماذا هُيِّئَ، وأيُّ أمرٍ طُلِبَ منه على هذه النعمِ، كما قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا آلاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف:٦٩]، فَذِكْرُ آلائِه ﵎ ونعمِه على عبدِه سببُ الفلاحِ والسعادةِ لأن ذلك لا يزيدُه إلا محبةً للهِ وحمدًا وشكرًا وطاعةً» (٤). ٥ - التأملُ في ملكوتِ السمواتِ والأرضِ: وهذا أيضًا من أعظمِ وسائلِ تعظيمِ اللهِ تعالى، وقدْ ربطَ القرآنُ بين هذا

стр. 112

التأملِ وبين تعظيمِ اللهِ تعالى فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران:١٩٠ - ١٩١]. وقد ذكر ابنُ القيمِ ﵀ أن الربَّ تعالى يدعو عبادَه في القرآنِ إلى معرفَتِه من طريقينِ: أحدهما: النظرُ في مفعولاتِه. والثاني: التفكرُ في آياتِه وتدبرُها (١). وقال ﵀: والنظرُ في هذه الآياتِ وأمثالِها نوعانِ: نظرٌ إليها بالبصرِ الظاهرِ، فَيَرى ـ مثلًا ـ زُرقةَ السماءِ ونجومَها وعلوَّها وسَعَتَها، وهذا نظرٌ يشاركُ الإنسانُ فيه غيرَه من الحيواناتِ، وليسَ هو المقصودُ بالأمرِ. والثاني: أن يتجاوزَ هذا إلى النظرِ بالبصيرةِ الباطنةِ، فتفتحُ له أبوابُ السماءِ، فيجولُ في أقطارِها وملكوتِها وبين ملائِكَتِها. ثم يفتحُ له بابٌ بعد بابٍ، حتى ينتهيَ به سَيْرُ القلبِ إلى عرشِ الرحمنِ، فينظرُ سَعَتَه وعظمتَهُ وجلالَهُ ومجدَهُ ورفعَتَهُ، ويرَى السمواتِ السبعَ والأرضينَ السبعَ بالنسبةِ إليهِ كحلقةٍ ملقاةٍ بأرضِ فلاةٍ. ويَرَى الملائكةَ حافِّينَ من حَوْلِه، لهم زَجَلٌ بالتسبيحِ والتحميدِ والتقديسِ والتكبيرِ، والأمرُ ينزلُ من فوقِه بتدبيرِ الممالكِ والجنودِ التي لا يعلَمُهَا إلا ربُّها ومليكُها. فينزلُ

стр. 113

الأمرُ بإحياءِ قومٍ وإماتةِ آخرينَ، وإعزازِ قومٍ وإذلالِ آخرينَ، وإسعادِ قومٍ وشقاوةِ آخرينَ، وإنشاءِ مُلْكٍ وسَلْب مُلْكٍ، وتحويلِ نعمةٍ من مَحَلٍّ إلى محلٍّ، وقضاءِ الحاجاتِ على اختلافِها وتباينِها وكثرتِها؛ من جبرِ كسيرٍ، وإغناءِ فقيرٍ، وشفاءِ مريضٍ، وتفريجِ كربٍ، ومغفرةِ ذنبٍ، وكشفِ ضرٍّ، ونصرِ مظلومٍ، وهدايةِ حيرانَ، وتعليمِ جاهلٍ، وردِّ آبقٍ، وأمانِ خائفٍ، وإجارةِ مستجيرٍ، ومددٍ لضعيفٍ، وإغاثةٍ لملهوفٍ وإعانةٍ لعاجزٍ، وانتقامٍ من ظالمٍ، وكفٍّ لعدوانٍ ... فحينئذٍ يقومُ القلبُ بين يديِ الرحمنِ مُطرِقًا لهيبتِه، خاشِعًا لعظمتِه، عانٍ لعزَّتِه، فيسجدُ بينَ يدَيِ الملكِ الحقِّ المبينِ سجدةً، لا يرفعُ رأسَهُ منها إلى يومِ المزيدِ (١). ٦ - تعظيمُ شعائرِ اللهِ وحرماتِه: فإذا عظَّمَ العبدُ ما عظَّمَه اللهُ ﵎، امْتَلَأَ قلبُه بالتعظيمِ لله والخشيةِ منه، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]، وكانَ من شدةِ تعظيمِ السلفِ لله ?، أنَّهم كانوا يبكُونَ إذا خُولِفَ أمرُ اللهِ من غيرِهم، فعن ربيعِ بن عتابٍ قال: كنتُ أمشِي مع زيادِ بن جريرٍ، فسَمِعَ رَجُلًا يحلِفُ بالأمانَةِ. قال: فنظرتُ إليه وهو يبكِي قلت: ما يبكِيكَ؟ فقال: أما سَمِعْتَ هذا يحلفُ بالأمانةِ؟ فَلَئَنْ تُحَكُّ أحشَائِي حتى تُدْمَى أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بالأمانةِ (٢). وكان عمرُ بنُ ذرٍّ يقولُ: آنَسكَ جانبُ حِلْمِهِ فتوثَّبْتَ على معاصِيه!

стр. 114

أَفَأَسَفَه تريدُ؟ أما سمعتَه يقولُ: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ [الزخرف:٥٥]. أيُّها الناسُ: أَجِلّوا مقامَ اللهِ بالتنزُّهِ عما لا يحلُّ، فإنَّ اللهَ لا يؤمنُ إذا عُصِي (١). ٧ - التأملُ في سننِ اللهِ : ومن وسائلِ تعظيمِ الله ?: التأملُ في سننِه التي لا تتبدلُ ولا تتغيرُ ومن هذهِ السننِ: سُنَّةُ الدفْعِ: ﴿فَهَزَمُوهُم بِإِذْنِ اللهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلاَ دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الأَرْضُ﴾ [البقرة:٢٥١]. وسُنَّةُ التداولِ: ﴿إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [آل عمران:١٤٠]. وسنةُ الابتلاءِ: ﴿أَلم * أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ [العنكبوت:١ - ٣]. وسنةُ التغييرِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوامَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ﴾ [الرعد:١١]. وسنةُ نصرِ المؤمنينَ إذا حَقَّقُوا الشرطَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد:٧]، وغير ذلك من السنن.

стр. 115

فلا شكَّ أنَّ التأملَ في هذهِ السننِ وغيرِها مما يورثُ تعظيمَ اللهِ في القلوبِ، لأنه يؤدِّي إلى حقيقةٍ مفادُها أنَّ لهذا الكونِ إلهًا عظيمًا قادرًا، له مقاليدُ كلِّ شيءٍ، ولا يُعْجِزُهُ شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ، غيرَ أنه قد سَيَّرَ هذا الكونَ بما فيه وَفْقَ نظامٍ مُحكمٍ وقوانينَ ثابتةٍ لا تتبدلُ ولا تتغيرُ. ٨ - معرفةُ بعضِ جوانبِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنةِ: ومثالُ ذلكَ قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ [الطارق:١٢]، قال الدكتور زغلولٌ النجارُ: «من الآياتِ الوصفيةِ المبهرةِ قولُ الحقِّ ﵎ في سورةِ الطارقِ: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾ فهذا قسمٌ عظيمٌ لحقيقةٍ كونيةٍ مبهرةٍ لم يُدْرِكْها العلماءُ إلَّا في النِّصفِ الأخيرِ من القرنِ العشرينَ. فالأرضُ التي نَحْيَا عليها لها غلافٌ صَخْرِيٌّ خارجيٌّ، هذا الغلافُ مُمَزَّقٌ بشبكةٍ هائلةٍ من الصُّدوعِ، تمتدُّ لمئاتِ الآلافِ من الكيلومتراتِ طولًا وعرضًا، بعمقٍ يتراوحُ ما بين ٦٥ كيلومترًا و١٥٠ كيلومترًا في كلِّ الاتجاهات. ومن الغريبِ أن هذه الصدوعَ مرتبطةٌ ببعضِها البعضِ ارتباطًا يجعلُها كأنَّها صدعٌ واحدٌ، يُشَبِّهُهُ العلماءُ باللِّحامِ على كرةِ التنسِ. وانطلاقًا من ذلك يُقْسِمُ اللهُ تعالى بهذه الحقيقةِ الكونيةِ المبهرةِ، التي لم يَسْتَطِعْ العلماءُ أن يدركُوا أبعادَها إلا بعدَ الحربِ العالميَّةِ الثانِيَةِ، واستمرتْ دراستُهم لها لأكثر من عشرينَ سنةً متصلةً من ١٩٤٥ م - ١٩٦٥ م حتى استطاعُوا أن يرسمُوا هذه الصدوعَ بالكاملِ، والقرآنُ الكريمُ كانَ قد سبقَ

стр. 116

إدراكَهم بأكثرِ من ألفٍ وأربعمائةٍ من السنينَ بقولِ الحقِّ ﵎: ﴿وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ﴾» (١). فلا شكَّ أنْ تأمُّلَ مثلَ هذهِ الحقائقِ العلميةِ الموافقةِ للقرآنِ الكريمِ مما يُقَوِّي جانبَ تعظيمِ اللهِ في النفسِ. ٩ - التأملُ في دلائلِ الحكمةِ الإلهيةِ: فهو الحكيمُ الذي بَهَرَتْ حكمتُه الألبابَ، وهو سبحانه لم يخلُقْ شيئًا عبثًا ولا سدىً، وله الحكمةُ البالغةُ في كلِّ ما قدَّرَهُ وقَضَاهُ من خيرٍ وشرٍّ وطاعةٍ ومعصيةٍ، وحِكَمُهُ سبحانه باهرةٌ تَعْجَزُ العقولُ عن الإحاطةِ بكُنْهها، وتَكِلُّ الألسنُ عن التعبيرِ عنها. وللهِ في كلِّ تحريكةٍ ... وتسكينةٍ أبدًا شاهدُ وفي كلِّ شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ وحظُّ العبدِ في نفسِه وما يخصُّه من شهودِ هذهِ الحكمةِ فبحَسَبِ استعدادِه وقوةِ بصيرتِه، وكمالِ علمِه ومعرفتِه باللهِ وأسمائِه وصفاتِه، ومعرفتِه بحقوقِ العبوديةِ والربوبيةِ. وكلُّ مؤمنٍ له من ذلك شِربٌ معلومٌ، ومقامٌ لا يتعدَّاه ولا يتخطَّاه، واللهُ الموفقُ والمعينُ (٢). ١٠ - محاسبةُ النفسِ: من وسائلِ تعظيمِ اللهِ : «محاسبةُ النفسِ» وذلكَ لأنَّ من أركانِ

стр. 117

المحاسبةِ المقايسةِ بينَ ما كانَ من اللهِ من نعمٍ وإمهالٍ وسِتْرٍ وإفضالٍ وما من العبدِ من غفلةٍ وجهلٍ ومعصيةٍ. قال ابنُ القيمِ: «وبهذه المقايسةِ تعلمُ أن الربَّ ربٌّ والعبدَ عبدٌ، ويتبينُ لك حقيقةُ النفسِ وصفاتِها، وعظمةُ جلالِ الربوبيةِ، وتفرُّدُ الربِّ بالكمالِ والإفضالِ، وأنَّ كلَّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلَّ نقمةٍ منه عدلٌ، وأنتَ قبلَ هذه المقايسةِ جاهلٌ بحقيقةِ نفسِكَ، وبربوبيةِ فاطِرِها وخالِقِها ...» (١). * * *

стр. 118

من ثمراتِ تعظيمِ اللهِ هناكَ آثارٌ كثيرةٌ لتعظيمِ اللهِ على القلوبِ والجوارحِ منها: أ - على الفردِ: ١ - تحقيقُ التوحيدِ للهِ والسلامةُ من الشركِ ووسائلِه. ٢ - محبةُ اللهِ المحبةَ الشرعيةَ. ٣ - الخوفُ من اللهِ من غيرِ قنوطٍ. ٤ - الرجاءُ في اللهِ مع حسنِ العملِ. ٥ - مراقبةُ اللهِ في السرِّ والعلانيةِ. ٦ - التوكلُ على اللهِ في كلِّ الأمورِ معَ الأخذِ بالأسبابِ. ٧ - الثقةُ باللهِ في أَحْلَكِ الظروفِ. ٨ - الثباتُ والطمأنينةُ واليقينُ في اللهِ . ٩ - الحياءُ من اللهِ . ١٠ - التبرؤُ من الحولِ والقوةِ وإظهارُ الافتقارِ إلى اللهِ . ١١ - تحكيمُ شرعِ اللهِ في كافةِ الأمورِ مع الرِّضَا والتسليمِ. ١٢ - حفظُ الضرورياتِ الخمسِ؛ وهيَ: الدينُ، والنفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعرضُ. ١٣ - المسارعةُ إلى أداءِ الواجباتِ من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ وبرٍ

стр. 119

بالوالدينِ وصلةٍ للرحمِ وحسنِ خلقٍ. ١٤ - تركُ جميعِ المعاصي والمنكراتِ القوليةِ والعمليةِ والاعتقاديةِ. ١٥ - كثرةُ ذكرِ اللهِ ودعائِه واستغفارِه وتلاوةِ كتابِه. ١٦ - الإكثارُ من ذكرِ الموتِ. ١٧ - قصرُ الأملِ. ١٨ - اتهامُ النفسِ دائمًا بالإهمالِ والتقصيرِ. ١٩ - ألَّا يَرَى لنفسِهِ على اللهِ حقًّا. ٢٠ - ألا يَشْكُو اللهَ إلى خلقِه. ٢١ - ألا يُذِلَّ نفسَه لصاحبِ دنيا. ب - على الأسرةِ: لا شكَّ أنَّ الأسرةَ هي المنبعُ الأساسُ الذي يصدُرُ عنه كافَّةُ الأخلاقِ والسلوكياتِ والتصرفاتِ، سواءٌ أكانت أخلاقًا وسلوكياتٍ محمودةً أم مذمومةً. ولذلكَ فإنَّ الأسرةَ إذا تربَّتْ ونشأَتْ على معانِي تعظيمِ اللهِ ـ ومراقبتِه في السرِّ والعلانيةِ، فإنَّ ذلك سوفَ يُنْتِجُ أفرادًا يتحلَّوْنَ بعُمْقِ الإيمانِ ومكارمِ الأخلاقِ، والوقوفِ عندَ حدودِ اللهِ ـ، وكبحِ جماحِ رغباتِ النفسِ وشهواتِها، والحذرِ من كلِّ ما يُغْضِبُ اللهَ ـ مهما كانتِ الظروفُ معينةً على المعصيةِ حاثَّةً على الوقوعِ فيها.

стр. 120

ومن ثمراتِ تعظيمِ اللهِ سبحانه في محيطِ الأسرةِ ما يلي: ١ - أداءُ الحقوقِ، سواءٌ حقُّ الوالدينِ، أو الزوجِ، أو الزوجةِ، أو الأولادِ، أو الخادمِ. ٢ - تربيةُ الأبناءِ على الأخلاقِ الكريمةِ والصفاتِ النبيلةِ. ٣ - تربيةُ الأبناءِ على مراقبةِ اللهِ وتعظيمِه في السرِّ والعلانيةِ. ٤ - تعظيمُ شأنِ الصلاةِ في محيطِ الأسرةِ. ٥ - مشاركةُ أفرادِ الأسرةِ في الأعمالِ الخيريَّةِ والأنشطةِ الاجتماعيةِ. ٦ - تطهيرُ البيتِ منَ الملاهِي والمنكراتِ والصُوَرِ. ٧ - المحافظةُ على الوقتِ لأنَّه في الحقيقةِ هو عُمُرُ الإنسانِ ورأسُ مالِه الذي يشترِي به مرضاةَ اللهِ والخلودَ في الجنةِ والنجاةَ من النارِ. ٨ - الإحسانُ إلى الجيرانِ وعدمُ إيذائِهم وتعاهُدِهِم بالتُّحَفِ والهدايا والزياراتِ. ٩ - ترتيبُ الأولوياتِ، وتقديمُ الفرائضِ على النوافلِ، وواجبِ الوقتِ على غيرِه. ١٠ - تعظيمُ أوامرِ اللهِ ونواهِيهِ ونصوصِ الكتابِ والسُّنَّةِ والانقيادِ التامِّ لها. ١١ - تربيةُ أفرادِ الأسرةِ على روحِ الإبداعِ والتفوقِ والتميُّزِ في كافَّةِ مجالاتِ الحياةِ، وهذا من الإحسانِ الذي أَمَرَنَا الله تعالى به: ﴿وَأَحْسِنُوَا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة:١٩٥].

стр. 121

جـ - من ثمراتِ تعظيمِ اللهِ على المجتمعِ: إن المجتمعَ الذي يغلبُ على أفرادِه خشيةُ اللهِ تعالى وتعظيمُه في الغيبِ والشهادةِ يكثُرُ خيرُه، ويقلُّ شرُّه، وينتفعُ به القريبُ والبعيدُ، والقاصِي والداني، ويصبحُ قدوةً لغيرِه من المجتمعاتِ والشعوبِ، ومن ثمراتِ تعظيمِ اللهِ على المجتمعِ ما يلي: ١ - حفظُ الضرورياتِ الخمسِ التي جاءَ الإسلامُ بحفظِها؛ وهي: الدينُ، والنفسُ، والعقلُ، والمالُ، والعرضُ. ٢ - التكافلُ الاجتماعِيُّ بحيثُ لا يبقَى جائعٌ لا يجِدُ طعامًا، ولا مريضٌ لا يَجِدُ دواءً، ولا عَارٍ لا يَجِدُ لباسًا، ولا أُسرةٌ مهددَّةٌ بالطردِ من البيتِ، لأنَّ ربَّ الأسرةِ لا يَجِدُ قيمةَ إيجارِ البيتِ، أو قيمةَ ما تَسْتَهْلِكُهُ الأسرةُ من ماءٍ وكهرباء. ٣ - تعزيزُ الأخلاقِ الإسلامية بينَ أبناءِ المجتمعِ، وتنفيرُ أبناءِ المجتمعِ من الأخلاقِ السيئةِ، وتكريمُ أهلِ التميزِ في هذا البابِ. ٤ - حملُ رايةِ الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكرِ بالطرقِ الشرعيةِ التي تُثمرُ المطلوبَ من كثرةِ المعروفِ وطرقِ الخيرِ، وإماتةِ المنكراتِ أو تقليلِها. ٥ - محاربةُ البدعِ والمحدثات المتعلقةِ بالعباداتِ والمعاملاتِ والسلوكِ، والرجوعُ بالناسِ إلى سماحةِ الإسلامِ وبساطَتِهِ. ٦ - إبرازُ أهلِ الخشيةِ والتعظيم كنجومٍ للمجتمعِ ينبغي الاستفادةُ منهم، وفي مقدِّمَتِهم أهلُ العلمِ لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فطر:٢٨].

стр. 122

٧ - إشاعةُ روحِ التناصحِ بين أبناءِ المجتمع وبخاصةٍ في أسواقِ المسلمينَ، بحيثُ لا يوجدُ بين الناسِ غشٌّ ولا غررٌ ولا احتكارٌ. ٨ - رفضُ المجتمعِ لكافةِ الاستخداماتِ السلبيةِ لوسائلِ الإعلامِ والتقنيةِ، والاقتصارُ على النافعِ والمفيدِ منها، ويدخلُ في ذلك الصحفُ والمجلَّاتُ والقنواتُ التلفزيونيةُ، والراديو والكمبيوتر، والانترنت والهاتفُ الجوالُ وغيرُ ذلك. ٩ - تكاتفُ المجتمعِ في مجابهةِ المشكلاتِ الطارئةِ قبلَ أن تتفاقمَ ويستفحلَ خَطَرُها، ومن ذلك: العنوسةُ بين الفتياتِ، البطالةُ، المسكراتُ والمخدراتُ، التدخينُ، التشبُّهُ بالكفارِ، العنفُ والإرهابُ، العلاقاتُ المحرمةُ بين الجنسينِ. ١٠ - العملُ على تقويةِ روابطِ الوحدةِ والألفةِ بين المسلمين في كلِّ مكانٍ، من أجلِ إقامةِ أمةٍ واحدةٍ قادرةٍ على الحفاظٍ على هويةِ الأمةِ والدفاعِ عن كيانِها ضدَّ كافَّةِ الهجماتِ التي تُشَنُّ عليها. * * *

стр. 123

المعاني الجامعة للأسماء الحسنى وقال الشيخُ عبدِ الرحمنِ السعديِّ (١): «وقد تكررَ كثيرٌ من أسماءِ اللهِ الحسنى في القرآنِ بحسبِ المناسباتِ، والحاجةُ داعيةٌ إلى التنبيهِ إلى معانِيها الجامعةِ، فنقولُ: قد تكرَّرَ اسمُ «الربِّ» في آياتٍ كثيرةٍ. «الربُّ»: هو المربِّي جميعَ عبادِه بالتدبيرِ وأصنافِ النِّعمِ. وأخصُّ من هذا تربيتُه لأصفيائِهِ بإصلاحِ قلوبِهم وأرواحِهم وأخلاقِهم. ولهذا كَثُرَ دعاؤُهم له بهذا الاسمِ الجليلِ، لأنَّهم يطلبُونَ منه هذهِ التربيةَ الخاصَّةَ. ١ - «اللهُ»: هو المألوهُ المعبودُ، ذو الألوهيةِ والعبوديةِ على خلقِهِ أجمعينَ، لما اتَّصفَ به من صفاتِ الألوهيةِ التي هي صفاتُ الكمالِ. ٢، ٣ - «الملكُ، المالكُ»: الذي لهُ الملكُ فهو الموصوفُ بصفةِ الملكِ، وهي صفاتُ العظمةِ الكبرياءِ، والقهرِ والتدبيرِ، الذي له التصرفُ المطلقُ في الخلقِ والأمرِ والجزاءِ، وله جميعُ العالمِ العلويِّ والسفليِّ، كلُّهُم عبيدٌ ومماليكُ، ومضطرونَ إليه. ٤، ٥ - «الواحدُ، الأحدُ»: وهو الذي تَوحَّدَ بجميعِ الكمالاتِ، بحيثُ لا يشارِكُهُ فيها مشاركٌ، ويجبُ على العبيدِ تَوْحِيدُهُ، عقلًا، وقولًا، وعملًا، بأنْ يعترفُوا بكمالِه المطلقِ، وتفرُّدِه بالوحدانيةِ، ويفردُوه بأنواعِ العبادةِ.

стр. 124

٦ - «الصَّمَدُ»: هو الذي يَقْصِدُهُ الخلائقُ كلُّها في جميعِ حاجَاتِها، وضروراتِها وأحوالِها، لما له من الكمالِ المطلقِ في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه. ٧، ٨ - «العليمُ، الخبيرُ»: وهو الذي أحاطَ علمُه بالظاهرِ والباطنِ، والإسرارِ والإعلانِ، وبالواجباتِ والمستحيلاتِ والممكناتِ، وبالعالمِ العلويِّ والسفليِّ، وبالماضِي والحاضِرِ والمستقبلِ، فلا يَخْفَى عليه شيءٌ من الأشياءِ. ٩ - «الحكيمُ»: وهو الذي له الحكمةُ العُلْيَا في خلقِهِ وأَمْرِهِ، الذي أحسنَ كلَّ شيءٍ خلقَهُ ﴿أفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. فلا يَخْلُقُ شيئًا عبثًا، ولا يَشْرَعُ شيئًا سُدىً، الذي له الحكمُ في الأولى والآخرةِ، وله الأحكامُ الثلاثةُ لا يشارِكُهُ فيها مشاركٌ، فيحكمُ بين عبادِه، في شرعِه، وفي قدرِه وجزائِه. والحكمةُ: وضعُ الأشياءِ مواضعَها، وتنزيلُها منازِلَها. ١٠، ١٦ - «الرحمنُ، الرحيمُ، البَرُّ، الكريمُ، الجوادُ، الرؤوفُ، الوهَّابُ». هذه الأسماءُ تتقاربُ معانِيها، وتدلُّ كلُّها على اتِّصافِ الربِّ بالرحمةِ، والبِرِّ والجودِ، والكرمِ، وعلى سَعَةِ رحمتِه ومواهبِه، التي عمَّ بها جميعَ الوجودِ، بحسبِ ما تقتضِيهِ حكمتُه، وخصَّ المؤمنينَ منها بالنصيبِ الأوفرِ، والحظِّ الأكملِ، قال تعالى: ... ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية.

стр. 125

والنعمُ والإحسانُ كلُّه من آثارِ رحمتِه، وجودِه، وكرمِه، وخيراتُ الدنيا والآخرةِ، كلُّها من آثارِ رحمتِه. ١٧ - «السميعُ» لجميعِ الأصواتِ، باختلافِ اللغاتِ على تفنُّنِ الحاجاتِ. ١٨ - «البصيرُ» الذي يبصرُ كلَّ شيءٍ وإنْ دقَّ وصَغُرَ، فيبصرُ دبيبَ النملةِ السوداءِ في الليلةِ الظلماءِ على الصخرةِ الصَّمَّاءِ. ويُبصرُ ما تحتَ الأرضينَ السبعِ، كما يبصرُ ما فوقَ السمواتِ السبعِ. وأيضًا سميعٌ بصيرٌ بمنْ يستحقُّ الجزاءَ بحسبِ حكمتِه، والمعنى الأخيرُ يرجِعُ إلى الحكمةِ. ١٩ - «الحميدُ» في ذاتِه، وأسمائِه، وصفاتِه، وأفعالِه، فلهُ من الأسماءِ أحسنُها، ومن الصفاتِ أكملُها، ومن الأفعالِ أتمُّها وأحسنُها، فإنَّ أفعالَه تعالى دائرةٌ بينَ الفضلِ والعدلِ. ٢٠ - ٢٣ - «المجيدُ، الكبيرُ، العظيمُ، الجليلُ» وهو الموصوفُ بصفاتِ المجدِ، والكبرياءِ، والعظمةِ، والجلالِ، الذي هو أكبرُ من كلِّ شيءٍ، وأعظمُ من كلِّ شيءٍ، وأجلُّ وأعلى. وله التعظيمُ والإجلالُ في قلوبِ أوليائِه وأصفيائِه، قد مُلئَتْ قلوبُهم من تعظيمِه وإجلالِه، والخضوعِ له والتذلُّلِ لكبريائِه. ٢٤ - ٢٦ - «العفُوُّ، الغفورُ، الغفارُ» الذي لم يزَلْ، ولا يَزَالُ بالعفوِ معروفًا، وبالغفرانِ والصفحِ عن عبادِه موصُوفًا، كلُّ أحدٍ مُضْطَرٌّ إلى عَفْوِه ومغفرَتِه، كما هو مُضْطَرٌّ إلى رحمتِه وكرمِه، وقد وَعَدَ بالمغفرةِ والعفوِ لمن أتى بأسبابِها، قال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾.

стр. 126

٢٧ - «التوَّابُ» الذي لم يَزَلْ يتوبُ على التائبينَ، ويغفرُ ذنوبَ المنيبينَ، فكلُّ من تابَ إلى اللهِ توبةً نصوحًا، تابَ اللهُ عليه، فهو التائبُ على التائبينَ أولًا بتوفِيقِهم للتوبةِ والإقبالِ بقلوبِهم إليه، وهو التائبُ عليهم بعد توبَتِهم قبولًا لهم، وعَفْوًا عن خطَايَاهم. ٢٨، ٢٩ - «القدُّوسُ، السلامُ» أي: المعظَّمُ المنزَّهُ عن صفاتِ النقصِ كلِّها، وأن يماثِلَه أحدٌ من الخلقِ، فهو المتنَزِّهُ عن جميعِ العيوبِ، والمتنزِّهُ عن أن يقارِبَه أو يماثِلَه أحدٌ في شيءٍ من الكمالِ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، ... ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيّاً﴾، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾. فالقدُّوسُ كالسلامِ، ينفيانِ كلَّ نقصٍ من جميعِ الوجوهِ، ويتضمَّنَانِ الكمالَ المطلقَ من جميعِ الوجوهِ، لأنَّ النقصَ إذا انْتَفَى ثَبتَ الكمالُ كُلُّه. ٣٠، ٣١ - «العليُّ الأعلى» وهو الذي له العلوُّ المطلقُ من جميعِ الوجوهِ، علوُّ الذَّاتِ، وعلوُّ القدرِ والصِّفَاتِ، وعلوُّ القهرِ. فهو الذي على العرشِ اسْتَوَى، وعلى المُلْكِ احْتَوَى، وبجميعِ صفاتِ العظمةِ والكبرياءِ والجلالِ والجمالِ وغايةِ الكمالِ اتَّصَفَ، وإليهِ فيها المُنْتَهَى. ٣٢ - «العزيزُ» الذي له العزةُ كلُّها: عزةُ القوَّةِ، وعزةُ الغلبةِ، وعزةُ الامتناعِ، فامتنعَ أن ينالَه أحدٌ من المخلوقاتِ، وقَهَرَ جميعَ الموجوداتِ، ودَانَتْ لهُ الخليقَةُ وخَضَعَتْ لعظمتِه. ٣٣، ٣٤ - «القويُّ، المتينُ» هو في معنى العزيزِ.

стр. 127

٣٥ - «الجبَّارُ» هو بمعنى العليِّ الأعلى، وبمعنى القهَّارِ، وبمعنى «الرَّؤُوفِ» الجابرِ للقلوبِ المنكسِرَةِ، وللضعيفِ العاجزِ، ولمن لاذَ بهِ ولجأَ إليه. ٣٦ - «المتكبِّرُ» عن السوءِ والنقصِ والعيوبِ، لعظمتِه وكبريائِه. ٣٧ - ٣٩ - «الخالقُ، البارئُ، المصوِّرُ» الذي خلقَ جميعَ الموجوداتِ وبَرَأَها وسوَّاها بحكمتِه، وصوَّرَها بحمدِهِ وحكمتِهِ، وهو لم يَزَلْ ولا يَزَالُ على هذا الوصفِ العظيمِ. ٤٠ - «المؤمنُ» الذي أَثْنَى على نفسِه بصفاتِ الكمالِ، وبكمالِ الجلالِ والجمالِ، الذي أَرْسَلَ رسلَه وأنزلَ كتبَه بالآياتِ والبراهينِ، وصدَّقَ رسلَه بكلِّ آيةٍ وبرهانٍ، يدُلُّ على صدقِهم وصحةِ ما جاؤُوا به. ٤١ - «المهيمنُ»: المطلعُ على خفايَا الأمورِ وخبايَا الصدورِ، الذي أحاطَ بكلِّ شيءٍ علمًا. ٤٢ - «القديرُ» كاملُ القدرةِ، بقدرتِه أوجدَ الموجوداتِ، وبقدرتِه دبَّرَها، وبقدرتِه سوَّاها وأحكَمَها، وبقدرَتِه يُحيي ويُميتُ، ويبعثُ العبادَ للجزاءِ، ويجازي المحسنَ بإحسانِه، والمسيءَ بإساءَتِه، الذي إذا أرادَ شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، وبقدرَتِه يقلِّبُ القلوبَ، ويُصَرِّفُها على ما يشاءُ ويريدُ. ٤٣ - «اللطيف» الذي أحاطَ علمُه بالسرائرِ والخفايَا، وأدركَ الخبايَا والبواطنَ والأمورَ الدقيقةَ، اللطيفُ بعبادِه المؤمنينَ، الموصلُ إليهم مصالِحَهم بلطفِه وإحسانِه، من طرقٍ لا يشعرونَ بها، فهو بمعنى «الخبيرِ» وبمعنى «الرؤوفِ».

стр. 128

٤٤ - «الحسيبُ» هو العليمُ بعبادِه، كافي المتوكلينَ، المُجَازِي لعبادِه بالخيرِ والشَّرِّ، بحسبِ حكمَتِه وعِلْمِهِ بدقيقِ أعمالِهم وجليلِها. ٤٥ - «الرقيبُ» المطلَّعُ على ما أَكَنَّتْهُ الصُدُورُ، القائمُ على كلِّ نفسٍ بما كسبتْ، الذي حَفِظَ المخلوقاتِ وأَجْرَاهَا على أحسنِ نظامٍ وأكملِ تدبيرٍ. ٤٦ - «الحفيظُ» الذي حَفِظَ ما خَلَقَهُ، وأَحَاطَ علمُه بما أوجدَهُ، وحَفِظَ أولياءَه من وقوعِهِم في الذنوبِ والهَلَكَاتِ، ولَطَفَ بهم في الحركاتِ والسكناتِ، وأحصى على العبادِ أعمالَهم وجزاءَها. ٤٧ - «المحيطُ» بكلِّ شيءٍ علمًا، وقدرةً، ورحمةً، وقهرًا. ٤٨ - «القهَّارُ» لكلِّ شيءٍ، الذي خَضَعَتْ لهُ المخلوقاتُ، وذَلَّتْ لعزَّتِه وقوَّتِه وكمالِ اقْتِدَارِه. ٤٩ - «المُقيتُ» الذي أوصلَ إلى كلِّ موجودٍ ما به يقتاتُ، وأوصلَ إليها أرزاقَها وصَرَّفَها كيفَ يشاءُ بحكمتِه وحمدِه. ٥٠ - «الوكيلُ» المتولِّي لتدبيرِ خلقِه بعلمِه وكمالِ قدرتِه وشمولِ حكمتِه، الذي تولَّى أولياءَه، فيَسَّرَهُم لليُسْرَى، وجنَّبَهُمُ العُسْرَى، وكَفَاهُمُ الأمورَ. فمن اتَّخَذَهُ وكِيلًا كَفَاهُ ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾. ٥١ - «ذو الجلالِ والإكرامِ» أي: ذو العظمةِ والكبرياءِ، وذو الرحمةِ والجودِ، والإحسانِ العامِّ والخاصِّ، المكرمُ لأوليائِه وأصفيائِه، الذين يجلُّونَهُ ويعظِّمُونَهُ ويحبُّونَه.

стр. 129

٥٢ - «الودودُ» الذي يُحِبُّ أنبياءَه ورسُلَهُ وأَتْبَاعَهُم، ويُحِبُّونَهُ، فهو أَحَبُّ إليهم من كلِّ شيءٍ، قدِ امتلَأَتْ قلوبُهم من محبَّتِهِ، ولَهَجَتْ ألسنتُهم بالثناءِ عليه، وانجذَبَتْ أفئدَتُهم إليهِ وُدًّا وإخلاصًا وإنابةً من جميعِ الوجوهِ. ٥٣ - «الفتَّاحُ» الذي يحكمُ بين عبادِه بأحكامِه الشرعيَّةِ، وأحكامِه القدريةِ، وأحكامِ الجزاءِ، الذي فَتَحَ بلُطْفِهِ بصائرَ الصادقِينَ، وفتحَ قلوبَهم لمعرفتِه ومحبتِه والإنابةِ إليه، وفتحَ لعبادِه أبوابَ الرحمةِ والأرزاقِ المتنوعَةِ، وسَبَّبَ لهم الأسبابَ التي ينالُونَ بها خَيْرَ الدُّنْيَا والآخرةِ ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ [فاطر:٢]. ٥٤ - «الرزَّاقُ» لجميعِ عبادِه، فما من دابَّةٍ في الأرضِ إلا على اللهِ رزْقُها. ورِزْقُهُ لعبادِه نوعانِ: رزقٌ عامٌّ: شَمَلَ البَرَّ والفاجرَ، والأولينَ والآخرينَ، وهو رزقُ الأبدانِ. ورزقٌ خاصٌّ: وهو رزقُ القلوبِ، وتَغْذِيتُها بالعلمِ والإيمانِ، والرزقُ الحلالُ الذي يعينُ على صلاحِ الدينِ، وهذا خاصٌّ بالمؤمنينَ، على مراتِبِهم منه، بحسبِ ما تقتَضِيهِ حكمتُه ورحمتُه. ٥٥، ٥٦ - «الحَكَمُ، العدْلُ» الذي يحكُمُ بين عبادِه في الدنيا والآخرةِ بعدلِه وقسطِه. فلا يظلمُ مثقالَ ذرَّةٍ ولا يُحَمِّلُ أحدًا وزرَ أحدٍ، ولا يجازِي العبدَ بأكثرَ من ذنبِه، ويؤدِّي الحقوقَ إلى أهلِها، فلا يدَعُ صاحبَ حقٍّ إلا أَوْصَلَ إليه حقَّهُ، وهو العدلُ في تدبيرِه وتقديرِه ﴿إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ [هود:٥٦]. ٥٧ - «جامعُ النَّاسِ» ليومٍ لا ريبَ فيه، وجامعُ أعمالِهم وأرزاقِهم، فلا

стр. 130

يتركُ منها صغيرةً ولا كبيرةً إلا أحصَاهَا، وجامعُ ما تفرَّقَ واستحالَ من الأمواتِ الأولينَ والآخرينَ، بكمالِ قدرتِه، وسعةِ علمِه. ٥٨ - «الحيُّ القيُّومُ» كاملُ الحياةِ والقائمُ بنفسِه. القيومُ لأهلِ السمواتِ والأرضِ، القائمُ بتدبيرِهم وأرزاقِهم، وجميعِ أحوالِهم، فـ «الحيُّ»: الجامعُ لصفاتِ الذاتِ، و «القيومُ» الجامعُ لصفاتِ الأفعالِ. ٥٩ - «النورُ» نورُ السمواتِ والأرضِ، الذي نَوَّرَ قلوبَ العارفينَ بمعرفتِه والإيمانِ به، ونَوَّرَ أفئدتَهم بهدايتِه، وهو الذي أنارَ السمواتِ والأرضَ بالأنوارِ التي وضَعَها، وحجابُه النورُ، لو كشَفَه لأحرَقَتْ سبحاتُ وجهِه ما انتهى إليه بَصَرُه من خلقهِ. ٦٠ - «بديعُ السمواتِ والأرضِ» أي: خالقُهما ومبدعُهما، في غايةِ ما يكونُ من الحسْنِ والخلقِ البديعِ، والنظامِ العجيبِ المحكمِ. ٦١، ٦٢ - «القابضُ، الباسطُ» يقبضُ الأرزاقَ والأرواحَ، ويبسطُ الأرزاقَ والقلوبَ، وذلكَ تبعٌ لحكمتِه ورحمتِه. ٦٣، ٦٤ - «المعطي، المانعُ» لا مانعَ لما أعطَى، ولا معطِيَ لما منعَ، فجميعُ المصالحِ والمنافعِ منه تُطلبُ، وإليه يرغبُ فيها، وهو الذي يعطِيها لمن يشاءُ، ويمنعُها من يشاءُ بحكمتِه ورحمتِه. ٦٥ - «الشهيدُ» أي: المطَّلعُ على جميعِ الأشياءِ. سمعَ جميعَ الأصواتِ خفيَّها وجليَّها، وأبصرَ جميعَ الموجوداتِ دقيقَها وجليلَها صغيرَها وكبيرَها، وأحاطَ علمُه بكلِّ شيءٍ، الذي شَهِدَ لعبادِه وعلى عبادِه بما عملُوه.

стр. 131

٦٦، ٦٧ - «المبدئُ، المعيدُ» قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾، ابتدأَ خلقَهم ليبلوَهُم أيهم أحسنُ عملًا، ثم يعيدُهم ليجزيَ الذين أحسنُوا بالحُسْنَى، ويجزِيَ المسيئِينَ بإساءَتِهم. وكذلكَ هو الذي يُبْدِأُ إيجادَ المخلوقاتِ شيئًا فشيئًا، ثم يعيدُها كلَّ وقتٍ. ٦٨ - «الفعَّالُ لما يريدُ» وهذا من كمالِ قوتِه ونفوذِ مشيئتِه وقدرتِه، أنَّ كلَّ أمرٍ يريدُه يفعلُه بلا ممانعٍ ولا معارضٍ، وليسَ له ظهيرٌ ولا معينٌ، على أيِّ أمرٍ يكونُ، بلْ إذا أرادَ شيئًا قال له: ﴿كُنْ فَيَكُونُ﴾، ومعَ أنَّه الفعَّالُ لما يريدُ، فإرادتُه تابعةٌ لحكمتِه وحمدِه، فهو موصوفٌ بكمالِ القدرةِ، ونفوذِ المشيئةِ، وموصوفٌ بشمولِ الحكمةِ، لكلِّ ما فعلَه ويفعلُه. ٦٩، ٧٠ - «الغنيُّ، المغنِي» فهو الغنيُّ بذاتِه، الذي له الغنى التامُّ المطلقُ، من جميعِ الوجوهِ والاعتباراتِ لكمالِه، وكمالِ صفاتِه، فلا يتطرقُ إليها نقصٌ بوجْهٍ من الوجوهِ، ولا يمكنُ أن يكونَ إلا غنيًّا، لأن غنَاهُ من لوازمِ ذاتِه، كما لا يكونُ إلا خالقًا، قادرًا، رازقًا، محسنًا، فلا يحتاجُ إلى أحدٍ بوجْهٍ من الوجوهِ، فهو الغنيُّ، الذي بيدِه خزائنُ السمواتِ والأرضِ، وخزائنُ الدنيا والآخرةِ. المغني جميعَ خلقِه غنىً عامًّا، والمغنِي لخواصِّ خلقِه بما أفاضَ على قلوبِهم من المعارفِ الربانيَّةِ والحقائقِ الإيمانيةِ. ٧١ - «الحليمُ» الذي يدرُّ على خلقِه النعمَ الظاهرةَ والباطنةَ، مع معاصِيهم وكثرةِ زَلَّاتِهم، فيحلُمُ عن مقابلةِ العاصِينَ بعصيانِهم، ويستعتُبُهم كي يتوبوا، ويمهِلُهم كي يُنِيبُوا. ٧٢، ٧٣ - «الشاكرُ، الشكور» الذي يشكرُ القليلَ من العملِ، ويغفرُ

стр. 132

الكثيرَ من الزللِ. ويضاعفُ للمخلصِينَ أعمالَهم بغيرِ حسابٍ، ويشكرُ الشاكرينَ، ويذكرُ من ذكرَه، ومن تقرَّبَ إليه بشيءٍ من الأعمالِ الصالحةِ، تقرَّبَ اللهُ منهُ أكثرَ. ٧٤، ٧٥ - «القريبُ، المجيبُ» أي: هو تعالى القريبُ من كلِّ أحدٍ. وقربُه تعالى نوعانِ: قربٌ عامٌّ من كلِّ أحدٍ، بعلْمِهِ، وخبرَتِهِ، ومراقبتِه، ومشاهدتِه، وإحاطتِه. وقربٌ خاصٌّ، من عابدِيه، وسائلِيه، ومحبِّيه، وهو قربٌ لا تُدْرَكُ له حقيقةٌ، وإنما تُعْلَمُ آثارُه، من لطفِه بعبدِه، وعنايتِه به، وتوفيقِه وتسديدِه. ومن آثارِه: الإجابةُ للداعينَ والإثابةُ للعابدينَ، فهو المجيبُ إجابةً عامَّةً للداعينَ مهما كانُوا، وأينَ كانُوا، وعلى أيِّ حالٍ كانُوا كما وعدَهم بهذا الوعدِ المطلقِ، وهو المجيبُ إجابةً خاصَّةً للمستجيبينَ له المنقادينَ لشرعِه، وهو المجيبُ أيضًا للمضطرينَ، ومن انقطعَ رجاؤُهم من المخلوقينَ وقَوِيَ تعلُّقُهم به طمعًا ورجاءً وخوفًا. ٧٦ - «الكافي» جميعَ عبادِه ما يحتاجُونَ ويضطرُّونَ إليه، الكافي كفايةً خاصَّةً من آمنَ به، وتوكَّلَ عليه، واستمدَّ منه حوائجَ دينِه ودنياه. ٧٧ - ٨٠ - «الأولُ، والآخرُ، والظاهرُ، والباطنُ». قد فسَّرَها النبيُّ ﷺ تفسيرًا جامعًا واضحًا، فقال: «أنتَ الأولُ فليسَ قبلَكَ شيءٌ، وأنتَ الآخِرُ فليسَ بعدَكَ شيءٌ، وأنتَ الظاهرُ فليسَ فوقَكَ شيءٌ، وأنتَ الباطِنُ فليسَ دونَكَ شيءٌ» (١).

стр. 133

٨١ - «الواسعُ» الصفاتِ والنعوتِ ومتعلقاتِها، بحيثُ لا يُحصِي أحدٌ ثناءً عليه، بلْ هو كَمَا أثنَى على نفسِه. واسعُ العظمةِ والسلطانِ والملكِ، واسعُ الفضلِ والإحسانِ، عظيمُ الجودِ والكرمِ. ٨٢، ٨٣ - «الهادي، الرشيدُ» أي: الذي يهدِي ويرشدُ عبادَه إلى جميعِ المنافعِ، وإلى دفعِ المضارِّ، ويعلِّمُهم ما لا يعلمونَ، ويهدِيهم لهدايةِ التوفيقِ والتسديدِ، ويُلهِمُهم التقوى، ويجعلُ قلوبَهم منيبةً إليهِ منقادَةً لأمْرِهِ. وللرشيدِ معنىً بمعنَى الحكيمِ، فهو الرشيدُ في أقوالِه وأفعالِه، وشرائعُه كُلُّها خيرٌ ورَشَدٌ وحكمةٌ، ومخلوقاتُه مشتملةٌ على الرشدِ. ٨٤ - «الحقُّ» في ذاتِه وصفاتِه، فهو واجبُ الوجودِ، كاملُ الصفاتِ والنعوتِ، وجودُه من لوازمِ ذاتِه، ولا وجودَ لشيءٍ من الأشياءِ إلا به. فهو الذي لم يَزَلْ ولا يَزَالُ بالجلالِ والكمالِ موصُوفًا، ولم يَزَلْ ولا يَزَالُ بالإحسانِ معروفًا. فقولُه حقٌّ، وفعلُه حقٌّ، ولقاؤُه حقٌّ، ورسلُه حقٌّ، وكتبُه حقٌّ، ودينُه هو الحقُّ، وعبادتُه وحدَه لا شريكَ له هي الحقُّ، وكلُّ شيءٍ ينسبُ إليه فهو حقٌّ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [الحج:٦٢]. ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف:٢٩]، ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلاَّ الضَّلاَلُ﴾ [يونس:٣٢]، ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًاً﴾ [الإسراء:٨١]. * * *

стр. 134

قصائد فِي تَعْظِيم الله -

стр. 135

١ - أسماء الله الحسنى العليُّ فَهوَ العَليُّ بِذَاتِهِ سُبحَانَهُ ... إِذ يستَحيلُ خِلافُ ذَا بِبَيَان وَهْوَ الَّذِي حَقًّا عَلَى العَرْشِ استَوى ... قَد قَامَ بالتَّدبيرِ للأَكوان حَيٌّ مُرِيدٌ قَادِرٌ مُتكَلِّمٌ ... ذُو رَحمَةٍ وإرَادَةٍ وحَنَان هُوَ أوَّلٌ هُوَ آخِرٌ هُوَ ظَاهِرٌ ... هُوَ بَاطِنٌ هَي أربعٌ بِوِزَان مَا قَبلَهُ شيءٌ كَذَا ما بَعدَهُ ... شَيءٌ تَعَالى اللهُ ذُو السُّلطَان مَا فَوقَهُ شيءٌ كَذَا ما دُونَهُ ... شيءٌ وَذَا تَفسيرُ ذِي البُرهان فانظُرْ إِلى تَفسيرِهِ بتَدَبُّرٍ ... وتَبَصُّرٍ وتَعَقُّلٍ لمِعَان وانظر إلى ما فيهِ من أنواع مَعْـ ... ـرفَةٍ لخَالقِنَا العَظيمِ الشَّان وهُوَ العَليُ فَكَلُّ أنواعِ العُلُـ ... ـوِّ لَهُ فثابِتَةٌ بلا نُكران العظيم وهُوَ العَظِيمُ بِكُلِ مَعنًى يُوجِبُ ... التَّعظِيمَ لَا يُحصِيهِ مِن إنسَان وَهُوَ الجلَيلُ فكُلُّ أوصَافِ الجَلَا ... لِ لَهُ مُحَقّقَةٌ بِلَا بُطلان الجميل وَهُوَ الجمِيلُ عَلَى الحقِيقَةِ كَيفَ لا؟! ... وَجَمالُ سائِرِ هَذِهِ الأكوان مِن بَعضِ آثارِ الجمَيلِ فَرَبُّها ... أولَى وأجدَرُ عَندَ ذِيَ العِرفان فَجمَالَهُ بالذَّاتِ والأوصافِ والـ ... أفعَالِ والأسمَاءِ بالبُرهَان

стр. 136

لا شَيءَ يُشبِهُ ذَاتَهُ وَصِفَاتِهِ ... سُبحَانَهُ عَن إِفكِ ذِي البُهتَان المجيد وهُوَ المَجِيدُ صَفاتُهُ أوصَافِ تع ... ظِيمٍ فَشَأنُ الوَصفِ أعظَمُ شَان السميع وهُوَ السَّميعُ يَرى ويَسمَعُ كُلَّ مَا ... فِي الكَونِ مِنْ سِرٍّ ومِنْ إِعلان ولِكُلِ صَوتٍ مِنهُ سَمعٌ حاضرٌ ... فالسِّرُّ والإعلانُ مُسْتويان والسمعُ منه واسعُ الأصواتِ لا ... يَخْفَى عليه بعيدُها والدَّاني البصير وهُوَ البَصِيرُ يَرى دَبيبَ النَمَّلةِ السْ ... ودَاءِ تَحتَ الصَّخْرِ والصَّوان ويَرَى مَجارِي القُوتِ في أعضَائِهَا ... ويَرَى بَياضَ عُروقِها بِعيان ويَرَى خَياناتِ العُيونِ بِلَحظِهَا ... ويَرَى كَذَاكَ تَقَلُّبَ الأجفَان العليم وهُوَ العَليمُ أحَاطَ عِلمًا بالذِي ... في الكَونِ من سِرٍّ ومِنْ إعلان وبكُلِّ شيءٍ عِلمُهُ سُبحَانَهُ ... فَهْوَ المُحيطُ ولَيسَ ذَا نِسيَان وَكَذاكَ يعْلمُ مَا يَكونُ غَدًا وَمَا ... قَد كَانَ والموجودَ في ذَا الآن وَكَذَاكَ أَمرٌ لَمْ يَكُن لَو كَانَ كَيْـ ... ـفَ يَكُونُ ذَاكَ الأَمرُ ذَا إِمكَان الحميد وهُوَ الحَميدُ فَكُلُ حَمدٍ وَاقعٍ ... أو كَانَ مَفروضًا مَدَى الأزمَان

стр. 137

مَلَأ الوجُودَ جَميْعَهُ ونَظَيرَهُ ... مِن غَيرِ ما عَدٍّ ولا حُسْبَان هُوَ أهْلُهُ سُبْحَانَهُ وبِحَمْدِهِ ... كُلُّ المحَامِدِ وَصْفُ ذِي الإِحسَان وهُوَ المِكُلِّمُ عَبْدَهُ مُوْسَى بتَك ... لِيمِ الخِطابِ وَقَبلَهُ الأبَوان كَلِماتُهُ جَلَّتْ عن الإحصَاءِ والتَّع ... دَادِ بَل عَن حَصرِ ذِي الحسبَان لو أنَّ أشجَارَ البِلادِ جَميعَهَا الـ ... أقْلَامُ تَكْتُبُهَا بكَلِّ بَنَان والبَحرَ تُلقَى فِيهِ سَبعَةُ أبحُرٍ ... لِكَتابَةِ الكَلِماتِ كُلِّ زَمَان نَفِدَت وَلَم تَنفَد بِهَا كَلِمَاتُهُ ... ليْسَ الكَلامُ مِن الإِلهِ بِفَان القدير وهُوَ القَدِيرُ ولَيْسَ يُعجِزُهُ إذا ... مَا رَامَ شَيئًا قَطُّ ذُو سُلطَان القويُّ وَهُوَ القَوِيُّ لَهُ القُوَى جَمعًا تعَا ... لَى اللهُ رَبُّ النَّاسِ والأَكوان الغنيُّ وهُوَ الغَنيُّ بذاتِهِ فغِناهُ ذا ... تِيٌّ لَهُ كَالجُودِ والإِحسَان العزيز القاهر وهُوَ العَزيزُ فَلَن يُرامَ جَنَابُهُ ... أنَّى يُرامُ جَنَابُ ذِي السُّلطَان وهُوَ العَزيزُ القَاهرُ الغلَّابُ لمْ ... يَغلِبْهُ شَيءٌ هَذِهِ صِفَتَان وهُوَ العَزيزُ بقُوَّةٍ هِيَ وَصفُهُ ... فالِعَزُّ حِينَئِذٍ ثَلاثُ مَعَان وَهْيَ الَّتي كَمُلَت لَهُ سُبحَانَهُ ... مِنْ كُلِّ وَجْهٍ عَادِمِ النُقصَان

стр. 138

الحكيم وهُوَ الحَكِيمُ وذَاكَ مِن أوصَافِهِ ... نَوعَانِ أيضًا مَا هُمَا عَدَمَان حُكمٌ وإِحكَامٌ فَكُلٌ مِنهُمَا ... نَوعَانِ أيضًا ثَابتَا البُرهَان والحُكْمُ شَرعِيٌّ وَكَونيٌّ وَلَا ... يَتلازَمانِ وَمَا هُمَا سِيِّان الحييُّ وهُوَ الحَيِيُّ فَلَيسَ يَفضَحُ عَبدَهُ ... عِندَ التَّجَاهُرِ مِنهُ بِالعِصيَان لَكِنَّهُ يُلقِي عَلَيه سِترَهُ ... فَهُوَ السِّتِيرُ وَصَاحبُ الغُفرَان الحليم وهُوَ الحَلِيمُ فَلَا يُعَاجِلُ عَبْدَهُ ... بِعُقُوبَةٍ لِيَتُوبَ مِنْ عِصيان العفو وَهُوَ العَفُوُّ فَعَفوُهُ وَسِعَ الوَرَى ... لولَاهُ غَارَ الأَرض بالسُّكَان الصبور وَهُوَ الصَّبُورُ عَلَى أذَى أعدائِهِ ... شَتَمُوهُ بَل نَسَبُوهُ لِلبُهتَان قَالُوا لَهُ ولَدٌ ولَيسَ يُعَيِدُنَا ... شَتمًا وتَكذِيبًا مِنَ الإِنسان هَذَا وَذَاكَ بِسَمعِهِ وَبِعِلمِهِ ... لَوْ شَاءَ عَاجَلهُم بِكُلِ هَوَان لَكِنْ يُعَافِيهمِ ويَرزُقْهُمُ وهُمْ ... يُؤذُونَهُ بالشِّرْكِ وَالكُفرَان الرقيبُ وَهَوَ الرَّقِيبُ عَلَى الخَواطِر واللَّوَا ... حِظِ كَيفَ بالأَفعَالِ بِالأرْكَان

стр. 139

الحفيظُ الكفيلُ وَهُوَ الحَفيظُ عَلَيهِمُ وَهُوَ الكَفِيـ ... ـلُ بِحِفظِهِمْ مِنْ كُلِّ أمرٍ عَان اللطيفُ وَهُوَ اللَّطِيفُ بِعَبْدِهِ وَلِعَبْدِهِ ... واللَّطفُ فِي أوصَافِهِ نَوعَان إدرَاكُ أسرارِ الأمُورِ بِخِبرَةٍ ... واللُّطفُ عِندَ مَوَاقِعِ الإحسِان فيُرِيكَ عِزَّتَهُ ويُبدِي لُطفَهُ ... وَالعَبدُ فِي الغَفَلَاتِ عَن ذَا الشَّان الرفيقُ وَهُوَ الرَّفِيقُ يُحِبُّ أهلَ الرِّفقِ بَل ... يُعطِيهُمُ بالرِّفقِ فَوقَ أمَان القريبُ وهُوَ القَريبُ وقُربُهُ المُختَصُّ بالدْ ... داعِي وعَابِدِهِ عَلَى الإِيمَان المجيبُ وَهُوَ المُجِيبُ يَقولُ مَنْ يَدعُو أُجِبْـ ... ـهُ أَنَا المُجِيبُ لِكُلِّ مَن نَادَانِي وهُوَ المُجِيبُ لِدَعوَةِ المضطَرِّ إِذ ... يَدْعُوهُ فِي سِرٍ وفي إعلان الجوادُ وهُوَ الجَوَادُ فَجُودُهُ عَمَّ الوُجُو ... دَ جَمِيعَهُ بالفَضلِ والإِحسَان وهُوَ الجَوَادُ فَلا يُخَيِّبُ سَائِلًا ... وَلَوَ انَّهُ مِن أُمَّةِ الكُفران المغيثُ وهُوَ المُغيثُ لِكُلِّ مخلُوقَاتِهِ ... وَكَذَا يَجُيبُ إغَاثَةَ اللَّهفَان

стр. 140

الودودُ وَهُوَ الوَدُودُ يُحِبُّهُم ويُحبُّهُ ... أحبَابُهُ وَالفَضلُ للمَنَّان وهُوَ الَّذِي جَعلَ المَحَبَّةَ في قُلُو ... بِهمُ وَجَازَاهُم بِحُبٍّ ثَان هَذَا هُوَ الإِحَسانُ حَقًّا لَا مُعَا ... وَضَةً وَلَا لِتَوقُّعِ الشُّكْرَان لَكِن يُحِبُّ شَكُورَهُم وَشُكُورُهُم ... لَا لاحِتياجٍ مِنهُ للشُّكرَان الشكورُ وَهُوَ الشَّكُورُ فَلَن يُضَيِّعَ سَعيَهُم ... لِكِن يَضاعِفُهُ بِلَا حُسبَان ما لِلعِبَادِ عليه حَقٌ وَاجِبٌ ... هُوَ أوجَبَ الأَجرَ العَظِيمَ الشَّان كَلَّا وَلَا عَمَلٌ لَدَيهِ ضَائعٌ ... إِن كَانَ بِالإِخلَاصِ والإِحسَان إن عُذِّبُوا فِبعَدلِهِ أو نُعِّمُوا ... فِبفَضلِهِ وَالحَمدُ للرَّحمَن الغفورُ وهُوَ الغَفُورُ فَلَو أُتِي بقُرَابِهَا ... مِن غَيرَ شِركٍ بَل منَ العِصَيان لاقَاهُ بالغُفرانِ مِلءَ قُرَابِها ... سُبحَانَهُ هُوَ وَاسِعُ الغُفران التوابُ وكَذلِكَ التَّوابُ مِنْ أوصَافِهِ ... والتَّوبُ فِي أَوصَافِهِ نَوعَان إذنٌ بِتَوبةِ عَبدِهِ وقَبُولِهَا ... بَعدَ المتَابِ بمنَّةِ المنَّان الإلهُ السيدُ الصمدُ وَهُوَ الإلهُ السَّيدُ الصَّمَدُ الَّذِي ... صَمَدَتْ إِليهِ الخَلقُ بالإِذعان

стр. 141

الكَامِلُ الأَوصَافِ مِنْ كُلِّ الوُجُو ... هِ كَمَالُهُ ما فِيهِ مِنْ نُقْصَان القهارُ وكَذلِكَ القَهَّاُر مِنْ أَوْصَافِهِ ... فَالخَلْقُ مَقْهُورُونَ بالسُّلْطَان الحيُّ العزيزُ القادرُ لَوْ لَمْ يَكُنْ حَيًّا عَزِيزًا قَادِرًا ... مَا كَانَ مِنْ قَهْرٍ وَلَا سُلطان الجبارُ وَكَذلِكَ الجَبَّارُ مِنْ أَوْصَافِهِ ... والجَبْرُ فِي أَوْصَافِهِ قِسمَاِن جَبْرُ الضَّعِيفِ وَكُلُّ قَلْبٍ قَدْ غَدَا ... ذَا كَسْرةٍ فَالجَبْرُ مِنْهُ دَان الثَّانِي جَبْرُ الْقَهْرِ بِالعِزِّ الذي ... لَا يَنْبَغِي لِسِوَاهُ مِنْ إِنْسِان ولَهُ مُسَمًّى ثالثٌ وهُوَ العُلوْ ... فَلَيْسَ يَدْنُو مِنْهُ مِن إِنْسَان مِنْ قَوْلِهِمْ جَبَّارَةٌ لِلنَّخلِةِ الـ ... ـعُلْيَا التي فاتَتْ لِكُلِّ بَنان الحسيبُ وَهُوَ الحَسِيبُ كِفَايَةً وحِمَايةً ... وَالحَسْبُ كَافِي الْعَبْدِ كُلَّ أَوان الرشيدُ وَهُوَ الرَّشِيدُ فَقَولُهُ وفِعَالُهُ ... رُشْدٌ وَرَبُّكَ مُرْشِدُ الحَيْرَان وَكِلَاهُمَا حَقٌّ فَهَذَا وَصْفُهُ ... وَالْفِعْلُ للإِرْشَادِ ذَاكَ الثَانِي العدلُ وَالْعَدْلُ مِنْ أَوْصَافِهِ فِي فِعْلِهِ ... وَمَقَالِهِ وَالحُكْمُ بِالمِيزَان فَعَلى الصِّراطِ المَستَقيمِ إلهُنَا ... قَولًا وَفِعْلًا ذَاكَ فِي القُرآن

стр. 142

القدوسُ هَذَا وَمِنَ أَوْصَافِهِ القُدُّوْسُ ذَو ... التَّنْزِيْهِ بِالتَعْظِيمِ للرَّحْمَن السلامُ وَهُوَ السَّلَامُ عَلَى الحَقِيقَةِ سَالمٌ ... مِنْ كُلِّ تَمثِيلٍ وَمِنْ نُقْصَان البرُّ والبَرُّ فِي أَوْصَافِهِ سُبْحَانَهُ ... هُوَ كَثْرِةُ الخَيْرَاتِ والإحْسَان صَدَرَتْ عَنْ البِرِّ الذي هُوَ وَصْفُهُ ... فَالبِرُّ حِينَئذٍ لَهُ نَوعَان وَصْفٌ وفِعْلُ فَهُوَ بَرٌّ مُحْسِنٌ ... مُوْلِي الجَميلِ ودَائِمُ الإِحْسَان الوهَّابُ وكَذلِكَ الوَهَّابُ مِن أَسْمَائِهِ ... فَانْظُرْ مَوَاهِبَهُ مَدَى الأزَمَان أهْلُ السَّمَواتِ العُلَى والأَرْضِ عَنْ ... تِلكَ المَواهِبِ لَيْسَ يَنْفَكَّان الفتاحُ وَكَذلِكَ الفَتَّاحُ مِنْ أَسْمَائِهِ ... والفَتْحُ فِي أَوْصَافِهِ أَمْرَان فَتْحٌ بِحُكْمٍ وَهْوَ شَرْعُ إِلهنَا ... وَالْفَتْحُ بِالأَقْدَارِ فَتْحٌ ثان وَالرَبُّ فَتَّاحٌ بِذَيْنِ كِلَيْهمِا ... عَدْلًا وَإِحْسَانًا مِنَ الرَّحْمن الرزاقُ وَكَذَلِكَ الرَزَّاقُ مِنَ أَوْصَافِهِ ... والرَّزْقُ مِنْ أَفْعَالِهِ نَوْعَان رِزْقٌ عَلَى يَدِ عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ... نوعانِ أيْضًا ذَانِ مَعْرُوفَان

стр. 143

رِزْقُ القُلُوبِ العِلمُ والإيمَانُ والر ... زْقُ المُعَدُّ لِهَذِهِ الأَبْدَان هَذا هُوَ الرِّزْقُ الحَلالُ وَرَبُنَّا ... رَزَّاقُهُ وَالفَضْلُ لِلمَنَّان وَالثَّانِي سَوْقُ القُوتِ لِلأَعْضَاءِ فِي ... تِلْكَ المَجَارِيْ سَوقُهُ بِوَازان هَذَا يَكُونُ مِنَ الحَلالِ كَمَا يَكُو ... نُ مِنْ الحَرَامِ كِلاهُمَا رِزْقَان واللهُ رَازِقُهُ بِهَذَا الاعْتَبا ... رِ وَلَيْسَ بِالإِطْلَاقِ دُوْنَ بَيَان القيومُ هَذَا وَمِنْ أَوْصَافِهِ القَيُّومُ والـ ... ـقَيُّومُ فِي أَوْصَافِهِ أمْرَان إِحْدَاهُمَا القَيُّومُ قَامَ بِنَفْسِهِ ... وَالْكُونُ قَامَ بِهِ هُمَا الأمْرَان فَالَأوَّلُ اسْتِغْنَاؤُهُ عَنْ غَيْرِهِ ... وَالْفَقْرُ مِنْ كُلٍّ إليهِ الثَانِي وَالوْصفُ بِالقَيُّوْمِ ذُوْ شأنٍ ... كَذَا مَوْصُوْفُهُ أَيْضًا عظيمُ الشَّان الحيُّ القيومُ وَالحَيُّ يَتْلُوهُ فَأوْصَافُ الكَما ... لِ هُمَا لأُفْقِ سَمَائِها قُطبان فَالحَيُّ وَالقَيُّومُ لَنْ تَتَخَلَّفَ الـ ... أوْصَافُ أصَلًا عَنهُمَا بِبَيَان القابضُ الباسطُ الخافضُ الرافعُ هُوَ قَابِضٌ هُوَ بَاسِطٌ هُوَ خَافِضٌ ... هُوَ رَافِعٌ بِالعَدْلِ وَالمِيزَان المعزُّ المذلُّ وَهُوَ المُعِزُّ لِأَهْلِ طَاعَتِهِ وذا ... عِزٌّ حَقِيقِيٌّ بَلَا بُطْلَان وَهُوَ المُذِلُّ لِمَنْ يَشَاءُ بِذِلِةِ الدَّا ... رَيْنِ ذِلُّ شَقَا وَذِلُّ هَوان

стр. 144

المعطِي المانعُ هُوَ مَانِعٌ مُعْطٍ فَهَذَا فَضْلُهُ ... وَالمَنْعُ عَيْنُ العَدْلِ لِلْمَنَّان يُعْطِي بِرَحْمَتِهِ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَا ... ءُ بِحِكْمَةٍ وَاللهُ ذُو سُلْطَان النورُ وَالنُّورُ مِنَ أَسْمَائِهِ أيْضًا وَمِنَ ... أَوْصَافِهِ سُبْحَانَ ذِي البُرْهَان قَالَ ابنُ مَسْعُودٍ كَلَامًا قَدْ حَكا ... هُ الدَّارِمِيُّ عَنْهُ بِلَا نُكْرَان مَا عِنْدَهُ لَيْلٌ يَكُونُ ولا نَها ... رٌ قُلتُ تَحتَ الفُلْكِ يُوْجَدُ ذَان نُورُ السَّمَواتِ العُلَى مِنْ نُورِهِ ... والأرْضِ كَيْفَ النَّجَمُ والقَمَران مِنْ نُورِ وَجْهِ الرَّبِّ ﷻ ... وَكَذَا حَكَاهُ الحَافِظُ الطَبْرَانِي فِيهِ اسْتَنَارَ العَرْشُ والكُرسِيُّ مَعْ ... سَبْعِ الطِبَاقِ وسَائِرِ الأكْوان وكِتَابُهُ نُورٌ كَذلِكَ شَرْعُهُ ... نُورٌ كَذا المَبعوثُ بِالفُرْقَان وَكَذلِكَ الإِيمَانُ فِي قَلْبِ الفَتَى ... نُورٌ عَلَى نُورٍ مَعَ القُرْآن وَحِجَابُهُ نُورٌ فَلُوْ كَشَفَ الحِجَا ... بَ لأحْرَقَ السُبُحَاتُ للأَكْوَان وَإِذْا أَتَى لِلْفَصْلِ يُشْرِقُ نُورُهُ ... فِي الأرْضِ يَوْمَ قِيَامَةِ الأَبْدَان وَكَذَاكَ دَارُ الرَّبِ جَنَاتُ العُلَى ... نُورٌ تَلَألَأُ لَيْسَ ذَا بُطْلَان وَالنُّورُ ذُو نَوعَيْنِ مَخْلُوقٌ وَوَصْـ ... ـفٌ مَا هُمَا وَاللهِ مُتَّحِدَان وَكَذَلِكَ المَخْلُوقُ ذُو نَوعَينِ مَحْـ ... ـْسُوسٌ ومَعْقُولٌ هُمَا شَيئَان احْذَرْ تَزلَّ فَتَحْتَ رِجْلِكَ هُوَّةٌ ... كَمْ قَدْ هَوَى فِيها عَلَى الأزْمَان

стр. 145

مِنْ عَابِدٍ باِلجَهْلِ زَلَّتْ رِجْلُهُ ... فَهَوَى إِلَى قَعْرِ الحَضِيْضِ الدَّانِي لَاحَتْ لَهُ أَنْوَارُ آثارِ العِبَا ... دَةِ ظنَّها الأنْوَارَ لِلرَّحْمَن فأتَى بِكُلِّ مُصِيبَةٍ وبَليَّةٍ ... مَا شِئْتَ مِنْ شَطْحٍ ومِنْ هَذَيان وَكَذَا الحُلُولِيُّ الذِي هُوَ خَدْنُهُ ... مِنْ هَهُنَا حَقًّا هُمَا أَخَوَان ويُقَابلُ الرَجُلِين ذُو التَّعْطِيل والـ ... ـحُجبِ الكَثيفَةِ مَا هُمَا سِيَّان ذَا فِي كَثافَةِ طَبْعِهِ وظَلامِهِ ... وبِظُلْمَةِ التَّعْطِيلِ هَذَا الثَانِي والنُّورُ مَحْجُوبٌ فَلَا هَذَا وَلَا ... هَذَا لَهُ مِنْ ظُلمَةٍ يَرَيَانِ (١) * * *
следующие страницы →