← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

عند العشيّة، وعلى سفح التل القريب في ضوء القمر والليلُ يغلّف بسكونه همسات الغرام، ليالي المُنى ماثلات أمامه لمّا رأى حبيبه معه، واللذائذ كلها في يديه، وماضيه ومستقبله قد احتوتهما اللحظة الحاضرة فلم يعُد يذكر ما كان ولا يفكّر فيما يكون ... وكذلك يصنع الحبّ بالمحبّين. ثم يتفرق الشمل الجميع، وينأى الحبيب القريب، ولا يبقى من هذه الحياة إلاّ «الأطلال» المواثل في القَفرة الخالية، قد جفّ الغدير وهُدّت الخيام ورحل الأحبّة. ماذا يكون شعور هذا «البدوي العاشق» حين يجيئه من يحمل إليه رسالة من لَيلاه (ولكل محب ليلى) فيها وعد باللقاء وبشارة بالوصول؟ كذلك كان شعوري. غير أن البدوي يأمل أن يرجع إليه الحبيب وتعود أمسيات اللقاء، وأنا أعيش بلا أمل ولا رجاء. وهل يعود لي أمسي الذي مضى وشبابي الذي ولّى، ورفاق الصبا وإخوان الصفا، حيث كنا نعيش في دنيا لا تعرف الغش ولا الخداع ولا زيف الصداقات؟ تلك حياة الطفولة الطاهرة، فهل تعود؟ وليسَت عشيّاتُ الحِمى برواجعٍ ... عليكَ ولكنْ خلِّ عينيكَ تدمَعا كان موعد دخولي مكتب عنبر -كما قلت لكم- هو سنة ١٩٢٠، ولكني لم أدخله إلاّ بعد ذلك بثلاث سنين. ما قصّرت عنه سني ولا عاقني عنه كسلي، ولكن طال إليه طريقي.

стр. 142

إني لأذكر من رفاقي فيه سعيد الأفغاني، وهو اليوم مرجع في قواعد اللغة العربية نحوها وصرفها، وإن كان أبوه على -صلاحه وتقواه- لا يحسن العربية. وما هذا عجباً؛ فإن سيبويه شيخ النحو ومؤلف «الكتاب» كان فارسياً (وإن كان كتابه معقوداً أكثره بلفظ رجل عبقري كان من أذكى أذكياء البشر هو الخليل)، وشيخ الفقه أبو حنيفة كان فارسياً، وشيخ الحديث البخاري، وشيخ الشعراء المولَّدين بشّار، وأقوام لا يحصيهم العدّ. ومن رفاقنا الشعراء: أنور العطار، وأبو سلمى، وزكي المحاسني، وجميل سلطان. وممّن كان سابقاً لنا سليم الزركلي، وممن جاء بعدنا أمجد الطرابلسي. ومن رفاقنا الأطباء: منير شورى، وبشير العظمة، ورشاد فرعون، ونصرة الشلق، وعبد الحليم العلمي وعبد الستار، الأول كان قبلنا بسنوات والثاني كان بعدنا بسنوات، ونجم الدين الجندي، وأحمد الأسود. ومن رفاقنا القضاة والفقهاء والمحامين: مصطفى الزرقا، وأسعد الكوراني، ومحمد الجيرودي، ورضا العظمة، وعبدالعظيم الباجقني. ومن رفاقنا في المدرسة أيضاً: محمود مهدي الإسطنبولي، وخالد بكداش، ومحمد المبارك ﵀ وكان بعدنا بثلاث سنوات، ومحمد كمال الخطيب، ومظهر العظمة ﵀، وبطل أبطال الرياضة محمود البحرة، وجمال الفرّا، ووجيه السمان، ونظيم الموصلي، وأحمد الفتيح، وأكثر هؤلاء وُلّي

стр. 143

منصب الوزارة، وأنور الشلاح. لا، لا أستطيع أن أعدّ الآن أكثر مما عددت، وإن كانت أسماؤهم في ذاكرتي وذكرياتهم في نفسي، ولكن الذكريات تتبع قانون «تداعي الأفكار»، فالشيء تراه أو تسمعه يذكّرك بشبيهه أو بنقيضه أو بما يتصل به، وستأتي إن شاء الله خلال الحديث أسماء من لم أذكرهم الآن وأخبارهم، فلا يعتب عليّ من أغفلت اليوم اسمه أو يعتب ولده أو صديقه. أما أساتذتنا فالحديث عنهم في الحلقة التالية إن شاء الله، وسترون أنهم اختاروا لهذه المدرسة الواحدة لكل مادة كبارَ أساتذتها في البلد، فلما كثرت المدارس اليوم وازدادت هبطت درجتها وصار يدرّس فيها أصحابُ شهادات، وقد كان المدرّسون على عهدنا أصحاب علم صرفوا في تحصيله أعمارهم وأحيوا فيه لياليهم وأتعبوا فيه أبصارهم، وصار كل منهم هو المرجع في المادة التي يدرّسها. كانت المدارس كالبئر، ضيقة الفوّهة ولكنها عميقة القرار، فصارت كالبركة الضحلة، واسعة الرقعة لكنها قليلة العمق. * * *

стр. 144

-١٥ - أساتذتي في مكتب عنبر قعدت لأكتب هذا الفصل فجاءتني الجرائد التي يتفضّل أصحابها بإرسالها إليّ، وهي «المدينة» و «عكاظ» و «الرياض»، وقصاصات يبعث بها إليّ أخي ناجي من الجرائد التي لا تصل إليّ وهي «الشرق الأوسط» و «الجزيرة» و «الندوة». فوجدت في «الشرق الأوسط» المرافعات العظيمة التي ألقاها المحامون عن المتهمين بقتل السادات، ووجدت في «الندوة» مقالة جيدة جداً عن حرية إجارة العقارات وما تجرّه من متاعب ومشكلات. ووجدت أخبار المسلمين المعذَّبين في أفغانستان وفي فلسطين، ومسلمين آخرين أشد منهم ابتلاءً مع عدوّ أعظم خطراً وأشدّ كفراً، ولكن لا يسأل عنهم أحد ولا تمتد إليهم يدٌ بعون أو مدد. لما قرأت هذا فترَت عزيمتي وتعثّر القلم في يدي. أنا أقعد لأكتب ذكريات لا تهمّ أحداً والنار تشتعل في كثير من بلاد المسلمين، والوباء يسري والغمّ يعمّ؟ للناس قضايا يفكّرون فيها ويتحدثون عنها، وأنا أسرد ما وقع لي من قبل حين! لقد كنت إن ألَمّ بالمسلمين خطب أحمل سلاحي وأسرع إلى الميدان، فما لي صرت من القاعدين؟ لم يكُن سلاحي

стр. 145

الحسام والسنان وإنما كان القلم واللسان، والنضال بالمقال مثل القتال بالنصال والنبال. وفكرت أن أقطع سلسلة هذه الذكريات، ثم رأيت أنها لا تخلو إن شاء الله من نفع، وأنها ربما ذكّرَت ناسياً أو أوقدت من العزائم خابياً. ورأيت أن مثلي في سنّي وكبري لا يُطلَب منه مثل الذي يُطلَب من الشباب، وأن لكل موظف وعامل حقاً في التقاعد، فلماذا أُحرَم أنا هذا الحق؟ فهل ترون في هذا عذراً لي إن أضعت وقتكم، وملأت صحف مجلتكم بحديث ذكرياتي التي لا تهمّ أحداً منكم؟ أترونه عذراً أم أنا أعلّل النفس بالأوهام؟ ولو كانت ذكريات ملك أو أمير أو قائد كبير لغذّت التاريخ بإظهار الخفايا وكشف المخبّآت، ولكنها ذكريات واحد من الناس كل الذي عمله أنه قرأ وأقرأ، وأنه كتب وخطب، وما أكثر الكُتّاب والخطباء! إني لأخجل حين أشغل القرّاء بنفسي، لذلك أفرّ إلى وصف أحداث البلد وأخبار الناس. وهذا ما لامني عليه رئيس التحرير، لوّح باللوم ولمّح ولكنه ما صرّح ولا وضّح. أتكلم اليوم عن أساتذتي في مكتب عنبر. لقد كان أول درس حضرناه فيه للشيخ عبد الرحمن سلام البيروتي، فاستقبلَنا ﵀ بخطبة رنّانة أعلن فيها أنه غدا ذلك اليوم مدرساً للعربية حقاً، ذلك أن مَن كان قبلنا قد درسوا في العهد التركي فنشؤوا (إلاّ من عصم الله) على ضعف بالعربية، ومن كانوا معنا درس أكثرهم في العهد العربي فكانوا أقوى ملكة وأقوم لساناً.

стр. 146

رحمة الله على الشيخ سلام. لقد كان نادرة الدنيا في طلاقة اللسان وفي جلاء البيان، ولقد عرفت بعده لُسُن الأدباء ومصاقع الخطباء، فما عرفت لساناً أطلق ولا بياناً أجلى. ولست أنسى خطبته عندما أطلّ من شرفة النادي العربي قبل يوم ميسلون على بحر من الناس يموج موَجان البحر، قد ملأ ما بين محطة الحجاز والمستشفى العسكري (الخستة خانة) في بوابة الصالحية (١) وسراي الحكومة (٢) وحديقة الأمّة (المنشية)، وكبّر تكبيرة ردّدَتها معه هذه الحناجر كلها، وأحسَسْنا كأنْ قد ردّدتها معه الخمائلُ من الغوطة والأصلادُ من قاسيون، ثم صاح صيحته التي لا تزال ترنّ في أذني من وراء اثنتين وستين سنة (٣) حتى كأني أسمعه يصيح بها الآن: غورو، لن تدخلها إلاّ على هذه الأجساد. ولكن غورو دخلها! دخلها لمّا حسبنا أن الحرب تُكتسَب بالحماسة وبالخطب، ثم خرج قوم غورو لمّا عرفنا كيف تُكتسَب الحروب. غورو هذا وقف على قبر صلاح الدين الأيوبي الذي غلب أوربا كلها مرتين، مرة بسيف القتال ومرة بنبل الفعال، وقف يفاخر عظامه ميتاً وقد كان قومه يرتجفون من بأسه حياً، ولا يفاخر الأموات إلاّ الجبناء، يقول: يا صلاح الدين، لقد عدنا. حسب من غروره أنه ملك الشام إلى الأبد، كما يحسب هذا المغرور المأفون (بيغن) أنه ملك القدس إلى الأبد. فأين

стр. 147

مَن يذهب فيبحث عن حفرة غورو، فيقف عليها ليردّ عليه بالحق كلمته التي قالها بالباطل، ليقول له: كلا، بل لقد طُردتم! وليستعدّ من الآن من سيقوم غداً على حفرة بيغن ليقول له: أين غرورك وأين ادعاؤك؟ إن القدس قد رجعت على رغمك إلى أصحابها المسلمين. نعم، إنها سترجع إليهم إن رجعوا هم إلى دينهم، ولقد بدت بوادر الرجوع إلى الدين. لقد أقام الشيخ سلام معنا أشهراً، ثم عاد إلى بلده فعُيّن أميناً للفتوى في لبنان. وجاءنا من بعده الأستاذ سليم الجندي (١). ولما أصدرت أول كتاب لي سنة ١٩٣٠ (وهو «الهيثميات») أهديته إلى روح المنفلوطي سيد كُتّاب العصر، وإلى عَلَمَي العربية الجندي والمبارك. لقد ماتا وما أعرف تحت قبة الفلك أعلمَ منهما بالعربية وعلومها، ولقد كانا أشدّ المدرّسين تأثيراً في تكويني اللغوي والأدبي، رحمة الله عليهما وعلى أساتذتنا جميعاً. * * * أمّا المبارك فقد كان الإمام في اللغة والمرجع فيها، قيّد أوابدها وجمع شواردها وحفظ شواهدها. وكان أعلم العرب

стр. 148

بالعرب، عرف أيامهم (١) وروى أشعارهم، وكان المفرد العَلَم في بابته (٢). لا أعرف نظيراً له في العلماء، تحسّ إذ تجالسه وتسمع منه كأن الأصمعي وأبا عبيدة قد تمثّلا لك في جبّته، وكأن ما كنت تقرؤه من أخبار الرواة والحُفّاظ قد عاد لك حتى رأيتَه بالعيان. لقد كثر اليوم الأساتذة من حملة الشهادات وأصحاب الدكتورات، ولكن ذلك الطراز لم يعُد له وجود. أما درسه فما حضرت -على كثرة ما حضرت من الدروس- درساً أكثر منه حياة وأبقى في نفس سامعه أثراً. إن نغمته لا تزال إلى اليوم في أذني وكلماته في قلبي. كنّا ندخل الصف في مثل «العَراضة»: أصوات عالية متداخلة وضجيج صاخب مزعج، وكان المدرّسون يجدون مشقّة في إسكات المتكلمين وتهدئة الصاخبين. فإذا كان درس الشيخ المبارك رأى التلاميذُ البابَ قد انفرج مصراعاه وبدا من بينهما جبين عريض من فوقه خط أبيض، ثم ظهر وجه الشيخ وعمامته وجلجل صوته (الذي كان يُعرَف من بين أصوات البشر جميعاً بضخامته وجَهارته) بصدر بيت من الشعر، فيسكت الطلاب ليسمعوا، فيخطو الخطوة الثانية فيكون في الصف (أي الفصل) ويُتِمّ البيت، ويشرع بالدرس. والغريب أنه لم يكُن يدرّسنا العربية بل الفقه، يُقرِئُنا «مراقي

стр. 149

الفَلاَح شرح نور الإيضاح». هذا مثال من الكتب التي كنا نقرؤها في السنة التي تلي سنة الشهادة الابتدائية، وهو كتاب أحسب أنه لو قُرّر اليوم لطلبة الجامعة لشكَوا من صعوبته. ولم يكُن الشيخ يقتصر في درسه على الفقه، بل كان فيه مع الفقه تفسير وحديث وقواعد أصولية يسوقها بعبارات موجزة بليغة، يلقيها ويردّدها ويكتبها بخط الثلث على اللوح (السبورة) بعرض الحَوّارة (١). وكان يتخذ لكل شيء ضابطاً، جملة موجزة تجمع الأحكام وتسهل على اللسان ولا تذهب من الأذهان. ولطالما دلّنا على كتب قرأتها وانتفعت بها، وهي رأس مالي في العلم والأدب، ولولاه ما سمعت بها. ثم درّسنا «الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية» لقدري باشا، فكان يشرحه شرحاً عجيباً تجعل لكل حكم من أحكام الزواج والطلاق «قصّة» يؤلّفها كما يؤلّف الأديب قصصه، ويجعل لها قواعد تُحفَظ فلا تُنسى. مثالها: «لا يخلو زواج من عُقر أو عَقر»؛ أي لا بدّ من مهر في النكاح أو حد في السفاح. ثم درّسنا السيرة فجاء بشيء ما رأيت والله ولا سمعت بمثله، يصوّر الوقائع ويصف أمكنتها، ويشرح ما قيل فيها ويدلّ على مراجعها، فكأننا كنا فيها. وكنت أستوعبها استيعاب التربة العطشى ماء المطر، وكان يدلّنا على الكتاب فأسرع إلى قراءته

стр. 150

إن كان في مكتبتنا، أو إلى شرائه إن لم يكُن عندنا. ولقد سمّى لنا كتاب «الروض الأُنُف للسُّهَيلي» فشريته عند خروجي من المدرسة، وما بتّ حتى تصفحته وقرأت صفحات كثيرة منه. أما حفظه فقد صدّقت منه ما يُروى عن حماد الراوية وابن الأنباري والمعرّي. والشيخ من أصحاب النوادر، وأستطيع أن أسوق من نوادره وغرائبه ما يملأ صحفاً كثيرة. وقد كنا نقلّد لهجته ونحكي صوته، حتى صارت هي لهجتي في التدريس وأنا لا أدري. لمّا كنت أدرّس في بغداد أقيمت حفلة سمر في آخر سنة ١٩٣٦، فسأل الطلاب مدرّسيهم على عادة اعتادوها: هل يأذنون لهم أن يقلّدوهم؟ فكان منهم من أذن ومنهم من أبى، وكنت فيمن أذن، فقام طالب يقلّدني بزعمه ولكنه قلّد شيخنا المبارك. فقلت: ويحك، هذا شيخنا المبارك! وإذا بالطلاب يصيحون من الأركان الأربعة: بل هذا أنت، هذا أنت. وإذا أنا لطول ما حاكيت الشيخ قد صرت مثله، أعني مثله في لهجته ونغمته لا في علمه ولغته. أين أنا من علم الشيخ؟ واتصل حبلي بحبله إلى أن توفّاه الله، أزوره في داره ويتفضّل فيشرّفني بزيارتي في داري. وكان عليّ يوم تُوُفّي سنة ١٩٤٥ أن أُلقي كلمة التأبين، في مقبرة الباب الصغير التي دُفن فيها معاوية وجلّة من الصحابة، فرأيت في المقبرة أستاذنا محمد كرد علي متأثراً حزيناً، وما أعرفه إلاّ مرحاً مزّاحاً، ثم عرفت أنه كان سَنينَ (١) المبارك وأنه كان رفيقه

стр. 151

في الدراسة عند أبيه الشيخ محمد المبارك، فأمرني أن أوصله إلى داره فلم أخطب. وكان الشيخ المبارك هذا (وهو جزائري الأصل) أحد أفذاذ الأدباء في عصره، له نثر وله شعر وله آثار مروية تدلّ على فضله وملكته. أما أخوه الشيخ محمد الطيب فكان عالماً صوفياً، وقبره كان في أحلى مكان في دمشق، في طرف المزّة من جهة الربوة. ألا تعرفون ما الربوة؟ اقرؤوا وصفها في كتابي «دمشق». وقبر الشيخ محمد المبارك في مقبرة الصالحية، يشرف على دمشق والغوطتين. والشيخ الطيب كان تلميذ جدّنا الشيخ محمد الطنطاوي الذي قدم دمشق من مصر وتُوُفّي فيها سنة ١٣٠٦هـ، وقد ذهب معه بأمر الأمير عبد القادر الجزائري إلى قونية في الأناضول، وأحضرا منها نسخة «الفتوحات المكية» لمحيي الدينبن عربي، وهي النسخة التي قوبلت على نسخة مؤلفها وطُبعت المطبوعة عنها، وُضعت في مكتبة مجمع اللغة العربية في دمشق من عهد بعيد. رحم الله شيخنا المبارك ورحم أباه وعمه، ورحم ولده رفيقنا الأستاذ محمد الذي توفّاه الله من شهرين (١) ودُفن في البقيع. لقد صحبت الشيخ نحواً من ربع قرن، أزوره في داره وأذهب معه إلى مجالس أصحابه وألازمه أكثر مما لازمه أولاده: محمد ﵀، وقد كان معنا في المدرسة ولكنه كان بعدنا، وعدنان وهاني، وكانا تلميذيّ سنة ١٩٤٠، ومازن وقد كان

стр. 152

صغيراً عندما كنت أزور الشيخ وهو اليوم خليفته في أستاذيته، أما عبد الهادي فقد كان يومئذٍ أصغر من أن يدخل علينا مجلس أبيه، أو لعله لم يكُن وُلد. ذُمَّ المنازلَ بعدَ منزلةِ اللوى (١) ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيامِ سقى الله تلك الأيام! * * *

стр. 153

-١٦ - أساتذتي في مكتب عنبر أيضًا خبّروني، هل تحفظون من أخبار أساتذتكم مثل الذي أحفظ من أخبار أساتذتي هؤلاء الذين أحدّثكم حديثهم؟ هل يبقى من ذكرياتهم في نفوسكم بعد ثلاثين سنة من ابتعادكم عنهم كالذي بقي في نفسي من ذكريات أساتذتي التي أكتب اليوم عنها بعد ستين سنة من تاريخها؟ وإن هي بقيت في نفوسكم وحدّثتم بها، فهل تحملون لهم من الحب كالذي أحمل لأساتذتي؟ إني أحبهم، وإلا فلماذا أثني عليهم وأمدحهم؟ الشعراء كانوا يمدحون الملوك والأمراء وهم أحياء أملاً بالمكافأة والعطاء، فهل أطمع بعطيّة من أناس مضوا إلى رحمة ربهم؟ وما أنا بالشاعر وما صناعتي نسج التهاويل؛ ما أنا إلا مصوّر يتأبط آلته يطوف بها، يصّور مشاهد الحياة ومشاعر النفس، مصوّر (فوتوغرافي) مسكين ينقل صوره نقلاً، ولست المصّور المبدع الفنّان الذي يحمّل لوحاته ما لم يكُن ولا يكون. أنا إنسان يدبّ على أرض الواقع، على حين يضرب الشعراء أمواج الجوّ بأجنحة النسور.

стр. 154

فأين أنا من جِواء الشعراء (١) الذين يحسبون أنهم يتعالون عن واقع الحياة؟ (٢) إني أفكر فيما صرت إليه وما كنت في صغري فيه، فأرى الفضل لله أولاً وأخيراً، ولكن السبب فيه هؤلاء المدرّسون وأمثالهم (وإن قلّ أمثالهم) الذين قعدت بين أيديهم وأفدت منهم، في المدرسة مضطراً وفي حلقات المساجد مختاراً، أو قابلتهم في مسالك الحياة مصادفة، فكان لهم -لقوّة شخصياتهم، ونبل صفاتهم، وطهر قلوبهم- أعمق الأثر في فكري وفي عاطفتي وفي سلوكي وفي تكويني، لم أحسّ به في حينه ولكنْ عرفته بعد حين. وإذا كان كثير من المعلمين يعملون ليأخذوا الراتب، وكثير من الطلاب يقرؤون ليحملوا الشهادة، وكان في المدرّسين المهمل المسيّب وكان فيهم زائغ القلب فاسد العقيدة، فقد كان أكثر معلمينا يعلموننا ابتغاء ثواب الله وحباً بنشر العلم، وكنا (أو كان أكثرنا) نتعلم حباً بتحصيل العلم ورغبة في الأجر من الله. وكانوا كالآباء لنا، يهتمون بدنيانا وأخرانا. فهل تستكثرون عليّ أن أنضح بالدمع قبورَ رجال هم ملؤوا قلبي بالعاطفة التي ينبع منها الدمع؟ لقد بكيتهم يوم ماتوا بصوب

стр. 155

قلبي لا بماء عيني. فيا ربّ ارحمهم وارحم كل الذين علموني، وارحم أبي لأنه كان أبي وكان معلمي، واجزهم عني خير الجزاء. * * * كان أساتذتنا في مكتب عنبر أصنافاً. أما مدرّسو العربية فكانوا أئمتها في البلد وكانوا المرجع فيها: الشيخ عبد الرحمن سلام الخطيب الشاعر، والشيخ المبارك اللغوي الراوية، والشيخ سليم الجندي أستاذ اللغة والنحو والصرف والعروض. وقد سبق الكلام عن المبارك وسلام، وسأتكلم عن الجندي. والشيخ الداودي، ولم نقرأ عليه ولكن عرفنا من تلاميذه أنه كان يشرح الدرس على طريقة العلماء الأزهريين، في لطف ظاهر وخُلُق عظيم وقلب رقيق، وكان شيخاً كبير السن مريض الجسم، يستنفد الدرس قوته فيخرج من غرفة التدريس فيستلقي على الأريكة يستريح. وكان يأتي المدرسة على أتان (حمارة)، وكانت يومئذٍ للعلماء كالسيارة اليوم للأغنياء، فإذا دخل الباب تسابق الطلاب يعينونه على النزول عنها ويقبّلون يده ويمشون معه، وكان محبوباً ما رأيت له كارهاً. ولما تُوفّي سنة ١٩٢٦ نظم رفيقنا الشاعر أنور العطار قصيدة في رثائه ألقيتها أنا على قبره في كلمة تأبين لي. والأستاذ محمد البزم، الشاعر الفحل الذي كان يُعَدّ يومئذٍ أحد شعراء دمشق الأربعة، وهم: خير الدين الزركلي، الذي صار

стр. 156

بعدُ من أركان وزارة الخارجية السعودية، مؤلف الكتاب العظيم «الأعلام»، أحد الكتب العشرة التي يفاخر بها هذا القرنُ القرونَ السابقات، وكتاب «شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز» وكتب أخرى معروفة. وخليل مردم بك، رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، العالِم المؤلّف والد الصديق الشاعر عدنان مردم بك. وشفيق جبري، أول عميد لكلية الآداب في جامعة دمشق وركن وزارة المعارف قبل ذلك، مؤلّف كتاب المتنبي والجاحظ. والعجيب أن البزم لم يُعرَف في غير سوريا، وقد كان أمثاله (بل لقد كان تلاميذه) معروفين، ولما نشر في «الرسالة» في أوائل الثلاثينيات وضع الزيات في رأس مقالته «للأديب محمد البزم» مع أنه كان يكتب لي، وأنا بمثابة تلميذ البزم، «للأستاذ فلان». ولم نقرأ عليه. لقد قرأ عليه مَن جاء بعدنا من التلاميذ، وكان منهم أخي ناجي وأخي عبد الغني، فخبّرونا أنه كان مدرّساً نادر المثيل. كان فصيح اللهجة بيّن الأسلوب، تعرف ذلك من سلامه ومن كلامه، لا يتكلم إلاّ اللغة العربية البليغة. ولقد اتصل حبل المودّة بأخَرة بيني وبينه، وكنت قد جافيته أولاً؛ ذلك أنه كان يكتب في مجلة «الميزان» (١) كلمات يتناول

стр. 157

فيها الأدباء بالتجريح، لا يكاد يسلم من لسانه أحد. فكتب عن أستاذنا الجندي أنه "يهدم للمعري قصراً فخماً ليقيم من أنقاضه كوخاً حقيراً". فأخذَتني الحميّة لأستاذي وكتبت عن البزم: "إنه يعرف في النحو ما يجهله الناس ويجهل ما يعرفه الناس، وإن شعره جدار من الحجارة الصلد ولكنها مركومة ركماً ليس بينها ملاط"! فغاظه ذلك منّي وكفّ عن الجندي، مع أنه كان في خصام دائم مع الأدباء. نظم أرجوزة نحَلها الشيخَ المبارك وجعلها على لسانه، وسارت في الناس وأضحكتهم على الشيخ. ولقد سألت المبارك عنها فأبدى ألمه منها، ولكنه صرّح لي بأنه كان يتمنى أن يقدر على نظم مثلها! وهجا مرة الأستاذ شفيق جبري بقصيدة قافيتها على الزاي المضمومة: لَمزُ، وَخْزُ، طَنزُ عَجزُ ... فيها هذا البيت: ولو شئتُ سيّرتُ القوافي جَحافلاً وأوقرتُ أسماعاً وكانَ ليَ الفوزُ ونُشرت أيام الثورة، وكانت «البعثة» (أي دار مندوب المفوّض السامي الفرنسي) تراقب المطبوعات، وكان المراقب نصرانياً ضعيفاً في العربية فلم يفهمها وحار في رفع تقريره عنها، فسأل زميلاً له أعلم منه فقال له: إن الجحافل هي الجيوش. فكتب أن البزم يدعو لحشد الجيوش لحرب فرنسا! فقبضوا عليه وبيّتوه في السجن، فما أنقذته إلاّ شفاعة الجندي وجبري! ولعلّ سبب هجومه على الأدباء الأحياء وعلى أئمة النحو الأموات أنه نشأ بعيداً عن العلم والأدب ثم اشتغل بهما بعد أن

стр. 158

بلغ العشرين، فكان يحسّ في نفسه أنه دخيل عليهم غريب فيهم، فيريد تثبيت منزلته بالحط منهم والتعالي عليهم. ولا تعجبوا، فربما كان عنف الهجوم دليلاً على الشعور بالنقص في نفس المهاجم، وإسرائيل مثال ذلك، أعني إسرائيل الدولة الظالمة الغاصبة لا إسرائيل النبي الذي هو يعقوب ﵇. وما لحكّام دولة إسرائيل ويعقوب؟ ما لبيغن هذا وما لقومه وأرض فلسطين، وما له ببني إسرائيل صلة قرابة ولا نسب، ولا له في تراب الأرض المقدسة ذرّة من بقايا عظام أبٍ واحد، إنما هو من «الخَزَر» الذين تهوّدوا طلباً للدنيا من طريق التهوّد. أستغفر الله أن أقرن اسم محمد البزم الشاعر الفحل العربي المسلم باسم بيغن، ولكن جرّته القافية. ونسأل الله لنا وله العافية، ورحمة الله عليه، واللعنة على بيغن وكل معتدٍ ظلوم كفّار. لقد أصابت البزمَ في آخر عمره مجموعةُ أمراض ذهبت ببصره وأوهنت جسده القوي وألقته على الفراش أمداً طويلاً، ولكن الله ألهم الشيشكلي جزاه الله خيراً (وكان حاكم البلد) فأدخله المستشفى العسكري، وبقي فيه مخدوماً مرعياً حتى توفاه الله فقيراً، ما ترك إلاّ ديوانه الذي طُبع بعد موته (١). * * * أما مدرّسو العلوم (أي الطبيعة) والرياضيات والتاريخ

стр. 159

والجغرافيا، فكان أقلّهم من الأطباء وأكثرهم من الضباط العرب في الجيش العثماني. الأطباء الدكتور يحيى الشمّاع، وكان مدرّس الكيمياء، والدكتور جودة الكيّال، وكان يدرّس الفيزياء، وكنا نسميها «الحكمة الطبيعية» وننطقها بالتاء المبسوطة فنقول الحكمت والكيمياء. أما كلمة «فيزياء» فقد وضعها بعد ذلك الأستاذ عز الدين التنوخي (وسيأتي الكلام عنه)، وهو الذي وضع كلمة «البرمائية» منحوتة من البرية والمائية، وغيرهما. ولما كنا في الصف الثامن ذهب الشمّاع والكيّال إلى لوزان لاستكمال دراسة الطب، وكان معهما الدكتور حسني سبح، الرجل العالِم المحقّق، وهو اليوم رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق، وهو أقدم المجامع العربية. فلما عادوا حيّاهم الشيخ الداودي بقصيدة مطلعها: دَعْ ذكرَ ذاتِ الحَلْيِ والخَلخالِ ... والفاتناتِ -أَخا النُّهى- بالخالِ وجمَعَ أسماءهم في هذا البيت العجيب: يحيى بني الشمّاعِ حسني من بني ... سَبَحٍ وجَودةُ من بني الكيّالِ وكنا نسمع تلاميذ الداودي من الشعبة التي يدرّسها ينشدون القصيدة على نغمة «البردة»: أمِن تذكُّرِ جيرانٍ بذي سَلَمِ ... مزَجتَ دمعاً جرى من مُقلةٍ بدمِ

стр. 160

وهي نغمة معروفة في الشام، نعلّمها التلاميذ في درس العَروض ليضبطوا بها بحر البسيط. وأقول -بالمناسبة- إن الصديق الأستاذ أحمد عبيد نظم قصيدة أيضاً جاء فيها بيت كان أشعر وأسيَر من بيت الداودي، وهو: الطبُّ بحرٌ طما ... وفيهِ حُسني سَبَحْ أما الرياضيات فكان يدرّسها اثنان: جودة الهاشمي، وهو أشهر مدرّسي هذه المدرسة (وقد سُمّيت باسمه أكبر ثانوية في سوريا) وكان عالماً بالرياضيات، هضمها -كما يقولون- هضماً وقتلها فهماً، وأحسن فيها تعليماً وتفهيماً، وأعانه على ذلك سكوت التلاميذ في درسه واستماعهم لقوله، فأفاد واستفاد. وكنا نتوارث هيبته والخوف منه، يتواصى بذلك الطلاّب، الخلف منهم عن السلف. أما الثاني فهو مسلَّم عِناية، وهو عبقري من أفذاذ الرجال؛ كان من كبار الضباط أركان الحرب ومن أعلمهم بالفنون العسكرية، وكان أستاذاً في العلوم الطبيعية وفي الكيمياء خاصةً، يرجع إليه مدرّسوها في معضلات مسائلها، لا يكتمون ذلك عنا ولا يتحرّجون من ذكره أمامنا. وكان أستاذاً في «الطبوغرافيا» وأستاذاً في علم الموسيقى، وكان يُتقِن التركية وكان أديباً فيها، والفرنسيةَ وكان يدرّسها في مدرسة الشرطة، والألمانيةَ وكان يُحسِنها. ولكنه كان -على هذه المزايا كلها- بعيداً عن التوفيق في التدريس عاجزاً عن ضبط التلاميذ، له في الفوضى نوادر عجيبة.

стр. 161

لقد كان أكبر من أن يكون مدرّساً في مدرسة ثانوية، فعجز عن الهبوط إلى «مستوى» عقول التلاميذ ليفهمهم وعجزوا عن الصعود إليه ليفهموا منه، فبقي بينه وبينهم فراغ ملؤوه بالشغب والضجيج وإفساد الدرس. ﵀، فلقد عشت حتى بلغت هذه السن، وتنقلت في البلاد ولقيت العلماء والأدباء والأذكياء، فما صادفت أشدّ منه ذكاء. وأنا أعرّف «الذكاء» بأنه سرعة المحاكمة و «العقل» بأنه صحّة المحاكمة، ومسلّم بك أذكى من عرفت، وإن كان ذكاؤه أكثر ممّا ينبغي. لا تعجبوا من هذا الكلام، فإن الذكيّ كالفارس يقفز فيجيء على ظهر الفرس، والغبي يقصر فيقع دونها، فإن كان ذكاؤه أكثر مما ينبغي كان كالذي يقفز قفزة أوسع فيقع بعد الفرس. وكذلك كان مسلّم بك؛ كنا نقول له كلمة لا نقصد بها سوءاً فيولّد له ذكاؤه مقاصد لم تخطر لنا على بال، فيغضب منا أو يُعرِض عنا. ولولا الفوضى في درسه لاستفدنا منه الكثير. وكان مثله في الفوضى مدرّس الموسيقى، مع أنه مدرس موسيقى بارع وملحّن ممتاز وأستاذ العزف على القيثارة، هو مصطفى الصواف. وكان يدرّسنا الموسيقى كما تُدرَّس في المعاهد الموسيقية، ولقد درّسَنا السلّم الموسيقي والإشارات كلها، وسلّم «دو» الكبير وسلّم «فا» وسلّم «صول»، إلخ، وسلّم «الراست» في الموسيقى العربية، والموازنة بينه وبين سلّم «دو ماجور»، والتأليف الغربي، والتأليف العربي، والمقامات، والضروب بأنواعها.

стр. 162

كل ذلك كان يُدرَّس في الثانوية، ولكنا ما استفدنا منه كثيراً لأن الأستاذ لم يكُن يستطيع ضبط «الفصل»، ولأننا لم نكُن ننظر إلى الموسيقى نظرة احترام وتقدير، ولأننا كنا (أو كان أكثرنا) يأبى التدرّب على الآلات الموسيقية. فاقتصر انتفاعي بها على العلم النظري فقط. وما ندمت على ما أضعت منها، لأني ما أضعت شيئاً يؤسَف على فقده. * * *

стр. 163

-١٧ - من مصر إلى الشام أما ترون الإذاعات تقطع برامجها أحياناً لتذيع خبراً طارئاً؟ إني أتبع اليوم سُنّة الإذاعات فأقطع سلسلة ذكرياتي، لا لخبر طارئ فما عندي أخبار أذيعها، ولكنْ أقطعها لأن هذه الأيام تعيد إلى ذكرياتي حادثاً أحبّ أن أقف عنده قليلاً. ففي يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى حدث حادث كان له الأثر الأكبر في حياتي، ولكنه لا يدخل في ذكرياتي. حادث تسعة أعشار القرّاء لم يعرفوه لأنهم لم يدركوه، والذين أدركوه لم يعرفوه لأنهم لم يسمعوا به، والذين سمعوا به لم يبالوا أن يعرفوه لأنه حادث عادي يقع مثله كل يوم وفي كل بلد، وقد وقع لقوم عاديّين لم يكونوا من ذوي الشأن ولا من أهل الغنى والسلطان، ووقع في طرف حيّ صغير من أحياء دمشق، في دار فقيرة ولكنها ليست حقيرة، لأنها دار شابّ عالِم يكرّمه الناس ويقصده طلبة العلم فيعقد لهم حلقات دروس مجّانية في الصباح وفي المساء، في هذه الدار وفي مسجد الحيّ، يعطيهم الكثير من علمه ولا يأخذ لا كثيراً ولا قليلاً من أموالهم. هذا الحادث هو أن زوجة هذا العالِم وضعت غلاماً، ففرح

стр. 164

به أبوه وجدّه وعمّته وجدّته، وكانوا هم والأمّ سكّانَ هذه الدار. ولّدَتها قابلة (داية) الحيّ، ولم يكُن في دمشق يومئذٍ قابلات كثيرات يحملن شهادة، ولم يكُن يُولّد النساءَ طبيبٌ، ولا يجوز في دين الله إلاّ أن تكون «ضرورة» أو «حاجة» تشبه الضرورة ولا يكون ثمة طبيب أنثى. والعجيب حقاً أني لا أذكر عن هذا الحادث شيئاً. بل أنا -لضعف ذاكرتي- لا أعرف كيف كان شعوري لمّا خرجت من عالَمي الصغير، وهو بطن أمي، إلى هذه الدنيا الواسعة. ولا أعرف كيف سيكون شعوري عندما «أولَد» مرة ثانية فأخرج من «بطن» هذا العالَم الأرضي إلى سعة عالَم الآخرة. تلك الولادة يسمّيها الناس موتاً لأنهم لا يعرفون من الوجود إلاّ هذه الدنيا. ولو كان في البطن توأمان، فسبق أحدهما بالخروج وسُئل الثاني عنه لقال -أيضاً- إنه مات ودُفن في أعماق الأحشاء! فهل تتشابه الولادة والوفاة، أم هي خيالات أديب؟ قلت لكم إني لا أذكر هذا الحادث، ولكن رأيت خبره على باطن جلدة «المصباح المنير»، وهذا نصّ الخبر: "رزقنا الله فجرَ يوم الجمعة الثالث والعشرين من جمادى الأولى سنة ١٣٢٧ غلاماً سمّيناه علياً. كتب ذلك مصطفى بن أحمد سبط الطنطاوي". فمَن هذا «الطنطاوي» الذي نُنسَب إليه ونحمل لقبه؟ إنه جَدّ أبي لأمّه، وهو عمّ جدّي. وهاكم قصتَه من أولها. * * *

стр. 165

في سنة ١٢٥٥هـ وصل إلى دمشق شاب مصري لم يُسجّل اسمه على الحدود ولم يُطلَب منه جواز سفر، لأنها لم تكُن بين مصر والشام حدود على الأرض ولا فروق بين السكان، ولم تكُن الأسفار تحتاج إلى «جواز»، بل كانت كلها بلداً واحداً ترفّ عليه راية واحدة، هي الراية الحمراء ذات النجم والهلال، راية بني عثمان. وكان بنو عثمان حكّاماً بشراً لهم حسنات ولهم سيئات، وما حسناتهم -في جملتها- بأقلّ من حسنات مَن حكموا ديار الإسلام على سعة رقعتها وامتداد زمانها، ولا سيئاتهم بأكثر من سيئاتهم، ولكن اليهود (وأصل كلّ بلية في الدنيا إبليس واليهود) لمّا صدّهم السلطان عبد الحميد وضرب وجوهَهم بأموالهم التي جاؤوا يساومونه بها على دينه افترَوا عليه وبهتوه، والافتراء والبُهتان من خلائقهم. لمّا كان ذلك ذهبوا يشوّهون تاريخه وتاريخ قومه، وصدّق ذلك ناس منا، بل من أفاضلنا. هذا الشاب الذي وصل دمشق سنة ١٢٥٥هـ وُلد في طنطا (التي كان اسمها طندتا)، وأنا لم أدركه، وكيف وقد مات سنة ١٣٠٦، أي قبل أن أولَد بإحدى وعشرين سنة؟ ما أدركته ولكن سمعت خبره من شيوخ أسرتي، من ولدَيه الشيخ عبد القادر والشيخ عبد الوهاب (وهما خالا أبي)، وممّن أدركت من تلاميذه كالشيخ عبد المحسن الأسطواني والشيخ محمّد شكري الأسطواني مفتي سوريا، ومن ترجمته في الكتاب القيّم «روض البشر» للشيخ عبد الرزاق البيطار (١) جدّ شيخنا

стр. 166

الشيخ محمد بهجة البيطار وكتاب «الحدائق» (١) للشيخ عبد المجيد الخاني (وهما تلميذاه) وكتاب الشيخ تقيّ الدين (٢)، وممّا كتبه عنه الأستاذ محمد كرد علي. ومَن نظر في تراجم علماء الشام في القرن الماضي، في هذه الكتب وغيرها، وجد الكثير منهم قد قرأ عليه وقعد بين يديه. قالوا في ترجمته: هو محمد بن مصطفى الطنطاوي مولداً، الدمشقي موطناً، الشافعي مذهباً. لُقِّب «الطندتائي» كما كان يكتب عن نفسه أو «الطنطاوي» كما سار على ألسنة الناس، لقّبوه به في الشام. فماذا كان لقب أسرته في بلده؟ لا أدري، ولكن الذي سمعته في صغري (ولا أتبينه ولا أحقّق الآن مصدره) أن اسم أسرته كلمة فيه شين ونون. لا تضحكوا، إني أقول الحقّ. لعلها الشناوي أو المنشاوي أو الشنواني ... لا يعرف ذلك أحد، وكيف وقد مضى على نزوحه منها قرن ونصف القرن، وما كان عَلَماً من الأعلام حتى يُهتَمّ بحِلّه وترحاله، ما هو إلاّ رجل من أوساط الناس. ولو بحثتم عن المصريين الذين سكنوا الشام وعُدّوا من أهلها، والشاميين الذين سكنوا مصر، والمغاربة الذين هاجروا إلى المشرق، لوجدتم الكثير. ذلك لمّا كانت بلاد المسلمين

стр. 167

داراً واحدة يسافر من شاء إلى حيث شاء. أما الآن فيا أسفي! لقد فرقت السياسةُ الأسرةَ الواحدة، فأنا سوري، وبنتي أردنية، وبناتي الأخريات سعوديات! ولقد سافرت نصف ساعة في القطار من آخن (إكس لاشابيل) (١) في ألمانيا إلى لييج في بلجيكا فتغيّر عليّ كل شيء: اللغة ومناظر البلد ووضع الشوارع وقواعد السير، لقد شعرت أني انتقلت من بلد إلى بلد. وأسافر من الرياض إلى بغداد، أو إلى الكويت، أو إلى عمّان، أو إلى دمشق، أو إلى مصر، فلا أكاد أشعر بتغيّر حقيقي، إلاّ التغير الذي يشعر به من يسافر من مدينة إلى مدينة في الدولة الواحدة. * * * قالوا إنه ولد في طنطا (من أعمال مصر القاهرة)، ونشأ يتيماً في حِجر أخيه الأكبر (وكان اسمه علياً). فمَن أبوه؟ وما عمله؟ وما خبره؟ الله أعلم. أما عليّ هذا، عليّ بن مصطفى الذي سُمّيتُ باسمه وسُمّي أبي باسم أبيه، والذي هو أبو جدّي، فلا أعرف عنه إلاّ أطراف أخبار لم أستقصِها ولم أتحقّقها. منها أنه كان (والله أعلم) في جيش إبراهيم باشا، وأنه لمّا سكن دمشق فتح دكاناً في خان الجمرك؛ وهو سوق مسقوف قريب من الأموي على شكل زاوية قائمة في وسطه مخزن واسع، لمّا أراد أبو خليل القبّاني أن يقيم مسرحه (وكان أول مسرح في الشام) جعله في هذا المخزن، فلما

стр. 168

أبى أهل دمشق أن يُفتَح فيها هذا الباب للفساد واضطرّوه إلى إغلاقه رحل إلى مصر عام ١٨٨٤، وفيها راجت سوقه وعلا نجمه واشتهر اسمه. وكان يقتبس الرواية أو يؤلّفها، ويلحّنها ويمثّلها، فكان مؤلّفاً وملحّناً وممثّلاً. كان في خان الجمرك سوق القماش، وكان يرتاده النساء، لذلك كانوا يدعونه أحياناً «سوق النسوان». فكان جدنا هذا (الذي لا أعرفه) إذا جاءته امرأة فكشفت وجهها لترى القماش أو مدّت يدها لتلمسه زجرها وأمرها بالستر، فتركه النساء، فاضطُرّ إلى ترك الدكان وعاد إلى مصر. ويظهر أنه كان فقيراً لأن أخاه (الشيخ محمد الذي أتكلم عنه) كان يعيش في الجامع الأحمدي في طنطا على خبز الجراية ومرق المخلَّل، لا يجد غيرهما. وقد "حفظ هنالك القرآن وحصّل بعض العلوم النقلية والعقلية، ثم سافر إلى حلب" (١).

стр. 169

ويظهر أن حلب كانت مثابة للعلم والفن؛ فهذا الرجل قد قصدها لتلقّي العلم عن علمائها، وبعضُ كبار أهل الفنّ أمّوها لأخذ الفن عن موسيقيّيها، ومن هؤلاء محمّد عبد الوهاب كما ذكر عن نفسه. ومصادرُ الغناء اليوم -فيما أعلم أنا- هي الموشحات الأندلسية، والأدوار والأغاني المصرية، والقدود الحلبية، والمقامات العراقية، والعتابا والمواويل السورية واللبنانية. كيف ذهب إلى حلب؟ ولماذا؟ لا أعلم وقد "قرأ في حلب على الشيخ أحمد الترمانيني وغيره وأجازوه". وهذه الإجازات كانت بمثابة الشهادات الجامعية اليوم، "وكان من طريقتهم أن الشيخ يمتحن الطالب فيما قرأ ثم يجيزه به. والإجازات على درجات: منها الإجازة العامّة ومنها الإجازة الخاصّة، وليس للإجازة العامّة اعتبار الإجازة الخاصّة، بل كان العلماء يستنكفون عن العمل بها" (١). ثم قدم دمشق سنة ١٢٥٥ "فأقام بها خمس سنين، وتلقى الطريقة النقشبندية عن الشيخ محمد الخاني الكبير، وبقي نزيله هذه المدّة". وكذلك كان يصنع العلماء الأغنياء؛ يُنزِلون

стр. 170

الطالب ويعلّمونه وينفقون عليه، كما كان يصنع الإمام محمد بن الحسن (صاحب أبي حنيفة) مع أسد بن الفرات وغيره. وقرأ على محدث الشام في تلك الأيام الشيخ عبد الرحمن الكزبري، أستاذ الأساتذة، والشيخ سعيد الحلبي، والشيخ عبدالرحمن الطيبي، وهؤلاء كلهم أعلام يعرفهم أهل الشام. ثم عاد إلى مصر ولزم الجامع الأزهر خمس سنين قرأ فيها على الشيخ إبراهيم الباجوري، شيخ الجامع الأزهر صاحب الحواشي المشهورة، والشيخ إبراهيم السقا خطيب الجامع الأزهر، والشيخ محمد الخضري الكبير، وهو فقيه عالِم بالعربية والفلسفة والعلوم، وهو رجل عبقري أصابه الصمم فاخترع طريقة للكلام بإشارات اليد وعلّمها مَن حوله، فكان يخاطبهم ويخاطبونه بها، وقد تلقّى جدنا عنه العلوم الرياضية والفلك. ثم رجع إلى دمشق واتخذ له حجرة في مسجد «سيدي صُهَيب» في أول حيّ الميدان، فكان يعلّم فيها نهاره كله. واستمر في ذلك سنين حتى دعاه الأمير عبد القادر الجزائري، فدخل البلد واستأجر له داراً واسعة (وهي الدار التي آلت فيما بعد إلى المحدث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني وتُوفّي فيها)، وعيّن له معاشاً وأرسل إليه أولاده ليُقرِئَهم، فاتخذ حجرة في المدرسة البادرائية (ولإنشاء هذه المدرسة قصّة طريفة ليس هذا موضعها) فكان يعلّم فيها أولادَ الأمير وغيرَهم من طلبة العلم. قالوا: "وكان مشاركاً في كل علم وله فيه تدقيقات وتحقيقات، ومن آثاره «البسيط» الموضوع في منارة العروس، وهي المنارة الرئيسية في الجامع الأموي".

стр. 171

وكان هذا البسيط من صنع ابن الشاطر، وهو فلكي رياضي كان رئيسَ المؤذّنين في الجامع الأموي وله مؤلفات في الفلك معروفة ومشهورة، وكان مولده في سنة ٧٠٤هـ في دمشق وتُوُفّي فيها سنة ٧٧٧هـ. وبقي هذا البسيط صالحاً إلى سنة ١٢٩٢هـ، فطرأ عليه خلل فكلّفوا جدنا بإصلاحه فانكسر في يده، فشنّع عليه ناس من أهل الشام وهجاه الشيخ عبد السلام الشطي ﵀ بقصيدة مطلعها: «كسَرَ البسيطَ برأيِهِ المعكوسِ». وكان الأمير عبد القادر يتصرّف كأنه حاكم، فأمر به فأقيم عليه حدّ القذف (أو ما يشبه هذا، فما أروي إلاّ ما سمعتُه)، ولا أتّهم في هذا بريئاً ولا أدافع عن معتدٍ، وقد ذهب الجميع إلى لقاء ربهم، والأمير معروفٌ جهاده ومعلومةٌ مناقبه، والشيخ عبد السلام عالِم من أسرة علم، فغفر الله لمن أساء وعوّض مَن أُسيء إليه. وقد صنع جدنا بسيطاً آخر أجود من الأول، حسبه على الأفق الحقيقي وزاد فيه قوسَ الباقي للفجر، ووُضع في مكانه في يوم مشهود. وقد نظم الشيخ الخاني قصيدة عارض فيها قصيدة الشطي مطلعها: صنَعَ البسيطَ بغايةِ التأسيسِ ... شيخُ الشآمِ رئيسُ كلِّ رئيسِ وأرّخ لذلك على طريقة حساب الجُمّل، في آخر بيت فيها، فقال: ما قالَ أهلُ الشامِ في تاريخِهِ ... تمَّ البسيطُ بنفحةِ القُدّوسِ أي سنة ١٢٩٣. ثم صَنع بسيطاً آخر لجامع الدقّاق الذي يؤم

стр. 172

فيه ويخطب شيخُنا الشيخ بهجة البيطار. وكان يعيش على الراتب الذي يأخذه من الأمير، فلما مات الأمير جعلت له الحكومة راتباً فلم يأخذه ونهى ولديه عن أخذه. ولست أدري لماذا، ولا أعرف لرفضه وجهاً شرعياً، ولا من باب الورع، فالحديث صريح بجواز أخذه، بل بالحثّ عليه. وجعل يبيع كتبه (وهي أعز شيء عليه) ويعيش منها، حتى توفّاه الله آخر ربيع الثاني سنة ١٣٠٦هـ "وصُلّيَ عليه في الجامع الأموي بمشهد عظيم، ودُفن في مقبرة الباب الصغير". وترك كتباً صغيرة أكثرها في الفلك والرياضيات منها «حساب البسيط ورسمه»، «حساب الربع ورسمه»، «كشف القناع عن معرفة الوقت من الارتفاع». وله -كما قالوا- "تقريرات على كافة الكتب التي أقرأها مشتملة على حلّ مشكلات وإيضاح مبهَمات"، ﵀. * * * وأنا أكتب هنا للحق وللتاريخ، فلا أستطيع أن أختم الكلام عن جدنا من غير أن أعرض إلى أمرٍ صَنعه، ما أدري: هل أحسن فيه أم أساء؟ هو أن الأمير عبد القادر العالِم المجاهد كان (وليته لم يكُن) ممن يقول بوحدة الوجود، وشيخُ القائلين بها ابن عربي (١) وأكبر كتبه «الفتوحات المكّية»، وكان منه نسخة كاملة في قونية بخطّ المؤلّف، فبعث الأميرُ جدَّنا الشيخ محمداً وتلميذه

стр. 173

الشيخ محمد الطيب (المدفون في المزّة في أجمل بقعة منها) إلى قونية لنسخ صورة عنها وطبعها. هذا هو الذي صنعه. وللأمير عبد القادر الجزائري كتاب اسمه «المواقف» مملوء بمذهب وحدة الوجود، ألزمت وأنا صغير بالمشاركة بتصحيح تجارِب طبعه، فلما رأيت ما فيه استعذت بالله وتركتُه. ولقد كتبت في «الرسالة» من أكثر من أربعين سنة أن كُفْر كفّار قريش ليس أكثر ممّا في هذه الكتب، فقام عليّ مشايخ من مشايخي وكانت بيني وبينهم مناظرات، ثم اقترحت اقتراحاً أعيد ذكره الآن: إن ابن عربي واحد من الكتّاب الخمسة الذين هم أعظم كتّاب العربية: هو والجاحظ وأبو حيّان التوحيدي والغزالي وابن خلدون. وهو فيلسوف لا يبلغ سبينوزا إلا أن يكون تلميذاً له، وكتابه «الفتوحات» كتاب عظيم، ولكن يفسده ويذهب بخيره ويمحو جماله ما فيه من كلام لا يُشَكّ في أنه كفر، وأنه أخذ الأفلاطونية الجديدة لأفلوطين فجعلها من الدين. والاقتراح هو أن نأخذ الفتوحات، فنمحو منها هذا كله (وهذا كله لا يبلغ عُشْرَ الكتاب) ثم نطبعه طبعة جديدة ونكتب على غلافها «مهذَّب الفتوحات» فنستفيد منه ونستمتع بالخير فيه ونسلم ممّا فيه من الشر. فما رأيكم دام فضلكم؟ * * *

стр. 174

-١٨ - جدي الشيخ أحمد الطنطاوي تكاثرَتِ الظّباءُ على خِراشٍ ... فما يدري خِراشٌ ما يَصيدُ هذا هو مثالي اليوم. وأنتم تعلمون ممّا بقي في أذهانكم من دروس البلاغة (إن كان قد بقي فيها شيء منها) أن المشبَّه لا يكون كالمشبَّه به في جميع صفاته، بل فيما هو «وجه الشبه». فإن سمعت مغنياً يقول: «يا غزالاً صادَ قلبي» لا تتصوّر أن لهذه الحبيبة التي صادت قلبه ذنَباً كذنَب الغزال أو أنها تمشي على أربع! وإن شبّهوها بالقمر ليلة أربعة عشر لم نتصور وجهها دائرة كاملة كوجه القمر، ولا أنه مثله -كما زعموا- فيه الصخر والحجر! أنا مثل خراش في تردّده وحيرته، لا في خَلْقه وصورته، لأنه كما تعرفون (أو كما لا تعرفون) كلب وأنا بحمد الله بشر. وإن كان في البشر من يَحسُن به أن يعود فيقرأ كتاب «تفضيل الكلاب على كثير ممّن لبس الثياب». * * * لقد وصلت في هذه الذكريات إلى مفرق الطرق، ففتحت أمامي مسالك لا أستطيع أن أمشي فيها كلها معاً وأحار فلا أدري

стр. 175

أيها أختار: هل أكمل الكلام عن مكتب عنبر وعن أساتذتي فيه؟ أم أتكلم عن نهضة المشايخ؟ أم الثورة السورية؟ أم أُتمّ ما شرعت فيه في الحلقة السابقة ليتصل الحديث ويتسق؟ أتمّ ما شرعت فيه. قلت لكم إن الذي قدم الشام من طنطا في مصر هو الشيخ محمد، وقد جاء معه أحمد ابن أخيه الكبير (١). والشيخ أحمد هذا هو جدي الذي تُوفّي سنة ١٩١٤، وفي ذاكرتي عنه بقايا صور قليلة ولكنها واضحة، وكذلك تكون الصور التي ترتسم في عهد الصغر. ولقد ساءلت نفسي: لماذا أحدث القرّاء عنه وما انتفاعهم بهذا الحديث؟ ثم رأيت أنه كان «نوعاً» من الشخصيات لا يخلو من طرافة أو غرابة، ثم إنه جدي والكلام عنه حلقة لا بدّ منها في سلسلة الذكريات. كان جدي «إمام طابور» متقاعداً في الجيش العثماني. وكان للوعّاظ والأئمة في هذا الجيش رُتَب مثل رُتَب الضبّاط وأعلاها رتبة «مفتي ألاي»، وأحسبها تقابل وظيفة قاضي العسكر قديماً.

стр. 176

ولا أعرف أنا ممّن نالها إلاّ الشيخ رضا الزعيم، وهو رجل يستحقّ أن أقف عليه وقفة قصيرة، فقد كان صادقاً مع الله، صدّاعاً بالحق، جريئاً جرأة نادرة المثيل، وكذلك كان ولداه: الولد الصالح هو الصديق الداعي إلى الله الشيخ صلاح الدين ﵀، والولد الـ ... وهو «المشير ...» حسني الزعيم، الذي ابتدع في بلاد العرب بدعة الانقلابات العسكرية سنة ١٩٤٩، وإن كان قد سبقه الفريق بكر صدقي في بغداد سنة ١٩٣٦ بانقلاب جزئي غير كامل. وقد حضرت الانقلابَين، وربما تكلمت عنهما. شارك الشيخ رضا في حرب «الترعة» لمّا أعدّ جمال باشا -بأمر جماعته الاتحاديين وضغط حلفائهم الألمان- حملة حشد لها ما استطاع من العَدد والعُدد لاجتياز «ترعة السويس» وتحرير مصر من الإنكليز. خطب الشيخ رضا الجندَ وذكّرهم الله، ودعاهم ليصحّحوا نياتهم في الجهاد. وتلك سنّة المسلمين قبل كل معركة ليخوضها الجندي على بصيرة، فإذا مات لم يخسر الدنيا بالموت حتى يكون قد ربح الجنة بالشهادة. وهذا ما يجب أن يعرفه كل جندي مسلم وكل فدائي وكل من يتعرض للمنايا، ينال إن ظفر الثواب ويحظى إذا قُتل بالشهادة. وليس الشهيد الذي يقاتل لمجرد استرداد البلد السليب ولا الذي يموت خدمة للعَلَم ولا تضحية للوطن ولا دفاعاً عن مجد العروبة، بل الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله ويموت في سبيل الله. ولو كان هذا قولي أنا لما ألزم أحد منكم باتباعه، ولكنه قول من يُلْزَمُ باتباعه كل واحد منكم: رسول الله ﷺ .

стр. 177

لم يخطب الشيخ رضا الجندَ ليحمّسهم ويدفعهم إلى الموت ثم يأوي إلى خيمته ليأكل وينام، بل خطبهم وصاح «الله أكبر» وأقدم، فطارت به قنبلة مدفع من مدافع الإنكليز، فما وجدوا له جسداً يُدفَن، لم يُقَمْ له قبر ولكن أقيم له في قلوب الناس حُسن الذكر، وثبت له عند الله جزيل الأجر، وهذا دعاء لله وليس تألّياً على الله. * * * أعود إلى حديث جدّي. كان جدّي نظامياً بطبعه، وزاده عمله في الجيش التزاماً بالنظام وحرصاً على الترتيب، فكانت حياته كحياة تلميذ في مدرسة داخلية، كل حركة فيها بحساب وكل عمل له وقت. فكأنها كانت -على طولها- يوماً واحداً يتكرر؛ منامه في موعد محدّد، وقيامه في موعد محدّد. كانوا يومئذٍ يأكلون مرتين فقط، الفطور بعد صلاة الفجر، والعَشاء بعد العصر. كان عَشاءً مبكّراً أو غداء متأخراً، فليس المهمّ الاسم، بل أن يكون الساعة الثامنة الغروبية (إذ لم يكُن التوقيت الزوالي مألوفاً) (١)، لا يتقدم عنها ولا يتأخر، إلاّ إذا خرجَت الأرض عن مدارها أو أسرعَت في مسارها، أو غابت الشمس قبلَ حين غيابها. وطالما كان يُولِم الولائم يدعو إليها كبار قادة الجيش أو وجهاء البلد، فإذا بلغت الساعة الثامنة باشر الأكل مع من حضر، وإن لم يحضر أحدٌ شرع يأكل وحده.

стр. 178

إنه مثل كانط الذي كانت تُضبَط الساعة على موعد خروجه من داره، وإن كان ابن بلده هاينه يقول إنه ليس إنساناً يَشعر بل آلة تتحرك، وشاعرنا (أظن أنه حافظ إبراهيم) (١) يقول: ولذيذُ الحياةِ ما كانَ فوضى ... ليسَ فيهِ مسيطرٌ أو نظامُ والله أعلم بصحّة ما قاله. * * * سكن جدي أولاً مع عمّه في داره الكبيرة وتزوّج ابنته (٢)، لذلك كان أبي يُعرِّف نفسه بأنه «سبط الطنطاوي» أي ابن بنته. وكان أهل الشام يحرصون على اجتماع الأسرة كلها في الدار الواحدة، الجد والجدّة والأولاد وزوجاتهم وأبناء هؤلاء الأولاد وبناتهم، لكل منهم جانب من هذه الدار الواسعة، وكلهم يأكل من قِدْر واحدة، تغرف كل أسرة صغيرة وتذهب بطعامها إلى

стр. 179

غرفتها. وكان عمل الدار مقسّماً بين نسائها، لكل واحدة يوم في الأسبوع أو يومان أو ثلاثة، تبعاً لكثرتهن أو قلّتهن. وإذا اجتمعوا عند الجدّ قعدوا متأدبين خاشعة أصواتهم، لا يخالفون له أمراً ولا يجرؤون عليه بطلب ولا يبدؤونه بحديث، بل إنني سمعت من أبي (كما سمعت عنه من أصحابه بعد وفاته) أنه لا يعرف ما لون عينَي أبيه لأنه لم يرفع بصره إليه قط. ولست أحبّذ هذا الذي أصفه ولا أرى أنه هو الصواب، ولكن أذكر ما كان. أما الذي أحبّذه وأرجو أن نحافظ عليه، فهو ألاّ ننسى أن ابن العمّ أجنبي عن ابنة عمّه، ولو جمعتهما الدار الواحدة، وأنه إن جاز (عند الحاجة) أن تشاركه مجلسَ الأسرة فلا يجوز في دين الله أن تكشف أمامه عن أكثر من الوجه والكفين ولا أن تنفرد به، وعليه أن يغضّ عنها بصره وتغضّ هي بصرها. وكانت تقع الخصومات وتحدث المشكلات بين أطفال هذه المجموعة فتنتقل إلى الأمهات، وقد يشارك فيها الآباء. وهذا شيء ما منه بد حتى لو انفرد الرجل بزوجته وولده. ولو خلت دار من مثل هذه المشكلات لخلت منها أشرف دار قامت على ظهر هذه الأرض، دار رسول الله عليه صلاة الله، فقد كانت فيها أشياء منها. ولكنها كانت كاصطدام الغصن بالغصن في الدوحة الباسقة والموجة بالموجة في البحيرة الصافية، وأصلُ الشجرة واحد وماء البحيرة واحد، ولكنها ريح الصبا هبّت في الأصيل فأزاحت الملل وجاءت بالأمل. وهل الحياة إلاّ الحركة، وهل في الحركة غالباً

стр. 180

إلاّ البركة؟ خلافٌ ولكنه على السطح، وما في الأعماق إلاّ الألفة والاتفاق. وكان جدي يحب أن يكون له المكان الأول، وهو في هذه الدار الكبيرة لا يكون إلاّ الثاني، لذلك استأذن عمه وانفرد بنفسه وأهله، وأخذ داراً صغيرة (دُويرة) من أملاك وقف جامع التوبة. وفي دمشق مسجد جامع يُعَدّ من مساجد الإسلام الكبار، بل هو أكبرها وأقدمها بعد الحرمَين: وهو الجامع الأموي. ومساجد تليه، في كلّ حيّ من أحياء دمشق، جامع التوبة لحيّ العقيبة وما والاها، ومسجد القصب للعمارة وباب السلام (وكان اسمه باب السلامة)، وجامع السنانية (١) لباب الجابية وما اتصل به، وجامع باب المصلّى، حيث كان مصلّى العيد في أول ميدان الحصى، وجامع منجك، وجامع الدقّاق للميدان، وجامع الشيخ محيي الدين، وجامع الحنابلة، وجامع الشيخ عبد الغني النابلسي، وجامع ركن الدين وهي لأحياء سفح قاسيون، وجامع تنكز، وجامع يلبغا، في المرجة أو بجوارها. وحيّ العقيبة حيّ صغير فقير في طرف دمشق، وفي طرفه ثلاث حارات، أو لعل كلاً منها مجموعة حارات. أولها «الديمجيّة»، أي صُنّاع الديما. ولو نظرتم في كتاب «قاموس الصناعات الشامية» للقاسمي لرأيتم أنه كان في الشام صناعات جليلة أصيلة نسيناها، بل لقد نسينا اليوم أسماءها. ورحم الله القاسمي الذي ألهمه الله تأليف هذا الكتاب في وقت لم يكُن يهتم
следующие страницы →