فُتح المتجر الكبير والمصرف الشهير؟ هل رأيتم في هذا الشعب الفقير من يشكو البطالة أو يتألّم من الجوع؟ قد عزلتم الحرّاس وسحبتم الخفراء، وأطلقتم الجياع على مخازن الأموال وصناديق الذهب، فهل رأيتم يداً تمتدّ إلى مال؟ ألم يُضرِب اللصوص عن السرقة كما أضرب التجّار عن البيع والناس عن الشراء؟ هل رأيتم في هذا الشعب من يأكل اللحم والحلوى وجارُه لا يجد الخبز؟ ألم يواسِ الغنيُّ الفقيرَ؟ ألم يتساوَ الناس في الصبر والتقشّف؟ ألم يفتح الأطفال صدورهم للرصاص؟ ألم يصمد الفتية العُزْل للجيش اللجب لا يزولون حتى يزول عن مكانه هذا الجبل، ثم يصدمون الجيش صدمة الندّ للندّ، ثم لا تنجلي المعركة إلاّ عن حقّ يظفر ومجد يُؤثَر، أو شهيد منّا يفوز بالجنة وقتيل منكم يُعجّل به إلى النار، أو أسير يُنقَل إلى القلعة ليُعذَّب؟
وكان ممّا قلت فيها: ألم يجاهد الطفل الصغير والمرأة العجوز والشيخ الفاني؟ ألم تمتلئ السجون (والخطاب كله للفرنسيين) بالأبرياء، ألم تضِق المقابر بالشهداء، فهل تكلّم تاريخكم في آذانكم؟ هل عرفتم لهذا الشعب حقّه؟ هل قدّرتم له تضحيته، هل رفعتم قبّعاتكم حينما مرّت بكم مواكب شهدائه وخشعت قلوبكم حينما رأيتم سيل دمائه؟ هل نسيتم ما كنتم تدّعونه كذباً من أن أجدادكم هم الذين أعلنوا حقوق الإنسان وغسلوا بدمائهم صفحة الاستبداد والاستعباد، فجئتم في قرن العشرين (١) تهدمون ما بنى أجدادكم وترجعون بالعالَم إلى الوراء
стр. 1017
قروناً ثلاثة؟ أم قد نسيتم ما كتبه روسو وفولتير ومونتسكيو وما قال ميرابو وسييس ولافاييت، وما جهرَت به فرنسا من أنها نصيرة الشعوب وأم الحرّية ومُعينة المظلوم؟ أفي قرن العشرين الذي قالوا إنه قرن النور والحضارة فلم نرَ من نوره إلاّ بريق البارود ولهيب النار، ولم نُبصِر من حضارته إلاّ البنادق والدبابات والحرائق التي شملَت ثلث دمشق، أقدم وأجمل مدن الدنيا؟
ليس الشعب السوري عدواً للتاريخ الفرنسي؛ إن فيه من يُعجَب بأبطاله الذين رفعوا منار الحرّية، ومن يحب الأدب الفرنسي ويحفظ ما فيه من الشعر الوطني والخطب القومية، ولكنه لا يحبّ من ينازعه حقّه في الحياة والحرّية، لا يحبّ من يسلبه أرضه ويضع المسدس على صدغه. فهل هو مَلُوم في هذا؟ هل في الدنيا أمة تحبّ من يسطو على حرّيتها؟ هل في الأرض عاقل يحبّ من يغلبه على داره وينتزع منه أمواله ويتحكّم في نفسه وأهله؟
هل تحبّون من ينازعكم أرضكم وبلادكم؟ فعلامَ إذن لا تُعطُون من الحقّ مثل ما تأخذون لأنفسكم وتُعطُون الناس أجمعين؟ ألأننا لا نستطيع أن نخاطبكم بلغة المدفع؟ ألأننا لا نملك جيش فرنسا وأسطول إنكلترا؟ ألأن حقّنا لم يؤيَّد بالقوّة؟ فأين إذن مبادئ ثورتكم التي علّمتمونا إيّاها في المدارس؟ وأين حقوق الإنسان التي زعمتم أنكم أعلنتموها؟ إن الضعف ليس عاراً ولكن الجبن هو العار، ونحن ضعاف ولكننا لم نجبن أبداً ولا نعرف ما هو الجبن. نحن مغلوبون على أمرنا ولكنّا لم نذلّ أبداً ولا ندري ما هو الذلّ، إننا نعرف كيف نموت كِراماً إذا نحن
стр. 1018
عجزنا أن نعيش كراماً، إننا اليوم لكما قال مليككم فرانسوا الأول في رسالته إلى السلطان العثماني، أقوى ملوك أوربّا يومئذ، التي كتبها يستنصره فيها: "قد خسرنا كل شيء إلاّ الشرف". ومن يملك الشرف فقد ملك كل شيء.
* * *
стр. 1019
-٨٦ -
في وداع عام فات ... واستقبال عام آتٍ
رفعت رأسي فجأة إلى التقويم فنظرت فيه وجمد بصري عليه. أمن الممكن هذا؟ أيحدث هذا كله في هدوء: يموت في هذه الليلة عام ويُولَد عام؛ يمضي الراحل بذكرياتنا وآلامنا وآمالنا إلى حيث لا يعود أبداً، ويُقبِل القادم فاتحاً ذراعَيه ليأخذ قطعة من نفوسنا وجزءاً من حياتنا، ولا يُعطينا بدلاً منها شيئاً؟ وهل الحياة إلاّ أعوام فوق أعوام، وهل النفوس إلاّ الذكريات والآلام؟
وجلست بين المولد والمأتم، أفكّر وأتذكّر وأحلم. لقد تعوّدت أن أجلس هذه الجلسة كلّما انصرم عام، أصفّي حسابي مع الحياة؛ أنظر ماذا أخذَت وماذا أعطت، وأراقب هذه القافلة من السنين التي بدأت مسيرها منذ بدأ الزمان، ولست أدري متى بدأ الزمان، والتي تنتهي إلى حيث لا يدري أحد إلاّ الله. كنت منذ سنة ١٩٢٨ أكتب دأَباً مقالة كلّما وُلد عام جديد، أرثي فيها العام الذي ولّى وأستقبل الذي قدم. كان الذهن كالمصباح المتوقّد، فجفّ فيه الزيت وخَبَت الشعلة وقارب الانطفاء. كان طريق الأمل أمامي ممتداً فسيحاً، لا تعترضه العوارض ولا تحدّه الحدود،
стр. 1020
فضاق الطريق وقامت فيه العقبات وتوعّرَت فيه الأرض، حتى بتُّ أرقب أن تأتي الساعة التي أراه فيها مسدوداً فلا أمشي بعدها أبداً.
استمررت طول هذه السنين أكتب في مطلع كلّ سنة، أسمو في بعض ما أكتب فآتي بالمعجِب المطرِب، وأهبط في بعضه فأقول كلاماً يمسّ آذان سامعه ولا يصل إلى قلبه. أقرّ بهذا بلساني قبل أن يَصِمَني به غيري. ومَنْذا (١) يجوّد دائماً؟ حتى النسر الذي يحلق في الجِواء (٢) ويضرب بجناحَيه في أعالي الفضاء، يسفّ أحياناً حتى ليكاد يلمس بهما الأرض.
ولقد فتّشت فيما تحت يديّ الآن ممّا كتبت في مطالع الأعوام فلم أجد إلاّ القليل، أكثره قد ضاع فيما ضاع ممّا كتبت ونشرتُ، وبقيَت قطعة عنوانها «نشيد الوداع»، ليست عندي الآن وأظنّ أنها في كتابي «هتاف المجد» (٣)، فقلتُ: أعرض على السادة قرّاء «الشرق الأوسط» ما تحت يدي ليكون دليلاً عليها ونموذجاً منها، ولأنه فصل من فصول هذه الذكريات.
كان ممّا وجدت منها مقالة كتبتها في بغداد في مطلع عام ١٩٣٧، وكنت أعمل فيها مدرّساً للأدب العربي في الثانوية
стр. 1021
المركزية، وأحاضر أحياناً في دار المعلّمين العليا وأدرّس في دار العلوم في الأعظمية (وهي كلّية الشريعة الآن)، وهي في دار قَوراء واسعة جميلة ذات أشجار ملحَقة بمسجد أبي حنيفة، وأنام فيها وحدي. فأرِقتُ ليلة رأس السنة وطار النوم من عينَيّ، وجلست أفكّر فيما مضى من عمري، فخطرَت لي خواطر جمعتها في مقالة كان عنوانها «بيني وبين نفسي»، نُشرت في الرسالة في مستهلّ ذلك العام، قلت فيها:
نظرت من النافذة فإذا كل شيء أراه نائم، هذه النخلة التي تقوم حِيال شبّاكي، وقبّة الأعظمية التي تبدو من ورائها، ودجلة التي تجري صامتة مَهيبة، والقمر الذي يغسل ماءها بشعاعه. وإذا على الطريق شبح يسير منهوكاً. على الطريق الذي لا يمتدّ في سهل ولا وعر، ولا يسير على سفح جبل ولا شاطئ بحر، ولا يسلك الصحراء ولا يخترق البساتين، ولكنه يلفّ السهل والوعر والجبل والبحر والصحراء والبساتين، وكل ما تحتويه ومن يكون فيها.
على الطريق الطويل الطويل، الذي يلوح كخطّ أبيض يغيب أوله في ظلام الأزل ويختفي آخره في ضباب الأبد. رأيت شبحاً يسير على طريق الزمان، وسمعت صائحاً يصيح بالدنيا النائمة: تيقّظي، إن العام يرحل الآن.
ففتحَت النخلة عينيها ونظرَت، فلما رأته قالت: قد رأيت عشرات مثله تأتي وتذهب، فلم تبدّل شيئاً. الفأس لا تزال باقية، والإنسان لا يزال ينتظر تمري ليسلبني هذا التمر، ثم إذا قنط منّي
стр. 1022
كافأني بلذع النار وجعلني وَقوداً لها. فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضَت النخلة عينيها فنامت ولم تكترث.
ونظرَت القبّة، فلما أبصرَته قالت: قد رأيت مئات مثله تجيء وتروح ولم تبدّل شيئاً، فهذا النخيل قائم حولي كما كان، والشمس تطلع عليّ كل يوم وتغيب، والنجوم تسطع فوقي كل ليلة، والأرض تنتظرني، تريد أن أهرم فتأخذ أحجاري إليها وتأكلني. كل شيء على حاله لم يتبدّل إلاّ الإنسان: كان الخليفة يمشي تحتي ويخطر بين أساطيني في حُلَل المجد وأردية الجلال، إن أمر أطاعت الدنيا، وإن نادى لبّى الجميع، وإن مال مالت الأرض، وكان الناس يطوفون به أجلّة أمجاداً عبّاداً أذلّة لله وملوكاً أعزّة على الناس، فأصبحت وحيدة منعزلة لا أرى إلاّ هذه الفئات من العامّة المساكين الذين تعرّوا من كلّ جاه إلاّ جاه العبادة، وحسبكم به من جاه، ومجد إلاّ مجد الآخرة وهو أعظم الأمجاد، فما لي وللعام الراحل؟ وأغمضَت عينيها وعادت تحلم ولم تكترث.
وتنبّهَت دجلة ونظرَت، فلما رأته قالت: قد رأيت مثله ألوفاً تمرّ في هذا الطريق فلم تعمل في الكون شيئاً، ولم يتغير إلاّ الإنسان. كانت تقوم على شاطئيّ القصور الفخمة، تتوّج هامَها العظمةُ ويحلّ أرجاءها الجلال، ويمثل في أبهائها المجد ويقف على بابها التاريخ، يصدر عنها ويكتب حديثها، وتنبثق منها أشعة الحضارة والفنّ، وتسطع منها أنوار العلم والأدب، وتُشرِق منها أشعّة الخير والدين، وتومض في شرفاتها وأروِقتها العمائم التي كانت على أشرف رؤوس وأحفلها بالفضائل والعلوم. فما الذي
стр. 1023
بقي من ذلك اليوم؟ بقيَت القصور ولكن ذهبَت الخلافة وباد المجد، بَيد أن ذلك لن يدوم، إن طريق الزمن لا يزال مسلوكاً. ثم صمتت وعادت تجري كما كانت تجري، ولم تكترث.
وأنصت القمر وأطلّ ينظر، فلما رأى العام الراحل قال: لقد رأيت ملايين مثله، وقد مللت مرّ السنين وكرّ العصور، فما لي وله؟ وعاد يفيض نوره على الكون ولم يكترث، وبقيت وحدي.
بقيت وحيداً فنظرت في نفسي. لقد صحبت تسعاً وعشرين قافلة من قوافل الزمان، فهل اقتربت من آمالي؟ هل دنوت من الغاية التي أسعى إليها في سفري؟ ثم سألت نفسي: ما هي الغاية التي تسعين إليها؟ أتسيرين إلى غير ما نهاية؟ كلّما مرّ عام تعلّقتِ به فسرتِ معه حتى يضيق بك عام من الأعوام فيقذف بك إلى وادي الموت. ألا تعلمين إلى أين المسير؟
والمقالة طويلة، تجدونها في كتابي «صور وخواطر».
* * *
وفي مستهلّ عام ١٩٣٨ كنت مدرّساً في الكلّية الشرعية في بيروت التي تُدعى الآن «أزهر لبنان»، فكتبت مقالة طويلة فيها فلسفة وفيها فكر وفيها شعور، وفيها كلام جميل فارغ من الشعور ومن الفكر. وصفت فيها كيف دقّت الساعة آخر دقاتها في عام ١٩٣٧ وانتهت بانتهائها الدروس في ذلك اليوم، فابتدر الطلابُ الأبوابَ وبقيت وحدي أصغي إلى خرير نهر الزمان من وراء جدار الصمت.
стр. 1024
وكانت الكلّية الشرعية (كما سيأتي في هذه الذكريات إن شاء الله) في عمارتين في آخر «البَسْطة»، قرب مدرسة المَقاصد. وكنت أنام وحدي ليس فيهما غيري، فطال سهري تلك الليلة، وضاق صدري ولم أعُد أستطيع البقاء، فخرجت فركبت الترام إلى ساحة البرج.
ساحة البرج الآن -كما سمعت- خراب يَباب، موحشة في النهار مظلمة في الليل، قد صارت عماراتها أنقاضاً تعشّش فيها البوم والغربان، تعشّش حقيقة لا رمزاً كما يقول الشعراء، لا يعيش فيها إنسان. وقد كانت يومئذ لُبّ البلد، يؤمّها طلاّب المال والهائمون بالجمال، والذين يحبّون أن يتسلّوا، ما لهم أعمال. اجتمعَت يومئذ المُتَع فيها ولكنْ نَأَت التقوى عنها. كانت تقوم وراء بيوتها، على بُعد أمتار معدودة من وسطها بيوت البغايا شامخات كالقصور، سابحات بالنور، على أبوابهنّ لوحات كبار بأسمائهن كما تُعلَّق اللوحات على أبواب المحامين والأطباء والتجّار! كفرت بأنعُم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف.
وما أقول هذا شامتاً، فهي بلدي. أأشمت ببلدي؟ ولكن أقوله ليتوب الغارق بالمعاصي ويؤوب، وليعتبر من لا يزال على الشطّ لم يدنُ من اللجّ ولم يدركه بعدُ الغرق. وأشهد لقد دخلت عشرين بلداً من بلدان أوربّا، كنت أرى منها ما يراه الماشي في الطريق، لا أدخل الزوايا ولا أكتشف الخبايا، فما رأيت في واحدة منها مثل الذي كنت أراه وأنا أمشي في بيروت ممّا لا يرضاه الله ولا تُقِرّه أطهار الناس.
стр. 1025
فإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ونسأله أن يجعل ما قاست درساً نافعاً لها، درساً كافياً لا تحتاج إلى غيره، تحسن الاستفادة منه والانتفاع به، وأن يكشف عنها الغمّة وأن يعيد إليها الأمن والسلام والنعمة.
أعود إلى المقالة: مشيت وحدي في ساحة البرج نصف الليل فلم أجد إلاّ أعقاب السابلة، ولم أجد إلاّ السكارى وأنصاف السكارى، فضجرت وضاق صدري وملأ نفسي الشعور بالوحشة، وأحسست فراغاً مخيفاً، فتركت ميدان البرج يضحك بالكهرباء ويرقص على الألحان التي تنسكب على الميدان من ذرى البنى الرفيعة فتغمره بجوّ الفتون، وتركت الناس يحتفلون بعيد رأس السنة، لا يتأملون معاني الوجود وفلسفة الوجود وحقيقة الزمان، بل يبتغون المُتَع الرخيصة واللّذائذ الواطية في هذه المراقص الخليعة الغارقة في الخمر والعهر. ويمّمت شطر البحر، أمشي في الطرق المظلمة المنعزلة الخالية، لعلّي حين فقدت الأنس بالناس أجد الأنس بالطبيعة.
نفضت يدي من البشر ولجأت إليها لأجد عندها أُنس نفسي وراحة قلبي، أنظر إليها فتمّحى هذه الأبعاد والمسافات التي تفصل بيني وبين أهلي، وتبدو لعيني حافلة بالألوان، ألوان الطبيعة التي لا يستطيع أبرع مصوّر أن يجمعها في لوحة. ومَن لَعَمْري يصوّر ألوان الغروب أو ألوان الزهر في الروض، أو يثبتها على لوحة بالألفاظ والأوزان أو بالأصبغة والألوان؟
والتصوير والأدب لغتان تعبّران عن الحقيقة الواحدة؛ إن
стр. 1026
الطبيعة أبرع في الألوان ولكن الفنّ البشري أبرع في الأصوات، والطبيعة ليست موسيقية فنّانة ولكن عندها من الألوان ما لا نهاية له. هذا الذي قدّره الله عليها وكتبه لها. هل في الطبيعة من الأصوات إلاّ هدير الموج وخرير النهر وحفيف الأشجار وتغريد البلابل وسجع الحمام وقصف الرعد؟ هذه موسيقاها، ومِن هنا كانت الموسيقى البشرية أسمى الفنون لأنها ابتكار وتجديد، على حين الأدب والتصوير تقليد.
وقعدت على شاطئ البحر ساعتين، وإذا بالمطر يتساقط على وجهي ويدي. فنظرت فإذا السحب قد نسجَت في السماء ليلاً آخر، وإذا المطر يهبط متلاحقاً ثم يستحيل بَرَداً طيّاشاً، ثم تهبّ الريح وتُجَنّ الطبيعة جنونها. فلبثت مكاني لا أبالي بها، لأنني تصورت سعة هذا الكون العظيم الذي خلقه ربنا العظيم فرأيت البحر نقطة في عين زُحَل أو المشتري، ورأيت زُحَل أو المشتري نقطة في عين نجم من هذه النجوم التي لا يزيد مرآها عن نقطة مضيئة في قبّة الفلك، فتركتها وانصرفت إلى نفسي أفكر.
إن العام يتَصَرّم وليس حولي صديق أطمئنّ إليه وأحمل معه أعباء الوداع، وأشاركه دمعة يذرفها معي على الفقيد الراحل وبسمة يمنحها هذا المولود الجديد. لقد انتظرت أن تشعر الطبيعة بي، وأين -لَعَمْري- مكان الشعور من الطبيعة؟
أنا أشعر بجمال الربيع، ولكن هل يشعر الربيع بجمال نفسه؟ لقد رأت الكونتيسة دي نواي في الطبيعة مخلوقاً حياً ذا شعور، فعانقت الصباح وجالسَت المساء، ولكن ماذا رأى الصباح
стр. 1027
والمساء في الكونتيسة دي نواي؟ هل يفرّق الربيع بين الفتاة تقطف الزهرة لتقدّمها بفمها إلى زوجها الحبيب ليشمّها ويقبل الفم، والبقرة تقطف الورقة لتملأ بها معدتها؟ وأنت أيها الجبل ... كم رأيت من الفواجع التي تفتّت الأكباد وتذيب القلوب، فهل شعرت بشيء منها؟ هل حزنتَ؟ هل تألمتَ؟ أشعَرْتَ يوم عصفَت الأثَرة برؤوس نفر من القُوّاد من ثلاثين سنة فأطفؤوا بأفواههم شعلة السلام وملؤوا العالم ظلاماً، ونزعوا الرؤوس من أكتاف أصحابها ثم نهضوا يبنون من جماجمهم مجدهم في التاريخ، فلما امتلأت الأرض بالجثث وغُسلت بالدموع وتجلببَت بالآلام والأوجاع والثكل واليُتم، ولمّا سهرَت الأمهات يبكين أبناءهن الذين ضاعت قبورهم كما ضاعت أسماؤهم، وعكف الأطفال يهتفون «بابا»، ينادون مَن ليس يُجيب، كان القُوّاد العظماء يحتفلون بالظفر! أشعرت بشيء من ذلك يا أيها الجبل؟ أشعرت بالأرامل والصبايا والأطفال يفتّشون عن الخبز، الخبز الأسود، فلما لم يجدوه توسّدوا رِجلك (رجل الجبل) ونظروا إليك صامتين ثم ماتوا جائعين، كما مات ألوف وألوف في سبيل مجد القوّاد الظافرين (١)؟
وكم رأيت يا لبنان من متع الحب، وكم أوى إليك العاشقون فاستظلوا بظلك وتعانقوا بِحجْرك، وشربوا خمر العيون وسكروا بنجوى الحبّ! أهاج ذلك عاطفتَك يا لبنان؟ أَحرّك قلبك كل ذلك
стр. 1028
أيها الجبل التيّاه الذي يخطر بحلله الخضراء الزاهية ويتيه بعطره الخالد؟ فأين هو مكان الشعور من الطبيعة؟
وأنت أيها البحر الرقيق السيّال، هل أنت أرهف شعوراً وأرقّ عاطفة؟ أيحزنك منظر البؤس والشقاء وأنت تلتهم الأحياء وتخنق البشر وتفتح فاك لابتلاعهم؟ أأنت ذو الشعور؟ أين هو الشعور؟ وأين أجد العاطفة في الطبيعة؟ أأبتغيها في البركان الهائل المُحرق أم في العاصفة العاتية المدمّرة؟
لقد أيِسْتُ من الطبيعة كما أيِسْتُ من البشر، فلمن ألجأ؟ لمن ألجأ، ويحك يا نفس، وهذا العام يوشك أن يموت؟
فعجزَت النفس ولم تُجِب، وانطلق العقل يتفلسف فقال: إن في الطبيعة لَحِسّاً وتمييزاً. ضع ذرّة واحدة من الفحم وخمساً من الأيدروجين يأخذ الفحم أربعاً ويدع الواحدة، ومهما ضاعفْتَ العدد تبقى النسبة ثابتة، أفليس هذا دليلاً على أنّ الجماد يميز؟ وضَع الذهب بين عشرة معادن وألقِ عليها الزئبق، فإن الزئبق يعانق الذهب ويدع كل ما عداه. أفليس في هذا دليل على أنّ في الجماد عاطفة وشعوراً؟ وانظر لنفسك: إنك لا تحسّ حرارة الجوّ ولا ضغط الهواء إلاّ إذا اشتدّ وزاد، ولكن ميزان الحرارة (التيرمومتر) ومقياس الضغط (البارومتر) يحسّان بهما، أفليس هذا دليلاً على أنّ الجماد أرهف حساً من الإنسان؟
ولكني لم أنتبه لهذا الذي قال العقل. ونظرت إلى البحر فقلت: ما البحر؟ ما الطبيعة؟ أنا لا أرى إلاّ هذا العالم المادّي، ولكن ماذا وراء المادّة من عوالِم؟ إن الروح أول محطّة في
стр. 1029
طريق هذه العوالِم، فهل استطعنا أن نبلغها؟ إن العقل البشري يمشي إليها منذ بدأ صناعة التفكير، ولا يزال في الطريق لم تَبِنْ له معالمها. إنني أعرف أشياء كثيرة تملأ المكان، ولكن ما هو المكان؟ وحوادث كثيرة على مدى الزمان، ولكن ما هو الزمان؟ فإذا كنت لا أعرف روحي التي أعيش بها، لا أدري ما هي، ولا أدري ما الزمان الذي هو رأس مالي ولا المكان، فما أدبنا وما كتاباتنا، وما سعيُنا وما عملنا؟ ألسنا مثل القافلة التي جُنّ أهلوها فانطلقوا يركضون، لا يعرفون من أين جاؤوا ولا إلى أين يذهبون، ولا يهدؤون إلاّ إذا هدّهم التعب فسقطوا نائمين كالقتلى؟
كذلك نحن إذ نعدو على طريق الحياة نتسابق كالمجانين، ولكن لا ندري علامَ نتسابق. نعمل أبداً من اللحظة التي نفتح فيها عيوننا في الصباح إلى أن يغلقها النعاس في المساء، نعمل كل شيء إلاّ أن نفكّر في أنفسنا أو ننظر من أين جئنا وإلى أين المصير؟ فما الذي استفدتُه من عمري؟
طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حدّة بصري وملأت بها ساعات عمري، وصرمت الليالي الطوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتباً من أدباء اليوم مَن لم يفتحها مرّة واحدة لينظر فيها (١). وكنت أرجو أن أكون خطيباً يهزّ المنابر وكاتباً يمشي بآثاره البريد، وكنت أحسب ذلك غاية المُنى
стр. 1030
وأقصى المطالب، فلما نلتُه أو نلت بعضه زهدت فيه وذهبَت منّي حلاوته، ولم أعُد أجد فيه ما يُشتهى ويُتمنّى.
وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كلّ مكان وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب وسماع ما تذيع، وأن تتوارد عليك كتب الإعجاب وتُقام لك حفلات التكريم؟ لقد رأيت ذلك كله، فهل تحبّون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه؟ سراب، قَبْض الريح. أغلق يدك على الريح ثم افتحها لا تلقَ فيها شيئاً.
لا والله، ما أقول هذا كلامَ أديب يتخيل ولكن، وأحلف لكم لتصدّقوا: ما أقول إلاّ الحقيقة التي أشعر بها.
أنا من خمسين سنة (١) أعلو هذه المنابر وأحتلّ صدور المجلاّت والصحف، وأنا أكلّم الناس في الإذاعة من يوم أُنشئت الإذاعة، ويسمعونني ويرونني في الرائي من يوم جاءنا الرائي. ولطالما خطبت في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا وكثير من بلاد أوربّا خُطَباً زلزلت القلوب، ومحاضرات شغلت الناس، وكتبت مقالات كانت أحاديث مجالسهم. ولطالما مرّت أيام كان اسمي فيها على كلّ لسان في بلدي، وفي كلّ بلد عشت فيه أو وصلَت إليه مقالاتي. وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقّيت خُطَب الثناء في حفلات التكريم، وقرأت في الكلام عني، لي وعليّ، مقالات ورسائل. ودرس أدبي ناقدون كبار، ودُرّس ما كتبت وما قالوا عني في المدارس، وتُرجم كثير منه إلى أوسع لغتين انتشاراً في الدنيا: الإنكليزية
стр. 1031
والأردية، وإلى الفارسية والفرنسية، إي والله. فما الذي بقي في يدي من ذلك كله؟ لا شيء.
صدّقوني إن قلت لكم: لا شيء، وإني إن لم يُكتَب لي بعض الثواب من الله على بعض هذا أخرج صفر اليدين. إنني أقف في مطلع العام لأحاسب الحياة على ما أعطتني وعلى ما أخذَت مني، فأجد أنها أخذَت منّي عمري الذي هو رأس مالي، فإن لم أخرج من هذا العمر بعمل صالح ومغفرة من الله أكُن قد خسرت كل شيء.
إن كلّ ما في الدنيا يذهب إن ذهبتُ، لا يبقى لي إلاّ ما قدّمت لآخرتي. بسمالله الرحمن الرحيم: ﴿والعَصْرِ، إنّ الإنسانَ لفي خُسْرٍ، إلاّ الذينَ آمَنوا وعَمِلوا الصّالحاتِ وتَواصَوْا بالحقِّ وتَواصَوْا بالصّبْرِ﴾.
اللهمّ إني أمدّ يدي إليك في مطلع هذا العام، أسألك أن تغفر لي ما مضى وأن توفّقني فيما يأتي، وأن تريني عزّ المسلمين واتحادهم بعد أن رأيت تفرّقهم وانقسامهم، وأن تختم لي بالحسنى. ورحم الله من القُرّاء من توجّه بقلبه مخلصاً إلى الله وقال: آمين.
* * *
стр. 1032
-٨٧ -
السنة التي مات فيها شيخ الشام
مرّ على دمشق في أوائل هذا القرن من جليل الحوادث وفادح الخطوب ما لو مرّ على الشامخات الرواسي لَجَعَلها دكاً، أو وقع على الجلاميد الصمّ لصيرّها هباء، فأعدّت له الإيمان الذي لا يزلزله رُزْء والثباتَ الذي لا تُزيله مصيبة، وصبرت عليه صبر العظيم على العظيم، حتى تعوّدَت مسّ الضرّ وأَلِفَت قوارع الدهر، وصارَت إن أصابتها سِهامٌ تكسّرَت النِّصالُ على النصال.
وغدا أبناؤها -لهول ما رأوا من البلاء وما راضوا نفوسهم عليه من الصبر- لايألمون لمصيبة ولا يجزعون لنائبة، ويهتفون بالزمان كلّما تعب من مَساءتهم:
إنْ كانَ عندكَ يا زمانُ مصيبةٌ ... ممّا تسوءُ بهِ الكرامَ فهاتِها
نَكبَت دمشقَ الحربُ، أعني الحرب العامّة الأولى، فقلّت الأقوات حتى أكل الناس العُشب، وباد الرجال: مَن لم يَمُت منهم برصاص الحلفاء الإنكليز والفرنسيين ومن لم يَمُت من الجوع مات على مشانق جمال باشا، حتى لم يبقَ في دمشق إلاّ شيوخ رُكّع، ونساء جُوّع، وأطفال رُضّع. فشيّعَت دمشق من مات
стр. 1033
وحدبت على من بقي، ما خارت ولا جزعت. وصبرت دمشق.
ثم كانت ميسلون، فاعتدى الغاصب الدخيل على رب البيت واستباح الحِمى، وأتى على الديار فجعلها حصيداً كأن لم تَغْنَ بالأمس. وعادت دمشق من ميسلون فإذا كل شيء قد انهار، وإذا الدار خواء كأنما لم يُشَدْ فيها مُلك ولم تَقُم فيها دولة ولم يكن لها استقلال. فدفنَت دمشقُ بيدها أبناءَها وأقسمت على قبورهم القسَم الأحمر، وما بكت ولا شكت. وصبرَت دمشق.
ثم كانت الثورة، فهبّت دمشق تعلن في أبنائها بأنْ قد حان موعد الامتحان الأول فأروني ماذا حفظتم من الدرس، وكان الامتحان في دقّ الباب:
وللحُرّية الحمراءِ بابٌ ... بكلِّ يدٍ مُضرَّجةٍ يُدَقُّ
فدقّه الأبطال من أبناء دمشق وغيرها من مدن الشام دقاً وصلت أصداؤه إلى جوانب «السّين» في باريس، فثار الناس فزعين يقولون: ماذا؟ قيل: بردى يشتعل! قالوا: أطفئوه بالنار! فكانت المعركة بين الماء والنار، بين الدم والحديد، فردّ الشعبُ الأعزل جيشَ فرنسا القوي المسلّح، فوقف الجيش سنتين دون نهر تورا لا يجتازه وما عرضه بأكثر من ستة أمتار. ثم انتهى الامتحان، فدفنَت الشام أبناءها، وقامت دمشق المفجوعة إلى أنقاض دمشق المحرَقة المهدّمة فجدّدَت القسم. وكانت ميسلون وحدها فصارتا اثنتين: ميسلون والغوطة. وصبرت دمشق.
ثم كان يوم ٢٠ كانون ١٩٣١ فأعلنَت دمشق أنْ قد جاء
стр. 1034
الامتحان الثاني. وكان الامتحان في فتح الصندوق (١) فقالت القوّة: لا، وقال الحقّ: نعم، فكانت المعركة بين القوّة والحق، فانتصرَت «نعم»، وكُسر الصندوق، ودفنَت دمشقُ أبناءها وجدّدت القسَم. وصرن ثلاثاً، ميسلون والغوطة والمرجة. وصبرَت دمشق.
صبرَت ولم تجزع ولم تضطرب ولم تُقلِقها هذه الحادثات ولم تُبكِها، ولكن كلمة واحدة سرَت أمس في دمشق فتقلقلَت لها دمشقُ واضطربَت، وخفّت منها الأحلام ونأى عنها الصبر، فانفجرَت تبكي في نكبة اليوم النكباتِ الماضيةَ كلَّها.
تلك هي الكلمة الرهيبة: مات الشيخ بدر الدين (٢).
* * *
كان الشيخ بدر الدين سرّ قوّة دمشق، كان لها مثلَ الراية في المعركة. الراية مصدر قوّة الجيش يستظلّ أبطاله بها ويحمونها ويموتون دونها، وهي في ذاتها ضعيفة لا قوّة لها ولا دفع لديها. شيخ قارب التسعين لا يستطيع أن يبارز عدواً في ساحة قتال، ولكن يستمدّ منه المبارزون القوّة في النضال. وإليكم هذا المثال:
стр. 1035
لمّا احتلّ الفرنسيون جامع تنكز وجعلوه مدرسة عسكرية، ذهب الشيخ ووراءه تلامذته، والأمّة من وراء تلاميذه. ذهب بشيخوخته وخطوه البطيء حتى دخل الباب، فلم يستطع الجندي الحارس أن يمنعه مع أن سلاحه بيده، بل خبّر رؤساءه. فلما جاء منهم من جاء لم يجدوا غازياً مقتحماً ليردّوه ولا محارباً مسلّحاً لينازلوه، بل وجدوا شيخاً كبيراً مشرق الوجه نوراني الجبين مضيء الشيبة، خفيض الصوت قليل الكلام، فلما سألوه: ماذا يريد؟ قال للترجمان: يابَهْ (وكانت كلمته هذه يخاطب بها الصغير والكبير) قُل له: هذا مسجد، والمساجد للصلاة. وقد جئنا نصلّي فيه، فكم يكفيكم من الأيام لتُخلُوه لنا؟
وأُخليَ وعاد مسجداً كما كان. كانت له هذه المنزلة لمّا كان العلماء هم قادة الأمة تسير وراءهم وتأتمر بأمرهم، كلّما نزلَت بها نازلة أسرعَت إليهم لتسألهم رأيهم، لأنها تعلم أنهم لا يرون لها إلاّ ما يوافق الشرع ويُرضي الله. كانت للعلماء هذه المنزلة لمّا كانوا يريدون الله والدار الآخرة، ما كانت الدنيا أكبرَ همهم ولا منتهى علمهم. ماتت في نفوسهم شهوة الجاه في الدنيا فأعطاهم الله الجاه كله في الدنيا، وأرادوا رضا الله ولو بما يسخط الناس فرضي الله عنهم وأرضى عنهم الناس، وابتعدوا عن أبواب الحُكّام وزهدوا فيما بأيديهم، فسعى إلى أبوابهم الحُكّام وعرضوا عليهم كل ما في أيديهم. لم يكن يرى أحدُهم في الطاغية الجبّار الذي يرتجف الناس خوفاً منه ومن بطشه، لم يكن أحدهم يرى فيه إلاّ بشراً مثله، سيقوم غداً معه يوم الحساب بين يدَي ربّ الأرباب، فلا يقول له إلاّ كلمة الحقّ يصدع بها، ولكن في أدب. فإذا رآه
стр. 1036
الجبّار العاتي وسمع منه رأى فيه سلطان الشرع فصغر أمامه.
اذكروا موقف عزّ الدين بن عبد السلام مع الملك الأشرف ثم الملك الصالح، اذكروا موقف ابن تيمية مع ملك التتار، اذكروا موقف المنذر بن سعيد مع الناصر الأموي، باني الزهراء وأول من تَسمّى بأمير المؤمنين في الأندلس، الذي كان أعظم ملوك أوربّا في عصره. اذكروا موقف بكار بن قتيبة قاضي مصر مع ابن طولون. اذكروا موقف النووي مع الظاهر بيبرس. اذكروا موقف المفتي زَمْبيلي علي أفندي مع السلطان سليم المخيف الجبّار. اذكروا موقف سفيان الثوري مع المهدي، اذكروا موقف الشيخ سعيد الحلبي مع إبراهيم باشا ... تلك كانت مواقف العلماء (١)، لذلك كان الحُكّام الجبّارون يصغرون أمامهم.
* * *
ولم أبالغ ولم أقل عجباً لمّا قلت إن دمشق صبرت على هذه النكبات كلها وجزعت لمّا سمعت بأن الشيخ بدر الدين قد مات؛ كنّا إذا قلنا «الشيخ بدر الدين» فقط فكأنما نقول العلم والصلاح والسيادة والمكانة التي لا تعلوها في عصرنا مكانة. كنّا نضرب به المثل، فإذا سمعنا ثناء على عالِم جاوز الحدّ نقول: "شو صار الشيخ بدر الدين؟ " لذلك فاجأنا نبأ موته وهزّنا هزّة شديدة.
وطار الخبر في بلاد الشام، فما مضت على موته ساعات
стр. 1037
حتى كان جلّة علماء حمص وحماة وبيروت، ومَن أسرع من علماء حلب قد وصلوا دمشق، وامتلأت بهم داره الكبيرة الواسعة، بل امتلأ بهم الجامع الأموي نفسه. امتلأ بهم وبالناس الذين أقبلوا عليه لمّا سمعوا الخبر. اجتمع العلماء وتداولوا في اختيار مَن ينعاه للناس، ثم شرّفوني بأن اختاروني أنا لهذا الموقف. لا أقول هذا ادّعاء، وكيف وقد عرفه الناس جميعاً؟ وأنا حين أذكره أقرّر حقيقة واقعة لا أسوق قضية فخر، وأحمد الله على هذا.
وكان رأي أكثرهم أن تكون خطبتي في المقبرة، وأصررت على أن تكون في الجامع لأن الناس مجتمعون فيه والخطاب بين الجدران أجمع للصوت من الخطبة في المقبرة، والناس في المقبرة متفرّقون والصوت فيها يضيع. ولم نكُن عرفنا يومئذ هذه المكبّرات، إنما كنّا نخطب بحناجرنا وحدها.
ولمّا علوت المنبر لأتكلم وجدت الحرم كله والصحن كله ممتلئَين بالناس، حتى إنك لو رششتهم بالماء لما وقعت نقطة منه إلاّ على إنسان. وكنت أُسمِع -بحمد الله- المسجدَ كلّه بصوتي بلا مكبّر. ولقد خطبت فيه من قبل كما مرّ بكم في هذه الذكريات عشرات من المرّات بعد صلاة الجمعة، ولكني لم أجد قط حشداً مثل هذا الحشد ولا آذاناً مصغية كالذي وجدتُه هذه المرّة. وكانت خطبة مرتجَلة ما أذكر الذي قلته فيها، ولكن أذكر أثرها في نفوس الناس يبدو على وجوههم ويُطِلّ من عيونهم. وإني لأكتب هذه الأسطر بعد خمسين سنة والمشهد ماثل في ذهني كأنه أمامي أبصره بعيني.
стр. 1038
وخرجَت الجنازة، وكان طريقها من باب الجامع الجنوبي إلى شارع مدحت باشا الذي يمتدّ مستقيماً من باب الجابية إلى الباب الشرقي. وإذا كان شارع الشانزليزيه في باريس أو الشارع الخامس في نيويورك مشهوراً فإن أشهر شارع في التاريخ هو هذا الشارع، ألا يكفي أن اسمه ورد في التوراة؟ لا أعرف أقدم منه ولا أعظم إلاّ شارع الجمرات في منى، الذي مرّ منه إبراهيم لمّا أُمِرَ في المنام بذبح ولده إسماعيل (إسماعيل لا إسحاق) (١) فذهب لينفّذ الأمر فمرّ من هذا الشارع فعرض له إبليس ثلاث مرّات. إن المكان الذي وقف فيه إبليس في المرّات الثلاث يوسوس لإبراهيم لا يزال معروفاً من تلك الأيام إلى الآن، هذه الأمكنة الثلاثة هي مواضع الجمرات التي نرميها في الحجّ.
أعود إلى ذكر الجنازة. لا، لم تكن جنازة بل طُرُقاً ممتلئة كلها بالناس، ولم تكن موكباً يمشي بل حشداً يقف، أوله في مقبرة الباب الصغير وآخره في الجامع الأموي. لم تعرف دمشق جنازة مثلها إلاّ الذي ذكروه عن جنازة شيخ الإسلام ابن تيمية، والجنازة التي عرفَتها بغداد (كما وصف لنا المؤرّخون) للإمام أحمد بن حنبل. الجنازة هي مقياس حبّ الناس للإنسان (٢)، لا أن يحفّوا به في حياته حين يُرجى خيره ويُخشى ضره. إنه لا
стр. 1039
يمشي في الجنازة إلاّ مَن يدفعه الوفاء ومن يرجو لنفسه وللميت الثواب.
وكانت مجالس التعزية في الشام يومئذ تُعقَد في المساجد؛ لم يكن فيها من البِدَع إلاّ الشيء القليل. يجتمع الناس بعد صلاة العشاء فتُوزَّع عليهم الربعة (أي أجزاء القرآن كلّ جزء مجلّد على حِدَة) فيقرأ كلّ منهم وحده، حتى إذا انتهت القراءة سألوا الله أن يهب ثوابها للميت ودعوا له، وشربوا ماء مُحَلّى بالسكر وانصرفوا. وقد اختلف العلماء في وصول ثواب القراءة للميت، ولكن ابن القيم جاء بنحو أربعين دليلاً على وصولها، والمسألة خلافية والله أعلم بالصواب.
ولقد طلبت من الحاضرين عشية وفاته في مجلس التعزية في المسجد الأموي، طلبت من كل مَن لديه خبر عن الشيخ أن يبعث به إليّ لأُخرِج كتاباً عنه، فما اجتمعَت الأخبار ولا صدر الكتاب (١).
* * *
كان العلماء -كما قلت- هم القادة. وأنا من يوم وعيت وأدركت ما حولي، قُبَيل الحرب العامة الأولى، أسمع أن الشيخ بدر الدين هو كبير العلماء. كانوا إذا اختلفوا احتكموا إليه، فإن حكم بشيء اجتمعوا عليه. وكان شأنه العزلة؛ دنياه كلها محصورة بين داره التي تبعد عن باب الأموي الشرقي مئة متر ودار الحديث
стр. 1040
الأشرفية التي تبعد عن باب الأموي الغربي مئة متر. حديثه كله في العلم، جواباً لمسألة أو حلاًّ لمعضلة، أو دلالة على مرجع أو تعريفاً بعالِم أو بكتاب، لا يحبّ اللغو من القول ولا يأذن بأن يكون في مجلسه، أمّا الغيبة فما لها عنده مكان. ومَن حَسِب أن ذلك سهل فليجرّب يوماً واحداً ألاّ ينطق بغيبة وألاّ يسمعها.
كانت له في قلوب الشاميين منزلة ما وصل إلى مثلها ممّن نعرف أحد؛ لذلك فاجأَنا نبأ موته. لا لأننا نتصور أنه خالد لا يموت، بل لأننا نعلم أننا لن نجد بعده مثله، رجلاً يُقِرّ برياسته العلماء ويتبع أمره الشعب، ويتهيب المسَّ به طغاةُ الحكّام من باشوات الأتراك إلى جنرالات الفرنسيين. مَن زاره منهم علم سَلَفاً أن عليه أن يصعد درَج المدرسة وأن يخلع نعليه عند باب الغرفة، وأن يقعد معه على الأرض، وأن يستمع ما يقول الشيخ، وأن يحرص على ألاّ ينطق أمامه بما لا يرتضيه.
كان هو سرّ قوّة دمشق، تلجأ إليه كلّما دهمتها الخطوب فتفيء منه إلى جنّة وارفة الظلال، وتفزع إليه كلّما حاق بها اليأس فتجد عنده الأمل الباسم الذي يشقّ طريقاً للحياة وسط شعاب الموت، والثقة بالله التي تسمو بصاحبها حتى يجتاز العقبات كلها طائراً بجناحَين من الشجاعة والثبات.
وكانت كلمات الشيخ، على قلّة ما يتكلم إلاّ في درسه الذي يفيض فيه فيَضان النبع الذي لا ينقطع ولا يجفّ مَعينه، كانت كلماته قليلة، ولكن لها فعل السحر في أعصاب الشاميين الذين يسمعونها فيُقدِمون لا يهابون شيئاً. ولقد عرفتم أن روح الثورة
стр. 1041
السورية إنما انبثقت من رحلة الشيخ مع تلميذَيه الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب صاحبَي النهضة المعروفة.
لقد كتبت عن الشيخ بدر الدين مقالات كثيرة، منها هذه المقالة التي نشرتُ هنا صدرَها في أول هذه الحلقة (١)، وقد نُشرَت في مجلّة «الرسالة» في العدد الذي صدر يوم الإثنين السابع من ربيع الثاني سنة ١٣٥٤، والتي أشار إليها الأستاذ خير الدين الزركلي في «الأعلام» وجعلها من مصادر ترجمة الشيخ. كتبت عنه كثيراً ولا أريد أن أعود إلى الكلام عنه، ولكن أحب أن أبيّن أن العرب من قديم كانوا يؤرّخون بالحوادث الجسام، ولا يزالون إلى الآن على هذا، ومن جسيم الحوادث وفاة الشيخ بدر الدين لأنه كان مرجع العلماء وكان يجمعهم، وكان إليه منتهى الرأي، فإن قال فكلمته هي كلمة الفصل، فلما مات لم نجد بعده مثله.
كان الشاميون حين يرونه في دار الحديث يحسّون أنهم يملكون به جيشاً من الجيوش، فليس عجيباً أن هذا الشيخ ابن التسعين قد:
سدَّ الطريقَ على الزما ... نِ وقامَ في وجهِ الخطوبْ
﵀ ورحم كل عالِم عامل.
* * *
стр. 1042
-٨٨ -
المدرسة الأمينية
بقي الباب وذهب المحراب
قدْ يهونُ العمرُ إلاّ ساعةً ... وتهونُ الأرضُ إلاّ موضِعا
هذا ما قاله شوقي على لسان المجنون في جبل التَّوْباذ. هل عرفتم جبل التوباذ؟ وماذا يضرّكم ألاّ تعرفوه إن قرأتم هذه الأبيات فهبّت عليكم نسمة من صَباها أو نفحة من ريّاها؟ (١) إن لكل منكم «تَوْباذاً» هو موطن حبّه ومهوى قلبه، وقد يكون توباذه جبلاً، أو بحيرة كبحيرة لامارتين، أو أرضاً بكراً كأرض بول وفيرجيني، أو بيتاً أو مدرسة ... ما المطلوب المكان بل المَكين،
стр. 1043
وليس المقصود الدار بل الديّار:
وما حبُّ الدّيارِ شَغَفْنَ قلبي ... ولكنْ حبُّ مَنْ سكَنَ الدّيَارا
لكل واحد «توباذ» كما أن لكلٍّ «ليلى»: «ليلى مِنَ النّاسِ أو ليلى مِنَ الخَشَبِ»، جُنّ بها كما جُنّ قيس:
وكلُّ النّاسِ مجنونٌ ولكنْ ... على قَدْرِ الهوى اختلفَ الجُنونُ
* * *
قلت هذا لأنني أتكلم اليوم عن مكان في دمشق، ما فيها بعد المسجد وبعد منزل أبي وأمي بقعة أكثر منها اتصالاً بحياتي وأشدّ ارتباطاً بذكرياتي، هي المدرسة الأمينية.
إذا رجعتم إلى مجلّة «الزهراء» في مصر سنة ١٣٤٧هـ وجدتم كلمة لي فيها تعريف بتاريخ هذه المدرسة، وأنها تكاد تقارب في عمرها عمر الأزهر، وأنها أقدم (أو مِن أقدم) مدارس الشافعية في دمشق. ومَن جال في حارات دمشق القديمة أو قرأ ما كتب عن مدارسها (ككتاب «الدارس» (١)) أو مشى في طرق القاهرة يعجب من كثرة المدارس القديمة المَوقوفة، وزاد عجبه أن أكثرها أنشئ في عهد المماليك ... المماليك الذين صاروا ملوكاً.
هذه المدرسة في سوق الحرير. وكان لأهل كلّ صناعة في
стр. 1044
دمشق وفي أكثر المدن الشرقية سوق يجتمعون فيها، وكانت هذه الأسواق مسقوفة تقي سقوفُها ساكنيها والماشين فيها حرّ الشمس وماء المطر. وبين هذه المدرسة وباب الأموي الجنوبي نحو من ستين متراً فقط.
الذي يصعد الأبراج في المدن، كبرج القاهرة وبرج إيفيل في باريس أو المطعم الدوّار في آخن (إكس لاشابيل)، ويضع عينه على المنظار المقرِّب ويوجّهه إلى بقعة من المدينة يراها أمامه واضحة ويبصر صغيرها كبيراً وبعيدها قريباً، ولكن الواقف إلى جنبه لا يرى فيها الذي يراه هو، فكيف أستطيع أن أجعلكم ترون في هذه المدرسة التي لم تعرفوها ولم يسمع أكثركم باسمها، مثل ما أرى أنا فيها؟
عرفتم -ممّا قرأتم من هذه الذكريات- أن الحرب الأولى لمّا انتهت سنة ١٩١٨ كنت في آخر المدرسة الابتدائية. وكانت المدارس عندنا في الشام أصنافاً ثلاثة: مدارس أميرية، ومدارس أهلية، ومدارس نصرانية أجنبية. وعرفتم أن أبي نقلني من المدرسة الأميرية الرسمية إلى مدرسة كان صاحبها الذي يديرها أحد مشايخ التعليم في الشام، هو الرجل الذي لبث يعلّم نحواً من سبعين سنة، الشيخ عيد السفرجلاني. وكان ابن خالتي الشيخ شريف الخطيب صاحب المدرسة الأمينية ومديرها، فخطر لي يوماً أن أنتقل إلى مدرسته، فسألت أبي فقال: جرّب.
وكأنه يعلم أني لن أصبر عليه، لأنه كان نسيبه وكان يعمل معه مديراً للقسم الابتدائي في المدرسة التجارية الكبيرة التي كان
стр. 1045
أبي مديرَها العامّ بقسميها الابتدائي والثانوي، وقد أُغلقت كما عرفتم بانتهاء الحرب الأولى.
دخلت مع التلاميذ كأني واحد منهم، ورآني من بعيد فما رحّب بي ولا تجهّم لي. وكانت المدرسة قد تبدّل بناؤها القديم: سرقها الجيران من كل جانب كما سرقوا مئات المدارس في مصر والشام والعراق فجعلوها بيوتاً، وكثيراً ما ترى الآن في دمشق داراً مملوكة وعلى بابها لوحة من الرخام منحوت فيها أن باني هذه المدرسة هو الأمير فلان الفلاني وأنه وَقَف عليها كذا وكذا. فأقام الشيخ شريف دعاوى على هؤلاء الجيران واستردّ المدرسة منهم، وأعاد بناء ما تَخرّب منها بناء حديثاً عادياً لا كالبناء الأصلي.
واختلطت بالتلاميذ وجعلت أكلّمهم، ففزعوا وقالوا: الآن يسمعك حضرة المدير. وأشاروا إشارة خفيّة، فرفعت رأسي فإذا حضرة المدير يُطِلّ من شبّاك صغير في الغرفة العلوية فيرى التلاميذ، وإذا له بين التلاميذ جواسيس يسمّيهم «الخفية»، ومن التلاميذ عرفاء ورؤساء ومراقبون مختفون في الطرق يراقبون التلاميذ، ويرفعون أسماءهم وأخبارهم إلى حضرة ... المدير.
وكان يمشي في ذلك على طريقة الأستاذ عبد الحكيم الطرابلسي، وهو أديب لبق صار -بعدُ- مستشاراً للسفارة السعودية في دمشق أو شيئاً كالمستشار لا أعرف تماماً. وكانت هذه الطريقة التي تُعتبَر أصلاً في تربية الأولاد، طريقة الشدّة والعنف، مألوفة معروفة. وكان المعلّمون يضربون التلاميذ ضرباً أشدّ من ضرب مَن يُقام عليه الحدّ الشرعي، وكان الفلَق (كلمة عربية قاموسية لِما
стр. 1046
يُسمّى الفلقة أو الفلكة)، كانت هذه الطريقة هي أساس التأديب، فما ظنّك بأمة تنشأ كما ينشأ عبيد العصا؟
وبعض المعلّمين يضربون ضرب مجرم معتدٍ أو طالبِ ثأرٍ يتشفّى بالانتقام. ولمّا كنّا نَدرس الطبّ الشرعي في كلّية الحقوق التي حملت شهادتها سنة ١٩٣٣ رأيت أن علماء النفس يعتبرون بعض هذا الضرب من المعلّمين من الساديّة المنسوبة إلى الماركيز دي ساد؛ أي أنه يؤدّي إلى لذّة جنسية عند الذي يتولّى الضرب!
ولمّا رجعت إلى الدار في المساء أخبرت أبي أني سأعود إلى مدرسة الشيخ عيد، فتبسّم كأنه يقول لي: لقد كنت أتوقّع هذا. وحسبت يومئذ أني لن أعود إلى المدرسة الأمينية أبداً.
ولكنّ الله أراد غير هذا، فعدت ولكن بعد حين، سنة ١٣٤٥ (١٩٢٧). وهي السنة التي أُنشئ فيها نظام البكالوريا في سوريا، أو نُقل إليها النظام الفرنسي بذاته بلا تبديل. في تلك السنة أقاموا دورة للمعلّمين الذين لا يحملون شهادة، فذهبت إليها مرّة مع ابن خالتي الشيخ طه الخطيب، وكان معلّماً عند أخيه في المدرسة الأمينية. فلما رجعنا دخلت معه المدرسة فقعدت عند المدير الشيخ شريف، قعدت ضيفاً هذه المرّة لا تلميذاً، وسقاني الشاي الأخضر. وكان للشاي الأخضر مختصّون في الشام يُتقِنون صنعه يُسمّون «ملوك الشاي»، وكان الشيخ شريف واحداً منهم. رأيته يُعِدّ يومئذ للحفلة السنوية التي يعرض فيها محاورات، أي شبه مشاهد تمثيلية بدائية، وخُطَباً وقصائد يلقيها التلاميذ. وطلب إليّ أن أحضر التجرِبة (البروفا) فحضرت، فلم يُعجِبني شيء ممّا
стр. 1047
رأيت وما سمعت. ولمّا طلب إليّ رأيي تردّدتُ لأنه خالي من الرضاع وهو بسنّ أمي ولا جرأة لي عليه، لكنه أصرّ على معرفة رأيي فقلت له إنه لم يُعجِبني شيء ممّا رأيت أو سمعت. قال: هل تستطيع أن تُعِدّ أنت هذه الحفلة؟ قلت: نعم. وكان قد بقي لموعدها أسبوعان، فترك لي أمر الإعداد كله.
وكان لي صديق كبير السنّ هو المحامي أحمد حلمي العلاف، ذهب إلى رحمة الله كما ذهب الشيخ شريف وأكثر من سيمرّ ذكرهم في هذه الحلقة. وكان هذا الصديق واحداً من أهل الكفايات والمواهب، ولكن الفقر والعزلة يغطّيان على المواهب والكفايات. وكان ضابطاً مُسَرَّحاً من الجيش العثماني، درس الحقوق وصار محامياً، واستأجر غرفة في بناية العابد، أضخم وأفخم بناء حجري في دمشق، بناها أحمد عزت باشا العابد وكانت مقرّ المحامين، ولكنه لم يكن يجد عملاً.
كان يُتقِن العربية والتركية إتقان أديب متمكّن ويُلِمّ بالفرنسية وينظم بعض الشعر، فاستعنت به، وأخذت مسرحية لأبي خليل القباني عنوانها «ناكر الجميل». وبدأنا ننشئ مسرحاً (على قدر الإمكان)، وأنا أعدّل في نصّ الرواية وأعلّم التلاميذ الإلقاء، ويظهر أني كنت بارعاً فيه أُعطي اللهجات حقّها، أتحمّس في موضع الحماسة وألين في موضع اللين وأستفهم في مكان الاستفهام وأُظهِر العجب في موضع التعجّب، أي أنني كنت أحسن الإلقاء والتمثيل، مع أنني لم أرَ في عمري إلاّ رواية واحدة ليوسف وهبي في دمشق ورواية هزلية (كوميدية) لأمين عطا الله الذي كان يقلّد نجيب الريحاني، وهو لبناني الأصل مثله.
стр. 1048
وكان الأستاذ العلاف يقوم بعمل المخرج، فاشترينا من سوق الأروام (في آخر سوق الحميدية) ثياباً تصلح لأدوار المسرحية، من دكاكين كانت تجمع هذه الثياب التاريخية وغيرها. وكان يتولّى عمل «الماكياج» فيلصق اللّحى والشوارب، ونصنع من الورق المقوّى تيجاناً ومن الخرز عقوداً؛ أي أننا عملنا مسرحاً بدائياً جعلنا نُجري فيه التجارِب (البروفات).
ومُثِّلت الرواية فدُهش منها الناس، وكانت فاتحة سلسلة من الروايات كنت أكتب أنا نصوصها. أُعِدّ الفكرة في ذهني ثم أدخل فأمليها إملاء على التلاميذ، ثم نختبرهم ونوزّع الأدوار عليهم. عملت سبع مسرحيات منها مسرحية عن أبي عبدالله الصغير وسقوط دولة غرناطة، ومسرحية عن ثورة محمد بن أميّة في الأندلس على الإسبان بعد زوال الحكم الإسلامي عنها. وكانت عندي نسخ مفردة من هذه المسرحيات أحضرتها معي، فطلبت إلى إدارة الرائي (التلفزيون) في جدّة من سنوات طويلة أن تنظر فيها لعلّ فيها ما يمكن الاستفادة منه، فأعطوها إلى موظف كان هنا اسمه فلان العوري (نسيت اسمه) فأخذها وأضاعها، ولم يقدّم اعتذاراً ولم يشعر بأنه ارتكب إثماً. وكذلك يموت الضمير في بعض الصدور حتى لا يدري المجرم أنه أجرم!
ولم نكُن نستجيز أن نأتي بنساء ولا أن نُلبِس أحد التلاميذ لباس النساء ليقوم بدور امرأة (كما كان يُعمَل من قبل) لأن ذلك يقضي على مستقبل هذا التلميذ الذي يُختار عادة من ذوي الوضاءة والجمال ممّن يشبه البنات، فإذا انتهت الرواية لم يعُد يناديه رفاقه باسمه الحقيقي بل اسمه النسائي في المسرحية، وذلك شيء لا
стр. 1049
يجوز. وكنّا نستعيض عن ذلك بالمواقف الحماسية التي تُضرِم النار في قلوب المشاهدين وتُشعِل أعصابهم وتدفعهم -لو شئنا- لاقتحام المعارك، وبشيء آخر هو المواقف الهزلية (الكوميدية) التي تُطلِق الضحكات من قلوب المحزونين.
وكنت بحمد الله أُوفَّق في ذلك كثيراً، وكنّا نجد من التلاميذ من يصلح لهذه الأدوار كما نجد فيهم من يصلح للأدوار الجدّية والإلقاء الحماسي. فممّن برع في إلقاء القصائد الحماسية تلميذ صار -من بعد- أستاذاً للرياضة، نجح في تقليدي حتى صاروا يلقّبونه بالطنطاوي الصغير لأنه يُلقي مثل إلقائي، اسمه محمد البزم على اسم الشاعر الكبير المعروف. وممّن برع في الأدوار الحماسية تلميذ صار من كبار الضباط، وكان يمثّل مصرَ في اجتماع شتورة المعروف الذي عقدَته جامعة الدول العربية بعد الانفصال، وصار له شأن، هو أكرم الديري، ولم أرَه منذ كان تلميذاً صغيراً في المدرسة الأمينية في العشرينيات وأوائل الثلاثينيات. وممّن انضمّ إلى تلاميذ الأمينية مدّة قصيرة أحمد عسّه، الصحافي المعروف الذي كان أيام الشيشكلي من أعوانه المقرّبين، وهو مؤلّف كتاب «معجزة فوق الرمال». ولست أحصي التلاميذ الذين مرّوا عليّ في المدرسة الأمينية على مدى ثلاثين سنة.
* * *
وكنت آتي الشيخ شريف بمدرّسين من إخواننا يعلّمون في مدرسته الأمينية، منهم أنور العطّار الشاعر الكبير ﵀، ومنهم وجيه السمّان، رفيقنا أيضاً في المدرسة، المهندس البارع
стр. 1050
خريج مدرسة الهندسة المركزية (إيكول سنترال) في باريس، وهو الأديب عضو المجمع العربي في دمشق الذي صار وزير الصناعة في القاهرة أيام الوحدة. وصلاح الدين المَحايري، وهو من أعمق من عرفت تفكيراً وأوسعهم اطّلاعاً، ولست أدري الآن ما فعل الله به فلم أرَه من تلك الأيام. ونسيب عناية الصيدلي، وأنيس الشّربجي الذي صار المفتّش المركزي في سوريا، وكان كاتباً إسلامياً، وكان عضواً في جمعية التمدن الإسلامي. ورفيقنا خالد الرفاعي ﵀ أيضاً، ولقد كان أحد أركان الحركة الكشفية في الشام. لذلك كان التعليم في المدرسة الأمينية في الذروة.
كان الشيخ شريف يستعين بأمثال هؤلاء وكان يدأب جاهداً مع التلاميذ، من مطلع الشمس إلى ما بعد العشاء، يطبّق المنهج الرسمي لوزارة المعارف كاملاً ويدرّسهم فوقه التجويد والفقه، ويحفّظهم بعض المتون ويدرّس مصطلَح الحديث، ويحفّظهم في كلّ سنة أربعين حديثاً صحيحاً مشروحة. ويوم امتحان الفرائض يأتي بأعظم علماء الشام فيها، كالشيخ جميل الشطي والشيخ حسن الشطي، فيقف التلميذ الذي لا يجاوز عمره الثانية عشرة أمامهم ويُلقُون عليه أعقد المُناسَخات في الفرائض: مات الأب وترك فلاناً وفلاناً وفلاناً، ثم مات الولد وترك فلاناً، ثم مات ... هذه المناسخات، فيقسمها أمامهم يصنع لها شباكاً ويأتي بالنتيجة الصحيحة.
وكان من مزايا الأمينية أنه يختار لكل درس أكبر المتخصّصين فيه، فكان يعلّم الخطَّ شيخُ الخطّاطين الشيخ حسين البَغَجاتي،
стр. 1051
ويدرّسهم الرياضة أنبغ رياضي، الذي كان مدرّباً لمدرسة الشرطة واسمه أديب، وكان معروفاً في أيامه، فكان التلاميذ يُتقنون حركات الجمناز على الثابت وعلى المتوازيَين. وكان يدرّسهم اللغةَ الفرنسيةَ رجل ما أدري إذا كان فرنسي الأصل أو يونانياً يُحسِن الفرنسية وينطق بها مثل أهلها، اسمه موريس، عاش في الشام عمراً طويلاً وأسلم وأتقن العربية. وكان عندنا شيخ قارئ موسيقي من أذكى المكفوفين سيأتي ذكره، اسمه الشيخ عارف القلطقجي، وكان يداعبه فأنشأ قصيدة مرّة في هجائه يقول فيها:
يقولونَ: مَنْ أشقى الورى؟ فأجبتُهم: ... منَ الجنِّ إبليسٌ، منَ الإنسِ موريسُ
﵀ أيضاً.
* * *
وللشيخ شريف أنظمة عجيبة، منها أنّ ساعة المدرسة ليست زوالية ولا غروبية ولا تمشي على التوقيت الصيفي ولا الشتوي، بل تتبع الزوال الحقيقي لدمشق. أي أنه إذا أذّن الظهر رُبطت على الثانية عشرة ظهراً. ومن أنظمته الغريبة أنه إذا جاء الصيف أجبر المدرّسين والتلاميذ أن يخلعوا أحذيتهم عند الباب، بحُجّة أن هذه المدرسة في الأصل مسجد وأن ذلك أنظف، وأنه يتيح للتلاميذ أن يقعدوا على أرضها فيستريحوا ويأمنوا توسيخ ثيابهم. وكان يضع على الباب الداخلي في الصيف آية ﴿اخْلَعْ نَعْليك﴾ ويطبّق هذا النظام على الجميع، فمن شاء اتخذ حذاء آخر نظيفاً يلبسه إذا دخل المدرسة.
* * *
стр. 1052
ولمّا ذهبت إلى مصر للدراسة في دار العلوم سنة ١٩٢٨ (١٣٤٧هـ)، تركت فكري كلّه في المدرسة الأمينية. وكانت دمشق عندي هي بيتي والمدرسة الأمينية، لم تُلهِني مصر وما وجدت فيها عن متابعة الاهتمام بقضايا المدرسة ومشكلاتها.
أفنيت في هذه المدرسة شبابي وكهولتي واستفرغت فيها جلّ نشاطي واندفاعي بين تلاميذ ما تابع منهم -فيما بعد- طريقَ العلم والدراسة إلاّ قليل. نثرت بِذاري بوادٍ غير ذي زرع وأعملت محراثي في أرض قَفر لا تحفظ بذراً ولا تُنبِت زهراً ولا ثمراً.
ولو أني بدأت كما بدأ غيري ممّن جاء بعدي، وأُتيحَ له أن يذهب إلى فرنسا ويرجع منها متأبطاً شهادة من فرنسا أو مصاحباً قرينة من بنات فرنسا، لكنت مثلهم! والحمد لله على أنني لم أكُن مثلهم، لكنني لمّا اضطُررت إلى قبول الوظيفة أسرعت فأخذت أول ما قرب إليّ. كانوا راضين بأن يُعطوني الوظيفة التي أطلبها ليُسكِتوني ويتّقوا لساني وقلمي. كانت الوظيفة مثل بناء ذي طبقات على سفح الجبل، إن دخلت إليه من الباب القانوني: باب الشارع الأسفل وصلت إلى الطبقة الأولى من البناء، وإذا صعدت الجبل وجئت من الباب الخلفي، من باب الوساطات، دخلت إلى الطبقة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة ثم صعدت منها.
استنفدت في هذه المدرسة أكثر قوّتي وأَرَقْتُ فيها أكبر طاقتي، وكان ذلك كله عبثاً، كان جهداً ضائعاً. لقد استحدثت فيها (كما قلت لكم من قبل، ولا أعيد عليكم) فنوناً في الإلقاء، كنت إذا علّمت الطلاّبَ إلقاء قصيدة لَحّنتها لهم كما يلحّن
стр. 1053
الموسيقي الصوت الذي يغنّيه المطرب، مواقف يقف عليها ومواطن يبتدئ منها وجُمَل يكرّرها، وكلمات يمدّ الصوت فيها وأخرى يشدّه فيها شداً أو يرخيه أو يعلو به أو ينخفض، أو أجعل بعد الحرف الساكن هاء (كهاء السكت في التجويد) تخرج من القلب، وأشياء لا يمكن أن يُعبَّر عنها بكلمات الوصف ولا تُعرَف إلاّ بالسمع.
أما هذه الروايات فقد انتقلت بها من الأمينية إلى غيرها من المدارس التي كنت أعلّم فيها مثل التجارية والكاملية. طُلبتْ مني في المدرسة التجارية (التي فُتحت في موضع المدرسة التجارية الأولى التي كان والدي مديرها، لكنها كانت ثانوية فصارت ابتدائية)، فوضعت لهم رواية عنتر، وهي أجود الروايات التي عملتها. وكانت المدرسة في دار جميل مَرْدَم بك الكبرى ذات الصحن الواسع التي مرّ ذكرها، فاجتمع من المشاهدين ليلة العرض أكثر من ألفَي مشاهد صُفّت لهم الكراسي في الصحن الواسع، وتفنّنتُ في الحِيَل المسرحية فصوّرت معركة ذي قار كأنّها معركة حقيقية؛ جعلت الطلاّب وهم يمثّلون الجيش العربي يمرّون من طرف المسرح إلى طرف وهم يهتفون هتافات عربية ويحملون الرايات، يذهبون ويرجعون من وراء المسرح (ممّا يُسمّى الكواليس) والمشاهد يظنّ بأنه موكب واحد (من باب خداع النظر). حتى إذا مروا جميعاً أخلينا المسرح قليلاً، ثم أشار واحد إلى أن الفُرس قادمون من الجهة الثانية، فجعلنا الطلاّب بلباس الفرس يدورون كما دار الأولون حتى ليحسب الرائي أنهم مئات ومئات. ثم أخلينا الساحة ووَقَفنا فيها مَن يشير بيده ويتحدّث بلسانه
стр. 1054
عن المعركة التي تجري بعيداً فننقلها إلى المشاهدين بالوصف. وعملت شيئاً آخر مخالفاً للأعراف المسرحية ولكن كان له أثر. ذلك أن الوفود التي كانت تَفِدُ تخرج من داخل المسرح، من ورائه من الباب الداخلي، فجعلت وفداً من الوفود يأتي من باب المدرسة، يحمل أعلامه ويهتف هتافاته ويُنشِد أناشيده ويمرّ ويدقّ طبوله ويخترق صفوف المشاهدين إلى المسرح.
أما هذه الروايات أي (المسرحيات) فقد تبعت فيها رائداً سبقني هو الدكتور أسعد الحكيم، من أقدم أعضاء المجمع العربي ومدير مستشفى الأمراض العقلية والعصبية، هو أديب (ذهب إلى رحمة الله) كانت رواياته من نحو خمس وستّين سنة (ورواياتي هذه التي أتكلم عنها كانت من نحو خمسين سنة أو أكثر)، فأنشأ في مدرسة الشيخ كامل القصاب عدداً من المسرحيات أشهرها مسرحية «دمنة الهندي»، وكانت حديث الناس، ونشأ عنها نقاش طويل في صفحات مجلّة كان يُصدِرها العلماء في الشام تُسمّى مجلّة «الحقائق»: ناقشوا قضية التمثيل هل يجوز أم لا؟ والذي أثار النقاش أن أحد الممثلين أنشد أنشودة فيها هذا البيت: «إنّما التمثيلُ فرضٌ جاءَ في القرآنِ». هذا الذي أنكروه عليه أولاً، هو منكَر طبعاً. وكانت هذه المرحلة بعد مرحلة أبي خليل القباني. والذي جاء به الدكتور الحكيم وجئت به أنا ليس تمثيلاً مسرحياً كاملاً، ولكنه تمثيل مدرسي بمقدار ما يمكن لإدارة المدرسة ولتلاميذها أن يقوموا به.
وقد حمل أعباءَ المسرح بعدها في الشام اثنان: الأستاذ
стр. 1055
الرسّام المشهور أستاذنا عبد الوهاب أبو السعود، مثّل روايات جَمّة مترجَمة، وكان ينافسه العطري. وممّا مُثّل يومئذ رواية كانت لها ضجّة كبيرة عنوانها «لولا المحامي».
* * *
واظبنا على المدرسة الأمينية نجتمع فيها بعد صلاة الجمعة أكثر من ثلاثين سنة تبدّلَت فيها الدنيا وتغيرَت الأرض ومن عليها، والشيخ شريف كما هو ما تَبدّل ولا تَغير؛ ماتت أساليب في التربية واستُحدثَت أساليب، وهو ثابت على أسلوبه الذي أَلِفَ. انفضّ التلاميذ من حوله حتى اقتصروا على أربعين، ثم على عشرين، ثم على نفر معدودين، ثم لم يبقَ عنده تلميذ واحد، ولكنْ بقي الشيخ شريف يأتي كل يوم من الصباح ويبقى -على عادته- إلى ما بعد صلاة العشاء، وربما كان يقرع الجرس في موعد الدروس وموعد الفرص، والمدرسة خالية ما فيها أحد!
وللشيخ شريف في شدّته نوادر عجيبة أسوق واحدة منها: جاءه مرّة والد أحد التلاميذ يطلبه لضرورة، فأبى الشيخ أن يُخرِجه حتى ينتهي الدرس. فاحتجّ الأب وسخط ورفع صوته وقال: لقد أخرجت ولدي من المدرسة فما شأنك به؟ وكان الوالد تلميذاً قديماً للشيخ، وكان تاجراً له دكّان عند باب المدرسة، فلم يمنع الشيخَ شريف كِبَرُ سنّ هذا الوالد ولا أنه صار تاجراً موسراً ولا أنه صار أباً لأولاد، لم يمنعه ذلك أن يأمر بإلقائه على الأرض وأن يضع رجليه في الفلق، وأن يضربه أمام التلاميذ!
كان اجتماعنا في المدرسة بعد الصلاة ضرورة لا أستطيع