أمّا رفاقي فيها فلست أذكر منهم إلا المهندس صلاح شيخ الأرض، وقد كان هنا منذ سنوات. والمحامي الشاعر عبد الحكيم مراد، ولم أرَه من ثلاثين سنة وأحسب أنه في الكويت. والأستاذ حسن السقّا الكيميائي، ولست أدري ما فعل الله به.
ومن ذكريات هذه المدرسة الباقية في نفسي أن حاكم دمشق العسكري الجديد، وهو رضا باشا الركابي الذي كان أعلى عربي رتبةً في الجيش العثماني، زار المدرسة يوماً. فدخل علينا الفصل ووراءه وزير المعارف ورؤساء التعليم ومدير المدرسة، وكان بلباس «الجنرال» العسكري، والشارات على كتفيه والأوسمة على صدره. وكان الأستاذ حسني قد حفّظنا قصيدة الحِلّي: «سَلي الرّماحَ العوالي عن معالينا»، ولكنه بدّل البيت الثاني (١) فجعله:
وسائلي العُرْبَ والألبانَ: ما فعَلَتْ ... بعسكرِ التركِ والألمانِ أيدينا؟
وكان حسن السقّا يُلقيها بصوت عالٍ وحماسة بالغة، فقاطعه الباشا وسأله: من علّمَك هذا؟ فارتعب وأشار إلى الأستاذ، فمدّ الباشا يده إلى الأستاذ، ولكن الأستاذ كان قد اصفرّ لونه، ولولا
стр. 72
أنه استند إلى المقعد لهوى ... وإذا الباشا يصافحه! ولمّا خرج الباشا ومن كان معه قال الأستاذ: "أرأيتم يا أولادي؟ هكذا تكون الشجاعة" ... واستدار لئلاّ نرى البلل في بنطاله!
ولا تظنوا أني أكتب هذا بعدما توفّاه الله لأني لا أقدّره ولا أحترمه. لا والله، ولو علمت أنه كان يسوؤه ما رويته. ولقد كتبته في حياته وضحك لمّا قرأه، ثم كتب القصة بقلمه وروى عن نفسه أشياء أبلغَ في بابها منها رحمة الله عليه.
ومن ذكريات هذه المدرسة فيضان بردى الذي كتبت عنه الكثير (١) والذي يصل «المرجة» بعدما انشقّ عنه أبناؤه الستة (يزيد، وتورا، وباناس، والقنوات، والقناة، والديراني) ولم يبقَ من مائه ما يبلّل ظهر قط مشى فيه. بردى الذي لا تذهب منه قطرة هدراً على حين تذهب مياه الأنهار الكبار إلى البحر، فلا هي حفظت ماءها لها ولا البحرُ امتلأ منها. بردى الذي قال كاتب شوقي لمّا زار دمشق فرآه بعدما سمع من شوقي أشعاره فيه، قال متعجباً: أهو ده بردى؟!
بردى هذا إذا وصل إلى المرجة وأردنا أن نسلبه حريته في جريه، وأن نسجنه تحت القناطر فيدوس عليه الماشون في المرجة، ثار. وإذا ثار أغرق المرجة وما فيها، وممّا كان فيها مدرستنا (السلطانية الثانية).
стр. 73
إني لأذكر ذلك الفيضان سنة ١٩١٨ وأستحضره في ذهني حتى أرى المدرسة كلها قد صارت بركة واحدة، والمقاعد قد طفَت على وجه الماء كالزوارق، وتصايح التلاميذ واستُدعيَت الشرطة، وأسرع المدرّسون إلى إنقاذ الصغار، وكان يوماً لا ينسى.
* * *
стр. 74
-٧ -
في المدرسة السلطانية
اذهب إلى المرجة (١) اليوم، واستقبل جهة الجامع الأموي وانظر إلى يسارك، لا تبصر إلا برحة واسعة ما فيها بنيان. ارجع إلى العهد الذي أخبر عن ذكرياته الآن لترى بناء من طبقتين، الداخلون إليه كثير والخارجون منه كثير. هذا يدخل والحديد في يديه فيخرج طليقاً، أو يدخل طليقاً فيخرجون به إلى السجن (في القلعة)، وهذا يدخل مدّعياً آملاً الربح فيخرج خائباً خاسراً دعواه، وذاك يخرج فَرِحاً رابحاً الدعوى.
стр. 75
هنا كانت «العدلية» وإلى شرقها بناء أصغر هو «البريد»، والبريد «مصلحة» القلوب والجيوب (١)، وحقيبة ساعي البريد فيها البشائر وفيها النذُر، يترقبه العاشق وينتظره التاجر، والأم التي غاب عنها ولدها تعدّ الدقائق لتأخذ رسالة منه تطفئ أو تخفّف من نار الشوق في صدرها، والطالب يقف على الباب وبصره على أول الشارع ليرى ما يحمل إليه موزّع البريد، هل يحمل خبر النجاح في الامتحان أو نبأ السقوط والخسران؟
وإلى قربها عمارات تطلّ على بردى، يقابلها من هناك «السراي». وقد كانت في ذلك العهد (بل إلى ما بعده بربع قرن) تجمع -وحدها- وزارات الدولة كلها ومعها مجلس الوزراء،
стр. 76
وبجنبها البلدية. ووراء العدلية والبريد جامع يَلْبُغا، له باب من الشرق يطل على سوق الخيل وباب من الغرب يخرج إلى «البَحْصة»، ومدرستنا في صحنه من ورائه، ومئذنته وراء المدرسة تطلّ على الشارع الخلفي.
فماذا فعل ذلك كله؟ لقد ذهب!
أما هذه العمارات فقد أودت بها إحدى الحرائق الهائلة التي كانت تشهدها دمشق، و (حريقة) أخرى ذهبت بالدور المقابلة وكشفت جامع تِنْكِز (١) فقام هنا «فندق أمية» وقامت هناك عمارات حديثة. وأمّا البلدية فقد هُدمت وبيعت للسيد الشربتلي (المعروف) فأقام في موضعها عمارة كبيرة! وبنَت البلدية لنفسها بناءً ضخماً.
أمّا «بردى» فقد دفنوه حياً وجعلوا قبره شارعاً تطؤه الأقدام، وقد كانوا يدوسون فوقه من قبلُ حين ألزموه أن يمشي في «المرجة» تحت الأرض ليمشوا هم فوقها. وكانت المرجة في طرف البلد، تلتقي فيها خطوط الترام الذي جاءت شركة بلجيكية به وبالكهرباء سنة ١٨٩٨ كما سمعت. وقد أُلغيَ في الشام من أكثر من ربع قرن، ولكني رأيته بذاته في بروكسل سنة ١٩٧٠ لمّا زرتها.
وذهبت مدرستنا مع ما ذهب وذهبت معها قطعة من حياتي. وكم كانت لنا فيها آمال وكم حملنا فيها من آلام، فأين آمالنا فيها
стр. 77
وأين آلامنا؟ لقد كانت دنيانا كلها مختصَرة فيها، كما يُختصَر الكتاب في صفحات وكما تقطر قارورة العطر في قطرات، فأين دنيانا تلك يا ناس؟
أين مَن كانوا يقعدون فيها على المقعد الواحد؟ لقد رفع الدهر منهم قوماً ووضع آخرين، اغتنى ناس وافتقر ناس، وربما صار (بل لقد رأينا بأعيننا) ابن الآذن (الفرّاش) قد صار هو الرئيس، وابن الرئيس قد أمسى فرّاشاً أو مثل الفرّاش!
هذه هي الدنيا، فالأحمق من اطمأنّ إليها ووثق بدوامها، ولم يحسب حساباً لتداول الدول وتبدّل الأحوال، وظنّ أن ما نال منها من مال ومجد وسلطان باقٍ له؛ ما علم أنه لو دام على مَن قبله ما وصل إليه.
ثم مضى أكثرُ رفاقنا إلى حيثُ مَن مضى لا يؤوب؛ مضوا ليجدوا ما قدّموا مُحضَراً، فإمّا إلى جنة وإما إلى نار. فاللهمّ يا عفوُّ يا من تحبّ العفو اعفُ عنّا، واختم بالحسنى لنا ولمن صفّى قلبه مع الله، ومدّ يديه خاشعاً وقال: آمين.
وأرجو لكل من دعا لي بخير مثلَ ما دعا لي به، هذا والله ما أريده وهذا ما أحتاج إليه. لا أحتاج مالاً ولا منزلة ولا شهرة في الناس، كل ذلك لديّ منه الكثير، وكل ذلك سراب، تحسبه من بعيد ماء فإن جئتَه لم تجد إلا التراب. ما أريد إلا دعوة صالحة من مسلم صالح، تبقى سراً بينه وبين الله.
لقد قارعَت هذه المدرسة دهرها، فنزلَت حتى صارت مدرسة ابتدائية، ثم أدركها ما يدرك كلَّ ما سوى الله: من إنسان
стр. 78
وحيوان ونبات. أدركها الأجل الذي -مهما تأخر- فإنه آتٍ، فماتت، ولم تجد قبراً يدلّ عليها أو لوحة تشير إلى وجودها.
* * *
لمّا دخلت هذه المدرسة كنت قد ارتقيت أيام الأتراك إلى السنة الخامسة الابتدائية فردّوني لمّا تبدّلَت المناهج إلى الرابعة. ومرّت السنة ونجحت مرة ثانية إلى الخامسة، وكنت الثاني بين رفاقي. وتجدون في قسم الصور صورة «جلاء» (١) فيه درجاتي وإثبات نجاحي.
وانتقلت المدرسة لسبب لا أدريه إلى البناء الذي أقامه أحد الولاة الأتراك على بردى، بين التكيّة السليمانية والأخرى التي أنشأها قبلها السلطان سليم. والذي يشبه في طراز بنائه أبنيةَ القرون الوسطى: برجان من الجانبين وفوقهما سقف هرميّ من القرميد والباب الكبير بينهما، وقد كانت فوقه لوحة من الحجر مكتوب عليها «مدرسة دار المعلّمين»، فانتقلت مدرستنا إليه. ثم صار كلية الحقوق (وكانت تُسمّى معهد الحقوق)، وقد تخرجت فيها ونلت شهادتها سنة ١٩٣٣، ثم صار وزارة المعارف، وهو اليوم إدارة التعليم في دمشق.
ما لي أستبق الأيام؟ ولِمَ لا أنتظر حتى يصل بي -إلى ذلك- الكلام؟
стр. 79
انتقلنا إليها، وصار مديرنا الدكتور كامل نصري، ومن مدرّسينا فيها الشيخ زين العابدين التونسي، وهو الأخ الأصغر لشيخ مشايخنا السيد الخضر حسين الذي صار -من بعدُ- شيخَ الجامع الأزهر، وأستاذ الأساتذة مصطفى تمر الذي كان المفتش الوحيد لمدارس سوريا، والشيخ أبو الخير القوّاس الذي اخترع الطريقة المنسوبة إليه في تدريس قواعد اللغة العربية (النحو والصرف)، وجعل للأمثلة لوحات كبيرة حروف الزوائد في كلماتها ملوّنة، ورتب عليها أسئلة، ثم صغّرها في سلسلة كتب كنا ندرسها اسمها «دروس القوّاس»، وأشهد الآن أنها كانت أفضل الطرق. وكان يدرّسنا اللغة الفرنسية الأستاذ علي الجزائري.
وخرجنا مع أول مظاهرة مشينا فيها يتقدمنا طالب كبير، يسأل: ماذا تريدون؟ فنجيب بصوت واحد: ياسين باشا.
مَن ياسين باشا؟ ماذا نريد منه؟ لم أكُن يومئذٍ أدري! لكني علمت بعد ذلك أن الإنكليز -كما قال الناس- قد اختطفوه، فخرجنا نطالب بإرجاعه.
وفي تلك السنة قرر المؤتمر السوري، الذي كان يمثل سوريا ولبنان وفلسطين، نصب الأمير فيصل ملكاً، وكان تتويجه يوم ٨ آذار ١٩٢٠. وطالما كتبت بعد ذلك في ذكرى هذا اليوم. ودُعيت إلى حفلة التتويج وحضرتها مع رفاقي في المدرسة، ولكن «من بَرّا»؛ وقفونا صفاً أمام السراي ثلاث ساعات على أقدامنا بلا طعام ولا شراب!
كذلك كانت مشاركتنا في الاحتفال وكذلك كانت معرفتنا
стр. 80
بعهد الشريف؛ نعيش فيه ولكن لا نرى منه إلا الظواهر، وما أبعدَ ما بين ظواهر الأحداث العامّة وحقائقها!
الذي رأيته في هاتين السنتين بقيَت حلاوة طعمه تحت لساني. كنت أظن أن دمشق في فرحة متصلة، في عرس لا ينتهي؛ المظاهرات مظاهرات الفرح، والحماسة التي عمّت الجميع، وسوق عكاظ للخطب في «النادي العربي». وكان في الركن الغربي من ملتقى طريق الصالحية والطريق إلى بيروت، أمام فندق فكتوريا، ولقد كتبت عنه كثيراً وحدّثت عنه أكثر، وكان أبرز خطبائه -كما أذكر- الدكتور عبد الرحمن شهبندر، كان يخطب كأنه يتحدث، لا ينفعل ولكن يفعل بالسامعين ما يشاء، يُقيمهم ويُقعدهم ويلعب بمشاعرهم وبقلوبهم. ومن خطبائه شيخنا الشيخ عبد الرحمن سلام، وسيأتي عنه الكلام، ورجل نصراني كان اسمه حبيب أسطفان، خطيب نادر المثال.
وكانت نهضة عظيمة في الأناشيد، أشهرها «أيّها المولى العظيمُ .... فخرَ كلِّ العرَبِ»، و «سِيرُوا للمجدِ، سيرُوا للحربِ»، و «صليلُ الظُّبا وصريرُ القلمْ ..... لفكِّ القيودِ وقَشعِ الظُّلَم»، و «افتَحوا لنا الطريقْ»، وعشرات لا أزال أحفظ الكثير منها وأحفظ ألحانها.
ولمّا تكلمت في الرائي عن نشيد «بلادي بلادي منار الهدى» وقلت إن لحنه قديم أحفظه من صغري وأنا أؤكّد ذلك هنا تأكيداً جازماً، تعجّب الناس مني: من أين لشيخ مثلي المعرفة بالألحان؟ معرفتي بها من حفظي أولاً للأناشيد التركية، وأناشيد هذا العهد الذي أتحدث عنه. والثالثة أن معلمينا من المشايخ كانوا
стр. 81
يأخذون كل لحن يسمعونه، ولو كان لأغنية غرام مبتذَلة، فيؤلّفون كلاماً سخيفاً يزعمون أنه في مدح الرسول ﷺ ويُنزِلونه على اللحن. وقد أنكرت هذا في الصحف وفي الإذاعة وعلى المنابر من أكثر من أربعين سنة وأنكره الآن، ولكني أُقِرّ أني حفظت بسببه أكثر ألحان عبده الحامولي، ومحمد عثمان، وداود حسني (اليهودي)، وأمين حسنين، والشيخ أبي العلا، وسيد درويش، وزكريا أحمد.
ونشيد بلادي (السعودي) نُظِم معارَضةً لنشيد الرافعي:
بلادي بلادي هواكِ دمي ... جعَلتُ حياتي فدىً فاعلمي
غرامُكِ أوّلُ ما في الفؤادِ ... وذِكرُكِ آخِرُ ما في فمي
ولحنه جاء من هنا مَشوباً بشيء من لحن القصيدة التي كانت تغنيها أم كلثوم: «مِصرُ التي في خاطِري وفي فمي» لا من نشيد سيد درويش: «بلادي بلادي بلادي ..... لكِ حبّي وفؤادي».
ولأنهم علّمونا في المدرسة «النوتة الموسيقية» مفصَّلة غاية التفصيل، وإن كنت لم أمسك بيدي آلة موسيقية فضلاً عن العزف عليها، وإنما هو علم نظريّ بها. كما أعرف (نظرياً أيضاً) المقامات والأنغام العربية وأنواع الضروب والإيقاعات، على مبدأ «تعلّم السحرَ ولا تعملْ به»، وإن لم يكُن حديثاً.
* * *
وكان لي مع الشيخ زين العابدين التونسي (رحمة الله عليه وعلى أساتذتنا جميعاً) موقف أسأت فيه إليه وأنا لا أدري، وكان ذلك سنة ١٩١٩. وقد زرته آخر مرة ذهبت فيها إلى دمشق وقلت
стр. 82
له: أنت أستاذي ... وبدأت أذكّره بتلك الأيام، فبان على وجهه الغضب المكتوم وقال: دع هذا الآن. قلت متعجباً: ولِمَ يا سيدي؟ قال: أنسيت أنك كنت تكذّبني وأنا ألقي الدرس؟
قلت: يا سيدي، أبعد أربع وخمسين سنة؟ والله إني مظلوم وبريء (كما يقولون في المسرحيات).
لقد كانت القصة أن الشيخ كان يدرّسنا التوحيد، وكانوا يبدؤون عادة بذكر الواجب والمستحيل والممكن، فجعل يضرب أمثلة على المستحيل ويسألنا: من يدّعي هذا ماذا نقول له؟ فنقول: كذّاب. وشرد ذهني ولم أنتبه إلى أنه انتقل إلى كلام آخر، فكنت كلما أكمل الجملة أقول: «كذّاب»!
﵀؛ لقد كان مدرّساً نافعاً، وكان مؤلفاً يصنّف للطلاب الكتب التي توافق مداركهم وتسيغها عقولهم؛ ألّف «المعجم المدرسي»، ثم ألّف رسالة ما سبقه أحدٌ -فيما أعلم- إلى موضوعها هي «المعجم في النحو والصرف» وجعله مرتَّباً على الحروف. وأنا أقترح على الأستاذ الكبير عبد الرحمن التونسي (والشيخ هو عمّ أمّه) أن يعيد طبعه وأن يسعى لتعمّمه وزارة المعارف على جميع التلاميذ، فإني لا أعرف كتاباً في حجمه يحوي مثل علمه ويفهمه التلاميذ مثل فهمه. وهذا شيء خطر على بالي الآن وأنا أكتب هذا الفصل، ما فكّرت فيه من قبل، ولكن أرجو أن يكون خدمة لذكرى أستاذي ومنفعة لأبناء بلدي، وأنا أعد هذا البلد بلدي وبلد كل مسلم يتوجّه في صلاته إليه.
* * *
стр. 83
وهنا جاء في طريق حياتي منعطف آخر.
كنت من أصغر تلاميذ صفّي (أو فصلي كما تقولون)، وكان عبد الحكيم مراد في مثل سنّي. وكنا لا نتكلم إلا الفصحى فكان التلاميذ الكبار يسخرون منّا وربما آذونا، وعلم أبي بذلك فأخرجني منها وأدخلني المدرسة الجَقْمَقيّة عند الشيخ عيد السفرجلاني.
ومنعطف أكبر منه كان في حياة سوريا كلها، هو موقعة «ميسلون» وانتهاء الحكم العربي وبداية الانتداب الفرنسي (١).
* * *
стр. 84
-٨ -
منعطف خطير في تاريخ سوريا
وقفت بكم أمام منعطفَين، واحد منهما في طريق حياتي أنا وواحد في طريق تاريخ بلدي، بل والبلدان التي تجاوره وتجمعها به جوامع العقيدة والمصلحة واللسان، وهو منعطف معركة ميسلون.
لا أكتب عنها بقلم المؤرخ الذي يجمع الروايات، ويصفّيها ويصنّفها ثم يؤلف بينها ويستخرج العبرة منها، فقد كتب عنها كثير، ولعلّ أحسن ما كُتب فيها كتاب الأستاذ ساطع الحصري.
وهذا الرجل سابق من السابقين من الموجّهين والمربّين من العرب، وإن عاش حياته الطويلة جداً ومات وهو لا يحسن العربية لا نطقاً ولا كتابة. مفكّر ممتاز، كان شيخ المشتغلين بالتربية من عام ١٩٠٨ في تركيا، ثم في الشام على العهد الذي أتحدّث الآن حديث ذكرياته، ثم في العراق. وقد تسلّم «المعارف» من بابها إلى محرابها وأصدر يومئذٍ مجلة كانت أولى مجلاتها، ثم أشرف على «المعارف» في سوريا بعد الاستقلال، وهو نسيب الزعيم سعد الله الجابري، ثم عمل في مصر في جامعة الدول العربية.
стр. 85
هذه مزاياه، أما: هل أحسن أم قد أساء؟ وماذا كان موقفه من الإسلام؟ الجواب لا يرضيه لو كان حياً ولا يرضي تلاميذه ومحبّيه، ولكنه الحقّ ولا يضرّ الحقَّ أنْ كثُرَ أعداؤه وكارهوه. كان العقلَ المفكّر لفتنة القومية التي لم يأتِ منها إلا أننا كنا أمة واحدة هي «أمة محمد» فصرنا جمعية أمم، وكنا إخوة يجمعنا الحب في ظلال الإيمان فصرنا أعداء تفرقنا هذه الدعوة الجاهلية. ولقد أفسد مناهج سوريا لمّا دعا بعد الاستقلال إلى إصلاحها. ولقد كان لنا (أنا ونهاد القاسم ﵀ مجلس معه في مصر سنة ١٩٤٧ استمر ساعات.
ولكن لماذا أقف عنده الآن؟ إنه داء الاستطراد والخروج عن الجادة، فلنعد إليها ولنتابع طريقنا فيها.
لقد كانت معركة ميسلون منعطفاً خطيراً في تاريخ بلادي، وما أكثرَ المنعطفات في قصة حياتي! ذلك لتعلموا أن حياة الإنسان لا تقاس بـ «طول» السنين بل بـ «عرض» الأحداث؛ فلقد بلغ عمري في التاريخ الذي أكتب عنه اثنتي عشرة سنة فقط، ولكني رأيت فيها حكم الأتراك، وحكم العرب ومن ورائهم الإنكليز، مستخفين بأشخاصهم ظاهرين بأعمالهم كالوسواس الخنّاس مع الناس. وسأشهد قريباً حكم الفرنسيين، وهم ظاهرون ظهوراً قوياً ولكن أثرهم -إن قيس بأثر أولئك- كان ضعيفاً.
أتعرفون القصّة الرمزية عن الريح والشمس لمّا تراهنتا على أيهما يقدر أن ينزع عن الفلاح معطفه، فعصفت الريح واضطربت حركة الهواء فبرد فلبس فوق المعطف عباءة، وجاءت الشمس
стр. 86
فوجّهت أشعّتها إليه، فأحسّ بالحر وسال من جسده العرق فنزع المعطف؟ هذا هو مثال الإنكليز والفرنسيين كما رأيناهم في الشام، وهما -بعد ذلك- كحمارَي العبادي (من سكان الحيرة)، قيل له: أيّ حمارَيك أسوأ من صاحبه؟ قال: هذا، وأشار إليهما معاً!
وكانت ميسلون، وأنا أصف منها ما رأيت وما يمكن أن يراه مثلي.
* * *
كنا في جنة (أو فيما نتوهمه جنة) فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، وكنا في قصر فيه كل ما نطلب وما نتمنى فأتاه زلزال مدمّر فتركه خراباً. كنا نعيش (أو نظنّ أننا نعيش) في عرس دائم؛ ابتهاج وحماسة، وعودة الخير، والسعة بعد الضيق، والحرية (أو ما حسبناه حرية) بعد أن كنا في سجن كبير.
أصبحنا، وإذا الأخبار تتوارد عن مسير الفرنسيين إلينا وأن الأعور الدجّال قادم علينا ... إنه الجنرال غورو (١).
لم ندرِ أنهم تقاسمونا ونحن نيام، وأن «سايكس وبيكو» وزّعونا غنائم حرب كما تُوزَّع المواشي التي أخذها الجيش الغالب من الجيش المغلوب، وأن إنذاراً قد وُجّه بحلّ الجيش، وأن الملك وافق عليه وسرّح الجيش. كل ذلك لم يعلم به عامة
стр. 87
الكبار، فما بالك بالتلاميذ الصغار؟
وسرَت أقوال أن مدير البريد العامّ حسن بك الحكيم قد أخّر برقية الملك لأنه لم يرضَ أن يكون شريكاً في هذا الموقف الذليل، ثم تبيّن أن ذلك لا أصل له. وحسن بك السياسي النظيف رئيس الوزارة مرات، رجل الاستقامة والإصلاح لا يزال حياً، يعيش على راتب تقاعدي لا يعدل راتب معلم ابتدائي، وهو أحد الأعلام في تاريخنا الحديث، ولو شاء لكان كما كان غيره من أصحاب الملايين. فيا أسفي! أهكذا يُعامَل شرفاء الرجال؟ (١)
واشتعلت البلد بنار الحماسة، وكان الوطني المخلص وأحد أركان التعليم الشيخ كامل القصّاب يُذْكي هذه النار ويُضرمها، وتألّفت اللجان الشعبية لجمع المال (٢)، وهجم الناس على الثكنة الحميدية (القشلة، وهي تشبه أختها في مكّة، وهي اليوم جزء من جامعة دمشق) وخطفوا ما وجدوا من السلاح، ومنهم من أخذ بندقية فرنسية ورصاصاً ألمانيا فانفجرت به.
وظنوا بأن الحرب تُكتسَب بالخطب، كما ظن ذلك الأستاذ أحمد الشقيري ﵀ (وأبوه الشيخ أسعد من قبله، وكان
стр. 88
خطيباً مثله) وكما يظن كثيرون، وخرجوا بالأهازيج والأناشيد يتسابقون إلى ساحة المعركة.
وكان من المتحمسين القائد الشابّ يوسف بك العظمة، شهيد ميسلون وقبره فيها. ولم يستمع أحد لنصح كبار العسكريين كرضا باشا الركابي، وكانوا يظنون أن جماهيرَ ما عندها من أدوات الحرب إلا الحماسة تستطيع أن تردّ جيشاً فرنسياً يقوده جنرال! فكانت الهزيمة المرتقَبة بعد قتال قصير، ودُفن الاستقلال وهو لم يتمّ سن الرضاعة، وبدأ حكم الأجنبي للشام.
* * *
أما المنعطف الصغير في حياتي أنا فهو نقلي من المدرسة السلطانية الثانية (الرسمية) إلى مدرسة الشيخ عيد السفرجلاني (الأهلية)، وكانت في الجَقْمَقيّة. أما «الجقمقية» فقد بناها جَقمق المتوفّى في سنة ٨٢٤هـ (١)، وهي في جوار قبر صلاح الدين
стр. 89
الأيوبي. ومثلها المدرسة السُّمَيساطية التي كانت يوماً دار عمر ابن عبد العزيز خامس الخلفاء الراشدين، والمدرسة الإخنائية، وقريب منها العادلية التي بناها العادل الأيوبي، وفيها اليوم مجمع اللغة العربية، وكانت يوماً دار الإفتاء وكان المؤرخ ابن خَلِّكان ينام فيها. وأمامها الظاهريّة (١)، أغنى المكتبات في الدنيا بالمخطوطات في علوم الحديث، وقد صنع لها المحدّث الشيخ ناصر الألباني (٢) فهرساً.
وهذه المحلة من دمشق ممتلئة بالمدارس القديمة، حتى إنك لتلقى داراً مملوكة على بابها لوحةٌ باسم المدرسة وواقفها وما وقفه عليها، وهذا من العجب. وأعجب منه أن جدار الأموي الشمالي (وعرضه نحو المترين أو قريب منهما) فيه نافذة، أرضها ملحَقة بدار مملوكة مُسجَّلة في السجلّ العقاري، وهي من جدار الجامع!
стр. 90
ومحلّة أخرى كان فيها سلسلة متصلة من المدارس، هي ضفّة نهر يزيد من غرب دمشق على سفح قاسيون إلى حارة الأكراد، لم يبقَ منها إلا أنقاض مدرسة في أعلى شارع المالكي وعدة مدارس في الصالحية، ومدرسة ركن الدين، ومجموعة من المدارس في طريق لا يزال اسمه «بين المدارس».
ويقولون إن ذلك العصر كان عصر الجهل والانحطاط!
* * *
والجقمقية قد جدّدَتها وزارة الأوقاف بإشراف إدارة الآثار وأعادتها كما كانت، وهي من أجمل المباني المملوكية.
أما الشيخ عيد فهو معلّم الشام حقيقة لا مجازاً. ولقد كتبت عنه كثيراً، وفي كتبي كلام طويل عنه (١)؛ فقد لبث يعلّم أكثر من ستّ وستّين سنة. ولقد كان أبي تلميذاً لديه ثم صار معلّماً عنده، ولقد رأيت في سجلات مدرسته اسم التلميذ، ثم اسم ابنه، ثم اسم حفيده، ثم اسم ابن الحفيد! علّم أربعة بطون. وابنه الأستاذ عبد الرحمن كان شيخَ المعلمين الرسميين بعد الأستاذ سعيد مراد والشيخ محيي الدين الخاني، وسيأتي الكلام عنه.
في هذه المدرسة بدأ التأثير الباقي في نفسي للأساتذة الذين
стр. 91
حضرت دروسهم، أما الشيخ عيد فكان له أبقى الأثر فيها. وما كان يعلّمنا ولا يلقي علينا دروساً، بل كان يلقي الكلمة فيصيب حبّات القلوب منّا. وأنا قد نسيت أكثر ما سمعت من دروس المدرسة، ولكن أمثال هذه الكلمات التي تأتي في موضعها وتقترن بمناسبتها لا تزال في أذني وفي قلبي.
كان شيخاً كبيراً وكنا نتكوّم حول مكتبه، يبري لنا أقلام القصب ويُهدي إلينا رسائل عليها خطّه (وكان يُحسِن الخط) ويحدّثنا، فإذا أراد أن يؤدّب واحداً منّا أخذ برأسه فحناه على صدره (صدر الشيخ) ثم أمسك بالعصا بجمع يده، إبهامه إلى أعلى، ثم ضربه على ظهره ضربات لا تؤذي. وكان إذا شتم قال للمذنب: «يحرق بدنك»، ويضرب لنا الأمثال فيقول: كونوا مستقيمين، ولكن استقامة «الحورة» (١) لا استقامة عمود الكهرباء؛ الحورة تميل قليلاً مع الريح وتبقى على استقامتها، أما العمود (وكان يومئذٍ من الخشب) فإنه يعاند حتى ينكسر.
ولطالما حفظت أحاديث صحيحة وأحكاماً فقهية ووعيت نصائح وحِكَماً انتفعت منها في حياتي، كل ذلك من هذه الكلمات. فإذا دخل الغرفة المراقب (وكنا نسميه الناظر، وهو موظف لديه وتابع له) قال ضاحكاً: لقد جاء فاهربوا.
ومن هو الناظر؟ هو الشيخ محمود العقاد، أحد تلاميذ أبي وأقربهم منه صلة، وكان حسن الصوت مجوّد القراءة يُتقن
стр. 92
الأناشيد، فإذا انتهى الدرس بعثتني جدّتي إليه لأقول له: يا شيخ محمود، اقرأ لنا أو أسمعنا نشيداً. وكان يفعل.
وجئت المدرسة وهذا نظري إليه وحكمي عليه. وإذا هو في المدرسة رجل آخر غير الذي عرفته في الدار، لا ينشد ولكن يشدّ أرجلنا في الفلق ويقرعها بالعصا. كان مخيفاً، وكان التلاميذ إذا خرج عليهم وهم في الفرصة وهم يصرخون ويصيحون صمتوا فجأة وكُمّت أفواههم. ولمّا صرفه الشيخ عيد (أو انصرف هو) جاء يودّعنا يرتقب منا أن نبكي حزناً للفراق، ففرحنا من الأعماق.
أقول هذا بلسان ذلك التلميذ، وأشهد -وقد استمرّت صلتي به إلى أن توفّاه الله من سنوات- أنه كان يحب الخير للتلاميذ ويريد لهم الكمال، أمّا الشدة فقد كانت (موضة) المعلمين في تلك الأيام.
* * *
في هذه المدرسة اتضح لي طريق الجمع بين القراءة على المشايخ على الأسلوب الأزهري القديم، والدراسة في المدارس على الأسلوب الجديد.
ولقد كنت -منذ وعيت- أجد إذا أصبحت مشايخ بعمائم ولحى يقرؤون على أبي، وكنت أدخل بالماء أو بالشاي فألتقط كلمة بعد كلمة، لا أفهم معناها ولكن تبقى في نفسي ذكراها. ثم صار أبي يأمرني أن أناوله الجزء الأول من حاشية ابن عابدين، أو الثاني من الفتاوى الهندية، أو جزءاً من القاموس، أو تنقيح الحامدية ... فعرفت بعض أسماء الكتب.
стр. 93
ولكن لم يَضِح (١) لي الطريق إلا في هذه المدرسة؛ إذ كان بين مدرّسينا شيخ جليل، ولكنه شديد. كنا -مع الأسف- نحترمه ولا نحبه، وكنت أحضر دروسه في الأموي يوم كان في الأموي أكثر من عشرين حلقة دائمة، وكانت حلقته متميزة تجمع العلم والأدب والفقه والشعر، يتكلم بلهجة تونسية يلقي جُمَلاً مسجَّعة كثيرة الترادف مزيَّنة بالشواهد، كأنه يقرؤها من كتاب مطبوع، هو الشيخ صالح التونسي (٢).
لهذا الشيخ ولصديقه الشيخ الكافي (وسأتكلم عنه) أثر بالغ في نفسي، ذلك أنه كان صديق أبي، وكانت له غرفة في المدرسة البادرائية (٣)، فألزمني أبي بأن أحضر عليه في غرفته «دروساً إضافية» فوق دروسه التي ضقت بها في المدرسة، وكنت أتمنى الخلاص منها ولكن أمر الأب لا يُرَد.
ولقد أدركت بعده مبلغ ما استفدت منه، حين حفّظني ألفية ابن مالك والجوهر المكنون في البلاغة، ومتوناً أخرى نُقِشت في خاطري في الصغر وانتفعت بها في الكبر.
* * *
стр. 94
-٩ -
عهد جديد في حياتي
وذكرياتي عن الجامع الأموي
عهد «المدرسة الجقمقية»، مدرسة معلّم الشام الشيخ عيد السفرجلاني، عهد جديد في حياتي. دخلت قبله كتّاباً ومدرستين ومررت بجماعة من المعلّمين والمدرّسين، وقد ترك ذلك في نفسي أثراً بلا شك، ولكني لم أدركه في حينه ولا أذكره الآن، إمّا لصغر سنّي وإما لأني لم أصادف المدرّس الذي أعطاه الله القدرة على فرض نفسه على تلاميذه، وأوّل عهد شعرت بأثره فيّ هو هذا العهد.
وأستطيع حصر عوامل هذا العهد في تكوين فكري وتحديد سلوكي في أربعة: مدير المدرسة وصاحبها الشيخ عيد السفرجلاني، والجامع الأموي وحلقاته، ومدرّسنا الشيخ صالح التونسي، ورجل عالِم كان صديق أبي وأعمامي، كان قويّ الشخصية فقيهاً مالكياً عظيماً قويّ التأثير فيمن حوله، على شذوذ فيه هو إلى شذوذ العباقرة أقرب منه إلى شذوذ أشباه المجانين.
أما الشيخ عيد فقد أوردت طرفاً من أخباره وجانباً من وصفه
стр. 95
في الحلقة الماضية، ولكن لا بأس بأن أحدّثكم بشيء جديد عن هذا الرجل.
هذا الرجل كان معلّماً عظيماً، ولم يكُن يلقي علينا دروساً محدّدة الأبواب واضحة المنهج، بل كان ينثر أقواله ونصائحه نثراً، يلقيها علينا ونحن متكوّمون عليه حول مكتبه، وهو يجول بيننا في ساحة مدرسته، بل كان لا يحجبها عنا وهو يؤدّبنا. وربما مرّت الكلمة فلم نلتفت إليها عندما كان ينطق بها ولكنها كانت تُغرَس في نفوسنا، تنزل إلى أعماقها، حتى إنني لا أزال أذكر أكثرها إلى الآن كلما دعت إليها مناسبات المقام.
وأمثال هذه الكلمات يلقيها معلّم يجتمع له في قلب تلميذه الحب مع الاحترام هي التي تبقى على كرّ الأيام، وإن نُسيت محاضرات الفصل التي يكون فيها الامتحان. أضرب لكم عليها مثالاً: تجوز الصحراء فلا ترى إلاّ أرضاً جرداء، لا ظل ولا ماء ولا نبتة خضراء، فإذا نزل المطر اهتزّت وربَت وكُسيت ثوباً أخضر من العشب والزهر وصارت مرعى للسوائم ومتعة للنظر، فمن أين ترونه قد جاء هذا النبات؟
مِن بذور صغار قد لا تأخذها من دقّتها الأبصار، قد ركّب الله لبعضها ما يشبه الأجنحة القصار، تحملها الرياح فتلقيها بين حبات الرمال، فلا ترى إلا تلالاً من الرمل تتلظّى تحت وهج الشمس. فإذا أنزل الله الأمطار وجمع الله لها «الظروف» التي جعلها سبب الإنبات كان منها هذا النبات، وكان منه الزهر البارع والثمر اليانع، أو كان منه الشوك الجارح والسم الناقع.
стр. 96
وكذلك كلّ ما تسمعه، لا سيما إن سمعتَه في الصغر؛ إنه بذرة خير أو بذرة شرّ، إذا جاءها «الظرف المناسب» وضعتك على طريق الجنة أو على سبيل النار.
فانتبهوا -يا أيها القرّاء- لما تنظرون فيه من كتب ومجلات، وما تسمعونه من إذاعات ومحاضرات، وما تشاهدونه من مسلسلات ومسرحيات، ولا تظنوا أن أثر ذلك يذهب مع إكمال الكتاب أو انتهاء المحاضرة أو إسدال الستار على المسرحية، بل إن بعضه يبقى ما بقيَت الحياة.
فيا رحمة الله على الشيخ عيد السفرجلاني وعلى أمثاله من مشايخنا الأوّلين، الذين كانوا لنا آباء وكانوا مربّين، وكانوا مراقبين ناصحين.
الشيخ عيد هذا أعلم أن تسعة وتسعين بالمئة من قرّاء هذا الفصل لم يسمعوا باسمه ولا أحسبهم يهتمّون بخبره. وكذلك يكون نصيب الجندي المجهول من ثناء الناس، ولكنْ ما له وللناس؟ وما الذي يرجوه من الناس؟ إنه عند الله معلوم لا مجهول، وإنه يرجو ونرجو له -من فضل الله ورحمته- الجنة، ونرجوها لأمثاله من المجاهدين المخلصين والعاملين الصامتين.
الشهرة وخلود الذكر ليست ما ينفع الناس ويمكث في الأرض، بل هو رضا الله وثوابه العظيم. فاطلبوا ما يبقى، لا تجعلوا أكبر همكم السعي لما يفنى. أسأل الله أن يوقظ قلبي وقلوبكم من غفلتها، فأنا أحوج إلى هذه الدعوة أكثر منكم.
* * *
стр. 97
والجامع الأموي.
وهل تظنون أن استطراداً في فصل من هذه المذكّرات مساحته بضع صفحات يتّسع للكلام عن الجامع الأموي؟
لقد كانت المدرسة الجقمقية (ولا تزال) أمام الباب الشمالي للجامع، فكنا ندخله كلما سنحت لنا فرصة بين الدروس وفي أوقات الصلوات، وكان لنا مهوى القلب ومستقرّ الحب، كما كان -مع الأسف- ميدان اللعب!
لقد كنت في تلك الأيام التي أتكلم الآن عنها (سنة ١٩١٩) كلما سمعت خبراً عن الأموي أختزنه في ذاكرتي. وكنت لا أنسى شيئاً سمعته أو قرأته، أحفظه من مرة واحدة فلا يفلت مني.
تقولون: «إنّ الفتى مَنْ يقولُ هأنَذا»، فلا تفخر بما كان بل صِفْ ما هو كائن الآن. أصدقكم القول: إنني لا أزال أحفظ ما أسمع أو أقرأ، ولكني أنسى نصفه فأرويه بمعناه، وأنسى ممّن سمعته أو أين قرأته. وهذه نعمة أحمد الله عليها. أتريدون أن أكون في الشيخوخة كما كنت في الصبا؟ هيهات!
أترجو أن تكونَ وأنتَ شيخٌ ... كما قد كنتَ أيامَ الشبابِ؟
لقد كذَبَتكَ نفسُك، ليسَ ثوبٌ ... خليقٌ كالجديدِ من الثيابِ
وحسبي أنني الآن -بفضل الله- أقوى جسداً وأوعى ذاكرةً مِن أكثر مَن أعرف من الشيوخ.
ثم صرت بعد ذلك أدوّن ما أجد من أخباره حتى اجتمع
стр. 98
لي منها الكثير الكثير، فلما كلّفَتني وزارة الأوقاف أيام الوحدة مع مصر أن أؤلّف عن «الأموي» كتاباً يكون دليلاً للسيّاح أخذت منها خلاصة وافية، وضعتها في كتاب عنوانه «الجامع الأموي» يبيعونه لزوّار المسجد من السيّاح ويأخذون (هم) ثمنه. ولم أبيّن فيه المراجع التي أخذت منها الأخبار لأنني في كتابي «أبو بكر الصدّيق» المطبوع من أكثر من خمسين سنة وكتاب «عمر بن الخطاب» ثم «أخبار عمر» الذي جمعته من مئة وسبعين مرجعاً، قد وضعت في الذيل مصدر كل خبر (الكتاب والطبعة والجزء والصفحة)، فأخذ ذلك كُتّاب كبار وصغار منهم العقاد في «العبقريات» ومحمد حسين هيكل، ونسبوا الخبر إلى مصدره وأهملوا ذكر كتابي الذي نقلوا منه اسم المصدر، ولي على ذلك أدلة وبراهين وقد قلته من قبل، سامحهم الله.
ولست أعرض هنا لما في كتابي «الجامع الأموي» لأني لا أكتب اليوم بقلم المؤرّخ، بل أتكلم بلسان المحدّث.
لقد كان الأموي -يومئذٍ- حافلاً بحلقات التدريس، لا يكاد يخلو من ثلاث أو أربع منها (على الأقل) إلاّ ساعات محدودات قبل الظهر وبعده؛ فيه دروس بعد الفجر ودروس بعد العصر ودروس بعد المغرب. في مقدمتها حلقتا المحدّثَين الكبيرَين الشيخ بدر الدين الحسني الذي كانوا يدعونه المحدّث الأكبر، والشيخ السيد محمد بن جعفر الكتاني.
أما الشيخ بدر الدين فإني من يوم عرفت الدنيا كنت أسمع باسمه وأنه شيخ علماء الشام، ولقد وصفت مرّاتٍ درسه
стр. 99
تحت القبة (وكان التدريس تحت القبة لكبير علماء الحديث في البلد) ووصفته فيما كتبته عنه يوم وفاته سنة ١٩٣٥ في مجلة «الرسالة» (١)، وقد جعل الأستاذ الزركلي هذه المقالة من مصادر ترجمته في «الأعلام». وقد ارتجّت الشام لوفاته رجّة شديدة وهُرع علماء سوريا إلى دمشق، جاؤوا من مدنها كلها، وأتعجّل القول (وأنا أتكلم عن أحداث سنة ١٩١٩) فأقول إنهم قرّروا أن يشرّفوني بأن أكون أنا الذي ينعاه للناس في الأموي، في جمع لم تشهد دمشق جمعاً في الأموي أكبر منه.
أمّا الشيخ الكتاني فقد كان آية في معرفة علوم الحديث، وكتابه العظيم الذي سمّاه (تواضعاً) «الرسالة المستطرَفة» (٢) دليل هذا العلم الذي لا أعرف في هذا العصر ولا غيره من ألّف مثله. وأحسب أنه أملاه إملاء، وسلوا عن هذا صديق العمر أخي الشيخ ياسين عرفة الذي طبع الكتاب.
وكنا نحضر درسه فيقرأ معيد الحلقة، وهو السيد محمد الزمزمي (ابن الشيخ ووالد الصديق السيد المنتصر)، ثم يأخذ الشيخ بالكلام عن رواة الحديث واحداً واحداً، يذكر مَن وثّقه ومن تكلّم فيه، ثم يتكلم عن المتن كأنه يقرأ من كتاب، وذلك
стр. 100
في هيبة مَلِك وتواضع عابد، واطّلاع عالِم منقطع النظير، بلهجة مغربية حلوة. وكلا الشيخين (الشيخ بدر الدين والشيخ محمد بن جعفر) مغربيّ، ولكن الشيخ بدر الدين مولود في دمشق.
وقد ورد علينا مرة مغربي اسمه الشيخ البلغيثي، درّس مدّة في الأموي وكان أعجوبة في المسائل المعقولات وفي حلّ المشكلات. وممن كان يدرّس في الأموي الشيخ الكافي، وشيخنا الشيخ بهجة البيطار، يدرّس في رمضان خاصة لأن دروسه اليومية كانت في جامع الدقّاق في الميدان. وفي هذا المسجد (أي جامع الدقّاق) «بسيط» آخر مثل البسيط الموضوع في منارة الجامع الأموي، وكلاهما من صنع جدنا الشيخ محمد الطنطاوي.
ومن مدرّسي الأموي الشيخ هاشم الخطيب. والشيخ عبدالقادر الإسكندراني، وهو عالِم مصري سكن دمشق كان يتكلم بلهجة مصرية. والشيخ أحمد النويلاتي، والشيخ عبد الله العلمي المفسّر، والد الدكتور عبد الحليم وعبد الباسط (وهما من رفاقنا في مكتب عنبر) والدكتور عبد الستّار وهو أصغر منهما، وله ولد طيّب يعمل هنا اسمه الدكتور فوّاز لم ألقَه. والشيخ خالد النقشبندي، وهو حفيد مولانا خالد، هذا هو لقبه الذي يُعرف به على طريقة الهنود.
والأتراك يقولون للعالِم «المولى» فلان (١)، والأكراد يقولون «المُلاّ» فلان، وأصلها المولى. ورأيت في جاوة لمّا زرتها عالماً اسمه الكيا دحلان، و «الكيا» لقب للعالِم وليس اسماً، ومنه
стр. 101
عرفت معنى اسم الفقيه الشافعي الكيا الهرّاسي (١).
قلت: إن الشيخ خالد النقشبندي هو حفيد (أو ابن) مولانا خالد الذي جلب الطريقة النقشبندية إلى دمشق، ولكنه مع ذلك سلفيّ، وهذا من العجائب. ومثله أبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني، أموي النسب شيعي المذهب. وولدي الأستاذ سعيد المولوي، أهله من أركان الطريقة المولوية وهو سلفي! وكانوا في الشام -يومئذٍ- يَدْعون السلفيين بالوهابيين، وكانت الوهابية تهمة مخيفة (٢)، ولقد عوقبت مرة في المدرسة لأنهم أمسكوني بالجرم المشهود في حلقة الشيخ عبد القادر بدران صاحب «المدخل» (٣).
ومن مُدرّسي الأموي الشيخ يعقوب المدني، وهو من الذين هاجروا من المدينة لمّا تركها شطرٌ من أهلها هرباً إلى الشام في أواخر العهد العثماني. ومنهم الشيخ العيطة، وهو كفيفٌ طلْق اللسان عالي الصوت، صوفي خرافي (ومن الصوفية ما يمشي مع الشريعة ولا يخالف الكتاب والسنة، ككتاب «مدارج السالكين»).
стр. 102
وممّن جاءنا من المدينة الشيخ الغاطس، أحد مؤذّني المسجد النبوي، وقد تلقّى عنه بعض مؤذّني الأموي نغمة الأذان المدني. ومن عادات هؤلاء المؤذّنين أنهم يأتون بعد صلاة العشاء بابتهالات وأناشيد نبوية موجود مثلها في مصر وغيرها (وهي بدعة)، لكن الذي في دمشق ينفرد بشيء لا يوجد مثله -فيما أعلم- في غيرها؛ هو أن لحن هذه الأناشيد مربوط بالأيام، فلكل يوم مقام (نغم) من المقامات السبعة الأصلية، فمَن لم يعرف ما هو اليوم وكان له بصر بالأنغام عرفه من نغمة (أي من مقام) النشيد. وأحسب أن هذا الترتيب من وضع الشيخ عبد الغني النابلسي.
ومن مدرّسي الجامع الأموي الفقيه الشافعي الكبير الشيخ الجوبري، والشيخ العذري، وهو رجل عجيب إذا أسمعتَه بيتاً في الغزل هاج وماج، وكان في درسه صراحة عجيبة، كان يشتم الفرنسيين ومَن يعاونهم أقبح الشتائم فمنعوه من التدريس.
وكان كلّ من ورد دمشق من العلماء يقرأ درساً في الأموي يبيّن فيه عن علمه ويكشف عن مشربه، ولقد حضرت دروساً منها لأكابر علماء مصر والشمال الإفريقي وغيرهما.
* * *
ولما جاءنا الشريف فيصل كَثُرَ الواردون من الحجاز من علماء وغير علماء، وهذه حادثة طريفة إذا لم تجدوا في روايتها نفعاً فإنكم واجدون في ذلك متعة. هي أن الشريف فيصل نزل في دار عثمان باشا، وهي الدار التي اشترتها فيما بعد السفارة الفرنسية
стр. 103
وسكنتها، وهي في محلة «العفيف» أول حيّ المهاجرين، ونزلَت حاشيته الدُّورَ المجاورة لها. وكان لعمي الشيخ عبد القادر دار كبيرة جداً لها برّاني وجوّاني (اقرأ وصفها في كتابي «من حديث النفس») (١) فاستأجروا برّانيها.
وكنت أمشي يوماً في الحرم في مكة أول سكني بها (وذلك سنة ١٣٨٤) ولم يكُن قد تم بناؤه، فسمعت صوتاً يناديني، فالتفتّ فإذا أنا بشيخ له سمت وهيئة مع جماعة يتبعونه، فوقفت له حتى وصل. قال: أنت الشيخ علي؟ قلت: نعم. فهشّ لي ورحّب بي وسلّم عليّ، وانطلق يسألني فقال: ابن الشيخ مصطفى؟ قلت: نعم. قال: كيف حاله؟ فدُهشت وقلت: ﵀. قال: متى؟ قلت: في شعبان سنة ١٣٤٣، أي من أربعين سنة. قال: ﵀، ﵀. وعمّك الشيخ عبد القادر؟ قلت: تُوُفّي من عشرين سنة. قال: وأخوه؟ وفلان وفلان؟ يسأل عن ناس مرّت على موت أقربهم وفاةً عشرون سنة.
قلت: يا سيدي، من أنت؟ هل أنت من بقايا أهل الكهف؟! فإذا به الشيخ حسن فدعق ﵀، وكان -كما تذكرت بعدُ- إماماً للشريف فيصل، استأجر برّاني بيت عمي وعرفنا ونحن صغار، ﵏ جميعاً (٢).
* * *
стр. 104
-١٠ -
من جوار الأموي إلى سفح جبل قاسيون
الطريق طويل، وأنا أمشي كالسلحفاة. لقد رضيتم مني أن أكون كالسائح؛ يقف ليرى فيصف ثم يعاود المسير، فرأيتُني الآن أقف ولا أسير، فدعوني أسرع وأدع التفصيل في الكلام عن عهدٍ أكثرُ القرّاء لم يدركوه، وعن رجال لم يسمعوا بهم ولا يعرفونهم.
وسأكتب إن شاء الله عن الشيخ الكافي وغيره في فصول آتيات أو في طبعة مقبلة من كتابي «رجال من التاريخ» (١). أمّا الشيخ صالح التونسي الذي كان يدرّسنا في المدرسة الجقمقية فلا بدّ لي من وقفة قصيرة معه.
لقد عرفته من حلقته في «الأموي» قبل أن أقعد تلميذاً بين يديه في المدرسة. كانت حلقات الدروس في الأموي كثيرة في علوم مختلفة، منها ما هو لطلبة العلم ومنها ما هو مواعظ
стр. 105
للعامة، ولكن درس الشيخ صالح كان يمتاز منها جميعاً؛ كان موعظة، وكان أدباً، وكان تاريخاً. وما أكثر ما حفظت فيه من أحاديث صحيحة، ومقطوعات من الشعر بارعة، وأخبار من التاريخ نادرة.
وكان يُلقي ذلك بلهجة تونسية فصيحة المبنى جامعة المعنى كثيرة الأسجاع، تأتي معه عفواً بلا تكلّف. لا يكتفي بأن يتكلّم ونحن نسمع، بل كان يسأل ويطلب الجواب، فيكون لنا من درسه -فوق ما نتلقّى من العلم والأدب- تدريب على الخطابة وتمرين على الكلام. وهذا فن عُني به العرب قديماً حين كان من خطبائهم من يدرّب على ذلك الشبابَ، وعُني به الأميركان حديثاً إذ يفتحون مدارس يتعلم فيها تلاميذهم (وجلّهم من الكبار) فنّ مخاطبة الجماهير.
ثم كنت تلميذه في المدرسة، وكنت أتلقى عنه فوق ذلك درساً خاصاً، أمرني أبي به وطلبه لي منه، وكان صديقه. وأشهد لقد استفدت منه ومن المتون الكثيرة التي ألزمني حفظها: ألفية ابن مالك (١) في النحو، والجوهر المكنون في البلاغة، ومتن الجوهرة والزّبد (٢)، وإن كنت قد نسيتها الآن إلاّ قليلاً منها.
وإذا وعدتم وعد الصدق ألاّ تخبروا ولده الأستاذ
стр. 106
عبد الرحمن مدير مدارس الثغر ولا أحداً من إخوته الكرام لقلت لكم: إني كنت وكان رفاقي كلهم يحترمونه غاية الاحترام ولكنهم لا يحبونه، فقد كان معلّماً كاملاً ولكنه كان شديداً، وكان قوي الجسد مشدود العصب جاداً كل الجد، فكنا نخشى قوة بدنه أن يبطش بنا، وقوة لسانه أن يُلبِسنا من جُمَله التي كان يصوغها صياغة الفولاذ، فتعلق بنا واحدة منها وتتناولها ثم تتداولها ألسنة الرفاق فتكون لنا وصمة العمر.
وكان من أساتذتنا في المدرسة عالِم يماني اسمه الشيخ عبدالواسع بن يحيى الواسعي، لا أعرف ما صنع الله به بعد أن فارقنا. وأستاذ أظنّ أن اسمه سعيد الطيب، كان يدرّسنا النحو الفرنسي بالعربية باصطلاحات النحو العربي.
أما الذي كنا نخافه جداً ويخافه التلاميذ جميعاً فكان ناظر المدرسة، الشيخ محمود العقاد تلميذ أبي. وكان أخي ناجي يذهب معي وهو صغير، فإذا ضربوني في الدار بسبب منه أنتقم منه فأضربه حين أنفرد به، فيشكوني إلى الناظر، فيعاقبني عقوبة هيّنة في ظاهرها ولكن ضرب العصا كان أهون عليّ منها. كان يأتي بي وبرفيق لي هو عبد المجيد مراد، أخو شفيق وعبد الحميد وابن الشيخ أبي النصر مراد الذي جرّ إلينا الكهرباء من داره، وكانت له بسببها القصة التي رويتها لكم في غير هذه الذكريات (١).
стр. 107
كان يقعد على مقعد في قاعة المدرسة ويَقفنا أمامه، وينصحنا فيتكلم ويقول: ضعوا عيونكم على عيني. ويطول الكلام، وأحسّ كأني مشدود بحبل إلى عينيه والحبل يدور بي في الهواء، فلا أعود أفهم شيئاً!
وكان من رفاقنا الأستاذ محمد علي بدير كبير رجال الاقتصاد في الأردن اليوم، وابن عمه خالد ﵀، والأستاذ هدى الطباع، وعبد الوهاب محفوظ، وعبد السلام الخطيب، وواصف الخطيب، وعبده العظمة، وفؤاد الجلاد.
ومرّ العام، وودّعَنا الشيخ محمود وذهب، ثم ودّعَنا الشيخ صالح وسافر إلى المدينة فصار مدرّساً في الحرم النبوي وأقام بها إلى أن توفّاه الله. ﵀ ورحم أساتذتنا جميعاً.
* * *
كنا في «العُقَيْبة»، وهي حيّ فقير من أحياء دمشق ذُكر في ترجمة الإمام الأوزاعي أنه كان «قرية ظاهر دمشق»، مع أن بينه وبين السور ثلاثمئة متر فقط، وبين السور وبين «الأموي» مثل ذلك، قدّرته تقديراً ولم أقِسه قياساً، فسامحونا إن نسينا أو أخطأنا.
وكنت أذهب إلى المدرسة فأدخل من باب الفراديس، وهو
стр. 108
أحد أبواب دمشق السبعة التي بقي منها ستة (١) كما بقي السور سالماً، ثم أدخل السور الداخلي، وبينهما حارة تسمّى اليوم «بين السورين».
وأذكر -بالمناسبة- شيئاً نسيت أن أتكلم عنه في مكانه، هو أن جمال باشا لمّا فتح أول شارع في دمشق سنة ١٩١٦ سُمّي باسمه، فلما انتهت الحرب وخرج الأتراك سمّوه شارع النصر، يقصدون النصر على الترك.
وكنت مرّة عند شيخ مشايخنا، الشيخ عبد المحسن الأسطواني، وكيل اللجنة التي أشرفت على بناء الأموي بعد أن احترق سنة ١٣١١هـ ونائب دمشق في مجلس النواب العثماني ورئيس محكمة التمييز في سوريا، وقد عاش ١١٨ سنة وتُوُفّي كامل العقل قويّ الذاكرة. كنت عنده فسألته: أين الباب السابع من أبواب دمشق؟ أوَلم يكُن بين باب الجابية وباب الفرج باب؟ قال: بلى، كان هناك باب النصر.
فكانت تسمية الشارع بشارع النصر رميةً من غير رامٍ.
стр. 109
وانتقلت دارنا إلى الصالحية فأخرجني أبي من المدرسة الجقمقية، وفارقت جوّ الأموي الذي تحيا به الأرواح وتنتعش النفوس، يوم كان الأموي قلبَ دمشق: الدار القريبة هي التي تقرب منه والبعيدة هي التي تبعد عنه. وكان مثابة الناس؛ يجلسون فيه في «الحرم» في الشتاء، وفي الصيف يقعدون في الصحن، حيث النسيم الرخيّ لا ينقطع والماء يتدفق من (فوّهة) البركة، والرُّواق الفخم من حولهم والمآذن الثلاث (١) تطل عليهم، ويطل معها أربعون قرناً من الزمان من يوم كان معبداً وثنياً إلى أن أصبح كنيسة نصرانية، إلى أن شرّفه الله بالإسلام وضوّأ جوانبه بنور الإيمان، فكان بذلك (أي في جاهليته وفي إسلامه) أقدم المعابد القائمة في الدنيا، كما أن دمشق أقدم المدن العامرة المسكونة على الأرض.
كذلك كان الأموي، فهل تدرون اليوم ما حاله؟ كانت دمشق تحوطه بذراعيها وتعطف عليه جوانحها، تعيش بقربه وتحيا بحبه لا تستطيع الابتعاد عنه؛ صباحها فيه ومساؤها، ونهارها بجواره وليلها، فتركَته وسارت مشرّقة وسارت مغرّبة، وبقي وحده حيث كان.
وسرنا نحن مع من سار، وإن لم ننكر عهده ولم ننسَ ودّه. انتقلنا من منزلنا الصغير في آخر العُقَيْبة إلى دار كبيرة فسيحة الأرجاء، كثيرة الغرف والأَبْهاء، قريب منها الشجر والماء. الشجر
стр. 110
في بساتين الصالحية التي انتقلنا إليها والماء من نهر «يزيد»، أكبر أولاد بردى الستة في سفح قاسيون، بحيث نرتفع عن المدينة وننزل عن جادات حيّ المهاجرين، نرى من غرف الدار العليا الشامَ والأموي في وسطها.
والشام في اللغة من جنوبي تبوك إلى جبال طورس، وفي العرف البلدة القديمة. فيقول أهل الصالحية: "ذهبنا إلى الشام وعدنا من الشام" كما يقول المصريون «مصر» لا يعنون بها الإسكندرية ولا أسيوط، بل ولا يقصدون شبرا ولا حلوان (١).
وأعادني والدي إلى المدرسة الرسمية، وكان في دمشق -أول عهد الانتداب- أربع مدارس رسمية ابتدائية، وكانوا يسمونها «الأنموذج»، وهي: «أنموذج البحصة» التي كانت مدرستنا السلطانية الثانية. و «أنموذج الملك الظاهر»، وهي أقدمها وكانت في المدرسة التي أنشأها الملك الظاهر بيبرس، وهو ثالث «الفرسان الثلاثة» الذين أنقذ الله بهم سوريا من الصليبين: نورالدين، وصلاح الدين، والظاهر. وفيها اليوم المكتبة الظاهرية التي يعود الفضل فيها بعد الله للشيخ طاهر الجزائري مربّي الجيل الذي سبقنا، جمعَ الكتب التي كانت موزَّعة على المدارس والمساجد تعبث بها أيدي العابثين، وكانت منها نواة هذه المكتبة