٢ - يا من له وجب الكمال بذاته (١)
ابن الفرس الخزرجي
يا من له وَجَبَ الكمالُ بذاتِه ... فالكُلُّ غايةُ فوزِهم لُقياهُ
أنت الذي لما تَعَالى جَدُّهُ ... قصُرَتْ خُطا الألبابِ دونَ حِماهُ
أنت الذي امتلأَ الوجودُ بحمدِهِ ... لمَّا غدا مَلْآنَ من نُعماهُ
أنت الذي خلقَ الوجودَ بأسرِهِ ... من بينِ أَعْلَاهُ إلى أَدْنَاهُ
أنت الذي خَصَّصْتَنا بوجودِنا ... أنَتَ الذِي عَرَّفْتَنَا معنَاهُ
سُبْحَانَ مَن ملأَ الوجودَ أدلَّةً ... ليلُوحَ ما أخفَى بما أَبْدَاهُ
سُبحانَ مَنْ أحْيَا قلوبَ عبادِهِ ... بلوائحٍ من فَيْضِ نورِ هُداهُ
هَلْ بعدَ معرفةِ الإِلَهِ زيادةٌ ... إلَّا استدامةُ ما يُديمُ رِضَاهُ
واللهِ لا آوي لغَيْرِك إنَّه ... حُرِمَ الُهدَى مَنْ لم تكنْ ماوَاه
مَوْلاي أُنسُكَ لم يَدَعْ لي وَحْشَةً ... إلَّا مَحَا ظَلْماءَها بِسَنَاهُ
مولاي جُودُك لم يَدَعْ لي مطلبًا ... إلَّا وتَممَه إلى أَقْصَاهُ
لم يَنْقَطِعْ أحدٌ إليكَ محجَّةً ... إلَّا وأصبحَ حامدًا عُقباهُ
عَجَزَ الأنامُ مِن اِمتداحِك إِنَّهُ ... تَتَضَاءلُ الأفكارُ دونَ مَدَاهُ
مَنْ كَانْ يعرِفُ أنَّك الحقُّ الذي ... بَهَرَ العقولَ فَحْسبُهُ وكَفَاهُ
стр. 147
٣ - أتيتك راجيًا يا ذَا الجَلالِ (١)
أبو إسحاق الألبيري
أتيتُك راجيًا يَا ذا الجلالِ ... ففرِّجْ ما تَرَى من سُوءِ حَالي
عَصَيْتُك سَيِّدِي ويْلِي بجَهْلي ... وَعَيبُ الذنبِ لم يخطُرْ ببالي
إلى من يَشْتَكِي المملوكُ إلَّا ... إِلى مَوْلَاهُ يا مَوْلَى الَموَالي
لَعَمْرِي ليتَ أُمِّي لَم تلِدْني ... ولم أُغْضِبْك في ظُلَمِ اللَّيَالي
فَهَا أنا عبدُك العَاصي فقيرٌ ... إِلى رُحْماكَ فاقبلْ لي سُؤَالي
فإنْ عاقَبْتَ يا ربِّي تُعَاقِبْ ... مُحقًّا بالعذابِ وبالنَّكَال
وإن تَعْفو فعفْوك قد أَرَاني ... لِأفعالي وأوزاري الثقال
* * *
стр. 148
٤ - إلهي وخالقي
لكَ الحمدُ يا ذا الجودِ والمجدِ والعُلا ... تباركتَ تُعطِي من تَشَاءُ وتمنعُ
إِلهي وَخلَّاقي وحرزِي (١) وموئلي (٢) ... إِليكَ لَدَى الإعْسَارِ واليُسْرِ أفْزَعُ
إِلهي لِئِن جَلَّتْ وجَمَّتْ خَطِيئتي ... فعفُوُك عَن ذنبي أَجَلُّ وأوسَعُ
إلهي لئن أعطَيْتَ نفسي سُؤَالها ... فها أنا في أرضِ الندامةِ أَرْتعُ
إلهي تَرَى حالِي وفَقْرِي وفَاقَتِي ... وَأنتَ مُناجَاتِي الخفيَّةَ تَسْمَعُ
إلهي فَلَا تَقْطَعْ رَجَائي ولا تُزِغْ ... فُؤَادي فلي في سَيْبِ (٣) جودِك مَطْمَعُ
إلهي لئن خيَّبْتَنِي أو طَرَدْتَنِي ... فَمَنْ ذا الذي أرجُو ومن لي يَشْفَعُ
стр. 149
إلهي أجِرْني من عَذَابِك إنَّنِي ... أَسيرٌ ذليلٌ خائفٌ لك أخضَعُ
إلهي فآنِسْنِي بتلقينِ حُجَّتِي ... إذا كان لي في القبرِ مَثْوَىً ومَضْجَعُ
إلهي لَئِنْ عَذَّبتَني ألفَ حِجَّةٍ ... فحبلُ رَجَائِي مِنْكَ لا يتقطَّعُ
إلهي أذِقْنِي طَعْمَ عَفْوِك يومَ لا ... بنونَ ولا مالٌ هنالِك ينفعُ
إلهي إذا لم تَرْعَني (١) كنتُ ضائعًا ... وإن كنتَ ترعَاني فلستُ أُضيَّعُ
إلهي إذا لم تَعْفُ عن غيرِ محسنٍ ... فمن لمُسيءٍ بالهَوَىَ يَتَمَتَّعُ
إلهي لَئِنْ فرَّطتُ في طلبِ التُّقَى ... فها أنا إثر العفوِ أقفُو وأَتْبَعُ
إلهي لَئِن أخطأتُ جهلًا فَطَالما ... رجوتُك حتى قِيلَ هَا هُو يجزَعُ
٦ - يا من يَرَى ما في الضميرِ ويسمعُ
السهلي
يا من يرَى ما في الضميرِ ويسمعُ ... أنتَ المعَدُّ لكلِّ ما يُتوقَعُ
يا مَن يُرجَّى للشدائدِ كلِّها ... يا مَنْ إليه المُشتَكَى والمَفْزَعُ
يا مَن خزائنُ مُلكِهِ في قولِ كُنْ ... أُمنُنْ فإنَّ الخيرَ عندَكَ أجمعُ
ما لي سِوَى فَقْرِي إليكَ وسيلةٌ ... فبالافتِقَارِ إليكَ فَقْرِيَ أَدْفَعُ
ما لي سِوَى قَرْعِي لبابِك حيلةٌ ... فلئِن رُددتُ فأيَّ بابٍ أقرعُ
ومن الذي أدُعو وأهتفُ باسمِهِ ... إن كانَ فضلُكَ عن فقيرٍ يُمنعُ؟!
حاشَا لمجدِك أن تُقنِّط عاصيًا ... فالفَضْلُ أجزلُ والمواهبُ أوسعُ (١)
* * *
стр. 153
٧ - عفوك اللهم
الشافعي
حدَّثَ المزنيُّ قال: دخلتُ على الشافعيِّ في مرضِه الذي مات فيه فقلتُ: كيفَ أصبحتَ؟ قال: أصبحتُ من الدنيا راحلًا، وللإخوانِ مفارقًا، ولكأسِ المنيةِ شاربًا، وعلى اللهِ ـ جل ذكرُه ـ واردًا، ولا واللهِ ما أدري روحي تصيرُ إلى الجنةِ أم إلى النارِ؟ ثم بَكَى وأنشأَ يقولُ:
إليك إلهَ الخلقِ أرفعُ رَغْبَتِي ... وإن كنتُ ياذا المنِّ والجودِ مجرمًا
ولما قَسَا قَلْبِي وضاقتْ مذَاهِبي ... جَعَلْتُ الرَّجا مِني لِعفُوِكَ سُلَّمًا
تعاظَمَنِي ذَنْبِي فلمَّا قرنتُهُ ... بعفوِكَ ربِّي كَانَ عفوُكَ أعظَمَا
فما زلتَ ذا عفوٍ عَنِ الذنبِ لم تَزَلْ ... تجُودُ وتعفُو مِنَّةً وتكرُّمَا
فلولاكَ لم يَصْمُدْ لإبليسَ عابدٌ ... فكيفَ وَقْدَ أَغْوَى صَفِيَّكَ آدمَا
فيا ليت شِعْري هل أصيرُ لجنَّةٍ ... أُهَنّا وإمَّا للسعيرِ فأنْدَما
فَلِلهِ درُّ العارفِ الندْبِ إنَّهُ ... تفيضُ لفرطِ الوَجْدِ أجفانُهُ دمَا
يُقيمُ إذا ما الليلُ مدَّ ظلامَهُ ... على نفسهِ من شِدَّةِ الخَوْفِ مأتمَا
فصيحًا إذا ما كان في ذِكْرِ ربِّهِ ... وفي ما سِوَاهُ في الوَرَى كان أَعْجَمَا
ويذكُرُ أيامًا مضَتْ من شَبَابهِ ... وما كان فيها بالجهَالةِ أجْرَما
فصارَ قرينَ الهمِّ طولَ نهارِهِ ... أخا السُّهدِ (١) والنجوى إذا الليلُ أظلمَا
стр. 154
يقولُ حبيبي أنتَ سُؤلي وبُغيتي ... كَفَى بك للراجينَ سؤلًا ومَغْنَما
عَسَى من لَهُ الإحسانُ يغفرُ زلَّتي ... ويستُرُ أَوْزَارِي ومَا قَدْ تَقَدَّما
تعاظَمَني ذَنْبِي فأقبلتُ خاشِعًا ... ولولا الرِّضَا ما كنتَ يا ربِّ مُنعما
فإن تعفُ عني تَعْفُ عن مُتَمَرّدٍ ... ظلُومٍ غَشُومٍ لا يزايلُ مأثما
وإن تَستقِدْ مني فلستُ بآيسٍ ... ولو أدخلوا نفسي بُجرمٍ جهنَّما
فجرُمي عظيمٌ من قديمٍ وحادثٍ ... وعفوُك يأتي العبدَ أعْلَى وأجْسَمَا
حَوَاليَّ فضلُ اللهِ من كلِّ جانبٍ ... ونورٌ من الرحمنِ يفترشُ السَّمَا
وفي القَلْبِ إشراقُ المحبِّ بوصْلهِ ... إذا قاربَ البُشْرى وجازَ إلى الحِمَى
حواليَّ إيناسٌ من اللهِ وحدَهُ ... يطالِعُنِي في ظلمةِ القبرِ أنجُما
أصونُ وِدَادِي أن يُدَنِّسَه الهَوَى ... وأحفظُ عهدَ الحبِّ أن يَتَثَلَّمَا
ففي يَقْظَتِي شوقٌ وفي غَفْوَتي مُنًى ... تلاحِقُ خَطْوِي نشوةً وترنُّما
ومن يَعْتَصِمْ باللهِ يسْلَمْ من الوَرَى ... ومن يرجُه هيهاتَ أن يتندَّما (١)
* * *
стр. 155
٨ - لك الحمدُ
عبد الرحمن البرعي
لكَ الحمدُ حَمدًا نستلذُّ بهِ ذكرا ... وإن كنتُ لا أُحصي ثناءً ولا شكرا
لكَ الحمدُ حَمدًا طيبًا يَمْلَأُ السَّما ... وأقطارَها والأرضَ والبَرَّ والبحرا
لكَ الحمدُ حمدًا سرمَديًّا مُباركًا ... يَقِلُّ مِدادُ البحْرِ عن كُنهِهِ حَصْرا
لكَ الحمدُ تَعظيمًا لوجهِكَ قائِمًا ... بحقِّكَ في السَّرَّاء مِني وفي الضرَّا
لكَ الحمدُ مقرُونًا بشكرِكَ دائمًا ... لكَ الحمدُ في الأولى لكَ الحمدُ في الأُخرى
لكَ الحمدُ حمدًا طيبًا أنت أهلهُ ... على كلِّ حالٍ يَشْمَلُ السِرَّ والجهْرا
لكَ الحمدُ موصُولًا بغيرِ نِهايةٍ ... وأنت إلهي ما أحقَّ وما أحْرَى
لكَ الحمدُ يا ذا الكبرياءِ ومن يكُن ... بحَمدِكَ ذا شُكرٍ فقد أحْرَزَ الشُّكْرا
стр. 156
لكَ الحمدُ حمدًا لا يُعُدُّ لحاصرٍ ... أيُحْصِي الحَصَى والنَّبتَ والرَّملَ والقَطْرا
لكَ الحمدُ أضعافًا مُضاعفةً على ... لطائفِ ما أحلى لدَينا وما أَمْرا
لكَ الحمدُ ما أوْلاكَ بالحمدِ والثَّنا ... على نِعَمٍ أتبَعتَها نِعمًا تَتْرى
لكَ الحمدُ حمدًا أنتَ وفَّقتَنِي لهُ ... وعلَّمْتَنِي من حَمدِكَ النَّظمَ والنَّثرا
لكَ الحمدُ حمدًا نبتَغِيهِ وسِيلَةً ... إليكَ لتجدِيدِ اللَّطائفِ والبُشرى
لكَ الحمدُ كم قلَّدتَنا من صنيعةٍ ... وأبْدَلْتَنَا بالعُسْرِ يا سيديِ يُسرا
لكَ الحمدُ كم من عثرةٍ قد أَقَلْتَني ... ومن زلَّةٍ ألبستَنا مَعَها سِترا
لكَ الحمدُ كم خصَّصْتَنِي ورفعتَني ... على نُظرائي من بَني زمَني قَدْرا
لكَ الحمدُ حمدًا فيه وردِي ومَشْرَعي ... إذا خابتِ الآمالُ في السَّنةِ الغَبْرا
стр. 157
لكَ الحمدُ حمدًا ينسخُ الفقرَ بالغِنَى ... إذا خِفتُ يا مَوْلايَ بعدَ الغِنى فَقْرا
إلهي تغَمَّدني برحمَتِكَ التي ... وسِعَت وأوسَعتَ البَرَايا بِها بِرّا
وقوِّ بِرُوحٍ منك ضَعْفِي وهِمَّتي ... على الحقِّ واغْفِرْ زلَّتي واقبلِ العُذرا
فإني من تَدْبيرِ حالي وحِيلَتي ... إليك ومن حَولي ومن قوَّتي أَبْرَا
* * *
١٠ - لك الأمر وحدك
للشاعر محمد العلائي
لك الأمرُ لا يدري عبادُك ما بِيَا ... لك الأمرُ لا للنَّاصِحينَ ولا لِيَا
وهذي مَعَاذِيري وتلكَ صَحَائفٌ ... عليها خَطَاياي .. وفيها اعترافِيَا
وفيها من الأمسِ الدفينِ وحاضِري ... وفيها من الآتي وفيها ابتِهَاليا
وفيها تهاويلٌ .. ومهجةُ شاعرٍ ... ينامُ بها يأسًا ويصْحُو أَمَانيا
وفيها أعاجيبٌ يكفِّرُ همُّها ... ذنوبي وإن كانتْ جِبَالًا رواسِيا!
ونازعني شوقٌ إليك وهَزَّني ... من الغيبِ ما يهفُو إليه رَجَائيا
فجئتُ من الدنيا الأثيمةِ هاربًا ... بصَفْويَ من أكْدَارِها ونَقَائِيَا
وناديتُ أحلَامي إليكَ وخَافقًا ... تهيَّب أسبابَ المُنَى والتمادِيا!
стр. 163
أناديك في ضَعفٍ وأخجلُ أن ترَى ... جراحَ أمانيه ولونَ دِمَائيا
لك الأمرُ أشواقي ببابِك والمنَى ... ولي أملٌ ألَّا يطولَ انتظارِيَا
لك الأمرُ ما لي أرتجيك فيَلْتَوِي ... لساني وأمضِي بالتوسُّلِ شَاكِيا
ذكرتُك في نفسٍ هَدَاها ضلالُها ... إليك وعافتْ وِحْدَتي وارتِيَابِيا
ومنَّيتُ رُوحي من سَنَاك بلمْحَةٍ ... أُضمِّدُ آلامي بها وجِرَاحِيا
تعاليتَ لم أذكُرْ سواك بمِحْنَتِي ... ولم أرجُ إلا مِنْ يدَيْك جَزَائِيا
وفوَّضتُ عن عِلْمٍ إليك إِرَادتي ... وَحَسْبي ما أدَّى إليه اخْتِيَاريا
لك الأمرُ شَاقْتنِي سماؤُك وانتَهى ... إليك بأحلامِ الضَّميرِ مَطَافِيا
وأنزلتُ آمالي وفيها ملامِحٌ ... تَردُّ أمَامي ما تركتُ وَرَاءِيا!
стр. 164
يُطَالِعُنِي منها زمانٌ عرفتُهُ ... بريحِ ليالِيه ولونِ سُهَادِيا!!
ضياؤُك أغْرَى باليقينِ جَوَارِحي ... وفَجَّرَ أَعْمَاقي وأفضى بِذَاتِيا
لك الأمرُ أسبابٌ ضعافٌ وخَاطري ... ببابِك يخشَى رَجْعَتِي وانْحِرَافيا
دعوتُك مِلءَ النفسِ ألا تردَّه ... مغيظًا وألَّا تستعيدَ سُؤَالِيا
وحاشَاك أن ترضَى مع النفسِ مذهَبًا ... بغيرِ يقينٍ منك يهدِي شُعَاعِيا
لك الأمرُ هذا من يديك عدالةٌ ... وهذا قليلٌ في مقامِ اتِّصَالِيا
أتيتُك والحقُّ الصريحُ يمُدُّني ... إليك ولحنُ البشرِ ملءُ فؤاديا
وفي النفسِ فجْرٌ من يقينٍ ومَوْكِبٌ ... من الخيرِ يحدُوهُ إليك وَلَائِيا
وفيها رجاءٌ فاضَ منك جلالُه ... وآفاقُ نورٍ يَسْتَحِيها ضِيَائيا
стр. 165
وأحببتُ حتى أَسْكَرَتْنِي مَوَدَّتي ... وذابَ يميني رحمةً وشِمَالِيا
وهامَتْ بآلامِ الحياةِ وسَائِلي ... وفاضَتْ على ما ليسَ مني هِبَاتِيا
وأرسلتُ أنسَامي عبيرًا وبهجةً ... لتنفحَ أشواكَ الرُّبى والأفَاعِيا
وآمنتُ حتى كادَ يذهبُ خَاطِري ... وتصعَدُ أنفاسًا إليك حَيَاتِيا!
ولم يبقَ حرفٌ منك إلا أسرَّهُ ... ضَمِيري وأبدتْه إليك سَمَائيا!!
لك الأمرُ آفاقٌ تَرَاءَتْ لخَوَاطِرِي ... وعاوَدَني منها دبيبُ شِكَاتيا!
وذكرني بِشْرُ المساءِ منازلًا ... أتيتُك منها عابسَ الوجهِ دامِيَا
أقلِّبُ أَوْهَامي يمينًا ويُسْرَةً ... وأرفعُ آمالًا إليك رَوَانِيا!!
ينازِعُني ماضٍ شَرِقْتُ بعَذْبِه ... وراودتُ فيه ما أشابَ النَّواصِيَا
стр. 166
إذا طافَ منه حولَ نفسِي طائفٌ ... ذكرتُ زماني والسنينَ الخَوَاليا
هناك وفي أرضٍ عليها مَلَاعِبِي ... وأطيافُ آبائي ولغوُ دِيارِيا
وفيها تَعِلَّاتي ورَاحُ مَشَارِبي ... وزلاتُ أَهْوَائِي ودمعُ مَتَابِيا
وأحْلَامِي الموتَى وذاتُ مواجِعي ... وأطلالُ ماساتِي ورجعُ بَلَائِيا
لك الأمرُ ألهاني حديثٌ أعادَهُ ... عليك ضَمِيري واستحَاه لِسَانِيا!
وأسرفتُ في ذكرِ المساءِ ولم أكُنْ ... لأُسرفَ لولا رجفةٌ من صَبَاحِيا
لك الأمرُ نادتْ بالرحيلِ خَوَاطري ... وهبَّتْ على نَفْسِي رياحُ اغْتِرَابِيا
وذكَّرتُها أنَّ الشعابَ جديدةٌ ... وأن عليها من سَنَاك هَوَادِيا!
وأنَّ شعابَ الأمسِ واجهتُ غَيَّها ... على غيرِ إيمانٍ فكانت مَهَاوِيا!!
стр. 167
لك الأمرُ مالي في وداعِك باهتًا ... ومالي أَخْطُو شاحبَ النفسِ نَائِيا
لك الأمرُ لاحَتْ من بعيدٍ مَذَاهِبِي ... وآذنَ حاديها وآنَ ارتحَالِيا!!
ورَفَّتْ عليها من سَنَاكَ مآثرٌ ... ورَفَّتْ عليها غَايَتِي وَصَلاتِيَا
تنسّمتُ أمواجَ الرحيلِ وأشرفَتْ ... عَليَّ أمانِيه فبارِكْ شِرَاعيا (١)
* * *
وَإِنِي لَوْ سَبَّحْتُ بِاسْمِكَ رَبَّنَا ... لَأُكْثِرُ إِلَّا مَا غَفَرْتَ خَطَائِيَا
فَرَبَّ العِبَادِ أَلقِ سَيْبًا وَرَحْمَةً ... عَلَيَّ وَبَارِك في بَنِيَّ وَمَالِيا (١)
* * *
١٢ - أسلمت وجهي إليك
زيد بن عمرو بن نفيل
وَأَسْلَمتُ وَجْهِي لِمَنْ أَسْلَمتْ ... لَهُ الأرضُ تَحْمِلُ صَخرًا ثِقالا
دَحَاهَا فَلَمَّا رآها استَوَتْ ... عَلَى المَاءِ أَرسى عليها الجِبالا
وَأَسْلمتُ وَجهِي لمَنْ أسلمتْ ... لهُ المُزنُ تَحْمِل عَذْبًا زُلَالًا
إذا هِي سِيقَتْ إلى بَلدةٍ ... أطَاعَتْ فَصَبَّتْ عليها سِجالا (٢)
* * *
стр. 170
١٣ - قريح القلب
علي بن أبي طالب ﵁
قريحُ القلبِ من وجَعِ الذنوبِ ... نحيلُ الجِسْمِ يشهَقُ بالنحيب
أضرَّ بجسمِهِ سَهَرُ الليالي ... فصارَ الجِسْمُ منه كالقضيب
وغيَّرَ لونَهُ خوفٌ شديدٌ ... لِما يلقاهُ من طولِ الكُروب
ينادي بالتضرُّعِ يا آلهي ... أقِلني عَثْرتي واسْتُر عُيوبي
فزِعتُ إلى الخلائِقِ مستغيثًا ... فلم أَرَ في الخلائقِ من مُجيب
وأنتَ تُجيبُ من يدعُوكَ ربِّي ... وتكشِفُ ضُرَّ عبدِكَ يا حبيبي
ودائي باطنٌ ولَديْك طِبٌّ ... فمن لي مثلُ طِبِّك يا طَبيبي (١)
* * *
١٦ - تبارك ذو الجلالِ وذو المحال
يحيى بن معاذ
تبارَكَ ذُو الجلالِ وذو المحَالِ ... عَزيزُ الشَّانِ مَحْمُودُ الفِعَال
سُروري بالسُّؤالِ لكي أراهُ ... فكيف أُسَرُّ منه بالنوَال
فيا ذَا العِزِّ! يا ذا الجُودِ! جُدْ لِي ... وغيِّر مَا تَرَى من سُوءِ حالِي (١)
* * *
١٧ - ولكنني في رحمةِ اللهِ أطمعُ
علي بن أبي طالب ﵁
ذُنوبيَ إنْ فَكَّرتُ فيها كثيرةٌ ... ورحمةُ ربِّي مِنْ ذُنوبيَ أَوْسَعُ
فما طمَعي في صالحٍ قد عملتُهُ ... ولكنَّني في رحمةِ اللهِ أطْمَعُ (٢)
* * *
стр. 174
١٨ - إلهى أنت للإحسانِ أهلٌ
إلهي أنتَ للإحسانِ أهلٌ ... ومنك الجودُ والفضلُ الجزيلُ
إلهي باتَ قلبي في همومٍ ... وحالي لا يُسَرُّ به خليلُ
إلهي تُب وجُد وارحمْ عُبيْدًا ... مِنَ الأَوْزَارِ مدمعُهُ يسيلُ
إلهي ثوبُ جِسْمِي دنّسَتْهُ ... ذنوبٌ حملُها أبدًا ثقيلُ
إلهي جُد بعفوِك لي فإني ... على الأبوابِ منكَسِرٌ ذليلُ
إلهي خانَني جَلَدي وصَبْري ... وجاء الشيبُ واقتربَ الرحيلُ
إلهي داوِني بدواءِ عفوٍ ... به يُشفَى فؤادي والغليلُ
إلهي ذابَ قلْبِي من ذُنوبي ... ومن فِعْلِ القبيحِ أنا القتيلُ
إلهي قلتَ ادعُوني أُجِبكُمُ ... فهاك العبدُ يدعُو يا وكيلُ
إلهي هذه الأوقاتُ تمضِي ... بأعمارٍ لنا وبها تزولُ (١)
* * *