Полный текст (190 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
«مَنْ صَلَّى صَلاَةً لاَ يَقْرَأُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ» يقولها ثلاثاً, فقيل لأبي هريرة: إنما نكون وراء الإمام, فقال: اقرأها في نفسك, فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «قَالَ اللهُ : قَسَمْتُ الصَّلاَةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ, وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ, فَإِذَا قَالَ: الْعَبْدُ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قَالَ اللهُ: حَمَدَنِي عَبْدِي, وَإِذَا قَالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قَالَ اللهُ: أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي, وَإِذَا قَالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قَالَ اللهُ: مَجَّدَنِي عَبْدِي -وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي- فَإِذَا قَالَ: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قَالَ: هَذَا بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي, فَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ, وَإِذَا قَالَ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قَالَ: هَؤُلاَءِ لِعَبْدِي, وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة, وقال أبو زرعة: حديث صحيح. وفيه دلالة من أربعة أوجه:
أحدها: أن أبا هريرة هو راوي الحديث, وقد فهم أن أم الكتاب هي الحمد لله رب العالمين, إلى آخرها ولهذا فسر أحد الحديثين بالآخر, وهذا يضعف ما روي عنه بخلافه.
стр. 107
الثاني: أنها لو كانت منها أو هي واجبة لذكرها في القسمة, كما ذكر غيرها؛ لأن المراد بالصلاة: القراءة الواجبة في الصلاة.
стр. 108
.............................................
стр. 109
الثالث: أن القسمة باعتبار الآيات؛ لأنه وقف على رأس كل آية, وجعل يشير إليها, فلو كانت البسملة فيها لكان الذي لله أربع آيات ونصفاً, والذي للعبد اثنتين ونصفاً.
стр. 110
الرابع: أنه قال في آخره: فهؤلاء لعبدي, وهذه صيغة جمع, إنما يشار به إلى ثلاثة آيات, ولو لم تكن ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ رأس آية لقال: «فهاتان» والإشارة إنما هي إلى [الآي] دون الكلمات والحروف, كما قال: فهذه الآية بيني وبين عبدي نصفين, ولعبدي ما سأل.
وأيضاً: حديث [أبي بن كعب] وحديث أبي سعيد بن المعلى وحديث ابن جابر, ولأنها لو كانت من الفاتحة
стр. 111
لكانت السنة الجهر بها, فإن الفرق بين آيات السورة بعيد عن القياس, بخلاف ما ليس من السورة وإنما نزل لأجلها, ولأنها لو كانت من أول الفاتحة لكانت من أول سائر السور؛ لأنها سورة من السور, ولا يختلف المذهب أنها ليست من غير الفاتحة, وقد دل على ذلك ما روى أبو هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ سُورَةً مِنَ الْقُرْآنِ ثَلاَثُونَ آيَةً شَفَعَتْ لِرَجُلٍ حَتَّى غُفِرَ لَهُ, وَهِيَ: تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي, وقال: حديث حسن.
قال أصحابنا: وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية بدون التسمية, فلو كانت منها لكانت آية وكانت إحدى وثلاثين, ولأن الناس مجمعون علي أن الكوثر ثلاث آياتٍ, ولو كانت منها لكانت أربع آياتٍ, ولأن الصحابة والتابعين وسائر الأمة يسمون حروف الهجاء فواتح السور, والحروف المقطعة في أوائل السور, ولو كانت البسملة أول آيةٍ من السور لما صح, ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كتبوها في المصحف سطراً مفصولاً عن
стр. 112
السورة ولو كانت منها لخلطوها في سائر آياتها كغيرها.
ومع هذا فلا تختلف النصوص عن أحمد أنها آية من كتاب الله في كل موضعٍ كتبت في المصحف, إلا في سورة النمل, فإنها بعض آية, ومن لم يقرأها فقد أسقط مائة وثلاث عشرة آيةً من كتاب الله, وهي آية مفردة أنزلت في أول السورة وإن لم تكن منها؛ لأن الصحابة ﵃ كتبوها في المصحف, فعلم أنها من القرآن, مع اعتنائهم بتجريده عما ليس منه, حتى عما فيه مصلحة من التعشير والتخميس والنقط [وأسماء] [السور] وغير ذلك.
وروى أبو داود عن ابن عباسٍ قال: «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لاَ
стр. 113
يَعْرَفُ فَصْلَ السُّورَةِ حَتَّى تَنَزَّلَ عَلَيْهِ بِسْم اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ» , وفي كتابة الصحابة لها في أول الفاتحة دون أول براءة, وكتابتها سطراً مفصولاً عما قبلها, دلالة واضحة علي ذلك.
هذه حقيقة المذهب, ومن تأمله علم الطريقة المثلى فيما اضطرب الناس فيه في شأن البسملة.
وطائفة من أصحابنا يحكون روايةً أخرى أنها بعض أيةٍ, وأنها ليست من القرآن إلا في سورة النمل, وربما اعتقد كثير منهم أن هذا هو المذهب, ظناً منهم أنا إذا قلنا: ليست من السورة, فقد قلنا: ليست من القرآن, وهذا غلط على المذهب توهَّموه عن مذهب غيرنا. والله أعلم.
стр. 114
فصل
السنة لمن قرأ سورة من القرآن: أن يقرأ في أولها البسملة, إلا في أول براءةِ, سواء ابتدأ السورة أو وصلها بما قبلها, إلا في الصلاة يخفيها, وخارج الصلاة إن شاء جهر بها, وإن شاء خافت, كالاستعاذة وسائر القرآن؛ لأن الجهر والمخافتة مؤقت في الصلاة, وليس مؤقتاً في غيرها, وأما في الصلاة فيخافت بها, إلا إذا قرن بين السورتين في التراويح ونحوها, ففيه روايتان:
إحداهما: لا يجهر بها كسائر الصلوات.
والثانية: إن جهر فلا بأس؛ لأن النافلة أخف من الفريضة, وإذا قرن بين السورتين كأن قد جهر بما قبلها, وما بعدها فألحُقت بذلك, بخلاف ما إذا كان قبلها سكوت أو مخافتة, فإنها تلحق به, وإن ابتدأ من أثناءِ سورة أو من أول براءة لم يستحب أن يقرأها؛ لأنها لم تكتب هناك, والمستحب أن تقرأ كما في المصحف في
стр. 115
مواضعها, وإنْ قرأها فلا بأس, بخلاف الاستعاذة فإنها مشروعة في أول كل قراءةٍ.
стр. 116
مسألة: ثم يقرأ الفاتحة, ولا صلاة لمن لم يقرأ بها, إلا المأموم فإن قراءة الإمام له قراءة, ويستحب أن يقرأ في سكتات الإمام وما لا يجهر فيه . هذا الكلام فيه فصول:
أحدها: في قراءة الفاتحة في الصلاة , أما قراءة الفاتحة في الصلاة, فهذا من العلم العام المتوارث بين الأمة خلفاً عن سلف عن نبيها ﷺ , وظاهر المذهب أن صلاة الإمام والمنفرد لا تصح إلا بقراءة الفاتحة, سواء تركها عمداً أو سهواً, وعنه: إذا صلي بآيةٍ واحدةٍ أجزأته. وقوله: «لاَ صَلاَةَ إِلاَ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» على طريق الفضل؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾ , وقال النبي ﷺ للأعرابي المسيء في صلاته: «كَبِّرْ ثُمَّ اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ, ثُمَ ارْكَعْ» , ولأن المفروض في
стр. 117
الصلاة هو القرآن بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ سمي الصلاة قرآناً, وإنما يعبر عن الشيء باسم بعضه إذا كان ركناً فيه, كما سمي ركوعاً وسجوداً وقياماً. وكذلك قوله: ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ إلى قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا﴾ وسائر الصورة دليل على أن الصلاة لا بد فيها من القراءة.
وقد روى أبو الدرداء أنَّ رجلاً قال: يَا رَسُولُ اللهِ أَفِي كُلِّ صَلاَةٍ قُرْآنٍ؟ قَالَ: «نَعَمْ» , وَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: «وَجَبَتْ هَذِهِ» رواه أحمد والنسائي وابن ماجة. وقال ﷺ : «إِنَّ صَلاَتَنَا هَذِهِ لاَ يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلاَمِ الآدَمِيِّينَ, إِنَّمَا هُوَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبِيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ» رواه مسلم وغيره.
وهذا يعم جميع القرآن, وكله كلام الله, فاستوى في انعقاد
стр. 118
الصلاة بما تيسر منه, كما استوى في جهة تلاوته وصحة الخطبة به, وإنما اعتبرت الآية كما اعتبرناها في الخطبة.
ومن أصحابنا من قال: إذا لم تشترط الفاتحة فعليه أن يأتي بسبع آياتٍ, وهل يشترط أن تتضمن قدر الحروف؟ على وجهين, وهو مع مخالفة النصوص فاسد الوضع؛ لأن اعتبار سبع آيات على إيجاب الفاتحة, فكيف يوجب مع القول بعدم وجوبها؟ والصحيح الأول؛ لما روى عبادة بن الصامت ﵁ أن النبي ﷺ قال: «لاَ صَلاَةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ» رواه الجماعة.
فإن قيل: هو محمول على نفي الفضل والكمال؛ لأن حقيقة الصلاة قد وجدت, فلا يمكن نفيها فلا بد من إضمار الإجزاء أو الكمال, إذ لا يمكن إضمارها؛ لما بينها من التنافي, ولأن المقتضي لا عموم له, فإن الإضمار أوجبته الضرورة, فيتقدر بقدرها, وليس أحدهما أولى, فتقف الدلالة, أو يحمل على الكمال؛ لأنه المتيقن, ولما قدمناه من الدلالة.
قلنا: بل المنفي حقيقة الصلاة؛ لأن الصلاة المطلقة في لسان الشرع هي: الصلاة المشروعة المأمور بها, وهذه لم توجد مع
стр. 119
عدم الفاتحة, كما لا توجد مع عدم الركوع والسجود, وإنما يتوجه مثل هذا الكلام في مثل قوله: «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأَ وَالنِّسْيَانَ» , وأما الأشياء التي تناول الاسم المطلق صحيحها دون فاسدها [فيكن رفع حقيقها قد ارتفعت حقيقته].
وأيضاً: فلو كانت حقيقة الصلاة موجودةً, لوجب حمل مطلق النفي على نفي الإجزاء والصحة, لأن الشيء إذا عدم إجزاؤه وصحته كان كالمعدوم في المعنى, فيحسن إطلاق النفي عليه؛ ويكون أولى بالنفي من الشيء الذي هو صحيح مجزئ.
وأيضاً: فإن نفي الشيء باعتبار انتفاء فائدته وجدواه طريقة معرفته في الكلام, بل قد صارت حقيقة عرفية, فيجب حمل الكلام عليها, ويحتاج حمله على انتفاء كمال وفضلية إلى دليل, وفي هذا جواب عما قالوه, وهذا إنما قلناه تأسيساً لغير هذا الموضع, وإلا فقد روي الحديث بلفظ ماض «لاَ تُجْزِي [صَلاَةٌ لاَ يُقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الكتاب]» رواه الشافعي والدارقطني وقال: إسناده صحيح.
стр. 120
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ : «أَمَرَهُ أَنْ يَخْرُجَ فَيُنَادِيَ: أَنْ لاَ صَلاَةَ إِلاَّ بِقِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَمَا زَادَ» رواه أحمد وأبو داود.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : «مَنْ صَلَّى صَلاَةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ, فَهِيَ خِدَاجٌ غَيْرُ تَمَامٍ». رواه الجماعة إلا البخاري, والخداج: النقصان في ذات الشيء.
فعلم أن الصلاة ناقصة في أركانها؛ لأنهم يقولون: خدجت الناقة: إذا ولدت قبل أيامها, وأخدجت: إذا ولدت ولداً ناقص الخلقة وإن تمَّت أيامه, وربما اجتمعا. ولم يرد النبي ﷺ نقص الأيام فقط؛ لأن ذلك لا نقص فيه حتى تشبه به الصلاة, فعلم أنه أراد الذي نقص خلقه, وقد فسر ذلك بقوله «غير تمام» ولأن النبي ﷺ جعل الفاتحة هي الصلاة, وقسمتها قسمتها, فإذا لم يقرأ الفاتحة لم تبق الصلاة المقسومة, فلم تبق صلاة أصلاً؛ لأنه أخبر بقسم مسمى الصلاة, ولأن الفاتحة اختصت من بين القرآن بكونها أم القرآن وفاتحة الكتاب والسبع المثاني والقرآن العظيم, ولأنه لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن
стр. 121
مثلها, إلى غير ذلك من الخصائص والمزايا, فلم يجز إلحاق غيرها بها, والقرآن وإن كان جميعه كلام الله, وبعضه أفضل من بعضٍ, كما أن آية الكرسي أعظم آيةٍ في القرآن, وقل هو الله تعدل ثلث القرآن, ويس قلب القرآن, ولا شبهة أن كلام الله الذي يذكر به نفسه ويتضمن أسماءه وصفاته أفضل من كلامه الذي يذكر به مخلوقاته, ولا خلاف بين الأئمة أن القرآن أفضل من التوراة والإنجيل , وهو المهيمن عليها, وفضل كل شيء بحسبه, ففضل الكلام قد يكون بحسب المتكلم به, كما قال النبي ﷺ : «فَضْلُ الْقُرْآنِ عَلَى سَائِرِ الْكَلاَمِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ» وقد يكون بحسب معانيه وما يتكلم فيه, وكلما كانت معانيه أشرف وأنفع كان
стр. 122
أفضل, ولهذا فضلت سورة الفاتحة والإخلاص وآية الكرسي وغير ذلك من القرآن على بعضه.
стр. 123
الفصل الثاني
أن المأموم لا تجب عليه القراءة, لا في صلاة السر ولا في الجهر, من غير اختلاف في المذهب, حتى كان الإمام أحمد بعد الخلاف في ذلك يقول: ما سمعت أحداً في الإسلام يقول: إن الإمام إذا جهر بالقرآن لا تجزي صلاة من خلفه إذا لم يقرأ, وقال: هذا النبي ﷺ وأصحابه والتابعون, وهذا مالك في أهل الحجاز, وهذا سفيان في أهل العراق, وهذا الأوزاعي في أهل الشام, وهنا الليث في أهل مصر, ما قالوا: الرجل [إذا] صلى خلف إمامه ولم يقرأ هو صلاته باطلة.
أما إذا جهر الإمام فالأدلة عليه كثيرة.
وأما إذا خافت فيدل عليه وجوه:
أحدها: ما روى موسى بن أبي عائشة قال: سألت عبد الله بن شداد بن الهاد عن القراءة خلف الإمام في الظهر والعصر, فقال:
стр. 124
صلى رسول الله ﷺ بالناس ورجل خلفه يقرأ, وبجنبه رجل فجعل يومئ إليه وينهاه, حتى عرف المنهي أنه ينهاه عن القراءة, فلما قضى رسول الله ﷺ الصلاة فقال المنهي: ما إقبالك علي؟ أتنهاني أن اقرأ القرآن؟ فقال: أتقرأ ورسول الله ﷺ إمامنا؟ فقال المنهي؟ يا رسول الله, إن هذا ينهاني أن أقرأ خلفك, فقال رسول الله ﷺ : «مَنْ كان له إمام فقراءته له قراءة» رواه سعيد وأحمد وغيرهما, وهذا حديث معروف ثابت عن موسى بن أبي عائشة, وقد أسنده بعضهم عن جابر, والمشهور عنه مرسلاً لوجوه:
أحدها: أن الذي أرسله احتج به, فلولا أنه قد حدثه به ثِقة ما جاز الاحتجاج به, وهو من كبار التابعين.
стр. 125
الثاني: أنه قد عضده أقوال الصحابة, كما سيأتي وذلك نص وحجة على من لا يقول بالدليل المجرد.
الثالث: أنه روي من غير هذا الوجه, (فليعتضد به ما يعضده).
الرابع: أنه شهد له ظاهر الكتاب والسنة.
الخامس: أن الإمام أحمد وابن ماجة رواه من حديث جابر الجعفي عن أبي الزبير عن جابر عن النبي ﷺ أنه قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَتُهُ لَهُ قِرَاءَةٌ» رواه الدارقطني من حديث ليث وجابر عن
стр. 126
أبي الزبير وجابر الجعفي: قد وثقه سفيان وشعبة, وقال أحمد: لم يتكلم فيه لحديثه, بل لرأيه, وليث قد حدث عنه الناس, وقد تكلم فيهما بالجملة, لكن الحديث محفوظ عن جابر, رواه مالك عن وهب بن كيسان عن جابر قال: «مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ».
فإذا كان للمستمع أجرين وللقارئ أجر, فلا حاجة إلى
стр. 127
........................
стр. 128
القراءة معه, ولأنه إذا قرأ مع جهر الإمام نازع الإمام القراءة وخالجه إياها, وربما منع من يليه من كمال الاستماع والإصغاءِ, وفاته هو الاستماع والإنصات, ولم يكد يفقه ما يقرأه من أجل إسراعه بالقراءةِ, واشتغاله بقراءةِ الإمام, ومثل هذا لا يكون مشروعاً إلى التحريم أقرب منه إلى الاستحباب أو الإيجاب, ولأن القراءة في حال الجهر منهي عنها, والاستماع واجب فكيف يترك ذلك لقراءة الفاتحة وهي مستحبة للمأموم؟ ولأن حقيقة
стр. 129
المؤتم هو المتبع المقتدي للإمام في أقواله وأفعاله, كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ أي استمع له, فإذا لم يفهم ما هو فيه كان كالحمار يحمل أسفاراً, وإلى هذه المعاني أشارت الصحابة رضوان الله عليهم, وما اعتل به بعض أصحابنا من الخروج من الخلاف, ففيه أجوبة:
стр. 130
أحدها: أن السنة إذا تبينت تعين اتباعها, ولم يقدح في حرمتها خفاؤها على بعض الأئمة, ولهذا نظائر كثيرة, ذكرنا بعضه في باب التيمم.
الثاني: أن الخلاف هنا شاذ مسبوق بالإجماع قبله.
الثالث: أن الخروج من الخلاف في هذه المسائل لا سبيل إليه, فإن أكثر الناس ينهون عن القراءَةِ ويرون ذلك مما ينتقص
стр. 131
الصلاة, فرعايتهم في الاختلاف أوْلى.
وأما الحديث المذكور فقد ضعفه الإمام أحمد وغيره وقال: لا يصح عندنا, وقد وقفه رجاء بن حيوة على عبادة, وهو أشبه بالصحة, والإسناد الذي وقفه الدارقطني قد طعن فيه جماعة, وبالجملة فإسناده لو تجرَّد عن معارضٍ لكان مقارب الحالِ, لكن [اختلاف] الرواة في الإسناد وقفاً ورفعاً, ومن وقفه أوثق ممن رفعه, واختلافهم في رجاله أوجب علةً في الحديث مع
стр. 132
معارضة الأحاديثِ التي هي صحيحة.
وبكل حالٍ فما صح في هذا المعنى عن النبي ﷺ أو عن أصحابه فمعناه -والله أعلم-: لا تقرؤوا في صلاة الجهر إلا بأم الكتاب في حال سكتاتِ الإمام, لا في حال جهره؛ وذلك لأن النبي ﷺ كان له سكتتان أو ثلاثة, تتسع لقراءة الفاتحة فيها, فلا يحتاجون إلى القراءة في غيرها, ولذلك قصرهم على الفاتحة؛ لعلمه بأن زمن السكتات لا يتسع لغيرها, بخلاف صلاة السر, فإنها تتسع لأكثر من ذلك, ولهذا قال أبو سلمة: «للإمام سكتتان, فاغتنم القراءة فيهما» أو لعل هذا كان مقصوده, فرواه بعض الرواة بالمعنى, وبين ذلك أن قراءة غير الفاتحة لا تشرع في
стр. 133
حال جهر الإمام, مع أنه سنة مؤكدة للإمام والمنفرد, فإذا نهى عن هذه السنة المؤكدة وسقط, اعتياضاً بالاستماع الواجب, جاز أن تسقط الفاتحة الواجبة, اعتياضاً بالاستماع الواجب.
وحمل بعضهم القراءة خلف الإمام على الحال الذي كانوا يقضون ما فاتهم ثم يتابعون الإمام, ثم نسخ ذلك.
стр. 134
فصل
فأما القراءة في حال إسرار الإمام: فتستحب؛ لأنه غير مشغولٍ عنها باستماع, ولا يشغل غيره عن الاستماع, والسكوت في الصلاة غير مشروع, ولأن تلاوة القرآن في الصلاة من أفضل الأعمال, فهي أولى بالاستحباب من غيره, ولأن الإمام إذا أسر يحتمل أنه لا يقرأ لنسيان أو غيره, فلا يسقط الفرض عن المأموم حتى يقرأ لنفسه, والقراءة في حال الجهر إنما جاءت لأنها تشغل عن الاستماع, وتوجب منازعة
стр. 135
الإمام, وهذا مقصود في الإسرار, وقد روى عمران بن حصينٍ: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ فَقَرَأَ رَجُلٌ خَلْفَهُ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى, فَلَمَّا صَلَّى قَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى» فَقَالَ رَجُلٌ أَنَا قَالَ: «قَدْ عَرَفْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا» متفق عليه, ومع هذا لم ينهه عن القراءة كما نهى عن القراءةِ معه في حال الجهر, ولعل هذا الرجل قوَّى قراءته حتى صار ينازع النبي ﷺ , وإلا مجرد القراءة ليس فيها منازعة, كما لا منازعة في تسبيحتي الركوع والسجود والتشهدين, وقد تقدم عن علي
стр. 136
وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمرو وغيرهم القراءة خلف الإمام بما زاد على الفاتحة, وبعضهم كره ذلك في حال جهر الإمام.
فأما كراهة القراءة مع انتفاءِ هذه المفاسد, فبعيد.
وبعضهم كره ذلك لمن يقرأ خلف الإمام, معتقداً أنه لا بد من قراءته في صلاة السر, ومن روى عن الصحابة في ذلك من الترك: فبعضهم أراد به الاجتزاء بقراءة الإمام دون كراهة القراءة للمأموم.
стр. 137
.................
стр. 138
وقد قال الترمذي: أكثر أهل العلم من الصحابة والتابعين يرون القراءة خلف الإمام.
стр. 139
فصل
ويستحب أن يقرأ في صلاة السر بفاتحة الكتاب وسورة كالإمام, وكذلك في صلاة الجهر إن اتسعت السكتات لذلك, وإلا اقتصر على الفاتحة, فإن كان لا يسمع قراءة الإمام في حال الجهر؛ لكونه بعيداً, لم تكره له القراءة في ظاهر المذهب المنصوص عنه, بل تستحب, وحكي عنه أنه يكره؛ لعموم الأمر بالإنصات, لقوله: «لاَ يَقْرَأَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إِذَا جَهَرْتُ بِالْقِرَاءَةِ» , والأول أصح؛ لأنه في معنى: من لا يسمع قراءة الإمام لسكوته وإسراره, ولأن الأمر بالإنصاتِ إنما يكون للمستمع, وكذلك قوله: «لا يقرأن أحد منكم معي إذا جهرت» إنما يكون لمن يعلم الجهر, ومسجد النبي ﷺ كان صغيراً يبلغ صوت الإمام إلى عامة من فيه, فإن سمع هممة الإمام أو شيئاً يسيراً, مثل الحرف بعد الحرف, فهل يقرأ؟ على روايتين:
إحداهما: لا يقرأ؛ لأنه سامع في الجملة, ولأن بقراءته ربما
стр. 140
خلط على من يليه, ممن يمكن استماعه, وربما ارتفع صوت الإمام فسمع أكثر, وهذه الرواية أشهر عنه, فإن كان لا يسمع القراءة لطرشه وبعده.
وروى عبيد الله بن أبي رافع قال: كان علي يقول: «اقْرَءُوا فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ خَلْفَ الإِمَامِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةٍ» رواه النجاد, والدارقطني وقال: هذا إسناد صحيح.
وعن عبد الله بن أبي الهذيل قال: سألت أبي بن كعبٍ: اقرأ خلف الإمام؟ قال: «نعم» ورواه النجاد عن عبد الله بن مسعود ﵁: «أنه قرأ خلف الإمام في الظهر والعصر في الركعتين بفاتحة الكتاب وسورة».
وعن مجاهد: «سمع عبد الله بن عمرو يقرأ خلف الإمام في الركعتين في الظهر والعصر بفاتحة الكتاب وسورة».
وقال أبو السائب: قلت لأبي هريرة: إني أكون أحياناً وراءَ
стр. 141
الإمام, فقال: «اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسِيُّ».
وقال أسامة بن زيدٍ الليثي سألت القاسم بن محمد عن القراءة خلف الإمام فيما يجهر به الإمام, فقال: «إن قرأت فلك أسوةٌ برجالٍ من أصحاب النبي ﷺ , وإن تترك فلك أسوة برجالٍ من أصحاب النبي ﷺ ».
وقال مجاهد: «صليت إلى جانب عبد الله بن عمرو, فسمعته يقرأ خلف الإمام في صلاة الظهر من سورة مريم» وفي رواية: «كان ابن عمر لا يقرأ» رواهما سعيد.
стр. 142
قلنا: ليس في شيء من الحديث عنهم أنهم أوجبوا القراءة على المأموم, وإنما كان بعضهم يستحب القراءة, ويراها, وبعضهم لا يستحبها, وبعضهم لا يفعلها, كاختلافهم في الصوم والفطر في السفر, ولو كانت القراءة واجبة على المأموم وجوبها على الإمام, لأفصحوا بذلك وبينوه, ولم يفسروا حديث النبي بأن قراءة الإمام تكفي المأموم.
وأيضاً: فلعل من شدَّد في ترك القراءة لما بلغه أن أناساً يرونها واجبةً, حتى إنهم يقرؤون مع جهر الإمام, فبالغ في الإنكار عليهم, بأن أمر بتركها بالكلية؛ ليتبين للناس أنها ليست واجبة, كما أمر بعضهم من صام في السفر بالقضاء, لما رأى منه تعظيماً للفطر في رمضان, وضرباً من الغلو في الدين, وكما أنكر بعضهم على من يرى الاستنجاء بالماء؛ لما رأى من محافظتهم على الماءِ
стр. 143
محافظة من يعتقد وجوبه, وكما قال بعضهم: «صلاة السفر ركعتان, من خالف السنة كفر» يعني: من اعتقد أن ركعتين لا تجزيانه, وهذا كثير في أمورهم, ومن أمر بها فلعله لما رأى من رغبة بعض الناس عن القراءةِ بالكلية, كما [يؤمر] الناس بالسنن المستحبة.
وأيضاً: فلو كانت القراءة على المأموم واجبة, لأنكر من فعلها على من يتركها, كما أنكر من تركها على من فعلها, والمأثور عنهم مجرد الفعل لا الإنكار على التارك.
الرابع: أن المأموم إذا أدرك الإمام راكعاً فقد أدرك الركعة, كما قال النبي ﷺ : «مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ» وكما
стр. 144
في حديث أبي بكرة حين ركع والنبي ﷺ راكع, وكما كان الصحابة يفعلون ذلك, ولو كانت واجبة على المأموم لم تسقط بفوات محلها, كالركوع والاعتدال عنه وسائر الأركان.
الخامس: أن الإمام وافد المصلين إلى الله تعالى, كما قال النبي ﷺ : «اجعلوا أئمتكم خياركم, فإنهم وفدكم فيما بينكم وبين الله» , والمفروض من القراءة هو قراءة الفاتحة, ونصفها ثناء على الله ونصفها دعاء للعبد, والوافد هو: لسان القوم فيما يأتي به من ثناءٍ, ولذلك جاء الدعاء فيها بصيغة الجمع في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ولذلك قال النبي ﷺ : «من أم قوم فخص نفسه بدعاء دونهم فقد خانهم» وهذا إنما يكون فيما يفعله
стр. 145
الإمام عن نفسه عن المأمومين, ولذلك قال: «الإِمَامُ ضَامِنٌ».
السادس: أن الإمام خص بالقراءة في قوله: «يَؤُمُّ الْقَوْمَ
следующие страницы →