ويدرّسهم الرياضة أنبغ رياضي، الذي كان مدرّباً لمدرسة الشرطة واسمه أديب، وكان معروفاً في أيامه، فكان التلاميذ يُتقنون حركات الجمناز على الثابت وعلى المتوازيَين. وكان يدرّسهم اللغةَ الفرنسيةَ رجل ما أدري إذا كان فرنسي الأصل أو يونانياً يُحسِن الفرنسية وينطق بها مثل أهلها، اسمه موريس، عاش في الشام عمراً طويلاً وأسلم وأتقن العربية. وكان عندنا شيخ قارئ موسيقي من أذكى المكفوفين سيأتي ذكره، اسمه الشيخ عارف القلطقجي، وكان يداعبه فأنشأ قصيدة مرّة في هجائه يقول فيها:
يقولونَ: مَنْ أشقى الورى؟ فأجبتُهم: ... منَ الجنِّ إبليسٌ، منَ الإنسِ موريسُ
﵀ أيضاً.
* * *
وللشيخ شريف أنظمة عجيبة، منها أنّ ساعة المدرسة ليست زوالية ولا غروبية ولا تمشي على التوقيت الصيفي ولا الشتوي، بل تتبع الزوال الحقيقي لدمشق. أي أنه إذا أذّن الظهر رُبطت على الثانية عشرة ظهراً. ومن أنظمته الغريبة أنه إذا جاء الصيف أجبر المدرّسين والتلاميذ أن يخلعوا أحذيتهم عند الباب، بحُجّة أن هذه المدرسة في الأصل مسجد وأن ذلك أنظف، وأنه يتيح للتلاميذ أن يقعدوا على أرضها فيستريحوا ويأمنوا توسيخ ثيابهم. وكان يضع على الباب الداخلي في الصيف آية ﴿اخْلَعْ نَعْليك﴾ ويطبّق هذا النظام على الجميع، فمن شاء اتخذ حذاء آخر نظيفاً يلبسه إذا دخل المدرسة.
* * *
стр. 1052
ولمّا ذهبت إلى مصر للدراسة في دار العلوم سنة ١٩٢٨ (١٣٤٧هـ)، تركت فكري كلّه في المدرسة الأمينية. وكانت دمشق عندي هي بيتي والمدرسة الأمينية، لم تُلهِني مصر وما وجدت فيها عن متابعة الاهتمام بقضايا المدرسة ومشكلاتها.
أفنيت في هذه المدرسة شبابي وكهولتي واستفرغت فيها جلّ نشاطي واندفاعي بين تلاميذ ما تابع منهم -فيما بعد- طريقَ العلم والدراسة إلاّ قليل. نثرت بِذاري بوادٍ غير ذي زرع وأعملت محراثي في أرض قَفر لا تحفظ بذراً ولا تُنبِت زهراً ولا ثمراً.
ولو أني بدأت كما بدأ غيري ممّن جاء بعدي، وأُتيحَ له أن يذهب إلى فرنسا ويرجع منها متأبطاً شهادة من فرنسا أو مصاحباً قرينة من بنات فرنسا، لكنت مثلهم! والحمد لله على أنني لم أكُن مثلهم، لكنني لمّا اضطُررت إلى قبول الوظيفة أسرعت فأخذت أول ما قرب إليّ. كانوا راضين بأن يُعطوني الوظيفة التي أطلبها ليُسكِتوني ويتّقوا لساني وقلمي. كانت الوظيفة مثل بناء ذي طبقات على سفح الجبل، إن دخلت إليه من الباب القانوني: باب الشارع الأسفل وصلت إلى الطبقة الأولى من البناء، وإذا صعدت الجبل وجئت من الباب الخلفي، من باب الوساطات، دخلت إلى الطبقة الثالثة أو الرابعة أو الخامسة ثم صعدت منها.
استنفدت في هذه المدرسة أكثر قوّتي وأَرَقْتُ فيها أكبر طاقتي، وكان ذلك كله عبثاً، كان جهداً ضائعاً. لقد استحدثت فيها (كما قلت لكم من قبل، ولا أعيد عليكم) فنوناً في الإلقاء، كنت إذا علّمت الطلاّبَ إلقاء قصيدة لَحّنتها لهم كما يلحّن
стр. 1053
الموسيقي الصوت الذي يغنّيه المطرب، مواقف يقف عليها ومواطن يبتدئ منها وجُمَل يكرّرها، وكلمات يمدّ الصوت فيها وأخرى يشدّه فيها شداً أو يرخيه أو يعلو به أو ينخفض، أو أجعل بعد الحرف الساكن هاء (كهاء السكت في التجويد) تخرج من القلب، وأشياء لا يمكن أن يُعبَّر عنها بكلمات الوصف ولا تُعرَف إلاّ بالسمع.
أما هذه الروايات فقد انتقلت بها من الأمينية إلى غيرها من المدارس التي كنت أعلّم فيها مثل التجارية والكاملية. طُلبتْ مني في المدرسة التجارية (التي فُتحت في موضع المدرسة التجارية الأولى التي كان والدي مديرها، لكنها كانت ثانوية فصارت ابتدائية)، فوضعت لهم رواية عنتر، وهي أجود الروايات التي عملتها. وكانت المدرسة في دار جميل مَرْدَم بك الكبرى ذات الصحن الواسع التي مرّ ذكرها، فاجتمع من المشاهدين ليلة العرض أكثر من ألفَي مشاهد صُفّت لهم الكراسي في الصحن الواسع، وتفنّنتُ في الحِيَل المسرحية فصوّرت معركة ذي قار كأنّها معركة حقيقية؛ جعلت الطلاّب وهم يمثّلون الجيش العربي يمرّون من طرف المسرح إلى طرف وهم يهتفون هتافات عربية ويحملون الرايات، يذهبون ويرجعون من وراء المسرح (ممّا يُسمّى الكواليس) والمشاهد يظنّ بأنه موكب واحد (من باب خداع النظر). حتى إذا مروا جميعاً أخلينا المسرح قليلاً، ثم أشار واحد إلى أن الفُرس قادمون من الجهة الثانية، فجعلنا الطلاّب بلباس الفرس يدورون كما دار الأولون حتى ليحسب الرائي أنهم مئات ومئات. ثم أخلينا الساحة ووَقَفنا فيها مَن يشير بيده ويتحدّث بلسانه
стр. 1054
عن المعركة التي تجري بعيداً فننقلها إلى المشاهدين بالوصف. وعملت شيئاً آخر مخالفاً للأعراف المسرحية ولكن كان له أثر. ذلك أن الوفود التي كانت تَفِدُ تخرج من داخل المسرح، من ورائه من الباب الداخلي، فجعلت وفداً من الوفود يأتي من باب المدرسة، يحمل أعلامه ويهتف هتافاته ويُنشِد أناشيده ويمرّ ويدقّ طبوله ويخترق صفوف المشاهدين إلى المسرح.
أما هذه الروايات أي (المسرحيات) فقد تبعت فيها رائداً سبقني هو الدكتور أسعد الحكيم، من أقدم أعضاء المجمع العربي ومدير مستشفى الأمراض العقلية والعصبية، هو أديب (ذهب إلى رحمة الله) كانت رواياته من نحو خمس وستّين سنة (ورواياتي هذه التي أتكلم عنها كانت من نحو خمسين سنة أو أكثر)، فأنشأ في مدرسة الشيخ كامل القصاب عدداً من المسرحيات أشهرها مسرحية «دمنة الهندي»، وكانت حديث الناس، ونشأ عنها نقاش طويل في صفحات مجلّة كان يُصدِرها العلماء في الشام تُسمّى مجلّة «الحقائق»: ناقشوا قضية التمثيل هل يجوز أم لا؟ والذي أثار النقاش أن أحد الممثلين أنشد أنشودة فيها هذا البيت: «إنّما التمثيلُ فرضٌ جاءَ في القرآنِ». هذا الذي أنكروه عليه أولاً، هو منكَر طبعاً. وكانت هذه المرحلة بعد مرحلة أبي خليل القباني. والذي جاء به الدكتور الحكيم وجئت به أنا ليس تمثيلاً مسرحياً كاملاً، ولكنه تمثيل مدرسي بمقدار ما يمكن لإدارة المدرسة ولتلاميذها أن يقوموا به.
وقد حمل أعباءَ المسرح بعدها في الشام اثنان: الأستاذ
стр. 1055
الرسّام المشهور أستاذنا عبد الوهاب أبو السعود، مثّل روايات جَمّة مترجَمة، وكان ينافسه العطري. وممّا مُثّل يومئذ رواية كانت لها ضجّة كبيرة عنوانها «لولا المحامي».
* * *
واظبنا على المدرسة الأمينية نجتمع فيها بعد صلاة الجمعة أكثر من ثلاثين سنة تبدّلَت فيها الدنيا وتغيرَت الأرض ومن عليها، والشيخ شريف كما هو ما تَبدّل ولا تَغير؛ ماتت أساليب في التربية واستُحدثَت أساليب، وهو ثابت على أسلوبه الذي أَلِفَ. انفضّ التلاميذ من حوله حتى اقتصروا على أربعين، ثم على عشرين، ثم على نفر معدودين، ثم لم يبقَ عنده تلميذ واحد، ولكنْ بقي الشيخ شريف يأتي كل يوم من الصباح ويبقى -على عادته- إلى ما بعد صلاة العشاء، وربما كان يقرع الجرس في موعد الدروس وموعد الفرص، والمدرسة خالية ما فيها أحد!
وللشيخ شريف في شدّته نوادر عجيبة أسوق واحدة منها: جاءه مرّة والد أحد التلاميذ يطلبه لضرورة، فأبى الشيخ أن يُخرِجه حتى ينتهي الدرس. فاحتجّ الأب وسخط ورفع صوته وقال: لقد أخرجت ولدي من المدرسة فما شأنك به؟ وكان الوالد تلميذاً قديماً للشيخ، وكان تاجراً له دكّان عند باب المدرسة، فلم يمنع الشيخَ شريف كِبَرُ سنّ هذا الوالد ولا أنه صار تاجراً موسراً ولا أنه صار أباً لأولاد، لم يمنعه ذلك أن يأمر بإلقائه على الأرض وأن يضع رجليه في الفلق، وأن يضربه أمام التلاميذ!
كان اجتماعنا في المدرسة بعد الصلاة ضرورة لا أستطيع
стр. 1056
الاستغناء عنها ما كنت في دمشق، وإذا لم أكُن فيها حنَنت لهذا الاجتماع واشتقت إليه. وكان من رُوّاده الدائمين الشيخ عبد القادر العاني، وأنور العطّار، وسعيد الأفغاني، وأحمد حلمي العلاّف، وحسني كنعان، والشيخ صبحي الإمام. وهنالك غيرهم ممّن يزور المجلس لماماً، ولكلّ من هؤلاء قصّة فيها صفحات من هذه الذكريات، فأين هم الآن؟ لقد ذهبوا إلى حيث يذهب كل حيّ، ما بقي إلاّ أنا وسعيد، ونحن ذاهبان على أثرهم نسأل الله حسن الخاتمة.
ولمّا جئت دمشق آخر مرّة سنة ١٣٩٨ (١) ذهبت إلى الأمينية ووقفت أمام الباب أتذكّر أيامي فيها وأصحابي ورفاقي، وأستعرض ماضيّ، أرى «فِلْماً» طويلاً يمرّ من أمامي تتعاقب أحداثه، ثم دخلت.
فهل تدرون ماذا وجدت؟ لقد وجدت المدرسة قد صارت سوقاً، فيه الدكاكين مصفوفة والبضائع معروضة، ووجدت الشارين والشاريات. أمّا المدرسة فقد ماتت، ماتت كما مات كلّ مَن كان فيها ومَن كان يرتاد مجلسها. وكلّ حيّ إلى ممات، ونسأل الله حسن الخاتمة.
* * *
стр. 1057
-٨٩ -
أنا والقلم
سألني أحد الإخوان الذين يقرؤون هذه الذكريات، فقال: لقد قرأتُ في الحلقة (٢٢) وما قبلها أنك تلقّيت العربية عن الأساتذة الجندي والمبارك وسلام، وقبلهم قرأت النحو والصرف على المشايخ صالح التونسي وأبي الخير الميداني وأبي الخير القوّاس، فعمّن أخذت الإنشاء؟ وكيف تعلّمت الكتابة؟
فورد عليّ ما لم أُعِدّ له جواباً، لأنه ما خطر هذا السؤال يوماً على بالي ولا قدّرت أنني سأُسأله، وقعدت أفكّر فقلت: صحيح والله، كيف تعلّمت الكتابة؟
ما أخذتها عن أستاذ. وليست الكتابة علماً يُتلقّى عن الأساتذة كما يتلقى الطالب النحو والصرف والفقه والأصول، وما كان في أساتذتنا من يُعَدّ من أرباب الأقلام أو يُحسَب مع الكتّاب. وكلّ هؤلاء الذين سَمّاهم الأخ السائل والذين استمددت منهم معرفتي بالعربية ما كان فيهم من يُحسِن الكتابة، حتى الأستاذ الجندي فإنه على كثرة مصنّفاته كان عالِماً لا كاتباً، وليس العالِم كالكاتب؛ الكاتب هو الذي يُخرِج لك مكنون نفسه حتى تراه ظاهراً لعينك،
стр. 1058
ويصف لك المشهد الغائب عنك حتى تُبصِره أمامك، ويملك الفكرة فيتصرّف بها تصرّف المالك حتى يُدخِلها ذهن الشاكّ أو المُنكِر أو المعارض كما يُدخِلها ذهن الموافق أو الخليّ. هو الذي يملك عيناً كعين المصوّرة (الكاميرا) تسجّل كلّ جميل في الكون أو قبيح وكلّ محبوب في النفس أو مكروه تسجيلاً يخلّده ويُبقيه، كما يسجّل وقائع الناس وطِباعهم وخلائقهم. ثم إن الكتابة كالطبّ صارت إخصاء (أي اختصاصاً) فلم يَعُد الطبيب يداوي الأمراض كلها في الأعضاء كلها، بل لم نعُد نجد طبيباً داخلياً (باطنياً) عاماً، بل صار لكل عضو إخصائي (أي اختصاصيّ) ولكل مرض إخصائي.
وكذلك الكتابة؛ فكتابة صحفية، وكتابة أقصوصة أو قصّة أو رواية، وكتابة مسرحية، والكاتب المسرحي إما كاتب مآسٍ وفواجع (تراجيديات) أو كاتب يرسم البسمات على الشفاه ويستخرج الضحكات من الأعماق. ثم إن ذلك كله إمّا أن يكون بالأسلوب الواقعي الذي يمشي على الأرض ويصوّر أحوال أهلها، أو الذي يعلو في جِواء الخيال أو يقيّد شوارد الأحلام، أحلام اليقظة أو المنام، وإمّا أن يعرض الصورة كاملة أو يجعل لها رمزاً (سمبول) يدلّ عليها ويشير إليها.
وأصناف أخرى لا أريد، بل لا أقدر أن أستقريها وأتقصّاها، وليس في أساتذتي ولا في مشايخي من كان في شيء من هذا.
حتى دروس الإنشاء في المدرسة لم أستفِد يوماً منها ولا نبغت يوماً فيها، وما نلت فيها الدرجة الكاملة في الامتحان قط.
стр. 1059
لماذا؟ لأنهم كانوا يكلّفوننا الكتابة في موضوعات غريبة عنّا بعيدة عن أذواقنا ومشاعرنا، ويطلب منّا الأستاذ أن نفكّر برأسه هو وأن نُبصِر بعينه، وأن نُغمِض عيوننا نحن ونعطّل تفكيرنا. وكان بعضهم يحدّد لنا حداً لا نجاوزه من عدد الأسطر أو الصفحات. فمَن رأى فكراً أو شعوراً يوزَن أو يُكال أو يُقاس؟ ولقد كنت أعجب دائماً من الأستاذ الزيات، كيف تأتي افتتاحية للرسالة في حيّز معيّن لا يزيد عليه ولا يكاد ينقص منه مهما يكن الموضوع.
ومن أمثلة ما كان يُطلَب منّا أن نكتبه أن أستاذنا الجندي (عليه رحمة الله) كلّفنا يوماً أن نكتب في ««وصف روضة». فنبشت ذهني ونثرت ما في مخزون ذاكرتي، فما وجدت فيها صورة «روضة» إلاّ «قهوة الروضة» في حمص. فما الذي أصفه؟
وكنت أعرف في بساتين دمشق بستاناً لأخوالي من آل الخطيب، إذا ولجت بابه الخشبي رأيت أمامك «مَزْبَلة» (١) وإلى جنبها ساقية عَكِرة، يتجمّع ماؤها في بِرْكة أقلّ ما يُقال فيها إنها ليست نظيفة، وعند مدخل البستان أشجار ضِخام من الجوز تحوم حولها الغربان (٢).
فلما رأى الموضوع أخرج القلم الأحمر، وملأ الصفحة بمثل دماء الجروح من كثرة الخطوط الحُمر. قلت: فما الذي
стр. 1060
أنكرتَه يا سيدي؟ قال: ساقية عكرة، وغربان؟! هلاّ ذكرت ماءً كذَوْب اللُجَين تلمع فيه حصى كاللآلئ؟ وهلاّ جعلت على الغصون العنادل والبلابل؟
قلت: يا سيدي، لقد وصفتُ ما أبصرتُ. وأنا لم أشاهد في عمري ماء كأنه ذوب اللجَين ولا حصى «يرُوعُ حاليةَ العذارى فتلمَسُ جانبَ العَقدِ النظيم»، وما عرفت العندليب ولا البلبل. أفأصفُ ما لم أرَ ولم أعرف؟
ولكن الأستاذ لم يُعجِبه ما قلتُ ولا ما كتبت!
* * *
وكان الذين يكتبون عندنا قلائل، وما يصل إلينا من مصر من الكتب والمجلاّت قليلاً أيضاً، ولا أمدّ إليه يداً لأن الأستاذ كان يحذّرنا منه لئلاّ تفسد به مَلَكاتنا ويسري اللحن إلينا؛ لذلك اقتصرَت قراءاتي إلى آخر الدراسة الثانوية على كتب الأدب القديم، فقرأت «الأغاني» كلّه (وإن لم أفهمه كلّه) و «العقد الفريد» و «البيان والتبيين» وما كان في مكتبتنا من أمثال هذه الكتب وما كان فيها من دواوين الشعراء، ولم أعرف من الأدب الجديد إلاّ ما كتب المنفلوطي في «النظرات» و «العبرات» وما تُرجم له فصاغه بقلمه من القصص والروايات، ومجلّة «الرابطة الأدبية» التي تكلّمت عنها في الحلقة (٢٢) من هذه الذكريات.
والمنفلوطي سَلِس العبارة ضحل المعنى، ليس لأفكاره عمق ولكن على ألفاظه طلاوة، كثير الترادف، خَطابي الأسلوب، ومقالته «تأبين فولتير» التي صاغ فيها ما تُرجم له عن فيكتور هوغو
стр. 1061
هي في رأيي النموذج الكامل للأسلوب الخطابي الذي كان الغالب على نثر هوغو. ومن قرأ كتبه (أي هوغو) «قبل المنفى» و «أثناء المنفى» وخطبه في مجلس النوّاب ومرافعاته في المحاكم، لا سيما دفاعه عن ولده، رأى دليل هذا الذي أقوله. ولو أتقن هوغو العربية وكتب بها تأبينه فولتير لما جاء بأعظم ولا أكرم ممّا كتب المنفلوطي. هذا رأيي أنا.
وما أحدٌ ممّن كان من لِداتنا ومن أبناء عصرنا إلاّ تأثّر يوماً بالمنفلوطي و «نظراته». أما «العبرات» فأكثر قصصها بدائية مصطنَعة. وليست البراعة أن يموت الولد من المرض فتموت الأم من الحزن ويموت الأب من الندم ويموت أهل الحارة من البكاء ... بل البراعة أن يسخن الطفل قليلاً ولا تدري أمه وهي وحدها في الدار ما تصنع له، فتسهر معه: تضمّه إلى صدرها وتحاول أن تدفع عنه المرض بعاطفتها. إن وصف حال الطفل والأم أصعب من أن نجعل من هذا المرض وباء يقتل أهل البيت والجيران، ويدَع الناس كأنهم في هيروشيما يوم ارتكب فيها ناس من البشر الجريمة التي لم يرتكب مثلَها نيرون ولا هولاكو، ولا إبليس نفسه.
وما كنّا نعرف من الكتّاب إلاّ العقّاد والرافعي والمازني وطه حسين والزيات وحسين هيكل وأمثالهم، عرفنا بعض كتبهم التي وصلَت إلينا (كالمطالعات والديوان وحصاد الهشيم)، أمّا كتّاب الشام فقد عرفنا منهم محمد كرد علي في خطط الشام وغرائب الغرب، وشكيب أرسلان، ومحبّ الدين الخطيب، وأعضاء الرابطة الأدبية وأمثالهم.
стр. 1062
فهل أستطيع أن أقول إنني قلّدت في الكتابة واحداً منهم ومشيت على أثره وتبعته في أسلوبه؟ هذه كتاباتهم وهذه كتابتي، فما منهم من أشبهَت كتابتي كتابتَه حتى أكون قد قلّدتُه. وكان أهلي علماء ما كان فيهم كاتب إلاّ خالي محبّ الدين، فهل قلّدتُه؟ إن أسلوبه غير أسلوبي، فمن أين إذن جئت بهذا الأسلوب؟ ما عندي عن ذلك إلاّ نصف العلم، ونصف العلم «لا أدري»!
أنا في العادة أخجل فأهضم نفسي حقّها بهذا الخجل، ومن حقّي أن أقول: إن الأسلوب الذي أكتب به والأسلوب الذي كنت أخطب به كلاهما جديد، قلّدني فيه كثيرون وما قلّدت فيه أحداً، وكذلك الأسلوب الذي كان ينظم به أخي أنور العطّار ﵀.
أنا لا أنكر أني تأثّرت حيناً بالمنفلوطي وحيناً بالرافعي وحيناً بالمازني، لا سيما في قصّة «سانين» (وهي قصّة سيئة لكاتب روسي ترجمها من قديم عن الإنكليزية ونشرَتها سلسلة روايات «مسامرات الشعب» من أكثر من نصف قرن)، وحيناً بجبران، ولكن هذا كلّه كان عارضاً لم يستمرّ طويلاً. وكنت معجباً أشدّ الإعجاب بالرافعي، ولكن تبدّل نظري إليه وحكمي عليه، وخير ما كتب «تحت راية القرآن» و «وحي القلم»، أمّا ما يسمّيه فلسفة الحب والجمال في مثل «رسائل الأحزان» و «السحاب الأحمر» و «أوراق الورد» فأشهد أنه شيء لا يُطاق، يتعب فيه القارئ مثل تعب الكاتب ثم لا يخرج منه بطائل.
وكنت معجَباً بالزيات، ولا أزال معجَباً به، وإن كان يحسّ القارئ بأنه يَتعب بتخيّر ألفاظه ورصف جُمَله. أما زكي مبارك
стр. 1063
فأحسب أنه صاحب أجمل أسلوب، تقرؤه بلذّة ولا تكاد تجد فيه فائدة! ولقد قرأت كتابه «ليلى المريضة في العراق» خمس مرّات، وما فهمت ما ليلى هذه؛ أهي حقيقة أم رمز؟ وهل يصف واقعاً أو يسرد خيالاً؟ ماذا يريد أن يقول، ما عرفت ولا وجدت من عرف. ولكنه -على ذلك- كلام جميل جميل.
وممّن عرفت مَن يكتب المقالة الواحدة في يوم كامل أو في أيام عِدّة، كالرافعي (كما قال عن نفسه في مقالته «دعابة إبليس»)، والزيات كما عرفته لمّا كنت معه. ومنهم من يكتبها في جلسة واحدة، لا يمسح القلم ولا يُعيد النظر في جملة، كالمازني وزكي مبارك في أكثر أحواله. وكان الشيخ علي يوسف صاحب «المؤيّد» يكتب المقالة التي تهزّ البلد أو ترجّ أركان الحكومة وهو يحدّث زُوّاره ويكلّم مَن حوله، و «لكلّ امرئ من دهرِهِ ما تعوّدا».
* * *
لمّا كنت أدرّس الأدب والإنشاء كنت أجد التلاميذ يبدؤون كل موضوع من فوق، من "أشرقَت الغزالة على الدنيا بأشعّتها الذهبية" ... فكنت أقول لهم: ابدؤوا من تحت، من الأرض؛ اكتبوا عمّا ترونه وتُحسّونه، أنا أفضّل الأدب الواقعي على الخيالات والأوهام. فيمتثلون ولكن لا يقتنعون، فكانوا كثيراً ما يسألونني: كيف ندخل في الموضوع؟ كيف تدخلون؟ من الباب! الذي تريد أن تقوله قُله بلا مقدّمات.
كان أبعد ما يطمح إليه الناشئ أن ينشر ما يكتب. ولم يكن ذلك سهلاً، فقد كانت الجرائد (عندنا في الشام مثلاً) أربعاً، كلّ
стр. 1064
واحدة بأربع صفحات صفحة منها للمقالات. فكان المجال ضيّقاً ولكن كان الجائلون فيه قليلين، وفي كتابي «من حديث النفس» فصل عنوانه «أول مقالة نشرتها»، وأنا أكتب هذه الحلقة والكتاب بعيد عني لذلك ألخّص لكم الفصل بكلمة.
كان ذلك على ما أذكر سنة ١٣٤٥، وقد كتبت مقالات كثيرة ثم شققتها ولم أسعَ إلى نشرها. وكيف أنشرها وأنا بطبعي متردّد معتزل؟ بل أنا خجول من الدخول، فإذا صرت بالداخل تبدّل الخجل جرأة. فشجّعت نفسي وحملت المقالة إلى دار «المقتبس»، والمقتبس هي المجلّة التي أنشأها أستاذنا محمد كرد علي في مصر ثم حوّلها جريدة يومية وأقام أخاه أحمد (أبابسام) عليها، وكانت في السنجقدار. فصعدت السلّم وأنا متردّد متهيّب أتشجّع فأُقدِم ثم أفكّر فأُحجِم، أصعد درجة وأقف وأهم بالهبوط ثم أعاود الصعود، حتى صرت فوق، وإذا أنا أمام الأستاذ أحمد كرد علي. فنظر إليّ فرأى فتى في الثامنة عشرة، فرحّب بي ودعاني إلى القعود فقعدت، ونظر إليّ متسائلاً فقلت: عندي مقالة أريد نشرها.
ولم يكن أحدٌ من الشباب ينشر مقالات في الصحف، إنما كان ينشر فيها كتّاب معدودون لا يزيدون. فعجب ومدّ يده إليّ فقمت فدفعت بها إليه، وقعدت وقلبي تُسمَع دقّاته، لقد كنت كالمتّهَم الواقف أمام القاضي لا يدري أيُحكَم عليه بالسجن أم يُحكَم له بالبراءة. وقرأها متمهّلاً وهو يسارقني النظر وأنا قاعد على مثل الحديد المُحمى، ثم قال: عظيم، أنت كتبتَها؟
وكان في سؤاله رنّة الشكّ، كأنه يحسب أني سرقتها أو أنها
стр. 1065
كُتبَت لي. قلت: نعم. قال: لا أريد إتعابك، ولكن ما دمت قد جئت فهل تحبّ أن تعطينا نصف ساعة تساعدنا فيها أم أنك على موعد؟ قلت: بل أساعد. قال: شكراً تفضّل. ودفع إليّ مجموعة من البرقيات لرويتر وهافاس (وكانتا هما الشركتين اللتين تتولّيان نشر الأخبار) وقال: أرجو أن تقرأها وتصوغ منها مقالة قصيرة تلخّصها وتجمعها فيها. وكان يريد امتحاني، قلت: حاضر.
وما مرّت ربع ساعة حتى ناولتُه المقالة المطلوبة، وكان قلمي يومئذ أسرع من ذهني، وكان ذهني في ثورة متوقّدة في مضائه وسرعته. فدهش وقال: شكراً، غداً تقرأ مقالك منشوراً. وخرجت وأنا لا أكاد أبصر طريقي من الفرح، أريد أن يعرف الناس كلهم أن مقالي سيُنشر غداً وتحته اسمي! كنت أشعر أنني أمشي على الأرض ولكن لا أمسّها بقدمي، كأني راكب «حوّامة» في يوم لم تكن قد عُرفَت فيه الحوّامات. ولم تذُق عيوني تلك الليلة طعم المنام؛ كنت أرقب الصبح حتى أرى الجريدة ومقالتي فيها. وذكرت كل ما كنت أحفظ من الشعر في الشكوى من طول الليل، وكنت أحفظ الكثير.
وكانت الجرائد تصدر بعد الظهر، فجعلت أدور حول دار الجريدة، حتى إذا صدرَت أخذتها وخفقان قلبي يكاد يطغى على أصوات الشارع، ووقفت إلى جانب الجدار وقلّبتها بلهفة، فإذا المقالة فيها وقد قدّم لها مقدّمة ألبسني فيها ثوباً أكبر مني (١).
* * *
стр. 1066
يا أسفي على أيام الصبا ولذّات الصبا! لقد نشرت بعدها أكثر من ألف، بل أكثر من ألفَي مقالة، ولكن ما أحسست يوماً بمثل تلك الفرحة. وأنا أكتب المقالة الآن كأني أؤدّي واجباً ما من أدائه بُدّ، وأبعث بها، أو أُملِيها بالهاتف فيسجّلها الأخ طاهر أبوبكر وأحياناً الأخ وهيب غراب، ثم ينسخها ثم يتفضّل بقراءتها عليّ، وأطمئنّ إلى خلوّها من الأخطاء، فإذا دخلَت المطبعة لحقَتها الأخطاء من حيث لا أدري.
إنه لا يؤذيني شيء كما تؤذيني أخطاء الطبع، وأشدّها ما كان فيه تبديل كلمة بكلمة. لقد كتبت في الحلقة الماضية «العشرينيات» وقلت لهم مؤكداً: «العشرينيات» بصيغة النسبة لا «العشرينات»، فلما قرأتها مطبوعة إذا هي «العشرينات»! لقد قاسيت من هذه الأخطاء ما يُعَدّ من «الأشغال الشاقّة» التي يُحكَم بها مع السجن على المجرمين!
تأتي المقالة منشورة وأقرؤها لأطمئنّ عليها، ثم أعود فأقرؤها لأستمتع بها، ثم لا أستطيع أن أعود إليها أبداً. وإني لأكتب الحلقة من هذه الذكريات ولا أكاد أذكر ما قلت فيما كان قبلها، لذلك تأتي بعض الحوادث مكرّرة مُعادة.
* * *
اقترح عليّ أحد المحبّين أن أنشر «المجموعة الكاملة» لكلّ ما كتبت، فقلت: هيهات! لقد كتبت في جرائد ومجلاّت ما عندي منها نسخة واحدة، كتبت سنة ١٩٣٥ في جريدة «الجزيرة» عند الأستاذ تيسير ظبيان ﵀ (لمّا كانت تصدر في الشام)
стр. 1067
مقالات ما عندي منها شيء، وكتبت في «المكشوف» عند فؤاد حبيش مقالات ما عندي منها شيء، وفي «الثقافة» عند الأستاذ أحمد أمين، وفي مجلاّت وجرائد نسيت حتى أسماءها.
وقد طُبع لي إلى الآن ما يقارب الأربعين كتاباً، وأحسب أن الذي ضاع يملأ أربعين كتاباً آخر (١). أمّا أحاديثي في الإذاعة والرائي فإنها لو جُمعت لجاءت في خمسين كتاباً، ولكني لا أملك صوراً عنها وأكثرها ما كتبتها أصلاً.
وأسأل الله أن يكتب لي بعض الثواب عليها.
* * *
стр. 1068
-٩٠ -
ذكريات بغداد (١)
وذهبت إلى بغداد، وسأحدّثكم كيف ذهبت إلى بغداد.
ذهبت إليها مدرّساً، وكان ذلك في عهد الشباب، كما جئت مكّة الآن مدرّساً بعدما ولّى الشباب، فرأيت في بغداد زملاء كراماً وطُلاّباً أنجاباً، مثل الذين رأيتهم هنا من كرام الزملاء ومن نُجباء الطلاّب. ولا تزال ذكرى من عرفت في بغداد واضحة لعيني، وإن كان يفصل بيني وبينهم فاصل ما بين سنة ١٩٣٦ و١٩٨٣. وأنا أكتب الآن عن ذكريات بغداد بعد نحو خمسين سنة، فهل أعيش حتى أكتب عن ذكريات مكّة بعد خمس سنين؟ إن العمر بيد الله، ولا أسأل الله المزيد منه إلاّ إن كانت معه الصحّة والعمل الصالح، وكان بعده الغفران.
ذهبت إلى بغداد، ولم أكُن أعرف عنها إلاّ ماضيها؛ لا أدري ما بغداد اليوم وما الرُّصَافة وما الكَرْخ وما الكَرّادة، ولا أدري مَن في بغداد من ناس: ما صفاتهم؟ ما خلائقهم؟ ماذا يعلمون وماذا يجهلون؟ ماذا يحبّون وماذا يكرهون؟ ولا أدري ما الكوفة اليوم: ماذا فعل بها الزمان؟ وما البصرة وما الموصل؟
стр. 1069
كنت أعرف من بغداد ماضيها. وبغداد الماضي جنّة مسحورة من جِنان الأحلام وليلة مجسّمة من ألف ليلة وليلة: عيون المَها بين الرُّصافة والجسر، وفُتون الهوى في الكوخ وفي القصر، وفي الطرق إغراء وسحر وفي الساحات إنشاد وشعر. وبغداد مدرسة الدين: في كلّ بيت حلقة حديث ومجلس علم، ومجمع هداية ومكان ذِكر. وبغداد سوق الدنيا: إليها تُحمَل ثمرات الأرض ومنها تُحمَل الثمرات إلى الأرض.
تلك بغداد الماضي. لم تكن الصلات الثقافية بينها وبين دمشق كالتي ترون اليوم؛ إنما تكون الصلات بين بلدَين مختلفَين وقُطرَين متباينَين، لا بين عضوين ملتصقَين وأخوَين متّفقَين. وبغداد الماضي بنت دمشق وأم القاهرة، وبغداد ودمشق والقاهرة بنات المدينة المنورة، وبغداد ودمشق مدينتان من قُطر واحد، ليستا مثل لندن وباريس بل هما مثل نيويورك وواشنطن. إن فرّقَت بين البلدان الأديانُ فالدين فيهما واحد، أو فصلَت بين الأمكنة الألسنةُ فاللسان فيهما واحد، أو باعدَت الأهدافُ فالهدف واحد، والماضي واحد وفي المستقبل أمل واحد، والحاكم في البلدين واحد، والعلم واحد. وحدة في كلّ شيء، بغداد بلد الشامي والشام موطن ابن بغداد.
هذا ما كنت أعرف عن بغداد وعن العراق. فإن سألتَني -بعد هذا- ما فعل الله بالعراق بعدما فُصل بين العضوَين وبوعد بين الشقيقَين، وتمّ ما أُريدَ لنا لا ما أردناه لأنفسنا، فصار الواحد اثنين وصار القُطر حكومتين، إن سألتَني عن العراق الحديث لم تكن تجد عندي يومئذ من خبره إلاّ قليلاً لا يشفي غليلاً.
стр. 1070
فلما عشت في بغداد صارت بغداد مهوى القلب، وصارت بغداد مثوى الحبّ، وصارت بغداد أحبّ البلدان إليّ بعد دمشق، وصار دجلة أحلى الأنهار عندي بعد بردى، وصارت «الأبوذية» أطرب الأنغام في أذني بعد «العَتابا»، وصار السمك المَسْكوف ألذّ الأطعمة عندي بعد القوزي.
وصرت أعرف بغداد: مسالكها ومنازلها، وخيرها وشرّها، وطبائع أهليها وخلائق ساكنيها، مثلما أعرف دمشق وأعرف القاهرة وأعرف بيروت، ومثلما عرفت أشرف البلدان وأحبها إلى قلب كلّ مسلم منزل الوحي ومدينة الرسول ﵊، المدينة التي وُلد فيها والمدينة التي هاجر إليها. وصار لي من أهل بغداد إخوان أحبهم ويحبونني وأشتاقهم ويشتاقونني.
فما الذي فعل ذلك كله؟ ما الذي وصل بيني وبين بغداد بعد التقاطع؟ ماالذي صيّرني عراقياً مثلما أنا مصري الأصل دمشقي المولد؟ لقد فعل ذلك كلّه أني دُعيت إلى العراق مدرّساً.
أرأيتم ما تصنع الصلات الثقافية؟ أرأيتم سحرها؟ إنه والله سحر. أرسلوا مدرّساً سورياً إلى العراق وهاتوا مدرّساً عراقياً إلى دمشق وانثروا المدرّسين المصريين في بلاد العرب جميعاً، تروا أن كلّ واحد منهم صار سفيراً لبلده في البلد الشقيق، سفيراً سفارته سماوية وأثرها خالد. وهاكم مني مثالاً: هل تدرون أني كتبت عن العراق ما يملأ كتاباً كبيراً غير الكتاب الذي طُبع باسم بغداد، وأني أستطيع أن أحدّثكم عن العراق حديثاً جديداً كل يوم
стр. 1071
يمتدّ شهراً، وأني مجّدت العراق أكثر من أبنائه ووصفت أيامه؟ وكذلك فعل أخي في السفر والحضر رفيق العمر أنور العطّار، رحمة الله عليه، الذي نظم في العراق ديواناً كاملاً. وهاكم مثالاً أكمل: الصديق الدكتور زكي مبارك ﵀، الذي ألّف كتباً عن العراق.
بذرة صغيرة أنبتَت دوحة عظيمة؛ مدرّس أديب يُرسَل من بلد إلى بلد فيؤلّف بين البلدَين ويؤاخي بين أهليهما، ويكسب الأدب بعد ذلك روائع طالما عجزَت عن الإتيان بمثلها الأقلام. فألزِموا أدباء بغداد أن يزوروا دمشق، وأدباء دمشق أن يزوروا بغداد، وأدباء مصر أن يزوروا البلاد العربية كلها، وأدباء كل قطر من أقطار الإسلام أن يزوروا الأقطار الأخرى، لكن لا تكلّفوهم مالاً فالأدباء مفلسون، بل قدّموا لهم وسائل السفر وأنزلوهم ضيوفاً، رغّبوهم وأطلقوا بالعطايا ألسنتهم تأخذوا منهم أكثر ممّا أعطيتموهم؛ تأخذوا أدباً يبقى على حين يذهب المال، أدباً طالما بنى ووحّد وأقام دولاً وهوى بدول.
وهل في الدنيا شيء بعد الدين أعظم من الأدب؟ إنه كلام ولكنه كلام يجرّ فعالاً. إنه كلام ولكنه يقيمكم إن كنتم قاعدين ويُقعِدكم إن كنتم قائمين، ويدفع بكم إلى الموت ويأخذ بأيديكم إلى الحياة ... وكذلك يتصرّف الأدباء بالناس. سيّروا البعثات المدرسية بين هذه البلاد دواماً، لا تملّوا حتى لا يبقى في كلّ بلد تلميذ لم يرَ البلاد الأخرى، ولتُخصّص كل إذاعة موعداً دائماً للكلام عن البلدان الأخرى، وكذلك فلتصنع صحف كل
стр. 1072
بلد: صِفُوا للمسلمين بلادهم ومنازلها وطبيعتها وعمرانها والآثار الباقيات فيها، والخلائق والأزياء والعادات، وغنّوا لنا في الشام ألحان العراق وأسمعوا العراقيين ألحان أهل الشام.
* * *
"لقد هاج ذكرَ بغداد في نفسي ذكرى الأيام التي عشتها فيها، ونشر أمام عيني ما انطوى من ذكرياتها وما مات من أيامها. لقد رجعت إلى تلك الليالي حتى كأني -لكثرة ما تشوّقت إليها وأوغلت في ادّكارها- أعيش فيها. أيّ سحر فيك يابغداد جذب قلبي إليك، فلم أنسَك لمّا كنت في بلدي الحبيب، ولم أزل أحنّ إليك وأشتاقك؟
بغداد ... يا بغداد، عليك مني سلام الود والحبّ والوفاء، على باب المعظَّم، على الصُّلَيْخ، على الكرّادة، على الكَرْخ، سلام الفؤاد المشوق الولهان.
على ليالينا بين الرصافة والجسر. ما كان أحلى تلك الليالي! لقد كنت أشكو فيك ألم الغربة وأحنّ إلى الوطن، فصرت في وطني أحنّ إلى تلك الغربة ولياليها. وما ظلمني موطني وما أنكرني، وما كنت لأذمّه صادقاً فكيف أذمّه بما ليس فيه، ولكنها هي الدعة مللتها واجتويتها: إني أشكو ألم الراحة، فأعطوني به راحة الألم. ذلك الألم العبقري الذي يفتح القلوب بآيات الشعر، فإني منذ فقدته لم أعد أحسّ أنني ذو قلب!
على الرستمية ... ألا تزال الرستمية جنّة من جِنان الأرض
стр. 1073
حافلة بالعاشقين، أم طاف بها طائف من هذه الحرب (١) فجفّت خمائلها وهجرها قاصدوها؟ على الصالحية ... بروحي صالحية دمشق، وصالحية بغداد، وصالحية مصر. على قهوة المطار، على ظبائها، وعلى جآذرها ألف سلام.
على الجسر، يا جسر بغداد كم جمعت وفرقتَ؟ ماذا رأيت وماذا سمعتَ؟ كم وصلت بين قلوب وقطعتَ؟ أنت الصلة بين ماض لنا كان أعزّ من النجم وأسمى وآتٍ سيكون أسمى من النجم وأعزّ. يا جسر بغداد، يا مربع الحب والأدب والمجد، يا من كنت سُرّة الأرض وكنت لي مسَرّة القلب، عليك مني ألف سلام.
يا ربوعاً تركت فيها قطعاً من حياتي وخلّفت فيها بقايا من فؤادي، ماذا صنعتِ بفؤادي وحياتي يا ربوع. ويا دارنا في الأعظمية: من حلّ فيك بعدُ يا دار؟ هل صوّح لبُعدِنا زهرُك أم ضحكَت من بعدنا الأزهار؟ وهل حُفظت آثارنا أم طُمست من بعدنا الآثار؟
لقد كنتِ أنت مستقرّي ومثواي وكان إليك مفرّي من دنياي، وكنتِ شاهدة أفراحي كلها وأتراحي، وكنتِ مستودَع أسراري وأخباري، كتمتها عن الناس إلاّ عنك. فهل كتمَت سرّي هذه الجدران؟ وما لي فيها من أسرار أخشى منها يوم العرض على الرحمن، لكنها نقائصي وعيوبي، فهل سترَت ما رأت من نقائصي التي أخفيتها عن الأصدقاء والإخوان؟
стр. 1074
ما هذه الدنيا يا ناس؟ هذه الدار التي كنت أفرّ إليها من ضيق الحياة وزحمة المجتمع فأغلق بابها عليّ، وأخلو فيها إلى نفسي فأحسّ أنها جزء مني وأنها لي وحدي، صارت غريبة عني؟ تُنكِرني وتجهلني كأني لست منها وليست مني! وصارت لغيري، فإذا ما جئت أطرق بابها رُدِدْت عنها أو قُبلتُ فيها ضيفاً غريباً لا أرى إلاّ ما يراه الضيف ولا ألبث إلاّ ما يلبث الضيف! لا يا سكانها، ما أنا بالضيف الغريب، إنها كانت داري، إن لي فيها حقاً، لي فيها ذكريات، فيها من حياتي، من أنفاسي، من روحي" (١).
* * *
إني لأنظر الآن من خلال السنين، أقف على درب (٢) القرون أراها وهي تمرّ بي قرناً بعد قرن، وأشاهد مواكب الأيام وهي تجوز بي موكباً إثر موكب، كفِلْم في سينما تعرض فصولُه قصّةَ بغداد. لو كنت أستطيع أن أعرض الفِلم كلّه لأحسستم أنكم تعيشون معي في قلب التاريخ وتحلّون معي «أشخاصاً» في هذه القصّة العبقرية التأليف والإخراج. ولكن الفِلم طويل، فاكتفوا بهذه اللمحات الخاطفة من هذا الفِلم العظيم (٣).
* * *
стр. 1075
نحن في مطلع الفِلْم قبل نحو ١٤٥٠ سنة، وبغداد قرية صغيرة، عندها سوق للغنم والجِمال ومن حولها السواد فيه النخيل، ومن وراء السواد هذه الصحراء التي تتلظّى فيها الرمال وتتوقّد الشمس، ويبدو من كل جهة فيها وجه الموت يتربص لكل قادم عليها من غير أهلها. أمّا أهلوها فقد أنِسوا بالموت حتى رأوا فيه الحياة، يعيشون عيش الآساد في آجامها، يُدْلون بمثل ظفر الأسد ونابه ويطوون صدورهم على مثل جرأته ووثابه، لذلك كانوا يحتربون ويقتتلون إذا لم يجدوا من يحاربون ويقتلون، لا شريعة لهم إلاّ شريعة القوّة ولا حُكم إلاّ حُكم السيف.
وفي جوار هذه القرية الخاملة كانت تقوم «المدائن»، قرارة كسرى شاهنشاه (١) فيها عرشه وإيوانه، العجمُ يسجدون بين يديه ويكفّرون له (أي ينحنون)، والعرب يُكبِرون مكانه ويخافون سلطانه ويسمّون عاملاً من عُمّاله (هو مدير ناحية الحيرة، النعمان ابن المنذر)، يُسمّونه ملك العرب.
ويدور الفِلم ويبدأ فيه فصل جديد.
انظروا، لقد ماج هذا البحر من القبائل التي كانت تسكن الصحراء وتحرّك واضطرب، ثم جرى فيه تيّار قوي يجرف في طريقه كل شيء. لقد اتحد القوم المتفرقون، ونبذوا راياتهم وهي شتّى ليحملوا راية واحدة جديدة هي راية القرآن، يقودهم تحتها المثنى بن حارثة نحو بغداد. وها هم أولاء يتقدّمون، ويتقدّمون،
стр. 1076
ويتقدّمون. لقد كان العجب العاجب؛ هؤلاء البدو الجاهلون ملكوا مُلك كسرى، فلا كسرى بعد اليوم، وشادوا في مكانه مُلكاً أنفع منه وأبقى.
ويدور الفِلم، وتظهر صورة ثانية لبغداد.
نحن في سنة ١٤٥ للهجرة، وقد اندثرَت القرية وذهب بها ريب الزمان وعادت الأرض مراتع وبساتين، وكان صباح يوم صائف من أيام الخريف، فوقف في هذه الساحة رَكْب من الناس ونزل رجال يذرعون الأرض، يقيسون طولها والعرض. فسألت من هؤلاء؟ وماذا يصنعون؟
قالوا: ألا تعرف من هؤلاء؟ يا عجباً! هذا هو الرجل الذي عاش ثُلثَي حياته عالِماً مغموراً لا يدري به أحد، وعاش ثلثها الثالث وهو الحاكم المطلَق في نصف المعمور من الأرض من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق. هذا هو الرجل الفولاذي الصلب الذي بنى دولة عاشت راياتها وشاراتها واستمرّ ذكرها على المنابر أكثر من ثمانمئة سنة، هذا أبو جعفر المنصور جاء يقيم ها هنا مدينة!
ولم يغتصب الرجل الحديدي ذراعاً واحداً من الأرض، وما كان الغصب يوماً من صفات الخلفاء المسلمين حقاً، بل اشترى الأرض من أصحابها بأكثر من أثمانها وأقام مدينته عليها.
ومر على هذا المشهد سنتان، ودار الفِلْم دورة جديدة وإذا المدينة عامرة.
стр. 1077
أترونها على الشطّ الغربي لدجلة؟ إنها مدوّرة على هندسة مبتكَرة ما في المدن التي أعرفها شبيه لها إلاّ دهلي الجديدة (نيودلهي) اليوم. لقد احتُفل بافتتاحها سنة ١٤٩هـ وبلغت نفقات بنائها ١٨ مليون دينار من الذهب. أتعرفون كم تعدل من نقود هذه الأيام؟ لقد ذكر المؤرّخون أن الدينار كان يُشترى به يومئذ تسعة عشر خروفاً، وألف ومئتا رطل من التمر، وكانت أجرة العامل على مدى ستة أشهر ديناراً واحداً. فانظروا كم يساوي مبلغ ثمانية عشر مليون دينار من نقود هذه الأيام التي يساوي فيها الخروف فيما أعلم أكثر من خمسين ديناراً.
وجعلها مدوّرة لئلاّ يكون بعض أنحائها أقرب إليه من بعض، وجعل فيها مجلسه، وأقام عليه إيواناً عليه قبّة خضراء علوّها ثمانون ذراعاً، وجعل من المجلس إلى الأرض الفضاء نفقاً (سرداباً) طوله فرسخان. وبقيَت هذه القبّة وهي (كما يقول الخطيب البغدادي) تاج بغداد وعلَم البلد تُرى من أطرافها جميعاً، حتى هوت في ليلة عاصفة من سنة ٣٢٩هـ، أي بعد مئة وثمانين سنة.
ودار الفِلم، وظهرت صورة ثالثة لبغداد.
لقد بلغَت من عمرها عشر سنين فقط، ولكنها شبّت كما يشبّ الجنّي في القصّة، واستطاعت أن تقفز من فوق دجلة إلى الضفة الأخرى. فهل سمعتم ببنت عشر سنين تقفز نهراً عرضه خمسمئة ذراع؟
لقد أقام المهدي الرُّصافة فصارت بغداد بلدَين: الكرخ
стр. 1078
من هنا (من جهة الشام) وفيها مدينة أبي جعفر المدوّرة والقبّة الخضراء، والرصافة من هناك.
وتكاملت بغداد، واتصل الشاطئان، وامتدّت الدور وتناثرت القصور، وسكرت بغداد بخمرة المجد والجاه والعلم والفنّ والغناء والسرور، وجاء العصر الذهبي، عصر هارون الرشيد الذي قال للسحابة لمّا رآها: "أمطري حيث شئتِ فسيأتيني خراجك"، والذي كانت كلمته تمضي في الأرض حتى تصل إلى أبواب الصين وشواطئ الأطلنطي لا يردّها شيء، والذي ملك ما لم يَملك قبله مَلِك قطّ. وقام ليلة يصبّ الماء على يد العالِم أبي معاوية الضرير بعد أن عشّاه معه على مائدته، فقال للعالِم الضرير: أتدري من يصبّ الماء على يديك؟ قال: لا. قال الخليفة العظيم هارون الرشيد: أنا.
فهل ترونه اضطرب العالِم أو اهتزّ؟ لا والله، وبقي يغسل يديه وهو يقول: إنما كرّمت العلم يا أمير المؤمنين.
هكذا كان ملوكنا وهكذا كان العلماء.
لقد صارت بغداد أمَّ المدن وحاضرة الحواضر، وبلغَت ما لم تبلغه روما في سلطانها ولا القسطنطينية ولا المدائن ذات الإيوان. لقد غدت سيدة العالم والبلادُ لها خَوَل، ما يظهر في بلدة طريف ولا ظريف من ثمرات الأيدي ولا من نتاج الطبيعة ولا من حصاد الأدمغة إلاّ حُمل إلى بغداد، وما ينبغ نابغ في مشرق من الأرض ولا مغرب إلاّ أمَّ بغداد؛ فالقوافل أبداً تتّجه إلى بغداد بكل ثمين وجميل، تحمله إليها لتلقيه بين يديها كما تحمل ماءها
стр. 1079
الأنهارُ من كل مكان لتصبّه في البحر. لقد تمّت ولكن:
إذا تمّ أمرٌ بَدا نقصُهُ ... ترقّبْ زَوالاً إذا قِيلَ: تَمْ
لقد أصابتها عين الحسود، لقد حلّت النكبة ببغداد ونزلَت ساحتها الحرب بوجهها الكالح ومنجلها الذي يحصد الأخضر واليابس. إنها الحرب الداخلية؛ الحرب بين الأخوين: بين الأمين والمأمون. ولكن الغادة الشابّة القوية لا تموت من المَرْضة العارضة مهما اشتدّت، ولقد برئَت بغداد وعادت إلى أبهى ممّا كانت عليه وأزهى.
ومضى الفِلم، وبدت صورة لبغداد وهي على كرسيّ الولادة في المستشفى. لقد وَلَدَت بغداد، وكان الطبيب المولِّد هو الخليفة الذي كان آية في قوّة جسمه ورجولته وآية في جهله وعامّيته، والذي أدخل جراثيم المرض الفتّاك في جسد هذه الدولة القوية، المعتصم الذي جاء بغلمان الأتراك فجعلهم سادة الدولة، فجرّ علينا مصائب ثمانية قرون.
* * *
стр. 1080
-٩١ -
ذكريات بغداد (٢)
لا تقرؤوا هذه الحلقة حتى تضعوا التي قبلها تحت أبصاركم، فإن القصّة فيهما واحدة، وأنا أصل هنا ما قطعتُه هناك، وهي قصة حياة بغداد.
والذي يؤرّخ حياة الأفراد من الناس يؤرّخ حياة المدن والأنهار والقلاع والأسوار. إن أبرع اثنين أعرفهما في هذا العصر في التراجم والكتابة عن العظماء هما إميل لودفيغ الألماني وأندره موروا، والأول من تأليفه كتاب عن النيل ما قرأته ولكن قرأت عنه (١).
стр. 1081
وأنا لست مثلهما ولا من طبقتهما، ولكني كنت من أكثر من ثلث قرن أذيع من إذاعة دمشق أحاديث عنوانها «أعلام الإسلام»، ضاع أكثرها فجمعت ما بقي منها فأودعته كتابي «رجال من التاريخ»، وهو كتاب مطبوع متداوَل. سلكت فيه طريقاً ما تبعت فيه أحداً، هو أني أقرأ عمّن أحبّ أن أتكلم عنه كل ما أصل إليه من أخباره، ثم أحقّق هذه الأخبار، ثم آخذ منها مشهداً أو قصّة أدخل منها على ترجمة الرجل، فيكون ما كتبتُه شيئاً وسطاً بين القصة والتاريخ.
* * *
وإذا كان كُتَّاب المسلسَلات يقطعونها في موضع الإثارة ليضمنوا اهتمام المشاهد بها وعودته إليها، فقد قطعت الفِلْم في آخر الحلقة الماضية وبغدادُ في المستشفى (١) على كرسي الولادة. وكان الطبيب المولِّد المعتصم. وإذا قلت إنه لم يكن في علمه وفي فكره كأخيه المأمون فما ذممتُه وما بخستُه حقّه، وكيف وهو بطل «عمورية»؟ وكيف وهو الذي هتفت به أسيرة مسلمة، نادت: وامعتصماه، فأجابها:
أجبتَها معلناً بالسيفِ مُنْصَلِتاً ... ولو أجبتَ بغيرِ السّيفِ لم تُجِبِ
صدق أبو تَمّام، فالجواب بالكلام بدل الحسام هو خرَس عن الجواب. إننا نتكلم الآن ونتكلم، نكتب أبلغ المقالات ونُلقي أعظم الخطب ونطلق التصريحات ملتهبة، ولكن نار الحرب لدينا مطفأة. أفهذا جواب؟
стр. 1082
الجواب ما كتبه هارون الرشيد حين مزّق رسالة إمبراطور الروم وكتب على قطعة منها: "الجواب ما ترى لا ما تسمع". هذه هي خلائق المسلمين وسلائق العرب، فمتى نعود نحن المسلمين إلى خلائقنا؟
لقد بلغَت الدولة في عهد المعتصم ذروة قوّتها، ولكنه جعلها -بما صنع- تهبط بعد الصعود. الذين جاء بهم وأعطاهم المناصب والرواتب ووكل إليهم أمر الدولة، هووا بالدولة حتى صار الخلفاء من ذُرّية المعتصم ألعوبة في أيديهم الدّنسة:
لما اعتَقَدتُم أُناساً لا حُلومَ لها ... ضِعتُم وضيّعتمُ مَن كان يَعتقدُ
ولو جعلتُم على الأحرارِ نِعمتَكمْ ... حَمَتكمُ السّادةُ المذكورةُ النُّجُدُ
* * *
تركنا (١) بغداد على كرسي الولادة فولدَت بنتاً، ولكنها جاءت جِنّية بنت جِنّية، أعجوبة ولدت أعجوبة. وهل أعجب من مولودة تخرج من يدي القابلة وهي ترقص وتغنّي وتتكلّم بسبع لغات؟ ولكن لم تكد تنتهي أفراح الولادة حتى كانت أيام المأتم.
لقد ماتت الوليدة طفلة، ماتت وهي في مثل عمر الياسمين، ولكنها تركت في تاريخ الأمجاد عبقاً أطيب من أريج الياسمين، تلك هي «سُرّ مَن رأى» (سامرّاء) التي لم تعِش إلاّ ثمانياً وأربعين
стр. 1083
سنة، والتي بلغ سُكّانها مليونين على حين كان في بغداد أيضاً نحو مليونَين. وسأحدّثكم حديثها، ولكني أستحلفكم من الآن إن زرتم بغداد أن تجوزوا بسامرّاء، فليس في آثار المجد الإسلامي ما هو أروع منها ولا في قصص الآثار العربية ما هو أحلى وأشجى من قصّتها، اللهمّ إلاّ تاج محلّ (تاج محل في أغرا، وأغرا عند دهلي).
ومضى الفِلم، وبدت صورة بغداد وقد بلغت قمّة مجدها وجلالها وحازت ما لم تَحُزه قبلها مدينة من مدن الأرض.
وهذا يوم واحد من أيام بغداد العظيمة. ولست مستطيعاً أن أصوّر لكم كلّ ما كان في ذلك اليوم، فهل رأيتم في السينما مشاهد تتويج الملكة في إنكلترا مثلاً؟ إني أؤكّد لكم القول إن حفلات التتويج تكون حادثاً صغيراً إذا قيست بحفلات استقبال وفد قيصر القسطنطينية في بغداد أيام المقتدر.
لقد وقف مئة وستون ألف جندي بأكمل عدّة وأفخر ثياب من خارج المدينة إلى باب قصر التاج، جنود من كلّ البلاد وكلّ الأجناس، وأقيمت الأقواس والأعلام وسُلْسِلَت المصابيح، ومُدّت النمارق والسجّادات والبُسُط العجيبة على طول الطريق، فبلغ عددها اثنين وعشرين ألف قطعة سجّاد. وخرج أهل بغداد جميعاً (وقد زادوا يومئذ عن ثلاثة ملايين) إلى الطرقات التي سيجتاز بها موكب الوفد، فبلغَت أجرة مجلس الرجل الواحد في الدكّان أو على السطح عشرين درهماً، أي أكثر من دينار!
ولبس قصر التاج حُلّة لا يمكن لقلم كاتب أن يصفها،
стр. 1084
وحسبكم أن تعلموا أن عدد ما عُلّق فيها من ستور الديباج المذهَّبة المطرّزة المصوّرة بأبدع ما أخرجَته أيدي النُّقّاش والمصوّرين والمطرّزين في أرجاء الأرض كان ثمانية وثلاثين ألف ستار. ولا تحسبوا قصر التاج كما تعرفون من القصور. لا، ولا تظنّوه كالحمراء في غرناطة ولا فرساي في باريس. كان فيه ثلاثة وعشرون قصراً كل واحد منها أكبر (كما وصفوا) من قصر عابدين في مصر.
وكان في إسطبل الخيل ألف فرس، خمسمئة على اليمين عليها السُّرُج المُحلاّة بالذهب والفضّة، وخمسمئة على اليسار بجلال الديباج والبراقع الطوال، وكل فرس أمام بيته بِيَد سائس بأجمل بزّة وثياب.
ومرّوا بالوفد على حَيْر الوحوش المستأنَسة (أي حديقة الحيوان) وكان فيه مئة من السباع، خمسون عن يمين وخمسون عن يسار، وفيه دار الفِيَلة. ثم مروا بالوفد على قصر الفردوس، وكان فيه بهو طوله ثلاثمئة ذراع قد صُفَّت فيه أنواع الأسلحة التي لم يرَ الراؤون مثلها. ثم دخلوا بالوفد دار نصر الحاجب، فلما رأى وفد الروم عظمة المكان وأُبّهة نصر حسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: لا، هذا هو الحاجب.
ثم أدخلوهم على الوزير ابن الفرات، وكان في مجلس في حديقة في القصر بين دجلة والبستان قد عُلّقت فيه الستور ومُدَّت الفُرُش، وكان (١) شيء عجيب، فحسبوه الخليفة فركعوا وسلّموا، فقيل لهم: هذا هو الوزير.
стр. 1085
ثم وصلوا إلى الخليفة، واستقبلهم في دار الشجرة. وهي شجرة من الفضّة وزنها خمسمئة ألف مثقال (نصف مليون)، وبعضها من الذهب والجوهر، لها غصون وأوراق تميس مَيَسان أغصان الشجر، وعليها أطيار من الفضّة تصفّر وتتحرك بحركات قد رُتّبت لها.
وكان عدد خدم القصر المنبَثّين في الممرّات والدهاليز وعلى السطوح بألبسة عجيبة وزينة بالغة سبعة آلاف خادم، وكان الحُجّاب أكثر من خمسمئة، وكان يوماً من أيام التاريخ.
ومضى الفِلْم، وبدت صورة بغداد وقد اتّشَحَت بالسواد ولبسَت ثياب الحداد.
لقد ماتت بغداد بني العباس وذهب شبابها وامّحَت محاسنها، وخربتها أيدي الوحوش البشرية من جند هولاكو جاءت بهم خيانة الوزير ابن العلقمي، فذلّ الأعزّة من أهلها وانتُهك المصون من أعراضها، وذُبح علماؤها وكبراؤها وأمراؤها، وأُعمِلَ السيف في أهلها أربعين يوماً فبلغ القتلى أكثر من ألف ألف (مليون)، وأُلقيت كتبها في دجلة فاسودّت منها مياهها حيال الضفتين أياماً، وذهب نتاج العقول وحصاد العبقريات وثمرات الأيدي الصَّنَاع، وكانت مصيبة المصائب على الإسلام وأهله، وغدت بغداد خرائب وأطلالاً:
لِسائلِ الدّمعِ عَن بَغدادَ أخبارُ ... فما وقوفُكَ والأحبابُ قد ساروا
يا زائرينَ إلى الزَّوْراءِ لا تَفِدوا ... فما بِذاكَ الحِمى والدّارِ دَيّارُ
تاجُ الخِلافةِ والرَّبعُ الذي شَرُفَتْ ... بهِ المَعالمُ قد عَفّاهُ إقفارُ
стр. 1086
بل فِدُوا (١) إليها وأعرضوا عمّا قال الشاعر. فِدُوا إليها وأقبلوا عليها، فقد قامت الدار وعاد الديّار.
ما ماتت بغداد؛ إن بغداد لا تموت. السنديانة الضخمة قد تُقطَع وتُنشَر بالمنشار ولكن جذورها في الأرض، فلا تلبث أن يخرج من جذعها اليابس فرع طريّ يصير غصناً لدناً، ثم يغدو جذعاً قوياً كالجذع الذي انقطع تقوم عليه دوحة باسقة كالتي كانت من قبل.
* * *
إنني لا أزال في الكلام على بغداد الماضي، ما تكلمت عن بغداد الحاضر. ولكن هل بغداد التي ذهبتُ إليها وجئت الآن أكتب عنها هي بغداد الحاضر؟ لقد مرّ على ذهابي إلى بغداد نحوٌ من نصف قرن. إن بغداد التي عرفتها صارت أيضاً من التاريخ، ولكن تلك من التاريخ البعيد وهذه من التاريخ القريب. إن مدننا ومجتمعاتنا تعدو عدواً في طريق هذه الحضارة المادّية، فما يكون اليوم جديداً يكون غداً قديماً.
إن بغداد التي عرفتها ما كان فيها إلاّ شارع واحد تمشي فيه السيارات والعربات صفاً متصلاً، لا تستطيع أن تقف فيه لأنه ضيّق وإذا وقفَت فيه سدّته، ولا تستطيع أن تخرج منه لأنها إن خرجت منه لم تقدر أن ترجع إليه.
شارع واحد هو شارع الرشيد، وعلى طرَفَيه عمارات
стр. 1087
أعلاها من ثلاث طبقات، يحدّه من هنا النهر ومن هناك أزقّة ضيّقة لا تتّسع لأصغر سيارة لتمشي فيها هي «الدربونات». بغداد التي عرفتها كانت تنام على الشطّين، رأسها في باب المعظّم ورِجْلاها في الباب الشرقي، أو بالعكس، فما أبالي أين الرأس وأين القدمان ما دام الفراش ممدوداً ومداه محدوداً. وما بعد باب المعظم شيء يُذكر في البنيان.
كان طريق الأعظمية خالياً ما فيه إلاّ البلاط الملكي. ولا تحسبوه مثل قصر يلدز أو «ضولْمَه باغْجِه» (١) ولا مثل فرساي. ما هو إلاّ بناء دون بناء بعض بيوت الموسرين. ثم أقامت الأوقاف (على ما أذكر) أمامه دُوَيرات (فيلات صغيرة) جعلوها ذات ألوان، أو أذنوا للناس بإقامتها على أن يسكنوها مدّة معلومة ثم تؤول إلى إدارة الأوقاف، لأن تلك الأرض كانت وقفاً. وليس بعد البلاط ولا قبله منازل ولا بنيان حتى نصل إلى دور الأعظمية، فينادي سائق الحافلة (الباص): "رأس الأحواش"، أي أوائل البيوت ... بيوت الأعظمية، لينزل من شاء من الركّاب.
أما الحافلات (الباصات) فهي صناديق كبيرة من الحديد فيها كراسي ضيّقة متراصّة، وقد خُبِّرت أن الحافلات التي تحمل الناس الآن في بغداد هي التي يحملهم مثلها في لندن لا تختلف عنها، وأن منها ما هو بطبقتين، وعلمت أن عند أمانة العاصمة متحفاً أو معرضاً يعرضون فيه تطور سيارات النقل العامّ من تلك الصناديق التي أعرفها (والتي كنت أزاحم الناس لأتخذ لي كرسياً
стр. 1088
فيها) إلى ما انتهت إليه اليوم. وقالوا إن بغداد اليوم أكبر مساحة وأكثر امتداداً من بغداد الرشيد والمأمون. قالوا: إن طولها زاد على خمسين كيلاً، وقالوا: إن الجسر صار مثل الجسور التي تقوم على دعائم راسيات في الأرض، وقد كان الجسر على عهدي ببغداد يقوم على عوّامات، فإذا فاض النهر وزاد الماء صار الجسر كالتلّ يُصعَد إليه صعوداً، وإذا قلّ الماء صار كالوادي نهبط إليه نازلين! فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدُّعابات؟
وقالوا إن بغداد ذات الشارع الواحد صار فيها عشرات وعشرات من الشوارع التي تمشي فيها السيارات وتقوم على جانبَيها ضِخام العمارات، فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدعايات؟
إنني لأشتهي أن أرى بغداد بعد طول الغياب، ولكن ما الذي أجده اليوم من بغداد التي عرفتها؟ مَن الذي سألقاه ممّن كنت ألقى يومئذ فأسعد بلقياه؟ هل أجد الشيخ رضا الشبيبي الذي بسط عليّ جناحَيه فدفع عني الأذى يوم تحالف عليّ إخوة كرام إثر ما كان بيني وبين المفتّش؟ هل أجد العالِم الأديب الذي كان يعمل معه الأستاذ طه الراوي؟ هل أجد العالِم الكبير الشيخ المعمَّر الشيخ إبراهيم الرّاوي؟ ألا يزال في جامع سيد سلطان علي، يستقبل كل من دخل عليه ويُلزِمه أن يأكل من طعامه ولو لم يكن الوقت وقت طعام؟
هل أزور الأخ الذي كان لي أكثر من الأخ الشقيق، الأخ الأكبر وإن كان لا يزيد عني في العمر إلا خمس سنين، الذي كان سبب سفري إلى العراق، والذي كان مكتبه في وزارة المعارف
стр. 1089
مَغداي أو مَراحي كل يوم؟ الذي كنت آوي إليه كلّما ضربَتني أمواج الحياة فأجد الجبل المنيع الذي لا تصل هذه الأمواج لمن يأوي إليه؟ الذي عرفته في دمشق وفي لبنان وفي العراق، فما عرفت فيه إلاّ الأخ الوفي والصديق الصفي، الشاعر الراوي الكاتب البليغ الذي يكفيه أنه ساجل إمام البلاغة الزيات في قصّته «وضّاح اليمن»، فما كان أسلوبه دون أسلوب الزيات ولا بيانه أقلّ من بيانه؟ ﵀ وجزاه عني خيراً. أما عرفتموه؟ هو الشيخ بهجة الأثري الذي سلّمني مكانه في الثانوية المركزية لمّا تبوأ كرسي كبير مفتّشي اللغة العربية في العراق، فكان لي خير سلف ولكن هل كنت له خير خلف؟ ﵀ فما أنسى -والله- فضله عليّ.
هل أجد زملائي الذين جاؤوا العراق معي: أنور العطّار وعبد المنعم خلاّف وأحمد مَظهر العَظْمة وصالح عَقيل وكامل عيّاد وحيدر الرّكابي؟ هل أجد من جاء بعدي لمّا فارقت العراق إلى بيروت الأستاذ الدكتور زكي مبارك؟ إن من هؤلاء من بقي كما بقيت، مدّ الله في عمره وأحسن خاتمتي، ولكن أكثرهم لحق بركب الماضين (١).
هل أجد الشيوخ الأجلّة الذين جمعني بهم التدريس في دار العلوم الشرعية الملحَقة بجامع الإمام الأعظم الذي سُمّيت باسمه ونُسبت إليه مدينة الأعظمية: العالِم الغني الزاهد الشيخ أمجد الزهاوي، والعالِم الحقوقي صاحب خزانة الكتب الكبيرة الحاجّ حمدي الأعظمي، والمفتي الصالح الشيخ قاسم القيسي،
стр. 1090
ومدير الدار الأستاذ الكبير الشيخ المعمَّر فهمي المدرّس؟ لقد كنت وحدي الشابّ بينهم، وكانوا كلّهم أكبر مني سناً، وأكثر علماً وفضلاً وأعلى منزلة.
أين مني تلك الأيام، وماذا أجد إن ذهبت من بقاياها، من أريجها، من عطرها، من أنقاضها، من آثارها؟
وتلاميذي الذين لا أحصيهم عدداً، وإن ظللت أذكرهم أبداً، وأتعلّل بذكراهم على طول المدى وبعد الزمان. لقد كان منهم عبد السلام عارف ﵀، لقد صار رئيس الجمهورية، وكلّما قابل أحداً من أهل الشام سأله عني وعن أنور العطّار. ولكن لم ألقَه بعدها. أنا أتهيب أن أطرق باب الرفيق إن لم يتّصل حبلي تماماً بحبله ولم ترتفع الكلفة بيني وبينه، فكيف برئيس الجمهورية؟ حتى إن مَن صار وزيراً من تلاميذي لم أعُد أراه، إذ هو في شغل عن زيارتي وأنا في عزوف عن زيارته.
وقليل من الطلاّب الذين لبثوا -على طول العهد- محافظين على الودّ، منهم ... بل دعوني أسُق لكم خبره قبل أن أقول لكم من هو: كان طالباً في الشهادة الثانوية سنة ١٩٣٦، فلما نالها دخل الكلّية العسكرية، فتخرّج فيها وتدرّج صاعداً في الرتَب العسكرية حتى صار عقيداً (كولونيل)، فحدثت أحداث في العراق اضطرّته إلى ترك العسكرية، فماذا صنع؟ هل قعد في بيته يبكي ما فقد، يندب ماضيه يائساً من مستقبله؟ إن أصحاب الهِمَم العالية إذا هبطوا الجبل من جانب قاموا يحاولون صعوده من الجانب الآخر، لأنهم لا يطيقون البقاء في الحضيض بل يبتغون