وشرابه، وجيئته وذهابه، وحياةٌ باطنة في أفكاره وذكرياته، وآماله وآلامه، وميوله وعواطفه؟ أوَليست حياته الباطنة هي الأصل وهي الأساس، فلا يحيا إلا بها ولا يقوم إلا عليها، كما أن الشجرة لا تحيا إلا بجذورها الممتدة في جوف الأرض المختفية في بطن الثرى؛ فإذا انقطع المرء عن عادته وابتعد عن أهله وصحابته لم ينفعه أنه لا يزال يقوم ويقعد ويأكل ويشرب، كما أن الشجرة لا تنفعها أغصانها وفروعها إذا هي بُتَّت من أرضها وقُطعت من أصلها وفُصلت عن جذرها؟
وأحسب أن الله -جلّ وعزّ- ما قرن الموت بالإخراج من الديار وأجزل ثواب المهاجرين في سبيل الله التاركين أوطانَهم ابتغاء مرضاة الله، إلا لأن الهجرة ضربٌ من ضروب الموت ولونٌ من ألوانه، فإن «تعددت الألوانُ فالموت واحدُ»!
وازدحمت في نفسي صور حياتي في دمشق وحُبّبت إليّ أضعافَ ما كنت أحبها، ومرت أمامي صور إخوتي وأهلي وإخواني، وذكرت سهراتنا البيتية ومجالسنا الأدبية، وهذه الحفلات الوداعية الكثيرة التي أُقيمت تكريماً لي قبل أن أعمل شيئاً أستحقّ عليه التكريم، وأُفيضَ عليّ فيها من النعوت ما ليس فيّ ولا أستحقّ الأقلّ منه. وذكرت من دمشق كل حبيب إليّ جميل في عيني، فازددت بها تعلقاً، ووددت لو أني أبَيْتُ فلم أذهب ولم أتغرّب.
وكانت الصحراء قد امتدّت من حولنا وأحدقت بنا وصرنا في قبضتها لا شأن لنا ولا خطر، ورجعَت هذه السيارات الفخمة
стр. 1122
التي كانت تملأ الشارع بطوله وعرضه وكانت تُعَدّ وهي في دمشق شيئاً عظيماً، رجعَت أهوَن على الصحراء من حبّة رمل، وضاعت في أرجائها فلم تَعُدْ تُعَدُّ شيئاً. وكان قد بلغ مني الحزن وحزَّتْ في نفسي لوعة الفراق، فأغمضت عينَيّ ورجعت إلى نفسي.
* * *
وكانت بيدي صورة لنخيل بغداد دُفعت إليّ قبل خروجي من دمشق، فكتبت على ظهرها كلمات ما أدري أهي شعر أم نثر، وما كان يومئذ (سنة ١٩٣٦) هذا الشعر الحديث. ثم أتممت ما كتبت في بغداد وأرسلت الصورة إلى صديقي الأستاذ أحمد عبيد الشاعر، صاحب المكتبة العربية، ونسيتها. فلما زرت دمشق آخر مرّة من خمس سنين (سنة ١٣٩٨هـ) قبل أن يُحال بيني وبينها، دفع إليّ هذه الصورة، ففرحت بها وشكرتُه. وعلى ظهر هذه الصورة كتبت:
أنا ناءٍ عن إخوتي وبلادي ... أنا أشقى في غربتي وانفرادي
أذكُرُ الشامَ في دجى بغدادِ ... فأُحِسُّ الحنينَ يَفري فؤادي
ملَلتُ البقاءَ، وزادَ الجَوى ... بَرِمتُ الثَّواءَ وطولَ النَّوى
فَلِمْ ذا الشقاءُ، وأينَ الهَوى؟
لماذا أتيتُ؟ تُراني جُنِنتُ؟ ... فماذا أصَبتُ وماذا أفَدتُ؟
لم أُفِدْ إلاّ البُكا والعويلْ ... لم أُصِبْ إلاّ الشقاءَ الطّويلْ
أَما إِلى دارِ الهَوى مِن سَبِيلْ؟
ليسَ فيما ها هُنا شيءٌ جميلْ ... لا ضياءُ الشمسِ لا نورُ القمرْ
стр. 1123
لا صفاءُ الليلِ لا سحرُ السّحَرْ
لا اخضرارُ الرَّوْضِ لا سجعُ الحَمامْ
لا أَرى في كلِّها إلاّ الظلامْ
كتبت هذا الكلام في ساعة ضاق بها صدري وأظلمَت فيها نفسي، ولم أُصوّر فيها حقيقة، وإنما وصفت فيها شعوراً. وإذا كان بعض ما تنشره الصحف الآن من كلام ليس في ألفاظه جمال ولا تحتها معنى ولا لها وزن، إذ كان مثل ذلك الهذَر يدْعونه شعراً يكون كلامي هذا الذي قلته من خمسين سنة كاملة، يكون شعراً (١).
* * *
وطال مسيرنا في بادية الشام. ولست غريباً عن البوادي، فلقد عرفتها في رحلتنا تلك إلى الحجاز التي وصفت لكم جانباً منها، وما من ساعة في رحلة الحجاز إلاّ وهي أشدّ من سفرة بغداد، ولكن هذه البادية، بادية الشام، تختلف عن جزيرة العرب؛ ففي جزيرة العرب مناظر متباينة وأراضٍ مختلفة: فيها الجبل وفيها السهل، وفيها الوعر وفيها الرمل، وما في بادية الشام إلاّ شيء واحد لا يكاد يختلف أو يتغير: أرض منبسطة ترابية تمتدّ إلى الأفق كأنها بحر ليس فيه ماء.
стр. 1124
قرأنا وتحدّثنا لنقطع الصحراء بحديثنا وقراءتنا، فقطعَت الصحراءُ بصمتها وجلالها حديثَنا. وكنّا ننام ونفيق والصحراء هي هي، ونأكل حتى نشبع ثم نجوع فنأكل والصحراء هي هي، حتى قطعنا يوماً وليلة وكان صباح اليوم التالي.
وللصباح في البادية جمال وروعة لا يكون مثلهما في المدن. وبدّدَت الشمسُ ظلمةَ الليل فتبدّدَت من نفسي ظلمة الكآبة والحزن وانزاحت عني نوبة المرض. وهل العاطفة الرقيقة إلاّ مرض في الرجال؟ فصحوت ونظرت في أمري فإذا أنا لم أغترب ولم أُفارق بلدي.
وهل بغداد التي أقصدها إلاّ داري وبلدي وفيها أهلي وإخوتي؟ إن لم تقرّر هذه الأخوّةَ الأنظمةُ والقوانينُ ولم تُسجَّل في الدساتير فلقد قرّرها الله وسجّلها في كتابه: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾. فإن فرّقَت بيننا شارات على الأرض وألوان على المصوَّر فقد جمع بيننا الدين (وكفى به جامعاً) واللغة والعادات، وألّف بيننا تاريخ الماضي الطويل وأمل المستقبل الضخم وألم الحاضر العميق، ووحّد بيننا الدم الذي جاء من نبعة واحدة.
فأنّى نُنكر هذه الأُخوّة وشاهدها فينا ودمها في عروقنا؟ وكيف أجهل بغداد ولها في نفسي مئة صورة وفي ذاكرتي عنها ما لا أحصي من الأخبار والتواريخ والأشعار؟ وبغداد كانت يوماً عاصمة الإسلام، ومشرق شمس الحضارة، وحاملة راية العصر الذهبي الإسلامي، وأُمّ الدنيا ومنزل المنصور والرشيد والمأمون:
стр. 1125
فدىً لكِ يا بغدادُ كلُّ قبيلةٍ ... منَ الأرضِ (إلاّ) (١) خطّتي ودِياريا
فقدْ طُفتُ في شرقِ البلادِ وغَربِها ... وسيّرتُ رَحْلي بينَها ورِكابيا
فلَمْ أرَ فيها مثلَ بغدادَ منزلاً ... ولمْ أرَ فيها مثلَ دجلةَ واديا
ولا مثلَ أهليها أرقَّ شَمائلاً ... وأعذبَ ألفاظاً وأحلى معانيا
وكنت أرانا نخاف هذه البادية ونحن على طريق مسلوكة في سيارة متينة، ونملّ من طولها ونحن نقطع منها ثمانين أو تسعين كيلاً في الساعة، ونشكو ومعنا اللحم والفاكهة والماء المثلَّج، ونتعب ونحن مضطجعون على المقاعد الوثيرة ثم إذا وصلنا إلى الفندق نمنا عشر ساعات لنستريح ونستردّ الروح. فأفكّر ... أفكّر في أجدادنا: أيّ ناس كانوا؟ وكيف قطعوا هذه البادية وهم على ظهور الإبل، يخوضون لُجّة الرمل الملتهب، يلتحفون أشعّة الشمس المحرقة، يتبلّغون من الطعام بتمرة ويكتفون من الماء بجرعة، حتى إذا وصلوا لم يضطجعوا فيستريحوا بل قابلوا جيوشاً أوفر عدداً وعُدداً، وحاربوها وانتصروا عليها وفتحوا بلادها، فتحوها للنور وللحقّ وللعدل ولرحمة الله، ما فتحوها ليَغنموا أموالها ويستفيدوا من خيراتها. فأقول: هذا هو فرق ما بيننا وبين أجدادنا!
ولمّا كان ضُحى الغد بدا لنا نخيلُ العراق وأشرفْنا منه على مثل اللّيل؛ فعرفت لماذا سَمّى العربُ السوادَ سواداً (سواد العراق). وجعلت أتشوّق إلى بغداد وأعرض في ذاكرتي صورا
стр. 1126
منها، وأنتظر أن أرى بعينَيّ ما كنت قرأته عنها في الكتب.
قال الخطيب في «تاريخ بغداد»: "لم يكن لبغداد في الدنيا نظير في جلالة قدرها وفخامة أمرها، وكثرة علمائها وأعلامها وتميّز خواصّها وعوامها، وعظيم أقطارها وسعة أطرافها، وكثرة دورها ومنازلها ودروبها وشعوبها ومحالّها وأسواقها، وطِيب هوائها وعذوبة مائها وبرد ظلالها وأفيائها، واعتدال صيفها وشتائها وصحّة ربيعها وخريفها، وزيادة سكانها".
وبعد، فها أنا ذا على جسر بغداد في نشوة من خمرة الذكرى. أذكر ما لا سبيل إلى تلخيصه وأحسّ ما لا طاقة لي على وصفه. وقد قال أبو الوليد، قال لي شعبة: أرأيت جسر بغداد؟ قلت: لا. قال: فكأنك لم ترَ الدنيا.
أمّا أنا فرأيت جسر بغداد ورأيت الدنيا. لا أقول إنه أعظم من جسر إسماعيل أو الزمالك في مصر، ولا هو أجلّ وأضخم من الجسور التي عرفتها في البلاد التي رأيتها، ولكن لجسر بغداد سراً آخر يعرفه كل من نظر في كتب الأدب والتاريخ. هذا الذي جازه القُوّاد الفاتحون والفقهاء والمحدّثون والشعراء والماجنون. هذا الذي وقف عليه الرشيد والمأمون، وأبو حنيفة والشافعي، والفضل بن دينار، ومطيع وأبو نواس، وعبد الله بن طاهر ويزيد ابن مزيد. وشهد جلال الخلافة، وعظمة العلم، وروعة الزهد، وضحك المجون، وقوّة الجيش. وجرى من فوقه نهر التاريخ كما يجري من تحته نهر دجلة، وتداعت على جوانبه القرون.
هذا الذي كان سُرّة الأرض: هذا جسر بغداد.
* * *
стр. 1127
-٩٥ -
التدريس في بغداد
كنّا أنا وأنور العطّار نتحدّث ساعات عن أيامنا في بغداد؛ أبدأ أنا الكلام فيكمّل هو، ويتكلّم هو فأُتمّ أنا. عشنا حياة واحدة، كنّا دائماً معاً، فمن رآني رآه ومن رآه رآني، وكانوا يقولون: «علي وأنور» و «أنور وعلي»، وربما خلطوا فقالوا: علي العطّار وأنور الطنطاوي.
هذا ما قلتُه في المقدمة التي كتبتها سنة ١٩٤٨ لديوانه «ظلال الأيام». فأين اليوم أنور ليذكّرني بأخبار بغداد التي قعدت لأكتبها وليس أمامي مذكّرات أرجع إليها ولا رفيق كان معي يذكّرني بها؟ هنا افتقدت أنور: «وفي الليلةِ الظَّلْماء يُفتقَدُ البَدرُ».
فأين أنور وأين مظهر، وأين إخواننا الذين كانوا معنا؟ وأين الأستاذ الأثري؟ لقد خبّروني أنه ذهب إلى رحمة الله فبثثت في هذه الذكريات بعض حبّي له وحزني عليه، فلما جاءت الحلقة الماضية مطبوعة وجدت فيها عند ذكر اسمه كلمة «حفظه الله» مكان «﵀» التي كتبتها. وأنا لا أقبل من أحد -مهما كان السبب- أن يمدّ يده إلى ما كتبت فيزيد فيه أو ينقص منه أو يبدّل
стр. 1128
فيه، ولكني غفرت لمن كتب هذا من فرحتي بحياته. غفرت له هذه المرّة فقط، وأرجو أن تتحقّق هذه الفرحة وأن أتلقّى نبأ حياته مدّ الله له فيها مع الصحّة والسعادة، وإن تكن الأخرى -لا سمح الله- فغفر الله له وجزاه عنّا خيراً (١).
* * *
أول ما يهمّ القادم إلى بلد أن يجد منزلاً ينزل فيه، فوجدنا فندقاً اسمه «فندق دجلة». وما كان في بغداد ما هو أفضل منه إلاّ فندقان أجنبيان، أحدهما اسمه فندق «دجلة» لكن بالإنكليزي «هوتيل تيغرس» (وهذا اسم دجلة في لسانهم) والثاني «هوتيل مود». وكان في بغداد جسران: الجسر العتيق وجسر مود، وهو جنرال إنكليزي كان له في بغداد تمثال.
ويقوم فندقنا الذي نزلنا فيه على طرف الجسر الشرقي، أي من جهة الرصافة، فكنت أراه من شرفة الفندق ضيّقاً ممتداً لا
стр. 1129
يتّسع إلاّ لسيارة واحدة، إن دخلته السيارات من هنا مُنع دخولها من هناك وإن دخلت من هناك مُنع دخولها من هنا. وكان يخفق دائماً خفقان قلب المُحِبّ إذا رأى المحبوب، فإن مشى عليه رجل ثقيل اضطرب غضباً، وإن سارت عليه الحِسان الفواتن اهتزّ طرباً، وإن عدَت عليه السيارات رقص بهجة وعجباً أو غيظاً وغضباً، لا يهدأ ولا يستقرّ.
وما يهمّ المسافر بعد الفنادق هو وسائل النقل. وقد قلت لكم إنه لم يكن في بغداد إلاّ شارع واحد هو شارع الرشيد، وأحسب أن طوله بين الكيلين والثلاثة الأكيال، ربما كان قريباً من ذلك فلم أقِسه ولم أتحقّق من طوله. وكانت فيه عربات الخيل تسير النهار كله لا تقف، ولا تستطيع أن تقف، ولا تتعب خيولها لأنها لا تمشي مشياً ولكن تزحف زحفاً، وربما وصل الماشي في بعض ساعات النهار إلى آخر الشارع وعاد وهي لا تزال في نصف الطريق! ومع هذه العربات باصاتٌ كأنها صناديق العنب يزدحم فيها الناس كالسردين في العُلَب، يجلسون على مقاعد من الخشب والسقفُ دانٍ قريب، من وقف خبط رأسه ومن كان طويلاً اضطُرّ أن يقعد منحنياً لئلاّ يمسّ رأسه السقف.
بتّ تلك الليلة كالذي يبيت على فراش الشوك، لا أستقرّ ولا أستغرق في المنام، لأني قادم على حياة جديدة في بلد جديد. أنام ساعتين ثم أقوم فأنظر في الساعة لأرى كم بقي دون الصباح، حتى إذا دخل وقت الفجر قمت فتوضّأت وصلّيت، وقعدت في الشرفة أرى بواكير أشعة الشمس وهي تغتسل في ماء دجلة، والزوارق بأجنحتها البيض تمخر عبابه، وبيوت الشط
стр. 1130
الثاني، بيوت الكرخ، تسبح ظلالها في مائه. وأفطرت وتوجهنا جميعاً إلى المدرسة الثانوية المركزية.
* * *
كانت الثانوية المركزية على دجلة بين مجلس النوّاب ورياسة مجلس الوزراء، وكان أول ما أدهشني أني وجدت فيها نحواً من أربعين مدرّساً من كل بلد ومن كل أمّة.
تجمّعَ «فيها» كلُّ لِسْنٍ وأمّةٍ ... فما يفهمُ الحُدّاثَ إلاّ التّراجمُ
كان فيهم العراقي والسوري والفلسطيني، فيهم العربي وغير العربي، فيهم الإنكليزي والفرنسي والألماني، فيهم الشيخ وفيهم الخوري ... وأدهشني أن أكثرهم من الشبّان أو ممّن كانوا في أوائل الكهولة، وعهدي بالأساتذة عندنا من الشيوخ أو الكهول، وأول شابّ جاءنا في الشام فدرّسَنا (أول عهده بالتدريس وآخر عهدنا بالدراسة) هو جميل صليبا، وبعده هاشم الفصيح.
وكان من أعجب أساتذة الثانوية المركزية الدكتور يوسف مَسكوني، وهو من تلاميذ أنستاس الكرملي؛ له اختصاصات متعدّدة في علوم متعدّدة تتداخل في ذهنه، فربما سُئِل عن مسألة في اللغة فأجاب من الفلسفة، أو مسألة من الأدب فأجاب من الجغرافيا!
وكان معنا مدرّس فلسطيني يدرّس اللغة الإنكليزية، ولكنه خفيف الروح صاحب نكتة، له غرائب منها أنه يركب الحافلة المزدحمة فيُخلي الناس المقعد كله له، فيقعد وحده مكان اثنين
стр. 1131
والناس مزدحمون على المقاعد أو هم وقوف، يمنعهم أن يقعدوا معه. ذلك أنه يجعل جسده كله يختلج فجأة وتصطكّ أسنانه، ويُخرِج من حلقه أصواتاً مبهَمة عجيبة وتهتزّ أطرافه، ويجيء ذلك كله في لحظة واحدة، يعود بعدها ساكناً كما كان قبلها ساكناً، فيحسبه الناس مجنوناً أو مصروعاً فيبتعدون عنه، وبذلك يخلو له المكان!
وكان عندنا مدرّس إنكليزي أذكر أن اسمه ماكدونالد، وإذا كان في الإنكليز برودة كما يُقال فهذا أبرد الإنكليز؛ ما عرفت ولا سمعت بأبرد منه. لا يكلّم أحداً ولا يسلّم على أحد ولا يردّ السلام على أحد. وكانت تأتي بين الدروس أحياناً ساعات ليس للمدرّس فيها عمل، فينتظر الساعة التي بعدها ليلقي درسه. فاتفق أن هذا المدرّس الفلسطيني اجتمع في ساعة فراغ بماكدونالد، ولم يكن في غرفة المدرّسين من المدرّسين الأربعين غيرهما، فقال له صاحبنا: «غود مورنينغ»، فما ردّ. فسكت قليلاً ثم كلّمه، فما أجاب. فأخذ صاحبنا جريدة فجعل يقرؤها أو يتظاهر بقراءتها، ثم جاء بحركته تلك، ففزع الإنكليزي وابتعد عنه وقعد يسترق النظر إليه، فرآه قد عاد ساكناً كما كان، فتعجّب منه. ثم جاء بها المرّة الثانية فلم يعُد الإنكليزي يستطيع البقاء، وخرج من الغرفة فذهب إلى المدير.
وكان المدير رجلاً عربياً بغدادياً طيّباً سليم الفطرة لا يعرف من الإنكليزية شيئاً، وكانت غرفته مستطيلة يصعد إليها بدرجات قصار ولها شرفة واسعة تطلّ على ساحة المدرسة. فلما دخل
стр. 1132
عليه يكلّمه بالإنكليزية ما فهم عنه، فلما أطال المقال وجعل يشير بيديه استدعى المدير الفرّاش وقال له: اذهب فأتِني بمدرّس إنكليزي ليفهم ما يقوله هذا. فذهب فلم يجد إلاّ صاحبنا المدرّس الفلسطيني، فجاء به، فلما رآه الإنكليزي داخلاً من الباب أراد الهروب فلم يجد مهرباً إلاّ من الشبّاك، فوثب منه إلى باحة المدرسة! وعجب المدير وسأل: ما شأنه؟ فقال له المدرّس الفلسطيني (واسمه الأستاذ علي العوري): إنه مجنون. فأيقن المدير بجنونه فكتب يطلب نقله، وتدخّلَت السفارة البريطانية في بغداد، وكانت مشكلة.
وشهدنا في تلك السنة بعد وصولنا بنحو شهر واحد انقلاب الجنرال بكر صدقي على ياسين باشا الهاشمي، وكان أول انقلاب عسكري في بلاد العرب في هذا القرن.
وكانت لياسين الهاشمي منزلة في نفوسنا منذ الصغر؛ ذلك أننا كنّا نحو سنة ١٩١٩ تلاميذ في المدرسة السلطانية الثانية في دمشق، وكانت أيام مهرجانات متّصلة ومظاهرات وأناشيد، فإذا نحن نُدعى يوماً إلى مظاهرة ليست كالمظاهرات، مظاهرة مشى فيها نصف أهل دمشق وكان يقود كلَّ جماعة رجلٌ ينادي: من تريدون؟ فكنّا نردّ بصوت واحد: نريد ياسين باشا. ولم أعرف يومئذ مَن هو ياسين باشا وما قصّته، ولكني سِرت مع السائرين وهتفت مع الهاتفين. وفهمت بعد ذلك أن ياسين باشا الهاشمي وقف في وجه الإنكليز، فاختطفوه في ليلة ما فيها قمر وأخذوه إلى حيث لا يدري أحد. فاستقرّ في نفسي أنه عظيم، ولما كبرت وعقلت لم أجد دافعاً للتحقّق من هذه العظمة ولم أتبيّن بالبحث
стр. 1133
والدرس: هل يستحقّ هذا التعظيم أم لا؟
فلما كان الانقلاب عليه في بغداد أحسست في نفسي (من غير محاكمة ولا نظر) بكراهية هذا الانقلاب.
وجدت الطلاب في ذلك اليوم يتداولون صباحاً قبل الدخول إلى الصف (أي الفصل) منشورات مطبوعة قالوا إن طيارات الجيش ألقتها في الغداة، فقرأت واحداً منها، وإذا فيه أن على الملك أن يُقيل الوزارة (وزارة ياسين الهاشمي) وأن يكلّف حكمة سليمان بتأليفها.
ودخلنا الصف، وحاول الطلاب أن يتحدّثوا في أمر المنشورات فمنعتُهم. وأذكر أني تمثّلت بقول الشاعر الذي لا أعرف من هو (١):
ولست بسائلٍ ما عشت يوماً ... أسارَ المَلْكُ أمْ ركِبَ الأميرُ
وأخذت في درسي كأن لم يكن شيء. وكانت المدرسة -كما قلت- بجوار مجلس الوزراء، فما مضى من الدرس (أي الحصّة) إلاّ قليل حتى أحسسنا رجّة هزّت الأرض، فاضطرب التلاميذ وهمّوا بالانتفاض، ولكني ثبتّهم وعدت إلى درسي.
стр. 1134
فكانت الرجّة الثانية، وأعقبتها الثالثة والرابعة، فتطاير التلاميذ من الباب ومن النوافذ ولم يبقَ في الصف أحد.
وكانت تلك هي القنابل الأربع التي أُلقِيَت على مجلس الوزراء.
خَلَت المدرسة ولم يبقَ فيها إلاّ أفراد قلائل. ولم أدرِ أين أذهب فوقفتُ، وكان معي أنور العطّار ومدرّس ألماني لا أفهم عنه ولا يفهم عني، وتبيّن أن الجيش قد توجّه إلى بَعْقوبة أو إلى غيرها (فلست أذكر الآن لبُعد العهد، ولأنني كنت أرى الحادث من ظاهره لم أتعمّق في معرفة بواطنه وأسبابه). كان الجيش بعيداً بحجّة التدريبات (المناورات) السنوية، ولم يبقَ في بغداد إلاّ الشرطة، فتوجّه الجيش على بغداد مهاجماً، وأُشيعَ أن هذا الانقلاب بالاتفاق مع الملك غازي للتخلّص من ياسين باشا، لأنه كان يعامله معاملة فتى صغير لا المعاملة التي تنبغي لملك كبير.
ولم يفتّ ذلك في عضد ياسين باشا وقرّر الدفاع عن بغداد كما سمعنا، وبعث جعفر باشا العسكري (وكان محبوباً في الجيش) ليردّه بالحسنى، فواجه مقدّمة الجيش وحاول إقناعهم. وكان مزّاحاً يميل إلى الدعابة، فما أفلحت دعابته وقالوا له: انتبه يا باشا، فإن معنا أمراً بقتل كلّ مَن يعترضنا. فشتمهم شتمة مداعبة ومباسطة، فانتهى الأمر بأن قُتل وسار الجيش.
عندئذ يئس ياسين باشا وفرّ، وبدأت وزارة حكمة سليمان في ظلال الحكم العسكري الذي أقامه الجنرال بكر صدقي. وكان حكمة سليمان أخاً لمحمود شوكة باشا الذي تولّى عزل السلطان
стр. 1135
ومهّد لحكم الاتحاديين، وكنّا نمرّ في الصّليخ فلا نجد فيها كلها إلاّ بيتين للقريبَين المتعاديَين: حكمة سليمان ورشيد عالي الكيلاني.
* * *
كان في الثانوية المركزية التي دُعيت للتدريس فيها وأخذت مكان الأستاذ الشيخ بهجة الأثري (ولم أعُد أدري هل أقول ﵀ أم أقول حفظه الله، وأرجو أن يكون حياً وأن يكون بخير)، كان في المدرسة أكثر من ألف طالب. هذا العدد الكبير من الطلاب كان يحرّكهم جميعاً مراقب واحد، فلا يجد منهم مَن يخرج مِن النظام (النظام في اللغة هو خيط العقد) أو يضطرّه إلى تأنيب أو عقاب، ولو كان مثلهم يومئذ في مدرسة من مدارس الشام لاحتاجوا إلى فرقة كاملة من المراقبين؛ ذلك لأن تلاميذ بغداد عُوِّدوا الطاعة من طريق الفتوّة والتدريب شبه العسكري فصاروا يُطيعون من غير ذُلّ، وكانوا أقوياء في غير عدوان.
وكان يؤلّف بيني وبينهم الحبّ والتقدير؛ ما احتجت يوماً إلى عقاب تلميذ. أمّا الطلاب فأشهد أنهم من أحسن مَن رأيت من الطلاب: حرصاً على الفهم، ورغبة في العلم، وانضباطاً وتقديراً للمعلّم. على أن يحسّوا منه بأنه قوي في مادّته عادل في معاملته طبيعي في تصرفاته، وهذه هي الصفات الثلاث للمدرّس الناجح، ثم إن سُئِل عن شيء يعرفه أجاب وإن لم يكن يعرفه قال: لا أدري، فعلّمهم بذلك أخلاق العلماء كما يعلّمهم علم العلماء. وأن يكون جريئاً شجاعاً، وأن يكون كريماً لا يحرص على المال. والشجاعةُ والكرم هما رُكنا النباهة والسيادة عند العرب، وهما
стр. 1136
مدار قصائد المدح عند الشعراء من قديم الأزمان.
فإذا أحسّوا أن المدرّس الأجنبي عن العراق بخيل همّه جمع المال والعودة به إلى بلده، أو أنه جبان خَوّاف، أو أنه جاهل أو ظالم، فويل له منهم فإنهم لا يرحمون.
أرأيتم الذي يملأ مستودعاته بالبضائع النفيسة والتحف القيّمة فلا يجد لها سوقاً إلاّ سوق القرية، ثم تنفتح له الأسواق الكبرى ويُقبِل عليه الشّارون ويزدحم عليه الناس؟ كذلك كنت لمّا ذهبت إلى العراق؛ كلّ ما حصّلته من المطالعات وما كدّسته في ذهني من المعلومات وما اختزنته من أفكار ومشاعر كان مسدوداً عليه الباب، لأنه لم يكن أمامي في الشام إلاّ تلاميذ الابتدائية الذين لا يصلح هذا لهم ولا يصلحون ليُلقى عليهم. فلما جئت بغداد ووجدت طلاّباً كباراً مدركين، يحبّون أن يتعلّموا ويستطيعون أن يَعوا ويفهموا، انطلقَت نفسي وأخرجَت ما كان فيها، فجئت بأشياء لا يجوز لي أنا أن أتحدّث عنها لأن المرء لا يمدح نفسه، فاسألوا عنها من بقي من تلاميذي في تلك الأيام.
كنّا نقتسم الشُّعَب في صفّ الشهادة الثانوية أنا وأنور، أنا آخذ الشّعَب الأدبية وهو يأخذ الشُّعَب العلمية. كان درسه كالجدول الرقراق الصافي: ألفاظ منتقاة وجمل مرصوصة رصّ اللآلئ في العقد، وإلقاء حلو متمهّل كله أدب في أدب، ولكنه لا يكاد يجاوز «المقرَّر» على الطلاّب.
ودرسي أنا كالنهر المتدفّق الفوّار، أخلط فيه الشرح الأدبي المبتكَر الجديد في كثير من الأحيان، أخلطه بالتاريخ وبالدين
стр. 1137
وبالاستطرادات، كالذي تسمعونه منيّ الآن في الإذاعة وتشاهدونه وتسمعونه في الرائي فيستحسنه ناس ويستقبحه ناس. لكن الفرق بين الحالين: بين تدريسي في العراق من نحو خمسين سنة وبين أحاديثي في الإذاعة وفي الرائي الآن كما قال الأول:
جاءَ الزمانَ بنوهُ في شبيبتِهِ ... فسَرَّهُمْ وأتيناهُ على الكِبَرِ
والزمان لا يشبّ ولا يشيب، ولكن أنا الذي كان يومئذ كالنار المتوقّدة، وإن كانت تدفئ ولا تحرق وتضيء ولا تضرّ، إن أردتَ أن تُخمِدها لم تخمد، فما بقي عندي من ذلك الآن إلاّ جمرات بين الرماد، إن تركتها انطفأت على مهل وإن نفختها استمرّت ثم صارت شراراً وتحوّل الشرار رماداً.
* * *
كان الناس يزوروننا مرحّبين بنا، وهم كثيرون جداً لا أعرفهم، لكنهم عرفوني وعرفوا أنور عن طريق «الرسالة» وعن طريق الصحف التي قد تصل إليهم، فكانوا يشيرون إشارات ظاهرة حيناً وخفيّة أحياناً إلى أن مقامنا في الفندق غير مقبول.
ولقد سمعت منهم وسمعت من غيرهم ذكر الأوتيلات مقرونة بذكر الملاهي والخمّارات، وأقمت بعد ذلك سنوات في بغداد فما عرفت ما هذه الأوتيلات التي يشيرون إليها. كلّ ما سمعتُه يومئذ أن في أول شارع الرشيد من جهة باب المعظّم ملهى تغنّي فيه قَينة (مغنّية) كان اسمها كما أظن سليمة باشا، وأن في طرف هذا الحيّ المبغى، أي مكان البغاء، وأن أحد الشاعرَين
стр. 1138
الكبيرَين كان إذا وَرَدَ بغداد في آخر أيامه ينزل فيه. والله أعلم، فأنا لم أتوثّق ممّا سمعت ولا أُحب أن أتّهم الناس بلا دليل، وإن كنت قد سمعت ذلك مرّات وقرأته مرّات من أُناس يُستبعَد أن يُقْدموا على الكذب.
ومن قبل لمّا كنت أشتغل سنة ١٩٢٩ - ١٩٣٠ في جريدة «فتى العرب» عند الأستاذ معروف الأرناؤوط وكنت أقوم بما يقوم به مدير التحرير الآن، كنت أفتح أنا البريد الوارد على الجريدة فكنت أجد قصائد فاجرة نجسة لهذا الشاعر الكبير، من جنس قصائد القبّاني. وكان الأستاذ معروف يميل لنشر بعضها لو استطاع، لكنني كنت أُمزّقها عند فتح البريد ولو أغضبه ذلك مني.
وكان الشاعر الكبير الآخر (١) ينظم أشعاراً ينكرها الدين، أفليس عجيباً أن أحدهما أنهى حياته وهو شاعر الفسوق والعصيان باسم الفن، والثاني شاعر الكفر باسم الفلسفة؟ والعجيب أن كليهما كان يوماً شيخاً بعمامة بيضاء، حتى إن الشاعر الفيلسوف ألّف رسالة يردّ فيها على الشيخ محمد بن عبد الوهاب والمذهب الوهابي! ولقد كتبت في «الرسالة» من تلك الأيام من أكثر من أربعين سنة أقول: إنه ليس في الدنيا مذهب اسمه المذهب الوهابي وإن الشيخ ابن عبد الوهاب كان حنبلياً مجتهداً في الأمور التي لا يسعه فيها إلاّ الاجتهاد لظهور الدليل. ولمّا مات الشاعر الفيلسوف
стр. 1139
أبى الرجل العالِم الصالح الجليل الشيخ أمجد أن يمشي في جنازته مع أنه عمّه، ومع أن الشاعر الكبير الآخر هو الذي يقول (كما أظن ولا أُحقّق):
هيَ الأخلاقُ تَنبُت كالنّباتِ ... إذا سُقِيَتْ بماءِ المَكْرُماتِ
ولكن الماء انقطع عن أخلاقه فصوّح نبتُها وجفّت أغضانها، وماتت فدُفنت في الأرض جذورُها.
لمّا رأينا أن إقامتنا في الفندق لا تليق بنا -كما قالوا- استأجرنا داراً واسعة في الأعظمية قريبة من المسجد وسكنّاها نحن الخمسة: أنا وأنور والدكتور كامل عيّاد، أستاذ الفلسفة المعروف، والأستاذ صالح عقيل الذي صار وزيراً في يوم من الأيام، وقد ذهب إلى رحمة الله، والأستاذ علي حيدر الرّكابي أستاذ اللغة الإنكليزية، وهو ابن رضا باشا الركابي الذي بلغ في الجيش العثماني رتبة لم يبلغها عربي غيره والذي كان الحاكم العسكري في الشام أيام الشريف فيصل بن الحسين قبل ميسلون.
وجئنا، أي جاء إخواننا لا أنا، بامرأة كبيرة في السنّ فارسية تطبخ وتنظّف. ومن أعجب ما كانت تُعِدّ لنا صباحاً البيض المقليّ بالسكّر بدلاً من الملح! وقد استنكرناه أولاً ثم استمرأناه، لأن البيض ليس غريباً عن السكر. أمَا تُصنَع منهما معاً الفَرَانيّ (١) (أي الكاتو)؟
* * *
стр. 1140
في تلك السنة دُعيت للتدريس في دار العلوم (التي صارت الآن كما سمعت كلّية الشريعة)، وهي في دار كبيرة عربية جميلة مشرقة كأنها من الدور الشامية العريقة، فيها الأشجار والأوراد والأزهار، وهي بجوار مسجد الإمام الأعظم أبي حنيفة، جدارها جداره وبينهما باب، وكنت أدخل من هذا الباب فأُصلّي أكثر الصلوات في المسجد. وهو من المساجد المأنوسة، وفي كلّ المساجد أُنْس للروح ولكن بعضها يزيد أُنسه عن بعض. وفي طرف المسجد قبر الإمام أبي حنيفة، وما زرته لأنني خفت أن يكون فيه مثل ما كان في مقبرة الشيخ عبد القادر الجيلاني في مسجده في بغداد، وعند قبر الحسين في مصر، وعند القبر المنسوب ليحيى ﵇ في الشام، في كلها بِدَع مُنكَرة أنكرها فقهاء المذاهب الأربعة، وإن لم تبلغ ما عند قبور أئمة الشيعة في الكاظمية وسامرّاء وكربلاء والنجف.
أمضيت في دار العلوم أياماً، كنت آتيها بعد انتهاء عملي في الثانوية، واستأذنت أن أبيت فيها فأُذِن لي، فكنت أنام فيها وحدي ما معي إلاّ رجل اسمه حاجي نجم، كان كبير الفرّاشين أو المراقبين، ولي معه قصّة سيأتي ذكرها. وفي دار العلوم اجتمعت بجلّة من مشايخ بغداد: الشيخ أمجد الزهاوي والحاجّ حمدي الأعظمي والمفتي الشيخ قاسم القَيسي ومدير المدرسة الأستاذ فهمي المدرّس، وكلهم كبار السنّ وأنا الشابّ بينهم، وما أكثر ما أمضينا سهرات ممتعات نافعات في دار الحاجّ حمدي الأعظمي في الأعظمية في مكتبته الكبيرة القيّمة، وفي دار الشيخ قاسم المطلّة على دجلة مقابل الكاظمية.
стр. 1141
وكنت أُصلّي الجمعة في هذا المسجد. والغريب أن الخطبة فيه (وفي أكثر مساجد بغداد) كانت ملحَّنة! وكان الخطيب الشيخ عبد القادر، ولا أعرف لقبه، رجلاً صالحاً حسن الصوت مجوّد القراءة، فلما ذهب للحجّ وكّل مكانه الحاجّ حمدي الأعظمي، وهو أعلم منه وأجلّ ولكنه لم يُؤتَ صوتاً حسناً، فخطب كما نخطب نحن في البلاد الإسلامية، فأنكر الناس ذلك وقالوا: كيف تكون خطبة الجمعة كالمحاضرات؟! يحسبون أن التنغيم والتلحين في الخطبة من شروطها.
في تلك السنة في يوم الأربعاء والخميس الثالث والرابع من صفَر سنة ١٣٥٦هـ زاد دجلة زيادة هائلة لم تكن منتظَرة، وغدت بغداد عُرضة للغرق بين كل لحظة وأخرى، واستُنفِر الناس وسيقوا جميعاً للعمل على إقامة السدود. ولم تغمض في بغداد ليلة الخميس عين، وكان شيء عظيم سيأتي حديثه في الحلقة المقبلة إن شاء الله.
* * *
стр. 1142
-٩٦ -
الليلة التي ثار فيها «دجلة»
هل سمعتم بشيخ يسرق؟ أنا أُخبركم: «الشيخ» علي الطنطاوي يسرق من «الشابّ» علي الطنطاوي!
وَعدت أن أُحدّثكم حديث الليلة (ليلة الخميس الرابع من صفر سنة ١٣٥٦) التي سهرَت فيها بغداد جَزِعة تترقّب الخطر، تخاف أن يُغرِقها الماء؛ ذلك أن دجلة كانت تجري في الوادي حالمة سَكرى، غارقة في بحر من الحب والشعر، هادئة لا ترى فيها إلاّ آثار هذه القُبَل المعطّرة المعسولة التي تطبعها الشمس على وجنتيها الصافيتين كل صباح ومساء، تختطفها منها في غفلة من الكون، فلا يبصرها إلاّ الشفَق الذي يُطلّ من نافذة الأفق، يرميها بنظرة الحاسد، فيحمرّ وجه دجلة من الخجل (أو ممّا ينعكس على صفحتها من لون الشفق الأحمر!)، وتُغضي من الحياء ثم تسرع في جريها.
وكانت تتلقّى بين ذراعَيها العاشقين المدلّهين من الأزواج (الأزواج الشرعيين) كلّما دجا الليل، وهم في الزوارق ذوات الأجنحة البيض التي تشبه قلوبهم في بياضها وخفقانها، فتحدب
стр. 1143
عليهم وتحفظ أسرارهم وتمنحهم الخلوة الآمنة، وتغمر نفوسهم بالجمال والشعر حتى يغيبوا عن الوجود في حلم فاتن بعيد.
وكانت تُغضي عن هذا النخيل العاشق وقد تعانق كل زوجين منه وتلامسا بالشفاه واستسلما إلى الغيبة الآمنة، وعن هذه القصور التي تفيّأت ظلاله سكرى بحُمرة الجمال، وقد ضمّت أحشاءها على حياة لذّة وادِعة ملؤها الحبّ.
كانت دجلة وأخوها الفرات جمال العراق ونعمته وحياته.
* * *
هذا الذي سرقه الشيخ من الشابّ، هذا الذي قدّمت به مقالتي عن ثورة دجلة التي كتبتها من نحو خمسين سنة (١)، سرقتها لأنني لا أستطيع أن أكتب بمثل هذا القلم (أو لا أُحبّ اليوم أن أكتب بمثل هذا القلم). ولكل سنّ زيّها وسماتها، ولكل سِنّ أسلوبها وطريقتها.
كنت أذهب كلّ مساء إلى جسر مود أنا وأنور، وربما صحبنا بعض إخواننا، ننحدر إليه من الرصافة حتى نبلغ ضفّة الكرخ فنصعد إليها، وكنت أشعر وأنا أنزل وأصعد الجسر كأنني في وادٍ من أودية بلادي الحبيبة، حتى نصل إلى الصالحية فنسلك شوارعها إلى المطار.
стр. 1144
لما بنى المنصور بغداد جعل لها ثلاثة جسور، ثم زِيد جسران، ثم تخرّبت وبقيَت على جسرين اثنين. وكذلك كانت لمّا جئتها. كانت الجسور قائمة على سفن طافية على وجه الماء، لم تكن هذه الدعائم الراسخة في الأرض ولم تكن هذه الجسور الثابتة العريضة. وكنت أقرأ ذلك في كتب الأدب فلا أفهمه، ففي كتاب «الفرج بعد الشدّة» للقاضي التنوخي في قصّة إبراهيم بن المهدي (لما اختفى وتوارى من المأمون خوفاً من أن تنزل به العقوبة) لحقه جندي كان يعرفه من الأيام القليلة التي ادّعى فيها الخلافة، فدفعه فوقع في بعض سفن الجسر. ما كنت أعرف ما سفن الجسر حتى رأيتها.
ذهبنا في ذلك المساء، مساء الخميس الرابع من صفر سنة ١٣٥٦ كما كنّا نذهب كلّ يوم، فإذا الأرض قد بُدّلت غير الأرض، وإذا الجسر الذي كان وادياً ننحدر إليه قد أمسى هضبة نتسلّقها؛ صار أعلى من الشارع وقد كان تحته! وإذا الناس يُقبِلون عليه، فأقبلت معهم وعلى وجهي من الدهشة والحيرة مثل ما على وجوههم من الرّوعة والفزع، ونظرت فإذا النهر الذي كان يجري في الأعماق هادئاً متطامناً حالماً يبدو كأنه صفحة المرآة، لا تنداح عليه دائرة ولا تموج فيه موجة، قد علا وارتفع وعاد ثائراً هائجاً له هدير ودردرة، قد علاه موج كالروابي الصغار.
وإذا هو قد نسي سنه ووقاره وأضاع حِلمه وعلمه، ورجع شاباً مجنوناً أهوج، يقفز ويقرع الأرض بقدمَيه ويضرب بقبضتيه القويتين المخيفتين أبنية الشاطئ الآمن، ويعبث بهذه الكرات الحديدية الضخمة التي أُقيمت لتثبيت الجسر العائم، والتي تزن
стр. 1145
القناطير وتعدل بثقلها الصخور الجلاميد، ويقذف بها هنا وهناك كما يقذف اللاعب الكرة بقدمه في الملعب.
وإذا هو مرعب حقاً، يُدخِل الروع على أجلد الرجال. وكانت الوجوه كالحة قد ارتسمت عليها سمات الذعر الشديد، والماء يرتفع ثم يرتفع، لم يبقَ بينه وبين الشاطئ إلاّ ذراع واحدة. لقد بلغ ارتفاع المياه -كما قالوا- خمسة وثلاثين متراً وعشرين معشاراً (سنتمتراً). إنه لا يزال يرتفع، لقد حاذى الشاطئ ... إن بغداد في خطر.
وطارت كلمة الخطر على الألسنة ففزع الشعب واهتمّت الحكومة، ووُضع قانون المساعدة الإلزامية، فابتدر الناس الشاطئ واستبقوا إلى العمل، يقيمون السدود ويضعون للمجنون القيود، ولكن المجنون لا يبالي بقيد الذباب ... إنه يقتل أمة منها بضربة واحدة.
إن النمر (ذلك اسم دجلة في الإنكليزية والفرنسية) يقفز في حبسه ويثب. لقد جُنّ، إنه يريد أن يخرج فينبعث في الأرض، يريد أن يمشي إلى هذه الجنّات الظليلة التي طالما أمدّها بالحياة وحمل إليها النعمة، ليحمل إليها هذه المرّة الموت.
وبدأ الصراع بين هذا النمر والإنسان، وأمسى المساء على بغداد وهي قائمة على قدم وساق، ليس فيها مَن يبيع أو يشتري أو يلهو أو يلعب، بل ليس فيها من يَطعم أو يشرب، ليس لها إلاّ غاية واحدة هي النجاة من الغرق.
стр. 1146
وكنت قد بلغت منزلي في الأعظمية، فصعدت السطح فانحسرَت أمامي صفحة النهر وهو يلتوي ويلفّ من حول الأعظمية كالأفعى، يطيف بها كالقضاء النازل، وقد استرخى عند المنحنى وتمدّد على الحقول والدور التي هجرها أهلوها وفرّوا منها، فصار عرضه أكثر من ألفَي متر ... وصار بحراً خِضَمّاً، ولكنه يركض دفّاعاً يحمل في يديه الموت والغرق والخراب. وكانت حُمرة الشفق تخالط الماء فيلتهب ويبدو كأنه أتون مستعر، أو كأنه جهنّم الحمراء، نعوذ بالله من جهنّم.
وبسط الليل ثوبه الأسود على الدنيا فأخفى تحته ثمانية وأربعين ألف شابّ (كما جاء في الإحصاء بعد ذلك) يشتغلون لينقذوا بغداد من الخطر المحقّق، ومن ورائهم أربعمئة ألف قلب تحوطهم بالرعاية والحبّ.
واستمرّ الصراع، وكان الناس من الفزع والذعر كأنهم في يوم القيامة، غير أن المرء يوم القيامة يجد ما يشغله عن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه، وهنا أم حائرة مولهة قد ضاع منها ولدها في وسط الزحمة فهي تعدو وتصيح من غير وعي، لا تدري: أهو من الأحياء أم افترسه هذا النمر الجبّار؟ وهنا بنت تفتّش عن أمها، وولد ينادي أخاه، وأسرة قد هيّأت متاعها ووقفَت على باب الدار تنتظر الساعة الرهيبة التي يطغى فيها الماء فيدكّ دارها وما فيها ويدعها فقيرة مسكينة مسكنها الشارع، وشباب عصفَت النخوة برؤوسهم فهم يتسابقون إلى الخطر. والتلاميذ قد دفعتهم الحميّة فأقبلوا يبتدرون الموت، والجنود يعملون في كلّ مكان بهِمَم الأسود.
стр. 1147
كانت الأصوات تملأ الجو: هتاف الشباب، وصراخ الجند، وصياح النساء، ونداء الأولاد ... والنهر فوق ذلك كلّه يهدر هديره المستمرّ المرعب فيكون له في هذا الليل دويّ مخيف، والحركة متصلة والشوارع ممتلئة بالناس.
ولكن السلامة توالت، ووقف النهر عن الارتفاع، ولم يقع البَثْق (أي الخرق) الذي كانوا يخشونه. وكان قد تصرّم الهزيع الأول من الليل، فأمن الناس وتفرّقوا إلاّ قليلاً منهم قاموا يحرسون النهر، ودخلوا بيوتهم.
وولجت داري أستريح، فما لبثت أن ذهبت في رقدة عميقة، ورأيت في الحلم المياه تنساب من كل جهة تغنّي أغنية الرعب، تقتلع البيوت ثم تُلقي بها إلى بعيد، وتلج في باطن الأرض ثم تقلبها بما عليها، وتصعّد في الجوّ ثم تنزل كالبلاء المصبوب، ثم انصدع صدع عظيم وهويتُ في قعر الهاوية. ورأيت حولي في الحلم مئات من الحشرات والأفاعي، وسمعت رعداً شديداً ورأيت برقاً ومطراً، ثم عادت السيول تجري تدحرج آلافاً من الصخور ... ففتحت عينَيّ، فإذا الحلم حقيقة، وإذا الصيحة في الحيّ والقيامة قد قامت، وصفّارات الحرس وأبواق الجند تصدح باستمرار، والنساء يولولن ويعدون، والأطفال تبكي وتركض في كلّ مكان، والرجال يصيحون طالبين النجدة. وتبينت وسط الضجّة الكلمةَ الرهيبة: كُسر النهر، النهر انكسر ... وتدفّق سيل العرم!
إن هذا النهر الذي جاء من قمم الأناضول الشاهقة، وسلك
стр. 1148
على السهول الممرعة والصحارى المجدبة، قد تعب من سيره الطويل المضني فجاء يستريح على هذه الحقول التي زخرفها الربيع وأزهر فيها النبات، وفتّح الورد والقرنفل والفُلّ وأترع نسيمَها العطر، ليحيل ذلك كله إلى صحراء قاحلة. جاء يغرس في هذه الحياة الرخيّة السعيدة بذورَ اليُتْم والفقر والنكد.
ولكن الذنب علينا. لو أنّا أنشأنا له مأوى يستريح فيه وسريراً ينام عليه لهجع فيه إلى أيام الصيف، ثم لخرج بالبَرَكة واليُمْن إلى أراضينا وبلادنا.
* * *
تركت الدار وخرجت أسبح في هذا الخضمّ من الناس، أُدافع لأصل إلى الشاطئ لعلّي أعمل عملاً. ولم أكُن أدري ماذا أعمل، ولست أُحسن السباحة ولست أعلم ما الفائدة من ذهابي، ولكني لم أفكّر في شيء من ذلك لأن الإنسان لا يفكّر في ساعة الخطر، وإنما يعمل.
فلما وقفت على الصدع هالني وأرعبني أن النمر قد أفلت من القفص، وخرج يعدو مجنوناً مستطار اللبّ كاشراً عن أنيابه، يزمجر ويزأر ويبرق ويرعد. إن الماء يندفع بمثل قوّة الديناميت ثم ينزل على الحقول فيمضي مكتسحاً في طريقه كلّ شيء: رأيت الأشجار الضخمة يقتلعها الماء ويقذف بها كأنما هي عيدان الكبريت، رأيت البيوت ينسفها كأنما هي علب من الورق، رأيته يتدفّق من كلّ جهة وقد ابتلع صوتُه المدوّي كلَّ ضجّة. وكان لمنظره في ظلمة الليل صورة لا توصف.
стр. 1149
وأقدم الناس يسابقون الماء ليقيموا في وجهه السدود، ليقيّدوا هذا النمر الهائج، بحميّة منقطعة النظير وحماسة نادرة المثال. وأقدمت أخوض هذه اللجّة من الناس لأصل إلى هذه اللجّة الطامية من الماء، أمشي في ظُلمتَين: ظُلمة هذا الحشد المزدحم وظلمة الليل البهيم. أتعرض لرهبتَين: رهبة الليل وسواده، والسيل وامتداده. أُصغي إلى لحنَين: لحن الروع على ألسنة الناس، ولحن الهول على لسان النهر. ولم أعُد أخشى شيئاً ... إنها ساعة الخطر.
بُورِكتِ يا ساعة الخطر؛ في ساعة الخطر يعود الناس إخواناً متحابّين، قد خرجوا من أطماعهم وماتت في نفوسهم العداوة والبغضاء، وعاشوا لحظة ما فيها إلاّ التضحية والإخلاص والوئام.
تقدّمت إلى الأمام، ولكن لم أصل إلى شيء لأن الناس كانوا يستبقون العمل يُهرَعون إلى الموت، كأن العمل غنيمة والموت وليمة. وكانوا يصرخون صراخ الحميّة ويهتفون باسم الوطن والمروءة والشجاعة. ومرّت على ذلك ساعة كاملة، والصدع يتّسع والماء يزداد اندفاعاً، فكلّت الأيدي النشطة وجمدت الصيحات والأناشيد على الشفاه، وكاد اليأس يخامر الناس.
هنالك انتبهتُ فإذا أنا أسمع النشيد الذي كنت أصبو إليه وأرتقبه، ليس نشيد الوطن والمروءة والشجاعة ولكنه أجلّ وأقوى، النشيد الذي له قوّة السيل، وعظمة البحر، وبهاء الشمس، وصلادة الصخور. النشيد الذي لا يقوم له شيء، النشيد
стр. 1150
الذي كان أجدادنا يهتفون به كلّما حاقت بهم شدّة فيدكّون به كل حصن ويكتسحون كل عدو، ويَخلصون من كل خطر. النشيد الذي يُحيل الجَبان بطلاً، واليأس أملاً، والطفل رجلاً.
ذلك هو نشيد «الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله». هذا الذي ينبغي أن يهتف به المسلم في ساعة الخطر، هذا الذي لا ينفع في تلك الساعة غيرُه لأنه ذِكر الله، والله أكبر من كلّ خطر، والله أكبر من كل عدوّ، والله أكبر من كل شيء، فمَن لجأ إلى الله حماه ومن احتمى بغيره ما احتمى.
* * *
وبدأ الصراع كرّة ثانية. وأقبلوا على العمل بهمم لا تنثني وبقلوب لا تلين وسواعد لا تكلّ، وصبّ هذا النشيد في عروقهم روح الظفر، فظفروا.
وعندما كانت الشمس تطبع أولى قُبُلاتها على جبين الكون كان الموكب الظافر قد رجع، يحمل أجمل أزهار الرياض التي أنقذها وحماها من الغرق. يمشي فيه الجند والطلاب بصفوف منتظمة قرأتُ فيها أروع «شعر» الحياة، كما تَلَوْت في هذا الجماهير المنثورة في كلّ مكان أبلغ «نثرها».
وكان الإشراق يكسو الوجوه وغناء النصر يرقص على الألسنة، فوقفت أُحيّي هذه المواكب الماجدة حتى غابت عني في طريقها إلى قلب بغداد.
كانت ليلة من ليالي الرعب لا أنساها، وكان صباحاً من
стр. 1151
أصباح النصر سأذكره دائماً. وأثمر الجهد والكدّ والاجتماع والتضحية، وكذلك تأتي ثمرات ذلك كلّه في كلّ زمان ومكان ... بل كان هذا النصر ثمرة الرجوع إلى الله والاتكال عليه واللجوء إليه.
* * *
стр. 1152
-٩٧ -
رأيت الموت في ذكرى استشهاد الحسين (١)
سمعت وأنا في بغداد مثلاً قديماً لعله أُطلق أيامَ فَقْد الأمن واضطراب أمر الناس، هو: «اكتم ذهبك وذهابك ومذهبك».
عملت بهذا المثل. لم أكتم ذهبي لأنني ما كنت أملك ذهباً لأكتمه. أما ذهابي فقد أمنت الطرق واطمأن الناس فلم تَعُد بي ولا بغيري حاجةٌ إلى أن نستَتِر بالسفر. أما المذهب فقد اتّبعت طريقاً هو أن لا أسأل طالباً من طلابي: أسنّي أنت أم شيعي؟ وما كانت لي حاجة أن أعرف، ولو عرفت ما كان لمعرفتي أثر في معاملة الطلاب لأنني كنت أعاملهم جميعاً على السواء.
стр. 1153
وجاء يوم عاشوراء قبل الليلة التي حدثتكم عنها (١). وليوم عاشوراء شأن في العراق؛ إنه يوم حزن، يصير البلد كله مأتماً كأنما قُتِل الحسين ﵁ بالأمس، وكأن عمّال بني أمية (أو مَن شارك منهم في وِزر قتله) لا يزالون يحكمون العراق. نسي الناس أنها قد تغيرت الدنيا، ودالت دول ووُلدت دول، وبُدِّلت الأرضُ غيرَ الأرض ولكن ما بُدِّلت هذه الأعمال.
ونحن المسلمين نحب كلنا رسولَ الله ﵊، ومن لا يحبه أكثرَ من نفسه لا يكمُل إسلامه، ونحب من كان يحبه رسول الله ﷺ ، وممن كان يحبه سبطاه الحسن والحسين. فنحن نترضى عنهما ونصلي عليهما بعد صلاتنا على جدّهما، ونلعن من قتل سبط رسول الله ﷺ ونتبرأ منه وممن أمره بذلك وممن أعانه عليه، ولكن لا نصنع ما لا يرضاه الرسول ﵊ ولا نخالف عن أمره، ولا نتبع غير سبيله. وما رأينا بعضَ الناس يصنعونه في العراق يوم عاشوراء مما لا يرضاه الرسول الذي يجب علينا اتباعه.
* * *
أراد أنور أن يجول جولة في منطقة «الحلّة» يوم عاشوراء، ففعلنا، ورأينا آثار بابل والسدّة الهندية وجسر المثيب الذي كنتم تسمعون ناظم الغزالي يبكي أحبته الذين ثَيّبوه فيه فعذّبوه ومَرْمَروه، وسيأتي حديث ذلك.
وأخذنا معنا من شاء من الطلاب، فكانوا ثلاثة، منهم طالب
стр. 1154
عملاق إن وقفت إلى جانبه وصل رأسي ما فوق خصره بقليل، حتى إني كنت أسأله عن الضغط الجوي في الأفق العالي الذي يصل رأسه إليه! ولكنه كان -مع هذا الطول والعرض والارتفاع- طيب القلب رضيّ الخُلُق ساذجاً يصدّق كل ما يُلقى إليه، اسمه عبد الله عادي. وصدق من سماه؛ فهو عاديّ الخَلْق كأنه من بقايا قوم عاد الذين كانوا بالأحقاف (بالربع الخالي) الذي لم يكن على أيامهم خالياً بل كان حالياً بالنبات عامراً بالبنيان. وطالبان آخران، سني وشيعي.
واستشهاد الحسين مأساة لا أجد وصفاً لها أصدق من قولي إنها «فظيعة». ومرة أخرى أقول للتأكيد إنها فظيعة، ولكن الشعراء والأدباء على مدى هذه القرون الطويلة سخّروا قرائحهم وألسنتهم وأقلامهم للعمل على زيادة فظاعتها وعلى توضيح صورتها وعلى تعميق أثرها: جعلوا منها موضوعاً أدبياً لا ينضب معينه، فأغنوا بذلك الأدب ولكنهم أضاعوا الحقيقة.
هل أضرب لكم مثلاً كيف يضيع الأدب الحقيقة؟ في تلك الأيام التي أتكلم عنها كنا أنا وأنور نمشي إلى كل مكان، تارة وحدنا وتارة مع بعض الطلاب. ذهبنا إلى الجُعَيفر في جهة الكَرْخ وإلى الكَرّادة وإلى المطار، وذهبنا مرة نشاهد مباراة مع جند الإنكليز في سن الذبّان عند الحَبّانية، وكنا نذهب إلى الرُّستُميّة حيث كان يدرّس أخونا الأستاذ مظهر العظمة ﵀.
فذهبنا يوماً من الأعظمية إلى بغداد مشياً على الأقدام، ولكنا تركنا الطريق وسرنا بحذاء الشطّ بين البساتين حتى دخلنا
стр. 1155
منطقة البلاط (بلاط الملك غازي) ونحن لا نشعر. فماذا جرى لنا؟ ماذا جرى لمّا أنذرَنا الجندي فما انتبهنا إلا وهو مقبل علينا، بندقيته موجَّهة إلينا وسِنانها في رأسها في صدورنا؟
ما تفصيل ما جرى؟ صدقوني إن قلت لكم إنني لا أدري! هل نسيت؟ لا، ولكنني كنت أروي القصة فأزيد فيها، أملّحها وأفَلْفِلها وأزيّنها بالصور الأدبية، فيأخذ أنور ما رويت فيزيد عليه ويفلفله ويملّحه، ثم أعود أنا إلى ما قال فأصوغه صياغة أخرى، حتى إنني لم أعد أعرف ماذا جرى لنا بالضبط. الذي أعرفه هو الطبعة الأخيرة من هذه الحادثة التي تحولت من حادثة واقعة إلى قصة أدبية (١).
وكذلك جرى في قصة استشهاد الحسين ﵁.
هذه حادثة عادية لناس عاديين، تبادلنا روايتها أنا وأنور ﵀ في مدة قصيرة، فضاعت الحقيقة حتى ما عدت أعرفها وأنا صاحبها! فكيف بالحادث العظيم، حادث مقتل الحسين سبط رسول الله ﷺ ، وقد تعاورته الألسنة والأقلام والأخْيِلَة والقرائح على مدى أربعة عشر قرناً؟ كلٌّ يجرب فيه مَلَكته ويُدخِل فيه خياله، حتى لم تبقَ صورة من الصور التي تُهيج الأسى وتثير الشجَن وتستمطر الدمع إلا حُشِدت فوُضِعت هنا، ولا أخرى فيها الظلم وفيها القسوة وفيها الوحشية وفيها النذالة إلا جُمِعت فوُضِعت هناك!
حتى لو أن الذين كانوا هنا هم نيرون وجنكيز (أو من هم شر
стр. 1156
منهما، بيغن وشامير) لو أن تلك الأوصاف كانت لهم ولو أنهم قاسوا ما يقوله رُواة حادث كربلاء لأخذتك الشفقة بهم والرثاء لهم. فكيف وهم يصفون بتلك الأوصاف ابن بنت رسول الله ‘، الحسين بن فاطمة الزهراء، وأهل بيته الأكرمين؟
من هنا كان ما نراه ونسمع به كلما جاء يوم عاشوراء، ولولاه لما كان. فلقد مات علي، وهو أفضل من ولده، ومات قبلهما رسول الله ‘، وهو أفضل منهما، فما صنع المسلمون ما يصنع هؤلاء يوم عاشوراء.
* * *
جلنا في الحلة التي عرفنا اسمها في الصغر من حين حفظنا القصيدة العظيمة لصفي الدين: سلي الرماح العوالي عن معالينا.
ومشينا في طرقها ومسالكها حتى وصلنا رحبة واسعة في صدرها بابٌ مفتوح سمعنا منه شعراً يُنشَد بلحن حزين، فاقتربنا فرأينا ناساً قد التفّوا حول هذا المُنشِد وحفّوا به دوائر وسط دوائر، وصدورهم مكشوفة قد ستروا ما تحت السرة وأظهروا ما كان فوقها.
فقال أنور بعد أن سمع الشعر: ندخل؟ فسألت مَن معنا من الطلاب لأنهم أعرف ببلادهم فقالوا: لا تدخلوا. فملت إلى رأيهم، ولكن أنور رحمة الله على روحه عمل مثل جهيزة التي «قطعت قول كل خطيب»، فدخل، ولم نستطع إلا أن نتبعه.
دخلنا فاخترقنا الصفوف، وكان مَن فيها قاعدين ساكتين،
стр. 1157
قد كفّ المنشد عن النشيد فجلسوا يستريحون كما بدا لنا، حتى بلغنا صدر المسجد أو المجلس (فلم أكن أدري أي شيء هو) فوجدنا شيخاً بعمامة خضراء (أي أنه سيد منسوب) قاعداً على كرسيّ وإلى جنبه كراسيّ فارغة، دَعَونا فقعدنا عليها. فما لبث القوم أن عادوا إلى الوقوف وعاد الشاعر إلى الإنشاد، وكلما أنشد أبياتاً وقف وقفة، فرفعوا أيديهم بحركة واحدة ثم هبطوا بها على صدورهم بلطمة واحدة تهزّ جدران المكان من وقعها، ثم يعاود هو الإنشاد ويعاودون هم اللطم، حتى احمرّت الصدور وغمرهم العرق، وامتلأت القلوب مما يسمعون أسىً على الحسين وحباً به ونقمة على بني أمية وعلى أهل الشام الذين حمّل هذا الشعرُ وِزرَ ما حدث عليهم ونسبه إليهم.
هنا تفيض البلاغة في صدر أحد الطلاب الذين جاؤوا معي ويغمره الشعور بمكارم الأخلاق، وتعتريه نوبة مفاجئة من نوبات الوفاء لي والتغني بمناقبي، فيقدمني للسيد ذي العمامة الخضراء فيقول له: أعرفك بأستاذي الجليل الكاتب الشامي الكبير، مؤلف الكتب العظيمة ومنها كتاب «أبو بكر الصديق» وكتاب «عمر بن الخطاب» و ...
ولم أسمع بقية الكلام لأني رحت أتشهّد ليكون آخر كلامي من الدنيا «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله».
لم أعد أسمع ما يقول لأني شعرت أن قلبي هبط إلى أسفل البطن كما يهبط المصعد الذي انقطعت سلاسله فجأة في العمارة! وأيقنت بالموت، وتلفّتُّ حولي لعلي أجد مهرباً، فإذا المكان
стр. 1158
محاط بجدران مغلقة ليس فيها إلا الباب الذي دخلنا منه، ما للمكان نافذة ولا طاقة، وبيني وبين الباب العشرات من عراة الصدور الذين يضربون صدورهم ضربات لو نزلت على رأس ثور من ثيران المصارعة في إسبانيا لخرّ صريعاً للفم ولليدين! فكيف تكون حالي معهم لو عرفوا أني من أهل الشام وأني مؤلف كتاب أبي بكر وكتاب عمر؟ ومن أين أثبت لهم أني بريء من دم الحسين، لم يشارك في جريمة قتله أحد من أجدادي لأنهم كانوا في طنطا في مصر، أو لعلهم كانوا في المغرب أو في الهند أو في سيام (تايلاند)؟ حسبي أنهم لم يكونوا في الشام، ولو كانوا فيها فإنهم بُرَآء من دم الحسين، ولو حضَرتُه لفديته بروحي غيرَ متردد، وكذلك يفعل كل مسلم.
ولكن هل كانوا يدَعون لي فرصة للدفاع عن نفسي؟ ولو حاولت الدفاع فمن منهم يصدّقني؟ هنالك سُقط في يدي ويئست من النجاة، وصار ما أدعو الله به سراً أن يجعل ميتتي سهلة فأموت بلا عذاب، أما النجاة فقصر عنها أملي. هذا وأنا أُلامُ على جرأتي وتهوري، ما كان الجبن يوماً من عيوبي.
أما أنور الذي أدخلنا هذا المدخل فقد اختلست نظرة إليه فوجدت لون وجهه كلون قشرة الليمون البلدي، أصفر ما فيه نقطة من دم. فنظرت إلى وجه السيد ذي العمامة الخضراء لعلّي أستشفّ منه ما ينويه، فما دلّ وجهه على شيء، فتركت الأمر لله.
وطال الموقف وأنا على هذه الحال من الترقب والفزع، حتى مرت سبعون ساعة كاملة متواصلة ولم يتبدل شيء، وكل دقيقة منها بساعة. حتى إذا انتهى الإنشاد وسكت المنشد رأيت
стр. 1159
القوم كأنهم يستعدون للرحيل، فهم يُخرجون ثيابهم فيَدخلون فيها، لم أعلم أين كانوا يخفونها. فعرفت أنها انتهت النوبة وأن هؤلاء يذهبون ليأتي غيرهم، فأمنت قليلاً، ونظرت في ساعتي فإذا المدة التي أحسست أنها سبعون ساعة لم تكن أكثر من عشرين دقيقة، ولكن زمن الألم والخوف يطول! فودّعت السيد وأسرعت إلى الباب، فلما صرنا في الطريق حمدت الله على أني رجعت إلى الدنيا بعدما كدت أرى الموت.
وبقينا في الحلة يومين، وعرفت هذا السيد من قرب فوجدته ظريفاً لطيفاً أديباً لبيباً بعيداً عن العصبية (أو لعلها هي التَّقِيّة)، فذكّرته بما كان فقال: احمد الله على السلامة وعلى أنهم لم يسمعوا ما قال الطالب. قلت: ألم تكن لتحميني منهم؟ فضحك وقال: ومن يحميني أنا إن حميتك؟ لا والله، ما كنت لأحميك بل أدعك لترى مصيرك!
* * *
لم أتعرض مدة بقائي في بغداد إلى نزاع السنة والشيعة، لأني كنت أحاول التوفيق لا التفريق والوئام لا الخصام، حتى إذا جئت البصرة وكان الطلاب فيها يسألونني فأجيب بما أعرف من قول أهل السنة، لما كان ذلك ساء مشايخَ الشيعة في البصرة فبعثوا إليّ: إذا شئت المناظرة فناظِرنا نحن العلماء، لا الطلاب الذين لا يعلمون.
وكنت من صغري أحب المناظرة وقد أوتيت جدَلاً، فقلت: نعم. وتواعدنا على اللقاء، فبلغ ذلك المتصرّف فخاف الفتنة
стр. 1160
فمنعنا، ثم أذن لنا على أن تكون المناظرة بإشرافه، نأتي نحن بخمسين رجلاً وهم بخمسين، وتؤلَّف هيئة للتحكيم نحن ننتخب عضواً منها وهم عضواً، والثالث يختاره المتصرف.
وجاء يومُ المناظرة، ودخلت وأنا واثق من نفسي، أو مغترّ بها معتمد عليها. وبدؤوا هم الكلام، وكان ينبغي أن نختار بالقرعة البادئ منا. وجعلوا يسألونني، والمسؤول في المناظرة كمن يتلقى الهجمات في المعركة، والسائل هو المهاجم. وهو متمرسون بالمناظرات متمرّنون عليها مُمسكون بأطراف الخلاف.
لما رأيت ذلك وعلمت أني سأنهزم صَغُرت عليّ نفسي وتبخر منها غرورها وعادت إلى حجمها، فتوجهتُ بقلبي إلى الله منكسراً متوقعاً الهزيمة، وقلت: يا رب، أنا هنا أدافع عن سنة نبيك وعن مذهب أهل الحق، فلا تؤاخذني بما كان مني وانصرني، فإنك تنصر الحق الذي أذبّ عنه.
ومَن توجه إلى الله بالانكسار رزقه الله عزة الانتصار، ومَن اعتمد على نفسه وَكَله الله إليها. وكنت أدعو مضطراً واثقاً من الإجابة، فما هي إلا لحظات حتى انفسح لي طريق إلى أخذ المبادرة لي بالكلام. وكان الكلام على بيعة أبي بكر، فقلت لهم: كيف بايع علي أبا بكر وأنتم -شيعة علي- تنكرون خلافته؟ هل بايع مختاراً أو مكرَهاً؟
إن قلتم إنه مكرَه سلبتموه أحد شرطَي الخلافة وهو القوة، إذ لا يصلح لها إلا المؤمن القوي. ثم إنكم خالفتم بذلك الواقع لأن علياً ﵁ كان أعزّ من أن يُكرهه أحد على ما لا يريد، بدليل