← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1156–1195 · переход к 1161.

стр. 1156

منهما، بيغن وشامير) لو أن تلك الأوصاف كانت لهم ولو أنهم قاسوا ما يقوله رُواة حادث كربلاء لأخذتك الشفقة بهم والرثاء لهم. فكيف وهم يصفون بتلك الأوصاف ابن بنت رسول الله ‘، الحسين بن فاطمة الزهراء، وأهل بيته الأكرمين؟ من هنا كان ما نراه ونسمع به كلما جاء يوم عاشوراء، ولولاه لما كان. فلقد مات علي، وهو أفضل من ولده، ومات قبلهما رسول الله ‘، وهو أفضل منهما، فما صنع المسلمون ما يصنع هؤلاء يوم عاشوراء. * * * جلنا في الحلة التي عرفنا اسمها في الصغر من حين حفظنا القصيدة العظيمة لصفي الدين: سلي الرماح العوالي عن معالينا. ومشينا في طرقها ومسالكها حتى وصلنا رحبة واسعة في صدرها بابٌ مفتوح سمعنا منه شعراً يُنشَد بلحن حزين، فاقتربنا فرأينا ناساً قد التفّوا حول هذا المُنشِد وحفّوا به دوائر وسط دوائر، وصدورهم مكشوفة قد ستروا ما تحت السرة وأظهروا ما كان فوقها. فقال أنور بعد أن سمع الشعر: ندخل؟ فسألت مَن معنا من الطلاب لأنهم أعرف ببلادهم فقالوا: لا تدخلوا. فملت إلى رأيهم، ولكن أنور رحمة الله على روحه عمل مثل جهيزة التي «قطعت قول كل خطيب»، فدخل، ولم نستطع إلا أن نتبعه. دخلنا فاخترقنا الصفوف، وكان مَن فيها قاعدين ساكتين،

стр. 1157

قد كفّ المنشد عن النشيد فجلسوا يستريحون كما بدا لنا، حتى بلغنا صدر المسجد أو المجلس (فلم أكن أدري أي شيء هو) فوجدنا شيخاً بعمامة خضراء (أي أنه سيد منسوب) قاعداً على كرسيّ وإلى جنبه كراسيّ فارغة، دَعَونا فقعدنا عليها. فما لبث القوم أن عادوا إلى الوقوف وعاد الشاعر إلى الإنشاد، وكلما أنشد أبياتاً وقف وقفة، فرفعوا أيديهم بحركة واحدة ثم هبطوا بها على صدورهم بلطمة واحدة تهزّ جدران المكان من وقعها، ثم يعاود هو الإنشاد ويعاودون هم اللطم، حتى احمرّت الصدور وغمرهم العرق، وامتلأت القلوب مما يسمعون أسىً على الحسين وحباً به ونقمة على بني أمية وعلى أهل الشام الذين حمّل هذا الشعرُ وِزرَ ما حدث عليهم ونسبه إليهم. هنا تفيض البلاغة في صدر أحد الطلاب الذين جاؤوا معي ويغمره الشعور بمكارم الأخلاق، وتعتريه نوبة مفاجئة من نوبات الوفاء لي والتغني بمناقبي، فيقدمني للسيد ذي العمامة الخضراء فيقول له: أعرفك بأستاذي الجليل الكاتب الشامي الكبير، مؤلف الكتب العظيمة ومنها كتاب «أبو بكر الصديق» وكتاب «عمر بن الخطاب» و ... ولم أسمع بقية الكلام لأني رحت أتشهّد ليكون آخر كلامي من الدنيا «أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمداً رسول الله». لم أعد أسمع ما يقول لأني شعرت أن قلبي هبط إلى أسفل البطن كما يهبط المصعد الذي انقطعت سلاسله فجأة في العمارة! وأيقنت بالموت، وتلفّتُّ حولي لعلي أجد مهرباً، فإذا المكان

стр. 1158

محاط بجدران مغلقة ليس فيها إلا الباب الذي دخلنا منه، ما للمكان نافذة ولا طاقة، وبيني وبين الباب العشرات من عراة الصدور الذين يضربون صدورهم ضربات لو نزلت على رأس ثور من ثيران المصارعة في إسبانيا لخرّ صريعاً للفم ولليدين! فكيف تكون حالي معهم لو عرفوا أني من أهل الشام وأني مؤلف كتاب أبي بكر وكتاب عمر؟ ومن أين أثبت لهم أني بريء من دم الحسين، لم يشارك في جريمة قتله أحد من أجدادي لأنهم كانوا في طنطا في مصر، أو لعلهم كانوا في المغرب أو في الهند أو في سيام (تايلاند)؟ حسبي أنهم لم يكونوا في الشام، ولو كانوا فيها فإنهم بُرَآء من دم الحسين، ولو حضَرتُه لفديته بروحي غيرَ متردد، وكذلك يفعل كل مسلم. ولكن هل كانوا يدَعون لي فرصة للدفاع عن نفسي؟ ولو حاولت الدفاع فمن منهم يصدّقني؟ هنالك سُقط في يدي ويئست من النجاة، وصار ما أدعو الله به سراً أن يجعل ميتتي سهلة فأموت بلا عذاب، أما النجاة فقصر عنها أملي. هذا وأنا أُلامُ على جرأتي وتهوري، ما كان الجبن يوماً من عيوبي. أما أنور الذي أدخلنا هذا المدخل فقد اختلست نظرة إليه فوجدت لون وجهه كلون قشرة الليمون البلدي، أصفر ما فيه نقطة من دم. فنظرت إلى وجه السيد ذي العمامة الخضراء لعلّي أستشفّ منه ما ينويه، فما دلّ وجهه على شيء، فتركت الأمر لله. وطال الموقف وأنا على هذه الحال من الترقب والفزع، حتى مرت سبعون ساعة كاملة متواصلة ولم يتبدل شيء، وكل دقيقة منها بساعة. حتى إذا انتهى الإنشاد وسكت المنشد رأيت

стр. 1159

القوم كأنهم يستعدون للرحيل، فهم يُخرجون ثيابهم فيَدخلون فيها، لم أعلم أين كانوا يخفونها. فعرفت أنها انتهت النوبة وأن هؤلاء يذهبون ليأتي غيرهم، فأمنت قليلاً، ونظرت في ساعتي فإذا المدة التي أحسست أنها سبعون ساعة لم تكن أكثر من عشرين دقيقة، ولكن زمن الألم والخوف يطول! فودّعت السيد وأسرعت إلى الباب، فلما صرنا في الطريق حمدت الله على أني رجعت إلى الدنيا بعدما كدت أرى الموت. وبقينا في الحلة يومين، وعرفت هذا السيد من قرب فوجدته ظريفاً لطيفاً أديباً لبيباً بعيداً عن العصبية (أو لعلها هي التَّقِيّة)، فذكّرته بما كان فقال: احمد الله على السلامة وعلى أنهم لم يسمعوا ما قال الطالب. قلت: ألم تكن لتحميني منهم؟ فضحك وقال: ومن يحميني أنا إن حميتك؟ لا والله، ما كنت لأحميك بل أدعك لترى مصيرك! * * * لم أتعرض مدة بقائي في بغداد إلى نزاع السنة والشيعة، لأني كنت أحاول التوفيق لا التفريق والوئام لا الخصام، حتى إذا جئت البصرة وكان الطلاب فيها يسألونني فأجيب بما أعرف من قول أهل السنة، لما كان ذلك ساء مشايخَ الشيعة في البصرة فبعثوا إليّ: إذا شئت المناظرة فناظِرنا نحن العلماء، لا الطلاب الذين لا يعلمون. وكنت من صغري أحب المناظرة وقد أوتيت جدَلاً، فقلت: نعم. وتواعدنا على اللقاء، فبلغ ذلك المتصرّف فخاف الفتنة

стр. 1160

فمنعنا، ثم أذن لنا على أن تكون المناظرة بإشرافه، نأتي نحن بخمسين رجلاً وهم بخمسين، وتؤلَّف هيئة للتحكيم نحن ننتخب عضواً منها وهم عضواً، والثالث يختاره المتصرف. وجاء يومُ المناظرة، ودخلت وأنا واثق من نفسي، أو مغترّ بها معتمد عليها. وبدؤوا هم الكلام، وكان ينبغي أن نختار بالقرعة البادئ منا. وجعلوا يسألونني، والمسؤول في المناظرة كمن يتلقى الهجمات في المعركة، والسائل هو المهاجم. وهو متمرسون بالمناظرات متمرّنون عليها مُمسكون بأطراف الخلاف. لما رأيت ذلك وعلمت أني سأنهزم صَغُرت عليّ نفسي وتبخر منها غرورها وعادت إلى حجمها، فتوجهتُ بقلبي إلى الله منكسراً متوقعاً الهزيمة، وقلت: يا رب، أنا هنا أدافع عن سنة نبيك وعن مذهب أهل الحق، فلا تؤاخذني بما كان مني وانصرني، فإنك تنصر الحق الذي أذبّ عنه. ومَن توجه إلى الله بالانكسار رزقه الله عزة الانتصار، ومَن اعتمد على نفسه وَكَله الله إليها. وكنت أدعو مضطراً واثقاً من الإجابة، فما هي إلا لحظات حتى انفسح لي طريق إلى أخذ المبادرة لي بالكلام. وكان الكلام على بيعة أبي بكر، فقلت لهم: كيف بايع علي أبا بكر وأنتم -شيعة علي- تنكرون خلافته؟ هل بايع مختاراً أو مكرَهاً؟ إن قلتم إنه مكرَه سلبتموه أحد شرطَي الخلافة وهو القوة، إذ لا يصلح لها إلا المؤمن القوي. ثم إنكم خالفتم بذلك الواقع لأن علياً ﵁ كان أعزّ من أن يُكرهه أحد على ما لا يريد، بدليل

стр. 1161

أنه تأخر عن البيعة عدة أشهر فما عرض له أحد، وأن سعد بن عُبادة لم يبايع فلم يجبره أحد على البيعة. فإذا كان قد بايع باختياره لم يبايع مُكرَهاً فإنني أسألكم: هل بايع وهو يعلم أنه يبايع صالحاً للخلافة أهلاً لها وأنه بذلك يُرضي الله، أم بايع ابتغاء الدنيا؟ لقد كان علي ﵁ أتقى لله من أن يبايع مَن لا يرى صلاحه للخلافة. فحاولوا تبديل الموضوع وصرف الكلام عن وجهته، فقلت: لا، هذا هرب من الجواب وأنا ألزمكم به. واشتدّ الخلاف فطلبت من لجنة التحكيم أن تقول كلمتها، فقالت لهم اللجنة: إنكم هربتم من الجواب، وإن لم تجيبوا لزمتكم الحجة. وانتهت المناظرة. وخرجت وأنا أنفض عني غبار الموت. ولعله أشد من الموت بأيدي اللاطمين في الحلة، لأن ذاك موت فردي لي وهذه هزيمة لمبدأ أقمت نفسي بحماقتي محامياً عنه، ودخلت المعركة معتمداً عليها لا على الله. وحفظت بعدها الدرس، فلم أدخل معركة إلا بعد أن أمحو من نفسي غرورَها وأعتمد في النصر على خالقها ومسيّرها. وكذلك يكون النصر في المعارك كلها: معارك الكلام ومعارك الحسام. * * *

стр. 1162

-٩٨ - دروس الأدب في بغداد (١) ذُمَّ المنازلَ بعدَ مَنزلةِ اللّوى ... والعيشَ بعدَ أولئكَ الأيّامِ أيامي التي مضت ولن تعود، أحنّ إليها ولا أدري لماذا الحنين إليها؟ أنا الآن أوسع -بحمد الله- دنيا، وأكبر اسماً، وأكثر مالاً، لا أشكو من مرض، وما بي حاجة إلى أحد، قد كفاني الله بفضله عمّن سواه. ولكنه الإنسان يزهد فيما وجد ويشتهي ما فقد؛ فأنا أحنّ إليها لأني فقدتها، أيامي في مصر سنة ١٩٢٨، أيامي في بغداد سنة ١٩٣٦، أيامي في بيروت سنة ١٩٣٧ ... وقبل ذلك أيامي في دمشق، بلدي الحبيب الذي أتمنّى أن أقضي في ربوعه ما بقي لي من العمر (وهو قليل) بين أهلي فيه وبين أصحابي. ولكن أين أهلي وأين أصحابي؟ ما بقي منهم إلاّ أقلّ من القليل، فلو ذهبت الآن إلى الشام لغدوت فيها غريباً: هذا جزاءُ امرئٍ أقرانُهُ دَرَجوا ... مِن قبلِهِ فتمنّى فُسحةَ الأجلِ بل أين دمشق؟ أين البلد الذي شهدتُه صبياً وشهد صباي؟ لقد تبدّل فيه كلّ شيء. لا الدارُ دارٌ وَلا السكّانُ سكّانُ

стр. 1163

يقول الشريف الرضي: وقائلةٍ في الرّكْبِ: ما أنت مُشتهٍ؟ ... غداةَ جزَعنا الرمْلَ، قلتُ: أعودُ وهيهات! فلا الماضي يرجع ولا الشباب يعود، ولا مَن جعل الله أمرَ الناس في يديه يتركني أكحّل العين برؤية بلدي قبل الممات. * * * كنت أجلس في دار العلوم في الأعظمية كلّ مساء بإذن من المدير، في هذا الصحن المشرق تظلّلنا الأشجار قد أثقلتها ثمارُها، وتحفّ بنا الأزهار قد ملأت صدورَنا عطورُها، ومن فوقنا زقزقة العصافير كأنها موسيقى بارعة ما وضعت أنغامَها عبقرية إنسان. وكان الفرّاش يُعِدّ الشاي، وكان الباب مفتوحاً، فليس تخلو عشيّة من أساتذة كرام يزوروننا أو طائفة من الطلاّب يجيئون إلينا أو جماعة من الجيران. نبقى بين أحاديث تدور: أحاديث في العلم وفي الأدب، ومناظرات تتخلّلها مراجعات في الكتب (وفي المدرسة مكتبة كبيرة فيها كتب قيّمة) حتى نسمع داعي الله للصلاة، فندخل المسجد من باب بينه وبين المدرسة فنصلّي. ما رأيت في هذا المجلس منغّصاً إلاّ مرّة واحدة؛ كنت فيها وحدي فدخل عليّ رجل ثقيل لا أعرفه وقال: كم تأخذ راتباً؟ قلت: لماذا تسأل؟ قال: أنتم الغرباء تأخذون أموالنا و «تُقَشْمرونا». أفليس من حقّي أن أسأل وأنا من أهل البلد ومن أصحاب المال؟

стр. 1164

قلت: نعم، إنك من أهل البلد وأنا غريب من أهل الشام. ونحن نأخذ من مال العراق، ولكن نأخذه بعملنا لا نأخذه صدقة. ثم إن أصحاب البلد أنابوا عنهم ممثّلاً لهم هو وزير المعارف، فهو الذي أمضى العقد معي وهو الذي يسألني، لا يسألني كلّ من سكن العراق، ولست مضطراً أن أُجيب كلّ مَن مشى في طرق العراق. والآن تفضل اخرج! وكنّا أحياناً نسمع هذه المقالة أو تبلغنا: هي أننا جئنا نأخذ مال العراق، وسنعود نسبّ العراق ونحقره أو ننساه فلا نذكره. فهل رأيتموني شتمت العراق أو نسيته؟ ها أنَذا بعد نحو خمسين سنة أتعلّل بذكرى العراق وأثني على العراق، ما شتمتُه ولا نسيتُه ولا نسيه مِن إخواننا وأصحابنا الذين كانوا معنا أحد، لا أنور ولا مظهر ولا زكي مبارك ﵏، ولا عبد المنعم خلاّف مدّ الله في عمره. أسأل من عرفه من قرّاء هذه المقالة أن يخبرني: كيف حاله؟ وأن يُبلِغه تحيّاتي وأن يحمل إليه حُبّي، فلقد كان رفيقي في مصر في دار العلوم سنة ١٩٢٨، وفي المؤتمر الإسلامي في القدس سنة ١٩٥٤، وفي القاهرة وفي دمشق، كما كان من إخواننا من مصر في تلك الأيام الأستاذ محمود شاكر والأستاذ عبد السلام هارون. * * * كنت أُدرّس الأدب لا على أنه واجب مدرسي بل على أنه إمتاعٌ نفسيّ. كنت أُشعِر الطلاب لذّته وجماله، وإن لم أُقصّر في إكمال المنهج وإعداد أسباب النجاح في الامتحان.

стр. 1165

وكنت مع طلاّب أُولي ذكاء وفطنة وأدب وتقدير للمدرّس، ففتح الله عليّ بأشياء أُلهمتها وما سُبِقت إليها. منها أنّ كتب تاريخ الأدب التي كانت تُدرَّس يومئذ في المدارس، في مصر وفي غيرها، كانت تنسب لابن المعتز الموشَّح المشهور: أيُّها السّاقي إليكَ المُشتكَى ... قَدْ دَعَوْناكَ وإنْ لم تَسْمَعِ ونديمٍ هِمتُ في غرّتِهِ ... وبشُربِ الرّاحِ من راحتِهِ كلّما استيقظ من سَكْرتِهِ جَذبَ الزّقَّ إليهِ واتّكا ... وسقاني أربَعاً في أربَعِ فأمليت على الطلاب شكّي في نسب هذا الموشح إلى ابن المعتز، ودلّلت على ذلك بأدلّة منها: أنه لا يشبه أسلوب ابن المعتز، الثاني: أنه لو كان له لقلّده شعراء من أهل عصره، ولكثُرَت الموشّحات ولم يجئ فلتة لا نظير لها. وأدلّة أخرى أمليتها عليهم. ثم مرّت الأيام فتبيّن للباحثين أن الموشح ليس لابن المعتز (١). لقد درست معهم الأدب على اعتبار أنه فن من الفنون، بعد أن بيّنت لهم فرق ما بين العلم والفنّ، وأن العلم غايته الحقيقة ووسيلته الفكر وأداته المنطق، وأن الفنّ غايته الجمال ووسيلته الشعور وأداته الذوق، وأن الأدب لون من ألوان الفنّ أو أسلوب من أساليب التعبير عنه. بيتهوفن -مثلاً- ذهب يعزّي صديقاً له بولده الذي مات فعجز لسانه عن الكلام، فعبّر بأصابعه على أوتار

стр. 1166

البيان (البيانو)، فكانت مقطوعة الحزن المعروفة. فالشعر والصورة والنغمة كلها تعبير واحد عن الشعور الواحد، ولكن اختلف اللسان؛ فالشاعر يعبّر بالألفاظ والأوزان، والمصوِّر بالخطوط والألوان، والموسيقي بالأصوات والألحان. وعلّمتُهم أنك حين تكتب أو تَنْظم تأتي بشيء جميل، فأنت قد أوجدت وأبدعتَ، فيأتي آخر فيقوّم ما جئت به ويزنه بميزانه، ويحدّد سعره في سوق الأدب. فأنت حين تكتب أو تَنْظم «أديب»، وهذا الذي يقوّم ويَزِن ««ناقد»، فالأدب إبداع والنقد وزن وتقويم. وأنّ للنقد مقياساً، والمقياس إما أن يكون مقياساً ثابتاً معترَفاً به متّفَقاً عليه، كقواعد النحو وأُسس اللغة، فيكون النقد في هذه الحال علماً أو أدنى إلى العلم. وإن كان مقياساً شخصياً عُمدَتُه إدراك الجمال كان النقد فناً أو أقرب إلى الفنّ. فإن قلت لك: إن هذه المقطوعة التي نظمتَها أو هذه المقالة التي كتبتها فيها خطأ في اللغة أو في علومها، واستندت في ذلك إلى دليل، لم يكن لك ولا لغيرك أن يردّ قولي إلاّ إن اعتمدتَ دليلاً أقوى من دليلي. أمّا إن قلت لك: إن هذه المقطوعة جميلة أو ينقصها الجمال، كان لك أو لغيرك أن يقول: لا. لأن الجمال لا يوزن بالرطل ولا يُقاس بالذراع. * * * كان علينا أن ندرس شعراء العصر العباسي، هؤلاء الذين سمّاهم الأولون «شعراء الشام» أو «شعراء المدرسة الشامية»:

стр. 1167

أبوتَمّام والبحتري وأصحابهما، فكنت أشرح لهم هذه الأبيات شرحاً أظنّ أنه كان جديداً، وكنت أراهم يُصغون إليّ ويتلذّذون به. هاكم مثالاً من شرحي لهم قصيدة أبي تمام التي وصف فيها حريق عمورية: لقد تركتَ -أميرَ المؤمنينَ- بها ... للنّارِ يوماً ذليلَ الصّخرِ والخَشَبِ غادرتَ فيها بَهيمَ الليلِ وهْوَ ضُحىً ... يَشُلُّهُ وسْطَها صُبحٌ منَ اللهَبِ حتى كأنّ جَلابيبَ الدُّجى رَغِبَتْ ... عن لونِها، أو كأنَّ الشمسَ لمْ تَغِبِ ضَوءٌ من النّارِ والظَّلْماءُ عاكفةٌ ... وظُلمةٌ مِن دُخانٍ في ضُحىً شَحِبِ فالشمسُ طالعةٌ من ذا وقد أفَلَتْ ... والشمسُ واجبةٌ من ذا ولم تَجِبِ أمعنوا النظر في هذا الوصف: إنه مجموعة صور متعاقبة، كلّما استقرّ ذهن السامع على واحدة منها نقله إلى أخرى. فالصورة الأولى أن النار جعلت الصخر والخشب ذليلاً، والثانية أن الخليفة غادر فيها الليل الأسود وهو ضُحى، لكن إياك أن تظنّ أن الليل قد انتهى وأن الصبح قد طلع، لأن الليل ما طلع عليه الصبح الحقيقي ولكنه صبح من لهب النار. ثم نقله إلى صورة أخرى، قال: لا، لا، وإنما خلع الليلُ ثيابَه السود ورغب عنها وكرهها، هذه الصورة الجديدة. ثم قال: بل إن الشمس لم تغِب. فإذا كانت

стр. 1168

الشمس لم تغِب فالنهار باقٍ والضوء موجود! ثم رجع يقول: إنه ضوء من النار لا من الشمس، والظلماء باقية. ظلام الليل باقٍ ولكن هذا الضوء الذي حسبته نهاراً هو ضوء النار! ثم رجع فقال: لا، الظلمة ظلمة الدخان ولهب النار ضُحىً شاحبُ اللون. فماذا جرى لذهن السامع؟ لم يعُد يدري: أهو ليل أم نهار؟ فقال له: الشمس طالعة. إذن فهو نهار. قال: لا، طالعة من ذا، من النار، والشمس الحقيقية قد أفَلَت وغابت. قلنا: طيب، إذن الشمس غائبة واجبة. قال: لا، الشمس واجبة من ذا، أي من الدخان، والشمس الحقيقية لم تغب. إن مثل أبي تَمّام هنا مثل ساحر السيرك الذي يُخرِج من أُذنه مناديل لا تنتهي، أو يُخرِج من طرف فمه أعداداً من بيض الدجاج! حِيَل وألاعيب لا يفهم منها السامع أين كان هذا الحريق، وما مداه، وما الذي احترق؟ إن هذا الوصف ينطبق على حريق في الخيام في البادية، وعلى حريق في مصفاة النفط (البترول)، وعلى حريق في حارة من حارات البلد ... وشرحت لهم هنا أنواع الوصف الواقعي منه والخيالي، وذكرت بعض الوُصّاف من الشعراء. * * * وكان عندنا قصائد فيها وصف للطبيعة، فعلّمت الطلاب أن وصف الطبيعة عند الشعراء على مراتب ثلاث. أدناها: أن يراها الشاعر متحفاً، فهو يصف ما يراه فيه ويزين وصفه بالتشابيه والاستعارات والزخارف والمحسِّنات، وأدبنا قد

стр. 1169

بلغ في هذا الغاية. لقد استحسنوا من الشاعر الفرنسي أن يشبّه البدر يبدو من فوق برج الكنيسة في القرية كأنه نقطة فوق حرف الياء (i)، وهذا كحصى الشاطئ بالنسبة لما عند شعرائنا من لآلئ الأعماق. والمرتبة الوُسطى: أن يرى الطبيعة مرآة تتجلّى فيها حالة نفسه وعوارض مزاجه، فإن كان مسروراً رأى الدنيا متلألئة تلبس ثوباً من الضياء، كمن ينظر من زجاجة صفراء بلون الذهب أو حمراء مثل الشفق، وإن كان حزيناً رآها مظلمة كابية كمن يرى الدنيا بنظارة سوداء. وهذا قليل في أدبنا كثير في أدب غيرنا. هذا لامارتين وصف البحيرة وهو مع مَن يُحبّ، ثم وصفها بعد موتها في قصيدته المشهورة التي ترجمها إلياس فياض شعراً فقال: أهكذا تنقضي دَوماً أمانينا؟ ... نطوي الحياةَ وليلُ الموتِ يَطوينا تَمضي بنا سفُنُ الأيامِ ماخرةً ... بحرَ الوجودِ ولا نُلقي مراسينا يا دهرُ قِفْ فحرامٌ أن تطيرَ بنا ... منْ قبلِ أنْ ... نتملّى من أمانينا وإذا كان امرؤ القيس أول من وقف واستوقف، استوقف الركب على أطلال دار المحبوب، فإن لامارتين استوقف الزمان لمن كان في نعمة وأمان، واستعجله على من كان في عذاب وهوان. ثم جاء بشارة الخوري بما لم يأتِ بمثله لامارتين، فقال في شعره الذي يُتغنّى به: وجعلنا الزمنا ... قطرةً في كأسِنا والزّمانُ ماضٍ في طريقه، لا يقف ولا يستعجل، ولا يكون

стр. 1170

قطرة في كأس ولا خاضعاً لأهواء الناس. وأعلاها: أن يُفيض الشاعر الحياة على الطبيعة؛ فتحسّ وتشعر كما يحسّ الأحياء ويشعرون، وتفرح وتتألّم، وتفكّر وتَعتبر. وفي ذلك لمحات كثيرة جاءت في الشعر العربي، منها مقال البحتري في وصف البِرْكة (بركة المتوكّل): ما بالُ دجلةَ كالغَيْرى تنافسُها ... في الحسنِ طَوراً، وأطواراً تباهيها؟ فجعلها تغار وتُباهي كما يصنع الأحياء من الناس. وأكملُ مثال على هذا أعرفه في الأدب العربي قصيدة «الجبل» لابن خفاجة الأندلسي: الجبل الشيخ الوقور الذي كوّر عمامته وكبّرها وقعد على ظهر الفلاة يفكّر في عواقب الأمور، ويقول إنه كان ملجأ للعابد الأوّاب وللجاني الهارب ومَن أضاعوا العمر في غفلة، تشغلهم متعة المنظر عن غاية السفر وألوان الممرّ عن أمان المستقرّ، ثم يمضي هؤلاء وأولئك ويبقى الجبل وحده يفكّر في أحوالهم ويسأل عن مآلهم. قال: وأرعنَ طمّاحِ الذُّؤابةِ باذخٍ ... يُطاوِلُ أَعْنانَ السّماءِ بغاربِ وَقورٍ على ظهرِ الفلاةِ كأنه ... طَوالَ الليالي مُفكّرٌ في العَواقبِ يلوثُ عليه الغيمُ سُودَ عمائمٍ ... لها من وَميضِ البرقِ حُمرُ ذَوائبِ وقالَ: ألا كم كنتُ ملجأَ قاتلٍ ... وموطِنَ أوّابٍ تَبتّلَ تائبِ! وكم مرَّ بي من مُدْلجٍ ومُؤَوّبٍ ... وقالَ بظلّي مِن مَطيٍّ وراكبِ فما كانَ إلاّ أن طوَتْهم يدُ الرّدى ... وطارَت بهم ريحُ النّوى والنّوائبِ فحتّى متى أبقى ويَظعَنُ صاحبٌ ... أُودّعُ منهُ راحِلاً غيرَ آيِبِ

стр. 1171

كنت أنا وأنور نمشي كل يوم، أحياناً نكون وحدنا وأحياناً يكون معنا من يرغب في مرافقتنا، نمشي على الأقدام نجول في بغداد، أو نركب العربة (العربانة) إلى أرباضها وضواحيها. ذهبنا نمشي مرّة على أقدامنا من الأعظمية حيث كنّا نسكن إلى بغداد، تركنا الجادة ومشينا على الشطّ بين المزارع والحقول، فإن انسدّ الطريق أمامنا بسياج بين مزرعتين أو جدار قصير يفصل بين حقلين ابتعدنا عنه ثم عدنا إليه. وكنّا نتحدّث ونتذكّر. وذكرياتنا غالباً واحدة لأننا عشنا معاً عمراً، مَن أراد أن يطّلع على طرف منه فليقرأ مقدّمتي لديوانه «ظلال الأيام». فدخلنا حِمى البلاط، بلاط الملك غازي، وكان ممنوعاً دخوله. ولكنّا لم نحسّ أننا دخلناه، فما راعنا إلاّ الجندي الخفير يعترضنا وبندقيته مسدَّدة إلينا وسِنانها في صدورنا. فماذا كان بعد ذلك؟ لا أدري. أقول لكم الحقّ: إنني لا أدري! لا، ما نسيت ولا أطار الفزع لبّي حتى ما أذكر ما حدث لي، بل لأننا جعلنا من هذه الواقعة قصّة أدبية، أو نكتة، أسردها أنا من خيالي لا من ذاكرتي فأُزيّنها وأزيد فيها، فيأخذ هو الوصف الذي انتهيت إليه فيصنع فيه مثل الذي صنعته أنا. ولا نزال نُبدئ فيها ونُعيد وهي تكبر وتزيد، حتى لم أعُد أعرف حقيقة الذي كان. ولكن أسرد عليكم إن شئتم الطبعة الأخيرة من هذه القصّة (١).

стр. 1172

ولعلّ هذا ممّا يؤيد رأي أناتول فرانس في التاريخ؛ فإذا كنت أنا لا أعرف الذي وقع لي فكيف أعرف حقيقة ما كان فيما مضى من الزمان؟! ولي كتاب اسمه «قصص من التاريخ»، آخذ فيه أسطُراً معدودة أو حادثة محدودة، فأُعمِل فيها خيالي وأُجيل فيها قلمي حتى أجعل منها قصة. بدأت بهذا العمل من سنة ١٩٣٠، من حين كنت أشتغل في جريدة «فتى العرب»، والقصص الأولى منشورة في كتاب لي نفد من دهر طويل كان اسمه «الهيثميات». من هذه القصص ما ذكره المؤرّخون من أن امرأة من دمشق رأت انقسام المسلمين وتقاعسهم عن قتال الصليبيين، وأرادت المشاركة في الجهاد فعملت ما تقدر عليه: قصّت ضفائرها وبعثت بها إلى سبط ابن الجوزي (أي ابن ابنته) خطيب الجامع الأموي في دمشق، ليكون منها قيدٌ لفرس من خيول المجاهدين. ويقول المؤرّخون إنه خطب خطبة عظيمة ألهبَت الدماء في العروق وأسالت الدموع من العيون، وأثارت الحماسة وأيقظت الهِمَم، فلما كتبت القصة على طريقتي ألّفت أنا خطبة قلت إنها التي ألقاها على الناس. وحسب الناس أن هذه هي الخطبة الحقيقية، حتى إن خطيب المسجد الحرام الرجل الصالح الشيخ عبد الله خياط نقل فقرات منها في خطبة الجمعة على أنها خطبة سبط ابن الجوزي! وكتبت مرّة قصصاً متخيَّلة عن أعرابي صَحِبَنا في رحلة الحجاز، منها «أعرابي في حمّام» و «أعرابي في سينما» و «الأعرابي والشعر»، وكلها في كتابي «صور وخواطر» (١)، قلت في الأخيرة

стр. 1173

منها إن قبيلة على حدود اليمن اسمها «السّوالم» لا تزال تنطق الفصحى لم يدخل ألسنتها اللحن ولا بلغتها العُجمة، وكان ذلك خيالاً منّي (١)، فأخذ ذلك الأستاذ وحيد جباوي فوضعه في بحث له عن الفصحى وعن اللحن ونشر خلاصة منه في مجلّة مجمع اللغة العربية! * * * وذهبنا مرّة نزور زميلاً في المدرسة، زميلنا الأستاذ الملائكة، وأظنّ أن اسمه الأستاذ صادق الملائكة، وكان معنا أستاذ آخر هو صادق الأعرجي، فأنا أخلط بينهما. وكانت الدار في الكرّادة نسلك إليها من الباب الشرقي، ولم يكن قد وصل البناء إليها. فاستأجرنا عربة ساومْنا صاحبَها لأنه طلب أجراً كبيراً، ثم اتفقنا، وقد أخرج على الطريق دَخينة (سيجارة) وضعها في فيه، ولم يجد كبريتاً فأشعلناها له. وكنت أنا وأنور وحدنا، فلما وصلنا وناولناه الأجرة حلف لا يأخذها، فعجبنا فقال: الآن صرنا أصدقاء لأنكم أشعلتم لي السيجارة، وعيب أن آخذ أجرة من صديق. وأصررنا وأصرّ، وأبى أشدّ الإباء وأدار عربته ومضى. وبقيت إلى الآن متعجباً منه ومعجَباً به، وبهذا النبل العربي تلقاه حتى في سائق عربة أجرة. وأظنّ أن الأستاذ الملائكة زميلَنا هو أبو الشاعرة نازك، أظنّ ولا أُحقّق. وقد نشرَت أول العهد بها في

стр. 1174

«الرسالة» شعراً نفيساً أثار إعجابنا وتقديرنا، شعراً حقيقياً لا هذا الشعر الذي سمّوه حُراً أو شعر الحداثة. فهل يبقى الحدَث حدثاً أم يشبّ ويعقل ويغدو رجلاً، فإن لم يستقم أخذوه إلى «إصلاحية الأحداث»؟! سَمّوه حُرّاً، ومن الحرية ما هو فوضى؛ فإن رأيت الجند يمشون صفاً واحداً مرتّباً منظوماً نظم اللآلئ في العقد، ينتقلون كأرجل جواد المتنبّي: «رِجلاهُ في الرّكضِ رِجْلٌ واليدانِ يدُ»، فخرج واحد منهم عن الصف وعلى نظامه، فمشى على غير مشيته وبسرعة غير سرعته، وربما توجّه وجهة غير وجهته، فإن وضعوا أقدامهم رفع قدمه وإن رفعوها وضعها، وإن أسرعوا أبطأ وإن أبطؤوا أسرع ... أو مثل جوقة من المغنّين يغنّون جميعاً لحناً واحداً على إيقاع واحد، فخرج واحد منهم بلحن آخر وبنغمة أخرى، أو كمن يعزف مقطوعة من مقام البيات أو الرّست (الرصد) فنشز فإذا هو ينتقل فجأة إلى النهاوَنْد أو الصَّبا ... أليس هذا هو ما يسمونه بشعر التفعيلة: شعر تفعيلاته صحيحة الوزن ولكن لا ارتباط بين أبياته ولا تناسق بينها: تنتقل الأذن من إيقاع إلى إيقاع كالذي ذكرتُه هنا، وهو النشاز. وإن الشعر الحقّ هو الذي يثير الشجون ويحرّك العواطف، مع اتّساقه في الأذن ومحافظته على الإيقاع. والغريب أنهم يتنازعون فخر البداءة بهذا الشعر الحديث أو الحرّ، وعهدنا بالناس أنهم يتنازعون المَكرُمات كلٌّ يدّعيها، لا الجرائم ولا المَعرّات. على أن الحقيقة أن أول ما عرفنا من هذا النوع مرثِيّة الأستاذ

стр. 1175

إسعاف النشاشيبي لشوقي وهي منشورة إبان وفاته، وهي التي سَمّاها «ذات البحور والقوافي». جاء بها كذلك لأنه لم يستطع أن يجعلها قصيدة موحّدة الوزن والقافية، هو (رحمه الله تعالى) قال لي ذلك في إدارة «الرسالة» بمصر بحضور الأستاذ الزيات. إن علينا أن نقول الحقّ ولو على أنفسنا، والحقّ أن معاني الشعر الغربي (الفرنسي أو الإنكليزي) أوسع مدىً وأكثر عمقاً، وأن ميزة شعرنا في النَّظْم، في الموسيقى الشعرية. تلك هي الميزة التي يحاول هؤلاء أن يحرمونا منها. من يقارن أوزاننا وعروضنا بأوزان الشعر الفرنسي يدرك الفرق. ما عندنا مثل الفِلْم الملوّن وما عندهم «أبيض وأسود»! نحن نميّز بين السبب والوتد، السبب مثل السوداء في «النوتة»، صوت بمقدار ضربة واحدة (أو بمقدار حركة واحدة باصطلاح أهل التجويد)، والبيضاء حركتان، أي أنها مثل المدّ الطبيعي. والفرق بين عَروضنا وعَروضهم كالفرق بين موسيقانا وموسيقاهم؛ ماعندهم بين «دو» و «رِه» إلاّ درجة واحدة، أي نصف صوت، إشارة الدييز ترفع «دو» نصف درجة أو إشارة البيمول تهبط بـ «ره» نصف درجة، أمّا موسيقانا ففيها ربع الصوت. فإذا أضعنا هذه الميزة، ميزة البحر والقافية، أقررنا لهم بالسبق. * * *

стр. 1176

-٩٩ - دروس الأدب في بغداد (٢) إن كانت معك صفحات معدودة فبلغت آخر صفحة وما انتهى الكلام، فهو يُبتَر بتراً. هذا ما حدث للحلقة السابقة من هذه الذكريات؛ كنت أمليها من الهاتف لتُسجَّل في الشريط، فوصل الشريط إلى آخره وما وصل الكلام إلى نقطة الختام. ولمّا كنت أكتب مقالاتي كانت تقع في الطبع أخطاء النظر، فصرت الآن في أخطاء السمع؛ فكلمة منغّصاً جاءت منظفاً، ونشز صارت نجد، وفيما الموصولة قُطعَت أوصالها فصارت في ما، وبيت بشارة الخوري «وجعلنا الزمنا قطرة في كأسنا» جاء «وجعلنا الزمان» فسقط البيت ... سقط فانكسر، أي أنه صار شعراً حُرّاً. ولو أخطأت المطبعة فجعلت الحاء ميماً وصيّرته شعراً مُرّاً لكان هذا الخطأ هو عين الصواب، فإني أتجرّع مرارة هذا الشعر كلّما قرأته منشوراً في الصحف والمجلاّت. حاولت في تلك الأيام التي كنت أدرّس فيها تاريخ الأدب أن أتخطى هذه الحدود الواهية التي أقاموها بين العصور، حين قسّموا العصور الأدبية إلى العصر الجاهلي والإسلامي والعباسي.

стр. 1177

أي أنهم جعلوا الأدب تابعاً للسياسة، وما هو بتابع لها وليس بينه وبينها صلة ثابتة، فلا يرقى برقيّها دائماً ولا يهبط بهبوطها، كما أنه لا يرتقي بهبوطها ولا يهبط بارتقائها. هذا الذي كنت أتبعه أقرب إلى المذاهب الأدبية (أو «المدارس الأدبية» كما يقول غيرنا)، وأول من أحسبه نبّه لهذا طه حسين. ولطه حسين مزايا، وله طامات وسقطات مُهلِكات. فإن درّستُ قصيدة جرير في رثاء زوجته عرضت لمن رثى زوجته من الشعراء، وإن درّست مرثيّة ابن الزيات لولده درّست مراثي الذين رثوا أولادهم، وإن درّست قصيدة بشار في وصف الجيش: وجيشٍ كجُنحِ الليلِ يزحَفُ بالحصى وبالشوكِ والخَطّيِّ حُمْراً ثعالبُهْ درّست بعض ما قال الشعراء في وصف الجيش (وإن كانت قصيدة بشّار هذه أمتنها أسلوباً وأصحّها نسجاً). متى كان زحف هذا الجيش؟ قُبَيل طلوع الشمس، ولكن هذا تعبير أمثالي من العامّة، أما الشاعر فيقول شيئاً آخر، يقول: كان قبل خروج الشمس من خدرها؛ يجعلها بذلك من ربّات الخدور، فنتصورها صبيّة مَصونة ذات حسن وجمال. هل يمكن أن نتصورها قبيحة شَوهاء؟ ولكن هذا تعبير الشاعر العادي، أما بشّار العبقري فيقول شيئاً أدقّ وأرقّ وأسمى من ذلك، يقول: «غدونا له والشمسُ في خدرِ أمّها»، أي أنها لم تستقلّ لصغرها في خدر هو لها وحدها. ولكن هذه الصغيرة ليست جامدة الحسّ ولا ميتة النفس، فهي

стр. 1178

تطالعنا، تحاول أن ترانا من حيث لا تراها أمها. ويوقّت بتوقيت آخر: بالندى، بالطلّ الذي يسيل إذا طلع عليه النهار ثم يتبخّر إن مسّه الحرّ: غدَوْنا لهُ والشمسُ في خِدرِ أمّها ... تطالعُنا، والطَّلُّ لم يَجرِ ذائبُهْ وكانت المعركة؛ ثار الغبار حتّى سدّ الأربعة الأقطار وجاء بالليل وسط النهار، فأظلم الكون حتّى لا ترى فيه إلاّ لمع السيوف ترتفع وتنزل. فبِمَ يذكّرك هذا المنظر؟ ألا يذكّرك بليل تراكب غمامه وتكاثف ظلامه، وتهاوت شُهبه حتّى لتراها تشقّ سواد الفضاء كأنها خيوط من الضياء: كأنّ مُثارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسِنا ... وأسيافَنا ليلٌ تهاوَى كواكبُه هذا ما شبّهه به بشار وهو أكمه! والأكمه الذي وُلد أعمى، فكيف رأى ووصف ما لا يراه المبصرون ولا يقدرون على وصفه؟ إنها العبقرية. لقد علّمت الطلاّب يومئذ التمييز بين العبقري وبين النابغة: بشّار عبقري ومروان بن أبي حفصة نابغة، ومن قبله كان امرؤ القيس عبقرياً وزهير نابغة، ومن بعده أبو تمام عبقري والبحتري نابغة، المتنبّي عبقري وأبو فراس نابغة، شوقي عبقري وحافظ إبراهيم نابغة. العبقري يشقّ طريقاً جديداً، والنابغة يسلك الطريق المعروف ولكنه يجيء سابقاً في أول الركب. وقد يكون الطريق الجديد الذي كشفه العبقري وعراً أو ملتوياً، لذلك كان من صفات العبقري أنه يسبق حتّى ما يتعلّق أحد بغباره، وقد يتعثّر ويتأخّر،

стр. 1179

يعلو وينخفض. والنابغة يسير بسرعة واحدة غالباً، لا يسبق سبقاً بائناً ولا يتخلّف تخلّفاً شائناً. ولقد طال الخلاف على أبي تمام والبحتري أيهما المقدّم، فكان الحكم العادل ما قاله البحتري نفسه، قال: جيّده خير من جيّدي، ورديئي خير من رديئه. أي أن البحتري لا يسمو سموّ أبيتمام ولا يسقط سقوطه. وهاكم المتنبّي عبقري الشعراء، أكبر الشعراء اسماً وأظهرهم في عصره والعصور التي بعده أثراً، أروع أمثلة البلاغة والبراعة في القول من شعر المتنبّي، وأرذل أمثلة التداخل والمُعاظَلة (١) والفساد من شعر المتنبّي. له المطالع العظيمة وله هذا المطلع الشنيع: أُحادٌ أم سُداسٌ في أُحادِ ... لُيَيْلَتُنا المَنوطةُ بالتّنادي أعِد كلمة «لُيَيْلَتُنا» عشر مرّات بسرعة، فإن لم تخطئ فيها فلك مني مكافأة! * * * كنت إذا درّست قصيدة بشار في الجيش قرنتها بقصيدة المتنبّي، مثلاً: أتَوكَ يَجُرُّون الحديدَ كأنّما ... سَرَوا بجيادٍ ما لهنّ قوائمُ

стр. 1180

كيف تمشي جياد بلا قوائم؟ لا يفهم الشعر تماماً إلاّ من ألمّ بشيء من تاريخ العصر الذي قيل فيه. فالروم (البيزنطيون) كانوا يتّخذون دروعاً سابغة لخيولهم تصل إلى الأرض فلا تبدو معها قوائمها، و «ثيابُهُمُ مِن مِثلِها والعَمائِمُ». في ذلك الجيش الضخم الذي يسدّ ما بين الشرق والغرب: خَميسٌ بشرقِ الأرضِ والغَربِ زحفُهُ ... وفي أُذُنِ الجَوزاءِ منهُ زمازمُ لماذا سمّاها زمازم؟ الزمازم الأصوات المبهَمة المتداخلة التي لا يكاد السامع يفهم لها معنى. ذلك لأن هذا الجيش: تجمّعَ فيهِ كلُّ لِسنٍ وأمّةٍ ... فما يُفهِمُ الحُدّاثَ إلاّ التّراجمُ وكانت تلك الصورة الحقيقية للجيش البيزنطي الذي يضمّ جنوداً من شتّى الأمم التي كانت خاضعة لحكم البيزنطيين. وهذا يجرّني إلى تذكير الطلاّب بوصف العرض العسكري يوم العيد، العرض الذي جاء به البحتري فأرانا عنه فِلْماً كاملاً فيه الصورة وفيه الصوت، فِلْم ناطق لا يزال صداه مسموعاً بعد أكثر من ألف سنة، ألا تسمعون صهيل الخيل وهتاف الفرسان؟ ألا ترون لمع الأسنّة وبريق الحراب؟ فالخيلُ تصهَلُ والفوارسُ تدّعي ... والبيضُ تلمعُ والأسنّة تُزهِرُ والأرض كأنها من ثقل ما تحمل ومن جلاله قد خشعت ومادت، والجوّ ممّا ثار من الغبار قد صار عكراً مكفهرّاً، تضيء الشمس من خلاله تارة ويحجبها الغبار عن الدنيا تارة:

стр. 1181

والأرضُ خاشعةٌ تَميدُ بثِقْلِها ... والجوُّ مُعتَكرُ الجوانبِ أغبرُ والشمسُ ماتعةٌ توقَّدُ بالضّحى ... طوراً ويُطفئُها العَجاجُ الأكدرُ لكن انظروا: لقد وقعت أعجوبة، والأصوات القوية المتداخلة التي كانت تُصِمّ الآذان قد سكتَت، والغبار الذي كان يملأ أقطار الفضاء قد انزاح، والشمس قد ظهرت والدنيا قد أشرقت. فماذا كان؟ لقد ظهر الخليفة، فتطلعَت إليه الأنظار وأشارت إليه الأصابع: أين هو؟ أين هو؟ هذا هو! وماذا في ذلك؟ الناس ينظرون إلى كل مشهور وإلى كلّ غريب، إنه حبّ الاستطلاع. قال البحتري: لا، ما نظروا لهذا بل: ذكَروا بطلعتِكَ النبيَّ فهلّلوا ... لمّا طلَعْتَ منَ الصفوفِ وكبّروا إلى أين كان يمضي الخليفة؟ يمضي إلى المصلّى ليصلّي صلاة العيد. ماذا تظنونه كان يلبس؟ الديباج؟ الثياب المنسوجة بخيوط الذهب؟ هذه كلها في السوق فمن كان معه المال اشتراها، ولكنه لبس ما لا يُشترى بمال ولا يوجد مثله بحال؛ لبس نور الهدى (١): حتى انتهيتَ إلى المُصَلّى لابساً ... نورَ الهُدى يبدو عليكَ ويَظهَرُ

стр. 1182

فهل ترون الخليفة، المتوكّل، زُهِي وتكبّر وشمخ بأنفه؟ لا، بل مشى مِشية الخشوع والتواضع. التواضع لمن؟ للناس؟ لقد كان الخليفة يومئذ أعزّ رجل على ظهر الأرض وكان يحكم من البلدان ما لا يحكم مثله ملك ولا سلطان، لكنه كان متواضعاً لله: ومشَيت مِشيةَ خاضعٍ متواضعٍ ... للهِ، لا يُزهَى ولا يَتَكَبّرُ ثم جاء البحتري ببيت عجيب، وإن كان قد سرق معناه من أستاذه أبي تمام قال: فلَوَ انّ مشتاقاً تكلّف فوقَ ما ... في وُسعِهِ لسعى إليكَ المِنبرُ * * * وهذه قصيدة ابن هانئ الأندلسي في وصف جيش جوهر، قائد المُعِزِّ الفاطمي الذي خرج به من القيروان إلى مصر ففتحها، وقال في فتحها قصيدته: تقولُ بنو العبّاسِ: هل فُتِحت مصرُ؟ فقُلْ لبني العبّاسِ: قد قُضيَ الأمرُ وابن هانئ كان يُسمّى متنبي المغرب، وكان شاعراً. ولقد ظلمه الذي شبّه شعره برحى تطحن قروناً، أي أن لها جعجعة وليس لها طحن. لا، بل إن له -على كفره وسوء معتقَده- من نوادر المعاني وروائع الصور ما يقعد به في صفّ كبار الشعراء. يقول: إنه سمع عن عظمة هذا الجيش وعن عَدَده وعُدَده، والخبر غالباً أكبر من العيان، فلما رآه رأى فوق ما سمع، حتّى

стр. 1183

لقد شبّهه بيوم الحشر؛ جيش سدّ الأفق بمثل عرض الأفق. وكانوا متوجّهين إلى مصر، أي إلى جهة الشرق، فحجب غبارُ الجيش الشمسَ عنهم من هنا وبقيت طالعة من هناك، فقال: رأيت بعيني فوقَ ما كنتُ أسمَعُ ... وقَد راعَني يومٌ مِنَ الحشرِ أروَعُ غداةَ كأنّ الأُفْقَ سُدَّ بمثلِهِ ... فعادَ غُروبُ الشّمسِ من حيثُ تطلُعُ فلم أدرِ إذْ سلّمتُ كيفَ أشيّعُ ... ولم أدرِ إذْ شَيّعتُ كيفَ أودّعُ وكيفَ أخوضُ الجيش والجيشُ لُجّةٌ ... وإني بمَنْ قادَ الجيوشَ لَمولَعُ وأينَ؟ وما لي بينَ ذا الجمعِ مسلَكٌ ... ولا لجوادي في البَسيطةِ موضعُ إلى أن قال: تسيرُ الجبالُ الجامداتُ لسَيْرِهِ ... وتسجُدُ مِنْ أدنى الحَفيفِ وتركعُ لا تظنوا أن تشبيه أسلحة الجيش بالجبال من المبالَغات، فلقد كان المسلمون في تلك الأيام يستعملون في الحرب أسلحة كثيرة، منها الكِباش: عربات لها رأس مستطيل من الحديد يدفعونها لتثقب الأسوار، والعرّادات التي كانت مثل المدافع، تقذف النار التي كانوا يسمّونها «النار اليونانية». وكانت لهم أبراج محميّة ذات طبقات متعدّدة تمشي على دواليب، تسير مع الجيش. هذه التي شبّهها الشاعر بالجبال.

стр. 1184

ثم وصف ظاهرة ممّا يصنع الجيش موجودة دائماً ولكن لم ينتبه إليها الكثير من الشعراء، هي أن الجيش إذا نزل منزلاً نصب خيامه وأقام بنيانه فيتحول منزله إلى مدينة كاملة. والصورة القريبة لهذا ما ترونه في عرفات وفي منى أيام الحجّ. عرفات بسيط من الأرض ما فيه شيء من البناء، فإذا كان يوم عرفة تحوّل فصار مدينة كاملة بطرقها وبنيانها وناسها. وقال: إذا حلّ في أرضٍ بناها مدائناً ... وإن سار عن أرضٍ ثوَتْ وهْي بلقعُ ثم وصف الجيش في الليل وهم يرفعون المشاعل التي لا يُحصى عددها، وهي صورة حقيقية واقعية: فلما تداركْتُ السُّرادِقَ في الدُّجى ... عَشَوْتُ إليهِ والمَشاعلُ تُرفَعُ وهَمْهَمَ رَعدٌ آخِرَ الليلِ قاصفٌ ... ولاحَ مَعَ الفجرِ البَوارقُ تلمُعُ وفزع الوحش قبل أن يفزع الناس من هذا الجيش، فتساءلوا فيما بينهم: ماذا حلّ بنا؟ وأوحَت إلينا الوحشُ: ما اللهُ صانعٌ ... بنا وبِكُم؟ من هولِ ما نَتَسمّعُ ولم تَعلمِ الطّيرُ الحَوائمُ فوقَنا ... إلى أينَ تَستذري ولا أينَ تَفزعُ إلى أن تَبَدّى سَيفُ دَولةِ هاشمٍ ... على وجهِهِ نورٌ مِنَ اللهِ يَسطَعُ

стр. 1185

وقد لاحظتم أن الصورة الأخيرة مسروقة من قصيدة البحتري في المتوكّل التي مرّت قبل قليل، ولم يبلغ فيها مبلغَ البحتري ولا سما سُمُوّه. ولكن لابن هانئ قصيدة مفردة لا أعرف لها مثيلاً في شعرنا هي قصيدته في وصف الأسطول، وكان يومئذ أقوى أسطول في البحر الأبيض المتوسط الذي كان يُسمّى تارة بحر الروم وتارة بحر العرب. مَن قرأ هذا الوصف علم بأن هذا الأسطول كان -لضخامته وكبر سفنه وقوة سلاحه- كأنه من أساطيل الدول الكبرى في هذا العصر. يقول: مَوَاخِرُ في طامي العُبابِ كأنّها ... لِعَزْمِكَ بأسٌ أو لكفِّكَ جُودُ أنافَتْ بها أعلامُها وسَمَا لها ... بناءٌ على غَيرِ العَراءِ مَشِيدُ عمارة ضخمة ولكنها ليست مبنيّة على أرض راسية، وإنما هي مَشِيدة على وجه الماء: مِنَ الرّاسياتِ الشُّمِّ لولا انتقالُها ... فمنها قِنَانٌ شُمَّخٌ ورُيودُ أي أن هذه السفن كأنها الجبال الراسية، وكأن فيها الصخور العالية الكبيرة، لكنها تنتقل وتمشي: مِنَ الطيرِ إلاّ أنّهنّ جَوارحٌ ... فليسَ لها إلاّ النفوسُ مَصيدُ مِنَ القادحاتِ النارَ تُضْرَمُ لِلطُّلى ... فليسَ لها يومَ اللقاءِ خُمودُ إذا زفرَت غَيظاً ترامَتْ بمارجٍ ... كما شُبَّ من نارِ الجَحيم وَقودُ يصف سلاحاً فيها يشبه المدافع وليس بالمدافع، يطلق النيران على الأعداء:

стр. 1186

فأفواهُهنّ الحاميات صواعقٌ ... وأنفاسُهُنّ الزّافِراتُ حَديدُ * * * أنا لا أريد أن أعرض الآن كلّ ما كنت أدرّسه يومئذ، ولكن أعطيت مثالاً عليه. كنّا إذا أخذنا قصيدة في الوداع ذكرت لهم كلّ ما أحفظ أو أعرف من أبيات الوداع، وإذا مرّت قطعة في سلوّ الحبّ ونسيانه أمليت عليهم ما أعرفه من قصائد ومقطوعات في هذا الموضوع؛ كنت في تلك الأيام أعيش بالأدب وأعيش للأدب، حتّى إن ذلك ظهر في ما كنت أكتبه وأنشره في «الرسالة» أو في غيرها. ولو أني كتبت ما كنت ألقيته على الطلاّب لجاء منه شيء ليس له نظير. ولكن ما نفع «لو»؟ إن «لو» من عمل الشيطان. * * *

стр. 1187

إلى القرّاء الكرام لقد بذلتُ في تصحيح هذا الكتاب غايةَ ما استطعت من الجهد، لكنّي لا آمَنُ أن يكون فيه خطأ سهوتُ عنه، لأن الكمال ليس لأحد من البشر، إنما هو من صفات خالق البشر. فأرجو أن يَمُنّ عليّ قارئه (وقارئ سائر كتب جدّي التي صحّحتُها وأعدت إخراجها من قريب) فينبّهني إلى أي خطأ سهوت عنه لكي أتداركه في الطبعات الآتيات، وأنا أشكره وأدعو له اللهَ بأن يجزل له الأجر والثواب. مجاهد مأمون ديرانية mujahed@al-ajyal.com

стр. 1188

المحتويات الحلقة (٦٨) شهادة للبيع والانتقال معلّماً إلى «زاكية» ... ٥ الحلقة (٦٩) الجولان وجبل الشيخ ... ١٧ الحلقة (٧٠) رحلة الحجاز (١) الخروج من دمشق ... ٢٧ الحلقة (٧١) رحلة الحجاز (٢) في متاهات الصحراء ... ٣٩ الحلقة (٧٢) رحلة الحجاز (٣) الوصول إلى القُرَيّات ... ٤٩ الحلقة (٧٣) رحلة الحجاز (٤) في الطريق إلى تبوك ... ٥٩ الحلقة (٧٤) رحلة الحجاز (٥) في تبوك ... ٧٧ الحلقة (٧٥) الخطّ الحديدي الحجازي ... ٨٩ الحلقة (٧٦) ذكريات عن رمضان (١) ... ١٠١ الحلقة (٧٧) ذكريات عن رمضان (٢) ... ١١٥ الحلقة (٧٨) رحلة الحجاز (٦) جدّة قبل نصف قرن ... ١٢٩ الحلقة (٧٩) رحلة الحجاز (٧) لقاء الملك عبد العزيز ... ١٤١ الحلقة (٨٠) رحلة الحجاز (٨) في مكة ... ١٥٣ الحلقة (٨١) ذكريات عن القوّة والرياضة ... ١٦٥ الحلقة (٨٢) رحلة الحجاز (٩) ساعة الوداع ... ١٧٩ الحلقة (٨٣) في التعليم: مواقف ومساومات ... ١٩١ الحلقة (٨٤) الوقفة الكبرى ... ٢٠٧ الحلقة (٨٥) من ذكريات القلم ... ٢٢٥

стр. 1189

الحلقة (٨٦) في وداع عام فات واستقبال عام آتٍ ... ٢٤١ الحلقة (٨٧) السنة التي مات فيها شيخ الشام ... ٢٥٥ الحلقة (٨٨) المدرسة الأمينية ... ٢٦٥ الحلقة (٨٩) أنا والقلم ... ٢٨١ الحلقة (٩٠) ذكريات بغداد (١) ... ٢٩٣ الحلقة (٩١) ذكريات بغداد (٢) ... ٣٠٥ الحلقة (٩٢) التعليم في المدرسة الابتدائية ... ٣١٧ الحلقة (٩٣) ليلة على سفح قاسيون ... ٣٢٩ الحلقة (٩٤) في الطريق إلى بغداد ... ٣٣٩ الحلقة (٩٥) التدريس في بغداد ... ٣٥٣ الحلقة (٩٦) الليلة التي ثار فيها «دجلة» ... ٣٦٩ الحلقة (٩٧) رأيت الموت في ذكرى استشهاد الحسين ... ٣٧٩ الحلقة (٩٨) دروس الأدب في بغداد (١) ... ٣٨٩ الحلقة (٩٩) دروس الأدب في بغداد (٢) ... ٤٠٣

стр. 1190

ذكريات علي الطنطاوي الجزء الرابع طبعة جديدة راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف مجاهد مأمون ديرانية دار المنارة للنشر والتوزريع

стр. 1191

حقوق الطبع محفوظة يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر الطبعة الخامسة ٢٠٠٦ دار المنارة للنشر والتوزريع ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤

стр. 1192

-١٠٠ - رمضان في بغداد (١) زارنا في بغداد صديق قديم عرفته وأنا صغير جداً قُبيل الحرب العالمية الأولى فأحببتُه، ثم رأيت أثره الخيّر في كل مكان من دمشق فأكبرتُه، ثم لم أعُد أراه فعلمت أني قد افتقدته وأضعتُه. كان إذا جاء ضُربَت لقدومه المدافع واحتفى به الناس، وبدّلوا من أجله برامج حياتهم ومواعيد طعامهم ومنامهم، ولكنه كان -على ذلك- يؤنس نفوسهم ويريح أرواحهم، وكان اسمه رمضان. ولكنه جاءنا هذه المرّة مستخفياً. قابلته في الأعظمية فرأيته في المسجد وفي الدار وفي السوق، ولكنني لمّا نزلت إلى المدرسة شعرت كأنه ضلّ عني، فصرت ألمحه ولا أتبيّنه، فتّشت عنه بين الشباب فرأيته مثل الشمس في اليوم الغائم، تظهر تارةً ثم يحجبها السحاب. كانت بغداد في تلك الأيام (١٩٣٦) مثل الشام ومصر وغيرها من البلاد، فيها شعب متديّن ومع التديّن جهل وابتداع. فيها علماء يحفظون كلّ ما قرؤوا من الكتب، ولكنهم لا يقدرون أن يؤلّفوا

стр. 1193

مثل تلك الكتب، إن سألتَهم عن شيء منها وجدتَ عندهم مثل النبع المتدفِّق، وإن كان سؤالك عمّا لم يجدوه في الكتب جفّ النبع وعجز اللسان، كأنهم يفكّرون بالذاكرة لا يكادون يستعملون الأذهان، ثم إنه قد انقطع ما بينهم وبين الشباب، فلا يفهمون عنهم ولا يصلون إلى القدرة على إفهامهم. ولم تكن قد وصلَت إلى بغداد الروح الجديدة التي نفخها الله في الشباب على يد الشيخ حسن البنّا. وإذا كان الله يبعث لهذه الأمّة كل مئة سنة من يجدّد لها دينها، أي مَن ينفض عنه ما لحق به من غبار البدع والمُحْدَثات، ويغسله ممّا حاول الأعداء أن يُلصِقوه به من الكيد والافتراء، ويرقِّق القلوب المؤمنة التي قست لمّا طال عليها الأمد، فإن الشيخ حسن البنا هو مجدّد هذا القرن. وما لي به من صلة إلاّ الحبّ في الله، ورفقة الصبا عند خالي مُحِبّ الدين الخطيب في أواخر العشرينيات، في المطبعة السلفية في شارع الاستئناف في باب الخلق. عرفته من تلك الأيام، وأنا في دار العلوم داخلاً إليها وهو خارج منها (١). ولم يأتِ الشيخ حسن بشيء من العدم، فلا يَخلق شيئاً من غير شيء إلاّ الله الذي يقول له: «كُنْ» فيكون. ولكن ما جاء به كجذع الشجرة، تتفرّع الأغصان عنه وتستمدّ منه، ويستمدّ هو من الجذور؛ لولاها لما كان، لكنها مخفيّة لا تُرى وهو البادي للعيان. وممّن مهّد له الطريق وأمدّه بأسباب الوصول جماعات سبقوا

стр. 1194

إلى الدعوة إلى الله في هذا العصر بألسنتهم وبأقلامهم وبصحفهم، أمثّل لهم ولا أستقريهم، منهم: محب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا، وقبلهما الشيخ محمد عبده، ومنهم المشايخ الذين أخذ عنهم حسن البنا العلم أو «الطريق»، ولكن الله ادّخر له هذه المَكرُمة ليفوز بها وليكون ثوابها في صحيفة حسناته، وأمدّه الله بقوّة الإيمان وحُسن الخلق ونفاذ الفكر وطلاقة اللسان حتّى كان ظهورها على يديه. عرفت الشيخ حسن البنا وهو شاب مغمور لا يمتاز من أقرانه الشباب، وعرفته وقد أوفى على الغاية وبلغ الذروة وصار أقوى رجل في مصر؛ صار إمام الشباب وعَلَم البلد، فما تبدّل عليّ ولا بدّلت أسلوبي معه. كنت أكلّمه خالياً كما كنت أكلّمه لمّا عرفته أول مرّة في المطبعة السلفية، فإذا كنّا أمام الناس كلّمته كما ينبغي أن يُكلَّم مثله (١). ولئن أبطأ وصول الدعوة إلى طلاّب العراق فإن لذلك أسباباً: منها وجود العدد الكبير من اليهود بين الطلاّب: أمامي الآن ستّ قوائم رسمية بأسماء طلاّب الشهادة الثانوية الذين كنت أدرّسهم في تلك الأيام، ثلاث منها للشُّعَب الأدبية وثلاث للشعب العلمية، في كل شعبة نحو ثمانية وثلاثين طالباً. لو كنتم تسمحون لي لسردت أسماءهم لتعرفوا نسبة الطلاّب اليهود في

стр. 1195

الشعب العلمية إلى مجموع الطلاّب. كان في كل شعبة علمية نحو خمسة وعشرين طالباً يهودياً من الثمانية والثلاثين طالباً الذين تشتمل عليهم الشعبة! تعرفونهم بأسمائهم: إيلياهو شوع، إيلياهو روبين، سليم ساسون، مينون مير عزرا، يهودا منشي، شمعون نسيم هارون، ناجي إسحق، يوسف أفراييم، داود حسقيل، موشي عزرا ... وأمثال هذه الأسماء المنكرة. وما كنّا نحن المدرّسين ولا كان الناس في بغداد يفرقون -من كرم نفوسهم وطيب شمائلهم- بين يهودي ومسلم. ما كان يضيع عليهم شيء من حقّهم، بل كانوا يأخذون عشرة أضعافه ثم يسرقون حقّ غيرهم، فلما قامت على أرض فلسطين هذه الدولة الآثمة الظالمة لتسلب العرب أرضهم وتسرق أموالهم وتتعدّى على حرّيتهم وكرامتهم، لا بقوتها وبأسها، فما كان اليهود أبداً أُولي بأس وقوّة ولا كانوا أولي نُبل وشهامة، بل بقوّة مَن يقوم وراءها يحميها ويقويها على باطلها ويمدّها بما يزيد عدوانها. لمّا قامت هذه الدولة نسوا تلك المعاملة التي كنّا نعاملهم بها والتي لم يجدوا مثلها من أمة من الأمم، وانضمّوا إلى دولة إسرائيل. أنكروا فضلنا كما جحد أجدادهم فضل أجدادنا! وهذه هي أخلاق اليهود في كلّ زمان ومكان، اليهود كلّهم لا الصهيونيون فقط، لا فرق بين يهودي وصهيوني، تتبدّل الثياب ولا يتبدل مَن فيها. وكانت نسبة اليهود في بغداد إلى مجموع سكّانها أعلى نسبة، أو من أعلى النسب في العالَم، حتّى إن المرء لا يكاد يستطيع أن يشتري سلعة يوم السبت! كانت الوظائف المالية في أيديهم، وكان في بغداد عند الجسر العتيق خان قديم أظنّ أن
следующие страницы →