بل فِدُوا (١) إليها وأعرضوا عمّا قال الشاعر. فِدُوا إليها وأقبلوا عليها، فقد قامت الدار وعاد الديّار.
ما ماتت بغداد؛ إن بغداد لا تموت. السنديانة الضخمة قد تُقطَع وتُنشَر بالمنشار ولكن جذورها في الأرض، فلا تلبث أن يخرج من جذعها اليابس فرع طريّ يصير غصناً لدناً، ثم يغدو جذعاً قوياً كالجذع الذي انقطع تقوم عليه دوحة باسقة كالتي كانت من قبل.
* * *
إنني لا أزال في الكلام على بغداد الماضي، ما تكلمت عن بغداد الحاضر. ولكن هل بغداد التي ذهبتُ إليها وجئت الآن أكتب عنها هي بغداد الحاضر؟ لقد مرّ على ذهابي إلى بغداد نحوٌ من نصف قرن. إن بغداد التي عرفتها صارت أيضاً من التاريخ، ولكن تلك من التاريخ البعيد وهذه من التاريخ القريب. إن مدننا ومجتمعاتنا تعدو عدواً في طريق هذه الحضارة المادّية، فما يكون اليوم جديداً يكون غداً قديماً.
إن بغداد التي عرفتها ما كان فيها إلاّ شارع واحد تمشي فيه السيارات والعربات صفاً متصلاً، لا تستطيع أن تقف فيه لأنه ضيّق وإذا وقفَت فيه سدّته، ولا تستطيع أن تخرج منه لأنها إن خرجت منه لم تقدر أن ترجع إليه.
شارع واحد هو شارع الرشيد، وعلى طرَفَيه عمارات
стр. 1087
أعلاها من ثلاث طبقات، يحدّه من هنا النهر ومن هناك أزقّة ضيّقة لا تتّسع لأصغر سيارة لتمشي فيها هي «الدربونات». بغداد التي عرفتها كانت تنام على الشطّين، رأسها في باب المعظّم ورِجْلاها في الباب الشرقي، أو بالعكس، فما أبالي أين الرأس وأين القدمان ما دام الفراش ممدوداً ومداه محدوداً. وما بعد باب المعظم شيء يُذكر في البنيان.
كان طريق الأعظمية خالياً ما فيه إلاّ البلاط الملكي. ولا تحسبوه مثل قصر يلدز أو «ضولْمَه باغْجِه» (١) ولا مثل فرساي. ما هو إلاّ بناء دون بناء بعض بيوت الموسرين. ثم أقامت الأوقاف (على ما أذكر) أمامه دُوَيرات (فيلات صغيرة) جعلوها ذات ألوان، أو أذنوا للناس بإقامتها على أن يسكنوها مدّة معلومة ثم تؤول إلى إدارة الأوقاف، لأن تلك الأرض كانت وقفاً. وليس بعد البلاط ولا قبله منازل ولا بنيان حتى نصل إلى دور الأعظمية، فينادي سائق الحافلة (الباص): "رأس الأحواش"، أي أوائل البيوت ... بيوت الأعظمية، لينزل من شاء من الركّاب.
أما الحافلات (الباصات) فهي صناديق كبيرة من الحديد فيها كراسي ضيّقة متراصّة، وقد خُبِّرت أن الحافلات التي تحمل الناس الآن في بغداد هي التي يحملهم مثلها في لندن لا تختلف عنها، وأن منها ما هو بطبقتين، وعلمت أن عند أمانة العاصمة متحفاً أو معرضاً يعرضون فيه تطور سيارات النقل العامّ من تلك الصناديق التي أعرفها (والتي كنت أزاحم الناس لأتخذ لي كرسياً
стр. 1088
فيها) إلى ما انتهت إليه اليوم. وقالوا إن بغداد اليوم أكبر مساحة وأكثر امتداداً من بغداد الرشيد والمأمون. قالوا: إن طولها زاد على خمسين كيلاً، وقالوا: إن الجسر صار مثل الجسور التي تقوم على دعائم راسيات في الأرض، وقد كان الجسر على عهدي ببغداد يقوم على عوّامات، فإذا فاض النهر وزاد الماء صار الجسر كالتلّ يُصعَد إليه صعوداً، وإذا قلّ الماء صار كالوادي نهبط إليه نازلين! فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدُّعابات؟
وقالوا إن بغداد ذات الشارع الواحد صار فيها عشرات وعشرات من الشوارع التي تمشي فيها السيارات وتقوم على جانبَيها ضِخام العمارات، فهل الذي قالوه حقيقة أم هو من الدعايات؟
إنني لأشتهي أن أرى بغداد بعد طول الغياب، ولكن ما الذي أجده اليوم من بغداد التي عرفتها؟ مَن الذي سألقاه ممّن كنت ألقى يومئذ فأسعد بلقياه؟ هل أجد الشيخ رضا الشبيبي الذي بسط عليّ جناحَيه فدفع عني الأذى يوم تحالف عليّ إخوة كرام إثر ما كان بيني وبين المفتّش؟ هل أجد العالِم الأديب الذي كان يعمل معه الأستاذ طه الراوي؟ هل أجد العالِم الكبير الشيخ المعمَّر الشيخ إبراهيم الرّاوي؟ ألا يزال في جامع سيد سلطان علي، يستقبل كل من دخل عليه ويُلزِمه أن يأكل من طعامه ولو لم يكن الوقت وقت طعام؟
هل أزور الأخ الذي كان لي أكثر من الأخ الشقيق، الأخ الأكبر وإن كان لا يزيد عني في العمر إلا خمس سنين، الذي كان سبب سفري إلى العراق، والذي كان مكتبه في وزارة المعارف
стр. 1089
مَغداي أو مَراحي كل يوم؟ الذي كنت آوي إليه كلّما ضربَتني أمواج الحياة فأجد الجبل المنيع الذي لا تصل هذه الأمواج لمن يأوي إليه؟ الذي عرفته في دمشق وفي لبنان وفي العراق، فما عرفت فيه إلاّ الأخ الوفي والصديق الصفي، الشاعر الراوي الكاتب البليغ الذي يكفيه أنه ساجل إمام البلاغة الزيات في قصّته «وضّاح اليمن»، فما كان أسلوبه دون أسلوب الزيات ولا بيانه أقلّ من بيانه؟ ﵀ وجزاه عني خيراً. أما عرفتموه؟ هو الشيخ بهجة الأثري الذي سلّمني مكانه في الثانوية المركزية لمّا تبوأ كرسي كبير مفتّشي اللغة العربية في العراق، فكان لي خير سلف ولكن هل كنت له خير خلف؟ ﵀ فما أنسى -والله- فضله عليّ.
هل أجد زملائي الذين جاؤوا العراق معي: أنور العطّار وعبد المنعم خلاّف وأحمد مَظهر العَظْمة وصالح عَقيل وكامل عيّاد وحيدر الرّكابي؟ هل أجد من جاء بعدي لمّا فارقت العراق إلى بيروت الأستاذ الدكتور زكي مبارك؟ إن من هؤلاء من بقي كما بقيت، مدّ الله في عمره وأحسن خاتمتي، ولكن أكثرهم لحق بركب الماضين (١).
هل أجد الشيوخ الأجلّة الذين جمعني بهم التدريس في دار العلوم الشرعية الملحَقة بجامع الإمام الأعظم الذي سُمّيت باسمه ونُسبت إليه مدينة الأعظمية: العالِم الغني الزاهد الشيخ أمجد الزهاوي، والعالِم الحقوقي صاحب خزانة الكتب الكبيرة الحاجّ حمدي الأعظمي، والمفتي الصالح الشيخ قاسم القيسي،
стр. 1090
ومدير الدار الأستاذ الكبير الشيخ المعمَّر فهمي المدرّس؟ لقد كنت وحدي الشابّ بينهم، وكانوا كلّهم أكبر مني سناً، وأكثر علماً وفضلاً وأعلى منزلة.
أين مني تلك الأيام، وماذا أجد إن ذهبت من بقاياها، من أريجها، من عطرها، من أنقاضها، من آثارها؟
وتلاميذي الذين لا أحصيهم عدداً، وإن ظللت أذكرهم أبداً، وأتعلّل بذكراهم على طول المدى وبعد الزمان. لقد كان منهم عبد السلام عارف ﵀، لقد صار رئيس الجمهورية، وكلّما قابل أحداً من أهل الشام سأله عني وعن أنور العطّار. ولكن لم ألقَه بعدها. أنا أتهيب أن أطرق باب الرفيق إن لم يتّصل حبلي تماماً بحبله ولم ترتفع الكلفة بيني وبينه، فكيف برئيس الجمهورية؟ حتى إن مَن صار وزيراً من تلاميذي لم أعُد أراه، إذ هو في شغل عن زيارتي وأنا في عزوف عن زيارته.
وقليل من الطلاّب الذين لبثوا -على طول العهد- محافظين على الودّ، منهم ... بل دعوني أسُق لكم خبره قبل أن أقول لكم من هو: كان طالباً في الشهادة الثانوية سنة ١٩٣٦، فلما نالها دخل الكلّية العسكرية، فتخرّج فيها وتدرّج صاعداً في الرتَب العسكرية حتى صار عقيداً (كولونيل)، فحدثت أحداث في العراق اضطرّته إلى ترك العسكرية، فماذا صنع؟ هل قعد في بيته يبكي ما فقد، يندب ماضيه يائساً من مستقبله؟ إن أصحاب الهِمَم العالية إذا هبطوا الجبل من جانب قاموا يحاولون صعوده من الجانب الآخر، لأنهم لا يطيقون البقاء في الحضيض بل يبتغون
стр. 1091
المعالي أبداً. فدخل كلّية الحقوق، فدرس فيها ونال شهادتها وصار محامياً ونجح في المحاماة، فحدثت أحداث اضطرّته إلى ترك بغداد كلّها. فهل يئس؟ إنه مؤمن أشهد بإيمانه من يوم كان طالباً يقعد بين يديّ، والمؤمن لا ييأس من رَوح الله، وإذا ضاقت به بلاد العرب فإن «في الأرضِ مَنْأىً للكريمِ عَنِ الأذى»، فسافر إلى النمسا وتعلّم لسانها، ودخل كلّية الطبّ وتخرّج طبيباً من سنتين وقد جاوز عمره الستّين. ولم ينقطع طولَ هذا المدى من مراسلتي والاتصال بي، يرسل إليّ من الأدوية ما يفيد أمثالي في شيخوخته، وإن لم يكن شيء يردّ إلى أمثالي شبابَهم الذي ولّى. لقد رأيتُه في الحجّ في الموسم الماضي، زارني في داري في مكّة. هل عرفتموه؟ هو العقيد المحامي الطبيب جهاد عبد الوهاب.
ومنهم من هو اليوم من الدبلوماسيين العراقيين المرموقين ومن الأدباء والباحثين المعروفين، لزمني مدّة لزوم الولد أباه ثم راسلني مدّة أخرى، ثم قطعَت الأيام ما بيني وبينه فلم أعُد أسمع عنه شيئاً، هو نجدة فتحي صفوة.
ولهما -بحمد الله- أمثال من الذين شرّفني الله يوماً فكنت مدرّساً لهم ثم مضوا صُعُداً فجاوزوني وصاروا أعلى مني منزلة، صار منهم (من تلاميذي) وزراء وقُضاة كبار وأساتذة جامعات، منهم جماعة هنا في جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى وجامعة الملك سعود وجامعة الإمام محمد بن سعود، من السوريين ومن السعوديين، هم أعلم الأساتذة وأفضلهم، صاروا جميعاً أعلم مني وأفضل.
* * *
стр. 1092
-٩٢ -
التعليم في المدرسة الابتدائية
ما أوقعني أحد؛ أنا أوقعت نفسي في الورطة. لماذا بدأت الحديث عن بغداد وأنا لم أخرج بعدُ من دمشق؟ لماذا قطعت التذكرة وحجزت مكاني على الطائرة وأنا لم أُعِدّ متاعي ولم أهيّئ حقائبي، بل أنا لم أستخرج جواز سفري؟ هل فعلت ذلك من حبي لبغداد فأسرعت بالكلام عنها قبل أن يصل بي الموضوع إليها؟ أم أنني لضيقي ممّا كنت أقاسي وأنا معلّم في المدارس الابتدائية، وأنا في البلد الذي كان يحكمه الفرنسيون، أحببت الإسراع بالفرار؟
مهما يكن الأمر فلا بد لي من رجعة إلى الوراء، أرجع سنة أو أكثر لأن هذه السنة (١٩٣٦) ومثلها السنة التي قبلها (١٩٣٥) كانتا حافلتين بالأحداث. أحداث حياتي أنا وتنقّلي بين المدارس، ومَن لقيت وماذا لقيت وماذا رأيتُ، وحياتي الأدبية: ماذا كتبت وماذا خطبت، وحياة بلدي في النضال للاستقلال والجهاد لحرّية البلاد. ولم يبقَ لي في مجال القول سعة للتفصيل فسأتحدّث بإيجاز.
* * *
стр. 1093
لقد عرفتم أن الذين كانوا يعملون معي (أو كنت أنا أعلّم معهم في المدارس الابتدائية) هم من جِلّة مشايخنا ومن كبار زملائنا. علماء كبار وأدباء معروفون، حسبكم أن منهم شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار وشيخنا الشيخ حامد التقي، وأن منهم الطبيب الشيخ رفيق السباعي وأن منهم الشيخ سعيد البرهاني. أمثال هؤلاء كانوا معلّمين في الابتدائية، وكان من المعلّمين سعيد الأفغاني وسليم الزركلي وأنور العطّار وجميل سلطان وأمجد الطرابلسي، هؤلاء الذين صاروا أدباء البلد وشعراءها.
ما كنت ولا كان كثير من إخواني نَعُدّ أنفسنا معلّمين فقط، وما كنّا نرانا مسؤولين أمام وزارة المعارف وحدها، نطبّق مناهجها ونطيع أوامرها؛ بل كنّا نُعِدّ الجواب للسؤال يوم العرض على الله: السؤال عن تربية الأولاد على ما يُرضيه، على الشريعة التي بُعث بها خاتم رسله، عن تخريج أمة جديدة تؤمن بالله إيماناً خالياً من الشرك كله، الظاهر منه والخفي. تخاف الله ولا تخاف في الحقّ أحداً إلاّ الله، تستهين بعذاب الدنيا مهما اشتدّ للخلاص من عذاب الله في الآخرة وهو أشدّ. كنّا نلقّنهم العقيدة سالمة من الشوائب، ونعوّدهم العبادات بعيدة عن الرياء، والسلوك الذي يحبّبهم إلى الناس ولا يكرّههم إلى الله. فإن جاء أمرٌ فيه تركُ واجبٍ أو فعلُ حرام فلا مبالاةَ حينئذ بحبّ الناس ولا خوفَ من كرههم، لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.
كنّا نعيد عليهم كل يوم أن هذه البلاد لنا، وأن الفرنسيين واغلون علينا عادون على حقّنا، ومن يعاونهم منّا أعدى منهم علينا
стр. 1094
وإن كان في الظاهر منّا. لا نلقي عليهم في ذلك كله محاضرات فلسفية ولا خُطَباً بليغة أدبية، بل نكلّمهم باللسان الذي يفهمونه. لا نجمعهم لذلك بل نتبع سنّة رسول الله ﵊ في الدعوة إلى الله: كلمة هنا وكلمة هناك، وكلّ كلمة في موضعها وكل كلمة عند مناسبتها، يحفظها من يحفظها وينساها من ينساها ولكن لا يضيع أثرها أبداً. من سمعها حملها إلى أهله فبلّغهم وبلّغ أصحابه إياها، ورُبّ مبلَّغ أوعى من سامع، أو يحفظها في ذاكرته حتى يكبر فيدرك معناها، كما تحفظ الصحراء بذور الكلأ حتى يأتي المطر فتخضرّ منه الصحراء.
وما خرجوا جميعاً متعبّدين صالحين ولا وطنيين مخلصين، ولا صاروا أئمة في الخير جمعوا أسبابه واستكملوا مزاياه، بل اقتربوا منه وأحبّوه. وما كنت أنا ولاكان إخواني من المدرّسين من الصالحين الكُمَّل، ما نحن إلاّ ناس عرفوا طريق الحقّ فجئنا ندلّ عليه، نسلكه تارات وتغلبنا نفوسنا تارة فندَعه إلى طريق اللهو، اللهو غير المحرّم، فما كتب الله علينا (والحمد له والمنّة) أن سلكنا طريق اللهو الحرام وإن مالت نفوسنا إليه. وما كان في دمشق تلك الأيام مثل الذي يجده الشبّان الآن ولا نصفه ولا ربعه ولا عُشره، ما كانت عندنا إلاّ سينما حقيرة صامتة لأن السينما لم تكن في الدنيا كلها قد نطقت، كانت السينما التي عندنا تهتزّ صورها ويتمايل الأشخاص فيها، وما كان يدخلها إلاّ مَن سَفِهَ نفسه وهانت عليه. وما كان في الدنيا إذاعات ولا كان فيها هذا الرائي (التلفزيون).
* * *
стр. 1095
لقد عرفتم أني علّمت في المدارس الأولية في القرى، وستعرفون أني علّمت في المدارس المتوسطة والثانوية وعلّمت في جامعات كثيرة وفي أقسام الدراسات العليا في هذه الجامعات، وأشرفت على إعداد رسالات الماجستير والدكتوراة، وعلّمت بنين وبنات، ومشايخ في كلّيات الشريعة وفي المساجد. فهل تريدون أن أخبركم بالذي رجعت به بعد هذه الجولة الواسعة التي شملت الشام والعراق والسعودية ولبنان ومصر حيناً، وامتدّت خمساً وخمسين سنة (لأنني بدأت أعلّم سنة ١٣٥٤هـ؛ بدأت التعليم قبل أن أكمل أنا تعلّمي).
أقول لكم الحقّ: لقد وجدت أنه ليس شيء أبرك ولا أنفع للناس ولا أجمع للثواب من تعليم تلاميذ المدارس الابتدائية.
معلّم الابتدائي هو الأساس. والبناء الذي حدّثونا عنه في أميركا وقالوا إن فيه مئة طبقة (مئة دَوْر) بعضها فوق بعض لا يقوم ولا يُنتفَع به إن لم يحمله أساس متين غائص في الأرض، والأساس لا يُرى ولكن البناء لا يقوم إلاّ عليه. هذا الأساس هو التعليم الابتدائي، لا يراه الناس على حقيقته ولا يقدّرونه قدره.
ولو كان بيدي شيء من الأمر أو كان لرأيي قليل من الوزن لاقترحت أن يُشترَط في معلّم الابتدائي الشهادة الجامعية، وفوقها دورة في التربية وتعليم الصغار، وأن يُعطى مثل راتب أستاذ الشهادة الثانوية. نطالبه بالكثير بعد أن نعطيه الكثير.
إن ضَعف معلّم الابتدائي لا تُصلحه قوّة مدرّس الثانوي ولا أستاذ الجامعة.
стр. 1096
هل أضرب مثلاً واقعاً أم أخاف أن أؤذي به أحداً؟ على أن الذي يؤذيه الحقّ أَولى به هو أن يرجع إليه، لا أن نترك نحن كلمة الحقّ حفاظاً عليه. على أنني لا أسمّي أحداً ولا أعيّن بلداً. كان لي حفيد تكرّموا عليه فأدخلوه مدرسة مشهورة، لكنْ اتفق أن بدّلوا معلّميها وجاؤوا بغيرهم فكان معلّمه شاباً مبتدئاً لم يحذق صنعته، ولم تصقل الأيام خشونته ولم تُهذّب حواشيه، فمضت السنة ولم يتعلّم (أي الحفيد) تهجئة الكلمات. وحسبت ذلك ضعفاً منه، فجاءت نتيجة الامتحان فإذا هو يُعطى درجة جيّد جداً. وارتقى إلى الصف الثاني فالثالث فالرابع وهو لم يتجاوز الحدّ الذي وقف عنده على عهد المعلّم الأول! وحفيد آخر في مدرسة أخرى ابتُلي بمعلم قاسي القلب فارغ الرأس، يستر فراغ رأسه وضعفه في مهنته بشدّته وقسوته، فهو يُدخِل القلم بين أصابع الولد مخالفاً بينها ثم يضربه عليه ضرب مجرم مكانه السجن، لا معلّم محلّه منبر التدريس.
إنني أقول الآن: يا أسفي على أيامي الأولى في التعليم الابتدائي التي ضقت بها لمّا كنت أعيشها، ثم عرفت قدر عملي فيها لمّا فارقتها. كان أسلوب التعليم على أيام الفرنسيين أن يتسلّم المعلم فصلاً كاملاً بكلّ دروسه، وكنت آخذ إحدى شعبتَي السنة الثالثة، والشعبة الثانية يتولاّها الصديق الأديب الشاعر سليم الزركلي مدّ الله في عمره. فنشأ من هؤلاء التلاميذ الصغار مَن نبغ وبقي حبلي متصلاً بحبله وشَمْلي مجموعاً إلى شمله إلى الآن، لأن أعمق الآثار في حياة التلميذ أثرُ معلّم الابتدائي.
стр. 1097
معلم الابتدائي يصادف قلوباً خالية يمكن أن تُملأ بالخير أو بالشرّ، بالإيمان أو بالكفر، بالفضيلة أو بالرذيلة. وأنا أرجو أن أكون قد نثرت في قلوب تلاميذي بذور الفضيلة والخير والإيمان.
إن ممّن علّمت في الابتدائي أناساً بلغوا أعلى المراتب، صار منهم -كما قلت من قبل- الوزراء وصار منهم في الوزارات وكلاء، وصاروا أساتذة جامعات، وصار منهم من هو أجلّ مني قدراً وأسْيَر في الناس ذِكراً، ولا يزالون إذا لقوني يذكرونني بالخير. ولولا المنغّصات في التعليم الابتدائي، ولولا رعونة بعض المديرين وسخافة عقولهم واهتمامهم بالصغائر، ولولا انتفاخ بعض المفتّشين، ولولا أن من الأنظمة والقوانين ما وضعه ناس غرباء عن التعليم لكان التعليم الابتدائي نعمة من النعم.
لكنني لم ألقَ من المديرين أحداً من هذا الصنف الذي وصفت. كان مديرنا في أول مدرسة درّست فيها هو الرجل الطيّب النبيل الأستاذ باكير الأورفلي، وقد عرفتموه. وعلّمت في مدرسة الملك الظاهر، وهي من أقدم المدارس الرسمية الابتدائية في دمشق، وكانت في المدرسة الأثرية التي فيها قبر الملك الظاهر والتي أقام فيها الشيخ طاهر الجزائري نواة المكتبة العظيمة «الظاهرية»، وكان مديرها الأستاذ شريف آقْبيق (ولعلّ معنى «آقبيق» في اللغة التركية: صاحب الشوارب البيض). وأسرة آقبيق أسرة صغيرة معروفة في الشام منها صديقنا القاضي الكبير النزيه رحمة الله عليه، والنائب في المجلس النيابي الأستاذ محمد
стр. 1098
آقبيق. كان مدير هذه المدرسة شريف آقبيق الذي كان مدير القسم الابتدائي في المدرسة السلطانية الثانية لمّا كنت تلميذاً فيها سنة ١٩١٨، ثم رأيته هنا (في مدرسة الملك الظاهر) فما رأيت منه إلاّ كلّ إكرام. لم أَشْكُ منه شيئاً، وهو لا يزال حياً مدّ الله في عمره وقوّاه على شيخوخته. وكان من مديرينا الأستاذ توفيق ميخائيل، مدير مدرسة طارق بن زياد في المهاجرين. هذه المدرسة التي كنت فيها تلميذاً عنده ثم جئتها معلّماً، لبث مديراً فيها أكثر من ربع قرن. وكان كبار السنّ من نصارى الشام يسايرون المسلمين، بل كان يأمر التلاميذ بإقامة الصلاة، لا إيماناً منه طبعاً بصحّة دينهم بل تَمْشِية لحياته بينهم.
أمّا المفتّشون فلم يكن على أيامنا في دمشق إلاّ مفتّش واحد هو أستاذنا سنة ١٩١٩ العالِم الجليل والمربّي الكبير الذي يشارك في كثير من العلوم، صاحب الأخلاق العالية الذي يفرض على كل من يراه أن يحترمه وأن يحبّه، هو الأستاذ مصطفى تمر. فكنت أنا وإخواني نجد أنفسَنا تلاميذ بين يديه فلا نجرؤ عليه (١).
ولمّا توسّعَت دائرة المفتّشين جاؤونا بمفتّش شابّ من حلب، رأيناه أقرب إلى الرعونة وإلى الخفّة وأرانا من حماقته ما جعَلنا نُريه النجوم عندما يصعد مؤذّن المسجد المقابل للمدرسة ليؤذّن لصلاة الظهر! ففرّ هارباً ولم يعقّب ولم يرجع، وبلغني أنه صار صاحب مصنع للجوارب.
* * *
стр. 1099
هذا مع العلم أننا نعيش في الدنيا لا نعيش في الجنّة، وأن الدنيا ما صَفَتْ لأحد حتى تصفوَ لنا:
خُلِقتْ على كَدَرٍ وأنت تريدُها ... صفواً منَ الأقذار والأكْدارِ
ومكلِّفُ الأيامِ ضدَّ طِباعِها ... متطلّبٌ في الماءِ جَذْوةَ نارِ
فمعلّم الابتدائي كان يجد من المشاقّ ومن المتاعب ما يكرّه إليه مهنته. كنّا ندرّس في الأسبوع ستاً وثلاثين ساعة، ما عندنا راحة يوم ولا نصف يوم، حتى ولا يوم الخميس. ندرّس من الصباح إلى المساء، نبقى في المدرسة لا نخرج منها، نرقع خروق عقول الصغار من عقولنا، فلا نصل إلى سنّ التقاعد حتى يُمسي كثير منّا بلا عقل! نعاشر أطفالاً تفكيرهم محدود فننزل إليهم فنحدّ من أفكارنا، فنفكّر كالأطفال ونحن كبار.
الأب الذي له خمسة أولاد إن قعد معهم من الصباح إلى المساء أحسّ أن الجنون يقترب منه، فكيف بمن يقعد كل يوم مع عشرات وعشرات من الأولاد؟ الأب يضرب أولاده والمعلّم ممنوع من الضرب، والذين يضعون المناهج للأولاد ويؤلّفون لهم الكتب هم في وادٍ والأولاد في وادٍ؛ كان علينا في درس النحو في السنة الثالثة الابتدائية أن نُعنى بهذه التعريفات. وأقول كلمة على الهامش مع أنها في الصميم ينبغي الانتباه إليها، أقول: إن هذه التعريفات التي نملأ بها كتب النحو لا حاجة إليها ولا خير فيها. ولطالما تعبت لمّا كنت تلميذاً وتعبت لما صرت معلّماً في الجواب على هذا السؤال: كيف تصوغ المضارع من الماضي؟
стр. 1100
كيف أصوغ؟ أنا أعرف كيف أصوغه فلماذا أشرحه لكم؟ وتوضيح الواضحات من أشكَل المشكلات.
كان العرب الأوّلون، وهم أهل اللسان الذين أُخِذَ عنهم، لا يدرون شيئاً من هذه التعريفات. حتى إن أحمد بن فارس روى عن أعرابي لمّا سألوه: أتجرّ فلسطين؟ لم يفهم معنى الجرّ عندهم وأخذه على معناه اللغوي فقال: إني إذن لقوي! ولمّا سألوا آخر: أتهمز إسرائيل؟ فَهِم الهمز على أنه الغمز واللمز واللكز، ولم يعرف معناه المصطلَح عليه فقال: ما كنت رجل سوء! وأنا لا أريد أن ندَع هذه المصطلحات كلّها بل أن ندع هذه التعريفات.
قلت هذا لأسرد عليكم حادثة ممّا وقع لي: "كنت أعلّم التلاميذ (١) ما جاء في الكتاب في تعريف الاسم (وأنه الكلمة التي تدلّ على معنى مستقلّ في الفهم وليس الزمن جزءاً منه) شرحت ذلك وأعدتُه وكرّرتُه فلم يفهموا عني، وكيف يفهمونه وهو أعلى ممّا تصل إليه أفكارهم وأفهامهم؟ وبعد أن تكلمت ربع ساعة قلت: من فهم؟ فرفع ولدٌ إصبعه، فحمدت الله على أن واحداً منهم قد فهم وقلت: قُم يا بُنَيّ بارك الله فيك فأخبرني ما هو الاسم؟ فقال: يا أستاذ هذا دعس على رجلي. فصحت به: ويحك، إني أسألك عن تعريف الاسم فلماذا تضع رجلك في التعريف؟ ألم أقُل لكم إن هذه الشكاوى ممنوعة أثناء الدرس؟ فقال: ولماذا يدوس هو على رجلي؟ فصحت بالآخر: لِمَ دست
стр. 1101
على رجله يا ولد؟ فقال: والله كذّاب، ما دُست على رجله ولكن هو الذي عضّني في أذني. فغضبت وصرخت: وكيف يعضّك وأنا قاعد هنا؟ فقال: ليس الآن ولكنه عضّني أمس.
وتطوع العفاريت الصغار بالشهادة للمدّعي وللمدّعى عليه، وزُلزِل الفصل، فضربت المنصّة بالعصا وأسكتّهم جميعاً وهدّدت من يتكلّم منهم بأقسى العقوبات. ولست أدري أنا ما أقسى العقوبات هذه! فسكتوا وعادوا إلى الدرس".
هذه صورة ممّا كنت ألقى. وإنها لمن الصور النادرة، لأنني كنت أضبط الصفّ فيكون هادئاً ساكناً، لا عن خوف خالص مني بل عن خوف مَشوب بالمحبّة، وكنّا نضرب أحياناً. لمّا نُقلت إلى مدرسة الميدان فأمضيت فيها مدّة قصيرة وجدت في السنة الثانية ولداً صغيراً اضطُررت إلى ضربه فبكى قليلاً، ثم أرضيتُه فسكت. ومرّت الأيام، فإذا هذا الولد الذي ضربتُه صغيراً ولم يُكتَب له أن يُكمِل دراسته النظامية أحد العشرة الذين قابلتهم في حياتي من أذكى الأذكياء، اشتغل بأعمال شتّى، ثم لمّا ولي أخونا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليه، ابن شيخنا، وزارة الأشغال العامّة أدخله موظفاً صغيراً فيها، فاستطاع بقوّة شخصيته وبكرمه وبتوزيعه ربع راتبه على مَن حوله ممّن هو أصغر منه أن يحتلّ منزلة أعلى من منزلته الرسمية.
ومضت الأيام وجئت أطبع كتاباً من كتبي الأولى في مطبعة دار السلام فوجدته مديرها، وهي مطبعة صغيرة، ولكنه يفرض احترامه على العاملين معه. ثم مرّت الأيام فذهب إلى قطر معلّماً
стр. 1102
في المدارس الابتدائية، فلما انتهت مدّة التعاقد، وكان حاكم قطر الشيخ العالِم الكبير الشيخ علي آل ثاني أراد أن يمنح المعلّمين عطيّة منه، فأبت على هذا الذي أتكلم عنه عزّة نفسه أن يأخذ عطيّة من أحد. فقال الشيخ: ماذا تريد أن تعمل لعلّي أساعدك في عملك؟ قال: إني نويت أن أنقطع إلى طبع الكتب، فإن كان عندك كتاب تحبّ طبعه طبعتُه لك. فاختار العالِم المعروف الذي كان له أثر في إنشاء وزارة المعارف السعودية الشيخ ابن مانع (بمعونة الشيخ قاسم درويش فَخْرو) كتاباً من كتب الحنابلة فطبعه له، واشترى مقداراً من النسخ المطبوعة فكان ذلك رأس مال صغيراً لهذا الشابّ. وتوالى طبع الكتب للشيخ علي بن ثاني حتى نشر أكثر كتب المذهب الحنبلي، وكان يوزّعها مجاناً لأن الشيخ يجعلها وقفاً لله .
ثم صار نائباً في المجلس النيابي وأقبل على النظر في الكتب وعلى مجالسة العلماء وعلى اقتباس كل نافع يسمع به أو يقرؤه، وكان -كما قلت- من أذكى الأذكياء الذين عرفتهم في حياتي فصار عالِماً يُرجَع إليه ويُعتمَد عليه، ورزقه الله منزلة وصارت له مكتبة كبيرة فيها من نوادر المخطوطات وطبع من الكتب خزانة كاملة. هذا هو التلميذ الذي ضربتُه صغيراً ثم صار صديقي وأخي وولدي كبيراً، وهو العالِم الفاضل الأستاذ زهير الشاويش صاحب «المكتب الإسلامي» للنشر والتوزيع.
* * *
стр. 1103
-٩٣ -
ليلة على سفح قاسيون
هذه الحلقة ليس فيها خبر يؤثَر ولا حادثة تُذكَر، ولكن فيها صورة قد تمتع وتسرّ، وجدتها مكتوبة عندي ولم أُدخِلها في كتاب من كتبي.
الذي ينظر إلى جبل قاسيون وهو يتمدّد شمالي دمشق يراه بدأ من الشرق من عند مستشفى ابن النفيس ثم صعد علوّاً إلى حيّ الأكراد (حيّ ركن الدين)، ثم الصالحية التي كان أول من وضع أساسها وأقام البناء فيها ابن قدامة والد صاحب «المغني»، ثم حيّ المهاجرين الذي أقامه الوالي ناظم باشا ومدّ فيه خطّ الترام لمّا جاءنا بالكهرباء فضوّأ بها دمشق، من تاريخ مولدي، ﵀.
إذا صعدت المهاجرين اليوم رأيت الشوارع المتقاطعة والمتوازية والعمارات الكبيرة المتجاورة والمتقابلة تغطّي وجهَ الجبل من شرقيه إلى غربيه. ولكن هذا المشهد لم يكن في الحقبة التي أتكلّم عنها، أي فيما تسمّونه الثلاثينيات (١)؛ لم يكن تحت
стр. 1104
الشارع الكبير الذي يمشي فيه الترام إلاّ البساتين، وكانت تقوم على السفح أربعة صفوف فقط من البيوت، وينتهي خطّ الترام عند بيت الوالي الذي صار حيناً من الدهر قصر رئاسة الجمهورية، ولم يكن بعده إلاّ قصر آل العابد، وأمامهما على الجبل حقول الصبّار (التين الشوكي)، إذا سرت في هذا الشارع بعد أن ينقطع خطّ الترام وصلت إلى ساحة الجريد.
تعرفون ما لعبة الجَريد؟ كان الفرسان يتبارون في هذه الساحة، يمسك الواحد منهم جريداً في يده أو خيزرانة قصيرة، ثم يعدو بفرسه ويلحقه فارس آخر معه مثل هذه الجريدة (أو الخيزرانة)، فإذا مسّه بها غلبه. وكان لهذه اللعبة أصول متَّبَعة.
كان في هذه الساحة قهوة لحسن آغا المهايني. ولم يكن آل المهايني أصحاب مقاه يديرونها، بل كانوا من أمجاد الناس في الشام؛ كانوا من وجوه حيّ الميدان. وكان حسن آغا هذا من وجوه آل المهايني، ولكنه شاخ وتعب فأشار عليه الأطبّاء بأن ينتقل إلى محلّ نزه هادئ، فلم يجد في دمشق أجمل من هذه البقعة إلاّ مصطبة الهبل، التي أقيم عليها مستشفى المواساة بهمة العالِم الجليل الدكتور حسني سبح، أستاذ الأساتذة ورئيس مجمع اللغة العربية في دمشق. وغالب الظنّ أنه كان هنا «دير مُرّان» المشهور الذي وردت عنه الأخبار وقيلت فيه الأشعار.
هذه القهوة أقامها على تلّة عالية وغرس فيها من أنواع الشجر المثمر والنبات المورد المزهر ما جعلها من عجائب الحدائق، وكانت أشبه بالحدائق المعلّقة في بابل التي عدّوها إحدى عجائب الدنيا القديمة. هذه القهوة كانت أشبه بنادٍ خاصّ منها بقهوة عامّة،
стр. 1105
وكان ينام في داره في زاوية منها ويستقبل فيها ضيوفه ومن يحب أن يجلس فيها من غير ضيوفه.
كنّا نجيء هذه القهوة كلّ عشيّة من مساكننا في أرجاء دمشق، أنا من مسجد القصب بين حيّ العمارة وباب توما، والأستاذ سعيد الأفغاني من مسكنه الذي دار به حارات دمشق كلها، فلم يدع حياً لم يسكن فيه مدّة. والأستاذ عبد الغني الباجقني، وهو مدرّس قديم، عالِم فصيح اللهجة سليم اللغة بصير بالعربية وبالعلوم الإسلامية، فقيه مالكي متمكّن، حتى إنني لمّا كنت يوماً رئيس مجلس الأوقاف رشّحته لمنصب إفتاء المالكية لمّا تُوفّي الشيخ الطيّب، وقد عاد إلى بلده في لوبية (ليبيا) وتُوفّي فيها. والأستاذ حسني كنعان، وهو أستاذنا سنة ١٩١٨، موسيقي أديب صاحب نكتة، وفي قلبه طيب يكاد يقرب من حدّ الغفلة، لا يعرف الشرّ، كتب المئات من المقالات ولم تُطبَع في كتاب. وأنور العطّار، رفيق حياتي، الشاعر المعروف.
وكنّا كلّما جاء دمشق ضيف دعوناه إلى هذه القهوة. لقد جاءها الزيات وعبد الوهاب عزام وعبد الوهاب خلاف وإسعاف النشاشيبي وشكيب أرسلان ومحمد الراوي الشاعر وأحمد أمين، وكثير من ضيوف دمشق. وممّا وقع فيها أن الأستاذ بهجة الأثري جاء مرّة ومعه ولده الصغير، وأحسب أن اسمه زاهر، وكان بيّاعو الصبّار (البَرْشومي) يقعدون في أطراف الساحة، فنزل فاشترى واحدة منها وأخذها بشوكها، ولم يتنبه إليه البائع، فعض منها! فتصوّروا طفلاً صغيراً عضّ حبة من الصبار! وامتلأ فمه بالشوك، واشتغلنا به الجلسة كلها وأضعنا ما كنّا نرجو من متعة.
стр. 1106
رحم الله كلّ من ذكرت وعفا عنهم، وأدخلهم برحمته الجنّة، وألحقَنا بهم على الإيمان. أما ابن الأستاذ الأثري ﵀ زاهر هذا فأرجو أن يكون باقياً، وأن يكون صحيح الجسم وأن يكون مستريحاً معافى.
* * *
أما هذه المقالة التي وجدتها بين أوراقي ولم أنشرها في شيء من كتبي فإن فيها وصفاً لإحدى ليالينا على هذا السفح:
يا ليلةَ السّفْحِ هَلاّ عُدتِ ثانيةً ... سقى زمانَك هطّالٌ مِن الدّيَمِ
لم أقضِ منكِ لَباناتٍ ظفِرت بها ... فهلْ ليَ اليومَ إلاّ زَفْرةُ الندَم
كانت ليلة فيها غناء وفيها طرب، ولكن لم يكن فيها -إن شاء الله- إثم لأننا لم نرتكب حراماً. ومن أين يأتي الحرام والمغنّي رجل ونحن رجال، وما غنّى في فاحش من القول ولا ببذيء من الكلام، ولا كان معه آلات، وما منَعنا غناؤه من واجب ولا دفعنا إلى حرام؟ فلقد أدّينا قبله حقّ الله بالصلاة جماعة، وحقّ أجسادنا بالأكل والشرب معاً، وما كان بجوارنا من يؤذيه غناؤنا من نائم نمنعه المنام أو مشغول نعطله عن العمل. كنّا في سفح الجبل بيننا وبين البيوت ميل، وكانت ليلة احتفال بشفاء الطفل إبراهيم الروّاف (الطفل يومئذ ولعلّه صار الآن كهلاً)، وهو ابن الشيخ ياسين الرواف ﵀.
ليلة ما كان أجملها وأقصرها! وكذلك تكون ليالي الأُنس
стр. 1107
فاتنات قصيرات الأعمار. ليلة لم تمحُ الليالي من نفسي ذكراها ولم أستطع أن أنساها؛ لقد ألّفَت هذه الحلقةُ تلك الليلة بين العلم والأدب والشعر والفنّ والنكتة والغناء، وجمعَت بين العراق والشام ودمشق وبيروت، فكان في المجلس كرام أهل كلّ بلد وكبار أهل كل فنّ. وشارك الكون الناسَ في فرحة الشفاء فتزيّن بحُلّة الأصيل المنسوجة بخيوط الذهب، وماست أشجار الغوطة من بعيد دلالاً وهمست الأوراق بدعاء المساء. وكان مشهد لا يُفيد فيه الوصف، لأن مثله لا يُرى إلاّ في دمشق أو في جنان الخلد، ودمشق جنّة المستعجل.
وتحدّث الأستاذ الشيخ بهجة البيطار، وتطارح الأستاذان بهجة الأثري والتنوخي الأشعار، ثم تسلّم المجلسَ الأستاذُ سعدي ياسين، خطيب بيروت، فلم يبقَ لأحد مجال لمقال، وطفقَ يُلقي النكتة إثر النكتة والنادرة تلوَ النادرة، ونحن نُمسك بخواصرنا ونضرب من الضحك بأرجلنا ونمسح دموعنا، وهو لا يكفّ ولا يقف. ففكّرت كم يضيع بيننا من الآداب التي لو دوّناها كما دوّن المتقدمون لكانت لنا منها ثروة هائلة، وحسبك أن ما رواه صاحبنا تلك الليلة وارتجله يملأ كتاباً.
حتى إذا انطفأ مصباح الكون وغابت الشمس ووجب حقّ الله علينا قمنا إلى الصلاة، فأذّن مؤذّن منّا، فلم نفرغ من الصلاة حتى أذّن مؤذّن آخر أنْ حيّ على الطعام. ولمّا فرغنا وامتلأت بطوننا حسبت المجلس سينفضّ وأن القوم قد طعموا فلا بد أن ينتشروا، فإذا المجلس يبدأ، وإذا الشيخ سعدي ﵀ ورحم كلّ من ذكرت، فقد مضوا جميعا للقاء ربهم)، إذا هو يقدّم المقدّمات
стр. 1108
ويتحدّث عن الغناء والطرب، فما ظننت إلاّ أنه سيغني. ولقد سمعتُه حين أذّن فسمعت صوتاً حلواً ورنّة عذبة، ولكني وجدته يشير إلى شابّ ما فتح منذ الليلة فمه، ولا تكلّم بكلمة، فظننتُه يمزح! غير أنه بالغ في إطراء الشابّ، وشاركه في ذلك من اعتمد ذوقه واطمئنّ إلى حكمه وارتضى فهمه.
وما لبث الشابّ أن غنّى وبدأ بـ «يا ليل» بصوت ناعم حلو فأطربني صوته وأعجبَتني نغمته، ولم أَعِبْ عليه إلاّ خُفوته ونعومته، فطربتُ. وأنا رجل طَروب، فقال لي القوم: انتظر، إنك لم تسمع شيئاً. وانتظرت فإذا هو يدور بالنغمة دورة، وإذا له صوت قوي ضخم ولكنه واطئ كقرار محمد عبد الوهاب، وإن كانت له قوّة صوت صالح عبد الحيّ أو الشيخ صبحي الإمام في الشام، ثم يعلو به ويعلو حتى يرتفع ارتفاعاً هائلاً والصوت لا يزال على قوّته ورجولته، فبالغت في الإعجاب فقالوا: انتظر، إن بعد هذا لشيئاً. فسكتّ أنتظر، وما أظنّ أن بعد هذا شيئاً يكون، فإذا الشابّ (عادل القربي) يقفز من هذا العلو إلى طبقة أعلى وأرفع، وإذا له صوت صبيّ برقّته وحدّته وصفائه، وتركَنا في هذا الأفق العالي وهبط بصوته، بآهة من آهاته، إلى القرار. ثم تهاوت آهته واختفَت، حتى لقد سمعت الهاء الساكنة ينطق بها قلبه. ثم سكت سكتة، فلا والله ما ظننّا إلاّ أن الدنيا قد دارت بنا، وثارت في نفوسنا عواصف من العواطف الدفينة والذِّكَر الكامنة لا يعلمها إلاّ الله. وكانت لحظة صمت أدركت فيها ما تفعل الموسيقى بألباب السامعين. ثم تنبّه القوم فزُلزِل المكان بالتصفيق والهتاف.
стр. 1109
ثم عاد ينادي هذا الليل الأصمّ: «يا ليل يا ليل»، والليل يُصغي ويطرب ولكنه لا ينطق فيجيب. كم ذا يهتفون باسمك وأنت صامت! يا ليل: يا ملجأ البائسين، يا سمير العاشقين، ياحبيب المتعبّد الناسك، يا عدوّ المريض المتألّم الحزين. يا ليل يا ليل، كم يُخفي ظلامك من مشاهد البؤس ومظاهر النعيم! يا ليل: كم تضمّ أحشاؤك من آلام وآمال، كم تشهد من أفراح وأتراح، كم يتمنّى لقاءك السعيد الجذلان وكم يرقب فجرك ضائقٌ حَزنان! كم بين جوانحك من ساهر يراقب النجم، يرقب حبيباً لن يعود أبداً، أو يناجي ميتاً لا يسمع، أو يحنو على مريض لا يشفى، أو يشكو والحياة لا تسمع شَكاته! يا ليل، يا رمز السرمدية، يا حليف المسرّات، يا قرين الآلام.
امتلأَت نفسي شجناً، وأحيَت هذه الليالي ذكريات الليالي الخاليات، وملك نفسي شعور أعهده منها كلّما سمعت الصَّبا. يالسحر الصَّبا (أي مقام الصَّبا)! ومضى الشابّ يقلّب الأنغام فيتلاعب بالقلوب والمشاعر، ثم كرّ كرّة فجاء بنغمة متقطّعة مرقِّصة وأتى بـ «دور» يُترع النفوس فرحاً، واضطُرّ القوم كلهم أن يردّدوا كلمات منه بصوت منخفض يخالطه صوته الرقيق العالي فيكون منه اتّساق (آرموني) موسيقي عجيب. وعاد المرح إلى المجلس، فعلمت أن موسيقانا ليست كلها بكاء وألماً ولكن فيها المرقّص المُطرِب.
وكان الشيخ سعدي لا يدّخر سكتة بين نغمتين إلاّ أحكم المرمى وقذف بنكتة من نكته التي لا ينفد معينها، وزلزل المجلس بأهله من الضحك، حتى لقد حسبتُ الدنيا تضحك معنا. ثم
стр. 1110
حطّ الغناء على أنشودتنا الشعبية الخالدة «الميجَنا»، تلك التي تصوّر بمعانيها النفس الشامية وتمثّل بصورها طبيعة بلادنا وجمال ديارنا، وهي رمز عبقريتنا الشعبية ومجال الابتكار ومحكّ القريحة، فهي تُرتجَل أبداً ارتجالاً، وتُعقد لها المجالس ويقوم الشاعران يتقارضان المديح والهجاء، وأهلُ المجلس يردّدون اللازمة «الميجنا»، أنشودتنا الأزلية التي لا يعلم أحدٌ مَن نظم أول مقطع منها ولا متى يُنظَم آخر مقطع.
ثم أخذنا في الأغاني البلدية: «هيهات يا بو الزُّلوف»:
مِنْ هُونْ لأرضِ الدّيرْ
والسّرِّ اللّي بينّا: إيشْ وَصّلو للغير؟
وِانْ كانْ ما في وَرَق، لاكْتُبْ عَ جْناحِ الطّيرْ
وِانْ كانْ ما في حِبِرْ، بِدْمُوعْ عينَيّا
تلك الأغاني التي وُلدَت في أودية الشام ولبنان المختبئة في سرّ الغيب، لا يعلم بها إلاّ أهلوها والله العالِم بكلّ شيء، وذراه التي لا يسكنها إلاّ أهلوها والنسور.
فيا أيها المصطافون: بالله عليكم لا تقفوا عند صوفر وبْحَمْدون وبْلودان، بل تغلغلوا إذا أردتم أن تشاهدوا الجمال، جمال الفطرة، واهبطوا أودية وارتقوا ذُرى، واركبوا الدوابّ وسيروا على الأقدام. ولكن لا أيها المصطافون، انسوا ما قلت لكم ودَعوا الجبل على فطرته، اتركوه ليعيش على جهله الفاضل وفقره السعيد، لا تحملوا إليه الحضارة التي أفسدَت بلودان وصوفر وبحمدون.
стр. 1111
هذه الحضارة. وويل لنا من هذه الحضارة! لقد سلبَتنا كلّ شيء فهل تسلبنا موسيقانا؟ إنا لا نجد ساعة الضيق إلاّ أغانينا وأنغامنا، نصبّ فيها آلامنا ونستوحيها آمالنا ونمسح بها دموعنا. أفتريدون ألاّ يبقى لنا وَزَر نلجأ إليه ساعة الضيق؟ أعني من الدنيا. أما الملجأ الحقّ والوزَر الآمن ففي رجوع القلب إلى الله، الذي لا يُلجَأ إلى سواه.
وضرب الشابّ في كلّ فنّ من الغناء، ثم غنّى في أبيات أبيصخر الهُذَلي:
عجِبتُ لسعْيِ الدّهرِ بيني وبينَها ... فلما انقضى ما بينَنا سكَنَ الدهرُ
فيا حُبَّها: زدني جَوىً كُلَّ ليلَةٍ ... ويا سَلْوةَ الأيامِ موعدُكِ الحشرُ
ويا هجرَ ليلى قدْ بلَغتَ بيَ المدى ... وزدتَ على ما ليسَ يبلُغُه الهجرُ
أما والذي أبكى وأضحَكَ والذي ... أمات وأحيا، والذي أمرُهُ الأمرُ
لقدْ تركَتني أحسُدُ الوحشَ أن أرى ... أليفَين منها لا يروعُهما النَّفْرُ
فنقلني إلى مجالس الخلفاء التي صوّرها أبو الفرج، ونال مني الطرب فعرفت أن لقد كان حقاً ما ذكره الأصفهاني، وأنّ المرء قد يمزّق ثوبه من الطرب أو يحرق لحيته بالسراج!
* * *
стр. 1112
هذا ما وجدتُه مكتوباً عندي من القديم، أفأنشره أصف فيه جمال تلك البقاع وما وهبها الله من السحر الذي جعلها به جنّة في الدنيا، والقنابل الآن تحرق دورها وتقتل أشجارها، والنار تسري فيها؟ نار الحرب الأهلية بيننا:
يقتّلُ بعضُنا بعضاً ويمشي ... أواخرُنا على هامِ الأَوالي
ما الذي حلّ بنا حتى صرنا إن ذكرنا جنّات بلادنا وما كان فيها من النعيم عرضَت لنا دونها صورة الموت، صورة الدمار؟ أفنصنع بأنفسنا ما عجز أعداؤنا عن صنيعه بنا؟ ماذا يقول الناس عنّا عندما يقرؤون بعد مئة سنة هذه الصفحة من تاريخنا؟ متى نعود إلى رشدنا؟ متى نصحو من غفلتنا؟ متى نتنبّه إلى العدوّ الذي يبثّ سُمّه فينا ويمدّ يده القذرة ليفرّق جمعنا ويصرفنا عن غايتنا؟ أيجوز أن نوجّه مدافعنا إلى صدورنا، وعدوُّنا الغاصب لأرضنا المعتدي علينا ينظر إلينا ويضحك من أفعالنا؟
لقد ترددت والله أن أعرض هذه الصفحة التي وجدتها، والتي أصف فيها مجلس طرب وغناء، وما في الأخبار التي نسمعها كلّ يوم من الإذاعات والتي نقرؤها في الصحف ما يسرّ؛ ما فيها إلاّ ما يُبكي ويؤلم. فمتى ننتبّه؟
نسأل الله أن يعيدنا إلى رشدنا، وأن ينبّهنا من غفلتنا، وأن يعرّفنا عدوّنا حتى نوجّه إليه وحده قوّتنا. إن اللسان ليعجز وإن القلم ليكلّ عن وصف ما نحن فيه اليوم، والمشتكى إلى الله.
* * *
стр. 1113
-٩٤ -
في الطريق إلى بغداد
عرفتم أنني صحوت على الدنيا في بداية المدرسة الابتدائية حين انطلق شيطان الحرب يثير أبالسة الجحيم ليُفسِدوا الأرض ومَن عليها، فحملوا حمم جهنّم فوضعوها في أيدي أبناء آدم ليقتل بعضهم بعضاً، فدمّروا المدن وقتلوا الناس، وفعلوا ما تعجز عنه الشياطين.
ثم خفق ملَك السلام خفقة بجناحَيه فولّت الأبالسة تختبئ في أودية الجحيم، وتيقّظ الناس مثلما يستيقظ الإنسان من الحلم المرعب. ونظروا، فإذا البساتين أكوام من الحطب، وإذا المصانع تلال من التراب، وإذا المدن العامرة مقابر موحشة؛ فهبّوا يدفنون مَن مات، ويبنون ما اندثر، ويغرسون الأشجار. فلما أخذت الأرض زخرفها وازّينَت، وجاء أهلوها ليقطفوا الثمر ويجمعوا الزهر، وشبّ الأطفال واكتهل الرجال، أفْلتَ الشيطان مرّة ثانية من سجنه وقال للشباب: هلمّوا إلى الموت، وللأطفال والأمهات: ذوقوا اليُتْم والثكل، وقال لصرح الحضارة: انهدم، وقال للحقّ: انهزم. وكان اسم الشيطان هذه المرّة هتلر.
стр. 1114
لذلك أمضيت زهرة شبابي بين حربَين. على أنها في الواقع ثلاث؛ ذلك أني كنت في حرب مع نفسي التي حملتُها على الحقّ ورُضتها على اتّباع الصراط المستقيم، فوجدت الحقّ لا يعيش في هذه الحياة إلاّ خاضعاً للقوّة، ووجدت طرق الحياة كلها عوجاء ملتوية، فمن لم يَدُر معها مات في مكانه.
وكنت في حرب مع الحياة لأن لها «علوماً» غير هذه العلوم التي تعلّمناها في المدارس وحسبناها كلّ شيء، فمن علومها علم النفاق، وعلم الكذب، وعلم الرياء ... فمن جهل علومها لم تنفعه فيها علوم الكتب ولو أحاط بها وكان قطبها وإمامها.
فكنت أكلّم الناس بلسان لا يفهمه أكثرهم، كنت أقول كلمة الحقّ مهما كانت نتائجها. كنت أقول للحمار «حمار» لا أقول إنه غزال بأُذنَين طويلتين. أهجم على الرئيس القوي في سلطانه حين يتزلّف الناس إليه ويُحنون الرؤوس بين يديه، فإذا زال عنه السلطان وانفضّ مِن حوله إخوان آخر الزمان، كنت أنا الذي يذكر ما عرف عنه من خير، وكنت أنا الذي يدافع عنه وإن لم يكن نالني منه خير (١).
* * *
стр. 1115
أستاذنا شفيق جبري، شاعر الشام، كان رئيس ديوان المعارف، وكانت وظيفته تعدل وكيل الوزارة. كان أمر الوزارة كلّه إليه، وكان مع ذلك مدير كلّية الآداب؛ فهو رئيسي مرتين: رئيسي في الوظيفة لأني معلّم، وفي الكلّية لأني طالب. وقد عرفتم (ممّا سبق من هذه الذكريات) أنّي أقمت الدنيا عليه لمّا أراد أن يجعل الأدب أُلهيّة ودعا إلى ذلك في كتابه، فخطبت أردّ عليه وكتبتُ، وكتبتُ ونشرت رسالة طُبعت ووُزّعت على الناس، وقلّبته من قلمي على مثل جمر الغَضى. ويعلم إخوانه أني سوّدت أيامه وبيّضت بالأرق لياليه.
ثم مالَ الميزان ودار الزمان، وجاؤونا بدكتور من حلب اسمه «ك. أ.» فسلّموه وزارة المعارف وجعلوه الحاكم المطلَق فيها ونحّوا الأستاذ الشاعر شفيق جبري. وكان هذا الدكتور ذكياً بالغ الذكاء قوياً شديد القوّة، يكتم ما بنفسه، يبتسم في وجهك وقلبه يغلي بالغضب عليك، يتربّص بخصمه هادئاً هدوء النمر أو هدوء القط (والقطّ نمر صغير) وعينه على الفريسة، فإذا واتته الفرصة وثب وثبة واحدة.
стр. 1116
وتحوّل إليه مَن كان يحفّ بجبري والتفّوا حوله ونسوا رئيسهم بالأمس.
لمّا كان ذلك أعلنت أنا وحدي الحرب عليه وعليهم، وما معي من سلاح إلاّ هذه الأداة الصغيرة: القلم، وهذه القطعة من اللحم: اللسان. فكتبت مقالة صريحة وضعت في أعلاها كلمة ابن هبيرة: «ما رأيت أكرم من الفرزدق: هجاني أميراً ومدحني معزولاً». واستحييت أن أقول «أكرم» فكتبتها: ما رأيت كالفرزدق. ذكرت في هذه المقالة مزايا جبري وأدبه ووطنيته، وأنه لم يقُل كلمة في شعره ونثره فيها تزلّف إلى الفرنسيين أو مسايرة لهم. وذكرت في هذه المقالة ما شاع عن هذا الدكتور الجديد «ك. أ.» من أخباره مع المعلّمات ومن تشجيعه الفاسدين المفسدين.
وكانت مقالة حروفها مسنونة كحدّ السكين وكلماتها حامية حمراء كالحديد خارجاً من الكير، وكان لها أثر في الناس عجيب، وتخاطَفَ الجريدةَ (جريدة «ألف باء» التي كنت أكتب فيها) المعلّمون والمعلمات، من كان مع الدكتور ومن كان عليه، فصار عدد الجريدة يُطلَب بعد ساعات معدودات فلا يوصَل إليه ولو بُذل فيه خمس ليرات وثمنه في الأصل خمس هلالات (هللات).
وكانت الماسونية فاشية في وزارة المعارف، وكانت هي باب الترقّي في الوظيفة وطريق الحظوة عند الحُكّام، ومَن لم يكن مؤمناً بها تظاهر بأنه معها أو سكت عنها. فأعلنت وحدي الحرب عليها وعلى أهلها. ولم أكُن أقول كلمتي همساً؛ ما فعلت ذلك
стр. 1117
في حياتي قط، بل كنت أبيّن الذي أعتقده جهراً من فوق المنابر أو علناً على صفحات الجرائد. فكثر أعدائي، ولم تكن القوى متكافئة فما عندي إلاّ لسان وقلم، وماذا يصنع القلم واللسان أمام الكثرة والقوّة والمال والسلطان؟ وما كان لي مورد إلاّ هذا الراتب (وهو ستّ وثلاثون ليرة سورية في الشهر) أعيش به أنا وإخوتي.
وأباني المديرون، فلم يعد واحدٌ منهم يقبل أن أكون معلّماً عنده (ولكنه لا يجاهرني خوفاً مني؛ لا تعجبوا، فلقد كان الناس -من قديم- يخشون الشعراء) اللهمّ إلاّ الأستاذ عبد الغني الباجقني، ولي في مدرسته حديث ربما عدت إليه.
وكان لي مع ذلك أنصار، أُشير إليهم وسأعود للحديث عنهم: جمعية الهداية الإسلامية ومَن فيها من العلماء والتجّار، وجماعة من الوجهاء ممّن لهم في البلد منزلة مرفوعة وكلمة مسموعة، وطائفة من الشبّان بقوا معي ما فارقوني بعد أن فارقت أنا لجنة الطلبة (اتحاد الطلبة) ولم أعُد رئيسها، منهم سعيد الجزائري الذي صار ضابطاً كبيراً وكان له دور بارز لا أعرف تفصيله في القضاء على حسني الزعيم، ثم ذهب شهيداً في برلين. وأنور العش. وصبحي النبهان، التاجر الكبير المكافح الذي توالت عليه النكبات، وكلّما أصابته نكبة عاد يبدأ من جديد، احترق مخزنه في العَصرونية لمّا ضُرِبَت دمشق بالقنابل سنة ١٩٤٠ وكان في صندوقه مئة ألف. تصوّروا كم تعدل اليوم؟ وذهب من سنتين صاروخ بمعرضه الفخم في بيروت فذهب معه عشرة ملايين ليرة لبنانية. ولا يزال مع ذلك مكافحاً عاملاً، والله يوفّق كلّ عامل.
стр. 1118
وإسماعيل قولي الذي صار قاضياً كبيراً وصهراً لأستاذنا الفقيه الطبيب الشيخ أبي اليسر عابدين رحمهما الله. وكلّ من هؤلاء يستحقّ كلاماً مفصّلاً.
* * *
ضاقت بي الحال ولم أعُد أُطيق الاحتمال. في وسط هذا الضيق جاء الفرج على يد الشيخ بهجة الأثري حفظه الله، فدعاني إلى العمل في العراق.
وأُقيمَت لنا (أنا ومن ذهبت معه: أنور العطّار وأحمد مظهر العظمة وصالح عقيل ﵏، وكامل عيّاد وجماعة نسيت أسماءهم) أُقيمت لنا حفلات الوداع؛ حفلة أقامتها لنا أسرة التعليم، وحفلة أقامتها لي ولبعض إخواننا هؤلاء جمعية الهداية الإسلامية، وحفلة أقامتها جمعية التمدّن الإسلامي لرئيسها أحمد مظهر العظمة، وحفلة المدرسة التجارية التي يديرها أستاذي وتلميذ أبي الشيخ محمود العقّاد. وأُلقيت في كلّ حفلة منها خُطَب وقصائد، وكانت سوقاً أدبية ومجالاً لنقد وزارة المعارف وبيان عيوبها وطرق إصلاحها، وكنت أتكلم في كلّ حفلة كلاماً صريحاً قوياً لا يزال من إخواننا من يذكره.
وممّن أكرمني يومئذ من إخواننا الشيخ عبد القادر العاني ﵀، الذي كان يعدّني مثل ولده، وما له من ولد، والذي وجدت من حُبّه لي وعطفه عليّ واهتمامه بأمري ما لا يجده ولد من والده. وإخواني الشيخ ياسين عرفة والشيخ كامل القصّار، وشيخهما وشيخي (وإن لم أقرأ عليه) الشيخ محمود ياسين،
стр. 1119
والشيخ محمود الحفّار، والرجل النبيل نقيب الأشراف السيد سعيد حمزة، وكثيرون إن لم أذكر الآن أسماءهم فما نسيت أفضالهم.
وتوجّهنا إلى بغداد.
ولم يكن بين دمشق وبغداد خطّ طائرات مدنية ولا عُرِف يومئذ السفر بالطيارة إلاّ للعسكريين وفي حالات نادرة. ولم يكن بين دمشق وبغداد طريق على الأرض ممهَّد معبَّد، بل كان بينهما خطّ للسير اكتشفَته شركة «نيرن» التي كانت تسيّر سيارات فخمة ومريحة ولكنها غالية والأجرة فيها باهظة، فأُلّفت شركات وطنية سورية وعراقية تسيّر سيارات ليست كسيارات نيرن ولكنها توصلنا.
وكنّا نمضي على الطريق أربعاً وعشرين ساعة، نخرج من دمشق إلى الضّمَير (١)، إلى أبي الشامات، ثم نسلك بادية الشام إلى الرّمادي (وهي الأنبار قديماً) فندخل سواد العراق. وما بين أبي الشامات والرمادي في البادية كلها إلاّ مركز للجوازات وللشرطة في الرُّطبة.
وكانت السيارات تضلّ الطريق أحياناً، لا سيما في الليل، فتزيد ساعات السفر ومتاعب الركاب.
* * *
стр. 1120
لما جاوزنا أبا الشامات (١) وأصحرنا، ونظرت بين يديّ وعن يميني وعن شمالي فلم أجد إلا الصحراء الصامتة الرهيبة الموحِشة، ووجدت دمشق (التي أحببتها ولقيت فيها من يحبني، وألِفتها وتركت في كل بقعة منها قطعةً من حياتي وطائفةً من ذكرياتي) قد اختفت وراء الأفق وتضاءل «قاسِيونها» وصَغُرَ حتى ما يبدو منه إلا خيال علويّ يلوح في حاشية السماء له وميض ولمعان، أحسست بلوعة الفراق، فخفق قلبي خفقاناً شديداً:
كأن القلبَ ليلةَ قيل يُغدَى ... بليلى العامريّةِ أو يُراحُ
قَطاةٌ غرّها شَرَكٌ فباتَتْ ... تُعالِجُهُ وقد عَلِقَ الجَناحُ
وخالطني حزن عميق وشعور مبهم أعرفه من نفسي كلما سافرت سفراً بعيداً، شعورُ مَن يجد الموت ويبصره بعينه!
ولِمَ لا؟ وهل الحياة إلا أن تقيم في المكان الذي تألف وترى الناس الذين تحب، وتصل ماضيك بحاضرك بصورة تراها أو نغمة تسمعها أو بقعة تحتلها؟ وهل يحيا المرء إلا في الأمكنة والوجوه وبالذكريات والآمال؟ وهل الموت إلا أن ينبتر ممّا يحيط به وينقطع عن كل ما يعرف، ويقدُم على بلد مجهول وحياة غريبة عنه لا عهد له بها ولا نبأ عنده منها؟
أوَليس للإنسان حياة ظاهرة في قيامه وقعوده، وطعامه
стр. 1121
وشرابه، وجيئته وذهابه، وحياةٌ باطنة في أفكاره وذكرياته، وآماله وآلامه، وميوله وعواطفه؟ أوَليست حياته الباطنة هي الأصل وهي الأساس، فلا يحيا إلا بها ولا يقوم إلا عليها، كما أن الشجرة لا تحيا إلا بجذورها الممتدة في جوف الأرض المختفية في بطن الثرى؛ فإذا انقطع المرء عن عادته وابتعد عن أهله وصحابته لم ينفعه أنه لا يزال يقوم ويقعد ويأكل ويشرب، كما أن الشجرة لا تنفعها أغصانها وفروعها إذا هي بُتَّت من أرضها وقُطعت من أصلها وفُصلت عن جذرها؟
وأحسب أن الله -جلّ وعزّ- ما قرن الموت بالإخراج من الديار وأجزل ثواب المهاجرين في سبيل الله التاركين أوطانَهم ابتغاء مرضاة الله، إلا لأن الهجرة ضربٌ من ضروب الموت ولونٌ من ألوانه، فإن «تعددت الألوانُ فالموت واحدُ»!
وازدحمت في نفسي صور حياتي في دمشق وحُبّبت إليّ أضعافَ ما كنت أحبها، ومرت أمامي صور إخوتي وأهلي وإخواني، وذكرت سهراتنا البيتية ومجالسنا الأدبية، وهذه الحفلات الوداعية الكثيرة التي أُقيمت تكريماً لي قبل أن أعمل شيئاً أستحقّ عليه التكريم، وأُفيضَ عليّ فيها من النعوت ما ليس فيّ ولا أستحقّ الأقلّ منه. وذكرت من دمشق كل حبيب إليّ جميل في عيني، فازددت بها تعلقاً، ووددت لو أني أبَيْتُ فلم أذهب ولم أتغرّب.
وكانت الصحراء قد امتدّت من حولنا وأحدقت بنا وصرنا في قبضتها لا شأن لنا ولا خطر، ورجعَت هذه السيارات الفخمة
стр. 1122
التي كانت تملأ الشارع بطوله وعرضه وكانت تُعَدّ وهي في دمشق شيئاً عظيماً، رجعَت أهوَن على الصحراء من حبّة رمل، وضاعت في أرجائها فلم تَعُدْ تُعَدُّ شيئاً. وكان قد بلغ مني الحزن وحزَّتْ في نفسي لوعة الفراق، فأغمضت عينَيّ ورجعت إلى نفسي.
* * *
وكانت بيدي صورة لنخيل بغداد دُفعت إليّ قبل خروجي من دمشق، فكتبت على ظهرها كلمات ما أدري أهي شعر أم نثر، وما كان يومئذ (سنة ١٩٣٦) هذا الشعر الحديث. ثم أتممت ما كتبت في بغداد وأرسلت الصورة إلى صديقي الأستاذ أحمد عبيد الشاعر، صاحب المكتبة العربية، ونسيتها. فلما زرت دمشق آخر مرّة من خمس سنين (سنة ١٣٩٨هـ) قبل أن يُحال بيني وبينها، دفع إليّ هذه الصورة، ففرحت بها وشكرتُه. وعلى ظهر هذه الصورة كتبت:
أنا ناءٍ عن إخوتي وبلادي ... أنا أشقى في غربتي وانفرادي
أذكُرُ الشامَ في دجى بغدادِ ... فأُحِسُّ الحنينَ يَفري فؤادي
ملَلتُ البقاءَ، وزادَ الجَوى ... بَرِمتُ الثَّواءَ وطولَ النَّوى
فَلِمْ ذا الشقاءُ، وأينَ الهَوى؟
لماذا أتيتُ؟ تُراني جُنِنتُ؟ ... فماذا أصَبتُ وماذا أفَدتُ؟
لم أُفِدْ إلاّ البُكا والعويلْ ... لم أُصِبْ إلاّ الشقاءَ الطّويلْ
أَما إِلى دارِ الهَوى مِن سَبِيلْ؟
ليسَ فيما ها هُنا شيءٌ جميلْ ... لا ضياءُ الشمسِ لا نورُ القمرْ
стр. 1123
لا صفاءُ الليلِ لا سحرُ السّحَرْ
لا اخضرارُ الرَّوْضِ لا سجعُ الحَمامْ
لا أَرى في كلِّها إلاّ الظلامْ
كتبت هذا الكلام في ساعة ضاق بها صدري وأظلمَت فيها نفسي، ولم أُصوّر فيها حقيقة، وإنما وصفت فيها شعوراً. وإذا كان بعض ما تنشره الصحف الآن من كلام ليس في ألفاظه جمال ولا تحتها معنى ولا لها وزن، إذ كان مثل ذلك الهذَر يدْعونه شعراً يكون كلامي هذا الذي قلته من خمسين سنة كاملة، يكون شعراً (١).
* * *
وطال مسيرنا في بادية الشام. ولست غريباً عن البوادي، فلقد عرفتها في رحلتنا تلك إلى الحجاز التي وصفت لكم جانباً منها، وما من ساعة في رحلة الحجاز إلاّ وهي أشدّ من سفرة بغداد، ولكن هذه البادية، بادية الشام، تختلف عن جزيرة العرب؛ ففي جزيرة العرب مناظر متباينة وأراضٍ مختلفة: فيها الجبل وفيها السهل، وفيها الوعر وفيها الرمل، وما في بادية الشام إلاّ شيء واحد لا يكاد يختلف أو يتغير: أرض منبسطة ترابية تمتدّ إلى الأفق كأنها بحر ليس فيه ماء.
стр. 1124
قرأنا وتحدّثنا لنقطع الصحراء بحديثنا وقراءتنا، فقطعَت الصحراءُ بصمتها وجلالها حديثَنا. وكنّا ننام ونفيق والصحراء هي هي، ونأكل حتى نشبع ثم نجوع فنأكل والصحراء هي هي، حتى قطعنا يوماً وليلة وكان صباح اليوم التالي.
وللصباح في البادية جمال وروعة لا يكون مثلهما في المدن. وبدّدَت الشمسُ ظلمةَ الليل فتبدّدَت من نفسي ظلمة الكآبة والحزن وانزاحت عني نوبة المرض. وهل العاطفة الرقيقة إلاّ مرض في الرجال؟ فصحوت ونظرت في أمري فإذا أنا لم أغترب ولم أُفارق بلدي.
وهل بغداد التي أقصدها إلاّ داري وبلدي وفيها أهلي وإخوتي؟ إن لم تقرّر هذه الأخوّةَ الأنظمةُ والقوانينُ ولم تُسجَّل في الدساتير فلقد قرّرها الله وسجّلها في كتابه: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾. فإن فرّقَت بيننا شارات على الأرض وألوان على المصوَّر فقد جمع بيننا الدين (وكفى به جامعاً) واللغة والعادات، وألّف بيننا تاريخ الماضي الطويل وأمل المستقبل الضخم وألم الحاضر العميق، ووحّد بيننا الدم الذي جاء من نبعة واحدة.
فأنّى نُنكر هذه الأُخوّة وشاهدها فينا ودمها في عروقنا؟ وكيف أجهل بغداد ولها في نفسي مئة صورة وفي ذاكرتي عنها ما لا أحصي من الأخبار والتواريخ والأشعار؟ وبغداد كانت يوماً عاصمة الإسلام، ومشرق شمس الحضارة، وحاملة راية العصر الذهبي الإسلامي، وأُمّ الدنيا ومنزل المنصور والرشيد والمأمون:
стр. 1125
فدىً لكِ يا بغدادُ كلُّ قبيلةٍ ... منَ الأرضِ (إلاّ) (١) خطّتي ودِياريا
فقدْ طُفتُ في شرقِ البلادِ وغَربِها ... وسيّرتُ رَحْلي بينَها ورِكابيا
فلَمْ أرَ فيها مثلَ بغدادَ منزلاً ... ولمْ أرَ فيها مثلَ دجلةَ واديا
ولا مثلَ أهليها أرقَّ شَمائلاً ... وأعذبَ ألفاظاً وأحلى معانيا
وكنت أرانا نخاف هذه البادية ونحن على طريق مسلوكة في سيارة متينة، ونملّ من طولها ونحن نقطع منها ثمانين أو تسعين كيلاً في الساعة، ونشكو ومعنا اللحم والفاكهة والماء المثلَّج، ونتعب ونحن مضطجعون على المقاعد الوثيرة ثم إذا وصلنا إلى الفندق نمنا عشر ساعات لنستريح ونستردّ الروح. فأفكّر ... أفكّر في أجدادنا: أيّ ناس كانوا؟ وكيف قطعوا هذه البادية وهم على ظهور الإبل، يخوضون لُجّة الرمل الملتهب، يلتحفون أشعّة الشمس المحرقة، يتبلّغون من الطعام بتمرة ويكتفون من الماء بجرعة، حتى إذا وصلوا لم يضطجعوا فيستريحوا بل قابلوا جيوشاً أوفر عدداً وعُدداً، وحاربوها وانتصروا عليها وفتحوا بلادها، فتحوها للنور وللحقّ وللعدل ولرحمة الله، ما فتحوها ليَغنموا أموالها ويستفيدوا من خيراتها. فأقول: هذا هو فرق ما بيننا وبين أجدادنا!
ولمّا كان ضُحى الغد بدا لنا نخيلُ العراق وأشرفْنا منه على مثل اللّيل؛ فعرفت لماذا سَمّى العربُ السوادَ سواداً (سواد العراق). وجعلت أتشوّق إلى بغداد وأعرض في ذاكرتي صورا