نظراتٌ في الأسماءِ والصفاتِ وآثارِها
قال ابنُ القيمِ عن هذا المشهدِ: «وهو من أجلِّ المشاهدِ.
والمطَّلِعُ على هذا المشهدِ: معرفةُ تعلقِ الوجودِ خلقًا وأمرًا بالأسماءِ الحُسْنَى، والصفاتِ العُلَى، وارتباطُه بها. وإن كان العَالَم ـ بما فيه ـ من بعضِ آثارِها ومقتضياتِها.
وهذا من أجلِّ المعارفِ وأشرفِها، وكلُّ اسمٍ من أسمائِه سبحانَه له صفةٌ خاصَّةٌ.
فإن أسماءَه أوصافُ مدحٍ وكمالٍ.
وكلُّ صفةٍ لها مقتضَىً وفِعْلٌ: إمَّا لازمٌ وإما مُتَعَدٍّ، ولذلكَ الفعلِ تعلُّقٌ بمفعولٍ هو من لوازِمِهِ. وهذا في خلقِهِ وأمرِهِ، وثوابِهِ وعقَابِهِ. كلُّ ذلكَ آثارُ الأسماءِ الحسنَى وموجِبَاتُها.
ومن المحالِ تعطيلُ أسمائِه عن أوصافِها ومعانِيها، وتعطيلُ الأوصافِ عما تقتضِيهِ وتستَدْعِيه من الأفعالِ، وتعطيلُ الأفعالِ عن المفعولاتِ، كما أنه يستحيلُ تعطيلُ مفعولِه عن أفعالِه وأفعالِه عن صفاتِه، وصفاتِه عن أسمائِه. وتعطيلُ أسمائِه وأوصافِه عن ذاتِه.
وإذا كانتْ أوصافُه صفاتِ كمالٍ، وأفعالُه حكمًا ومصالحَ، وأسماؤُه حُسْنَىً: ففرضُ تعطيلِها عن موجباتِها مستحيلٌ في حقِّه.
ولهذا ينكرُ سبحانه على من عطَّلَهُ عن أمرِه ونهيِه، وثوابِه وعقابِه، وأنه
стр. 72
بذلكَ نسبَهُ إلى ما لا يليقُ به وإلى ما يتنزَّهُ عنه، وأنَّ ذلكَ حُكْمٌ سيِّئٌ ممن حكمَ به عليه، وأنَّ من نسَبَه إلى ذلكَ فما قدَرَهُ حقَّ قَدْرِه، ولا عظَّمَهُ حقَّ تعظِيمِه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١]، وقال تعالى في حقِّ مُنْكِرِي المعادِ والثوابِ والعقابِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر:٦٧]، وقالَ في حقِّ من جَوَّزَ عليهِ التسويةَ بينَ المختلفَيْنِ، كالأبرارِ والفجارِ، والمؤمنينَ والكفارِ: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية:٢١]، فأخبرَ أنَّ هذا حكمٌ سيَّئٌ لا يليقُ به، تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه. وقال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ*فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾ [المؤمنون:١١٥ - ١١٦]، عن هذا الظنِّ والحسبانِ، الذي تَابَاهُ أسماؤُه وصفاتُه.
ونظائرُ هذا في القرآنِ كثيرةٌ. يَنْفِي فيها عن نفسِهِ خلافَ موجبِ أسمائِه وصفاتِه. إذ ذلك مستلزمٌ تعطيلَها عن كمالِها ومقتضياتِها.
فاسمُهُ (الحميدُ، المجيدُ) يمنعُ تركَ الإنسانِ سُدًى مُهملًا معطَّلًا، لا يُؤمرُ ولا يُنهَى. ولا يثابُ ولا يعاقبُ.
وكذلك اسمُه (الحكيمُ) يأبَى ذلكَ. وكذلكَ اسمُه (الملكُ) واسمُه (الحيُّ) يمنعُ أنْ يكونَ معطَّلًا من الفعلِ. بلْ حقيقةُ (الحياةِ) الفعلُ. فكلُّ حيٍّ فعَّالٌ.
وكونُه سبحانَهَ (خالقًا قيومًا) من موجباتِ حياتِه ومقتضياتِها.
стр. 73
واسمُه (السميعُ البصيرُ) يوجبُ مسموعًا ومرئيًا.
واسمُهُ (الخالقُ) يقتضِي مخلوقًا. وكذلكَ (الرزَّاقُ).
واسمُهُ (المَلِكُ) يقتضي مملكةً وتصرُّفًا وتدبيرًا، وإعطاءً ومنعًا، وإحسانًا وعدْلًا، وثوابًا وعقابًا.
واسمُهُ (البَرُّ المُحسنُ، المُعطِي، المنَّانُ) ونحوُها تقتضِي آثارَهَا وموجباتِها.
إذا عُرِفَ هذا. فمن أسمائِه سبحانَهُ (الغفَّارُ، التوَّابُ، العفُوُّ) فلا بدَّ لهذه الأسماءِ من متعلقاتٍ، ولا بدَّ من جنايةٍ تُغْفَرُ، وتوبةٍ تُقْبَلُ، وجرائمَ يُعْفَى عنها.
ولا بدَّ لاسمِهِ (الحكيمِ) من متعلَّقٍ يظهرُ فيه حُكمُهُ، إذ اقتضاءُ هذه الأسماءِ لآثارِها كاقتضاءِ اسمِ (الخالقِ، الرزَّاقِ، المعطِي، المانعِ) للمخلوقِ والمرزوقِ والمعطى والممنوعِ. وهذه الأسماءُ كلُّها حسْنَى.
والربُّ تعالى يحبُّ ذاتَه وأوصافَه وأسماءَه. فهو عَفُوٌّ يُحِبُّ العفوَ، ويحبُّ المغفرةَ، ويحبُّ التوبةَ، ويفرحُ بتوبةِ عبدِه حينَ يتوبُ إليهِ أعظَمَ فَرَحٍ يخطُرُ بالبالِ.
وكان تقديرُ ما يغفِرُه ويعفُو عن فاعِلِه، ويحلمُ عنه، ويتوبُ عليه ويسامِحُه: من موجبِ أسمائِه وصفاتِه، وحُصولُ ما يحبُّه ويرضَاهُ من ذلك. وما يحمدُ به نفسَه، ويحمَدُه به أهلُ سمواتِه وأهلُ أرضِه: ما هو من موجباتِ كمالِه ومقتَضَى حمدِه.
وهو سبحانَه: (الحميدُ المجيدُ) وحمدُه ومجدُه يقتضِيَانِ آثارَهُمَا.
стр. 74
ومن آثارِهِمَا: مغفرةُ الزلَّاتِ، وإقالَةُ العَثَرَاتِ، والعَفْوُ عن السيئاتِ، والمسامحةُ على الجناياتِ، مع كمالِ القدرةِ على استيفاءِ الحقِّ، والعلمُ منه سبحانه بالجنايةِ ومقدارِ عقوبَتِها، فحِلمُهُ بعدَ علمِهِ، وعفوُهُ بعدَ قدرَتِهِ، ومغفرَتُهُ عن كمالِ عزَّتِهِ وحكمَتِهِ، كما قال المسيح ﵇: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة:١١٨]، أي فمغفرتُك عن كمالِ قدرتِكَ وحكمتِكَ، لستَ كمن يغفرُ عَجْزًا، ويسامحُ جَهْلًا بقدرِ الحقِّ، بلْ أنت عليمٌ بحقِّكَ، قادرٌ على استيفائِه، حكيمٌ في الأخذِ به.
فمن تأملَ سريانَ آثارِ الأسماءِ والصفاتِ في العالمِ، وفي الأمرِ، تبيَّنَ له أن مصدرَ قضاءِ هذه الجناياتِ من العبيدِ، وتقديرَها: هو من كمالِ الأسماءِ والصفاتِ والأفعالِ. وغاياتُها أيضًا: مقتَضَى حمدِه ومجدِه، كما هو مقتَضَى ربوبيَّتِهِ وإلهيَّتِهِ.
فله في كلِّ ما قَضَاهُ وقَدَّرَهُ الحكمةُ البالغةُ، والآياتُ الباهرةُ، والتعرفاتُ إلى عبادِه بأسمائِه وصفاتِه، واستدعاءُ محبتِهم له، وذكرِهم له، وشكرِهم له، وتعبدِهم له بأسمائِه الحُسْنَى. إذ كلُّ اسمٍ فله تعبُّدٌ مختصٌّ به، علمًا ومعرفةً وحالًا.
وأكملُ الناسِ عُبوديةً: المتعبِّدُ بجميعِ الأسماءِ والصفاتِ التي يطلعُ عليها البشرُ، فلا تحجُبُه عبوديةُ اسمٍ عن عبوديةِ اسمٍ آخرَ، كمنْ يَحْجُبُهُ التعبدُ باسمِ (القديرِ) عن التعبُّدِ باسمِ (الحليمِ الرحيمِ) أو يحجُبُهُ عبوديةُ اسمِه (المُعطِي) عن عبوديةِ اسمِه (المَنَّاعِ) أو عبوديةِ اسمِهِ (الرَّحيمِ والعفوِّ والغفورِ) عن اسمِه (المنتقمِ) أو التعبُّدُ بأسماءِ (التودُّدِ، والبِرِّ، واللُّطفِ،
стр. 75
والإحسانِ) عن أسماءِ (العدلِ، والجبروتِ، والعظمةِ، والكبرياءِ) ونحو ذلك.
وهذه طريقةُ الكُمَّلِ من السائرينَ إلى اللهِ. وهي طريقةٌ مشتقةٌ من قلبِ القرآنِ. قال الله تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾ [الأعراف:١٨٠]، والدعاءُ بها يتناولُ دعاءَ المسألةِ، ودعاءَ الثناءِ، ودعاءَ التعبدِ.
وهو سبحانَه يدعُو عبادَه إلى أن يعرفُوه بأسمائِه وصفاتِه، ويُثْنُوا عليه بها، ويأخذُوا بحظِّهِم من عبوديَّتِها.
وهو سبحانَه يحبُّ موجبَ أسمائِه وصفاتِه.
فهو (عليمٌ) يحبُّ كلَّ عليمٍ (جَوادٌ) يُحبُّ كلَّ جوادٍ (وترٌ) يحبُّ الوترَ (جميلٌ) يحبُّ الجمالَ (عَفُوٌّ) يحبُ العَفْوَ وأهلَهُ (حَيِيٌّ) يحبُّ الحياءَ وأهلَهُ (بَرٌّ) يحبُّ الأبرارَ (شكُورٌ) يحبُّ الشاكرينَ (صبورٌ) يحبُّ الصابرينَ (حليمٌ) يحبُّ أهلَ الحلمِ.
فلمحبتِه سبحانَه للتوبةِ والمغفرةِ، والعفوِ والصفحِ: خلقَ من يغفرُ له، ويتوبُ عليهِ، ويعفُو عنه، وقدَّرَ عليه ما يقتَضِي وقوعَ المكروهِ والمبغوضِ له، ليترتبَ عليهِ المحبوبُ لهُ المرضِي له، فتوسُّطُه كتوسُّطِ الأسبابِ المكرُوهَةِ المفضِيَةِ إلى المحبوبِ.
فرُبَّما كان مكرُوهُ العبادِ إلى ... محبوبِها سببٌ ما مِثلُه سببُ
والأسبابُ ـ مع مسبَّباتِها ـ أربعةُ أنواعٍ:
محبوبٌ يُفضِي إلى محبوبٍ.
ومكروهٌ يُفضِي إلى محبوبٍ.
стр. 76
وهذانِ النوعانِ عليهما مدارُ أقضيتِهِ وأقدارِه سبحانه بالنسبةِ إلى ما يحبُّه وما يكرَهُهُ.
والثالثُ: مكروهٌ يفضِي إلى مكروهٍ.
والرابعُ: محبوبٌ يفضِي إلى مكروهٍ.
وهذانِ النوعانِ ممتنعانِ في حقِّه سبحانَه، إذ الغاياتُ المطلوبةُ من قضَائِهِ وقدَرِهِ ـ الذي ما خَلَقَ ما خَلَقَ، ولا قَضَى ما قَضَى إلَّا لأجْلِ حُصُولِها ـ لا تكونُ إلا محبوبةً للربِّ مرضيةً له. والأسبابُ الموصِّلَةُ إليها مُنقسمَةٌ إلى محبوبٍ له ومكروهٍ له.
فالطاعاتُ والتوحيدُ: أسبابٌ محبوبةٌ له، مُوصِلَةٌ إلى الإحسانِ، والثوابِ المحبوبِ له أيضًا.
والشركُ والمعاصي: أسبابٌ مسخوطةٌ له، مُوصِلَةٌ إلى العدلِ المحبوبِ له، وإنْ كانَ الفضلُ أحبَّ إليه من العدلِ. فاجتماعُ العدلِ والفضلِ أحبُّ إليه من انفرادِ أحدِهما عن الآخرِ، لما فيهما من كمالِ المُلكِ والحمدِ، وتنوعِ الثناءِ، وكمالِ القدرةِ.
فإن قيل: كان يمكنُ حصولُ هذا المحبوبِ من غيرِ توسُّطِ المكروهِ.
قيلَ: هذا سؤالٌ باطلٌ، لأنَّ وجودَ الملزومِ بدونِ لازمِه ممتنعٌ. والذي يقدَّرُ في الذهنِ وجودُه شيءٌ آخرَ غيرُ هذا المطلوبِ المحبوبِ للربِّ. وحكمُ الذهنِ عليه بأنه محبوبٌ للربِّ حكمٌ بلا علمِ، بل قد يكونُ مبغوضًا للربِّ تعالى لمنافاتِه حكمتَه، فإذا حَكَمَ الذهنُ عليه بأنه محبوبٌ له. كان نسبةً له إلى
стр. 77
ما لا يليقُ به. ويتعالى عنه.
فليُعْطِ اللبيبُ هذا الموضِعَ حقَّه من التأملِ. فإنه مزلَّةُ أقدامٍ، ومضلَّةُ أفهامٍ. ولو أمسكَ عن الكلامِ من لا يعلمُ لقلَّ الخلافُ.
وهذا المشهدُ أجلُّ من أن يحيطَ به كتابٌ أو يستوعِبَهُ خطابٌ، وإنما أَشَرْنَا إليه أدنَى إشارةٍ تُطْلِعُ على ما وراءِها. واللهُ الموفقُ والمعينُ (١).
* * *
стр. 78
تعظيم الله تعالى في القرآن
ومن وسائلِ تعظيمِ الله تعالى: تدبرُ القرآنِ وتحديقُ النظرِ في سُوَرهِ وآياتِه، فالقرآنُ كلُّه ينطقُ بالتعظيمِ والتمجيدِ والإجلالِ لربِّ العالمينَ حتى قال أحدُ الباحثينَ الغربيينَ ليس هناك كتابٌ حَوَى من التعظيمِ والثناءِ والحمدِ والتقديسِ للهِ تعالى مثلَ ما حواه القرآنُ وهذا يثبتُ أنه من عندِ اللهِ تعالى، لأنه لو كان من افتراءِ محمدٍ لجعلَ محمدٌ لنفسه شيئًا من هذا التعظيمِ الإلهيِّ وهو ما لا نَجِدْه أبدًا في القرآنِ.
فانظرْ كيف يحمدُ اللهُ تعالى نفسه: ﴿الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة:١]، ﴿الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام:١]، وانظر كيف أثبتَ لنفسِه كمالَ العلم: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ وَيَعْلَمُ مَا تَكْسِبُونَ﴾ [الأنعام:٣]، وانظر كيف أثبتَ لنفسِه القدرةَ التامَّةَ والقهرَ التامَّ: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام:١٧ - ١٨].
ومع ذلك فهو يثبتُ لنفسِه الرحمةَ: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام:٥٤]، وهكذا لا نجدُ آيةً من القرآنِ إلا وهيَ تدلُّ على عظمةِ اللهِ تعالى بلفظِها ومعناها، ولذلك فقد وصفَ اللهُ تعالى هذا الكتابَ بالعظمةِ فقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعاً مّنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر:٨٧]. وقال سبحانه:
стр. 79
﴿لَوْ أَنزلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر:٢١].
فإذا كان هذا حالُ الجبلِ الصخرِ الأصمِّ إذا أُنزلَ عليه القرآنُ فكيف بحالِ الإنسانِ الضعيفِ؟!
وقد وصف اللهُ تعالى أهلَ الإيمان بالخشيةِ والرقةِ والقشعريرةِ عند سماعِ القرآنِ كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، وقال تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا * قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا * وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء:١٠٦ - ١٠٩]، وما ذلك إلا لما سَمِعُوهُ وشَاهَدُوهُ في آياتِ اللهِ تعالى المتلوةِ من شواهدِ العظمةِ والقدرةِ والكبرياءِ والجلالِ.
* * *
стр. 80
وما قدروا الله حق قدره
قال تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧].
هذا ذمٌّ للمشركينَ الذينَ لم يخلِصُوا العبادةَ للهِ فعبدُوا مع اللهِ آلهةً أخرى وذلكَ لجهلِهِم بعظمةِ اللهِ وما يستحِقُّه منَ العبادةِ والتعظيمِ. وهذه الآيةُ تشملُ كلَّ من عبدَ مع اللهِ غيرَه في كلِّ زمانٍ ومكانٍ فهؤلاءِ جميعًا ما قدروا اللهَ حقَّ قدرِه.
قالَ ابنُ كثيرٍ في تفسيرِه: «يقولُ تعالى: وما قدرَ المشركونَ اللهَ حقَّ قدرِه، حينَ عبدُوا معه غيرَه، وهو العظيمُ الذي لا أعظمَ منه، القادرُ على كلِّ شيءٍ، المالكُ لكلِّ شيءٍ، وكلُّ شيءٍ تحتَ قهرِه وقدرتِه.
وقال السُّدِّيُّ: ما عظَّموه حقَّ عَظَمَتِهِ.
وقال محمدُ بنُ كعبٍ: لو قَدَرُوه حقَّ قَدْرِه ما كَذَّبوه.
وقال عليُّ بنُ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ ﵄: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ همُ الكفارُ الذين لم يؤمنوا بقدرةِ اللهِ تعالى عليهم، فمن آمنَ أنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فقد قَدَرَ اللهَ حقَّ قدرِه، ومن لم يؤمنْ بذلك فلم يَقْدُرِ اللهَ حقَّ قدرِهِ» (١).
стр. 81
وقال السعديُّ في تفسيرِه: «يقولُ تعالى: وما قدرَ هؤلاءِ المشركونَ ربَّهم حقَّ قدرِه، ولا عظَّموه حقَّ تعظيمِه، بل فعلوا ما يناقضُ ذلك، من إشراكِهم به مَنْ هو ناقصٌ في أوصافِه وأفعالِه، فأوصافُه ناقصةٌ من كلِّ وجهٍ، وأفعالُه ليس عنده نفعٌ ولا ضرٌ، ولا عطاءٌ ولامنعٌ، ولا يملكُ من الأمرِ شيئًا.
فَسَوَّوْا هذا المخلوقَ الناقصَ بالخالقِ الربِّ العظيمِ، الذي من عظمَتِهِ الباهرةِ، وقدرتِه القاهرةِ، أنَّ جميعَ الأرضِ يومَ القيامةِ قبضةٌ للرحمنِ، وأنَّ السماواتِ ـ على سَعَتِها وعِظَمِها ـ مطوياتٌ بيمينِه، فلا عظَّمَه حقَّ عَظَمَتِهِ من سَوَّى به غيرَه، ولا أظلمَ منه.
﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ أي: تنزَّهَ وتعاظَمَ عن شركِهم به» (١).
وقال شيخُ الإسلامِ ابنُ تيميةَ: «واللهُ سبحانَه بعثَ الرسلَ وأنزلَ الكتبَ؛ بأنْ يكونَ هو المعبودَ وحدَهُ لا شريكَ له وإنِّما يعبدُ بما أَمَرَ به على أَلْسُنِ رسلِه.
وأصلُ عبادتِه: معرفتُهُ بما وصفَ به نفسَه في كتابِه وما وصفَه به رسلُه؛ ولهذا كانَ مذهبُ السلفِ أنهم يصفُونَ اللهَ بما وصفَ به نفسَه وما وصفَه به رسلُه من غيرِ تحريفٍ ولا تعطيلٍ ومن غيرِ تكييفٍ ولا تمثيلٍ والذينَ يُنكرونَ بعضَ ذلكَ ما قدرُوا اللهَ حقَّ قدرِهِ وما عَرَفُوهُ حقَّ مَعْرفتِهِ ولا وَصفُوه حقَّ صفتِه ولا عبدُوهُ حقَّ عبادَتِهِ.
واللهُ سبحانه قد ذكرَ هذه الكلمةَ ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ في ثلاثِ
стр. 82
مواضعٍ؛ ليثبتَ عظمتَه في نفسِه وما يستحقُّه من الصفاتِ وليثبتَ وحدانيَّتَه وأنَّه لا يستحقُّ العبادةَ إلا هو وليثبتَ ما أنزَلَهُ على رسلِه فقالَ في الزمرِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الزمر:٦٧] الآية، وقال في الحجِّ: ... ﴿ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ * مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ [الحج:٧٣ - ٧٤]، وقال في الأنعامِ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِّن شَيْءٍ﴾ [الأنعام:٩١].
وفي المواضعِ الثلاثةِ ذمَّ الذين ما قدرُوه حقَّ قدرِه منَ الكفارِ فدلَّ ذلك على أنه يجبُ على المؤمنِ أن يقدُرَ اللهَ حقَّ قدرِه كما يجبُ عليه أن يتقِيَهُ حقَّ تقاتِه وأن يجاهدَ فيه حقَّ جهادِه قال تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ [الحج:٧٨]، وقال: ... ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران:١٠٢]، والمصدرُ هنا مضافٌ إلى مفعولٍ والفاعلُ مرادٌ أي حقَّ جهادِه الذي أمرَكُم به وحقَّ تقاتِه التي أمرَكُم بها واقدرُوه قدرَه الذي بيَّنَه لكم وأمرَكم به فصدِّقُوا الرسولَ فيما أخبرَ وأطيعُوه فيما أوجبَ وأمرَ.
وأما ما يخرجُ عن طاقةِ البشرِ، فذلك لا يُذَمُّ أحدٌ على تركِه قالتْ عائشةُ: فاقدرُوا قدرَ الجاريةِ الحديثةِ السنِّ الحريصةِ على اللهوِ. ودلت الآيةُ على أنَّ له قدرًا عظيمًا؛ لا سيّما قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ وفي تفسيرِ ابنِ أبي طلحةَ عن ابنِ عبَّاسٍ قال: من آمنَ بأنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ فقدْ قَدَرَ اللهَ حقَّ قدْرِه.
وقدْ ثبتَ في الصحيحينِ من حديثِ ابنِ مسعودٍ أنَّ النبيَّ ﷺ قرأَ هذه
стр. 83
الآيةَ لما ذكرَ له بعضُ اليهودِ أنَّ اللهَ يحملُ السمواتِ على أصبعٍ والأرضينَ على أصبعٍ والجبالَ على أصبعٍ والشجرَ والثرى على أصبعٍ وسائرَ الخلقِ على أصبعٍ؛ فضحِكَ رسولُ اللهِ ﷺ تعجبًا وتصديقًا لقولِ الحبرِ وقرأَ هذهِ الآيةَ.
وعن ابن عباسٍ قال: مرَّ يهوديٌّ بالنبيِّ ﷺ فقال: يا أبا القاسِمِ ما تقولُ إذا وضعَ اللهُ السماءَ على ذِهِ؟ والأرضَ على ذِهِ والجبالَ والماءَ على ذِهِ وسائرَ الخلقِ على ذِهِ؟ فأنزلَ اللهُ تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ رواهُ الإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ والترمذيُّ من حديثِ أبي الضحى عنِ ابنِ عباسٍ وقال غريبٌ حسنٌ صحيحٌ.
وهذا يقتضي أنَّ عظمَتَه أعظمُ ممَّا وصفَ ذلكَ الحبرُ فإنَّ الذي في الآيةِ أبلغُ كما في الصحيحينِ عن أبي هريرةَ عن النبيِّ ﷺ قالَ: «يقبضُ اللهُ الأرضَ يومَ القيامةِ ويطوي السماءَ بيمينِه ثم يقولُ: أنا الملكُ أين ملوكُ الأرضِ».
وفي الصحيحينِ عن ابنِ عمرَ قال: قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «يطوي اللهُ السمواتِ يومَ القيامةِ ثمَّ يأخُذُهُنَّ بيدِه اليمنى. ثم يقول: أينَ الملوكُ؟ أين الجبارونَ؟ أين المتكبرونَ؟». ورواهُ مسلمٌ أبسطَ من هذا وذكرَ فيه أنَّه يأخذُ الأرضَ بيدِه الأخرى.
وقدْ روى ابنُ أبي حاتمٍ: حدثنا أبي ثنا عمرُو بن رافعٍ ثنا يعقوبُ بن عبدِ اللهِ عن جعفرَ عن سعيدٍ بن جبيرٍ قال: تكلَّمَتِ اليهودُ في صفةِ الربِّ ﵎ فقالُوا ما لم يعلَمُوا ولم يَرَوْا فأنزلَ اللهُ على نبيِّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ
стр. 84
بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فجعلَ صفتَه التي وصفُوه بها شِركًا. وقال: حدثنا أبي ثنا أبو نعيمٍ ثنا الحكمُ يعني أبا معاذٍ عن الحسنِ قال: عَمَدَتِ اليهودُ فنظرُوا في خلقِ السمواتِ والأرضِ والملائكةِ فلما فرَغُوا أخذُوا يقدرُونَه فأنْزَلَ اللهُ تعالى على نبيِّه: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾ وهذا يدلُّ على أنَّه أعظمُ مما وصفُوه وأنهم لم يقدُرُوه حقَّ قدرِه.
وقوله: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ فكلُّ من جعلَ مخلوقًا مثلًا للخالقِ في شيءٍ من الأشياءِ فأحَبَّه مثلَ ما يحبُّ الخالقَ أو وصَفَه بمثلِ ما يوصَفُ به الخالقُ فهو مشركٌ سوَّى بينَ اللهِ وبينَ المخلوقِ في شيءٍ من الأشياءِ فعَدَلَ بِرَبِّه.
والربُّ تعالى لا كُفْؤَ لهُ ولا سَمِيَّ لَهُ ولا مِثْلَ له ومَنْ جعَلَهُ مثلَ المعدومِ والممتنعِ فهو شرٌّ من هؤلاءِ فإنَّه معطِّلٌ ممثِّلٌ والمعطِّلُ شرٌّ من المشركِ.
واللهُ ثَنَّى قصةَ فرعونَ في القرآنِ في غيرِ موضعٍ؛ لاحتياجِ الناسِ إلى الاعتبارِ بها فإنه حَصَلَ له من الملكِ ودعوى الربوبيةِ والإلهيةِ والعلوِّ ما لم يحصُلْ مثلَهُ لأحدٍ من المعطِّلِينَ وكانتْ عاقِبَتُه إلى ما ذَكَرَ اللهُ تعالى وليسَ للهِ صفةٌ يماثِلُهُ فيها غيرُه؛ فلهذا لم يَجُزْ أن يُستَعْمَلَ في حقِّهِ قياسُ التمثيلِ ولا قياسُ الشمولِ الذي تَستَوِي أفرادُه فإنَّ ذلك شركٌ؛ إذ سُوِّيَ فيه بالمخلوقِ؛ بل قياسُ الأولى.
فإنَّه سبحانه له المثلُ الأعلى في السمواتِ والأرضِ فهو أحقُّ من غيرِه بصفاتِ الكمالِ وأحقُّ من غيرِه بالتَّنْزِيهِ عن صفاتِ النقصِ (١).
стр. 85
ويدعو ابنُ القيمِ ﵀ إلى التأملِ في القرآنِ بهدفِ الوصولِ إلى تعظيمِ اللهِ تعالى ومحبَّتِه وإفرادِه بالعبادةِ والطاعةِ، قالَ ﵀: «تأمل خطابَ القرآنِ تجدْ ملكًا له المُلكُ كلُّه، وله الحمدُ كلُّه، أزِمَّةُ الأمورِ كلُّها بيدِه، ومصدَرُها منه، ومردُّها إليه، لا تَخْفَى عليه خَافِيةٌ في أقطارِ مملكتِهِ، عليمًا بما في نفوسِ عبيدِه، مُطَّلِعًا على أسرارِهم وعلانِيَتِهم، منفَرِدًا بتدبيرِ المملكةِ، يسمعُ، ويرى، ويعطي، ويمنعُ، ويثيبُ، ويعاقبُ، ويُكرمُ، ويُهينُ، ويخلقُ، ويرزقُ، ويُميتُ، ويُحيي، ويقدِّرُ، ويقضي، ويدبِّرُ. الأمورُ نازلةٌ من عندِه دقيقُها وجليلُها، وصاعدةٌ إليه لا تَتَحَرَّكُ في ذرِّةٍ إلا بإذْنِه، ولا تسقُطُ ورقةٌ إلا بعلْمِه.
فتأملْ كيفَ تجِدُهُ يثنِي على نفسِه، ويمجِّدُ نفسَه، ويحمَدُ نفسَهُ، وينصَحُ عبادَه، ويدُلُّهم على ما فيه سعادَتُهم وفلاحُهم ويرغبُهم فيه، ويحذِّرُهم مما فيه هلاكُهم. ويتعرَّضُ إليهم بأسمائِه وصفاتِه، ويتحبَّبُ إليهم بنعمِهِ وآلائِه. فيذكِّرُهم بنعَمِهِ عليهم، ويأمرُهم بما يَسْتَوْجِبُون به تمامَها، ويحذِّرُهم من نِقَمِهِ، ويذكِّرُهم بما أعدَّ لهم من الكرامةِ إن أطاعُوه، وما أعدَّ لهم من العقوبةِ إن عَصَوْهُ. ويخبِرُهم بصُنْعِه في أوليائِهِ وأعدائِهِ، وكيفَ كانتْ عاقبةُ هؤلاءِ وهؤلاءِ. ويثنِي على أوليائِهِ بصالحِ أعمالِهم، وأحسنِ أوصافِهِم، ويذمُّ أعداءَه بسيِّئِ أعمالِهم، وقبيحِ صفاتِهم.
ويضربُ الأمثالَ، وينوِّعُ الأدلةَ والبراهينَ، ويجيبُ عن شُبهِ أعدائِه أحسنَ الأجوبَةِ، ويصدِّقُ الصادق، ويكذِّبُ الكاذبَ، ويقولُ الحقَّ، ويهدي السبيلَ.
ويدعو إلى دارِ السلامِ، ويذكرُ أوصافَها وحسنَها ونعيمَها، ويحذِّرُ من دارِ البوارِ، ويذكُرُ عذابَها وقبْحَها وآلامَها، ويُذَكِّرُ عبادَه فقرَهم إليهِ، وشدةَ
стр. 86
حاجَتِهم إليه من كلِّ وجهٍ، وأنهم لا غنىً لهم عنه طرفةَ عينٍ، ويذكُرُ غنَاهُ عنهم وعن جميعِ الموجوداتِ، وأنه الغنيُّ بنفسِه عن كلِّ ما سوَاهُ، وكلُّ ما سوَاهُ فقيرٌ إليه بنفسِه، وأنه لا ينَالُ أحدٌ ذرةً من الخيرِ فما فوقَها إلا بفضْلِه ورحمَتِه، ولا ذرَّةً من الشَّرِّ فما فوقَها إلا بعدْلِه وحكمَتِه.
ويشهدُ من خطابِه عتابَه لأحبابِه ألطفَ عتابٍ، وأنَّه معَ ذلك مُقيلُ عثراتِهم، وغافرُ زلاتِهم، ومقيمُ أعذارِهم، ومصلحُ فسادِهم، والدافعُ عنْهُم، والمحامِي عنهُم، والناصرُ لهم، والكفيلُ بمصالحِهم، والمنجي لهم من كلِّ كربٍ، والموفِّي لهم بوعدِه، وأنه وليُّهم الذي لا وليَّ لهم سوَاهُ، فهو مولاهُم الحقُّ، ونصيرُهم على عدوِّهم؛ فنعمَ المولى ونعمَ النصيرُ.
فإذا شهدتِ القلوبُ من القرآنِ ملكًا عظيمًا، رحيمًا، جوادًا، جميلًا، هذا شأنُه؛ فكيفَ لا تحبُّه، وتُنافِسُ في القربِ منه، وتنفِقُ أنفاسَها في التودُّدِ إليه، ويكونُ أحبَّ إليها من كلِّ ما سوَاهُ، ورضَاهُ آثَرُ عندَها من رضَا كلِّ ما سوَاهُ؟! وكيفَ لا تَلْهَجُ بِذِكْرِه، ويصيرُ حبُّه، والشوقُ إليه، والأنسُ به، هو غذاؤُها وقوتُها ودواؤُها؛ بحيثُ إن فَقَدَتْ ذلكَ فَسَدَتْ وهلكَت ولم تَنْتَفِعْ بحياتِها؟!
* * *
стр. 87
تجلياتُ اللهِ تعالى في القرآن (١)
القرآنُ كلامُ اللهِ، وقدْ تجلَّى اللهُ فيه لعبادِهِ بصفاتِهِ، فتارةً يتجلَّى في جلبابِ الهيبةِ والعظمةِ والجلالِ؛ فتخضَعُ الأعناقُ، وتنكَسِرُ النُّفوسُ، وتخْشَعُ الأصواتُ، ويذوبُ الكِبْرُ كما يذوبُ الملحُ في الماءِ. وتارةً يتجلَّى في صفاتِ الجمالِ والكمالِ، وهو كمالُ الأسماءِ، وجمالُ الصفاتِ، وجمالُ الأفعالِ الدالُّ على كمالِ الذاتِ؛ فيستنفذُ حُبُّه من قلبِ العبدِ قُوةَ الحبِّ كلِّها، بحسبِ ما عَرَفَهُ من صفاتِ جمالِه ونعوتِ كمالِه، فيصبحُ فؤادُ عبدِه فارغًا إلَّا من محبَّتِه، فإذا أرادَ منه الغيرُ أن يُعلِّقَ تلكَ المحبةِ به أَبَى قلبُه وأحشاؤُه ذلكَ كلَّ الإباءِ، كما قيلَ:
يُرادُ من القلبِ نسيانُكُم ... وتَابَى الطباعُ على النَّاقل
فتبقَى المحبةُ له طبعًا لا تكلفًا ..
وإذا تجلَّى بصفاتِ الرحمةِ والبرِّ واللُّطفِ والإحْسانِ، انبعثَتْ قوَّةُ الرجاءِ من العبدِ، وانبَسَطَ أمَلُهُ، وقويَ طمعُهُ، وسارَ إلى ربِّه وحادِي الرجاءِ يحدُو ركابَ سيرِه. وكلَّما قوِيَ الرَّجاءُ، جدَّ في العملِ، كما أنَّ الباذرَ كلَّما قويَ طمعُه في المغلِّ (٢) غلقَ أرضَه بالبذرِ، وإذا ضَعُفَ رجاؤُه قصَّرَ في البَذْرِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ العدلِ والانتقامِ والغضبِ والسخطِ والعقوبةِ، انقمعتِ (٣) النفسُ الأمَّارةِ، وبطلتْ أو ضعفتْ قُوَاها: من الشهوةِ، والغضبِ،
стр. 88
واللهوِ، واللعبِ، والحرصِ على المحرماتِ، وانقبضتْ أعِنَّةُ (١) رعوناتِها (٢)؛ فأحضَرَت المطيةُ حظَّها من الخوفِ والخشيةِ والحذرِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ الأمرِ والنهيِ والعهدِ والوصيةِ وإرسالِ الرسلِ وإنزالِ الكتبِ وشرعِ الشرائعِ، انبعثَ منها قوةُ الامتثالِ والتنفيذِ لأوامرِه، والتبليغِ لها، والتواصي بها، وذكرِها، وتذكُّرِها، والتَّصديقِ بالخبرِ، والامتثالِ للطلبِ، والاجتنابِ للنهيِ.
وإذا تجلَّى بصفاتِ السمعِ والبصرِ والعلمِ، انبعثتْ منَ العبدِ قوةُ الحياءِ؛ فيستحيِ من ربِّه أن يرَاهُ على ما يكرَهُ، أو يسمَعُ منه ما يكرَهُ، أو يخفِي في سريرَتِهِ ما يمقتُهُ عليه؛ فتبقى حركاتُه وأقوالُه وخواطرُه موزونةٌ بميزانِ الشرعِ، غيرَ مهملةٍ ولا مرسَلَةٍ تحتَ حكمِ الطبيعةِ والهوى.
وإذا تجلَّى بصفاتِ الكفايةِ والحسْبِ، والقيامِ بمصالحِ العبادِ، وسوقِ أرزاقِهم إليهم، ودفعِ المصائبِ عنهم، ونصرِه لأوليائِه، وحمايتِه لهم، ومعيَّتِه الخاصةِ لهم، انبعثَ من العبدِ قوةُ التوكلِ عليه، والتفويضُ إليه، والرضَا به وبكلِّ ما عَلِمَ العبدُ بكفايةِ اللهِ وحسنِ اختيارِه لعبدِه وثقتِه به ورضَاهُ بما يفعَلُهُ به ويختارُه له.
وإذا تجلَّى بصفاتِ العزِّ والكبرياءِ، أعطَتْ نفسُهُ المطمئنةُ ما وصلتْ إليه من الذلِّ لعظمتِه، والانكسارِ لعزَّتِه، والخضوعِ لكبريائِه، وخشوعِ القلبِ
стр. 89
والجوارحِ له؛ فتعلُوه السكينةُ والوقارُ في قلبِه ولسانُه وجوارحُه وسمتُه (١)، ويذهبُ طَيشُه وقوتُه وحدتُه.
وجماعُ ذلك: أنه سبحانه يتعرفُ إلى العبدِ بصفاتِ إلهيَّتِهِ تارةً، وبصفاتِ ربوبيَّتِهِ تارةً؛ فيوجبُ له شهودُ صفاتِ الآلهيةِ المحبةَ الخاصَّةَ، والشوقَ إلى لقائِه، والأنسَ والفرحَ به، والسرورَ بخدمتِه، والمنافسةَ في قربِه، والتودُّدَ إليه بطاعتِه، واللَّهَجَ بذكْرِه، والفرارَ من الخلقِ إليه، ويصيرُ هو وحدَهُ هَمَّهُ دونَ ما سوَاهُ. ويوجبُ له شهودُ صفاتِ الربوبيةِ التوكلَ عليه، والافتقارَ إليه، والاستعانةَ به، والذلَّ والخضوعَ والانكسارَ له.
وكمالُ ذلكَ أن يشهدَ ربوبيَّتَهُ في إلهيتِه، وآلهيَّتَه في ربوبيَّتِه، وحمدَه في ملْكِهِ، وعزَّه في عفْوِه، وحكمَتَه في قضائِه وقدرِه، ونعمتَه في بلائِه، وعطاءَه في منعِه، وبرَّه ولطفَه وإحسانَه ورحمتَه في قيُّوميَّتِه، وعدلَه في انتقامِه، وجودَه وكرمَه في مغفرتِه، وسترِه وتجاوُزِه. ويشهدَ حكمتَه ونعمتَه في أمرِه ونهيِه، وعزَّه في رضَاهُ وغضبِه، وحِلمَه في إمهالِه، وكرمَه في إقبالِه، وغنَاهُ في إعراضِه.
* * *
стр. 90
تعظيمُ النبيِّ ﷺ لربِّه
إذا كان التعظيمُ ثمرةً من ثمراتِ المعرفةِ فقد كان النبيُّ ﷺ أعرفَ الخلقِ بربِّه، وكيفَ لا يكونُ كذلكَ وهو الذي اصطفَاهُ ربُّه وعلَّمَه ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللهِ عَلَيْكَ عَظِيماً﴾ [النساء:١١٣]، ومنْ تدبَّرَ في عبادةِ النبيِّ ﷺ وذكرِهِ ودعائِه ولجوئِه إلى ربِّه عَلِمَ أنَّهُ أعظَمُ من عَظَّمَ الله تعالى، فقدْ كان ﷺ يقومُ من الليلِ حتى تتفطَّرَ قدماه، فقالتْ له عائشة ﵂: تفعلُ ذلك وقد غُفِرَ لك ما تقدمَ من ذنبِك وما تأخرَ!! فقال ﷺ : «أفلا أحبُّ أن أكون عبدًا شكورًا» (١).
ومن تعظيمِ النبيِّ ﷺ لربِّه أنه كان يسدُّ جميعَ الأبوابِ التي تُفضِي إلى الغلوِّ فيه وإخراجِه عن حدودِ العبوديةِ والرسالةِ التي أَنْزَلَهُ اللهُ تعالى إيَّاها، فكان ﷺ يقولُ: «لا تُطْروني كما أطرتِ النصارى ابنَ مريمَ، إنما أنا عبدُه، فقولوا: عبدُ اللهِ ورسولُه» (٢).
وعن محمدِ بن جبيرِ بن مطعِمٍ عن أبيه قال: أتى رسولَ اللهِ ﷺ أعرابيٌّ فقال: يا رسولَ الله! جَهِدت الأنفسُ، وضاعتِ العيالُ، ونُهكتِ الأموالُ، وهلكتِ الأنعامُ، فاستسِقِ اللهَ لنا، فإنا نستشفِعُ بكَ على اللهِ، ونستشْفِعُ باللهِ عليكَ. فقال رسولُ الله ﷺ : «ويحك! أتدري ما تقولُ؟»، وسبَّحَ رسولُ اللهِ ﷺ ، فما زالَ يسبِّحُ حتى عُرِفَ ذلك في وجوهِ أصحابِه، ثم قال: «إنَّه لا
стр. 91
يُسْتَشْفَعُ باللهِ على أحدٍ من خَلْقِه، شأن اللهِ أعظمُ من ذلك» (١).
وعن ابن عباسٍ قال: قال رجلٌ للنبيِّ ﷺ : ما شاءُ اللهُ وشئتَ، فقال ﷺ : «أَجَعَلْتَنِي للهِ ندًّا؛ لا بل ما شاءَ اللهُ وحدَهُ» (٢).
وعن عبدِ اللهِ بن الشخيرِ قال: انطلقتُ في وفدِ بني عامرٍ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فقلنا: أنت سيدُنا. فقال: «السيدُ اللهُ» فقلنا: وأفضلُنَا فضلًا وأعظمُنَا طَوْلًا. فقال ﷺ : «قولوا بقولِكم أو بعضِ قولِكم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشيطانُ» (٣).
قال في (النهاية): «أي لا يَسْتَغْلِبَنَّكُم فيتخِذُكم جَريًّا، أي رسولًا ووكيلًا، وذلك أنهم كانوا مَدَحُوه، فَكَرِهَ لهمُ المبالغةَ في المدحِ، فنهاهم عنه» (٤).
وقولُه ﷺ : «السيدُ اللهُ» أي السؤددُ على الحقيقةِ إنما هو للهِ ?، لأنه المتصفُ بذلك على الإطلاقِ فهو الذي الخلقُ خلقُه، والملكُ ملكُه، وهو المتفضلُ بكلِّ النِّعَمِ، وهو المتصرفُ في الخلقِ كيفَ شاءَ، وهو صاحبُ السؤددِ على الحقيقةِ، وأما غيرُه ممن حصَّل سؤددًا فإنما هو سؤددٌ ناقصٌ وغيرُ كاملٍ، ولهذا فإن النبيَّ ﷺ أخبر عن نفسِه بأنه سيدُ ولدِ آدمَ غ، وهو سيدُهم في الدنيا والآخرةِ ـ صلواتُ اللهِ وسلامِه وبركاتِه عليه ـ، ولكنَّ
стр. 92
السؤددَ الذي يليقُ بالإنسانِ، للرسولِ ﷺ منه الحظُّ الأكبرُ والنصيبُ الأوفرُ، وأما السؤددُ الكاملُ على الحقيقةِ فهو للهِ ? ... فالرسولُ ﷺ لحمايَتِه جنابَ التوحيدِ، ولحرصِه على ألا يحصلَ غلوٌّ يُؤَدِّي إلى محذورٍ أرشدَ ﵊ وبيَّنَ أن السيدَ هو اللهُ وأن السؤددَ الحقيقيَّ إنما هو للهِ ـ (١).
وكان النبيُّ ﷺ يعظمُ اللهَ تعالى من خلالِ تدبرِ آياتِ القرآنِ، وكان ﷺ يخشى من نزولِ العذابِ على هذه الأمةِ ففي صحيحِ البخاريِّ من حديثِ جابرِ بن عبدِ اللهِ ﵄ قالَ: لمَّا نزلت هذه الآية: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ قال رسولُ اللهِ ﷺ : «أعوذ بوجهِك». قال: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ قالَ النبيُّ ﷺ : «أعوذُ بوجهِكَ» قال: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَاسَ بَعْضٍ﴾ قالَ رسولُ اللهِ ﷺ : «هذا أهونُ أو هذا أيسرُ» (٢).
وكان غ إذا رأى غيمًا عُرِفَ في وجْهِه، قالت عائشةُ: يا رسولَ اللهِ! الناسُ إذا رأوُا الغيمَ فَرِحُوا، رجاءَ أن يكونَ فيه المطرُ، وأَراكَ إذا رأيتَ غَيْمًا عُرِفَ في وجْهِكَ الكراهَيَةُ! فقال: «يا عائشةُ! وما يُؤَمِّنني أن يكونَ فيه عذابٌ؟ قد عُذِّبَ قومٌ بالريحِ، وقد رأى قومٌ العذابَ فقالوا: ﴿هَذَا عَارِضٌ مُّمْطِرُنَا﴾ [الأحقاف:٢٤]» (٣).
وكان ﷺ من تعظيمِه لربِّه يتأثرُ بالآياتِ التي يخوفُ اللهُ بها عبادَه فعن عبدِ الله بن عمرِو ﵁ قال: انكسَفَتِ الشمسُ يومًا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ،
стр. 93
فقامَ رسولُ اللهِ ﷺ يصلِّي، فلم يَكَدْ أن يسجُدَ ثم سَجَدَ، فلم يكد أن يَرْفَعَ رأسَهُ، فجعلَ ينفُخُ ويبكِي ويقولُ: «ربِّ ألم تَعِدْني ألا تعذِّبَهم وأنا فيهم؟ ربِّ ألم تَعِدْني ألا تعذِّبَهم وهم يستغفرون؟ ونحن نستغفِرُك»، فلما صلَّى ركعتينِ انجلَت الشمسُ، فقامَ فحمِدَ اللهَ تعالى وأثنَى عليه ثم قال: «إنَّ الشمسَ والقمرَ آيتانِ من آياتِ اللهِ، لا ينكسِفَانِ لموتِ أحدٍ ولا لحياتِه، فإذا انكسَفَا، فَافْزَعُوا إلى ذكرِ اللهِ» (١).
وقد ذكرْنَا شيئًا من تعظيمِ النبيِّ ﷺ لربِّه في أمهاتِ العبادةِ كالصلاةِ والحجِّ وذكرِ الله تعالى.
* * *
стр. 94
أحاديث نبويةٌ في تعظيمِ اللهِ
وعن أبي هريرةَ ﵁، أن رسولَ الله ﷺ قال: «يدُ اللهِ ملْأَى لا يغيضُها (١) نفقةٌ، سَحَاءَ الليلَ والنهارَ»، وقال: «أرأيتُم ما أنفقَ منذُ خلقَ السمواتِ والأرضَ، فإنَّه لم يُغِضْ ما في يدِه»، وقال: «وكانَ عرشُه على الماءِ، وبيدِه الأخرى الميزانُ يخفضُ ويرفعُ» (٢) [متفق عليه].
وكان النبيُّ ﷺ يأمرُ بتعظيمِ اللهِ في الصلاةِ، فقال: «أمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ» (٣).
عن عبدِ اللهِ بن عمرَ ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : «يطوِي اللهُ السمواتِ يومَ القيامةِ، ثم يأخُذُهنَّ بيدِه اليمْنَى ثم يقولُ: أنا الملكُ أينَ الجبارونَ؟ أينَ المتكبِّرونَ؟ ثم يطوِي الأرضينَ بشمالِه ثم يقولُ: أنا الملكُ، أينَ الجبارونَ؟ أينَ المتكبرونَ؟» (٤) [رواه مسلم].
وعن النبيِّ ﷺ قال: «إن اللهَ لا ينامُ، ولا ينبغي له أن ينامَ، يخفضُ القسطَ ويرفعُه، يُرفَعُ إليه عملُ النهارِ قبلَ عملِ الليلِ، وعملُ الليلِ قبلَ عملِ النهارِ، حجابُه النورُ، لو كَشَفَهُ لأحرقَتْ سُبُحُاتِ وجْهِه، ما انتَهَى إليه بصرُه من خلقِه» (٥).
стр. 95
وعن عبدِ اللهِ بن مسعودٍ ﵁ قالَ: جاءَ حبرٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: يا محمدُ! أو يا أبا القاسمِ! إنَّ الله تعالى يُمْسِكُ السمواتِ يومَ القيامةِ على إصبعٍ، والأرضينَ على إصبعٍ، والجبالَ والشجرَ على إصبعٍ، والماءَ والثرى على إصبعٍ، وسائرَ الخلقِ على إصبعٍ ثم يهزُّهُنَّ فيقولُ: أنا الملكُ، أنا الملكُ، فضَحِكَ رسولُ اللهِ ﷺ تعجُّبًا مما قالَ الحبرُ، تصديقًا له ثمَّ قرأَ: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّماوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:٦٧]» (١).
وقال ﷺ : «إنَّ اللهَ تعالى يقولُ: إن العِزَّ إِزَارِي، والكبرياءَ ردائِي، فمن نازَعَنِي فيهما عذَّبتُهُ» (٢).
وقال ﷺ : «ما منكم من أحدٍ إلا سيُكلِّمُهُ اللهُ يومَ القيامةِ، ليسَ بينَه وبينَه ترجمان، فينظرُ أيمنَ منه، فلا يرَى إلا ما قدَّمَ، وينظرُ أشأمَ (٣) منه، فلا يرَى إلا ما قدّمَ، وينظرُ بين يدَيْهِ، فلا يَرَى إلا النَّارَ تلقاءَ وجهِه، فاتَّقُوا النَّارَ، ولو بشقِّ تمرةٍ، ولو بكلمةٍ طيبةٍ» (٤).
وقال ﷺ : «إن أحدَكم يُجمعُ خلقُهُ في بطنِ أمِّه أربعينَ يومًا نطفةً، ثم يكونُ علقةً مثل ذلك، ثم يكونُ مضغةً مثل ذلك، ثم يبعثُ اللهُ إليه مَلَكًا، ويؤمرُ بأربعِ كلماتٍ، ويقالُ له: اكتبْ علمهُ، ورزقهُ، وأجلهُ، وشقيٌّ أم
стр. 96
سعيدٌ، ثم ينفخُ فيه الروحَ، فإنَّ الرجلَ منكم ليعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، حتى لا يكونُ بينهُ وبينَها إلَّا ذراعٌ، فيسبقُ عليه الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ النارِ، فيدخلُ النارَ. وإنَّ الرجلَ ليعملُ بعملِ أهلِ النارِ، حتى ما يكونُ بينَهُ وبينها إلَّا ذراعٌ، فيسبقُ عليهِ الكتابُ، فيعملُ بعملِ أهلِ الجنةِ، فيدخلُ الجنةَ» (١).
عن أبي ذرٍّ الغفاري ﵁ عن النبي صلى الله عليه وآله فيما يرويه عن ربه ? أنه قال: «يا عَبَادي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلمَ عَلَى نفسِي وجعلتُهُ بينكم مُحرَّمًا فلا تظَّالموا.
يَا عِبادِي كُلكُم ضَالٌّ إلَّا من هديتُه فاستَهْدُوني أَهْدِكُم.
يَا عِبادِي كُلكُم جَائِعٌ إلَّا من أَطْعمتُهُ فاسْتَطعمُوني أُطعِمْكُم.
يَا عِبادِي كُلكُم عَارٍ إلَّا مَنْ كَسَوْتُهُ فَاسْتَكْسُونِي أَكْسِكُم.
يَا عِبادِي إنكم تُخطئِون باللَّيلِ والنَّهارِ وَأَنَا أَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا فاستغفروني أغفر لكم.
يَاعِبادِي إِنَّكم لن تَبْلُغُوا ضُرِّي فَتَضَروني وَلَنْ تَبْلغُوا نَفْعِي فتنفعُوني.
يَا عِبادِي لو أَنَّ أَوَّلكم وآخرَكم وإِنْسَكُمْ وجنَّكُم كانوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ واحدٍ منكم ما زادَ ذلكَ في ملكي شيئا.
يَا عِبادِي لو أَنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم كانوا عَلَى أَفْجرِ قلب رَجُلٍ واحدٍ منكم ما نَقَصَ ذلك من مُلكي شيئا.
стр. 97
يَا عِبادِي لو أَنَّ أوَّلكم وآخرَكم وإنسَكُم وجنَّكُم قاموا في صَعيدٍ وَاحدٍ فسألوني فأعطيت كل واحدٍ مسألته ما نقصَ ذلكَ مما عندي إلَّا كما ينقصُ المخيط إذا أُدخِلَ البحر.
يَا عِبادِي إِنَّما هي أعمالُكُم أُحْصِيها لكُم ثُمَّ أوفيكم إيَّاهَا فمن وَجَدَ خيرًا فليحمدِ اللهَ، ومَن وَجَدَ غيرَ ذلكَ فلا يلومنَّ إلَّا نفسه» [رواه مسلم].
قوله: «إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما».
قال ابن دقيق العيد: «قال بعض العلماء: معناه لا ينبغي لي ولا يجوز عليَّ كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم:٩٢]، فالظلم محال في حق الله تعالى. قال بعضهم في هذا الحديث: لا يسوغ لأحد أن يسأل الله تعالى أن يحكم له على خصمه إلا بالحق بقوله سبحانه: «إني حرمت الظلم على نفسي»، فهو سبحانه لا يظلم عباده فكيف يظن ظان أنه يظلم عباده لغيره؟
وكذلك قال: «فلا تظالموا» المعنى: المظلوم يقتص له من الظالم، وحذفت إحدى التاءين تخفيفًا أصله: فلا تتظالموا.
وقوله: «كُلُّكُم ضَالٌ إلَّا من هديتُه، ... وكلُّكُم عَارٍ إلَّا مَن كسوتُه ... وكلكم جائعٌ إلَّا من أطعمتُه ...».
تنبيه على فقرنا وعجزنا عن جلب منافعنا ودفع مضارنا إلا أن يعيننا الله سبحانه على ذلك، وهو يرجع إلى معنى: لا حول ولا قوة إلا بالله. وليعلم العبد أنه إذا رأى آثار هذه النعمة عليه أن ذلك من عند الله ويتعين عليه شكر الله تعالى وكلما ازداد من ذلك يزيد في الحمد والشكر لله تعالى.
стр. 98
وقوله: «فاستهدوني أهدكم» أي اطلبوا مني الهداية أهدكم والجملة في ذلك أن يعلم العبد أنه طلب الهداية من مولاه فهداه ولو هداه قبل أن يسأله لم يبعد أن يقول: إنما أوتيته على علم عندي. وكذلك «كلكم جائع» إلى آخره يعني أنه خلق الخلق كلهم ذوي فقر إلى الطعام فكل طاعم كان جائعا حتى يطعمه الله بسوق الرزق إليه وتصحيح الآلات التي هيأها له فلا يظن ذو الثروة أن الرزق الذي في يده وقد رفعه إلى فيه أطعمه إياه أحد غير الله تعالى وفيه أيضا أدب للفقراء كأنه قال: لا تطلبوا الطعام من غيري فإن هؤلاء الذين تطلبون منهم أنا الذي أطعمهم «فاستطعموني أطعمكم»، وكذلك ما بعده.
وقوله: «إنكم تخطئون بالليل والنهار».
في هذا الكلام من التوبيخ ما يستحي منه كل مؤمن وكذلك أن الله خلق الليل ليطاع فيه ويعبد بالإخلاص حيث تسلم الأعمال فيها غالبا من الرياء والنفاق أفلا يستحي المؤمن أن لا ينفق الليل والنهار [في الطاعة] فإنه خلق مشهودا من الناس فينبغي من كل فطن أن يطيع الله فيه أيضا ولا يتظاهر بين الناس بالمخالفة وكيف يحسن بالمؤمن أن يخطئ سرا أو جهرا لأنه قد قال بعد ذلك: «وأنا أغفر الذنوب جميعًا» فذكر الذنوب بالألف واللام التي للتعريف وأكدها بقوله: «جميعا» وإنما قال ذلك قبل أمره إيانا بالإستغفار لئلا يقنط أحد من رحمة الله لعظم ذنب ارتكبه.
قوله: «يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم» إلى آخره ..
فيه ما يدل على أن تقوى المتقين رحمة لهم وأنها لا تزيد في ملكه شيئًا.
стр. 99
وأما قوله: «لو أنَّ أوَّلكم وآخرَكُم وإنسَكُم وجنَّكُم قاموا في صعيد واحد».
إلى آخره ففيه تنبيه الخلق على أن يعظموا المسألة ويوسعوا الطلب، ولا يقتصر سائل ولا يختصر طالب؛ فإن ما عند الله لا ينقص، وخزائنه لا تنفد، فلا يظن ظان أن ما عند الله يغيضه الإنفاق كمال قال ﷺ في الحديث الآخر: «يدُ الله مَلْأَى لا يغُيضُها نفقةٌ سَحَاء الليلِ والنَّهار أرأيتُم مَا أنفَقَ منذُ خلقَ السَّمواتِ والأرضَ فَإِنَّه لم يغضْ مَا في يَمينه» وسر ذلك أن قدرته صالحة للإيجاد دائما لا يجوز عليها عجز ولا قصور والممكنات لا تنحصر ولا تتناهى.
وقوله: «إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر».
هذا مثل قصد به التقريب إلى الأفهام بما نشاهده، والمعنى: أن ذلك لا ينقص مما عنده شيئا والمخيط ـ بكسر الميم وإسكان الخاء وفتح الياء ـ: هو الإبرة.
وقوله: «إنَّما هي أعمالُكم أُحصيهَا لَكُم، ثُمَّ أُوفِيكُم إيَّاهَا فمن وَجدَ خيرًا فليحمد الله».
يعني لا يسند طاعته وعبادته من عمله لنفسه بل يسندها إلى التوفيق ويحمد الله على ذلك.
وقوله: «ومن وجد غير ذلك».
لم يقل ومن وجد شرًا يعني: ومن وجد غير الأفضل.
«فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نفسَهُ» أكد ذلك بالنون تحذيرا أن يخطر في قلب عامل أن اللوم تستحقه غير نفسه، والله أعلم (١).
стр. 100
تعظيم الصحابة والسلف الصالح لله
وقال ابن رجب أيضًا: «وكان خلفاءُ الرسلِ وأتباعُهم من أمراءِ العدلِ وأتباعِهم وقضاتِهم لا يَدْعُونَ إلى تعظيمِ نفوسِهم البتةَ، بل إلى تعظيمِ اللهِ وحدَه، وإفرادِه بالعبوديةِ والإلهيةِ، ومنهم من كان لا يريدُ الولايةَ إلا للاستعانةِ بها على الدعوةِ إلى اللهِ وحدَه.
وكانتِ الرسلُ وأتباعُهم يصبرونَ على الأَذَى في الدعوةِ إلى اللهِ ويتحمَّلُونَ في تنفيذِ أوامرِ اللهِ من الخلقِ غايةَ المشقةِ وهم صابرونَ بل راضونَ بذلك، كما كان عبدُ الملكِ بنُ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ ﵀ يقولُ لأبيهِ في خلافَتِه: «إذا حُرِصَ على تنفيذِ الحقِّ وإقامةِ العدلِ يا أبتِ لوددتُ أني غَلَتْ بي وبك القدورُ في اللهِ ».
وقال بعضُ الصالحينَ: وددتُ أنَّ جِسْمِيَ قُرِّضَ بالمقاريضِ، وأن هذا الخلقَ كلَّهم أطاعُوا اللهَ » ومعنى هذا أن صاحبَ ذلك القولِ قد يكونُ لَحَظَ نُصْحَ الخلقِ والشفقةَ عليهم من عذابِ اللهِ، وأحبَّ أن يَقِيَهم من عذابِ اللهِ بأذى نفسِه، وقد يكونُ لَحَظَ جلالَ اللهِ وعظمَتِه وما يستحِقُّه من الإجلالِ والإكرامِ والطاعةِ والمحبةِ، فودَّ أنَّ الخلقَ كلَّهم قامُوا بذلك، وإن حَصَلَ لَهُ في نفسِه غايةُ الضَّررِ» (١).
* * *
стр. 101
حقيقةُ التعظيمِ:
عن ابن السماكِ قال: أوصاني أخي داودُ بوصيةٍ قال: انظر، أن لا يراك اللهُ حيث نهاك، وأن لا يفقدك حيثُ أمرَكَ؛ واستحِ في قربِه منك، وقدرتِه عليك (١).
وقال رجلٌ لوهيبِ بن الوردِ: عِظْنِي، قال: اتقِ أن يكونَ اللهُ أهون الناظرينَ إليك (٢).
قل عليَّ رقيبُ:
عن أحمدَ بنِ حنبلَ رحمه الله تعالى قال:
إذا ما خلوتَ الدهْرَ يومًا فلا تَقُلْ ... خلوتُ ولكنْ قلْ عَلَيَّ رقيبُ
ولا تحسبَنَّ اللهَ يُغْفِلُ ما مَضَى ... وأن الذي يُخْفَى عليه يغيبُ
لهوْنَا عن الأيامِ حتى تَتَابَعَتْ ... ذنوبٌ على أثارهنَّ ذنوبُ
فيا ليتَ اللهَ يغفرُ ما مضى ... ويأذنُ لي في توبةٍ فأتوبُ
حبُّ القرآنِ:
عن سفيانَ بن عيينةَ قال: لا تبلُغُوا ذِروةَ هذا الأمر، إلا حتَّى لا يكونُ شيءٌ أحبَّ إليكم من اللهِ؛ ومن أحبَّ القرآنَ، فقد أحبَّ اللهَ؛ افقهوا ما يقالُ لكم (٣).
стр. 102
لذةُ المحبة:
قال إبراهيمُ بنُ أدهمَ: لو علِمَ الناسُ لذةَ حبِّ اللهِ: لقلَّتْ مطاعِمُهم، ومشارِبُهم، وحرصُهم، وذلك أنَّ الملائكةَ: أحبُّوا اللهَ، فاستغْنَوْا بذكرِه عن غيرِه (١).
جنة الدنيا:
عن أبي الدرداءِ ﵁ أنه قال: لولا ثلاثُ خلالٍ، لأحببتُ أن لا أبقَى في الدنيا؛ قيلَ: وما هنَّ؟ فقال: لولا وضوعُ وجهِي للسجودِ لخالِقِي في اختلافِ الليلِ والنهارِ، يكونُ تقدمةً لحياتِي، وظمأُ الهواجرِ، ومقاعدةُ أقوامٍ ينتقونَ الكلامَ كما تُنتقى الفاكهةُ.
قال أبو نعيم: وتمامُ التقوى: أن يتقيَ اللهَ العبدُ، حتى يتقيَه في مثلِ مثقالِ ذرةٍ، حتى يتركَ بعضَ ما يَرَى أنَّه حلالٌ خشيةَ أن يكونَ حَرَامًا، يكونُ حاجزًا بينه وبين الحرامِ؛ إن اللهَ تعالى قد بَيَّنَ لعبادِه الذي هو يُصَيِّرُهم إليه؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة:٧ - ٨]. فلا تَحْقِرَنَّ شيئًا من الشرِّ أن تتقِيَهُ، ولا شيئًا من الخير أن تفعَلَه (٢).
стр. 103
تفكيرُ الحسينِ:
عن الحسنِ قال: تَفَكُّرُ ساعةٍ، خيرٌ من قيامِ ليلةٍ (١).
أفضلُ العبادةِ:
عن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ قالَ: الكلامُ بذكرِ اللهِ حسنٌ، والفكرةُ في نعمِ اللهِ أفضلُ عبادةٍ (٢).
الفكرُ أولاً:
عن وهبِ بن مُنَبَّهٍ قال: ألم يفكِّر ابنُ آدمَ، ثمَّ يَتَفَهَّمُ ويعتبرُ، ثم يُبْصِرُ، ثم يعقِلُ ويتفقَّهُ حتى يعلَمَ؟ فيتبيَّنُ له: أنَّ للهِ حلمًا: به يخلقُ الأحلامَ، وعلمًا: به يعلمُ العلماءَ، وحكمةً: بها يُتْقِنُ الخلقَ، ويدبِّرُ بها أمورَ الدنيا والآخرةِ؛ فإنَّ ابن آدمَ، لن يبلغَ بعلْمِه المقدرِ علمَ اللهِ الذي لا مقدارَ له، ولن يبلغَ بحلمِه المخلوقِ حلمَ اللهِ الذي بِهِ خلقَ الخلقَ كله، ولن يبلغَ بحكمتِه حكمةَ اللهِ: التي بها يتقنُ الخلقَ، ويُقَدِّرُ المقاديرَ؛ وكيف يُشْبِهُ ابنُ آدمَ ربَّ ابنِ آدمَ؟ وكيف يكونُ المخلوقُ كمن خَلَقَهُ؟ (٣).
احذر سَخَطَ ربِّك:
وعن سفيانَ الثوريِّ، قالَ: احذرْ سَخَطَ اللهِ في ثلاثٍ: احذرْ أنْ تُقَصِّرَ فيما أمرَك، واحذرْ أن يَرَاكَ وأنتَ لا تَرْضَى بما قَسَمَ لك، وأن تطلبَ شيئًا من
стр. 104
الدنيا فلا تَجِدْهُ، أن تسخَطَ على ربِّكَ (١).
تأملاتٌ:
عن جعفرَ بنِ سليمانَ قال: سمعتُ خليفةَ العبديَّ يقولُ: لو أنَّ اللهَ لم يُعْبَدْ إلا عن رؤيةٍ، ما عبدَهُ أحدٌ؛ ولكنْ المؤمنونَ تفكَّرُوا في مجيءِ هذا الليلِ إذا جاءَ، فَمَلَأَ كلَّ شيءٍ وغَطَّى كلَّ شيءٍ، وفي مَجِيءِ سلطانِ النهارِ إذا جاءَ، فمَحَا سلطانَ الليلِ؛ وفي السَّحابِ المسخَّرِ بين السماءِ والأرضِ، وفي النجومِ، وفي الشتاءِ، وفي الصيفِ؛ واللهِ ما زَالَ المؤمنونَ يتفكَّرُونَ فيما خلقَ ربُّهم، حتى أيقنَتْ قلوبُهم بربِّهم؛ وحتَّى كأنَّمَا عبدوا الله تعالى عن رؤيةٍ (٢).
عبادةُ أبي الدرداءِ:
عن عونِ بنِ عبدِ اللهِ قالَ: سألتُ أمَّ الدرداءِ: ما كان أفضلُ عملِ أبي الدرداءِ؟ قالت: التفكرُ والاعتبارُ (٣).
تفكُّرُ داودَ الطائيِّ:
عن عبدِ الأعلى بنِ زيادٍ الأسلميِّ قال: رأيتُ داودًا الطائيَّ يومًا، قائمًا على شاطئِ الفراتِ، مبهوتًا؛ فقلتُ: يا أبا سليمانَ، ما يوقِفُك هنا؟ قال: انظُرْ إلى الفُلْكِ، كيفَ تجرِي في البحرِ مسخراتٍ بأمرِ اللهِ تعالى (٤).
стр. 105
كيفيةُ التعاملِ مع الأسبابِ:
وقال بنانٌ الحمالُ: رؤيةُ الأسبابِ على الدوامِ قاطعةٌ عن مشاهدةِ المسبِّبِ، والإعراضُ عن الأسبابِ جملةً، يؤدِّي بصاحِبِه إلى ركوبِ الباطلِ (١).
لو كُشِفَ الغطاءُ:
وعن أحمدَ بن أبي الحواريِّ، قال: كُنتُ أسمعُ وكيعًا يبتدئُ قبلَ أن يُحَدِّثَ فيقولُ: ما هنالِك إلا عفوُه، ولا نعيشُ إلا في سترِه، ولو كُشِفَ الغطاءُ لكُشِفَ عن أمرٍ عظيمٍ (٢).
كيفيةُ المراقبةِ:
سُئِلَ عبدُ اللهِ بن فاتكٍ عن المراقبةِ فقال: إذا كنتَ غافلًا: فانظُرْ نَظَرَ اللهِ إليك؛ وإذا كنتَ قائلًا: فانظر سَمْعَ اللهِ إليك؛ وإذا كنتَ ساكتًا: فانظُرْ علمَ اللهِ فيكَ قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه:٤٦] (٣).
* * *
стр. 106
أثرُ الذنوبِ والمعاصِي في ضَعْفِ تعظيمِ اللهِ في القلبِ
قالَ الإمامُ ابنُ القيمِ: «ومن عُقُوباتِها ـ أي الذنوبُ والمعاصي ـ أنها تُضْعِفُ في القلبِ تعظيمَ الربِّ ﷻ وتضعِفُ وقَارَهُ في قلبِ العبدِ ولا بدَّ شاءَ أم أبى، ولو تمَكَّنَ وقَارُ اللهِ وعظمتُه في قلبِ العبدِ لما تجرَّأَ على معاصِيه.
وربَّما اغتَرَّ المغتَرُّ وقال إنما يحمِلُني على المعاصِي حسنُ الرجاءِ وطَمَعِي في عَفْوِهِ لا ضعفُ عظمتِه في قلبِي وهذا من مغالطةِ النفسِ؛ فإنَّ عظمةَ اللهِ تعالى وجلالَه في قلبِ العبدِ وتعظيمَ حرماتِه يحولُ بينَه وبينَ الذنوبِ، والمتجرِّؤنَ على معاصِيه ما قَدَرُوه حقَّ قدرِه، وكيفَ يَقْدُرُهُ حقَّ قدرِه أو يعظِّمُه أو يكَبِّرُه أو يرجُو وقارَه ويُجِلُّهُ من يهونُ عليهِ أمْرُهُ ونَهْيُهُ؛ هذا من أمحلِ المحالِ وأبينِ الباطلِ، وَكَفَى بالعاصِي عقوبةً أَنْ يَضْمَحِلَّ من قَلْبِهِ تعظيمُ اللهِ ﷻ وتعظيمُ حرماتِه، ويهونَ عليهِ حَقُّهُ.
ومن بعضِ عقوبةِ هذا أن يرفَعَ اللهُ مهابَتَهُ من قلوبِ الخلقِ ويهونُ عليهم ويستخِفُّونَ به كما هَانَ عليه أَمْرُهُ واستَخَفَّ به، فعلى قدرِ محبةِ العبدِ للهِ يحِبُّهُ النَّاسُ، وعلى قَدْرِ خَوْفِهِ منَ اللهِ يخافُهُ الناسُ، وعلى قدرِ تعظِيمِه للهِ وحرماتِه يُعَظِّمُ الناسُ حرمَاتِهِ.
وكيفَ يَنْتَهِكُ عبدٌ حرماتِ اللهِ ويطمَعُ أنْ لا يَنْتَهِكَ الناسُ حرماتِه، أم كيفَ يهونُ عليهِ حقُّ اللهِ ولا يُهَوِّنُهُ اللهُ على الناسِ، أم كيفَ يستخِفُّ بمعاصِي اللهِ ولا يستخِفُّ به الخلقُ.
стр. 107
وقدْ أشارَ سبحانَهُ إلى هذا في كتابِهِ عندَ ذِكْرِ عقوباتِ الذنوبِ وأنَّهُ أَرْكَسَ أربابَها بما كَسبُوا، وغَطَّى على قلوبِهم وطَبَعَ عليها بذنوبِهم، وأنَّه نسيَهُمْ كما نَسُوهُ، وأهانَهُمْ كما أهانُوا دينَه، وضَيَّعَهُم كما ضَيَّعُوا أمرَهُ؛ ولهذا قال تعالى في آيةِ سجودِ المخلوقاتِ له: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾ [الحج:١٨]؛ فإنَّهم لما هانَ عليهِمُ السجودُ له واستَخَفُّوا بِهِ ولم يَفْعَلُوهُ، أهانَهُم فلم يَكُنْ لهم مِنْ مُكْرِمٍ بعدَ أنْ أهانَهُمْ، ومَنْ ذا يُكْرِمُ من أهانَهُ اللهُ أو يُهِنْ من أَكْرَمَ» (١).
* * *
стр. 108
عشرةُ وسائل لتعظيم الله
لا شكَّ أن تعظيمَ اللهِ من أجلِ العباداتِ القلبيةِ التي تَظْهَرُ آثارُها على الجوارحِ من خلالِ المسارعةِ إلى كلِّ ما يُحِبُّهُ اللهُ ويرضَاهُ منَ الأقوالِ والأفعالِ الظاهرةِ والباطنةِ. فلولا وجودُ نوعِ تعظيمٍ للهِ في القلبِ لما صبرَ الناسُ على طاعةِ اللهِ، وعن معصيةِ اللهِ، وعلى أقدارِ اللهِ المؤلمةِ.
وعلى قَدْرِ تعظيمِ اللهِ تعالى في القلبِ يكونُ إحسانُ العبادةِ وإتمامُها وإكمالُها وإتقانُها.
وهناك وسائل كثيرة لتعظيمِ اللهِ تعالى منها:
١ - إفرادُ اللهِ سبحانَه بالوحدانيةِ:
فيشهد العبدُ انفرادَ اللهِ تعالى بالخلقِ والحُكْمِ، وأن ما شاء كان وما لم يشا لم يكنْ، وأنه لا تتحركُ ذرةٌ إلا بإذنِه، وأنَّ الخلقَ مقهورونَ تحتَ قبضَتِهِ، وأنه ما من قلبٍ إلا وهو بين أصبعينِ من أصابِعِهِ، إنْ شاءَ اللهُ أن يُقِيمَهُ أقَامَهُ، وإنْ شاءَ أن يُزِيغَهُ أزَاغَهُ، فالقلوبُ بيدِهِ، وهو مُقَلِّبُهَا ومُصَرِّفُهَا كيفَ شاءَ وكيفَ أرادَ، وأنَّه هو الذي آتَى نفوسَ المؤمنينَ تَقْوَاهَا، وهو الذي هَداهَا وزكَّاهَا، وأَلْهَمَ نُفوسَ الفُجَّارِ فُجُورَهَا وَأَشْقَاهَا، من يهدِ اللهَ فلا مُضِلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هَادِيَ له، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بفضْلِهِ ورحمَتِهِ، ويُضِلُّ من يشاءُ بعدلِهِ وحِكْمَتِهِ ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء:٢٣]» (١).
стр. 109
فإذا شاهدَ العبدُ ذلك، واستقرَّ في قلبِهِ إفرادُ اللهِ تعالى بالوحدانيةِ، فأوْرَثَه ذلك ـ ولا بدَّ ـ تعظيمَ اللهِ ، وانتقلَ من توحيدِ الربوبيةِ إلى توحيدِ الألوهيةِ، فاتخذ اللهَ وحدَه إلهًا ومعبودًا، وأحبَّ ما يحبُّه الله، وأبغضَ ما يبغضُه اللهُ، وأعطى للهِ، ومنع للهِ، ووالى في اللهِ، وعادى في اللهِ، فهذا التوحيدُ هو الذي من أجلِهِ أُرْسِلَتِ الرُّسلُ، وأُنْزِلَتِ الكتبُ، وخُلِقَ الخلقُ، وقَامَتْ سوقُ الجهادِ على ساقٍ.
قال ابنُ القيمِ ﵀ في منزلةِ التعظيمِ: «هذه المنزلةُ تابعةٌ للمعرفةِ، فعلى قَدْرِ المعرفةِ يكونُ تعظيمُ الربِّ تعالى في القلبِ، وأعرفُ الناسِ به، أشدُّهم له تعظيمًا وإجلالًا، وقد ذمَّ اللهُ تعالى من لم يُعَظِّمْه حقَّ عظمتِه، ولا عرفَه حقَّ معرفتِه، ولا وَصَفَهُ حقَّ صِفَتِه، فقال: ﴿مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارً﴾ [نوح:١٣]، قال ابنُ عباسٍ ومجاهدٌ: «لا ترجُونَ للهِ عظمةً». وقال سعيدُ بنُ جبيرٍ: «ما لكم لا تعظِّمُونَ اللهَ حقَّ عظمَتِه» (١).
٢ - تدبُّر معاني أسماءِ اللهِ تعالى وصفاتِه:
فأسماءُ اللهِ تعالى كلُّهَا حُسْنَى، وكلُّها تدلُّ على الكمالِ المطلقِ، والحمدِ المطلقِ، وكلُّهَا مشتقةٌ من أوصَافِها، فتدبرُ معاني هذه الأسماءِ وما تُوجِبُهُ من آثارٍ من وسائلِ تعظيمِ اللهِ قال تعالى: ﴿ولِلَّهِ الأَسْمَاء الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف:١٨٠]، وقد ثبتَ في الصحيحينِ (٢) من حديثِ أبي هريرةَ ﵁، عن النبيِّ ﷺ أنَّه قالَ:
стр. 110
«إنَّ للهِ تسعةً وتسعينَ اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أَحْصَاهَا دخلَ الجنةَ» أي من حَفِظَها وفهمَ معانِيها ومدلولَها، وأثْنَى على اللهِ بها، وسأَلَهُ بها، واعْتَقَدَها دخلَ الجنةَ، والجنةُ لا يدخُلُها إلا المؤمنونَ، فعُلِمَ أنَّ ذلك أعظمُ ينبوعٍ ومادةٍ لحصولِ الإيمانِ وقوتِهِ وثباتِهِ (١).
٣ - تدبر القرآن:
قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فهذا دليلٌ على أن تدبرَ القرآنِ العظيمَ يورثُ الخشيةَ والتعظيمَ للهِ ، قال ابنُ القيمِ: «فليسَ شيءٌ أنفعُ للعبدِ في معاشِه ومعادِه، وأقربُ إلى نجاتِه من تدبرِ القرآنِ، وإطالةِ التأملِ فيه، وجمعِ الفكرِ على معانِي آياتِهِ، فإنَّها تُطْلِعُ العبدَ على معالمِ الخيرِ والشرِّ بحذافِيرِها، وعلى طرقَاتِهِمَا وأسبابِهِمَا وغاياتِهِمَا وثمراتِهِمَا، ومآلِ أهلِهِمَا، وتُتِلُّ في يدِهِ (٢) مفاتيحَ كنوزِ السعادةِ والعلومِ النافعةِ، وتُثَبِّتُ قواعدَ الإيمانِ في قلبِه، وتُشَيِّدُ بنيانَه، وتُوَطِّدُ أركانَه، وتُرِيهِ صورةَ الدنيا والآخِرَةَ، والجنةِ والنارِ في قلبِه، وتُحْضِرُه بينَ الأممِ، وتُرِيهِ أيَّامَ اللهِ فيهم، وتبصِّرُه مواقِعَ العِبَرِ، وتُشْهِدُهُ عدلَ اللهِ وفَضْلِهِ، وتُعَرِّفُهُ ذاتَهُ، وأَسْمَاءَهُ وصِفَاتِهُ وأَفْعَالَهُ، وما يحبُّهُ وما يبغضُه، وصراطَه الموصِّلَ إليه، وما لسالِكِيه بعدَ الوصولِ والقدومِ عليه، وقواطعَ الطريقِ وآفاتِها» (٣).