٤٤ - زهرةُ الروض أجيبي
شَدَّني الحُسنُ وأغرَى ... إذ رَأت عينَايَ زهرَه
تنشُرُ العِطرَ وتُضفِي ... من شَذَا العِطرِ المسَرَّه
بهجَةُ العينِ ولُطفًا ... رَفَّ إحساسًا وفِكرَه
يأسِرُ الرَّائينَ طَوْعًا ... ينفُحُ الأرجَاءَ سِحرَه
زهرَةَ الرَّوضِ أجيبِي ... من تُرَى أهدَاكِ نَضْرَه
من تُرَى أنشاكِ أُنسًا ... لمُحِبٍّ زَادَ صَبْرَه
من تُرَى أهدَاكِ ألوَا ... نًا لَهَا في السِّحرِ قُدرَه
تَجْذِبُ الرَّائين طُرًّا ... تَفْتِنُ الألبَابَ بُكرَه
من أُناسٍ وطُيُورٍ ... رَاقَهَا الحُسنُ بزَهْرَه
أو هَوَامٍ تنقُلُ الطَّلْعَ ... فتَزهُو مِنهُ دُرَّه
من تُرَى أهدَاكِ عِطرًا ... تنشُدُ الأحيَاءُ سِحرَه
من تُرَى سَوَّاكِ شكلًا ... يُرهِفُ الحِسَّ بنَظرَه
من تُرَى أجرَى حياةً ... فيكِ إذ ما كُنتِ بِذْرَه
من تُرَى أنبَتَ من مَيْ ... تٍ حياةً ومَسَرَّه
من تُرَى أسرَى بكِ المَا ... ءَ فكَانت مِنهُ خُضرَه
زهرَةَ الرَّوضِ تُرَى من ... فيكِ قد أودَعَ خَيرَه
стр. 221
من تُرَى أهدَاكِ سِحْرًا ... زاهيًا يُحسِنُ أسرَه
فأَمَالت زهرَتي رَأ ... سًا وأَومَت لي بنَظرَه
خالِقي اللهُ تعَالى ... فِيَّ قد أودَعَ سِرَّه
خالِقي اللهُ تجلَّى ... مُبدعًا في كُلِّ ذَرَّه (١)
* * *
стр. 222
٤٥ - توبة وإقبال
ربّ قد أقبلتُ في ظلِّ رحابِكْ
خاشعَ الطرفِ لدى نورِ شِهَابكْ
خاضعَ النفْس ذليلًا صاغرًا
وفؤادي ساجدٌ يَجْثُو ببابِكْ
كم بكى يا ربّ في سَجْدَتِه
إذ يهابُ الهولَ في يومِ حِسَابِكْ
يرقُبُ الغفرانَ في يومِ الظَّمَا
وهو يرجُو الوردَ من فَيْضِ شَرَابِكْ
كلما وَسْوَسَ شيطانُ الهَوَى
قلتُ يا شيطانُ سُحْقًا لِسَرَابِكْ
أو دَعَاني خاطرٌ يعْصِفُ بي
قلتُ يا شاعِرُ رفْقًا بِشَبابِكْ
كيف تَشْرِي ضَلَّةً بعدُ هدًى
وتُمَنِّي النفسَ ظلمًا بِخَرَابِكْ
أنت ما زلتَ فَتًى لا تَرْعَوِي
ضَلَّتِ الحكمةُ في غَضِّ إِهَابِكْ
стр. 223
عُدْ إلى اللهِ وَرَتِّلْ آيَهُ
فلعلَّ الله يرضَى بمَتَابِكْ
ربِّ لن يَهْدِيَنِي في حَيْرَتِي
غيرُ نورٍ وَسنَاءٍ من كتابِكْ (١)
* * *
٤٦ - رحماك يا ربَّ العبادِ
رحْمَاك يا ربَّ العبادِ رجَائي ... ورِضَاك قَصْدِي فاستجِبْ لِدُعَائي
وحَمِاك أَبْغِي يا إلهي راجيًا ... منك الرِّضا فَجُدْ بوَلائي
ناديتُ باسْمِك يا إلهي ضارِعًا ... إن لم تُجِبْني فمن يُجيبُ بُكائي
أنتَ الكريمُ فلا تَدَعْني تائِهًا ... فلقَدْ عَييتُ من البِعَادِ النَّائي
ما لي سِوَى أعتابِ جُودِكَ مَوْئِلٌ ... فلئِن رُدِدتُ فمن سِوَاكَ رَجَائِي
ولقد رجوتُك يا إلهي ضَارِعًا ... متذللًا فلا تَرُدَّ رجَائِي (٢)
* * *
стр. 224
٤٧ - توكلتُ على اللهِ
توكلتُ في رِزقِي علَى اللهِ خالقِي ... وأيقنتُ أن اللهَ لا شَكَّ رازِقي
وما يَكُ من رزقِي فليسَ يفوتُني ... ولو كانَ في قَاعِ البِحارِ الغوامِق
سيأتي بهِ اللهُ العظيمُ بِفَضْلِه ... ولو لم يكنْ مِني اللسانُ بنَاطِق
ففي أيِّ شيءٍ تذهَبُ النفسُ حسرَةً ... وقد قسَّمَ الرَّحمنُ رِزقَ الخلائِقِ (١)
* * *
стр. 225
٤٨ - حبيبُ القلوب
هبِ الرسلُ لم تأتِ من عندِه ... ولا أخْبرتْ عن جمالِ الحبيب
أليس من الواجبِ المسْتَحَقِّ ... محبتُه في اللِّقَا والمغيبِ؟
فمن لم يكنْ عقلُه آمرًا ... بذا ما له في الحِجَى من نَصِيب
وإن العقولَ لتدعُو إلى ... محَبةِ فاطرِها من قريب
أليستْ على ذاك مجبولةً ... ومفطورةً لا بكسْبٍ غريبِ؟
أليس الجمالُ حبيبَ القلوبِ ... لذاتِ الجمالِ، وذاتِ القلوبِ؟
أليس جميلًا يحبُّ الجمالَ؟ ... تعالى إلهُ الورَى عن نَسِيب
أما بعدَ ذلك إحْسَانُه ... بداعٍ إليه الفُؤاد المنيبِ؟
فمن ذا يُشَابِهُ أوصَافَه؟ ... تعالى إلهُ الورَى عن ضَرِيبِ (١)
ومن ذا يكافئُ إحسانَه ... فيألَهُه قلبُ عبدٍ منيبِ؟
وهذا دليلٌ على أنَّه ... إلى كلِّ ذي الخَلْقِ أولى حبيب
فيا منكرًا ذاك واللهِ أنت ... عينُ الخصيمِ وعينُ الحريبِ (٢)
ويا من يُحِبُّ سواه كمثـ ... ـلِ محبتِه أنت عبدُ الصَّلِيب
ويا من يوحِّدُ محبوبَه ... ويُرضيه في مَشْهدٍ، أو مغيب
حَظَيْتَ وخَابوا فلا تَبْتئسْ ... بكيدِ العدوِّ وهجرِ القريبِ (٣)
стр. 226
٤٩ - آياتٌ من الدُّررِ
محمد عبد الله القولي
تباركَ اللهُ زانَ الأرضَ بالدُّررِ ... واستنطَقَ الحُسنَ في زَهرٍ وفي شَجَر
وهَزْهَزَ الأرضَ من نومٍ ليُوقِظَهَا ... ورشَّ في وجهِهَا الوسنَانِ بالمطَر
وأرسلَ الشَّمسَ تُذكيهَا بقُبلتِهَا ... فاستعذَبَتْ دفئَهَا المحفوفَ بالخدَر
وحرَّكَ الرِّيحَ مسَّت شَعْرَهَا بيدٍ ... كأنهَّا الطَّيفُ يغشَاهَا بلا كَدَر
وأرسلَ النَّهرَ تُطفِي فيهِ حُرقَتَها ... وتستَقي رَغَدًا ينسَابُ بالنَّهر
وأبهجَ الطَّيرَ فاهتزَّت مَعَازفُهَا ... تُدغدِعُ السَّمعَ في لحنٍ بلا وتَر
وغرَّد البُلبُلُ الصَّدَّاحُ يُطربُهَا ... فينتشِي الحسُّ ما في الكأسِ من سكَر
ففتَّحَتْ عينَهَا والنَّومُ يجذِبُهَا ... ومسَّحَتْ ذَيلَ طيفٍ عَادَ للسَّفر
وسبَّحتْ ربَّهَا الوهَّابَ واتَّكأتْ ... وأعتدَتْ مجْلِسًا كم طَابَ للبَشر
وفكَّرتْ أيَّ ثوبٍ تنتَقِي لَهُمُو ... تحيَّر القلبُ من أثوابِهَا الكُثُر
تنهَّدَتْ نشَرَتْ أزهَى ملابِسَهَا ... وقلَّبت تَصْطَفِي الفتَّانَ للنَّظر
وسارَعتْ لحِلَاها تنتَقِي قمَرَا ... عِقْدًا تألَّقَ في نَجْماتِهِ الزُهُر
تقلدَّتهُ وفي حبَّاتِهِ بَهَرٌ ... قد هيَّجَ اللؤلؤَ الوضَّاءَ كالقمَر
تبسَّمتْ وارتدَتْ ثوبًا يُزيِّنُها ... وصفَّقَتْ للجَواري إقتفِي أثَرِي
تباركَ اللهُ أعطَى الحُسنَ مُقتَدِرًا ... فاختَالتِ الأرضُ في وَشيٍ من الزَّهَر
وجَرجَرتْ ثوبَهَا المعطُورَ مَنْسَجُهُ ... وأفرَدَت ذَيلَهُ المرشُوشَ بالصُّور
стр. 227
وأشرقَتْ بعَطاءِ اللهِ تلبَسُهُ ... وتزدَهِي بجمَالٍ سارَ في زُمَرِ (١)
ترنو إلى المَاءِ تلقَى فيهِ صُورتَهَا ... وتَنْتَشِي فرَحًا من آيِهَا الغُرَر
شتَّى من النَّبتِ هذِي الأرضُ قَد وَلَدَتْ ... وأودَعَتها الدُّنا للعيشِ والنَّظر
ففي الرُّبا شَجَرٌ أفنانُهُ ضَحِكَتْ ... ويبسُمُ الزَّهرُ مَطْوِيًّا على ثَمَر
وفي البحارِ نباتٌ راقَ سَاكنَهَا ... تحيَا عليهِ ويحمِيها من الخطَر
والنَّهرُ قِيعَانُهُ بالنَّبتِ قد فُرِشَتْ ... تباركَ اللهُ بثَّ الخَيرَ في النَّهَر
والماءُ مُدْهِشَةٌ في الأرضِ صنعَتُهُ ... والنَّبتُ مُختَلِفٌ في الذَّوْقِ والصُّور
تباركَ اللهُ أَعطَى الأرضَ فتنَتَها ... واستنطقَ الشِّعرَ آياتٍ من الدُّرَرِ (٢)
* * *
стр. 228
٥٠ - الإبداعُ
خير الدين وانلي
تفوحُ روائحُ الرَّيحانِ ... لا أزْكَى ولا أطْيَبْ
ويشْدُو الطيرُ في البستانِ ... لا أنْدَى ولا أطْرَبْ
ويزهو الزهرُ في الرّمانِ ... لا أبْهَى ولا أعْجَبْ
فَجَلَّتْ قُدرةُ الرحمنِ ... لا أَقْوَى ولا أغْرَبْ
يُنادي البلبلُ الشَّادي ... رفيقتَه ويُغرِيها
وتثغو (١) الشاةُ في الوَادِي ... فلا تُنسَى بوادِيها
وماءُ البركةِ الهادي ... يعانِقُ رمْلَ شَاطِيها
وألحانٌ من الحَادِي ... إلى الغَيْماتِ يُهديها
يدُ الإبداعِ في الكونِ ... بكلِّ خليقةٍ تظهَرْ
من الأصواتِ واللونِ ... إلى الأعراضِ فالجْوهَرْ
فَسِرْ في الأرضِ في هَوْنِ ... ولا تَسْتَعْلِ أو تفخَرْ
فأنتَ أحقُّ بالعَوْنِ ... وأنت الأضْعَفُ الأصْغَرْ
كتابُ اللهِ مَفْتوحٌ ... لمن يَسْتَوْضِحُ السِّرَّا
ونصرُ اللهِ ممنوحٌ ... لراجٍ عندْ النَّصْرَا
стр. 229
ورزقُ اللهِ مَطْروحٌ ... لمن قد قدَّمَ الشُّكْرَا
وفعلُ الخيرِ مَسْموحٌ ... بهِ فاستكثرِ الأجْرَ
عن الأرواحِ لا تَسْألْ ... فسرُّ الروحِ مجهولُ
ولا تُهْمِلْ ولا تَكْسَلْ ... فراعي الضأنِ مَسْؤولُ
وسلْ عن كلِّ ما تجهَلْ ... فهذا العِلمُ مبذولُ
ويَلْقَى المرءُ ما يَعْمَلْ ... وفَضْلُ اللهِ مأمولُ
تأَمّلْ صَنْعَةَ الخالِقْ ... وكلُّ الخلقِ آياتُ
فهذا كَوْكَبٌ سامِقْ ... وهذي الأرضُ ذرَّاتُ
وهذا شامخٌ شاهِقْ ... وذاكَ السهلُ جَنَّاتُ
وموجٌ زاخرٌ دافِقْ ... وأحياءٌ وأمواتُ
وكلُّ الكونِ إحْكَامٌ ... مِنَ الأسْمَى إلى الأصغَرْ
ودينُ اللهِ إسلامٌ ... على أدْيانِهم يظهَرْ
وشرعُ اللهِ أحكامٌ ... جَلِيَّاتٌ لمن أبصَرْ
ووحيُ اللهِ إلهامٌ ... فجلَّ الخالِق الأكْبَرْ (١)
* * *
стр. 230
٥١ - عجائب أصناف النبات
عبد الرحمن حبنَّكة
عجائبُ لا تنتَهِي في النَّباتْ ... تدلُّ على الخالقِ المقتدِرْ
عجائبُ في أصلِ تكوينِهِ ... عجائبُ في نَجْمِهِ والشَّجَرْ
عجائبُ لا تنقَضِي في الجُذُورْ ... وفي السُّوقِ ثمَّ بفَيْضِ الثَّمرْ
عجائبُ تبدُو بأوراقِهِ ... وما جَمَعَتْ من ثُغورٍ كُثُرُ
نسيجٌ بهِ يُدْهِشُ النَّاظرينْ ... وتحتارُ فيمَا حَوَاهُ الفِكَرْ
ومختَلِفَاتٌ بهِ لا تُعدُّ ... فتحلُو صُنُوفٌ وأُخرى تَمُرّ
وكلٌّ لهُ مَيْزةٌ في الحَيا ... ةِ يعرِفُ قيمتَهَا من خَبَر
***
٥٣ - قف بالخضوع
البرعي
قف بالخضُوعِ ونادِ يا اللهُ ... إنَّ الكريمَ يُجيبُ من ناداهُ
واطلُب بطاعَتِهِ رِضاهُ فلم يزَلْ ... بالجودِ يُرضِي طالبينَ رِضَاهُ
واسأَلْهُ مغفرةً وفضْلًا إنَّهُ ... مبسوطَتَانِ لسَائليهِ يداهُ
واقصِدْهُ منقطِعًا إليه فكلُّ من ... يرجُوهُ مُنقطِعًا إليه كفاهُ
شَمِلَتْ لطائِفُهُ الخلائِقَ كلَّهَا ... ما للخَلَائقِ كافلٌ إلَّا هُو
فعزيزُها وذليلُها وغنيُّها ... وفقيرُها لا يرتَجُون سِوَاهُ
مَلِكٌ تدينُ لهُ المُلوكُ ويَلْتَجِي ... يومَ القيامةِ فقرُهُم بغِناهُ
هو أوَّلٌ هو آخرٌ هو ظاهرٌ ... هو باطنٌ ليسَ العيُونُ تراهُ
حجَبتْهُ أسرارُ الَجلالِ فدونَهُ ... تَقِفُ الظُّنونُ وتَخْرُسُ الأفْواهُ
صَمَدٌ بلا كفْءٍ ولا كيفيَّةٍ ... أبدًا فما النُّظَراءُ والأشْبَاهُ؟!
شَهِدَتْ غرائبُ صُنعِهِ بوجُودِهِ ... لولاهُ ما شَهِدَت بهِ لولاهُ
وإليهِ أذعَنتِ العُقولُ فآمنَتْ ... بالغيبِ تؤثِرُ حُبَّها إيَّاهُ
سُبحانَ من عَنَتِ الوُجُوهُ لوجْهِهِ ... ولهُ سُجُودٌ أوجهٌ وجباهُ
طوعًا وكرهًا خاضِعينَ لعِزِّهِ ... ولهُ عليها الطَّوْعُ والإكْرَاهُ
سَلْ عنهُ ذرَّاتِ الوجُودِ فإنها ... تدعُوهُ معبُودًا لها ربَّاهُ
стр. 233
أبدي بمُحْكَمِ صَنِيعِهِ من نُطفةٍ ... بَشَرًا سويًّا جلَّ مَنْ سَوَّاهُ
وبنى السَّمواتِ العُلا والعَرشَ وال ... كُرسيَّ ثمَّ علا عليه عُلاهُ
ودَحا بساطَ الأرضِ فرشًا مُثبتًا ... بالرَّاسِيَاتِ وبالنَّباتِ حَلاهُ
تجرِي الرِّياحُ على اختلافِ هبُوبِها ... عن إذنِهِ والفُلكُ والأمواهُ
ربٌّ رحيمٌ مُشْفِقٌ متعطِّفٌ ... لا ينتَهِي بالَحصْرِ ما أعطاهُ
كم نعمةٍ أولى وكم من كُربَةٍ ... أجلَى وكم من مُبتلًى عافاهُ؟!
وإذا بُليتَ بغُربةٍ أو كُربةٍ ... فادعُ الإلهَ ونادِ يا اللهُ
لا مُحسنُ الظنِّ الجميلِ بهِ يَرى ... سُوءًا ولا راجِيهِ خابَ رجاهُ
ولحِلْمِهِ سُبحانهُ يُعصَى فلم ... يَعْجَلْ على عبدٍ عَصَى مولاهُ
يأتيهِ مُعتَذِرًا فيقبلُ عُذْرَهُ ... كرمًا ويغفرُ عمدَهُ وخَطَاهُ
يا ذا الجلالِ وذا الجمالِ وذا البَقَا ... يا مُنعِمًا عمَّ الأنامَ نَدَاهُ
* * *
стр. 234
٥٤ - روعة الخلق
خير الدين وانلي
بديعٌ كلُّ ما في الكَوْ ... نِ خلقُ المبْدعِ القادرْ
جميلٌ كلُّ ما في الكوْ ... نِ للمُسْتَمْتِعِ الشَّاعِرْ
تأَمَّلْ هل تَرَى عيبًا ... بصُنعِ المتقِنِ الفاطِرْ
تعالى اللهُ ربُّ العَرْشِ ... جلَّ الباطنُ الظَّاهِرْ
تأَمَّلْ زَهْرةَ التفَّاحِ ... ذاتَ السِّحْرِ والعِطْر
وتابِعْ شَدْوَ شَحْرورٍ ... يُناجي بَسْمَة الفجر
وراقبْ نَمْلَةً تسعَى ... ونَحْلًا غاصَ في الزهْر
ونهرًا فِضَّةً يجرِي ... على حَصْباءَ كالدُّرِّ
تأمَّل طائرًا يَسْعَى ... على أفراخِهِ الزُّغب
وبطًّا سَابحًا يَجْرِي ... مع التيارِ في حَرْب
وشاةً طِفْلَها تَدْعُو ... ثُغَاءً مفرحَ القَلْب
ومُهْرًا قافزًا يَلهُو ... على بُسُطٍ من العُشْبِ (١)
* * *
стр. 235
٥٥ - سبحان الله
يوسف العظم
لا تمتَرُوا في ذاتِهِ ... فالكَونُ من آياتِه
إن ضجَّ في حَركاتِهِ ... أو نامَ في سكَناتَه
والصُّبحُ في إشراقِهِ ... واللَّيلُ في ظُلُماتِه
والشَّمسُ في كبِدِ السَّما ... والنَّجمُ في رَعَشَاتِه
والجوُّ في إعصارِهِ ... إن هَبَّ أو نَسَماتِه
والرَّعدُ دوَّى قاصِفًا ... والبرقُ في ومَضَاتِه
واللَّيثُ في فَلَواتِهِ ... يختَالُ في خُطُواتِه
والطَّيرُ حلَّقَ في الفضَا ... أو نامَ في وَكَناتِه
والوردُ والعِطرُ الشَّذِيُّ ... يفُوحُ من روضَاتِه
دَانت لهُ الأزهارُ والـ ... أشوَاكُ بعضُ حُماتِه
لا تَمتَروا في ذاتِهِ ... أو تهزَءُوا بدُعاتِه
سُبحانهُ قد حقَّقَ الـ ... إعجَازَ في كَلِماتِه
لا تمترُوا في ذَاتِهِ ... فالرِّزقُ من آياتِه
سُبحانهُ من خالقٍ ... برٍّ بمخْلُوقَاتِه
غَمَرَ الوجُودَ بفضلِهِ ... وأفاضَ من خَيْراتِه
стр. 236
من نَبعِهِ الثَّرِّ الغَزيرِ ... يجُودُ من بَركاتِه
ناءَت بهِ السُّحُبُ الثِّقا ... لُ فسَالَ في رَبواتِه
والحقْلُ حانَ حصادُهُ ... نَقْتَاتُ من غَلَّاتِه
والنَّهرُ في السَّهل الفَسِيـ ... ـحِ يَرِقُّ عذبُ فُراتِه
والغَابُ ظلٌّ وارفٌ ... والرَّوضُ في ثَمَراتِه
والماءُ صافٍ في الغَديـ ... ـرِ يشِفُّ في مِرَأَىتِه
لا تقنطُوا من رحمَةِ الـ ... ـرَّحمنِ أو مَرضاتِه
فالحِلمُ والغُفرانُ والـ ... ـرضوانُ بعضُ صِفاتِه
لا تمتَرُوا في ذاتِهِ ... فالرُّوحُ من آياتِه
والصَّدرُ في أنفاسِهِ ... والقلبُ في خَفَقاتِه
والثُّغرُ في تسبيحِهِ ... والثَّغرُ في بسَماتِه
والصَّومُ في رمَضَانِهِ ... والحجُّ في ميقَاتِه
والمُؤمنُ البَرُّ الكَريـ ... ـمُ مُصدِّقًا بزَكاتِه
والصَّالحُ العَفُّ التَّقيُّ ... يهيمُ في صَلواتِه
يرجُو الرِّضى من ربِّهِ ... ليُقيمَ في جَنَّاتِه
والفاجِرُ الغِرُّ الجهُو ... لُ يَتِيهُ في نزَوَاتِه
لا يَسْتَقِيمُ ولا يسيـ ... ـرُ على طَريقِ هُداتِه
стр. 237
والمرءُ في أفراحِهِ ... والمرءُ في مأسَاتِه
يمضِي علَى دَرْبِ الحيَا ... ةِ وينتَهِي بمَمَاتِه
لا تَمتَروا في ذَاتِهِ ... فالموتُ بعضُ عظَاتِه
لا تَمتَروا في ذاتِهِ ... فالوَحْيُ من آياتِه
والحقُّ من إلهَامِهِ ... والنُّورُ من مِشْكاتِه
والعَقلُ في إبداعِهِ ... والفِكرُ في سَبَحاتِه
والعلمُ في العَصرِ الحديـ ... ـثِ يضِجُّ في آلاتِه
يرتَادُ آفاقَ الفضَا ... ءِ ويمتطِي طيَّاتِه
والبَحْرُ يهدِرُ صاخبًا ... والفُلكُ في جنَبَاتِه
والذَّرَّةُ الصُّغْرى مَصِيـ ... ـرُ الكونِ في ذَرَّاتِه
فخرَابُهُ ودَمَارُهُ ... إن سادَ حِقْدُ طُغاتِه
وعَمَارُهُ وَصَلَاحُهُ ... إن سادَ عقلُ تُقاتِه
كم مِجْهَرٍ قَرُبت لنا ال ... أبعادُ في عَدَساتِه
أو هاتِفٍ حَمَل الحديـ ... ـثَ مُردِّدًا همساتِه
لا تمتَروا في ذَاتِهِ ... فالكُلُّ من آياتِهِ (١)
* * *
стр. 238
٥٦ - إِلا بِبَابِكَ
مصطفى عكرمة
إِلَّا بِبابِك ما أطلتُ وقوفي ... يا من تُلبّي حاجَة الملهوف
ذلُّ الوُقوفِ ببابِ عِزِّكَ عِزَّةٌ ... يا ربِّ فاقَبْل ذِلَّتي ووقُوفي
عمَّرتُ بالأحْلامِ قَلْبي .. يا لهُ ... من خَافقٍ بِضَلالِهِ مشغوفِ!
صرفَتْهُ أهواءُ الحياةِ عن الهُدَى ... ولكم لها في النَّاسِ من تَصْريفِ!
هي عونُ إبليسٍ وعدَّةُ جُندهِ ... ولكم يُساقُ المرءُ بالتَّسويفِ!
غالتْ وأغْرَى وصفُها فاسْتَرْسَلَتْ ... والوصفُ كم يُغريكَ بالموصوفِ!
كم ذا وقفتُ ولم أنلْ من وعْدِها ... إلَّا بريقَ الوعدِ والتَّرجيف
ومضيتُ لا العِبَرُ الكبارُ تهُزُّني ... يومًا .. وإن بلَغَتْ أُلوفَ أُلوف
والصَّحْبُ قد عكَفوا على لذّاتِهم ... ولكم على اللذاتِ طالَ عُكوفي!
ألِفوا الحياةَ كما اشتهَت أهواؤهُم ... بئسَت حياةُ اللَّهْوِ من مألوف
رباهُ إنّي ما ارتَضَيْتُ سبيلَهُم ... ولكم عزفتُ وطالَ عنهُ عُزوفي!
لكنَّها الأهواءُ والهفي لما ... عانيتُ في الأهواءِ من تَلْهيف
رباهُ إن قَطَفوا لَذَائِذَهُم هُنا ... رباهُ فاجْعَل في الجِنانِ قُطُوفي
هي حقبةٌ عاشَ الفؤادُ بها الأسَى ... ما بينَ حَالَيْ خائفٍ ومُخيف
واليومَ تابَ وجاءَ تحدُوهُ المُنى ... من غيرِ إبطاءٍ ولا تزييف
стр. 239
غُفرانَكَ اللهُم إنِّي تائبٌ ... يدعُو بقلْبٍ خاشعٍ وضعيف
يا ربِّ رُدَّ المُسلمينَ وردَّهُ ... للدِّينِ يا من أنتَ خيرُ لطيف
وانصُر بحقِّكَ أُمَّتي والطُف بها ... يا من تُلبّي حاجَةَ المَلهوفِ (١)
* * *
стр. 240
٥٧ - بك أستجير
إبراهيم بديوي
بك أستجيرُ فمن يجيرُ سِوَاكا ... فأجِرْ ضعيفًا يَحْتَمِي بِحَمَاكا
إِنَّي ضعيفٌ أستعينُ على قِوِى ... ذَنْبي ومَعْصِيَتي بفيضِ قِوَاكا
أذنبتُ يا ربي وآذتْني ذنوبٌ ... مَا لَها من غافرٍ إلَّا كَا
دنْيَايَ غَرَّتني وعفوُك غَرَّني ... وا حَيْرَتي في هذه أو ذاكَا
يا مدرِكَ الأبصارِ والأبصارُ لا ... تَدْري له ولكُنهِهِ إِدرَاكا
إن لم تكنْ عَيْنِي تَرَاك فإنني ... في كلِّ شيءٍ أستبينُ عُلاكا
يا منبتَ الأزهارِ عاطرةَ الشَّذَا ... هذا الشَّذَا الفوَّاحُ نفحُ شَذَاكا
ربَّاهُ ها أنا ذا خَلُصْتُ من الهَوى ... واستقبلَ القلبُ الخليُّ هَوَاكا
وتركْتُ أُنْسِي بالحياةِ ولهوِها ... ولقيتُ كلَّ الأنسِ في نَجْواكا
ونسيتُ حُبِّي واعتزلتُ أحِبَّتي ... ونسيتُ نَفْسي خوفَ أن أنسَاكا
أنا كنتُ يا ربي أسيرَ غِشاوةٍ ... رانَتْ على قَلْبِي فَضَلَّ سَنَاكا
واليومَ يا ربِّي مَسَحْتُ غِشَاوتي ... وبدأتُ بالقلْبِ البصيرِ أَرَاكا
يا غَافِرَ الذنبِ العظيمِ وقابلًا ... للتِّوبِ قلبٌ تائبٌ ناجَاكا
يا ربِّ جئتُك ثاويًا أبْكِي على ... ما قَدَّمَتْه يَدَايَ لا أَتَباكى
أخشَى من العَرْضِ الرهيبِ عليك يا ... ربي وأخْشَى منك إذ ألقَاكا
стр. 241
يا ربّ عدتُ إلى رِحَابِك تائبًا ... مُسْتَسْلمًا مسْتَمْسِكًا بعُراكا
ما لي وما للأغنياءِ وأنت يا ... رَبِّي الغنيُّ ولا يُحَدُّ غِنَاكا
ما لي وما للأقوياءِ وأنت يا ... ربي عظيمُ الشَّأنِ ما أقْوَاكا
إني أويْتُ لكل مأوًى في الحياةِ ... فما رأيتُ أعزَّ مِنْ مَاواكا
وتلمسَتْ نفسي السبيلَ إلى النَّجَاةِ ... فلم تجدْ منجًى سِوَ ى مَنْجَاكا
وبحثتُ عن سِرِّ السعادةِ جاهدًا ... فوجدتُ هذا السرَّ في تَقْوَاكا
فليرضَ عنِّي الناسُ أو فليسْخَطوا ... أنا لم أعُدْ أسْعَى لغيرِ رِضَاكا
أدعوك يا ربي لتغْفِرَ حَوْبَتي ... وتُعَينَني وتمدَّني بهُدَاكا
فاقْبَلْ دعائي واسْتَجِبْ لرجَاوَتي ... ما خابَ يومًا من دَعَا ورجَاكا
يا ربّ هذا العصرُ ألحدَ عندما ... سخَّرتَ يا ربِّي له دُنياكا
ما كاد يُطْلِقُ للعُلا صاروخَه ... حتى أشاحَ بوجِهه وقَلَاكا
أَوَ مَا دَرَى الإنسانُ أن جميعَ ما ... وصَلَتْ إليه يَدَاه من نُعْمَاكا
يا أيُّها الإنسانُ مهلًا واتَّئدْ ... واشكُر لربِّك فضلَ ما أوْلَاكا
أفإنْ هَدَاك بعِلْمِه لعَجِيبةٍ ... تَزْوَرُّ عنه ويَنْثَنِي عِطْفَاكا
قلْ للطبيبِ تخطَّفَتْه يدُ الرَّدَى ... يا شَافِيَ الأمْراضِ من أردَاكا؟
قلْ للمريضِ نَجَا وعُوفي بعدَما ... عَجَزَتْ فنونُ الطِبِّ، من عَافَاكا؟
قل للصحيحِ يموتُ لا من علةٍ ... من بالمنايا يا صحيحُ دَهَاكا؟
стр. 242
قلْ للجنينِ يعيشُ معزولًا بلا ... راعٍ ومرعًى ما الذي يَرْعَاكا؟
قل للوليدِ بكَى وأجهَشَ بالبُكَا ... عند الولادةِ ما الذي أبكَاكا؟
وإذا تَرَى الثُّعبانَ ينفُثُ سُمَّهُ ... فاسألْه مَن ذا بالسُّمومِ حَشَاكا؟
واسألْه كيف تعيشُ يا ثعبانُ أو ... تَحْيَا وهذا السُّمُّ يملأُ فَاكا؟
واسأل بطونَ النحلِ كيفَ تَقَاطَرَتْ ... شَهْدًا وقل للشَّهْدِ من حَلَّاكا؟
بل سَائِلْ اللبنَ المصَفَّى كان بيـ ... ـن دمٍ وفَرْثٍ ما الذي صَفَّاكا؟
وإذا رأيتَ الحيَّ يخرجُ مِن ... ثَنَايا مَيِّتٍ فاسْأَلْه من أحْيَاكا؟
قلْ للهَوَاءِ تحسُّه الأيدي ويخـ ... ـفى عن عيونِ الناسِ من أخْفَاكا؟
وإذا رأيتَ البدَر يَسْري ناشرًا ... أنوارَه فاسأَلْه من أسْرَاكا؟
وإذا رأيتَ النخْلَ مشقوقَ النَّوَى ... فَاسْأَله مَن يا نخلُ شقَّ نَوَاكا؟
وإذا رأيتَ النارَ شبَّ لهيبُها ... فَاسْأَل لهيبَ النارِ من أورَاكا؟
وإذا ترى الجبلَ الأشَمَّ منَاطِحًا ... قِمَمَ السَّحَاب فَسَلْه من أرسَاكا؟
وإذا تَرى صَخْرًا تفجَّر بالمياهِ فَسَلْه ... مِن بالماءِ شَقَّ صَفَاكا؟
وإذا رأيتَ النهرَ بالعذبِ الزُّلالِ جَرَى ... فسَلْه مَن الذي أجْرَاكا؟
وإذا رأيتَ البحرَ بالملحِ الأُجَاجِ طَغَى ... فسَلْه من الذي أطْغَاكا؟
وإذا رأيتَ الليلَ يغْشَى داجِيًا ... فاسْأَلْه مَن يا ليلُ حَاكَ دُجَاكا؟
وإذا رأيت الصُّبْحَ يُسْفِرُ ضَاحِيًا ... فاسأله مَن يا صبحُ صاغَ ضُحَاكا؟
стр. 243
هذي العجائِبُ طالما أَخَذَتْ بها ... عيناكَ وانفَتَحَتْ بها أُذنَاكا
واللهُ في كلِّ العَجَائِبِ مبدعٌ ... إن لم تكُنْ لِتراهُ فهو يَرَاكا
يا أيُّها الإنسانُ مهلًا مالذي ... باللهِ ﷻ أغْرَاكا
فاسجُدْ لموْلاك القديرِ فإنَّما ... لا بدَّ يومًا تَنْتَهي دنياكا
وتكونُ في يومِ القيامةِ ماثلًا ... تُجْزَى بما قَدْ قدَّمَتْه يَدَاكا (١)
* * *
стр. 244
٥٨ - يسبحُك الخلقُ في كلِّ آن
الدكتورة عاتكة الخزرجية (١)
يسبحُك الخلقُ في كلِّ آنِ ... ويَعْنو لهيبَتِك القَانِتون
ويَسْأَلُك الرحمَةَ الأتقِيَا ... ء ويأوي إلى ظِلِّك المذنبون
وتُحنى الجباهُ لعزِّ الإلهِ ... ويخضَعُ للأكبرِ الكابرون!
تباركتَ سُبِّحْتَ يا ذا الجلا ... لِ ويا من إليه غدًا يَنْسِلُون
ويا مجريَ الفُلْكَ فوقَ البحا ... رِ ومن باطنِ الصَّخْر ثجَّ العُيُون
ويا مُجري الشمسَ في أُفْقِها ... وكلٌّ على فَلَكٍ يَسْبَحُون
تباركتَ كيف سَلَخْتَ النها ... رَ من الليل كيف مَسَخْتَ القُرون؟
وكيف بَرَيتَهُمُ من رُغَا ... م وكلٌّ إلى أجلٍ سائرون؟
وَسَرَّيْتَ بينهُمُ بالحِما ... مِ ورَوَّضْتَ فيهم جماحَ الحَرون (٢)
تباركت كيف قَسَمْتَ الجُدو (٣) ... د وكيف يُقال بها العَاثرون
وسعتَ بحِلْمِك طيشَ الجَهُو ... ل وغيَّ الكفورِ ولُؤْمَ الخؤُون
ولم توصِدِ البابَ دونَ الجَمُو ... دِ ولا دونَ ما أمَّل التَّائبون
حكمتَ فأقسطْتَ في العالمين ... وبالعَدْلِ فليحْكُم الحَاكِمون
стр. 245
فنارُك يَصْلَى بها الكافرون ... وجناتُ عَدْنٍ بها المؤمنون
تباركتَ يا ربِّ هذا الوُجُود ... ومن باسمِه سبَّح العَالمون
ويا موقِدَ النارِ من أخضرٍ ... ومُعْطي مِنَ الأرضِ ما يشْتَهون
ويا مخرجَ الحيِّ من ميتٍ ... ومن قال للشيءِ كنْ كيْ يكُون
تباركْتَ يا فاطرَ الكائناتِ ... ومن هُمْ إليه غدًا يَنْسِلون
فزعتُ لبابِك أرجو حِمىً ... لضَعْفي فأنتَ حِمايَ المصُون
عبادُك يا ربِّ ضَلّوا السبيلَ ... وحَارَ الدليلُ فما يهتَدون
تَشَامَخَ في أرضِك الأدنياءُ ... فأيانَ عن غَيِّهم ينتهُون
وجَارتْ بأحكامِها الأقوياءُ ... فَسِيمَ الضعيفُ عذابًا وهُون
ولم يُعطِ من مالِكَ الأغنياءُ ... وراحوا على شُحِّهم يَحْرِصُون
ولم يبقَ في الناسِ معنَى الحياءِ ... فأمسُوا بآثامِهم يفخَرون
وضجَّتْ مواخِيرُهم بالحياةِ ... وباتَتْ محاريبُهم في سُكون!
عِبَادُك يا ربّ ضَلّوا السبيلَ ... فأين الدليلُ؟ عَسَى يهتدون
أخافُ عليهم وأرجُو لهم ... فغفرًا لهم إنهم لا يعُون!
وأنت اللطيفُ الرؤوفُ الرحيمُ ... وأنت الرفيقُ الشفيقُ الحنون
* * *
стр. 246
٥٩ - يا مجيب السائلين
عبد الرحمن حبنكة
ربّ إني قدْ سألتُك ... يا مُجيبَ السَّائلينْ
لم يَخِب دَاعِكَ ربِّي ... وهو يدعُو بيقِينْ
إنَّني أدْعُوكَ يا اللهُ ... مَعْ إخلاصِ دِينْ
* * *
ربِّ إني قد سألتُكْ ... إذ تُحِبُّ السَّائلينْ
بدُعائي قد عبَدتُكْ ... إذ تُحِبُّ العابِدينْ
أنتَ أولَى بِيَ مِنِّي ... فأعِنّي يا مُعينْ
أنتَ بي أعلَمُ مِنِّي ... أنتَ خيرُ الأكرمينْ
فاصْطَنِعْنِي لكَ يا ربِّي اصطِنَاعَ الأقربينْ
واتَّخِذْني لكَ ضمنَ الصّالحِين الطاهِرينْ
وبفضلٍ منكَ فارفَعْنِي لأوجِ المُحسِنينْ
أنت رَبِّي في تصَاريفِكَ ... خَيرُ الأحْكَمِينْ
ورجَائي باستجَابَاتِكَ لي حقُّ اليقينْ
لستُ أخشى ردَّ سُؤلي ... ولكَ الوَعدُ المتيِنْ
أنا يا ربِّي بألطافِكَ في حِصْنٍ حَصِينْ
стр. 247
فاقضِ لي الخيرَ وأكرمِني بسُلطانٍ مكينْ
تنصُرُ الحقَّ بهِ ... والخيرَ بينَ العالَمينْ
وبهِ تنصُرُ قُرآ ... نَكَ ذا النُّورِ المُبينْ
تنصرُ الدِّينَ الذي جَا ... ءَ بِهِ الدّاعي الأمِينْ
أحمدُ المُختارُ خيرُ الخلقِ خيرُ المُرسَلينْ
وبهِ تنصُرُ في الدُّ ... نيا جُمُوعَ المؤمنينْ
وبِهِ تهزِمُ يا ربِّي حُشُودَ الكَافِرينْ
ربِّ واجعلنِي إمامًا ... للهُداةِ المتَّقينْ
* * *
ربِّي إنِّي قد سألتُكَ ... يا مُجِيبَ السَّائلينْ
بدُعائي قد عبَدتُكْ ... إذ تُحِبُّ العابِدينْ (١)
* * *
стр. 248
٦٠ - كتاب الكون
خير الدين وانلي
كم في كتابِ الكونِ من عِبرٍ ... لأولي النُّهى والبحْثِ والنَّظر
في الأرضِ في الآفاقِ قاطبةً ... في النفسِ في الأصواتِ في الصُّور
في ذرةٍ عَمْياءَ هائجةٍ ... في الشمسِ ذاتِ الوهْجِ والشَّرر
في النَّجْمِ في الأفلاكِ سابحةً ... في الشُّهْبِ ذاتِ الخَطْفِ للبصَر
في الزهرةِ الأخاذِ رونقُها ... في الطيرِ صدّاحًا على الشَّجَر
في البحرِ والأمواجُ صاخبةٌ ... تعلو تَرومُ تَنَاولَ القمَر
في الراسِياتِ الشمِّ عمَّمَها ... ثلجُ الشتاءَ يسيلُ في النَّهر
في السَّفْحِ والأعشابُ مائسةٌ (١) ... ترنو إلى الوديانِ في خَفَر
* * *
ماذا أقولُ لغافلٍ لاهٍ ... عن كلِّ ما في الكونِ من عِبَر
أيظنُّ خلقَ الكونِ عن عَبَثٍ ... كلَّا فخلقُ الكونِ عن قَدَر
ما فيهِ من وَهَنٍ ولا خَللٍ ... ما فيه من واهٍ ومُنفطِر
الشمسُ في الأفلاكِ جاريةٌ ... كالأرضِ ذات الماءِ والمَدَرِ (٢)
لا الليلُ يسبقُ لا النهارُ ولا ... تُفني البحارُ رواسِيَ الجُزُر
стр. 249
النبتَةُ الخَضْراءُ ضاربةٌ ... أطْنَابَها في الصَّخْرِ والحَجَر
والزهرةُ البيضاءُ فائحةٌ ... والجذْرُ بين الطينِ والكَدَر
والغيمةُ السوداءُ مُثْقَلَةٌ ... تجْرِي بأطنابٍ من المطر
والهرةُ السَّمراءُ حانيةٌ ... فوق الصِّغارِ العُمْي عن خَطَر
الكونُ متَّسِقٌ ومنتظِمٌ ... كم فيهِ من ذِكْرَى لمُعتَبر
سبحانَ من باللُّطْفِ قدَّرَهُ ... أعظِمْ بقيومٍ ومُقتَدِرِ (١)
* * *
стр. 250
٦١ - إلهي أنت تعلم كيف حالي
عبد الرحيم البرعي
أغيبُ وذُو اللَّطائفِ لا يغيبُ ... وأرجُوهُ رجَاءً لا يخيبُ
وأسألهُ السَّلامةَ من زمانٍ ... بُليتُ بهِ نوائبُه تُشيبُ
وأُنزلُ حَاجتي في كلِّ حالٍ ... إلى من تَطمئِنُّ بهِ القلُوبُ
ولا أرجُو سواهُ إذا دَهَاني ... زمانُ الجَوْرِ والجارُ المُريبُ
فكم للهِ من تدبيرِ أمرٍ ... طوتهُ عن المُشاهدَةِ الغيُوبُ
وكم في الغيبِ من تيسير عُسرٍ ... ومن تفريجِ نائبةٍ تنُوبُ
ومن كرمٍ ومن لطفٍ خفيٍّ ... ومن فرجٍ تزُولُ بهِ الكُروبُ
وما لي غيرُ بابِ اللهِ بابٌ ... ولا مولى سواهُ ولا حبيبُ
كريمٌ مُنعمٌ برٌّ لطيفٌ ... جميلُ السّترِ للدَّاعي مُجيبُ
حليمٌ لا يُعاجِلُ بالخَطَايا ... رحيمٌ غيثُ رحمتِهِ يَصُوبُ
فيا ملكَ المُلوكِ أقِلْ عِثَاري ... فإني عنكَ أَنْأَتْنِي الذُنوبُ
وأمرضَنِي الهَوى لهوانِ حظِّي ... ولكن ليسَ غيرَكَ لي طبيبُ
وعَانَدَني الزمانُ وعِيلَ صَبري (١) ... وضاقَ بعبدِكَ البلدُ الرَّحيبُ
فآمن رَوْعَتي واكْبِتْ حسُودًا ... يُعاملُني الصَّدَاقةَ وهو ذيبُ