← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

تأخذ بعقب أختها؟ امسح بإصبعك جزءاً من خطّ سيرها تَرَها قد اضطربَت وحارت وماج بعضها في بعض؛ ذلك أنّ كل نملة تُفرِز شيئاً له رائحة تهتدي برائحته التي بعدها، فإذا مسحتَ الخطّ وزالت هذه المادّة ضلّت طريقها. كذلك الإنسان في حياته: عندما يعترض طريقه الذي يمشي فيه شيء يبقى حيران، لا يدري أيّ مسلك يسلك ومن أين يمشي. لقد وقع لي مثل ذلك وأنا معلّم، أتنقّل بين القرى ثم بين المدارس في دمشق، أجد المصاعب والمتاعب أريد مَنْجى منها، فقابلت العالِم الجليل المعمَّر الشيخ سليمان الجوخَدار (وسأتحدّث عنه حين أتحدّث إن شاء الله عمّن عرفت من الرجال) (١)، وكان شيخ أبي، وكان مفتي الشام من قبل الحرب الأولى بأزمان. فسألني عن حالي فشكوت ما أنا فيه، فقال لي: قابلني غداً في السراي (أي في قصر الحكومة المُطلّ على بردى) بعد العصر في غير أوقات الدوام الرسمي لأعرّف بك الأستاذ الشعباني. وكان الشعباني وزير المالية يومئذ قد أُعطيَ سلطات واسعة، فأصدر قرار التنسيق المشهور الذي اعتبر جميع الموظفين مُسَرَّحين، أي شبه معزولين، إلاّ من يصدر قرار جديد بتثبيته، وكان لذلك رجّة في الشام لا أدري هل دوّن أحدٌ قصّتها أم ضاعت فيما ضاع من أخبار تاريخنا القريب. أمّا أنا فأكتب

стр. 982

ذكرياتي، لا أؤلف تاريخاً، لذلك أذكر ما يدخل في نطاق هذه الذكريات. وجئت في الموعد. وكان الدخول إلى السراي في تلك الساعة ممنوعاً، ولكن الحرّاس من الشرطة أذنوا لمّا عرفوا اسمي لأن الشيخ كان قد خبّرهم بأمري، وكان يومئذ وزيراً. وصعدت إلى البهو الكبير المُطلّ على النهر لألقى فيه الشيخ الجوخدار، وفوجئت برئيس الجمهورية محمد علي بك العابد، وهو ابن أحمد عزّة باشا العابد الذي كان الرجل الأول من العرب في قصر السلطان عبد الحميد وكان أوجه العرب في ذلك الدور. وكان معه الوزير شاكر نعمة الشعباني ووزراء آخرون، وكانوا -كما بدا لي- في اجتماع لمجلس الوزراء انفضّ قبل قليل. وأنا أرتبك في مثل هذه المقابلات وأتضايق وأودّ لو وجدت مهرباً منها، ولكن لم يكن بد من السلام على رئيس الجمهورية، فقابلني ببِشْره المعهود، وسلّمت على من عرفت من الوزراء، وأوصلني إلى الشعباني، وكانا قد انتحيا ناحية من البهو فقال له: هذا فلان، عني. وأثنى على ذكائي وفصاحة لساني وقوّة قلمي، وأمثال ذلك ممّا يَسهُل على قائله أن يُفيض فيه ولكن يصعب أن يرويه الممدوح بفيه، فاعذروني إن رويته بلساني. رحّب الشعباني بي وقال لي: لقد أفهمك معالي الأفندي (وكنّا نطلق على أصحاب المناصب من المشايخ لقب «الأفندي»، فيقولون قاضي أفندي ومفتي أفندي، وذلك من مصطلحات الأتراك)، قال لي: لقد أفهمك الموضوع فما رأيك؟

стр. 983

تصوّروا حالي وأنا لم أعرف ما الموضوع، والأفندي لم يُفهِمني شيئاً قط، وما جئت إلاّ أملاً بمساعدة منه بنقلي إلى مدرسة أخرى أستريح فيها. ففوجئت بما لم أتوقع ولم أنتظر، وتردّدتُ، هل أقول له: "إني لا أعرف شيئاً عن الموضوع الذي تشير إليه" فيكون قولي تكذيباً أو شبه تكذيب للشيخ سليمان، أم أسكت. وركّزت ذهني كله وحصرت انتباهي لعلّي أمسك طرف الخيط فأعرف عمّ يتكلم وإلامَ يشير. وقلت: إني أستمهل معاليك لأفكر، ولكن أحب أعرف شيئاً عن التفاصيل. فقال: سيكون العمل في دمشق لا في حلب، وإن شئت بقيت في وظيفتك وكان عملك معنا انتداباً، وإن شئت تركتها ولم تأسف على تركها. وستكون حُراً في التحرير إلاّ في الأمور التي هي من سياسة الدولة، أو التي هي من أغراض الجريدة الأساسية. وهذا الكلام الذي ألخّصه الآن في ثلاثة أسطر بقيتُ على أشدّ حالات التنبه وتركيز الذهن ربع ساعة حتى فهمتُه من كلامه؛ تكلّم ربع ساعة حتى فهمت من الكلام هذه الأسطر القليلة. لقد كان الشعباني صاحب جريدة «الأهالي»، وهي جريدة مكروهة تصدر في حلب، تمشي مع الفرنسيين وتُعارض الوطنية وأهلها. فهمت أنه يريد نقلها إلى دمشق وإصدارها باستعداد ضخم، لتكون لسان الحكومة كما كانت «الأيام» من قبل لسان الوطنيين، ويريد أن أتولّى أنا تحريرها كما كنت أتولّى في جريدة «الأيام» سنة ١٩٣١ ما يشبه إدارة التحرير. وأشار إلى أني سأُعطى مرتّباً لمّا بيّنه لم أصدّق سمعي، لأنه كان يُعَدّ في تلك الأيام مبلغاً كبيراً جداً.

стр. 984

واستمهلت لأفكّر، وخرجت إلى ساحة المرجة ووقفت في زاويتها الغربية وأنا في عالَم آخر، أرى الداخلين إلى سينما غازي والمارّين في المرجة أمامي كأني أرى شخوصاً تمرّ بي في المنام. هل أقبل أم أرفض؟ هل أبقى عمري كله معلّم أولاد أم أستغلّ هذه الفرصة التي جاءت هي إليّ وهبطَت عليّ؟ لقد كنت كالمغامر بماله كله، إما أن يزيده ضعفَين أو أن يخسره كله. تارة أقول لنفسي: وهل الحياة إلاّ مغامرة؟ وهل يستكين ويرضى بالأقلّ إلاّ الخامل؟ وتارة أقول: أنا مكلَّف بإخوتي ما لهم بعد الله غيري، فهل أدع الطريق المسلوك الآمن ولو كان طويلاً ضيّقاً، وأسلك المفازة وأقتحم العقبة رجاء أن أجد وراءها كنزاً أو أن أصيب غنيمة؟ ولست أدري كم وقفت أفكر حتى مرّ بي صديق نسيت اسمه، وأنا آسف لنسيانه لكنني أتصوره، وإذا أجهدت ذهني ذكرتُه. سلّم عليّ وكان من أقرب أصدقائي، فتردّدت: هل أخبره أم أفارقه؟ ثم ذكرت أنه عاقل وأنه كاتم للسر، وأنه محبّ لي راغب في نصحي، فلما سألني: ما لك؟ ما شأنك؟ خبّرته واستكتمته وسألته رأيه. ففكّر وقال: إنك كمن يبيع غداءه ويشتري ورقة يانصيب، فإمّا أن يربح فيتغدى من ربحه السّنة كلها غداء أفضل من هذا الغداء وإما أن يبقى جائعاً. ثم إني أعرفك؛ إنك لا تستطيع أن تسلك طريقاً لا يطمئنّ إليه قلبك ولا يرتضيه ضميرك، فهل يريح قلبَك أن تعمل مع مثل الشعباني، ولطالما كتبتَ أنت بقلمك تردّ عليه وعلى جريدته؟ إنك ستتركه بعد شهرَين على أبعد تقدير وتخرج بلا وظيفة ولا عمل، فدعها.

стр. 985

جزاه الله خيراً، وإن نسيت من هو. لقد فعلتُ ما أشار عليّ به ولم أعُد إلى الأفندي (الشيخ سليمان) ولا إلى الوزير، بل تناسيت الأمر كله. وما مرّت إلاّ مدّة قصيرة حتى سقطَت الوزارة التي فيها الشعباني، وتبدّل العهد كله، وجاء الوطنيون الذين كنت أكتب عندهم وأعمل معهم وأنا رئيس لجنة الطلبة معهم، وأراد الله لي الخير فاللهمّ لك الحمد. * * *

стр. 986

-٨٤ - الوقفة الكبرى أمامي بسيط من الأرض كان أمس (الأربعاء) صحراء ما فيها دار ولا دَيّار، وغداً (الجمعة) تصير مدينة عامرة فيها شوارعها وبيوتها وسياراتها وكلّ ما يحتاج إليه ساكنوها، وساكنوها يزيدون عن مليونين من الناس. نحن نعرف قصّة إنشاء كثير من المدن: «واسِط» التي بناها الحَجّاج، وبغداد المنصور، وقاهرة المُعِزّ ... مدن كثيرة وُلدت صغيرة كما يُولَد كل حيّ ثم نَمَت وكبرَت. ولكن هل عرفتم مدينة تُولَد في يوم واحد فإذا هي من كبريات المدن ثم تخلو بعد يوم واحد؟ بلدة قامت في صحراء حيث لا نبع ولا ماء وليس فيها حدائق ولا بساتين، ليس فيها شيء ممّا في مصر والهند والعراق من جليل الآثار، وليس فيها سوق للتجّار يبيعون فيه ويشترون ويربحون، ولا ملاعب للهو ولا مقاصف للمتعة يؤمّها قاصدوها يستمتعون ويمرحون، ولا جامعات ولا نوادٍ للمحاضرات يحضرها طلبة العلم وروّاد المعرفة والاطلاع. ليس فيها شيء من ذلك، وعظمتها أنه ليس فيها من ذلك شيء.

стр. 987

لو كانت الوقفة في بلاد الجمال أو المال أو الثقافة أو اللهو والتسلية لاشتغل الحُجّاج بذلك عن الوصول بقلوبهم إلى الأُنس بالخلوة بالله وإلى لذّة مناجاته؛ لذلك كانت الوقفة في أرض خالية ما فيها ما يشغل القلب أو البصر أو العقل، وكانت بثيابٍ ما فيها من معاني الثياب إلاّ أنها تستر الجسد وتحجب العورة، فلا أناقة ولا زينة ولا تفاخر ولا تفاوت. وكان القعود فيها على الأرض تحت الشمس أو في خيام ليس فيها من معاني البيوت إلاّ أنها تمنع الشمس، فلا قصور حولها البساتين الواسعة ولها الأبواب الشارعة ولأبوابها الأقواس الرائعة وعليها الصور البارعة، لا شيء من ذلك كله. قد اختُصرت الدنيا واقتُصر منها على هذا الأقلّ الذي لا بد منه ولا غِنى عنه، لتشغل من قلب الحاجّ الحدّ الأدنى للاهتمام بها، وينصرف القلب إلى ذكر الله والاستعداد للآخرة. إنكم تعيشون أيامكم كلها للدنيا، تهتمّون بها وتجمعون لها وتحرصون عليها، فاجعلوا هذه الساعات من هذا اليوم للآخرة؛ فرّغوا قلوبكم لها نصف نهار. وأنا أعلم أن الشيطان لم يكن ليدَعكم، والشيطان موكّل بالإنسان يأتيه من أمام ومن خلف ومن يمين ومن شمال، ويجري منه مجرى الدم ويوسوس له ويحوم حوله كالعدوّ يحوم حول القلعة، فإن وجد حُرّاس القلعة ساهرين يرمونه بالرصاص إذا تقدّم ووجد القلعة مُحكَمة البنيان ليس لها منفذ وقف بعيداً، فإن وجد غفلة من الحارس أو ثغرة في الجدار دخل. وقلعة الإيمان حِراستُها بيقظة القلب والدفاعُ عنها بذكر الله، وثغرات الشيطان إليها كثيرة ولكن أوسعها اثنتان: الشهوة

стр. 988

والغضب (١)؛ فإذا غلبَت على الإنسان الشهوة وتَملّكه الغضب فقد أعلن استسلامه للشيطان. فأقبِلوا في هذا اليوم على الله فإنه يوم واحد في السنة، ولعلّكم لا تقفون هذا الموقف مرّة ثانية فحاولوا ألاّ تضيعوا دقيقة منه إلاّ في طاعة ودعاء، فإن لم تَدْعوا بألسنتكم فاذكروا الله بقلوبكم، تذكّروا ذنوبكم واستغفروا منها ربكم، فإن لم تفعلوا ذلك فلا أقلّ من أن تعصموا ألسنتكم عن الغيبة والكذب فإنهما حرام في كلّ يوم، وحرمتهما في اليوم أشد. * * * إن الاختلاف يكاد يكون في هذه الدنيا من لوازم الإنسان: اختلاف في القوميات وفي الألسن وفي المذاهب والألوان، ونزاع دائم: نزاع على الأموال وعلى اللذّة وعلى الجاه وعلى السلطان. اختلاف وتنازع في كلّ مكان وفي كلّ زمان، في أقصى الشرق وأقصى الغرب، من أقدم الأزمان إلى الآن، لا تجدون مكاناً واحداً يخلو من الاختلاف وتسقط فيه حواجز الدم واللسان وتَمّحي فيه فوارق الغِنى والسلطان إلاّ هذا المكان. ولو كان مثل هذا المشهد لأمة من الأمم الحيّة التي تُقدّر أمجادها وتُحصي مفاخرها لَنُظم فيه مئة ملحمة وألف رواية وعشرة آلاف قصيدة ومقطوعة، ولباهوا به الإنس والجن. وأين مثل هذا المشهد؟ أين تجدون مليون شخص أو مليونين، يأتون من كل بلد في

стр. 989

الدنيا إلى بقعة مقفرة خالية ما فيها ماء وليس فيها بناء وليس فيها شجرة خضراء، فإذا وصلوا قيل لهم: مكانكم! قفوا لا تدخلوا حتى تخلعوا ثيابكم كلها. وبالثياب يتفاوت الناس وبالثياب تتكوّن شخصياتهم، ولولا الثياب ما كانت هيبة رجل الدين وسطوة رجل الجيش في نظر العامّة، ولا امتاز غنيّ عن فقير، فإذا خلعوها اختلطَت الطبقات كلها حتى صارت طبقة واحدة هي طبقة الحُجّاج. لا نقول هنا للأمير: يا سُمُوّ الأمير، ولا للمدير: يا سعادة المدير، ولا نخاطب العظيم بخطاب التعظيم؛ فما ها هنا أمير ولا مدير، ولا غنيّ وفقير ولا كبير وصغير، ما هنا إلاّ حُجّاج. فتقول لكل من تراه غداً هنا: يا «حاجّ» ولا يغضب من قولك بل يُسَرّ به ويراه أبلغ التكريم. فأروني موقفاً آخر عرفه البشر من أقدم الزمان إلى الآن يزول معه التفاوت بينهم في الثياب وفي البيوت وفي الألقاب؟ قد يأتي إلى المَشاهد الدولية والمعارض العامّة وحفلات المباريات وكثير من المناسبات، قد يأتي أعدادٌ من البشر تعدل أو تزيد على أعداد الحُجّاج في بعض السنين. ولكنهم يأتون ومعهم دنياهم تفرّق بينهم: ثيابهم تفرّق بينهم، مساكنهم: هذا في نُزُل (موتيل) على الطريق وذاك في أفخم فندق في المدينة، وهذا يزاحم ويقف في الصف ليصل إلى ما يبتغي وذاك يسبق أو يتأخر ليخلو له الطريق. وهنا (في الحجّ) نظام عامّ، قانون شامل، كلهم يقفون في موقف محدّد في وقت محدّد ويعملون العمل المحدّد. جميعهم يقف في عَرَفات ويمرّ في مُزْدَلِفة، ويطوف ويرمي، لا ميزة

стр. 990

لأحد على أحد. كانت لقريش (أي الحُمْس) امتيازات جعلوها لأنفسهم، فلا يقفون خارج الحرم ولا يخرجون من مزدلفة حتى تشرق الشمس على جبل ثَبير، فجاء الإسلام فقرّر إلغاء هذه الامتيازات وإزالة هذه الفوارق، وأصدر قانونه الإلهيّ (هو أمر الله): ﴿ثُمَّ أفيضُوا مِنْ حَيثُ أفاضَ النّاسُ﴾؛ لا ميزة لأحد على أحد، حتى الرسول ‘ حجّ كما يحجّ الناس (بل حجّ الناس كما حجّ) لمّا قال: «خذوا عني مناسككم»، علّمهم أحكام الحجّ وحجّ معهم أو حجّوا معه، كما علّمهم أحكام الصلاة ثم صلّى أمامهم وقال: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي». كان أعظم معلّم يعلّم تعليماً نظرياً وتعليماً عملياً. لو كان يجوز أن يحضر هذا الموقفَ غيرُ مسلم لاقترحت على الأمم المتحدة أن توفد مَن يدّعي المساواة ومحاربة العنصرية والتمييز بين الناس ليرى هذا المشهد الذي لم تُبصِر عين الشمس مثيلاً له! مشهد متفرّد ما رأى أحدٌ ولن يرى مثله. من هنا أعلن محمد ‘ حقوق الإنسان قبل أن تُعلنها الثورة الفرنسية بأكثر من ألف عام، أعلنها عملاً سبَق القول وأعلنوها قولاً ما بعده عمل! لمّا وقف في حجّة الوداع في أكبر جمع إسلامي كان على عهده ‘، فقرّر حصانة الدماء والأموال والأعراض وحرمة التعدّي عليها، وأن الناس سواء: ربّهم واحد وأبوهم واحد «كلّكم لآدم وآدم من تراب»، فلا يتكبّرْ متكبّر ولا يَسْتَعْلِ مُستعلٍ، فما خلق الله واحداً من التبر وواحداً من الطين بل الكل من التراب وإلى التراب، ثم إلى موقف الحساب، ثم إلى الثواب أو العقاب. ألغى شرف النسب والمال والجاه الموروث،

стр. 991

فالكريم هو الكريم بمزاياه وبأعماله، لا بأهله ولا بآله ولا بثروته ولا بماله: «إن أكرمكم عند الله أتقاكم». * * * أرأيتم الضالّ في الصحراء يمشي وحيداً حائراً قد هدّه الجوع وبرّح به العطش، والشمس تتلظّى أشعّتها ناراً والرمال تتسعّر جمراً، ثم وجد الواحة الخضراء فيها الظلّ والماء، وفيها النخيل المحمّل بالتمر، وفيها الحياة وفيها النعيم؟ هذا مثال الحجّ في هذه الأيام التي فسدت فيها الأرض كلّها أو جلّها وضلّ أكثر أهلها طريق الفلاح. أرأيتم السجين في الحبس المغلَق الفاسد الهواء الكريه الرائحة، الذي يخنق من يكون فيه حتى لا يدع له نفَساً يطلع أو ينزل، ثم تُفتح له نافذة على الروض المُزهِر يهبّ منها النسيم رقيقاً ناعشاً، يحمل معه العطر والزهر؟ هذا مثال نَفَحات الحرم في هذه الأيام التي زَكَمَت فيها الأنوفَ وخَنَقَت القلوبَ روائحُ الإلحاد والفساد. إن العالَم يجوز مثل عهد الجاهلية بل شراً من عهد الجاهلية: إلحاد في الدين، وتنكّر للعدالة، وحياة كحياة وحش الغاب. وكما انبثق نور التوحيد من هنا من الحرم أول مرّة، فأزاح الكفر وأقرّ العدل ونقل الناس من الوحشية إلى الحضارة الخيّرة والمدنية الفاضلة، يعود الحرم بالحجّ فيصلح مرّة ثانية ما فسد من الأمر.

стр. 992

فيا أيها الواقفون في عرفات: هنيئاً لكم موقفكم إن عدتم منه مغفوراً لكم، هنيئاً لكم إذا وُفّقتم على قبول حجكم. هذا الذي كنتم تتمنّونه قد نلتموه فلا تعودوا منه صفر اليدين، إنكم في يوم تفتّحَت فيه أبواب السماء، في يوم يُقبَل فيه الدعاء، فمدّوا أيديكم واسألوا ربكم، ادعوه، تضرّعوا إليه. ولا يقُل قائل من الناس: إننا في معركة مع اليهود وأنت تريد منّا أن نكتفي بالدعاء. أنا لا أريد أن تَدْعوا دعاء الخاملين العاطلين ولا يريد ذلك الإسلام، بل أريد أن نمتثل أمر الله، أن نُعِدّ ما استطعنا من القوّة لأعدائنا وأن نبذل ما نقدر عليه من جهدنا، ثم نسأل ربنا النصر على عدوّنا، لأن النصر ليس مقترناً حتماً بكثرة العدد ولا بضخامة العُدَد، والمسلمون الأوّلون (الذين خاضوا عشرة آلاف معركة، إذا استثنينا منها بضع معارك) كانوا دائماً أقل من عدوّهم عدداً وعُدداً. لقد نصر الله المسلمين ببدر وهم أذلّة، أذلّة عند الناس لا أذلّة أمام الحقّ، فالمؤمن لا يَذِلّ أبداً. ويوم حنين إذ أعجبتهم كثرتهم فلم تُغْنِ عنهم شيئاً. أمرَنا الله بأن نُعِدّ ما استطعنا من القوّة لكن هل نُعِدّها للنصر؟ لا، بل لنُرهِب بها عدوّ الله وعدوّنا، وما النصر إلاّ من عند الله. أنزل الله ملائكته في بدر، هل أنزلهم للنصر؟ لا، وإنما أنزلهم بُشرى: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إلاّ بُشْرى لكُمْ ولِتَطْمَئِنَّ قلوبُكم به﴾، ﴿ومَا النَّصْرُ إلاّ مِن عِنْدِ اللهِ﴾، ﴿وكَمْ مِن فِئَةٍ قَليلةٍ غَلبَتْ فِئةً كثيرةً بإذنِ الله﴾. فالمسلمون إذا نسوا أنهم أمة واحدة وفرّقتهم العصبيات

стр. 993

الجاهلية وفرّقتهم العقائديات وفرّقتهم الحزبيات فإن شمس عرفات تذكّرهم بوحدتهم وتعيدهم إليها، وكلّ عمل من أعمال الحجّ مذكّر بالوحدة الإسلامية؛ ألا ترون إلى الكيميائي إذ يضع في بُوتقته عناصر مختلفة ثم يديرها فتصير عنصراً واحداً؟ كذلك المسلمون عندما يدورون من حول الكعبة. المسلمون أمة واحدة لكنهم انقسموا حتى صاروا جمعية أمم، كان لهم دستور واحد هو الكتاب الذي أنزله الله من فوق سبع سماوات فصار لكل دولة من دولهم دستور، كان لهم منهج واحد في الحياة يتبعونه أفراداً وأسراً وجماعات وحكومات فصارت لهم مناهج، مناهج ما صاغتها أيدينا ولا صنعتها عقولنا، ولكن ألّفنا شركات «استيراد وتصدير» فاستوردَت القوانين لمحاكمنا واستوردَت المناهج لمدارسنا واستوردَت الأزياء لنسائنا، ولكنها لم تصدّر شيئاً من فضائلنا إلاّ ما قبسه العقلاء الأذكياء منهم من مبادئ ديننا الذي دخلوا فيه أفراداً، وسيدخلون بإذن الله أفواجاً. وصار منّا، من المسلمين ممّن يقول نحن من المسلمين، من خُدع بالماركسية أو بالوجودية أو بالفسوق الذي سَمّوه الحرّية، صار منّا من يتّخذ قِبلته البيت الأحمر أو البيت الأبيض أو البيت الأصفر، مع أن قبلتنا هذا البيت بثوبه الأسود الذي كنتم بالأمس تطوفون به وستعودون الليلة أو صباح الغد لتطوفوا به؛ إنه في مكّة لا في موسكو ولا واشنطن ولا بكين! اجتمعتم هنا، جمعكم شرع الله هنا لتذكروا أنكم أمة واحدة لا تفرّق بينها ألوان جلود أبنائها ولا اختلاف ألسنتهم، ولا نقوش

стр. 994

راياتهم ولا حدود على الخريطة لبلادهم، ولا (أيديولوجيات) دخيلة عليهم، لا ندين بالطاعة إلاّ لربّنا ولنبيّنا ولمن تبع كتاب ربنا وحكم به وبسنّة نبيّنا وسار عليها. لقد أُخذَت الأرض من أطرافها فوُضعت هنا: هنا مصر، وهنا الشام، وهنا العراق، والهند المسلمة هنا، وماليزيا هنا، وأندونيسيا هنا، هنا العرب وهنا الترك، وهنا الفرس وهنا الأكراد وهنا البربر، وكلهم هنا سواء. أما ترونهم؟ لباسهم واحد، وهتافهم واحد، ونظامهم في المشاعر واحد، يجتمعون في المكان الواحد في الوقت الواحد ويفارقونه في وقت واحد ويعملون فيه العمل الواحد؟ مسلمون لا يعرفون غير الإسلام، مسلمون يرفضون كل ما يخالف الإسلام لا يخافون في إقامة شعائره إلاّ الله. مسلمون مهما حملنا في سبيل الإسلام من الأهوال التي تتزلزل منها رواسي الجبال. من يقدر أن ينزع إسلامنا من نفوسنا؟ لقد لبثَت فرنسا في الجزائر قرابة قرن ونصف القرن، سخّرَت عقول أبنائها وأيديهم وسلطان حُكّامها وسلاحهم، بذلت ما تعجز عن مثله الجبابرة لتُخرِج المسلمين من عروبتهم ومن دينهم، فما إن انزاح عن صدر الجزائر ثقل الاستعمار حتى تبيّن أن الإسلام مكانَه لا يزال. والبلاد التي أقاموا دونها سوراً حديدياً واستمدّوا من أبالسة الجحيم ومن مَرَدة الشياطين كلَّ خطّة لتكفيرهم بدين محمد رسول الله وحملهم على دين الملعون ماركس اليهودي رسول الشيطان، سيزول عنها سلطانهم وتعود مسلمة بإذن الله. وهؤلاء الأتراك ما زالوا مسلمين، مسلمين ما

стр. 995

صنع بهم نصف قرن من التكفير شيئاً. إن الخبز إنْ خيف عليه العفَنُ أو تسرّب إليه نَشَره أهل القُرى في الشمس فيذهب عفنه، لأن الشمس تقتل جراثيم الأمراض، فلا تخافوا من جراثيم الشيوعية والوجودية والإباحية والعصبيات الجاهلية ما دامت في الدنيا عرفات وشمس عرفات. مهما فرّقَت بين المسلمين الحدود في الأرض، والرايات فوق المدن، والألسنة والألوان والنِّحَل والمذاهب، فإنهم إذا داروا من حول الكعبة عادوا إخوة متحابّين، وإن وقفوا في عرفات رجعوا أمة واحدة، لا هي أمة العرب ولا أمة الفرس ولا هي أمة المشرق ولا أمة المغرب، بل أمة محمد ‘، أمة «لا إله إلاّالله محمد رسول الله». هل تستطيع أن تفرّق هنا بين مشرقي ومغربي وعربي وتركي؟ لباسهم واحد وهتافهم واحد ودينهم واحد؛ تجمعهم كلمة الإسلام فلن تفرّقهم كلمات جاءت من عند الشيطان. إن شمس عرفات التي تقتل جراثيم الأمراض ستقتل جراثيم هذه النحَل والملَل الجديدة، سينساها الناس كما نسوا قوماً كانوا أشدّ وكانوا أجرأ على الله منهم. أين القرامطة الذين وطئوا بخيولهم أرض الحرم وقتلوا الطائفين من حول الكعبة وقلعوا الحجر الأسود وذبحوا الحُجّاج ذبح النعاج؟ أين القرامطة؟ إن تسعمئة وتسعة وتسعين من القراء يسألون الآن: مَن هم القرامطة؟ بعد ذلك البطش وذلك الجبروت صار الناس يسألون: مَن هم القرامطة؟! وسيأتي يوم من الأيام يسأل فيه السائلون: من هم

стр. 996

الماركسيّون ومن هم الشيوعيون؟ فلا يدري أحد منهم إلاّ العلماء بالنِّحَل والمذاهب، كما يجهل أكثر الناس مَن هم القرامطة. لقد ضربَت صخرةَ الإسلام موجاتٌ إثر موجات، وكانت كلّ موجة في ساعتها مثل الجبل، فارتدّت الأمواج وابتعد البحر وبقيَت صخرة الإسلام قائمة، لأن الله هو الذي تعهّد بحفظه، وما تعهّد الله بحفظه لا يستطيع أحد أن يعتدي عليه. قام إبراهيم يؤذّن بالحج يدعو الناس إليه فلبّى منهم من لبى، ثم قام محمد ﵊ يجدد دعوة إبراهيم فلباه مَن وفّقه الله إلى الإيمان، ووقفت قريش تمنع الناس أن يلبوا دعوة محمد، حالت بينها وبين الناس، أرادت أن تحبسها في هذا الوادي بين هذين الجبلين، فأين اليوم قريش لتسمع هذه الملايين تنادي تهتف كلها «لبّيك اللهم لبّيك»، يلبّون دعوة الله التي بلغتهم على لسان محمد ﵊؟ «لبّيك اللهم لبّيك». هذا هتافنا في حجّنا عند المواقيت وعند حدود دولة الحرم، ننزع ثيابنا عن أجسادنا ونخلع ما لا يرضى عنه ربّنا، ونستجيب لربّ العالمين ونقول: «لبّيك»، وعند أنصاب الحرم، الحرم دار السلام إن عمّت الأرض الحرب، الحرم دار الأمان إن شمل الدنيا الخوف، والحرم حيث كل حيّ آمن؛ الناس آمنون، والحيوان آمن، والنبات آمن. ليس هنا حرب ولا قتال، الأشجار هنا لا تُقتطع، الحيوان هنا لا يُصاد، الناس هنا آمنون لا يعتدي أحد على أحد، عند أنصاب الحرم نقول: «لبّيك اللهم لبّيك».

стр. 997

لكن لا تقولوها بألسنتكم وقلوبُكم غافلة عنها، تصوّروا ما أمر الله به فاعزموا على امتثال أمره وقولوا لبّيك، تصوّروا ما نهى الله عنه فاعقدوا العزم على تركه وقولوا لبّيك. يا ربي أمرتني بالصلاة، لبّيك سأصلّي كما أمرتني. أمرتني بالزكاة، لبّيك سأزكّي كما أمرتني. أمرتني بالجهاد لإعلاء كلمتك لا لمقصد آخر، لبّيك سأجاهد بنفسي أو بمالي أو بلساني أو بقلمي لإعلاء كلمتك لا لمقصد آخر. نهيتَني عن كشف عورات نسائي، امرأتي وبناتي، لبّيك لن أسمح مطلقاً بعد اليوم لامرأتي ولا لبناتي بكشف عورة مهما كانت الدوافع. نهيتني عن الزنا وعن الربا، لبّيك اللهم لبّيك سأدع ما نهيتني عنه ... بذلك وحده تكونون قد لبّيتم حقاً، وبذلك تكونون قد حججتم، وبذلك تعودون من الحجّ كأنكم وُلدتم ولادة جديدة لتعيشوا بمنهج الإسلام لا بمنهج أعداء الإسلام. قولوا لبّيك ربنا، أمرتنَا فأطعنا ونهيتنا فاجتنبنا، هذا كلام ربكم في مصاحفكم يقول لكم: جاهدوا في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم، فقولوا: لبّيك، وجاهدوا حتى تنقذوا مسرى نبيّكم، حتى تنقذوا كل بلد مسلم يحتلّه ويحكمه كُفّار. هذا صوت محمد يرنّ في أسماعكم يحثّكم على امتثال أمر ربكم فقولوا: لبّيك، يدعوكم لتنصروا الله حتى ينصركم فقولوا: لبّيك، لبّيك لا نشكو إلاّ إليك، لبّيك لا نرجو الخير إلاّ من يديك، لبّيك توكّلنا عليك، لبّيك ربّنا وتعاليت، لبّيك لك الحمد، لبّيك منك النعَم، لبّيك يا واحد يا أحد يا فرد يا صمد، لا نعبد غيرك ولا نسأل سواك:

стр. 998

لبّيْكَ يا اللهُ والثَّقَلانِ والدّنيا تلبّي لبّيكَ ربَّ العالَمينَ وأنت يا اللهُ ربّي لبّيكَ صوتُ محمدٍ أبداً بآذاني وقلبي يا مسلمونَ وأينَ أنتم مِن هُدى الهادي مُحمّدْ؟ عودوا إلى النّهجِ القويمِ فإنّ هذا العَوْدَ أحْمَدْ عودوا يَعُدْ مَجدُ الجدودِ ويومُ بدرٍ يتجدّدْ وتَرَوْا صلاحَ الدّينَ عادَ ويومُ حطّينَ المُمَجَّدْ إنْ يختلفْ لسانُنا ... أو تختلفْ ألوانُنا أوْ تبتعدْ بلدانُنا ... فحسبُنا إسلامُنا * * * هذا يوم الدعاء: ادعوا لأنفسكم، ادعوا لأولادكم وأهليكم، ادعوا لأمتكم أن يردّها الله إلى دينها ليردّ عليها عزَّها ومجدها. ادعوا فاليوم يوم الدعاء، ولكن لا تدعوا بالنصر ثم تذهبوا فتناموا، فالله لا ينصر من ينام ولكن ينصر من ينصر الله. ادعوا بأن يغيّر الله ما نحن فيه من الانقسام والانحراف والمجاهرة بالمعاصي والهزيمة والضياع، ولكن اعزموا مع ذلك أن تغيّروا ما بأنفسكم ليغيّر الله ما بكم، فإن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم. كل واحد منكم يدعو وحده ويلبي وحده. إن الذي سمعتموه وقرأتموه من أعمال الحجّ يشبه معاملات القبول في الجامعة؛ مَن يريد أن يدخل الجامعة يُعِدّ أوراقه ويَحضر امتحان المقابلة

стр. 999

ويستكمل شروطه، لكن إذا جاء يوم الامتحان لن ينجح بهذا، بل ينجح بما يودِعه ورقتَه التي ستكون سراً بينه وبين اللجنة الفاحصة. والحجّ عبادة جماعية وعبادة فردية، وكذلك الإسلام كله دين للفرد ودين للجماعة، فالحضور في عَرَفة وتحديد وقت الحضور وتحديد المكان، هذا مثل شروط القبول في الجامعة، أما النجاح فيتوقّف على ربط قلوبكم بالله، كل واحد منكم يربط هذا اليوم قلبه بربّه، يخليه من شؤون دنياه، لا يفكّر بمن حوله ولا يفكر بما حوله، ولكن يقول: «لبّيك»، ويتوجه إلى الله بقلبه وحده فالعِبْرة بما في القلوب؛ ربُّنا يوم القيامة لا يسألنا ماذا عملتم فقط، بل يسألنا: لماذا عملتم؟ ربنا يوم القيامة يبتلي سرائرنا: ﴿يومَ تُبلى السّرَائرُ﴾. فيا أيها الحُجّاج، فرّغوا قلوبكم من الدنيا ولبّوا. قولوا: «لبّيك» تُلَبِّ معكم بِطاح عرفات وجبال مكّة، وتلبِّ معكم أرواح المسلمين الذين ذهبوا للقاء ربهم، تلبِّ معكم ذراريكم وهي في عالَم الغيب، فيأتي منها إن شاء الله جيلٌ يمحو عنّا أوضارَ الهزيمة، يمحو عنّا آثار الانقسام، يأتي جيل من أصلابنا يكون خيراً منّا، يستردّ من أرضنا ما أضعنا ويُكمِل من بنائنا ما هدمنا أو نقصنا. إن السيارة قد تَبلى وتصدأ فتصير كالجسد الميت، ولا أمل يُرتجى من ميت. وقد تكون جديدة سالمة ولكنها تقف لأن الوقود قد نفد من خزّانها أو أن المدّخرة (البطارية) قد فرغت من كهربائها، وإذن نملأ الخزانات بالوقود ونشحن البطارية بالكهرباء

стр. 1000

وتمشي السيارة. والمسلمون اليوم مثل السيارة المصفّحة القوية التي تمشي على الوعر وتَقْحَم الصخر، ولكن سبب وقوفها نفاد كهربائها. ومن هنا يا أيها الإخوان، من وقفة عرفات، تشحنون بطاريات قلوبكم بكهرباء الإيمان، وتعودون بها إلى بلادكم فيسري التيّار منها إلى قلوب إخوانكم. الكهرباء تضيء المصابيح وتدير المحركات، فأضيئوا بكهرباء الإيمان في قلوبكم طريق النصر لإخوانكم، وأديروا بها محرّكات عزائمهم حتى تعود إليهم حماستهم وتتحقق انطلاقتهم، ولا تخشوا يومئذ من البشر أحداً، فوالله ثم الله، لا الصهيونيون ولا الشيوعيون ولا الوثنيّون ولا مَن يُمِدّ هؤلاء وأولئك يستطيعون أن يعترضوا سبيلكم إذا أنتم انطلقتم مؤمنين معتمدين على ربّكم صادقين في جهادكم. هل تستطيع الأسلاك الشائكة من الحديد والأسوار القائمة من الحجر أن تردّ الصاروخ إذا انطلق؟ إن المسلمين إذا استيقظ في قلوبهم إيمانهم وعادت إليهم صلتهم بربّهم وثقتهم بأنفسهم سيكونون أقوى من هذا الصاروخ، وإن كانت الصواريخ تنطلق للإفساد والتدمير فهم سينطلقون -إن شاء الله- للإصلاح والتعمير. وهذا ما يخشاه عدوّكم؛ إنهم لا يخشون شيئاً إلاّ أن تنتبهوا من غفلتكم وترجعوا إلى وحدتكم وأن يستيقظ في قلوبكم إيمانكم، إنهم والله لا يخافون عَدَدكم ولا عُدَدكم ولكن يخافون قرآنكم أن تتدبّروه وأن تعملوا به. هذا الذي يخافونه، هذا سلاحكم. لا أقول اتركوا السلاح ودعوا الإعداد، لا بل استعدّوا. الله قال: ﴿وأعِدّوا لَهُمْ ما اسْتَطعتُمْ مِن قُوّةٍ﴾، ومِن العلم الذي

стр. 1001

تستلزمه هذه القوّة؛ كل هذا واجب على المسلمين، ولكن عليهم قبل هذا، وبعد هذا، أن يرجعوا إلى ربهم لأن النصر منه. إن أعداءكم يتفقون دائماً عليكم، ولو أنهم اختلفوا في كلّ شيء مااختلفوا في حرب دينكم. يخافون أن تصحوا من المخدّر الذي حقنوه في عروقكم وأن تتخلّصوا من آثاره في أجسادكم، لذلك فرّقوكم فِرَقاً من القوميات والعصبيات والعقائديات ومزّقوكم مِزَقاً بالحزبيات وبالنظريات الغريبة عنكم، ضربوا بعضكم ببعض لا ليكون النصر لبعضكم على بعض بل لتضعفوا جميعاً بانقسامكم فيكون لهم النصر عليكم كلكم. فأبطِلوا سحرهم وردّوا إليهم سهامَهم، وخيّبوا في اتفاقكم رجاءهم، اجتمعوا اليوم بقلوبكم كما تجتمعون في هذا الموقف بأجسادكم، بأن لا تدَعوهم يقسمون جَمْعكم ويجعلون من أمتكم، من أمة محمد ﷺ ، هيئةَ أمم بِحُجّة أن منكم عرباً وتركاً وفُرساً وهنوداً وأن منكم بيضاً وسُمراً وسوداً. فالإسلام لا ينكر الواقع ولا يقول للعربي انسَ عروبتك ولا للتركي دع تركيّتك، ولكن يقول لكل منهم: كُن مسلماً أولاً ثم كُن عربياً أو تركياً أو ما شئت، على أن تعلم أن أخُوّة الإيمان فوق أخُوّة الجنس واللون واللسان. لا تدَعوهم يفرّقونكم إلى يمينيّين ويساريّين، فالله ما جعل لنا إلاّ قِبْلة واحدة نتّجه إليها. فيا أيها الإخوان، يا أيها الحُجّاج في عرفات: اذكروا أخُوّة الإيمان وأنها أقوى من عوامل التفرقة. وهذا الدليل حولكم، هذا الموقف الذي ليس له نظير ﴿وفي أنْفُسِكم أفَلا تُبصِرون؟﴾.

стр. 1002

هذه الخلائق التي يزيد عددها على المليون أو ربما زادت على المليونين، كيف زالت من بينها كل الفوارق ووقفت في هذا المكان الواحد بهذا اللباس الواحد، تهتف بالهتاف الواحد تنتسب إلى الدين الواحد وتعبد الربّ الواحد؟ أفبعد هذا تحتاج الدعوة إلى دليل؟ (١). * * *

стр. 1003

-٨٥ - من ذكريات القلم أنا موظف، وموظف من ثلاث وخمسين سنة (صرت موظفاً في الحكومة سنة ١٩٣١). وصلت إلى آخر مدى في طريق الوظيفة ثم أُحِلْت على التقاعد (المعاش)، ولكني ما أحسست يوماً أني موظف كأكثر الموظفين، ولا أَلِفْتُ الخلائق والعادات التي يتخلّقون بها، ولا شعرت يوماً بأني أقلّ من رئيسي في العمل، بل من رئيس رئيسي، بل من الوزير الذي هو مرجعه ومرجعي. ولعلّ في هذا الكلام شيئاً من الغرور أو الادّعاء، أو لعلّه كان من حماسة الشباب واندفاعهم، ولكنه هو الواقع. لم أكُن أستشعر الضعف أمام الرؤساء، ولكن إذا جاء القانون أطعت القانون كما يجب عليه أن يطيعه من هو فوقي، فإن خالف القانونَ هاجمتُه ولم أُطِعه. وقد قدّمت لكم ذِكْر ما كان بيني وأنا معلم الابتدائي وبين المستشار الذي كان أكبر من الوزير، وكيف وقفت في وجهه ولم أتنازل عن الحقّ الذي كنت أشعر أنه معي، وكان لصِدامي معه أصداء في دمشق. وهذه الأصداء لم تقتصر على

стр. 1004

الأحاديث في المجالس ولكن كُتبت عنها مقالات في الصحف، بعضها معي وكثير منها كان عليّ. وكنّا في عهد توثّب ونشاط، فما يحدث حادث ولا تُقال كلمة على منبر أو تُنشر في صحيفة إلاّ تبادرت الأقلام إلى التعليق عليها. وكان ممّن ردّ عليّ اثنان: أحدهما كان في منصب كبير في المعارف يضرّ به وينفع، والآخر كان شيخاً من مشايخنا الذين كنت أُجِلّهم لعلمهم وإحاطتهم باللغة، وقد أثنيت عليه فيما مضى من هذه الذكريات بأنني استفدت منه وتخرجت عليه، ولكنني لم أكُن أرتضي سيرته مع الحكام، ولطالما سخّرت قلمي الذي مدحته به لعلمه، سخّرته للهجوم عليه في سلوكه. وممّا كتبت هذه المقالة في «الرسالة» بعنوان «الوظيفة والموظفون». ولكل كاتب من الكتّاب طريقة يُعرَف بها وتُعرَف به، ولكن يظهر على كتابته أثر ما يشغل ذهنه أو يطالعه حين الكتابة. وكنت أيام كتبت هذه المقالة عاكفاً على قراءة رسائل أئمة البيان من الأدباء الأوّلين من لَدُن الجاحظ إلى عمرو بن مَسعدة إلى عبدالقاهر الجرجاني، لذلك ترون أثر هذه المطالعات في أسلوب هذه المقالة. ولن أذكر كل ما قلت فيها ولكن أنقل فقرات منها، ومَن أراد أن يراها وجدها في مجلّة «الرسالة» في العدد (١١١) الصادر يوم الإثنين في العشرين من جمادى الأولى سنة ١٣٥٤هـ (١). قلت له فيها:

стр. 1005

اعلم -أعزّك الله- أن الوظيفة ليست غُلاًّ في العنق ولا قَيداً في الرِّجْل، وليست مقايضة آخذ فيها الراتب باليمين لأعطي الضمير بالشمال. ولو أنها كانت كذلك لعزفت عنها ونفضت يدَيّ منها، ولآثرت أن أبيع خزانة كتبي كَرّة أخرى أو أقضي وأسرتي جوعاً على أن آكل خبزي مغموساً بدم الضمير، وعلى أن أكفر بالفضيلة وأؤمن بالمصلحة. (إلى أن قلت في آخر المقال): ومَن أنبأك -أعزّك الله- أن الموظف لا يحقّ له أن يفكّر إلاّ بعقل رؤسائه ولا يرى إلاّ بعين أمرائه؛ فلا يحقّق من الآراء ما أبطلوا ولا يقبل ما ردّوا ولا يُؤْثر ما سفّهوا، ولا يرى ما استقبحوه حسناً ولا ما صغّروه كبيراً ولا ما عظّموه حقيراً؟ أوَلو كان رؤساؤه مخطئين؟ أوَلو كانوا لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون؟ ومَن ذا حظر عليه ما أُبيحَ للناس، ومنعه ما مُنحوا من حرّية التفكير وحرّية الرأي وحرّية القول؟ ولماذا يشتهي من الطعام ما يعافه رئيسه ويستحسن من أبيات الشعر وأصوات الغناء ما يستهجنه ويستثقله ولا يكون عليه في ذلك من حَرَج، ثم لا يتخذ له من الآراء غيرَ رأيه ومن المذاهب غير مذهبه؟ ولماذا لا ينشر هذا الرأي ويؤيّد هذا المذهب، ما دام لا يأتي محرّماً في الشرع ولا ممنوعاً في القانون؟ والوظيفة -يا سيدي- عَقدٌ بين الدولة والموظف على أن يعمل عملاً بعينه على جُعْل (راتب) بذاته. أفهل يعمل الأجيرُ في الدكّان والعاملُ في المصنع والنادلُ في الفندق والخادمُ في

стр. 1006

البيت، وكل مأجور من الناس في عمل جلّ أو قلّ علا أو سفل، فإذا أكمل عمله وجوّده استحقّ الأجر وانطلق حراً في وقته يقضيه على ما أحبّ، حراً في ماله ينفقه على ما شاء، حراً في رأيه ينحو به النحو الذي أراد ويسوقه السوق الذي اختار، ثم لا يكون الموظف حراً أبداً ولا يملك من أمر نفسه شيئاً؟! وماذا عليّ وأنا مدرّس -إذا أنا أعددت درسي وألقيته، وقرأت وظائف تلاميذي وصحّحتها، وفعلت كل ما يوجِب عليّ القانون أن أفعل وزدت على الواجبِ النوافلَ- ماذا عليّ أن أؤلف وأكتب، وأن أنقد الأخلاق والكتب والعادات، وأن أسهم في الجهاد الإصلاحي، وأن أحمل القسط الذي أطيقه من أثقال الأمة؟ ومن ذا يحمله إذا لم أحمله أنا وأمثالي من الموظفين والمتعلمين؟ وكيف تتقدم الأمة وتسير في طريقها إلى غايتها إذا لم تجد من أبنائها من يحمل أثقالها؟ أفهل يريد سيدي -أعزّه الله- أن أمحو مَلَكَة الكتابة من رأسي وأطمس نور البصيرة من قلبي، وأسدل على عيني حجاباً حتى لا أرى فأُسَرّ فأشكر أو أبتئس فأنقد، وأهجر الكتب حتى لا أقرأ فيفتح عليّ الكتابُ طريقاً إلى مقالة، وأعتزل الناس حتى لا أسمع حديثاً فأكتب هذا الحديث أو قصة فأدون هذه القصة، وأدلّ على مكان العبرة منها وموطن العظة فيها؟ أفهل يريد سيدي أن أذهب إلى غار في الجبل فأحبس نفسي فيه كيلا أكتب فأزعج حضرته؟ وهل توجب الوظيفة على صاحبها أن يكون عبداً لرؤسائه، مسخَّراً لأغراضهم، ساعياً في

стр. 1007

مصالحهم، ولو كان الطريق إلى إرضائهم طريقاً ملتوياً معوَجّاً لا يسلكه رجل يعرف ما هي الفضيلة ويدري ما هو الشرف؟ وهل تُوجب الوظيفة على الموظف أن يكون مبتوراً من جسم الأمة فلا يشعر بوجودها ولا يَأْلم لألمها ولا يحسّ أنه منها ولا يشاركها في شيء من عواطفها، في حين أن المفروض في الموظف أنه من أرقى أبناء الأمة فكراً وأوسعهم اطّلاعاً، وأشدّهم شعوراً بالواجب العام؟ (إلى أن قلت): كلاّ؛ فالموظف من الأمة وإلى الأمة، وليس في البلد شعب وموظفون، ولكن فيه شعباً واحداً يشعر بشعور واحد، ويصدر عن مبدأ واحد ويسعى إلى غاية واحدة. ولأنْ تعرف أنت هذه الحقيقة فتؤمن بها أَوْلى من أن أنزل أنا على رأيك وأخضع لإرادتك فيما يؤذي الحقيقة وينافيها. كلاّ! لقد انقضى ذلك العهد الذي كان فيه الموظف مسؤولاً أمام رئيسه، وأصبحنا اليوم وكلنا مسؤول أمام الأمة والتاريخ، ومسؤول قبل ذلك وبعده أمام الله. وليس هذا الراتب منحة منك حتى تمنّ به عليّ، ولكن راتبك أنت منحة من الأمة التي أنا من أبنائها تمنّ هي به عليك. * * * وكانت دمشق في تلك الأيام تعيش كأنها فوق بركان يتفجّر تارة ويخمد تارة، تكمن فيها النار كما تكمن في بطن البركان، ترقب مخرجاً لها تخرج منه. وكانت في تلك الأيام (١٩٣٥ - ١٩٣٦) حوادث ضخام في النضال وللاستقلال لست أعرض هنا لتفاصيلها، لأنني -كما

стр. 1008

قلت- لا أؤرّخ لعهد ولكن أكتب ذكريات. وكان من زعماء الشعب في دمشق فخري البارودي، وهو رجل محبوب خفيف الروح صاحب نكتة، من الوجهاء والأغنياء، يخطب بلغة وسط بين العامّية والفصحى مملوءة بالنكات التي تُضحك الناس. أبوه من وجهاء البلد، يسكن داراً من أفخم الدور في حيّ من أرقى الأحياء (في حيّ القنوات)، وكنت أحضر حفلاته وأخطب فيها، وكان بيننا تعاون لأنه من زعماء الكتلة الوطنية وأنا كنت يوماً قائد الطلاّب الذين يعملون بإمرتها. ولكني كنت أنكر عليه أنه يتبع أحياناً غير سبيل أهل الاستقامة، لا في المال فهو أمين ما عرفت عنه خيانة مالية، بل في التشاغل باقتناص اللذّات. وكانت أحداث وقعت في الشام يومئذ اختطفوا فيها فخري البارودي وبعض الزعماء ونفوهم. لم نكُن نعرف يومئذ ما يُسمّى بزوّار السحَر، وكانت البلاد تُحكَم بالقانون حتى في أيام الانتداب، فلا يُحبَس أحد إلاّ بحكم المحكمة ولا يوقف إلاّ مدّة أربع وعشرين ساعة ثم يُحال إلى النيابة العامّة. ولكن الزمام كان يفلت أحياناً من أيدي الفرنسيين (والفرنسيون يغلب عليهم الاندفاع) فيمسكون ببعض الزعماء وينفونهم مرّة إلى جزيرة أَرْواد (١) ومرّة إلى جهات أخرى. ورأيت حوادث يومئذ: أحلف (٢) لو أن ما جرى في دمشق في هذه الأيام جرى في

стр. 1009

فرنسا أو ألمانيا أو إنكلترا، أو في أيّ بلد من بلاد الله العامرة، لكُتب فيه عشرات من الكتب والروايات ومئات من القصائد والمقالات، ولخُلّدت حوادثه تخليداً وصُوّرت مشاهده تصويراً، وصارت حديثاً يَسري في الأجيال الآتية فينفخ فيها روح البطولة والتضحية ويبثّ فيها العزّة والكرامة. وبمثل هذا تتربى الشعوب وتقوى وتسمو هذا السموّ الذي نراه في بعض البلاد التي نعدّها راقية ونقتدي بها. ولكن هذه الحوادث قد جرت في دمشق، وأدباء دمشق بين موظف يظنّ أن حياته معلَّقة بهذا الراتب وأن عليه أن يثبت دائماً أنه بعيد عن الروح الوطنية، مُوالٍ للحكومة مقيم على ولائها يحافظ على رضاها، ومثل هذا الرجل لا يؤمَل منه خير ... وبين شاعر يحسب أن الشعر مقصور على الأزهار والأطيار والحب والغرام، وأنه ليس من الشعر ولا الأدب أن يصف الشاعر مآسي الوطن والأمة ولا أن يشدو بمفاخره. (إلى أن قلت): ألم يحرّك هؤلاء الأدباءَ أنّ دمشق تلبث خمسين يوماً مُضربة، مغلقة حوانيتها مقفرة أسواقها، كأنها موسكو حين دخلها نابليون، فتعطّلَت تجارة التاجر وصناعة الصانع، وعاش هذا الشعب الفقير على الخبز وطوى ليله جائعاً من لم يجد الخبز، ثم لم يرتفع صوت واحد بالشكوى ولم يفكّر رجل أو امرأة أو طفل بالتذمّر والضجر، بل كانوا جميعاً من العالِم إلى الجاهل ومن الكبير إلى الصغير ومن الرجل إلى المرأة ومن الشيوخ إلى الأطفال، كانوا جميعاً راضين مبتهجين، يمشون ورؤوسهم مرفوعة وجباههم عالية اعتزازاً وفخراً. ولم يُسمَع أن

стр. 1010

دُكّاناً من هذه الدكاكين قد مُسّت أو تعدّى عليها أحد، ولم يُسمَع أن لصاً قد مدّ يده إلى مال، حتى اللصوص قد شملهم الإضراب فانقطعوا عن صناعتهم، برغم أن أغنى الأسواق وأعظمها في دمشق قد بقيَت أياماً وليالي مطفأة الأنوار ليس عليها حارس ولا خفير! فهل قرأ أحد أو علم أحد، أن بلداً في أوربّا أو أميركا أو المرّيخ، يسير فيه اللصوص جياعاً ولا يمدّون أيديهم إلى المال المعروض حُرْمةً للواجب الوطني ومراقبة لله واحتساباً لثوابه؟ وقد بقي الأولاد في المعسكر العام (في الجامع الأموي) أياماً طويلة يراقبون حالة البلد وينظرون مَن يفتح محلّه، فإذا فتح أغلقوه. وقد اتفق (رأيت ذلك بعيني) أن بائع حلويات مشهوراً قد فتح محلّه، فجاء بعض الأولاد بصدور البَقْلاوة والكنافة من مخزنه إلى المسجد وتشاوروا: ماذا يفعلون بها؟ فقال أحدهم: نأكلها عقاباً له. فصاحوا به: اخرس، إننا لسنا بلصوص! ثم أرجعوها إليه بعد دقائق وما فيهم إلاّ جائع. أفلم يحرّكْكُم هذا يا أيها الأدباء؟ وهل قرأتم أن صبيان باريس وبرلين ولندن فعلوا مثله؟ وقد عمدَت القوى في آخر أيام الإضراب إلى فتح المخازن بالقوّة فكان أصحابها يدَعونها مفتوحة ولا يقتربون منها، حتى تكون القوى هي التي تغلقها من تلقاء نفسها! وقد حدّثني بعضهم أنه اشترى ثلاثين قفلاً، كلّما كسروا قفلاً جاء فوضع مكانه آخر. ولقد حدّثني مَن أثق به أن أهل محلاّت الفجور قد أضربت. ولست أعرفها ولست بحمد الله من روّادها. حدّثوني أن صاحباتها

стр. 1011

قد أضربن مع من أضرب فلم يمارسن ما كنّ يعملنه وتاب كثير منهنّ! والتبرعات؟ ألم يكن الناس يدفعونها من غير أن يطلبها منهم أحد؟ ألم يكونوا يتسابقون إلى دفعها؟ ألم يرفض كثيرون من الناس أن يأخذوا إعانة ويقولوا: أعطوها لغيرنا ممّن هو أحوج إليها، نحن نجد طعاماً هذا اليوم. لقد وقع هذا ورأيته مرّات وسمعت به، فأيّ وطنية أعظم من هذه الوطنية وأيّ اتحاد أوثق من هذا الاتحاد؟ ألم يفعل الناس الأفاعيل؟ ألم يهجموا على النار والحديد؟ ألم يقاوموا بالحجارة أروع وأبشع ما وصلَت إليه الحضارة من ضروب التقتيل والتدمير والإهلاك؟ ألم يدوسوا على جثة القتيل ثم يمشوا قدماً إلى الأمام؟ ألم يضعوا أرواحهم في أكُفّهم ويبيعوها في سبيل الله؟ وأطفال دمشق، مَن رأى كالأطفال؟ من فَعَل فِعْل الأطفال؟ من ذا الذي لم يسمع بأعمال الأطفال ويرَ مظاهرات الأطفال؟ لقد رأينا طفلاً يسيل الدم من رأسه، رأيتُه أنا وقد وضع يسراه على رأسه يمنع بها الدم وأخذ الحجر بيمينه يضرب به جند المستعمرين، وعمره أقلّ من عشر سنين! لقد حدّثني أحد الأصدقاء أنه كان ماراً في سوق مدحت باشا، وهو من الأسواق التجارية الكبيرة في دمشق، فسأل الأطفال وكانوا مرابطين فيه يحرسونه: هل تسمحون لي يا أولادي أن أمرّ؟ قالوا: إذا كنت تستطيع أن تمشي بين العسكر مرفوع الرأس وتحملق فيهم فمر، وإذا كنت تخفض رأسك وتنحني وتخاف فارجع. * * *

стр. 1012

لقد كتبت مقالة تناقلَتها اثنتان وعشرون جريدة من جرائد تلك الأيام (وأكثرها كان عندي) عنوانها: «أطفال دمشق»، نُشرت في مجلّة الرسالة في تلك السنة (أي سنة ١٩٣٥) (١) قلت فيها: كانت دمشق يوم الجمعة صابرة تتجرّع حزنها على إبراهيم (إبراهيم هنانو، الزعيم الوطني الحلبيّ الذي كان أول من ثار على الفرنسيين في بداية انتدابهم على الشام)، وكانت في صمت رهيب فلم تحرّك ساكناً حتى سمعَت صوتاً هزّ دمشق وزلزلها يقول: اختطَفوا فخري البارودي. فنفد الصبر المختزَن وانفجر الغضب المكتوم، لا لأنه فخري البارودي بل لأن اختطافه كان كالقشّة التي زعموا أنها قصمت ظهر البعير والقطرة التي فاضت منها الكأس، والقطرة قطرة ولكن الكأس كانت ملأى. وأقبل أبناء دمشق بأيديهم وأقبلَت هذه الجيوش بحديدها ونارها، وكانت المعارك التي يصطرع فيها الحقّ والقوّة، والدم والنار، والصدور والحديد، فبينما معركة من هذه المعارك على أشدّ ما تكون عليه وإذا ... إذا ماذا؟ ليس على وجه الأرض من يستطيع أن يقدّر ماذا كان إلاّ هؤلاء الشاميون الذين رأوا ذلك بأعينهم، وكنت أنا ممّن رأى ذلك بعينه، وهؤلاء الفرنسيون الذين أكبروا جميعاً هذه البطولة التي لم يروِ مثلَها تاريخ. خمسون من الأطفال لا تتجاوز سنّ أكبرهم التاسعة، أطفال مدرسة حضانة ينبعون من بين الناس، يخرجون من بين

стр. 1013

الأرجل، منهم التلميذ ذو الصدرية السوداء والأزرار اللامعة قد فرّ من مدرسته وحقيبتُه ما تزال معلّقة بعنقه وحمل مسطرته بيده، ومنهم صبيّ اللحام وأجير الخبّاز، قد اتحدوا جميعاً وأقبلوا يهجمون بالمساطر على الدبابة، وهي تطلق النار وهم يطلقون من حناجرهم الرقيقة بأصواتهم الناعمة، التي تشبه الآلة السحرية التي عزف عليها الفارابي في مجلس سيف الدولة فأضحك وأبكى، يطلقون هذه الأنشودة البلدية المعروفة: وِصْغارنا تِحْمِلْ خَناجِرْ وِكْبارنا عَ الحَرْب واصِلْ يا بِالوطَنْ يا بِالكَفَنْ فوقف الناس ينظرون إليهم وقد عراهم ذهول عجيب، فارتخت أيديهم بالحجارة التي كانوا يقاومون بها الرصاص، حتى رأوا الأطفال قد تسلقوا الدبابة وركبوها. هل تريدون أن أقسم لكم أن هذا المشهد كان واقعاً وأنني كنت ممّن رآه؟ رأيت الأطفال قد تسلقوا الدبّابة وهي تطلق النار من مدافعها، فلما رأى الناس ذلك اشتعل الدم في عروقهم وفي أقحاف رؤوسهم، فأنشدوا أنشودة الموت المعروفة بالشام: «يا سباعَ البرِّ حومِي ...» وهم يُرعِدون بها فتهتزّ من جَهْجَتها (١) الغوطة ويرتجف قاسيون، وأقبلوا كالسيل الدفّاع. ولكنهم رأوا عجباً، رأوا الدبابة قد كفّت عن الضرب، ثم انفتح برجها وخرج

стр. 1014

منه شابّ فرنسي يبسم للأطفال وفي عينيه أثر الدمع من التأثر، ويداعبهم ويقدّم لهم قطعة من الشكلاطة ثم يعود إلى مخبئه. إنسانية قد توجد حتى في الدبّابات! ورأيت في هؤلاء الصِّبية تلميذاً في شعبة الأطفال من مدرستنا، وكان صغيراً جداً ما أظنّه قد أكمل عامه السابع، فدعوتُه فأقبل حتى أخذ بيدي وجعل يرفع رأسه إليّ يحاول أن يتثبّت من وجهي، فقلت: لماذا عملتم هذا يا بابا؟ فقال: أخذوا فخغي الباغودي (يريد فخري البارودي). قلت: ومن قال لك ذلك؟ قال: أمي، وقالت لي: هاللي يموت بالغصاص (أي بالرصاص) يغوح (أي يروح) عالجنة. قلت: وإذا أرجعوا فخري البارودي هل ترضى؟ قال: لا، خلي يغوحوا (يروحوا) ما بدنا إياهم (يريد: فليذهب هؤلاء أيضاً، لا نريدهم). فسكتّ فقال: أستاذ ليش الإسلام ما لهم عسكغ (أي عسكر)؟ فأصابتني كلمته في القلب، ووجدت كأنّ شيئاً جاشت به نفسي ثم صعد إلى رأسي ثم وجدته في قصبة أنفي وآماق عيني، ودقّ قلبي دقاً شديداً فتجلّدت ومسحت عيني وحككت أنفي وقلت له: أنتم يا بابا عسكر الإسلام. قال: نحن صغار. قلت: ستكبرون يا بابا، أنتم أحسن منّا، نحن لمّا كنّا صغاراً كنّا نخشى البُعْبُع (١) ونخشى القط الأسود، وأنتم تهجمون على الدبابة، فالمستقبل لكم لا لهم. * * *

стр. 1015

وطال الإضراب، وزادت الحالة شدّة وزاد الناس بلاء حتى جاء يوم العيد عيد الأضحى، فكتبت مقالة نُشرت يوم عيد الأضحى سنة ١٩٣٦، مقالة لم يقرأها من كل عشرة آلاف من قرّاء «الشرق الأوسط» واحد ولا يدرون بها، وما كنت -لولا هذا- لأعيد عليهم ما هو منشور ولا أبرمهم بحديث مُعاد. قلت فيها (١): أعَلى أبواب عيد الأضحى عيد الدين، ويوم ٨ آذار عيد الدنيا (٢) يُيتّم الأطفال وتُرمّل النساء، وتُنتهك حرمة المساجد ويُراق دم المصلّين الأبرياء على صحن الأموي؟ أفي بيت الله تُزهَق النفوس وفي أيام العيد تُقام المآتم؟ وبعد إعلان المفاوضة (أي مع الفرنسيين) يُطلَق الرصاص؟ إن هذا لَكثير. إن دمشق التي صبرَت يوشك أن يخونها الصبر. لقد مرّ على الإضراب خمسون يوماً، وربما امتدّ حتى وصل إلى الستّين، وقد جرّبتم الوسائل كلها: بذلتم الجهد وأعطيتم الوعد ولجأتم إلى الوعيد لتصدعوا صفوف هذا الشعب وتفلّوا إضرابه، فهل فُتح في دمشق كلها من أقصاها إلى أقصاها حانوت لحّام أو فحام؟ بل هل

стр. 1016

فُتح المتجر الكبير والمصرف الشهير؟ هل رأيتم في هذا الشعب الفقير من يشكو البطالة أو يتألّم من الجوع؟ قد عزلتم الحرّاس وسحبتم الخفراء، وأطلقتم الجياع على مخازن الأموال وصناديق الذهب، فهل رأيتم يداً تمتدّ إلى مال؟ ألم يُضرِب اللصوص عن السرقة كما أضرب التجّار عن البيع والناس عن الشراء؟ هل رأيتم في هذا الشعب من يأكل اللحم والحلوى وجارُه لا يجد الخبز؟ ألم يواسِ الغنيُّ الفقيرَ؟ ألم يتساوَ الناس في الصبر والتقشّف؟ ألم يفتح الأطفال صدورهم للرصاص؟ ألم يصمد الفتية العُزْل للجيش اللجب لا يزولون حتى يزول عن مكانه هذا الجبل، ثم يصدمون الجيش صدمة الندّ للندّ، ثم لا تنجلي المعركة إلاّ عن حقّ يظفر ومجد يُؤثَر، أو شهيد منّا يفوز بالجنة وقتيل منكم يُعجّل به إلى النار، أو أسير يُنقَل إلى القلعة ليُعذَّب؟ وكان ممّا قلت فيها: ألم يجاهد الطفل الصغير والمرأة العجوز والشيخ الفاني؟ ألم تمتلئ السجون (والخطاب كله للفرنسيين) بالأبرياء، ألم تضِق المقابر بالشهداء، فهل تكلّم تاريخكم في آذانكم؟ هل عرفتم لهذا الشعب حقّه؟ هل قدّرتم له تضحيته، هل رفعتم قبّعاتكم حينما مرّت بكم مواكب شهدائه وخشعت قلوبكم حينما رأيتم سيل دمائه؟ هل نسيتم ما كنتم تدّعونه كذباً من أن أجدادكم هم الذين أعلنوا حقوق الإنسان وغسلوا بدمائهم صفحة الاستبداد والاستعباد، فجئتم في قرن العشرين (١) تهدمون ما بنى أجدادكم وترجعون بالعالَم إلى الوراء

стр. 1017

قروناً ثلاثة؟ أم قد نسيتم ما كتبه روسو وفولتير ومونتسكيو وما قال ميرابو وسييس ولافاييت، وما جهرَت به فرنسا من أنها نصيرة الشعوب وأم الحرّية ومُعينة المظلوم؟ أفي قرن العشرين الذي قالوا إنه قرن النور والحضارة فلم نرَ من نوره إلاّ بريق البارود ولهيب النار، ولم نُبصِر من حضارته إلاّ البنادق والدبابات والحرائق التي شملَت ثلث دمشق، أقدم وأجمل مدن الدنيا؟ ليس الشعب السوري عدواً للتاريخ الفرنسي؛ إن فيه من يُعجَب بأبطاله الذين رفعوا منار الحرّية، ومن يحب الأدب الفرنسي ويحفظ ما فيه من الشعر الوطني والخطب القومية، ولكنه لا يحبّ من ينازعه حقّه في الحياة والحرّية، لا يحبّ من يسلبه أرضه ويضع المسدس على صدغه. فهل هو مَلُوم في هذا؟ هل في الدنيا أمة تحبّ من يسطو على حرّيتها؟ هل في الأرض عاقل يحبّ من يغلبه على داره وينتزع منه أمواله ويتحكّم في نفسه وأهله؟ هل تحبّون من ينازعكم أرضكم وبلادكم؟ فعلامَ إذن لا تُعطُون من الحقّ مثل ما تأخذون لأنفسكم وتُعطُون الناس أجمعين؟ ألأننا لا نستطيع أن نخاطبكم بلغة المدفع؟ ألأننا لا نملك جيش فرنسا وأسطول إنكلترا؟ ألأن حقّنا لم يؤيَّد بالقوّة؟ فأين إذن مبادئ ثورتكم التي علّمتمونا إيّاها في المدارس؟ وأين حقوق الإنسان التي زعمتم أنكم أعلنتموها؟ إن الضعف ليس عاراً ولكن الجبن هو العار، ونحن ضعاف ولكننا لم نجبن أبداً ولا نعرف ما هو الجبن. نحن مغلوبون على أمرنا ولكنّا لم نذلّ أبداً ولا ندري ما هو الذلّ، إننا نعرف كيف نموت كِراماً إذا نحن

стр. 1018

عجزنا أن نعيش كراماً، إننا اليوم لكما قال مليككم فرانسوا الأول في رسالته إلى السلطان العثماني، أقوى ملوك أوربّا يومئذ، التي كتبها يستنصره فيها: "قد خسرنا كل شيء إلاّ الشرف". ومن يملك الشرف فقد ملك كل شيء. * * *

стр. 1019

-٨٦ - في وداع عام فات ... واستقبال عام آتٍ رفعت رأسي فجأة إلى التقويم فنظرت فيه وجمد بصري عليه. أمن الممكن هذا؟ أيحدث هذا كله في هدوء: يموت في هذه الليلة عام ويُولَد عام؛ يمضي الراحل بذكرياتنا وآلامنا وآمالنا إلى حيث لا يعود أبداً، ويُقبِل القادم فاتحاً ذراعَيه ليأخذ قطعة من نفوسنا وجزءاً من حياتنا، ولا يُعطينا بدلاً منها شيئاً؟ وهل الحياة إلاّ أعوام فوق أعوام، وهل النفوس إلاّ الذكريات والآلام؟ وجلست بين المولد والمأتم، أفكّر وأتذكّر وأحلم. لقد تعوّدت أن أجلس هذه الجلسة كلّما انصرم عام، أصفّي حسابي مع الحياة؛ أنظر ماذا أخذَت وماذا أعطت، وأراقب هذه القافلة من السنين التي بدأت مسيرها منذ بدأ الزمان، ولست أدري متى بدأ الزمان، والتي تنتهي إلى حيث لا يدري أحد إلاّ الله. كنت منذ سنة ١٩٢٨ أكتب دأَباً مقالة كلّما وُلد عام جديد، أرثي فيها العام الذي ولّى وأستقبل الذي قدم. كان الذهن كالمصباح المتوقّد، فجفّ فيه الزيت وخَبَت الشعلة وقارب الانطفاء. كان طريق الأمل أمامي ممتداً فسيحاً، لا تعترضه العوارض ولا تحدّه الحدود،

стр. 1020

فضاق الطريق وقامت فيه العقبات وتوعّرَت فيه الأرض، حتى بتُّ أرقب أن تأتي الساعة التي أراه فيها مسدوداً فلا أمشي بعدها أبداً. استمررت طول هذه السنين أكتب في مطلع كلّ سنة، أسمو في بعض ما أكتب فآتي بالمعجِب المطرِب، وأهبط في بعضه فأقول كلاماً يمسّ آذان سامعه ولا يصل إلى قلبه. أقرّ بهذا بلساني قبل أن يَصِمَني به غيري. ومَنْذا (١) يجوّد دائماً؟ حتى النسر الذي يحلق في الجِواء (٢) ويضرب بجناحَيه في أعالي الفضاء، يسفّ أحياناً حتى ليكاد يلمس بهما الأرض. ولقد فتّشت فيما تحت يديّ الآن ممّا كتبت في مطالع الأعوام فلم أجد إلاّ القليل، أكثره قد ضاع فيما ضاع ممّا كتبت ونشرتُ، وبقيَت قطعة عنوانها «نشيد الوداع»، ليست عندي الآن وأظنّ أنها في كتابي «هتاف المجد» (٣)، فقلتُ: أعرض على السادة قرّاء «الشرق الأوسط» ما تحت يدي ليكون دليلاً عليها ونموذجاً منها، ولأنه فصل من فصول هذه الذكريات. كان ممّا وجدت منها مقالة كتبتها في بغداد في مطلع عام ١٩٣٧، وكنت أعمل فيها مدرّساً للأدب العربي في الثانوية
следующие страницы →