← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

عبد الرحمن مدير مدارس الثغر ولا أحداً من إخوته الكرام لقلت لكم: إني كنت وكان رفاقي كلهم يحترمونه غاية الاحترام ولكنهم لا يحبونه، فقد كان معلّماً كاملاً ولكنه كان شديداً، وكان قوي الجسد مشدود العصب جاداً كل الجد، فكنا نخشى قوة بدنه أن يبطش بنا، وقوة لسانه أن يُلبِسنا من جُمَله التي كان يصوغها صياغة الفولاذ، فتعلق بنا واحدة منها وتتناولها ثم تتداولها ألسنة الرفاق فتكون لنا وصمة العمر. وكان من أساتذتنا في المدرسة عالِم يماني اسمه الشيخ عبدالواسع بن يحيى الواسعي، لا أعرف ما صنع الله به بعد أن فارقنا. وأستاذ أظنّ أن اسمه سعيد الطيب، كان يدرّسنا النحو الفرنسي بالعربية باصطلاحات النحو العربي. أما الذي كنا نخافه جداً ويخافه التلاميذ جميعاً فكان ناظر المدرسة، الشيخ محمود العقاد تلميذ أبي. وكان أخي ناجي يذهب معي وهو صغير، فإذا ضربوني في الدار بسبب منه أنتقم منه فأضربه حين أنفرد به، فيشكوني إلى الناظر، فيعاقبني عقوبة هيّنة في ظاهرها ولكن ضرب العصا كان أهون عليّ منها. كان يأتي بي وبرفيق لي هو عبد المجيد مراد، أخو شفيق وعبد الحميد وابن الشيخ أبي النصر مراد الذي جرّ إلينا الكهرباء من داره، وكانت له بسببها القصة التي رويتها لكم في غير هذه الذكريات (١).

стр. 107

كان يقعد على مقعد في قاعة المدرسة ويَقفنا أمامه، وينصحنا فيتكلم ويقول: ضعوا عيونكم على عيني. ويطول الكلام، وأحسّ كأني مشدود بحبل إلى عينيه والحبل يدور بي في الهواء، فلا أعود أفهم شيئاً! وكان من رفاقنا الأستاذ محمد علي بدير كبير رجال الاقتصاد في الأردن اليوم، وابن عمه خالد ﵀، والأستاذ هدى الطباع، وعبد الوهاب محفوظ، وعبد السلام الخطيب، وواصف الخطيب، وعبده العظمة، وفؤاد الجلاد. ومرّ العام، وودّعَنا الشيخ محمود وذهب، ثم ودّعَنا الشيخ صالح وسافر إلى المدينة فصار مدرّساً في الحرم النبوي وأقام بها إلى أن توفّاه الله. ﵀ ورحم أساتذتنا جميعاً. * * * كنا في «العُقَيْبة»، وهي حيّ فقير من أحياء دمشق ذُكر في ترجمة الإمام الأوزاعي أنه كان «قرية ظاهر دمشق»، مع أن بينه وبين السور ثلاثمئة متر فقط، وبين السور وبين «الأموي» مثل ذلك، قدّرته تقديراً ولم أقِسه قياساً، فسامحونا إن نسينا أو أخطأنا. وكنت أذهب إلى المدرسة فأدخل من باب الفراديس، وهو

стр. 108

أحد أبواب دمشق السبعة التي بقي منها ستة (١) كما بقي السور سالماً، ثم أدخل السور الداخلي، وبينهما حارة تسمّى اليوم «بين السورين». وأذكر -بالمناسبة- شيئاً نسيت أن أتكلم عنه في مكانه، هو أن جمال باشا لمّا فتح أول شارع في دمشق سنة ١٩١٦ سُمّي باسمه، فلما انتهت الحرب وخرج الأتراك سمّوه شارع النصر، يقصدون النصر على الترك. وكنت مرّة عند شيخ مشايخنا، الشيخ عبد المحسن الأسطواني، وكيل اللجنة التي أشرفت على بناء الأموي بعد أن احترق سنة ١٣١١هـ ونائب دمشق في مجلس النواب العثماني ورئيس محكمة التمييز في سوريا، وقد عاش ١١٨ سنة وتُوُفّي كامل العقل قويّ الذاكرة. كنت عنده فسألته: أين الباب السابع من أبواب دمشق؟ أوَلم يكُن بين باب الجابية وباب الفرج باب؟ قال: بلى، كان هناك باب النصر. فكانت تسمية الشارع بشارع النصر رميةً من غير رامٍ.

стр. 109

وانتقلت دارنا إلى الصالحية فأخرجني أبي من المدرسة الجقمقية، وفارقت جوّ الأموي الذي تحيا به الأرواح وتنتعش النفوس، يوم كان الأموي قلبَ دمشق: الدار القريبة هي التي تقرب منه والبعيدة هي التي تبعد عنه. وكان مثابة الناس؛ يجلسون فيه في «الحرم» في الشتاء، وفي الصيف يقعدون في الصحن، حيث النسيم الرخيّ لا ينقطع والماء يتدفق من (فوّهة) البركة، والرُّواق الفخم من حولهم والمآذن الثلاث (١) تطل عليهم، ويطل معها أربعون قرناً من الزمان من يوم كان معبداً وثنياً إلى أن أصبح كنيسة نصرانية، إلى أن شرّفه الله بالإسلام وضوّأ جوانبه بنور الإيمان، فكان بذلك (أي في جاهليته وفي إسلامه) أقدم المعابد القائمة في الدنيا، كما أن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة على الأرض. كذلك كان الأموي، فهل تدرون اليوم ما حاله؟ كانت دمشق تحوطه بذراعيها وتعطف عليه جوانحها، تعيش بقربه وتحيا بحبه لا تستطيع الابتعاد عنه؛ صباحها فيه ومساؤها، ونهارها بجواره وليلها، فتركَته وسارت مشرّقة وسارت مغرّبة، وبقي وحده حيث كان. وسرنا نحن مع من سار، وإن لم ننكر عهده ولم ننسَ ودّه. انتقلنا من منزلنا الصغير في آخر العُقَيْبة إلى دار كبيرة فسيحة الأرجاء، كثيرة الغرف والأَبْهاء، قريب منها الشجر والماء. الشجر

стр. 110

في بساتين الصالحية التي انتقلنا إليها والماء من نهر «يزيد»، أكبر أولاد بردى الستة في سفح قاسيون، بحيث نرتفع عن المدينة وننزل عن جادات حيّ المهاجرين، نرى من غرف الدار العليا الشامَ والأموي في وسطها. والشام في اللغة من جنوبي تبوك إلى جبال طورس، وفي العرف البلدة القديمة. فيقول أهل الصالحية: "ذهبنا إلى الشام وعدنا من الشام" كما يقول المصريون «مصر» لا يعنون بها الإسكندرية ولا أسيوط، بل ولا يقصدون شبرا ولا حلوان (١). وأعادني والدي إلى المدرسة الرسمية، وكان في دمشق -أول عهد الانتداب- أربع مدارس رسمية ابتدائية، وكانوا يسمونها «الأنموذج»، وهي: «أنموذج البحصة» التي كانت مدرستنا السلطانية الثانية. و «أنموذج الملك الظاهر»، وهي أقدمها وكانت في المدرسة التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس، وهو ثالث «الفرسان الثلاثة» الذين أنقذ الله بهم سوريا من الصليبين: نورالدين، وصلاح الدين، والظاهر. وفيها اليوم المكتبة الظاهرية التي يعود الفضل فيها بعد الله للشيخ طاهر الجزائري مربّي الجيل الذي سبقنا، جمعَ الكتب التي كانت موزَّعة على المدارس والمساجد تعبث بها أيدي العابثين، وكانت منها نواة هذه المكتبة

стр. 111

التي تُعَدّ اليوم من أغنى المكتبات في ديار الإسلام. و «أنموذج الميدان»، و «أنموذج المهاجرين» التي دخلتها سنة ١٩٢١ وأُعدْت إلى الصف الخامس ثالث مرة! ذلك أني ارتقيت إلى الصف الخامس على عهد الأتراك، ثم ارتقيت إليه مرة ثانية على عهد الحكم العربي، وهأنَذا أعود إليه على عهد الانتداب الفرنسي ... «فكأننا ما رحنا ولا جينا». لقد ضاعت ثلاث سنوات من عمري هدراً؛ ضاعت بالمقياس الرسمي ولكنها ما ضاعت -والحمد لله- بمقياس الدين ومقياس العلم، بل لقد كانت سنوات خير وبركة، تركَت في قلبي ذخيرة من الإيمان أسأل الله أن يديمها لي وأن يزيدها وأن ينفعني بها في آخرتي، وتلقيت فيها من العلم ما لا أجد مثلَه في مناهج المدارس الرسمية، وقرأت من الكتب ما لا يقرأ مثلَه تلميذٌ في مثل سني يومئذٍ (وسأتحدث عن مطالعاتي وقراءاتي فيما يأتي من الفصول)، وإن كنت قد قرأت معها القصص التي كانت تسلية تلك الأيام: قصة عنتر، وقصة بني هلال، والملك سيف، والأميرة ذات الهمّة ... ورأيت فيها من أخبار الفروسية وأنباء البطولة ومن الأكاذيب والانحرافات ما لا مزيد عليه. كنت في السلطانية الثانية، والشام من حولي في عرس، والناس في فرحة الوجدان بعد الحرمان والأمل بعد اليأس، نهتف للاستقلال ونملأ الجوّ بأناشيد الحماسة والفخر، نمشي -نحن تلاميذ المدارس- نهتف بالنشيد فتردّده معنا أفواه الباعة في الدكاكين والمارّة في الطرق. ثم كنت في الجقمقية في حِمى

стр. 112

الأموي وفي جوّه الروحيّ، نجلس في حلقاته ونستمع إلى علمائه، ونقوم في صفوف المصلّين، نركع مع الراكعين ونذكر مع الذاكرين. فجئت الآن إلى هذه المدرسة في لحف الجبل أمام جامع الشمسية، وقد مات الاستقلال ودُفن في ميسلون، وخُنقت الأناشيد في الأفواه، وأصاب الناسَ اكتئابٌ فكأنهم في مُصاب. وبعد أن كانت الشام مع لبنان والأردنّ ولاية من ولايات بني عثمان، ثم صارت جزءاً من المملكة العربية التي أرادها الحسين بن علي لمّا قام بثورته (أو بنهضته، فلست أدقّق الآن في الأسماء)، بعد هذا كله صارت الشام -لمّا دخلها غورو- أربعَ دول: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويين، ودولة الدروز! انهار البناء الضخم الذي أقمناه من أمانينا وآمالنا، وهوت الدولة العربية التي نفخنا فيها من أرواحنا وسقينا شجرتها من دمائنا، وهبطنا من ذروة الأمل الكبير إلى حضيض الواقع المرير. لم يبقَ شيءٌ من الدّنيا بأيدينا ... إلاّ بقيّةَ دمعٍ في مآقينا * * *

стр. 113

-١١ - فصل جديد في تاريخ الشام بدأ الآن فصل جديد في تاريخ الشام؛ فصل مِداده دموع ودماء، وصفحاته بطولة وفداء، فصل أوله هزيمة واستعمار وآخره استقلال وانتصار. وكان فصلاً غريباً عن تاريخ الشام، ما عرفَت مثله مذ شرّفها الله بالإسلام. لذلك أصابت الناسَ صدمةٌ فلم يصدّقوا أنّ حكامهم صاروا غرباء عن دينهم ودولتهم. حكّام أجانب لا لسانهم لساننا، ولا عاداتهم عاداتنا، ولا نحن منهم ولا هم منا. لم يصدّقوا أن الاستعمار (١) قد وصل إلى دمشق التي لم تعرف من قبل استعماراً أوربياً حتى في أيام الحروب الصليبية. لقد مدّ الله للصليبيين فكانت لباطلهم جولة، ثم كانت العاقبة للحق أظهره الله على يد البطل المسلم (التركي) نور الدين والبطل المسلم (الكردي) صلاح الدين، وسيأتي الله ببطل مسلم يُزيل باطل اليهود عن فلسطين ويُظهر عليهم المسلمين، إن رجعنا

стр. 114

إلى الله وعدنا إلى التمسك بالدين. أقول: لقد حكم الصليبيون السواحل وبعض مدن الداخل، ولكن الله حمى دمشق منهم، فلم تطأ ثراها جنودُهم ولا حكمها أمراؤهم. وما يسمّيه السفهاء منا «الاستعمار العثماني» لم يكُن استعماراً، لأن حكم المسلم (ولو كان تركياً) لبلد مسلم (ولو كان عربياً) لا يسمّى في شرعنا حكماً أجنبياً، والمسلم لا يكون أبداً أجنبياً في ديار الإسلام. ونحن ما كرهنا الاتحاديين لأنهم أتراك، بل لأنهم حادوا عن جادة الإسلام فأساؤوا للمسلمين جميعاً، من عرب وأتراك. لقد كانت الشام أيام الشريف كأنها في عرس، هذا ما كنا نراه نحن الصغار لأننا لا نعلم من الأمور إلاّ ظواهرها، وفي ليلة العرس تزدان الدار وتزداد فيها الأنوار وتُعلَّق المصابيح على كل جدار، وإذا نحن بتيار الكهرباء ينقطع فجأة فيعمّ الظلام. كنا كالحالم يرى أن قد أتيحت له اللَّذاذات وجُمِعت له أنواع المشتهَيات يأخذ منها ما يبتغي ويشاء، فصحا فجأة فلم يجد في يده إلا الهواء. لقد انتهت في الشام أيام الأعياد وبدأت ليالي الحداد. إن الرقيق المولود في قيد العبودية والناشئ فيها لا يأسى على فقدان الحرية لأنه ما عرفها ولا ذاق طعمها؛ إن الذي يأسى عليها إنْ فقَدها هو الحرّ الكريم، الذي عاش عليها ولم يألف غيرها. لذلك أبَتْ على الشاميين عزةُ نفوسهم أن يصدّقوا ما يرون وخيّلت لهم أنهم في منام، سرعان ما ينتهي الليل ويطلع النهار فيبدّد ضوؤه ظلامَ هذه الأحلام.

стр. 115

لم يصدّقوا أن كافراً جاء يحكم المسلمين. ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلاً إلاّ إن خالفوا عن أمر ربهم وتنكّبوا صراط شريعتهم، فيكون ذلك تنبيهاً لهم، فإذا عادوا إلى الطاعة والامتثال عادت إليهم الحرية والاستقلال. لقد استيقظت في نفوسهم عزّة الإيمان ومواريث الجهاد، فأبو أن يستكينوا وأن يذلّوا، ونُثرت فيها من أول يوم بزور (١) المقاومة والصدام، فكانت منها الثورة السورية، أروع الثورات بعد الحرب الأولى، وسيأتي إن شاء الله حديثها. وما أصاب البلادَ عامّة أصابني أنا مثله: وهل أنا إلاّ من غُزيّةَ إن غوَت ... غوَيتُ وإن تَرشُدْ غُزيّةُ أرشُدِ وإن كان الشاعر قد جانبه الصواب؛ فما يكون عذراً لك إنْ ضللتَ أن تحتجّ بضلال الناس. * * * لقد انتقلت من مدرسة إسلامية تقوم على باب الجامع الأموي مديرها المرشد الصالح الشيخ عيد السفرجلاني، إلى مدرسة حكومية في لحف الجبل مديرها رجل نصراني اسمه ميخائيل. أما دارنا فقد ارتفعت من حارة الديمجية إلى جادة عريضة في الصالحية، من بيت صغير ظهره للشمس في بلد شتاؤها ستة أشهر (وكذلك كانت أكثر المنازل الشامية) إلى دار واسعة تحيّيها

стр. 116

الشمس ساعة بزوغها من وراء الأفق الشرقي البعيد وتودّعها قبل أن تنزل من خلف الجبل فلا نحضر وداعها كما حضرنا استقبالها، وهذا من النعم لأن الاستقبال لذّة والوداع ألم. وهذه هي الدنيا: علوّ وانخفاض، وقوة وضعف، نهار مضيء بعده ليل مظلم، وشتاء باكٍ بالمطر بعده ربيع ضاحك بالزهر؛ لا يدوم على حال إلاّ الكبير المتعال، ثم تذهب الدنيا ويذهب هذا كله معها، ولا يبقى للإنسان إلاّ إحسانٌ قدّمه يرجو ثوابه أو عصيانٌ يخشى عقابه، إلاّ إذا مات على الإيمان وأدركَته نفحة من عفو الرحمان، واللهُ ﴿لا يغفِرُ أن يُشرَكَ بهِ ويغفِرُ ما دونَ ذلك لِمَنْ يشاءُ﴾. اللهمّ اجعلنا ممّن تشاء له المغفرة يا رب. * * * المدرسة التي انتقلت إليها هي «أنموذج المهاجرين» كما كانت تُسمّى، أو مدرسة طارق بن زياد كما تُسمّى الآن. ما تبدّل شيء فيها إلاّ أنهم زادوا في غرفها ووسّعوا مساحتها، وأنها (وهي في الجادة الثالثة) لم يكُن فوقها إلاّ جادتان فبلغت الجادات اليوم أكثر من عشر، بل لقد صعد الناس في الجبل وُفتحت الشوارع العِراض حتى بلغت الصخر، ثم التفّت من حوله حتى وصلت إلى الذروة، وكان فيها «قبة النصر» وكانت علم دمشق، فهُدمت أيام الحرب الثانية، وفي مكانها اليوم محطة الرائي (التلفزيون). وكانت الضباع في تلك الأيام تنزل في الشتاء حتى تجول بين البيوت فيخاف منها الناس، فلما صعد الناس خافت فهربت

стр. 117

منهم الضباع. وهذه الجادّات تعلو متوازية في الجبل، الأولى جادة ناظم باشا التي يمشي (أو كان يمشي) فيها الترام. وناظم باشا أحد الولاة العثمانيين المصلحين، هو الذي أنشأ حيّ المهاجرين لمّا صار والي دمشق سنة ١٣١٣هـ (وفي كتابي «دمشق» فصل بيّنت فيه تاريخ إنشائه)، وهو الذي جرّ مياه عين الفيجة (١) إلى دمشق وجعلها سبلاً في الطرق والحارات، وله مآثر كثيرة، وفي كتابي «قصص من الحياة» قصة عنه عنوانها «النهاية» (٢). وإن أنت قدمت دمشق في الليل ونظرت من بعيد إلى هذه الجادات (من الكِسوة (٣) إن كنت قادماً في البرّ أو من شرقيّ الغوطة إن كنت آتياً في الطيارة من الجو) رأيت أضواء هذه الجادات سلاسلَ من العقود تلمع في جيد قاسيون. منظرٌ ما رأيتُ مثله على كثرة ما سرت في البلاد ورأيت من المدن. ومهما أبصرتُ من جبال فما أظن أني رأيت أبهى ولا أجمل من قاسيون، إلاّ جبل أُحُد لمّا رأيته أوّل مرّة هفا إليه قلبي وذكرت بلدي. على أن أُحُداً أفضل وأشرف، فضّله قول رسول الله ﷺ : «أُحُدٌ جبلٌ يحبُّنا ونحبّه»، وشرّفته صلته بالرسول وبتاريخه، أمجد تاريخ بشري وأطهره وأسماه. * * *

стр. 118

وكان من معلّمي هذه المدرسة عالِم فاضل من تلاميذ الشيخ جمال الدين القاسمي كان أكبرهم سناً، وإن كان شيخُنا الشيخ محمد بهجة البيطار هو أكثرهم علماً وأجلّهم قدراً. هذا المدرّس العالِم هو الشيخ حامد التقيّ. وكان منهم معلّم آتاه الله بسطة في الجسم وهيبة في العين، وكان من الضباط في الجيش العثماني، اسمه عبد الحميد عبدربه. وأسرة «عبد ربّه» معروفة في حي الصالحية. وكان رسّاماً وخطّاطاً. ولقد نسيت أن أقول إنّ «حُسن الخطّ» كان من الموادّ المقرّرة في مناهج المدارس، وأوّل من علمنا الخطّ (في العهد العثماني) اثنان من شيوخ الخطّاطين في الشام: الشيخ حسين البغجاتي (وسيأتي ذكره عند الكلام على رحلاتنا الكشفية في الجبال الشامية) وموسى الشلبي، وهو خطّاط مجدّد (مودرن) ومن أقدم من اشتغل بالتصوير الشمسي (الفوتوغرافي) (١)، ثم الشيخ عيد السفرجلاني ﵏ جميعاً. والذي استفدناه من عبد الحميد بك (هكذا كان يُدعى) هو الرسم عن الطبيعة، وأنا أقدر للآن أن أصوّر مَن أراه أمامي بالقلم، ثم تركت ذلك لأنه لا يجوز. والطريقة فيه أن تمدّ يدك بالقلم وتغمض إحدى عينيك، وترسم أبعد ما بين طرفي الرأس (مثلاً)، من أعلاه وأسفله، وخطاً آخر لعرض الرأس. والتصوير الجانبي أسهل، فتأخذ بعد ما بين أرنبة الأنف والأذن، ثم تحدّد مكان الأنف والفم والعين، ثم تدع القياس وترسم بالخطوط

стр. 119

القليلة سمات الوجه المميَّزة إن كان فيه سمة مميّزة وأساريرَه وتجاعيده وتُبرِز الملامح العامّة، وتدع التفاصيل لأن المطلوب في هذا النوع من الرسم أن يعرف الناظر إلى الصورة أنها صورة فلان. ما لي تركت ذكرياتي وصرت مدرّس رسم؟ أستغفر الله فما أردت ذلك، ولا أُفتي بجوازه، ولكن أردت أن أقول إنّ دراستنا كانت أشمل وأكمل مما يدرس التلاميذ اليوم. وممّن كان عندنا في هذه المدرسة معلّم للخطّ هو أعظم خطّاط ظهر في هذا القرن، أقرّر هذا وأنا أعرف أكابر الخطاطين: سيد إبراهيم وحسني البابا ونجيب هواويني وغيرهم من مصر، ومكارم والبابا من لبنان، وأعرف بعض كبار خطاطي العراق، وأشهد أني ما رأيت مثل ممدوح. ولقد كان ممدوح الشريف أستاذاً عبقرياً في الخطّ، والذي تركه من آثاره شاهد عدل على ما أقول، ومن تلاميذه بدوي، الخطّاط العظيم، وليس مثله ولا يدانيه. ومنهم حلمي، حلمي حبّاب، وهو أخي من الرضاع. كان ممدوح يبري أقلام القصب لأربعين أو خمسين تلميذاً ويكتب لنا «المشق» لنخطّ مثله، (وكان مقرراً علينا تعلّم خطّ الرقعة، والثُّلُث، والفارسي، والديواني) ويصحّح ما كتبنا، كلّ ذلك في «الحصة» وهي أقلّ من ساعة. كانت حياتنا حياة جِد وعمل، ما كان فيها شيء مما يلهو به التلاميذ في هذه الأيام؛ ما كانت هذه المجلات المصورة التي لا يحصيها عدّ، ولا كانت في الدنيا كلها إذاعة ولا كان الرائي

стр. 120

(التلفزيون)، وما كان يظنّ أحد أنه سيكون، وكانت في دمشق -كما قلت- سينما واحدة للدعاية الحربية، هي التي كانت في موضع المجلس النيابي، ثم أُنشئت داران للسينما حقيرتان، «الزهرة» أمام بناية العابد ثم «النصر» في سوق الخيل، لا يدخلهما إلاّ سَفَلة الناس، وكانتا صامتتَين لأن السينما الناطقة لم تكُن قد عُرفت. فكان من أراد لهواً قرأ هذه القصص الشعبية التي أشرت إليها عند الكلام عن المدرسة الجقمقية، وكان أسوأ كتاب يُضرَب بسوئه المثل ولا يكاد يوصَل إليه هو كتاب «رجوع الشيخ إلى صباه»، وهو إن قيس ببعض القصص المترجَمة التي تُباع في كل مكان وبما فيها من وصف الفسوق والعصيان، إن قيس بها كان بالنسبة إليها «كتاب أخلاق». ولو حدّثتُكم عن الكتب التي قرأتها وأنا في تلك السن، وأنا تلميذ في السنة السادسة الابتدائية لما صدّقتم. وكنت أمضي يومي (إلاّ ساعات المدرسة) في الدار، لا أجد ما أشغل به نفسي وأملأ به فراغ حياتي إلاّ القراءة، فإذا أنا أكملت كتابة «وظائفي» ومطالعة درسي مددت يدي إلى المكتبة (وكانت لدينا مكتبة حافلة) فأسحب كتاباً فأفتحه فأنظر فيه، فإن لم أفهمه (أو فهمته لكن ما أسغته) أعدته إلى مكانه وقد رسخ في نفسي اسمه واسم مؤلفه، وإن أعجبني قرأته. وكان الذي أقرؤه يُنقَش في ذاكرتي نقشاً لا تمحوه الأيام. وحديث المطالعات سيأتي مفصلاً إن شاء الله. * * *

стр. 121

-١٢ - في امتحان الشهادة الابتدائية خطبتي الأولى وتهجّمي على الفرنسيين مرّت على دخول هذه المدرسة سنتان، وقد جاء الامتحان. والامتحان اليوم كتابي، يقعد التلاميذ على مقاعدهم، يُعطَون ساعة أو ساعتين ليفكروا ويتذكّروا ويكتبوا على مهل، إن عطشوا طلبوا فجاءهم الماء أو ما شاؤوا من حلو الشراب، وربما سُمح لهم أن يدخّنوا ... إي والله، الطلاب يدخّنون في الامتحان! عشنا حتى رأينا هذا بأعيننا، وقد صار مألوفاً (معروفاً) لا نملك أن ننكره فينكروا علينا إنكارنا. أما الامتحان الذي أحدّثكم عنه في هذه الحلقة (وعن أمثاله فيما يأتي من الحلقات) فقد كان شيئاً آخر. كانوا يأتون في كل مادة نمتحن فيها بأكبر أساتذتها في البلد، يصطفّون حول مكتب كبير ويوضع أمامه كرسي يقعد عليه التلميذ الصغير، ويمدّ كل منهم يده إلى أغرب المسائل التي حفظها وأصعبها، يستخرجها من رأسه فيلقيها على رأس هذا الولد المسكين، لا يريد منه أن يجيب عليها، فهو يعلم أنه لا يقدر على الجواب ولا يكلّفه به منهج رسمي ولا عرف سائد، ولكنْ ليُظهِر علمه لرفاقه وليريهم

стр. 122

سعة اطّلاعه وطول باعه! ويأتي الثاني بأشدّ منها صعوبة وأكثر غرابة، كأنه امتحان للأساتذة الفاحصين. يكون هذا في أول الامتحان، فإذا انتهوا من عرض عضلاتهم ألانوا وسهّلوا؛ لذلك كنا نتدافع الدخول في بداية الامتحان (١)، فإذا هانت شدّته ووَهَت حدّته تزاحمنا عليه وتسابقنا إليه. وكان هذا الامتحان بإشراف حاكم دولة دمشق الذي عيّنه الفرنسيون، وهو حقي بك العظم. وهو رجل كان يطالب بأن يحكم سوريا الفرنسيون من قَبْل ميسلون، وكان يعلن هذا بلسانه وقلمه ويقيم عليه أدلّة يراها هو صحيحة. ولما جاءت لجنة «كراين» الأميركية لتستفتي الناس عمّا يريدونه كان هو -خلافاً لرأي الجمهور الأكبر من السوريين- يطلب الانتداب الفرنسي، مثله في ذلك مثل نوري باشا السعيد مع الإنكليز في العراق. وقد تعجبون من اسم «دولة دمشق»، وحقّ لكم العجب؛ فقد أقام الفرنسيون في سوريا أربع دول لكل منها حاكم وفي كل منها حكومة: دولة دمشق، ودولة حلب، ودولة الدروز، ودولة العلويين. وقديماً قال الشاعر (٢): ممّا يزهّدني في أرضِ أندلسٍ ... ألقابُ مُعتضدٍ فيها ومُعتمدِ ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعِها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صَوْلةَ الأسدِ

стр. 123

دولة دمشق التي كانت على أيام الوليد بن عبد الملك تمتدّ من قلب فرنسا إلى آخر المشرق وإلى أطراف الصين، وكانت الكلمة تخرج من الدار الخضراء وراء جدار القبلة في الجامع الأموي، فتمضي شرقاً وتمضي غرباً لا يقف أمامها شيء ولا يردّها شيء، لا تلقى إلاّ الطاعة والامتثال في ثلث المعمور من هذه الكرة، في الأرض المسلمة التي تعيش «تحت راية القرآن»، كما عاشت معها يوماً تحت هذه الراية نصف أوربا يوم كان البحر الأبيض المتوسط بحيرة إسلامية وكنا بالإسلام سادة الدنيا ... هذه الدولة تقلّصَت أطرافها وتقطّعَت أوصالها، وتناكَرَ أهلها وتباعدوا فتضاءلت وتضاءلت حتى صارت «دولة دمشق»! وهذه سنّة المستعمرين في كل زمان ومكان؛ عملهم قطع رابطة الإيمان بين المسلمين وربطه بروابط الجاهلية، قانونهم «فرِّقْ تَسُدْ» وعملهم كسر الحزمة عوداً عوداً لمّا عجزوا عن كسرها جملة. ولكن لا تخافوا؛ فالذي عقَدته يد الله لا تحلّه يد بشر، وقانون ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾ لا ينسخه قانون «الوطنية» ولا «القومية» ولا الروابط الحزبية والعقائدية (١) البشرية، ولا تميّعه وتضيّعه الدعوة «الأُممية» و «الإنسانية»؛ فالإسلام حقٌّ بين باطلَين: بين القومية وبين الأممية. * * *

стр. 124

لقد كان التلاميذ يفزعون من هذا الامتحان ويخشونه، ولكني كنت أترقبه متشوقاً إليه وما خفت منه في يوم من الأيام. هل تدرون أن فينا، في أعماق نفس كلّ منا، خبايا وخفايا لا يعرفها صاحبها؟ أنا الآن، بعد هذا العمر وهذه الشيبة، لا أستطيع أن أزور أحداً من أصدقائي إن لم يكن معي رفيق، أما الذي لا تجمعني به صداقة وأُلفة تزول معها الكلفة فلا أقدر أن أزوره أبداً. لذلك أبتعدُ عن مجالس الأمراء والوزراء ولو كنت أشعر بالتقدير لهم أو الشكر والعرفان. ومن أصعب الأمور عليّ أن يزورني مَن أحتشمُه ومَن ليس بيني وبينه خلطة. ولقد اقترح من أيام أخٌ لا أعرفه في مقالة كتبها في جريدة «المدينة» أن يقيم لي أهلُ مكة حفلة تكريمية. لم يدرِ (جزاه الله على حسن مقصده خيراً)، لم يدرِ أن الذي اقترحه أعتبره تعذيباً وأفتدي نفسي منه بمرتّب نصف شهر، صدّقوني، ولطالما هربت من أمثاله. وأنا أعلم أن هربي مخالف للآداب الاجتماعية ولأعراف الناس، وأني أفتح على نفسي باب الظن بأني قليل الوفاء وأني لا أقدّر المعروف ولا أشكر عليه، أو أني مُستَعْلٍ متكبّر أو أنني جافٍ جافّ، وما بي والله شيء من ذلك ولكنه ما ذكرتُ. على أني إذا صرت داخل المجلس وجدت عندي من الأخبار والقصص والنوادر ما يسلّي الحاضرين ويسرّهم ويُفيدهم، ولكن الصعوبة في دخول المجلس. فكيف كنت إذن لا أفزع من الامتحان ولا أتهيب لقاء الجماعات من وراء المنبر؟ وكيف أخطب في مئة ألف بلا استعداد فأرى ذلك أهون عليّ من حضور مجلس نفر من الناس؟

стр. 125

كيف؟ الجواب فيه نصف العلم، ونصف العلم «لا أدري»! كان هذا امتحان الشهادة الابتدائية، لم يكُن يُجمَع له التلاميذ بل كانت اللجنة تدور عليهم في مدارسهم. وكان لحضورها رجّة وضجّة، وكانت تسبقه الاستعدادات وتُعَدّ الاستقبالات، لأنها تجمع كبار رجال «المعارف» وأساتذة المدارس، برياسة الرئيس الأعلى للحكومة المحلية وهو دولة الحاكم! وهذه شهادتي الرسمية لا تزال عندي، درجاتي فيها كلها عشر من عشر إلاّ السلوك والأخلاق، فقد كانت تسعاً من عشر؛ أي أنني بلا أخلاق، أو كما كانوا يقولون لنا أيام الحكم العثماني «أدب سِزْ». ولكن إن عرفتم سببها أدركتم أنها لم تكن وصمة عار بل وسام فخار. السبب أن فرنسا عزلت الجنرال غورو وعينت مكانه الجنرال ويغان (الذي صار -من بعدُ- القائد العامّ لجيوش الحلفاء في الحرب العالمية الثانية)، وأمرت الحكومة بأن تخرج المدارس كلها بمعلّميها وتلاميذها لاستقباله. ولست أذكر الآن من هو المعلم الذي سنّ لنا سنّة حسنة هي أن يخصَّص يوم في الأسبوع للخطابة، يجتمع كلّ مَن في المدرسة، ويقوم أحد المعلمين على هذا السلّم الذي ترونه في الصورة (١) (والذي بلغني أنه هُدم الآن وأقيمت للمدرسة عمارة ضخمة) يقوم فيخطب، ثم يتبعه أحد التلاميذ فيلقي كلمة ارتجالية. وكان دوري في الكلام يوم أُعلِنَ أمر الحكومة بوجوب

стр. 126

خروجنا لاستقبال المفوَّض السامي الجديد. المفوَّض السامي كانت له سلطة حكومة سوريا ولبنان معاً ومجلسَيهما النيابيَّين والإشراف على قضائهما، أي أن سلطانه أضخم من سلطان رئيسَي الجمهوريتين وحكومتيهما. أتدرون ما الذي كان؟ أنا أرويه بلا تزيّد ولا مبالغة، أرويه وأنا أعجب والله منه. الذي كان أني ألقيت خطبة حماسية بصوت سمعه كل من في المدرسة، وسمعه جيرانها ومَن كان في المسجد أمامها، قلت فيه بأن الفرنسيين أعداء ديننا ووطننا وأنه لا يجوز أن نخرج لاستقبال زعيمهم. ولست أذكر الآن ما قلت، وما كانت خطبة بليغة الأسلوب رائعة البيان، ولعله كان فيها أخطاء وكان فيها لحن؛ فقد كانت أول خطبة لي وكنت في الرابعة عشرة من عمري، في السنة السادسة الابتدائية، ولكنْ يظهر من آثارها أنها كانت خارجة من القلب وكانت ممتزجة بالصدق، لأن التلاميذ جميعاً ولأن نصف المعلمين رفضوا حضور الاستقبال. وقد كانت العقوبات في المدرسة هي التنبيه فالتوبيخ، فالتكدير العلني فالطرد المؤقت من المدرسة، فالطرد الدائم. فعوقبت بالتكدير وكَسْر علامة الأخلاق والسلوك. وكانت هذه هي الخطوة الأولى التي صعدت بها المنابر حتى لانت لي درجاتها وألِفَتني أعوادها، وصرت (ولا فخر) أُعَدّ إن عُدّ روّادها. * * *

стр. 127

لا، لم يمتنع التلاميذ وبعض المعلمين من استقبال الجنرال تأثراً بخطبتي، بل لأن النفوس كانت كالقنبلة المحشوّة بالبارود لا ينقصها إلاّ أن تسحب منها مسمار الأمان. كانت الأمّة كجبل البركان، إذا كان خامداً وطئتَ صخره بالنعال وقرعتَه بالمطارق، فتحسبه -إذ لم يتحرك- أنه قد مات، وإذا به ينفجر فيذيب الصخر ويُلهب الأرض، وتَخرج منه النار التي تدمر كل شيء بإذن ربها. من الذي دفعني لإلقاء هذه الخطبة وأنا لا أخالط أحداً ولا أعرف إلاّ بيتي ومدرستي والطريق بينهما، حتى إنني لم أعلم إلاّ بعد ذلك التاريخ بسنين طوال بالثورة (الرائدة) التي قام بها إبراهيم هنانو في الشمال ولا بثورة صالح العلي؟ لا، لم يحرّكني أحد ولم يوجّهني أحد إلا مشاعر الحرية والإباء التي كانت تملأ كل نفس في الشام، بل هي عزّة المؤمن، مهما خبت نارها فإن جذوتها باقية، إذا هبّت عليها ريح الإيمان توقّدَت وعلا لهيبها. كنت أمشي مرة (في تلك الأيام) في حيّ العِمارة قرب الأموي، وكان الناس لم يفيقوا بعدُ من صدمة الهزيمة في ميسلون ولم يألفوا منظر جنود الفرنسيين يطؤون بنعالهم مدينة معاوية وعبد الملك وصلاح الدين، فكانوا في شبه رعب منهم. وكان جنود الفرنسيين لا يمشون إلاّ جماعات، فمرّت امرأة مسلمة محجَّبة بالملاءة فتعرضوا لها ووقفوا في طريقها، فجعلَت تتلفّت مذعورة تستغيث والناس ينظرون إليها وإلى الجنود المسلّحين، وإذا ببيّاع كبير السن قد اعترته حالٌ كأنها الصدمة الكهربائية، فوقف ينادي بصوت تحسّ منه لذع النار وفورة الدم: ويلكم! أما عاد فينا دين ولا شرف؟ ثم يأخذ العصا التي يفتح بها غلق

стр. 128

الدكان ويقفز (وكأني أرى مشهده الآن) ويهجم بها على الجنود المسلّحين، وتستيقظ القوّة المدّخَرة في أعصاب الناس فيهجمون معه، يهجمون بأيديهم فينزعون من الجند سلاحهم وينقذون المرأة. ويرطن الجنود مستخْذين متوسّلين يشيرون بالتوبة، فيدَعهم الناس ينصرفون. وكانت هذه كلها إرهاصات الثورة الكبرى، وكانت إحدى الدلائل على أن هذه الأمة، أمة محمد، قد تُغلَب على أمرها حيناً ولكنها لا تذلّ أبداً. * * * ولا أحب أن أودّع هذه المدرسة قبل أن أشير إلى ثلاث حوادث، حوادث تنبّه المدرّسين إلى أن التلاميذ الصغار يراقبونهم ويسجّلون حسناتهم وسيئاتهم. الأولى: أن معلم الخطّ (ممدوح) كتب لكل واحد بقلم الرصاص السطورَ الثلاثة التي سنُمتحن فيها، سطر الفارسي وسطر الثلُث وسطر الرقعة. ودعا كبار الخطّاطين (ومنهم نجيب هواويني) وكلّفَنا أن نمشي بأقلامنا على خط الرصاص كأننا نحن الذين نكتب الحروف. وقد نلنا الدرجات العالية وإعجابَ المدعوّين، ولكني أحسّ إلى الآن بالخجل من مشاركتي في هذا الغش وأشعر بأن المعلم صَغُرَ في عيني. والثانية: أني تكلمت عن النصارى، فدعاني المدير النصراني وكان عنده المعلم ممدوح، فقال لي: ألم تسمع قول الله: ﴿ولَتَجِدَنَّ أقْرَبَهُم مَوَدّةً للّذينَ آمَنوا الذينَ قالوا إنّا نَصَارى﴾؟

стр. 129

فقلت له: أكمل الآية. فحقدها عليّ. والثالثة: أنه كان في المدرسة لوحة شرف فيها أسماء مَن تخرج فيها وعند صورة كل منهم درجته وعلامة أخلاقه وسلوكه، وكان اسمي فيها وعلامة السلوك تسعاً من عشر، فلما عُيّنت معلماً في هذه المدرسة سنة ١٩٣٥ وجدتها عشراً من عشر، فقلت للمدير: أما كانت تسعاً؟ فقال: أعوذ بالله، أنت كنت مثال الخلق الكريم والسلوك القويم. فتبسمتُ وازداد هبوطاً في نظري. * * *

стр. 130

-١٣ - في ثانوية مكتب عنبر ومرحلة خصبة في حياتي حياتي كحياة كل إنسان: طريق طويل فيه مراحل، مرحلة تمشي فيها في سهل منبسط كل ما فيه مكشوف ظاهر، ليس فيه مجهول تتشوق إلى معرفته ولا غامض مَخوف تخشى من لقائه، تمشي فيه أياماً فكأنك ما مشيت إلاّ ساعة لأنه متشابه المناظر بعيد عن المخاطر. ومرحلة تمشي فيها بين الجبال، تعلو حتى تبلغ الذروة ثم تهبط حتى تصل إلى الحضيض، كلما دار بك الوادي تبدّلَت من حولك المشاهد، فربما رأيت الروضة المونقة والنبع الصافي، جنة ذات خمائل وعيون تجري من تحتها السواقي والأنهار، وربما اعترضتك عقبة أو سلكتَ قَفرة موحشة، ما تحتك إلاّ الجنادل والحجارة وما حولك إلاّ جلاميد الصخر، تشتهي قطعة من ظلّ يقيك لذع الشمس أو كأساً من ماء يطفئ منك أُوار العطش فلا تجد. وربما فُتحَت تحت رجليك حفرة أو طلع عليك وحش مخيف أو ذئب كاسر أو مجرم قاطع طريق. الأول مثال من يعيش في البلد الآمن في العصر الهادئ،

стр. 131

السنة عنده كأنها يوم؛ يكون ابن خمسين وكأنه -مِن تشابه أيامه- ما عاش إلاّ عشر سنين، مطمئنّ النفس ولكنه هامد الحسّ خامد الشعور. والثاني مثال من يعيش في عهود الانتقال في ظل الأحداث الكبار، اليوم عنده -من تبدّل الأحوال- كأنه سنة، يكون ابن خمس عشرة سنة (وقد ناهزتُها أنا في الأيام التي أتكلم عنها) وكأنه -من كثرة مارأى وما شاهد- ابن أربعين سنة، مستوفِز الحسّ مشدود العصب، كله عيون مفتوحة وذهن حاضر. وقد تجوز في هذا الطريق الطويل بسوق تتزود منها الزاد لسفرك كله، أو تجد مِن أهلها مَن يهديك ويرشدك في مسيرك، عالماً ناصحاً يقوّم اعوجاجك ويحسن توجيهك، أو تجد جاهلاً أو غشّاشاً يصرفك عن الطريق المستقيم ويَعدل بك عن الجادّة الموصلة، فيُضلك بدلاً من أن يهديك. وهذا هو مثال المدرّس الصالح المصلح والمدرّس الفاسد المفسد. ولقد وصلت الآن إلى المرحلة التي كان لها أعمق الأثر في نفسي وفي فكري وفي سلوكي، مرحلة «مكتب عنبر»؛ أحفل مرحلة بالأحداث الخاصّة في حياتي والأحداث العامّة في حياة بلدي، فيها لقيت أساتذة وقرأت كتباً كان لهم ولها أثر في دنياي وفي آخرتي، وفيها كان أكبر منعطف في طريق عمري وهو موت أبي، وفيها واجهت الحياة وأنا لم أستعدّ لمواجهتها وخضت معركتها وأنا لم أتسلح لخوضها، فعملت معلّماً واشتغلت أجيراً وحاولت أن أكون تاجراً، ثم تداركتني رحمة الله فعدت إلى ما خُلقت له، وهو العلم والأدب. وفيها كانت «نهضة المشايخ»، وفيها كانت «الثورة السورية»، وفيها ابتدأ النضال للاستقلال،

стр. 132

وفي آخرها صرت من قادة الشباب في هذا النضال وصرت أكتب وأخطب وغدا اسمي معروفاً في البلد. هذا هو «الموجَز» كما يقول المذيعون، وهاكم تفصيلَ هذه الأخبار. * * * مواقف كثيرة مما حدّثتكم عنه في هذه الذكريات كنت قد كتبت فيها مقالات مفصّلة، أشرت إليها ولم أنقل شيئاً منها لأنها منشورة، وما أريد أن أعيد على القرّاء كلاماً سبق أن حدّثت به، بل أريد أن أسوق إليهم كلاماً جديداً ليأتي الحديث مؤتلفاً متّسقاً. ولكني أستأذنهم اليوم فأسرق فقرات من مقدمة كتاب «مكتب عنبر» الذي ألّفه الأستاذ ظافر القاسمي (١)؛ ذلك لأن كاتب المقدّمة يحمل اسماً مثل اسمي وأراه دائماً معي كلما وضعت المرآة أمامي، وقد علمت أنه يسمح لي أن أسرق من مقدمته! ولأن الكتاب لم يُنشَر إلاّ في مدى ضيّق؛ وذلك أن الأستاذ ظافر القاسمي ابن شيخ الشام الشيخ جمال القاسمي ترك مطابع الشام (وفي الشام مطابع قديمة وعظيمة) ومطابعَ مصر (وهي أقدم وأعظم) واختار «المطبعة الكاثوليكية» في بيروت، فأخرجت الكتاب إخراجاً بلغ في فنّ الطباعة الغاية، ولكن من تحت! حتى

стр. 133

إنني لم أرَ (وقد رأيت آلافاً من الكتب) غلافَ كتاب هو أقبح شكلاً وأبعد عن الذوق من غلاف «مكتب عنبر» الذي أخرجَته المطبعة الكاثوليكية في بيروت ... ومع ذلك فقد ترك مطابع الشام ومطابع مصر واختارها! أقول: إن «مكتب عنبر» كان الثانوية المركزية في سوريا، كان مدرسة وهو في الحقيقة أكبر من مدرسة، كان منبع الوطنية، كان منار العلم، عاش من أواخر القرن الذي مضى إلى أوائل الحرب الثانية وهو يضمّ جمهرة المتعلمين في الشام، فكان يمرّ عليه كل واحد منهم، يدخل إليه ثم يخرج منه فيعلو في مدارج الحياة أو يغوص في أوحالها، حتى ما تكاد تجد كبيراً في دمشق ولا ذا منصب ولا نابغاً في علم أو فنّ إلاّ وقد جاز يوماً بمكتب عنبر. كان من تلاميذه رجالٌ لو عاشوا إلى الآن لكان عمر أصغرهم مئة سنة، أولئك الذين ندعوهم رجال الرعيل الأول. وتسلسلَت القوافل من بعدهم تجوز كلها بهذه الواحة الظليلة، تستمتع بزهرها وتجتني من ثمرها قبل أن توغل في صحراء الحياة. فإذا أردتم أن تنشقوا الآن رَيّاها وتتعلّلوا -بعد فقدها- بذكراها ففتّشوا كل مَن تلقونه من روادها، علّ معه نفحة من وردها أو لمحة من عهدها. سائلوهم جميعاً عن «مكتب عنبر»، فإن لدى كل واحد منهم طرفاً من حديثه وفصلاً من تاريخه، فأمسكوا بأطراف الأحاديث تجِئ في أيديكم فصول الكتاب. وهيهات هيهات، بعدما فات منها ما فات ومات منهم من مات!

стр. 134

قد ذهب من رفاقي أنا (دَعْ عنك قوافل مرّت من قبلنا) مَن لا أستطيع الآن حصر أسمائهم. لقد أراد أستاذ أساتذتنا محمد كرد علي أن يشجّع طائفة من شعراء الطلاب من زملائنا، فاختار سنة ١٩٢٥ أنور العطار وجميل سلطان وزكي المحاسني وعبد الكريم الكرمي (وهو أبوسلمى)، وأقام لهم حفلاً في المَجْمع العلمي بحضور أساتذتنا سليم الجندي وعبد القادر المبارك والداودي والقوّاس والبزم، وألقى الطلاب الأربعة قصائد جِياداً لو نَشَرَ مثلَها الآن مَن يُعَدّ من كبار الشعراء لاستُحسنَت منه، ولا أزال أحفظ مطلع قصيدة أنور وكان عنوانها «الشاعر»: خَلِّياهُ يَنُحْ على عَذَباتِهْ ... ويَصُغْ من دُموعِهِ آياتِهْ أين هؤلاء الطلاب الشعراء؟ وأين مَن شجّعهم؟ وأين مَن حضر الاحتفال بهم؟ لقد ذهبوا جميعاً. ذهب أساتذتنا كلهم وذهب الكثير من إخواننا الذي كانوا يقرؤون عليهم، ﵏ ورحمنا معهم وختم لنا بالحسنى. * * * لقد عشت في هذا المكتب ستّ سنين كانت أحفل سِني حياتي بالعواطف وأغناها بالذكريات، وكانت لنفسي كأيام البناء في تاريخ الدار، لو عاشت الدار بعدها ألف سنة لكانت كلها تَبَعاً لهذه الأيام التي يُرسَم فيها المخطَّط وتُحدّد الغرف ويُرسى الأساس. فكيف أُدخِل ستّ سنين بطولها وعرضها في عشر دقائق (هي مدّة قراءة هذا الفصل)؟ كيف أجمع البحر في كأس وأحصر

стр. 135

الدنيا في صندوق؟ لقد عشت فيه من الصف السابع إلى الثاني عشر، ما تأخرت ولا رسبتُ، ولكنها لم تكُن ست سنين إلاّ بحساب التقويم المعلّق على الجدار، وهل يُقاس عمر الإنسان بالأشهر والأعوام؟ إن ليلة الصيف تمتدّ في تقدير عقارب الساعة عشرَ ساعات، سواء في ذلك ليل العاشق الناعم بالوصال وليل السجين المكبّل بالأغلال، مع أن ليلة الوصال في الحقيقة لحظة ولحظة العذاب دهر طويل؛ أليست هذه هي نظرية النسبية؟ لقد سرقها آينشتاين من ابن زيدون حين قال: إنْ يَطُلْ بَعدَكِ ليلي فلَكم ... بِتُّ أشكو قِصَرَ الليلِ معكْ ستّ سنين، ولكن كانت هي العمر. كان مكتب عنبر في دمشق القديمة، في محلة تُسمّى «الخراب» في السوق الطويل الذي يصل باب الجابية (الذي طالما ذُكر في تاريخ الفتوح) بالباب الشرقي الذي دخل منه خالد بن الوليد أعظم قُوّاد التاريخ القديم يوم الفتح: فتح دمشق. وقد ورد في الأثر بأن عيسى ﵇ ينزل في آخر الزمان عند المنارة البيضاء، عند هذا الباب. وهذا السوق هو الشارع المستقيم المذكور في التوراة، أما اسم «الخراب» فلأن تيمور لنك قد خرّب هذا الحيّ مع ما خرّب من دمشق، وكثيراً ما رأيت الناس يحفرون في الأرض فيظهر بلاط الدار التي هُدمت، وتبدو البركة التي كانت فيها على عمق عشرة أذرع.

стр. 136

ولو أن حفريات أُجريت في هذه البقعة من دمشق لظهرت أربع مدن أو خمس، بعضها مبنيّ على أنقاض بعض. وقد رأينا مثل ذلك في بابل، وفي «أور» مدينة سيدنا إبراهيم قرب الناصرية في العراق. ولمّا أرادوا إصلاح درَج الجامع الأموي من جهة الشرق ظهر تحته بناء، ولو أنهم تابعوا الحفر (ولا أشير بذلك ولا أحبّذه) لوجدوا تحت الجامع الأموي بناء آخر، كما وجدوا في الجامع الكبير في بيروت من نحو ثلاثين سنة. * * * كان مكتب عنبر هو الثانوية الوحيدة الكاملة في سوريا، حتى إن طلاب حلب إذا نالوا «البكالوريا الأولى» قدِموا دمشق فأتمّوا الدراسة فيه، ومن هؤلاء الأستاذ أسعد الكوراني (وكان قبلنا بسنة)، والشيخ مصطفى الزرقا (وكان بعدنا بسنة، وإن كان أكبر مني سناً)، وكان معنا رفاق من حمص وحماة وحوران، وكانت رابطة مكتب عنبر تشدهم جميعاً. وإنّ من المدارس ما يجعل بين طلابه صلة أقوى من صلة الزمالة؛ كالأزهر في مصر، ودار العلوم، وندوة العلماء في الهند. * * *

стр. 137

-١٤ - في مكتب عنبر أرأيت الماء الذي ينزل من الأنبوب قطرة قطرة؟ يملأ كأسك في ساعة. أما إن كان يخرج منه بقوة واندفاع فإن الكأس لا تمتلئ أبداً، لأن الماء ينبو عنها ويتطاير منها فلا يستقرّ منه شيء فيها. هذا مثالي لمّا قعدت أكتب عن المدرسة التجارية وحين أقعد الآن لأكتب عن مكتب عنبر. كانت ذكرياتي هناك قليلة فلم أجد منها ما يصلح لمقال، وهي اليوم كثيرة جداً لا أدري ما الذي أدعه منها وما الذي أختاره لهذا المقال. مكتب عنبر في دار شامية جميلة، في مدخلها رحبة فسيحة فيها شجرات كبار، حولها رواق تحته مقاعد، وكنا نلعب في وسط الرحبة أو نستريح على المقاعد من حولها. فإذا جُزْتها رأيت الدار في صدرها الإيوان قد ازّيَّنَت جدرانها بعبقري النقوش والألوان، قد قام من حول بركتها «الشمشير» وعرّشت على جدرانها دوالي العنب تبلغ السطح، والياسمين والملّيسا وأبهى وأعطر ما خلق الله من النبات، فتحسّ حين تدخلها أنها تضحك لك. لقد درت غرفها كلها وأبهاءها، لأن كل غرفة منها لطلاب

стр. 138

صفّ من الصفوف، فلي في كل غرفة منها ذكرى وفي كل زاوية قطعة من حياتي التي ذهبَت ولن تعود. فما الذي أستطيع أن أذكره الآن؟ وما أذكره كيف أقدر أن أُثبِته على الورق؟ إن أجمل آثار الكاتب أو الشاعر هي التي لم يكتبها. ومتى كانت الكلمات تسع العواطف والأفكار؟ بل متى كانت تسجّل كل مشاهد الكون، فضلاً عن مشاعر النفوس؟ أتقدر أن تسجّل ألوان الغروب حتى لا يفوت قارئ قصيدتك -أيها الشاعر- أو ناظر لوحتك -أيها الرسّام- شيء منها؟ كم قال الشعراء وكم كتب الكتّاب في الحب! فهل أحاطوا بمعاني الحب؟ هل أدركوا أسرار الجمال؟ هذه الكلمة المؤلَّفة من حرفين اثنين: الحاء التي تعبّر عن الحنان، والباء الساكنة التي ترى الفم وهو ينطق بها مجموع الشفتين كأنه متهيّئ لقبلة! هل تحيط كلمة «الحب» بكل أشكال الحب؟ الأم تحب ولدها، وهذا يحب من الشعراء البحتري، والثالث يحب من البلاد مكة، والرابع يحب ركوب البحر، والخامس يحب الفول المدمّس بالزيت لا بالسمن، وقيس يحب ليلى ... أفهذا كله «حب» واحد؟ وحب الله الذي هو جوهر الإيمان، أترونه يشبه ما ذكرت من أنواع الحب؟ والجمال؟ جمال الطبيعة، وجمال البلاغة، وجمال الشيخ الوقور، وجمال المرأة الحسناء، هل هو «جمال» واحد؟ ولو جئت بمئة جميلة لوجدت مئة جمال، كلٌّ له طعم وكلٌّ له لون وكلٌّ من نوع، وما عندنا لهذا كلّه إلاّ كلمة واحدة. لذلك نعمد

стр. 139

إلى الأوصاف فنقول: هذا جمال وديع وهذا وحشي وهذا ما لست أدري. إن لغات الأرض تعجز عن التعبير عن مشاعر النفوس، فكيف نريد منها أن تعبّر عن عالَم «ما وراء المادة»، عن «عالم الغيب»؟ عفوكم يا أيها القرّاء، لقد ذهبت مع خواطري وابتعدت. لقد ابتعدت كثيراً عن موضوعي. * * * سألني الإخوان عن «عنبر» هذا الذي سُمّيت باسمه هذه المدرسة العظيمة، التي كانت وحدها فصلاً كاملاً من تاريخ الشام الحديث. ما عنبر هذا؟ فضحكت، لأن عنبر لم يكُن عبقرياً ولا عظيماً، بل هو اسم الرجل الذي بنى هذه الدار. وهكذا ترون أن الشهرة وبقاء الاسم ليسا دليل عظمة الرجال. في جدّة حيّ من أفخم أحيائها الجديدة اسمه «حي عُنَيكش»، فاسألوا مَن عُنيكش الذي كرّمناه فسمّينا باسمه حياً كاملاً، والناس إن كرّموا عظيماً سمّوا به شارعاً واحداً؟ وباب إبراهيم من أشهر أبواب الحرم، ما سُمّي باسم سيدنا إبراهيم الخليل (كما ظن من أطلق اسمه على الشارع) بل باسم خيّاط كانت دكانه عند هذا الباب! وأميركا، ما سُمّيت باسم كريستوفر كولومبس الذي اكتشفها بل باسم بحّار اسمه أميركو فيسبوتشي، كان من أوائل من أبحر إليها بعد اكتشافها بخمس عشرة سنة!

стр. 140

أتسمّونها مصادفات؟ أم هي حظوظ؟ أم دليل على أن الشهرة ليست مقياس عظمة الرجال؟ * * * لمّا أرسل إليّ الأستاذ ظافر أصول كتابه «مكتب عنبر» لأكتب مقدمته كنت في الرياض، في أول سنة قدمت فيها المملكة (هذه القَدْمة الأخيرة سنة ١٣٨٣هـ). تركت محكمة النقض (وكنت مستشاراً فيها) وجئت. ولم أكُن أعرف أحداً ولا يكاد يعرفني أحد، فكنت من السأم والمَلال كمَن كان في ظلام السينما فطلع عليه الفِلم يعرض صور عالَم كان يوماً دنياه وكانت فيه حياته. لقد حرّكَت تلك الأصول سواكنَ نفسي وبعثَت لي أحداث أمسي، وهزّتْني هزاً حتى لقد أحسست كأنْ قد عادت لي مَواضي أيامي. وهل تعود الأيام الماضيات؟ لا، ما تعود، ولكنْ أنا الذي عاد إليها على جناحَين من ذكرى وخيال، لأدخلها مرة ثانية فأعيش فيها في حلم ممتع فنان. إن مدرّسي الإنشاء ومخبري الصحف ومذيعي الإذاعة لا يكادون يلقَون أحداً حتى يسألوه: ما هو شعورك؟ كلمة تُقال وتُردَّد، لا السائل يدري عمَّ يَسأل ولا المسؤول يدري بمَ يجيب؟ ولكني إن سُئلت عن شعوري وأنا أتحدث عن مكتب عنبر -بعدما فارقته من ثلاث وخمسين سنة- لقلت إنه كشعور البدوي العاشق، الذي طالما أنس بلقاء المحبوب على غفلة الرقيب في ظلال الخيمة المنفردة ساعة الأصيل، وعلى طرف الغدير الصافي

стр. 141

عند العشيّة، وعلى سفح التل القريب في ضوء القمر والليلُ يغلّف بسكونه همسات الغرام، ليالي المُنى ماثلات أمامه لمّا رأى حبيبه معه، واللذائذ كلها في يديه، وماضيه ومستقبله قد احتوتهما اللحظة الحاضرة فلم يعُد يذكر ما كان ولا يفكّر فيما يكون ... وكذلك يصنع الحبّ بالمحبّين. ثم يتفرق الشمل الجميع، وينأى الحبيب القريب، ولا يبقى من هذه الحياة إلاّ «الأطلال» المواثل في القَفرة الخالية، قد جفّ الغدير وهُدّت الخيام ورحل الأحبّة. ماذا يكون شعور هذا «البدوي العاشق» حين يجيئه من يحمل إليه رسالة من لَيلاه (ولكل محب ليلى) فيها وعد باللقاء وبشارة بالوصول؟ كذلك كان شعوري. غير أن البدوي يأمل أن يرجع إليه الحبيب وتعود أمسيات اللقاء، وأنا أعيش بلا أمل ولا رجاء. وهل يعود لي أمسي الذي مضى وشبابي الذي ولّى، ورفاق الصبا وإخوان الصفا، حيث كنا نعيش في دنيا لا تعرف الغش ولا الخداع ولا زيف الصداقات؟ تلك حياة الطفولة الطاهرة، فهل تعود؟ وليسَت عشيّاتُ الحِمى برواجعٍ ... عليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمَعا كان موعد دخولي مكتب عنبر -كما قلت لكم- هو سنة ١٩٢٠، ولكني لم أدخله إلاّ بعد ذلك بثلاث سنين. ما قصّرت عنه سني ولا عاقني عنه كسلي، ولكن طال إليه طريقي.

стр. 142

إني لأذكر من رفاقي فيه سعيد الأفغاني، وهو اليوم مرجع في قواعد اللغة العربية نحوها وصرفها، وإن كان أبوه على -صلاحه وتقواه- لا يحسن العربية. وما هذا عجباً؛ فإن سيبويه شيخ النحو ومؤلف «الكتاب» كان فارسياً (وإن كان كتابه معقوداً أكثره بلفظ رجل عبقري كان من أذكى أذكياء البشر هو الخليل)، وشيخ الفقه أبو حنيفة كان فارسياً، وشيخ الحديث البخاري، وشيخ الشعراء المولَّدين بشّار، وأقوام لا يحصيهم العدّ. ومن رفاقنا الشعراء: أنور العطار، وأبو سلمى، وزكي المحاسني، وجميل سلطان. وممّن كان سابقاً لنا سليم الزركلي، وممن جاء بعدنا أمجد الطرابلسي. ومن رفاقنا الأطباء: منير شورى، وبشير العظمة، ورشاد فرعون، ونصرة الشلق، وعبد الحليم العلمي وعبد الستار، الأول كان قبلنا بسنوات والثاني كان بعدنا بسنوات، ونجم الدين الجندي، وأحمد الأسود. ومن رفاقنا القضاة والفقهاء والمحامين: مصطفى الزرقا، وأسعد الكوراني، ومحمد الجيرودي، ورضا العظمة، وعبدالعظيم الباجقني. ومن رفاقنا في المدرسة أيضاً: محمود مهدي الإسطنبولي، وخالد بكداش، ومحمد المبارك ﵀ وكان بعدنا بثلاث سنوات، ومحمد كمال الخطيب، ومظهر العظمة ﵀، وبطل أبطال الرياضة محمود البحرة، وجمال الفرّا، ووجيه السمان، ونظيم الموصلي، وأحمد الفتيح، وأكثر هؤلاء وُلّي

стр. 143

منصب الوزارة، وأنور الشلاح. لا، لا أستطيع أن أعدّ الآن أكثر مما عددت، وإن كانت أسماؤهم في ذاكرتي وذكرياتهم في نفسي، ولكن الذكريات تتبع قانون «تداعي الأفكار»، فالشيء تراه أو تسمعه يذكّرك بشبيهه أو بنقيضه أو بما يتصل به، وستأتي إن شاء الله خلال الحديث أسماء من لم أذكرهم الآن وأخبارهم، فلا يعتب عليّ من أغفلت اليوم اسمه أو يعتب ولده أو صديقه. أما أساتذتنا فالحديث عنهم في الحلقة التالية إن شاء الله، وسترون أنهم اختاروا لهذه المدرسة الواحدة لكل مادة كبارَ أساتذتها في البلد، فلما كثرت المدارس اليوم وازدادت هبطت درجتها وصار يدرّس فيها أصحابُ شهادات، وقد كان المدرّسون على عهدنا أصحاب علم صرفوا في تحصيله أعمارهم وأحيوا فيه لياليهم وأتعبوا فيه أبصارهم، وصار كل منهم هو المرجع في المادة التي يدرّسها. كانت المدارس كالبئر، ضيقة الفوّهة ولكنها عميقة القرار، فصارت كالبركة الضحلة، واسعة الرقعة لكنها قليلة العمق. * * *

стр. 144

-١٥ - أساتذتي في مكتب عنبر قعدت لأكتب هذا الفصل فجاءتني الجرائد التي يتفضّل أصحابها بإرسالها إليّ، وهي «المدينة» و «عكاظ» و «الرياض»، وقصاصات يبعث بها إليّ أخي ناجي من الجرائد التي لا تصل إليّ وهي «الشرق الأوسط» و «الجزيرة» و «الندوة». فوجدت في «الشرق الأوسط» المرافعات العظيمة التي ألقاها المحامون عن المتهمين بقتل السادات، ووجدت في «الندوة» مقالة جيدة جداً عن حرية إجارة العقارات وما تجرّه من متاعب ومشكلات. ووجدت أخبار المسلمين المعذَّبين في أفغانستان وفي فلسطين، ومسلمين آخرين أشد منهم ابتلاءً مع عدوّ أعظم خطراً وأشدّ كفراً، ولكن لا يسأل عنهم أحد ولا تمتد إليهم يدٌ بعون أو مدد. لما قرأت هذا فترَت عزيمتي وتعثّر القلم في يدي. أنا أقعد لأكتب ذكريات لا تهمّ أحداً والنار تشتعل في كثير من بلاد المسلمين، والوباء يسري والغمّ يعمّ؟ للناس قضايا يفكّرون فيها ويتحدثون عنها، وأنا أسرد ما وقع لي من قبل حين! لقد كنت إن ألَمّ بالمسلمين خطب أحمل سلاحي وأسرع إلى الميدان، فما لي صرت من القاعدين؟ لم يكُن سلاحي

стр. 145

الحسام والسنان وإنما كان القلم واللسان، والنضال بالمقال مثل القتال بالنصال والنبال. وفكرت أن أقطع سلسلة هذه الذكريات، ثم رأيت أنها لا تخلو إن شاء الله من نفع، وأنها ربما ذكّرَت ناسياً أو أوقدت من العزائم خابياً. ورأيت أن مثلي في سنّي وكبري لا يُطلَب منه مثل الذي يُطلَب من الشباب، وأن لكل موظف وعامل حقاً في التقاعد، فلماذا أُحرَم أنا هذا الحق؟ فهل ترون في هذا عذراً لي إن أضعت وقتكم، وملأت صحف مجلتكم بحديث ذكرياتي التي لا تهمّ أحداً منكم؟ أترونه عذراً أم أنا أعلّل النفس بالأوهام؟ ولو كانت ذكريات ملك أو أمير أو قائد كبير لغذّت التاريخ بإظهار الخفايا وكشف المخبّآت، ولكنها ذكريات واحد من الناس كل الذي عمله أنه قرأ وأقرأ، وأنه كتب وخطب، وما أكثر الكُتّاب والخطباء! إني لأخجل حين أشغل القرّاء بنفسي، لذلك أفرّ إلى وصف أحداث البلد وأخبار الناس. وهذا ما لامني عليه رئيس التحرير، لوّح باللوم ولمّح ولكنه ما صرّح ولا وضّح. أتكلم اليوم عن أساتذتي في مكتب عنبر. لقد كان أول درس حضرناه فيه للشيخ عبد الرحمن سلام البيروتي، فاستقبلَنا ﵀ بخطبة رنّانة أعلن فيها أنه غدا ذلك اليوم مدرساً للعربية حقاً، ذلك أن مَن كان قبلنا قد درسوا في العهد التركي فنشؤوا (إلاّ من عصم الله) على ضعف بالعربية، ومن كانوا معنا درس أكثرهم في العهد العربي فكانوا أقوى ملكة وأقوم لساناً.
следующие страницы →