حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الخامسة
٢٠٠٦
دار المنارة
للنشر والتوزريع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 1192
-١٠٠ -
رمضان في بغداد (١)
زارنا في بغداد صديق قديم عرفته وأنا صغير جداً قُبيل الحرب العالمية الأولى فأحببتُه، ثم رأيت أثره الخيّر في كل مكان من دمشق فأكبرتُه، ثم لم أعُد أراه فعلمت أني قد افتقدته وأضعتُه. كان إذا جاء ضُربَت لقدومه المدافع واحتفى به الناس، وبدّلوا من أجله برامج حياتهم ومواعيد طعامهم ومنامهم، ولكنه كان -على ذلك- يؤنس نفوسهم ويريح أرواحهم، وكان اسمه رمضان.
ولكنه جاءنا هذه المرّة مستخفياً. قابلته في الأعظمية فرأيته في المسجد وفي الدار وفي السوق، ولكنني لمّا نزلت إلى المدرسة شعرت كأنه ضلّ عني، فصرت ألمحه ولا أتبيّنه، فتّشت عنه بين الشباب فرأيته مثل الشمس في اليوم الغائم، تظهر تارةً ثم يحجبها السحاب.
كانت بغداد في تلك الأيام (١٩٣٦) مثل الشام ومصر وغيرها من البلاد، فيها شعب متديّن ومع التديّن جهل وابتداع. فيها علماء يحفظون كلّ ما قرؤوا من الكتب، ولكنهم لا يقدرون أن يؤلّفوا
стр. 1193
مثل تلك الكتب، إن سألتَهم عن شيء منها وجدتَ عندهم مثل النبع المتدفِّق، وإن كان سؤالك عمّا لم يجدوه في الكتب جفّ النبع وعجز اللسان، كأنهم يفكّرون بالذاكرة لا يكادون يستعملون الأذهان، ثم إنه قد انقطع ما بينهم وبين الشباب، فلا يفهمون عنهم ولا يصلون إلى القدرة على إفهامهم.
ولم تكن قد وصلَت إلى بغداد الروح الجديدة التي نفخها الله في الشباب على يد الشيخ حسن البنّا. وإذا كان الله يبعث لهذه الأمّة كل مئة سنة من يجدّد لها دينها، أي مَن ينفض عنه ما لحق به من غبار البدع والمُحْدَثات، ويغسله ممّا حاول الأعداء أن يُلصِقوه به من الكيد والافتراء، ويرقِّق القلوب المؤمنة التي قست لمّا طال عليها الأمد، فإن الشيخ حسن البنا هو مجدّد هذا القرن. وما لي به من صلة إلاّ الحبّ في الله، ورفقة الصبا عند خالي مُحِبّ الدين الخطيب في أواخر العشرينيات، في المطبعة السلفية في شارع الاستئناف في باب الخلق. عرفته من تلك الأيام، وأنا في دار العلوم داخلاً إليها وهو خارج منها (١). ولم يأتِ الشيخ حسن بشيء من العدم، فلا يَخلق شيئاً من غير شيء إلاّ الله الذي يقول له: «كُنْ» فيكون. ولكن ما جاء به كجذع الشجرة، تتفرّع الأغصان عنه وتستمدّ منه، ويستمدّ هو من الجذور؛ لولاها لما كان، لكنها مخفيّة لا تُرى وهو البادي للعيان.
وممّن مهّد له الطريق وأمدّه بأسباب الوصول جماعات سبقوا
стр. 1194
إلى الدعوة إلى الله في هذا العصر بألسنتهم وبأقلامهم وبصحفهم، أمثّل لهم ولا أستقريهم، منهم: محب الدين الخطيب، ومحمد رشيد رضا، وقبلهما الشيخ محمد عبده، ومنهم المشايخ الذين أخذ عنهم حسن البنا العلم أو «الطريق»، ولكن الله ادّخر له هذه المَكرُمة ليفوز بها وليكون ثوابها في صحيفة حسناته، وأمدّه الله بقوّة الإيمان وحُسن الخلق ونفاذ الفكر وطلاقة اللسان حتّى كان ظهورها على يديه.
عرفت الشيخ حسن البنا وهو شاب مغمور لا يمتاز من أقرانه الشباب، وعرفته وقد أوفى على الغاية وبلغ الذروة وصار أقوى رجل في مصر؛ صار إمام الشباب وعَلَم البلد، فما تبدّل عليّ ولا بدّلت أسلوبي معه. كنت أكلّمه خالياً كما كنت أكلّمه لمّا عرفته أول مرّة في المطبعة السلفية، فإذا كنّا أمام الناس كلّمته كما ينبغي أن يُكلَّم مثله (١).
ولئن أبطأ وصول الدعوة إلى طلاّب العراق فإن لذلك أسباباً: منها وجود العدد الكبير من اليهود بين الطلاّب: أمامي الآن ستّ قوائم رسمية بأسماء طلاّب الشهادة الثانوية الذين كنت أدرّسهم في تلك الأيام، ثلاث منها للشُّعَب الأدبية وثلاث للشعب العلمية، في كل شعبة نحو ثمانية وثلاثين طالباً. لو كنتم تسمحون لي لسردت أسماءهم لتعرفوا نسبة الطلاّب اليهود في
стр. 1195
الشعب العلمية إلى مجموع الطلاّب. كان في كل شعبة علمية نحو خمسة وعشرين طالباً يهودياً من الثمانية والثلاثين طالباً الذين تشتمل عليهم الشعبة! تعرفونهم بأسمائهم: إيلياهو شوع، إيلياهو روبين، سليم ساسون، مينون مير عزرا، يهودا منشي، شمعون نسيم هارون، ناجي إسحق، يوسف أفراييم، داود حسقيل، موشي عزرا ... وأمثال هذه الأسماء المنكرة.
وما كنّا نحن المدرّسين ولا كان الناس في بغداد يفرقون -من كرم نفوسهم وطيب شمائلهم- بين يهودي ومسلم. ما كان يضيع عليهم شيء من حقّهم، بل كانوا يأخذون عشرة أضعافه ثم يسرقون حقّ غيرهم، فلما قامت على أرض فلسطين هذه الدولة الآثمة الظالمة لتسلب العرب أرضهم وتسرق أموالهم وتتعدّى على حرّيتهم وكرامتهم، لا بقوتها وبأسها، فما كان اليهود أبداً أُولي بأس وقوّة ولا كانوا أولي نُبل وشهامة، بل بقوّة مَن يقوم وراءها يحميها ويقويها على باطلها ويمدّها بما يزيد عدوانها. لمّا قامت هذه الدولة نسوا تلك المعاملة التي كنّا نعاملهم بها والتي لم يجدوا مثلها من أمة من الأمم، وانضمّوا إلى دولة إسرائيل. أنكروا فضلنا كما جحد أجدادهم فضل أجدادنا! وهذه هي أخلاق اليهود في كلّ زمان ومكان، اليهود كلّهم لا الصهيونيون فقط، لا فرق بين يهودي وصهيوني، تتبدّل الثياب ولا يتبدل مَن فيها.
وكانت نسبة اليهود في بغداد إلى مجموع سكّانها أعلى نسبة، أو من أعلى النسب في العالَم، حتّى إن المرء لا يكاد يستطيع أن يشتري سلعة يوم السبت! كانت الوظائف المالية في أيديهم، وكان في بغداد عند الجسر العتيق خان قديم أظنّ أن
стр. 1196
اسمه خان الباشا، فيه -كما فهمت- كِبار تُجّار الجملة والصرّافون وأهل العملة وكثير منهم، كثير جداً من اليهود.
فضّل الله ناساً من أجدادهم على العالَمين في أيامهم، وأعطاهم النبوّة وأعطاهم المُلك وجعلهم أصحاب الدين، فبدّلوا الدين وقتلوا النبيّين، وافتروا على الله الكذب، وارتكبوا كل نقيصة يمكن أن يرتكبها إنسان. ومن نقائصهم أنهم ذهبوا إلى إسرائيل فكانوا قوّة لها علينا. مَن كان يفتح إذاعة إسرائيل ويستمع منها الموشّحات والأغاني، لا سيما القديمة منها كأدوار عبده الحامولي ومحمد عثمان وداود حسني (اليهودي)، علموا أن هذا كله من عمل اليهود الذين هاجروا من العراق. والذي يقوم على شُعبة الموسيقى في إذاعة إسرائيل واحد منهم، متمكِّن من فنّه راوية حافظ لقديم الألحان، إن لم أُسَمّهِ فإن اسمه يُذاع كلّ يوم.
والمقامات العراقية ينبوع غزير من ينابيع الموسيقى العربية اليوم، وهي تزيد على العشرين مقاماً، وقد أضاف إليها مقاماتٍ جديدة صديقُنا القبانجي الذي حاز قصب السبق في الموسيقى الشرقية في مؤتمرها الذي عُقد في مصر سنة ١٩٢٣ على ما أذكر. وللمقامات قواعد وأصول، تبدأ بمقدّمة قصيرة يتبيّن منها ملامح النغمة، ولا أعرف اسمها فما أنا من علماء الموسيقى، لكني أعرفها، وأعرف أن المقامات منها المقيَّدة التي يكون لها طريق مرسوم في التنقل بين النغمات لا يُعدَل عنه، ومطلَقة يتصرف فيها المغني. وهم لا يقولون: "غنّى المقامَ الفلاني" بل يقولون: "قرأ المقام".
* * *
стр. 1197
عفوكم، لقد خرجت عن الطريق. وقد كنت أتكلّم عن الشباب لم أكَد أجد بينهم أثراً لرمضان (١)، ومن أين يأتيهم التأثر به والعلماء مُنزَوُون لا يعرفون مشكلات الشباب ليداووها. وهل يمكن وصف الدواء قبل تشخيص الداء؟ وما نراه اليوم في بعض شباب العراق من عودة إلى الدين فقد نشأ بعد الأيام التي أتحدّث عنها، وكان -والشهادة لله- بعمل الصديق الداعية الشيخ محمد محمود الصواف، بعد ذلك الحين بأكثر من عشر سنين، وسيأتي خبره إن شاء الله.
وكنت أحبّ أن أمشي على رجلي في كل بلد أدخلها. فكنت أخرج من الثانوية المركزية إلى آخر شارع الرشيد، عند الباب الشرقي، وما بعد الباب الشرقي إلاّ شارع على امتداده لم يكن قد عُبِّدَ يومئذ ولا سُكن اسمه شارع أبي نواس. فكنّا نؤمّه بعض العشايا، فنجلس مجلساً ما في المجالس أجمل منه منظراً، ونأكل طعاماً ما في المآكل أشهى منه طعماً. المجلس عند دجلة عند الأصيل، والطعام السمك المَسْقوف (المزقوف). يُخرِج لك الصيّاد السمكة من الماء وهي حيّة تضطرب، فينظّفها ويضعها على الجمر المتوقد بحيث تكون سقفاً له، ثم يأتيك بصينية عليها أنواع من الخضر ممّا أعرف كالبقدونس والكرّاث وما لا أعرف، ويأتيك بالخبز قد خُبز الآن. ولكلّ بلد أكلة شعبية، وهذه أكلة بغداد التي يقول المصريون عن مثلها: إنك تستطيبها حتّى تأكل
стр. 1198
أصابعك بعدها! ولو صحّ هذا الكلام ما بقي إصبع في كفّ إنسان.
ولم يكن في شارع الرشيد على طوله بناء يعلو أكثر من ثلاث طبقات، لأن الأرض كما قالوا رخوة لا تحتمل البناء العالي. وكنّا نقف أمام دجلة فنرى الماء عند الفيضان -لولا هذه السدود من التراب القائمة على جانبَي النهر- يكاد يصل إلى صدورنا. وأول بناء عالٍ شُيّد على أيامنا تلك، بناء لتاجر أذكر أن اسمه حسّو. أقامه كما قالوا على قاعدة واسعة من الأبرق (الإسمنت المسلّح).
وكنت أحياناً أمشي وسط الأسواق، أخرج من الثانوية المركزية فأمرّ على سوق السراي، حيث تُباع الكتب وحيث أكثر المكتبات، ثم تتبدّل البضائع فيكون لكلّ تجارة سوق خاصّة بها. ومنها سوق كنت أقف فيه فأحسّ أني في حديقة زهر متعدّد الألوان، فيه أقمشة حريرية ملوّنة. وقريب منه سوق البلّور والتحف والأنوارُ الساطعة القوية تبرق من خلال بلّوره وتحفه، فيكون لذلك منظر بهيج.
والأسواق كلّها مسقوفة، لا يحسّ مَن فيها حرّ الشمس ولا يجد بلل المطر، حتّى أنتهي إلى سوق الفضّة حيث أجد عُمّالاً بلِحى طويلة جداً، أصحاب هذه اللِّحى يسمّيهم الناس «الصبة». ولعلّ أصل الكلمة «الصابئة»، فهم ليسوا مسلمين ولا عرباً، ولكنهم ينفردون بمهنة لا يعرفها في الدنيا غيرهم، يتوارثونها بينهم لا يعلّمونها إلاّ أبناءهم، هي الكتابة والنقش على الفضّة.
стр. 1199
تُعطيهم ما شئت من صورة أو كلام تختاره، فتأتي من الغد فتأخذ ذلك على حلية من الفضّة أو على آنية. والكتابة لا تمّحي أبداً، على دقّة في الصناعة وجمال في الشكل.
جزت هذه الطرق كلها فلم أكَد أجد إلاّ ملامح ضئيلة من رمضان لا تكاد تبين. كنت أرى رمضان في مسجد الإمام الأعظم، ولرمضان في هذا المسجد أثرٌ ما محته من نفسي هذه السنون. وكنت (ولا أزال) أحبّ سماع التلاوة بالنغمة العراقية، وأجدها أقرب إلى الخشوع وإلى الرجولة والقوّة في الأداء وأبعد عن الميوعة والتكسر. ولكنّ عيب كثير ممّن سمعت من أولئك القرّاء أنهم لا يُتقِنون أحكام التجويد. والتجويد هو مخارج الحروف والمدود وأحكام النون والميم، والأداءُ أي الترقيق والتفخيم وإعطاء الحروف حقّها. فهم يطوّلون المدود حتّى تجاوز حدها ويُظهِرون النون التي يكون حقّها الإخفاء (ومن القرّاء المشهورين من يُظهِر النون في مواضع إخفائها كالشيخ عبد الباسط).
ومن المفارقات، بل من المقارفات، أنه عُلِّق في المدرسة إعلان بوجوب المحافظة على الصيام ومراعاة حرمة شهر رمضان ومنع المجاهرة بالإفطار، مع التهديد بالعقاب الشديد. فأخذت أنور ومظهر رحمهما الله (أنور العطار وأحمد مظهر العظمة) وذهبنا إلى وزارة المعارف فسألنا عن غرفة من أمضى ذلك الإعلان، فدخلنا عليه فرحّب بنا وأحسن استقبالنا قبل أن يعرف مقصدنا من زيارتنا، وقال: "تريدون قهوة ولاّ شاي"؟ قلنا: لقد جئنا لنشكر لك أنك قمت بما يُرضي الله، وطلبت المحافظة على الصيام ومراعاة حرمة شهر رمضان. فخجل وأطرق برأسه،
стр. 1200
وتركناه ودخلنا على المدير العامّ (أي وكيل الوزارة) وهو الرجل الصالح الأستاذ خليل إسماعيل فحدّثناه بما كان.
ما كان في بغداد من مظاهر الدعوة الإسلامية إلاّ حفلة سنوية في ذكرى المولد تُقيمها جمعية الشبّان المسلمين، ودروس في المساجد لا يكاد يحضرها أحدٌ من الشباب. ولم يكن يعمل دائباً في مجال الدعوة إلاّ الأستاذ الطائي، وكانت له مجلّة كلّما عطلوها أخرجها باسم آخر، ولقد كتبت عنده مقالات كثيرة، وكنت أزوره فنتشاكى ونتباكى ونأسف على ما وصلت إليه الحال.
* * *
ولمّا رجعت في الصيف إلى دمشق دعوت إلى داري (وكانت في الخَيْضَرية (الخضيرية) وكانت فيها غرفة كبيرة فيها مجلس عربي) دعوت العاملين في مجال الدعوة إلى الإسلام من أصحاب الصوفية إلى أرباب السلفية، لم أغادر منهم أحداً، ومن فقهاء المذاهب الأربعة إلى الوُعّاظ والخطباء، ومن رجال جمعية الهداية الإسلامية ورجال جمعية التمدّن وباقي الجمعيات، فحدّثتهم عمّا رأيته في العراق وحذّرتهم مثل ذلك المآل. وقلت لهم بعد كلام طويل: أنا لا أريد أن يبدّل أحدٌ منكم طريقتَه ولا أن يغيّر مشربه، ولكنْ أريد شيئاً واحداً؛ هو أن هذا الباب المغلَق إن دفعَته يد واحدة لم ينفتح، فإن اجتمعَت عليه الأيدي الكثيرة فتحته. والذي أريده هو أن نتعاون لا أن يعمل كلٌّ وحده. واقتراحي هو أن تُنتخب لجنة فيها ثلاثة منكم يراقبون الأحداث، فإن رأوا ما يمسّ الإسلام كان عملهم أن يبلغوكم به فقط. هذا هو
стр. 1201
وحده عملهم، فمن اقتنع منكم بوجوب العمل عمل على طريقته وأسلوبه: الخطيب يذكر ذلك في خطبته يوم الجمعة، والمدرّس يعرض له في حلقته، والمعلّم يذكره لتلاميذه في مدرسته، وكل واحد ينبِّه إليه أصحابه، ومن كان ذا قلم أو كانت له صلة بأرباب الأقلام وأصحاب الصحف عمل على الكتابة فيها أو دفع إلى ذلك أصحابها، ومن استطاع أن يراجع الوزير الذي يقدر على إزالة هذا المنكَر ذهب إليه (وحده أو مع وفد يختاره) فشرح له الأمر وطلب منه إنكار المنكر.
وانتُخبت اللجنة وكان فيها ثلاثة، وكلهم بحمد الله أحياء، أحسن الله ختامهم، وهم الأستاذ محمد كمال الخطيب والأستاذ الشيخ ياسين عرفة وعلي الطنطاوي.
* * *
أما الروح القومية فكانت قوية عارمة، على أن انقلاب بكر صدقي أضعفها قليلاً وصار للأكراد فيها كلمة. وسيأتي ذكر ذلك مفصلاً عند الحديث عن نقلي إلى ثانوية كركوك.
* * *
стр. 1202
-١٠١ -
إيوان كسرى و «سُرّ مَن رأى»
كنت يومئذ شاباً، لا زوجة لي ولا ولد، ولا أَرَب لي في لهو أرتاد أماكنه ولا شغل من أشغال الدنيا أسعى وراءه، فكان وقتي كله للمطالعة وللتدريس. كنت مع الطلاّب دائماً، في غرفة الدرس وفي الفرصة بين الدرسين، وفي الطريق إلى البيت بعد الدروس. يلحقونني، يحفّون بي يسألونني، أدلّهم على كتب فيقرؤونها ثم يأتون إليّ ليناقشوني فيما قرؤوا فيها. ولم تكن سنّي تزيد كثيراً على أسنانهم، فلقد كنت على عتبة الثلاثين وكان أكثرهم فوق العشرين، فما بيني وبينهم إلاّ بضع سنين. ويكون معنا غالباً أنور ﵀، وهو سَنيني (أي في مثل سِنّي).
وسألتهم مرّة: أين إيوان كسرى؟ قالوا: قريب.
ولم أدرِ أنهم في هذا على طريقة البدو في بوادي الشام؛ إذا قالوا قريب أو قالوا على رمية حجر يكون المكان على مسيرة يوم أو أكثر ساعات اليوم! قلت: وكيف لنا بالذهاب؟ قالوا: نحن نذهب معك، نركب من الباب الشرقي. وهم يلفظون القاف جيماً معطّشة (وبعض العرب يلفظونها كافاً فارسية، وأهل الشام ومصر
стр. 1203
يجعلونها همزة). أي أنهم قالوا: من الباب الشرجي!
ولمّا وصلنا بغداد أنا وأنور استوقفنا عربة، فقلت لصاحبها: خذنا إلى محلّ نَزِه، فقال: تروحون باب شرجي؟ فحسبته يسخر منّا ويشتمنا لأنه ذكر باب الشرج، وكادت تكون بيننا معركة لولا أنه كان ذكياً فأدرك وقال: أعني الباب الشرقي.
خرجنا من الباب الشرقي، ولم يكن عنده يومئذ بنيان كثير إلاّ في حيّ البتاويين حيث تقوم بعض البيوت الأنيقة، ثم مشينا بين صفّين من النخيل إلى الهنيدي، وكان فيه المعسكر البريطاني الذي صار -بعد- معسكر الرشيد. وعبرنا نهر ديالي، أحد روافد دجلة، وهو يمرّ في حدائق الرستمية التي لم أرَ مثلها إلاّ قليلاً، في سعتها وفي جمالها وفي ترتيبها وفي روعة حدائقها وجمال أشجارها، كأنها القناطر الخيرية في مصر. وكان فيها دار المعلّمين الريفية التي كان يدرّس فيها رفيقنا أحمد مظهر العظمة ﵀، والأستاذ العالِم الزراعيّ الأثري وصفي زكريا ﵀، وهو صاحب الكتاب العظيم «جولة أثرية في شمال سورية»، وقد كان عندي فضاع مني، وفتّشت عن نسخة أخرى له فلم أجدها، ويا ليت بعض الناشرين يعود إليه فيطبعه.
وفي دار المعلّمين الريفية وقعت حادثة من حوادث التضحيات والمروءات لم تدوَّن، وما أكثر مروءاتنا وتضحياتنا التي لم ندوّنها فنسيناها. إن دجلة ارتفع ماؤها في إحدى السنين وأوشكَت بغداد على الغرق، فاجتمع الأساتذة والطلاّب في دار المعلّمين الريفية، واستعدّوا لكسر نهر ديالي ليفيض عليهم
стр. 1204
فينقذوا بذلك بغداد، ولو هلكوا في سبيلها.
* * *
مشينا بعد ديالي طويلاً في برّية ما فيها شيء حتّى طلعت علينا قرية سلمان باك، أي سلمان الطاهر، القائمة على قبر سلمان الفارسي ﵁، تلوح على حاشية الأفق تَضِح (١) وتغيب، ثم تبينّاها واضحة ورأينا قبّة مسجدها، ورأينا بجانبها بناء ضخماً كأنه جبل. فقلت: ما هذا؟ قال مَن معي: هذه قبّة سلمان الفارسي، وهذا إيوان كسرى.
ولما وصلنا إلى الإيوان لم نجد إلاّ طاقاً عالياً متهدّماً وجداراً شامخاً متصدّعاً أحسب أن علوّه عمارة من سبع طبقات، وهو مائل ميلاً خفيفاً جداً بحيث يستطيع الإنسان أن يتسلّقه إذا مد يده إلى آجرّةٍ فيه (وهو مبني بالآجر كسائر أبنية العراق) فتثبّت من قوّتها فأمسك بها، ونقل قدمه من آجرّة إلى أخرى أعلى منها.
وصعدت وكدت أقطع ثلاثة أرباع الجدار، وأنا ابن الجبال نشأت بين صخور قاسيون وعلى سفوحه، وإذا بأحد الطلاّب يصيح بي من الأرض: ياأستاذ، ياأستاذ! يريد أن ألتفت حتّى يصوّرني. فلما تلفّتُّ ونظرت تحتي ورأيت الناس بحجم طيور الحمام دار رأسي ولم أعُد أعي على نفسي، وكدت أسقط. ولكن الله أودع في الإنسان ذخيرة كامنة من القوّة يستخدمها عند الشدائد، فنزلت وأنا لا أشعر كيف نزلت فما وعيت إلاّ وأنا على الأرض.
стр. 1205
وقبل ذلك بقليل كان صديقنا الجليل الأستاذ عبد الرزاق السنهوري (الذي عملت معه أنا والأستاذ نهاد القاسم في بعض اللجان القانونية ﵀ ورحم القاسم) كان قد صعد كما صعدت حتّى صار على سطح الطاق، فلم يعُد يستطيع النزول ولم تصل السلالم إليه، واهتمّت الحكومة به فجاؤوا بطيارة أدلوا منها سلّماً من الحبال، وجعلَت تحوم فوقه وتدنو منه ليتمسّك بالحبل فلا يستطيع، ومرّت ساعة طويلة، والناس مزدحمون على الأرض ينظرون، حتّى أمسك بالحبل فسحبوه إلى الطيارة. ثم وكلوا مَن يمنع الناس من صعود الجدار.
هذا الذي قلته هو الهيكل العظمي لزيارتنا للإيوان، فمن أراده مكسواً باللحم والشحم، لابساً ثيابه متحلياً بحليته، وجد ذلك في مقالتي في «الرسالة» في العدد الصادر يوم ١٢ ذي القعدة ١٣٥٥هـ (١).
* * *
ولم تكن في العراق في تلك الأيام (١٩٣٦ - ١٩٣٧) جامعة، إنما كان فيها مدرسة المعلّمين العالية، وكانت يومئذ في طور التأسيس لم يتمّ إنشاؤها ولم تكتمل فروعها. وهذا النوع من المدارس موجود في فرنسا، فمنه المدرسة المركزية للهندسة (إيكول سنترال) ومدرسة «البوليتكنيك» للفنون الهندسية العسكرية، وكانت شهادة إحداها أعلى رتبة من الإجازة
стр. 1206
(الليسانس)، أو هكذا كانت على عهدي بها.
درّست في دار المعلّمين هذه مع عملي في الثانوية المركزية ودار العلوم الشرعية، وكان من أساتذتها الصديق الدكتور كامل عيّاد، وهو والدكتور منير العجلاني والدكتور جميل صليبا وقبلهما الدكتور نجيب الأرمنازي من أوائل الذين حملوا شهادة الدكتوراة في سوريا، أي قبل أكثر من خمسين سنة.
ولست أكتب الآن للحديث عن دار المعلّمين، ولكن عن سفرة قصيرة المدى على الأرض عميقة الأثر في النفس، وجدت بين أوراقي مقالة عنها. لا أنقل لكم المقالة فهي في مجلّة «الرسالة» عدد يوم الإثنين الثامن صفر ١٣٥٦، فمن كان عنده مجموعة من «الرسالة» استطاع أن يقرأها (١). ولكن آخذ فقرات منها فأضعها خلال كتابتي الآن عنها. والحقيقة واحدة فيما نشرتُه في المقالة وما أكتبه الآن، كالبنت في ثياب التفضّل (أي ثياب الدار) هي البنت نفسها في ثياب استقبال الضيوف. ألا تلبس لضيوفها أجمل أثوابها وتأخذ أفضل زينتها؟ بلى، وإن كانت لا تبدّل جسدها ولا طولها ولا لون عينيها ولا شكل أنفها وشفتيها. كذلك الكاتب، يُلبِس الحقيقة من غلائل الخيال ومن أردية البيان ما يجمّلها به ويحسّنها، ولكن لا يبدّلها. فإن ازداد التزويق ووصل «الماكياج» إلى الحدّ الذي يكاد يُخفي حقيقتها (فلا يبدو منها إلاّ قناع التجمّل التي قنّعوها به، ولا تكاد تُعرَف إلاّ بقامتها ومشيتها وحركاتها، يستدلّ بها الناظر عليها ولا يتأكد منها ويُكمِل بتخيّله
стр. 1207
وتذكّره الذي يراه منها ببصره) كان شيئاً يشبه -ولو من بعيد- الأدب الرمزي.
* * *
لما اجترح المعتصم هذه السيّئة التي جرّت أذيالها الوسخة المسمومة قروناً على تاريخنا، واستقدم غلمان الأتراك واتخذهم درعه وحصنه وجعل عليهم اعتماده، ودلّلهم حتّى عاثوا في بغداد فساداً وآذوا الناس، ذهب أهل بغداد إلى المعتصم يشكونهم، فلما لم يسمع منهم هدّدوه بالحرب، فقال: وكيف تحاربونني؟! كأنه يريد أن يقول إن الجيش معه والسلاح في يديه والمال تحت أمره. قالوا: نحاربك بسِهام الأسحار. قال: وما سهام الأسحار؟ قالوا: ندعو الله عليك. قال: هذه والله حرب ما لي بها طاقة. ووعدهم خيراً، وذهب فبنى «سُرّ مَن رأى» ونقل جنوده وحاشيته إليها.
فيا أيها المظلومون في أرجاء الأرض، يا من قَوي عليهم عدوّهم وعدوّ دينهم ونالهم بالأذى وسامهم الخسف، وطغى فيهم وبغى حتّى ظنّ أن الله غافل عمّا يعمل. أقول لهؤلاء: ما لكم نسيتم هذا السلاح؟ ولماذا لا تحاربون بسهام الأسحار، بعد أن تبذلوا جهدكم في العودة إلى دينكم والقيام بما أوجبه الله عليكم من جهاد عدوّه وعدوّكم؟
* * *
أنا مولع بالوقوف على الآثار لأني أحسّ أمامها كأني عشت عمري وعمر غيري، أتصوّر كأني مع مَن مضى، أتخيلهم كيف
стр. 1208
كانوا يعيشون حين أرى ما خلّفوا وراءهم من الآثار، أعيش تاريخهم كأنني عُدت إليه، فإن التاريخ زمان ومكان وناس، أمّا الزمان الذي مضى فلا يعود، وأما الناس الذين ماتوا فلا يرجعون، ولم يبقَ إلاّ المكان؛ فأمكنة الآثار هي أوعية التاريخ.
لقد رأيت الأهرام وأعمدة بَعْلَبَكّ وتَدْمُر وبابل، وأكثر الآثار الإسلامية. ورأيت مسجد قوّة الإسلام ومنارة قطب الدين في دهلي، وزرت قصر شارلمان في آخن (أكس لا شابيل)، وعرفت الآثار العمرانية الباقية في مصر والشام وغيرهما، في الأموي وقبّة الصخرة ومسجد عمرو، وفي المدارس والقلاع والأسوار في كثير من البلدان. لكن ما رأيت مثل «سُرّ مَن رأى».
إن المدن تخرب بالحروب وبالزلازل وبالأحداث الطبيعية والبشرية، تخرب شيئاً بعد شيء بعد أن تكون قد عاشت حتّى أدركَتها الشيخوخة ونال منها البِلى. ولكن سُرّ مَن رأى ماتت فجأة؛ ماتت وهي شابّة لمّا تكمل الخمسين، وخمسون سنة في عمر المدن خمس ساعات من عمر الإنسان. ما أعرف مدينة ماتت مثلها فجأة إلاّ بومبي (في إيطاليا) لمّا ثار بها بركان فيزوف، فغطّاها بلحاف من الحمم برد فتجمّد فدُفنَت فيه حيّة، فصار قبراً لها. لقد لبثَت تحته حتّى كُشف عنها الغطاء بعد قرون وقرون، فعادت كما كانت ولكن بلا روح: الذي كان قاعداً في داره مع امرأته ظهر كما كان حين نزلَت عليه حمم البركان، والذي كان يشتغل في دكّانه، والماشي في طريقه، والعاري يغتسل في حَمّامه! وكذلك يُبعَث الناس يوم القيامة على ما ماتوا عليه.
стр. 1209
فاللهمّ أمِتْنا على الإيمان. ربّ تَوَفّني مسلماً وألحقني بالصالحين، وإن لم أكن منهم.
والذي نقّب عن «سُرّ مَن رأى» وكشفها للناس هو هرسفلد الألماني الذي حفر فيها سنة ١٩١١ طول السنة وبعض ١٩١٢ بإشارة من أستاذه سار. أفليس من أعجب العجب أن آثارنا لم يبحث عنها ولم يكتشفها لنا إلاّ غرباء عنّا؟ إن في جوار دمشق قريتين هما مَعْلولا وجَبَعْدين؛ هاتان القريتان وحدهما دون أهل الأرض جميعاً تتكلمان اللغة السريانية، واللغة السريانية لهجة من اللغة الآرامية. فما فكّر أحد منّا في درس هذه اللغة ومعرفتها حتّى جاء مستشرق شابّ من آخر الدنيا، من ألمانيا، اسمه رايخ ليدرسها!
أما إن هذه الآثار لو كانت لغيرنا لحًرثت هذه البقاع حرثاً، ثم أُخرجت كنوزها فملأت نفوسَ أهلها عِزّة بماضيهم، ثم كانت لهم أجنحةً يطيرون بها في معارج العلاء في مستقبلهم.
إن تحت هذه الأرض عِلْماً ومجداً وجلالاً، ولكن ليس فوقها مَن يحفل العلم والمجد والجلال.
* * *
سرنا إلى «سُرّ مَن رأى» في قافلة من كبار طلاّب دار المعلّمين العالية في بغداد، ومعهم الدكتور كامل عياد وأنا، فجزنا بالأعظمية وعبرنا النهر إلى الكاظمية، ثم استقبلنا الفضاء. رأينا على طريقنا جسراً قائماً وحده في الفلاة ذا قناطر ثلاث، عليه كتابة ظاهرة تدلّ على أنه بُني في أواخر العهد العباسي على نهر دُجَيل
стр. 1210
ليسقي مدينة حَربي. فتلفّتنا حولنا فإذا النهر قد جفّ، والمدينة قد مُحيت، والعهد العباسي قد انقضى. وإذا بلاد الله تتقدّم ونحن أحياناً نتأخر ونرجع إلى الوراء.
سرنا بعدها قليلاً فطلعت علينا «المَلْويّة» على حاشية الأفق، وهي منارة جامع المتوكّل، عالية تبدو من بعيد كالصرح الهائل. وهي علَم البلد، كما أن قبّة الصخرة علَم القدس وبرج إيفل علامة باريس وتمثال الحرية علامة أمريكا.
ثم بلغنا النهر فعبرناه ودخلنا قرية كبيرة هي سامرّاء، نستريح في مدرستها ساعة بعد مسيرة ثلاث ساعات في السيارة. ثم ولجنا حرم التاريخ، يصحبنا معلّمو المدرسة الذين أولونا من أياديهم وأرونا من كرمهم وحسن أخلاقهم ما أذكره لهم بالشكر بعد هذا الزمن المديد، فلولاهم ما رأينا شيئاً ولا عرفنا من أين ندخل أو نخرج في هذا العالم الواسع. هذا ما كان في تلك الأيام، ولعلهم وضعوا الآن عند الآثار أدلاّء وطبعوا مطبوعات تُرشِد السائحين، لأنه عالَم، لأنه شيء عظيم.
سرنا أكثر من خمسة وعشرين كيلاً بمقياس السيارات (بالكيلومتراج) وما قطعنا إلاّ نصف البلد من المسجد الجامع إلى الدور العليا؛ هذا كله نصف البلد وعلى الضفّة الأخرى مثله! وأنا لم أستطع أن أتصوّر كيف كانت هذه البرّية الواسعة التي يضلّ فيها البصر مدينة عامرة، وكيف كان الناس يقطعونها، وأن بين أولها وآخرها كما بين أول بغداد اليوم وآخرها، بل كالمسافة بين طرفَي القاهرة أو أمثالها من المدن الكبرى.
стр. 1211
كان أول ما رأينا المسجد الجامع. وهو كبير جداً، لو وُضعت قرية سامراء الحاضرة (كما رأيناها يومئذ) فيه لوسعها وفضل عنها. لم يبقَ منه إلاّ السور، وهو مبنيّ من اللبِن تدعمه من ظاهره أبراج مستديرة، ووراء السور المنارة، وهي تُعرف عند الناس بالملويّة، أي المدوَّرة (من لوى يلوي). سلّمها من ظاهرها ليس فيه درجات، ولكنه طريق حلزوني ملتو، عريض في أوله ثم يضيق في أعلاه، مؤلف من سبع طبقات. صعدت أنا أربعاً منها ثم دار رأسي فلم أعُد أستطيع الصعود، وبلغ إخواننا ومعهم الدكتور عياد ذروتها، وأخذوا صورة لهم من الأرض وهم واقفون في أعلاها.
وتحتها قاعدة مربعة أقيمت حديثاً لتقويتها، طول كل ضلع من أضلاعها أربعون متراً. وارتفاع المنارة قريب من خمسة وثمانين متراً، أي أنها تكاد بعلوّها تحاذي منارات المسجد الحرام! وقد بُنيت على غرارها منارة جامع ابن طولون في القاهرة، لا أنها ملويّة مثلها بل أن دَرَجها من ظاهرها. وبينهما نحو خمس وأربعين سنة فقط. ثم تُركت هذه الصفة في المآذن واتُّخذ لها سلّم من جوفها، ثم تفنّنوا فيه، ففي مسجد تنكز في دمشق منارة لها سلّمان لا يلتقيان، يصعد الصاعد من أحدهما فلا يرى النازل من الآخر.
تركنا المسجد وسرنا في جهة واحدة لئلاّ نضل وسط هذه الأطلال، وكان حولنا تلال من التراب، كانت قبل ١١٥٠ سنة دوراً عامرة وقصوراً فخمة، فجزنا بها حتّى بلغنا أنقاضاً حول
стр. 1212
سور كبير أخبرَنا معلّم المدرسة أنها أنقاض قصر أم عيسى بنت الواثق (والواثق هو الخليفة العباسي الذي جاء بعد المتوكّل).
وعلا بنا على تلّ عال وقال: انظروا. فنظرت فلم أرَ إلاّ برية واسعة لا شيء فيها، فقال: أمعن النظر ودقّق في الأرض. ففعلت فرأيت تلالاً صغيرة منتظمة على شكل دوائر متقاطعة على نمط هندسي بديع، يمتدّ إلى ما لا يُدرِك بصري آخره. فقلت وأنا مشدوه: ما هذا؟ قال: ميدان تجري فيه الخيل أكثر من خمسة آلاف متر، فلا تغيب عن عينَي الخليفة وهو يرقبها من هنا، من مرقبه العالي.
ومضينا نمرّ على الأطلال حتّى بلغنا آثار سور كأنه -من سعته وامتداده- سور مدينة. قال دليلنا: هذا قصر الخليفة. ولم يكن قصراً واحداً ولكنها قصور عددت منها أكثر من عشرة. فسرنا خلالها في طريق مبلَّط، لا تزال آثار بلاطه ظاهرة وقد مرّ عليها نحو اثني عشر قرناً، فجعلت أتخيل كم مشى على هذا الطريق من خلفاء وأمراء وكم شهد من جلال وجمال، حتّى بلغنا القصر الصيفي للمتوكّل.
أيّ نظام للتهوية في عصر ما كان فيه كهرباء ولا مراوح ولا مكيفات؟ كنّا فوق الأرض نكاد نهلك من حرارة الشمس، فلما نزلنا رُدّت الروح إلينا، فوجدنا برد الظل وسريان النسيم، بل لقد أحسسنا بالبرد. وفيه البِرْكة، بِركة المتوكل التي كنت أدرّس الطلاب قصيدة البحتري فيها فآخذ ما قال على أنه من مبالغات الشعراء وإلاّ فما عسى أن تبلغ هذه البركة حتّى تظلّ دجلة
стр. 1213
«كالغَيرى» منها، تنافسها وتباهيها، وحتى تبدو في الليل كأن سماءً رُكِّبت فيها؟ لقد قِسْتُ قطرها قياساً تقريبياً بخُطاي من أوله إلى آخره فإذا القطر نحو مئتَي متر، كما قاسه البحتري من قبل، ولكن البحتري لم يَقِسْه بالمتر فما كانت قد عُرفت الأمتار، ولم يقِسْه بالذراع فالذراع مقياس ميت وكلّ ما في عالَم الشعر حيّ، لقد قاسها بالسَّمَك!
لا يبلغُ السّمَكُ المَحصورُ غايتَها ... لِبُعْدِ ما بينَ قاصيها ودانيها
هذا وهي جافّة، فكيف تكون لو عادت وامتلأت بالماء تنصبّ فيها وفوده «كالخَيلِ خارِجةً مِن حَبلِ مُجرِيها»؟ وقامت حول الماء بيوت «الآنِساتِ إذا لاحَتْ مَغانِيها»؟ (١) إذن لرأيت أكثر ممّا قال البحتري.
ثم وقفنا في الإيوان الكبير، وهو مبنيّ على شكل إيوان كسرى، ولكنه أجمل وإن كان أصغر. وقفنا صامتين خاشعين تتقاذفنا عواطف وذكريات لا يُدرى مداها، نتخيل هذا الإيوان وكم عُقِد فيه من مجالس، وكم وقف فيه من ملوك، وكم كُتب
стр. 1214
فيه من تاريخ السؤدد والنصر. إنا نتخيل هذا القصر كيف كان يعجّ بالحياة ويفيض بالحبّ، حتّى إننا كنّا نسمع الأصوات ونُبصِر الألوان ونشمّ عبق العطر! ونحسّ كأننا نرى الخليفة ونشهد مجالس الأدب والغناء. كم عاش في هذا المكان من عواطف! كم خفقَت فيه من قلوب! كم امتلأ بالحياة!
إن في هذا القصر من الذكريات التي تحتويها هذه الجدران الخرساء وهذا اللبِن البارد ما لو حدّثَت به لجاءت بالعجب العُجاب. إن سؤال الديار وأخبار الأطلال أقدمُ فنون الشعر العربي، وهو أصدق هذه الفنون.
* * *
وخرجنا من القصر ونحن نحسّ كأننا قد خرجنا من أنفسنا، وانتقلنا من العالَم الشعري الساحر إلى عالم الحقيقة الوعر البارد. ومررنا على جُبّ واسع للماء خبّرنا مَن معنا أن بعض الجاهلين من الأدلاّء والتراجمة يدّعون بأنه سجن ويختلقون عنه الأكاذيب. وهؤلاء الأدلّة والتراجمة بلاء أزرق، يُفسِدون تاريخنا ويشوّهون ماضينا؛ في جامع بني أميّة منارة يسمّيها الناس مئذنة عيسى، سمعت مرّة أحد هؤلاء التراجمة يقول بالفرنسية لبعض السياح: "هذه المنارة هي التي بناها الوليد بن هارون الرشيد ليسوع، ولذلك سُمّيت منارة عيسى"، وهؤلاء السياح يكتبون في دفاترهم ما يقول فينشرونه على أنه كتاب علمي عن الشرق وأهله!
ولقد قرأت مرّة لكاتبة فرنسية زارت دمشق وكتبت كتاباً عنها قالت فيه: "ويخرج أهل دمشق كل مساء لزيارة قبر النبي في مكّة،
стр. 1215
ثم يرجعون ليناموا في بيوتهم"! وما قبر النبي في مكّة، ولا مكّة في دمشق، ولا يخرج أهل دمشق ولا يدخلون، ولكن الحماقة ألوان والجنون فنون.
* * *
يا أيها القرّاء، إن آثارنا كثيرة تملأ الأرض، ولكن ليس فيها مثل «سُرّ مَن رأى»، لأنها لم تعِش إلاّ مدة قصيرة، ثم رحل ساكنوها عنها فبقيَت كما كانت. فيا أيها القراء، قولوا لمن يزور العراق: لا تنسَ أن ترى آثار «سُرّ مَن رأى»، فإنه إن فاتك مرآها لم تجد في الآثار مثلها.
* * *
стр. 1216
-١٠٢ -
«قصّة» انتهت بنقلي إلى البصرة
علّمونا ونحن صغار أن الولد المهذب هو الذي لا يرفع بصره عن الأرض إذا كان مع الكبار، وإذا قعد أمامهم ضمّ أعضاءه بعضها إلى بعض وأحنى رأسه ولم يتكلم حتّى يُسأل، وإن سُئل خفض بالجواب صوته، وكلّما نطق بجملة أعقبها بقوله «سيدي»، وإن قابل كبيراً قبّل يده ورفعها إلى جبينه. ثم تعلّمنا في المدرسة أن المسلم يكون أبداً عزيز النفس مرفوع الرأس جريئاً، إن تكلّم أسمع.
أي أنهم وجّهونا وجهتين متعارضتين، فكان عليّ أن أمشي إلى الوراء وأنا أتقدم إلى الأمام، وأن أصعد نازلاً وأنزل صاعداً.
وكنّا في ذلك صورة من عصرنا؛ فلقد كان -كما قلت مرّات- عصر انتقال من حال إلى حال، مرّ بمثله العرب لمّا حملوا الإسلام ففتحوا به البلدان، ومرّ به الرومان لما أخضعوا أمة اليونان، ولا تزال الأمم تمرّ بمثله في كلّ زمان ومكان.
كنّا في عزلة عن أوربّا، عزلة مادّية وفكرية، لم نُشِد حضارة
стр. 1217
مثل حضارة أجدادنا ولم نقتبس ممّا شاد غيرنا. كان بيننا وبينهم باب، ولكنه لم يكن محكَم الإغلاق بل كان فيه فرجة يدخل علينا منها بعض الجديد، فكان ممّن سبقونا قليلاً مَن نال نصيباً (كان يُعَدّ يومئذ كبيراً) من جديد أوربّا. كان منهم من درس في إسطنبول ومن درس في فرنسا وإنكلترا، ولكن هذا النفر القليل لم يكن له أثر ظاهر في حياتنا. فلما كانت الرجّة الكبرى ١٩١٤ حرّكت هذا الباب بيننا وبينهم، فلما انتهت الحرب سنة ١٩١٨ فُتح الباب على مصراعَيه.
من هنا ظهر في مجتمعنا الازدواج: في أساليب الحياة وفي طريق التفكير وفي كثير من المظاهر. وكنّا نحن الذين تلقّوا منه الصدمة الأولى، لأنني وأمثالي كنّا في سنة ١٩١٨ في أواخر المدرسة الابتدائية؛ فمن هنا ما ترون من الازدواج أحياناً في تفكيري وفي سلوكي: ما بين محافظة على القديم وتمسّك به ودفاع عنه، وأخذ بالجديد وحماسة له. وما بين اشتغال بالعلوم الأزهرية من الفقه والحديث والتجويد وأخواتها وإقبال عليها وملازمة لعلمائها، ومن حرص على الأدب وعناية به، وتتبّع لقديمه وجديده وأساليب أهله ومذاهب نُقّاده.
حتّى نتج عن ذلك أنهم لمّا أنشؤوا في مصر والشام أيام الوحدة لجاناً ومؤسسات للأدب، نثره وشعره، أقصوني عنها وقالوا: هذا شيخ فقيه. ولما ألّفوا المجالس الفقهية أبعدوني عنها، وقالوا: هذا رجل أديب!
وما أقول هذا أسفاً على ما ضاع عليّ منها، لا والله. ولو
стр. 1218
دعوني إليها لهربت منها، ذلك لأن طبعي يأبى عليّ العمل الجماعي، إلاّ أن أُدعى إلى خطبة أخطبها أو محاضرة ألقيها أو رأي أُبديه ثم أمضي في سبيلي، وما انتسبت في حياتي إلى حزب ولا جمعية ولا هيئة، وكل ما عملته عملته وحدي صادراً عن إيماني وقناعتي، فإن وافق خُطّة قوم كنت معهم في هذا العمل وحده الذي وافق خُطّتي، فإن انقضى العمل المشترَك مضيت في طريقي ومضى كلّ واحد منهم في طريقه. كالذي يريد أن يسافر من مكّة إلى الشام فيرافق من يريد السفر إلى القاهرة، يمشي معه في الطريق المشترَك من مكّة إلى جدة، ثم يتابع كلّ منهما طريقه إلى غايته.
وممّا ركّب الله في طبعي أنني طري باللطف أَبيّ على العنف، فمن جاءني من باب اللين والمسايرة والرفق غلبني، ومن جاءني من طريق التحدي والمكاسرة نازلته فكسرني أو كسرته.
ولما كنت أدرّس في الثانوية المركزية أول عهدي ببغداد دخل عليّ الصف (الفصل) يوماً شابّ في مثل سِنّي أو يكبرني قليلاً. وكان من عادتي في دروسي أن أدع الباب مفتوحاً، فمن شاء أن يدخل دخل ومن أراد من طلاّبي أن يخرج خرج، لا أمنعه ولا أجبره على أن يستمع إليّ بالعصا. ولو فتح الطالب كتاب الكيمياء في درس الأدب، بل لو قرأ قصّة من القصص لما قلت له شيئاً، ما كنت أمنع إلاّ شيئاً واحداً هو أن يُحدِث الطالب صوتاً يعكّر عليّ صفاء درسي، فإن لم يكن منه صوت فَعَل ما أراد، ممّا لا يحرّمه شرع ولا قانون ولا عُرف.
стр. 1219
حسبت هذا الشابّ أحد الذين يدخلون ليستمعوا، ولم يكن ذا سِنّ ولا هيبة ولا شيءَ فيه يدلّ عليه، فقعد في آخر الصف ومضيت في درسي، ورأيته قد أخرج دفتراً صغيراً فجعل يكتب فيه فقلت: حريص على الفوائد يدوّنها لئلاّ ينساها.
فلما انتهى الدرس وخرجنا لحقني الطلاّب على عادتهم يمشون معي، ومشى هو معهم. فلما انتهينا إلى غرفة الأساتذة رجعوا ودخلت فدخل هو معي، وافتتح القول بالثناء على درسي الذي سمعه وعلى مقالاتي التي قال إنه كان يقرؤها في «الرسالة». وأنا لا أجد في مثل هذه الحال ما أقوله، لأن من سألني عمّا أعرفه أجبتُه، ومَن حيّاني حيّيته، ومن شتمني شتمته، أما الذي لا ينطق إلاّ بمدحي فماذا أقول له؟ اللهمّ إلاّ كلمات الشكر أعيدها وأكرّرها، ولا أتمنّى إلاّ أن يخلّصني الله من هذا الموقف الذي أراه (إلى الآن) أشَقّ المواقف عليّ.
فلما ظنّ أنه خدّرني بمدحه وأنه تمكّن مني، وأنه عقل لساني بالحياء عن جوابه قال: أعرّفك بنفسي، أنا الدكتور فلان من مصر، المفتّش الاختصاصي للّغة العربية.
وأحسست أنه مدّ باللقب صوته ونصب عنده قامته، ودانى ما بين حاجبَيه ووقف وقفة القائد الذي يريد أن يُلقي أوامره فتُطاع. وأنا مهما حاولت أن أروّض نفسي على طاعة المفتّشين والرؤساء لا أستطيع، وأجدني مدفوعاً دفعاً لا يُقاوَم إلى المنازلة وإلى مجابهة مَن يأمرني وينهاني مستعلياً، بما يكره، إلاّ اثنين من المفتّشين والرؤساء؛ الأول: مَن كنت أرى له الفضل عليّ بعلم أو سنّ أو تجرِبة، كالمفتّش مصطفى تمر الذي كان أبا التعليم في
стр. 1220
سوريا رحمة الله عليه، والذي كان أستاذنا وأستاذ مَن هم قبلنا، وكنّا ونحن معلّمون أمامه تلاميذ، نسمع منه كل يوم جديداً من العلم لا نعرفه أو خلاصة تجرِبة في الحياة لم نمرّ بمثلها. والثاني: مَن يجيء باللطف والأدب واللين، لا يُشعِرك بأنه فوقك وأن له عليك سلطاناً.
ولم يكن هذا المفتّش الذي دخل عليّ واحداً من الصنفَين، أو كذلك بدا لي. وبدأ يُلقي عليّ ملاحظاته فاستمعت إليها ظاهرَ الضيق مستعداً للنزال وللصدام، وإذا هي ملاحظات شكلية لا يزيدني اتباعها ولا ينقص مني الإعراض عنها، أي أنها لا تضرّ ولا تنفع، وإنما هي أشياء حفظها من الكتب التي كان يدرسها في الجامعة في فرنسا ترجمها وحملها معه وجاء يصبّها على رأسي.
فلما أطال لم أعد أحتمل، وقلبت له ظهر المجنّ وسخنت له القول: «ونحنُ أُناسٌ نُتْبِع الباردَ السُّخْنا» كما قال المتنبّي. وافترقنا على خلاف، وإن حاول أن يعود قبل الفراق إلى الملاطفة وإلى إصلاح الأمر بيني وبينه فما نجح في محاولته.
وتناسيته وعدت إلى دروسي، وإذا أنا كلّما لقيت أخاً من إخواننا المدرّسين في بغداد، السوريين منهم والعراقيين، حدّثني عن خلاف بينه وبين هذا المفتّش. ومرّت أسابيع فإذا نحن نتلقى كتاباً صغيراً طبعَته وزارة المعارف وبعثت توزّعه علينا معشر مدرّسي العربية، فيه أوامر ونصائح وتوجيهات بعث بها هذا الرجل وأنزلها علينا من فوق، «من الباب العالي»! فغضبنا واجتمعنا عند الأستاذ محمد مهدي الجواهري الشاعر، وكان من
стр. 1221
المدرّسين الذين نالهم أذى هذا المفتّش، اجتمعنا في جريدته التي سَمّاها «الانقلاب» وتكلّمنا في أمر هذا المفتّش، وبثّ كلّ من إخوانه ما لقي منه وعرض الخُطّة التي يراها للردّ عليه والنيل منه. فقلت للجواهري: أنا أكتب قصّة آتيك بها غداً، وأعدك أنها ستطيره من العراق (وكان السفر بالطيارة قليلاً في تلك الأيام) فهل تنشرها كما هي؟ قال: نعم، أنشرها.
فكتبتها وحملتها إليه، ونُشرت كما هي في عدد ١٩ من ذي الحجة سنة ١٣٥٥هـ. وأنا أُقِرّ الآن (بعد تسع وأربعين سنة) أني ظلمته فيها وأني أسأت إليه، وأن القصّة التي كتبتها كانت هجاءً لا نقداً وكانت للتشفّي والانتقام لا للإصلاح. وغضب وطار إلى مصر، وغضب معه كثير من إخواننا المدرّسين المصريين، وإن لم أمسّهم بشيء فيما قلت وما كان كلامي إلاّ عليه وحده، ولكنهم غضبوا معه. وبقي نفر منهم على مودّتي لم يشاركوهم غضبهم، وكان من هؤلاء أخي وصديقي عبد المنعم خلاّف، وكان منهم الأستاذ الكبير سفير مصر (أو وزيرها المفوض) عبدالرحمن عزّام، الذي اتصل الودّ بيني وبينه على ما بيننا من فارق السنّ والمنزلة والمقام، وكنت أشهد مجالسه وأستفيد منه، فهو من أعرف العرب اليوم بعرب اليوم، وهو مفكّر عميق الفكر، بيِّنٌ رفيع البيان، جاهد الطليان في طرابلس الغرب (ليبيا) (١) قبل الحرب، وحسبكم أن من كتبه كتاب «بطل الأبطال»، وهو أجود مختصَر أعرفه في شمائل الرسول ﵊.
* * *
стр. 1222
وأنا من القديم مبتلى بالأرق وطول السهر، لذلك أنام شطر نومي بعد صلاة الفجر، ولذلك أجعل حصصي ومواعيد أعمالي ما استطعت بعد الساعة العاشرة.
فجئت المدرسة في موعدي ولم أعلم بما كان قبل وصولي. والذي كان أن الوزارة -إرضاء للإخوة المصريين ولأنها وجدت في قصتي التي كتبتها جملة فيها مسّ بالعراق، حين قلت إنه عرض شهادته على جامعات الشرق والغرب فأبتها ولم تقبلها إلاّ العراق- فأصدرت الوزارة قراراً بإنهاء عقدي وتسفيري. وبعثت به إلى المدرسة وأنا لا أدري، وعلم به إخواننا أنور وغيره وسمع به الطلاّب.
وأراد أنور أن يجزيني بما كنت فعلته في مكتب عنبر قديماً سنة ١٩٢٩ يوم قرروا طرده أسبوعاً، وقد تقدّم خبر ذلك في هذه الذكريات، فوقف مني موقفاً مثله: موقفاً بموقف ويوماً بيوم. فأثار الطلاّب وذهب إلى الأستاذ الأثري (وكان هو ملجأنا عند كلّ ضيق ومَفْزعنا عند كل مُلمّة)، فانتصر لي بإخلاصه المعروف وحماسته وعلوّ منزلته في وزارة المعارف. ثم ذهب أنور إلى الشيخ طه الراوي (وكان يعمل مع الشيخ رضا الشبيبي، رئيس مجلس الأعيان) فكلّمه في أمري، فألقى الشيخ الشبيبي والشيخ الأثري بثقلهما كله في كفّتي، فاجتمع شفاعة هؤلاء الكبار وثورة الطلاّب الذين تركوا دروسهم وأنا في بيتي لا أدري، ومشوا إلى وزارة المعارف وهي إلى جوار المدرسة فاحتلّوها يهتفون ويصيحون، يريدون بقائي وإلغاء هذا القرار. وأوشكَت أن تكون فتنة، فألقى عليهم الرجل الفاضل مدير المعارف العامّ (أي وكيل الوزارة)
стр. 1223
الأستاذ خليل إسماعيل كلمة طمأنهم فيها، أكّد لهم أنني باقٍ وأن عقدي مستمرّ. وكان الوزير الأستاذ صادق البصّام قد استجاب لشفاعة الشيخ الشبيبي والشيخ الأثري، وانتهت الرواية.
* * *
لقد ذكرت الأستاذ الأثري من قبل وحسبتُني قد فُجعت به، فكتبت أستنزل له الرحمة وأبثّ القرّاء حزني عليه وأسفي لفقده، فجاءني من الأستاذ زهير الشاويش من بيروت أن الأستاذ أكرم زعيتر أكّد له أن الأثري والحمد لله حيّ يُرزَق، يكتب وينظم ويحاضر. فمدّ الله في عمره وزاده قوّة إلى قوّته، وبلّغوه سلامي (١).
فلقد كانت غرفته في وزارة المعارف أحبَّ مكان إليّ في بغداد، وكنت -على ما أُوصَف به من جرأة وما أُلام عليه من تهوّر- أسأله كلّما دخلت عليه أن يخفض من صوته أو أن يُغلِق عليه بابه، حينما كان يتكلم عن الإنكليز ومَن يمشي معهم ويعاونهم، فيزداد كلاماً عليهم، كلاماً صريحاً واضحاً ما كنت أعرف في بغداد مَن يصدع بمثله. وكان له أصدقاء ثلاثة لا يكادون يفترقون كالفرسان الثلاثة في قصّة إسكندر دوماس (وفرسان دوماس في الحقيقة أربعة بعد أن انضمّ إليهم دارتانيان)، وهؤلاء أيضاً أربعة: الأستاذ الأثري والأستاذ حسن رضا مدير الأوقاف العامّ، والأستاذ عبد العزيز الخياط القاضي، والأستاذ هاشم الألوسي مدير المعارف.
стр. 1224
الأستاذ الأثري هو الذي كان يحامي عني، في هذه النازلة وفي كل نازلة ألمّت بي في العراق. وهو الذي جاء بي إلى العراق، فجزاه الله خيراً ومدّ الله في حياته.
أمّا المقالة فهي الآن أمامي وقد اصفرّ ورق العدد الذي نُشرت فيه. قرأتها فوجدت أنها تُعتبَر بالميزان الأدبي قطعة نفيسة، قصّة فيها وصف وفيها تحليل نفسي وفيها سخرية تلسع لسع الزنابير، ولكن فيها بميزان الدين ظُلماً للرجل، فلقد عرفت عند سفري إلى مصر (بعد ذلك بسنين) أنه رجل فاضل وأن له مؤلفات.
وأنا أعترف بعد هذا الأمد الطويل أنني ظلمته بهذه القصّة المختلَقة المؤذية، فإن كان حياً فاسألوه أن يسامحني وله الفضل عليّ، وإن كان قد توفّاه الله فأنا أسأل الله له الرحمة وأسأل الله لنفسي المغفرة.
* * *
انطفأ الحريق ظاهراً ولكن بقيَت النار تعجّ وسط الأنقاض؛ سكتوا عني وتركوني، ولكن المساعي الخفيّة لبثَت تُبذَل لإقصائي وإلغاء عقدي. ونجحَت أخيراً، ولكن لا بإخراجي من العراق بل بنقلي من بغداد إلى البصرة.
وما كرهت النقل إليها، بل لعلّي سُررت به؛ فأنا أعرف البصرة من قبل أن أراها، فلماذا لا أراها بعد أن عرفتها؟ إن في نفسي الكثير الكثير من أخبارها، ممّا حصلته من مطالعاتي وممّا قرأته في المدرسة، منذ أُنشئت على عهد عمر العبقري. وفي
стр. 1225
كتابي عن عمر (المطبوع سنة ١٣٥٢) (١) خبر إنشائها، إلى أنباء أدبائها وشعرائها وأمرائها، ومباريات مربدها الذي خَلَف سوق عكاظ. قرأت عنها الكثير، وكنت في شبابي أحفظ ما أقرأ. ولا يزال معي بحمد الله أكثر من نصف هذه النعمة، نعمة الحفظ التي أنعم الله بها عليّ، ولكنني صرت أذكر المعنى وأنسى اللفظ، وأحتفظ بالخبر وأنسى المُخبر أو المَرجع.
وإذا شكوت ضعف ذاكرتي الآن فإنما أشكو حين أذكر ما كانت عليه، وإلا فأنا أحمد الله، لا أنكر فضله ولا أجحد نعمته، فإنني بالنسبة لأمثالي أقوى ذاكرة ممّن أعرف منهم، وحسبي أن كلّ ما أكتبه هنا من ذكريات مضى عليه الآن نحو نصف قرن، أكتبه من ذهني لا أرجع فيه إلى مذكّرات مكتوبة وليس معي من رفاق تلك الأيام من يذكّرني بما نسيت منه. وإني كلّما رأيت فيما يكتبه إخواني وأصحابي إشارة إلى مذكّرات لهم يرجعون إليها وينقلون منها، غبطتُهم وتمنّيت أن لو كنت مثلهم، لا أحسدهم بل أُسَرّ لهم وآسى على نفسي أني لست مثلهم.
* * *
لمّا أزف الرحيل وتيقّنت أني مفارقٌ بغداد ذهبت أمشي وحدي، أطوف شوارعها، أقف على مواضع ذكرياتي فيها أودّعها، كما يصنع كلّ عاشق تحمله صروف الدهر على مفارقة ديار المعشوق. وكلّما وقفت على مربع عرضت في ذهني ما كان
стр. 1226
لي فيه من صلات، وما أخذت منه من ذِكَر، وما خلّفت فيه من عواطف، كأنه كتاب أقرأ فيه فصلاً من قصّة حياتي. ولمّا وقفت على تمثال الملك فيصل (ابن الحسين) ذكرت شيئاً كنت نسيت أن أضعه في موضعه من هذه الذكريات، هو أنه لمّا مات فيصل كانت في الشام رنّة حزن لموته عبّر عنها كلٌّ بأسلوبه وكُتبت فيها مقالات.
وكنت في بداية عهدي بالكتابة والنشر. وأراد ناس منّا أن يلبسوا ثوباً ما خيط على مقاس أجسادهم، وأن يأكلوا طعاماً لا يصلح لمعدهم وأمعائهم ولا يوافق أمزجتهم ... تقليداً للإفرنج، تقليد الضعيف للقوي. فسعوا لإقامة تمثال له في دمشق، البلد المسلم الذي ما عرف التماثيل، والذي لم يُنصَب فيه (إلى الآن بحمد الله) إلاّ تمثالان أُقيما في ليلة مظلمة نام فيها العلماء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر (١).
وكانت الجمعيات الإسلامية جديدة في دمشق (وقد مرّ بكم خبرها في هذه الذكريات)، وكانت لجمعية الهداية الإسلامية منشورات، ولم نكن نحتاج في طبع منشور أو نشر رسالة أو كتاب إلى إذن من أحد، بل نأخذ ما نكتبه رأساً إلى المطبعة فنطبعه. فكتبت منشوراً عنوانه «لا تماثيل في الإسلام» وطبعَته ووزّعَته جمعية الهداية الإسلامية، تاريخه غرّة جمادى الآخرة سنة ١٣٥٢ (أي قبل اثنتين وخمسين سنة) بإمضاء «علي الطنطاوي، ليسانس في الحقوق». ممّا قلت فيه (وهو الآن بيدي):
стр. 1227
وهل يُعوِز فيصلاً الخلود حتّى تخلّدوه بهذه الأحجار الصمّ وهذه الصخور الباردة؟ أليس باقياً في القلوب وفي التاريخ؟ ألم يخلد من قبله عُمَر وصلاح الدين ولا صور لهم ولا تماثيل؟ فلا تحيدوا عن نهج سلفكم الصالح، ولا تحسبوا أن هذه البلاد العربية المسلمة ترضى أن يُبنى فيها ما بُعث محمدٌ لتهديمه، وأن يأتي في آخر الدهر من يُطفئ النور الذي أضاءه محمد ﵊ في أوله. لا والله لا يكون ذلك أبداً. ثم هل ضاقت بكم مذاهب التكريم ولم تجدوا مأثرة تخلّدون بها ذكرى فيصل وتنفعون بها هذه الأمة؟ ألا تفتحون مدرسة تبثّ الصالح من مبادئه وتخلّد ذكراه؟ ألا تشيّدون باسمه مستشفى؟ ألا تنشئون باسمه ملجأ أو مصنعاً؟ أغَفِلتم عن ذلك كله ولم تجدوا إلاّ هذه الأحجار الصمّ تمحقون بها مالكم وتؤذون بها المسلمين في دينهم؟
ألا إنّ نصب التماثيل حرام في دين محمد ﵊، وإن تبدل الزمن وتغيرت الدنيا. ودينُ محمد ثابت بقرآنه وبهدي نبيّه الذي لا ينطق عن الهوى ... (إلى أن قلت): فيا أيها الملأ، أقلعوا عن هذه الفكرة. وإذا لم يكن بدٌّ من تقليد الغربيين واتّباعهم إلى «جحر الضبّ»، فليكن ذلك مع غير فيصل المسلم وفي غير دمشق حصن الإسلام، والسلام (١).
* * *
стр. 1228
صحبني الطلاّب وبعض الإخوان إلى المحطّة لأسافر بالقطار إلى البصرة. والوداعُ صعب على أيّ حال، ولكن يبدو أنه أشدّ صعوبة عند السفر بالقطار لأنه يبتعد برفيقك عنك شيئاً بعد شيء، كمن يموت مرّات قبل أن يدركه الموت الذي يُنهي حياته.
ومن الحقّ أن أشهد أن القطارات في العراق من تلك الأيام (أي سنة ١٩٣٧) كانت من أحسن القطارات. وأنا لا أجد -إن سافرت- أمتعَ من السفر في القطار لأن راكب السيارة كالمحبوس في الحاشرة (أي الزنزانة) تتيبّس عضلاته فلا يستطيع تحريكها، وإن كانت تقف أحياناً فيخرج منها فيمشي على رجلَيه، وراكب الطيارة يستطيع أن يمشي فيها من مقعده إلى الحمّام لكنه يبقى محصوراً فيها. ولقد أزعج أولادُ الركاب مرّة مضيفةَ (١) الطيّارة يَعْدون من حولها ويكادون يُسقطون ما تحمل من كؤوس، فغضبَت وقالت لهم: يا أولاد، إما أن تهدؤوا وتسكتوا وإما أن تخرجوا فتلعبوا «برّا». فصارت نكتة.
أمّا راكب القطار، لا سيما إن كان مثل قطار العراق الذي ركبت فيه من بغداد إلى البصرة، فهو يمشي (أي الراكب) من أوله إلى آخره مجتازاً الحافلات كلها في مسلك ضيّق أمام أبواب الغرف المغلقة، لا يدخلها ولا يؤذي من فيها ويرى الدنيا من نوافذ الممرّ. وإن شاء وكان معه الثمن الغالي دخل عربة المطعم فأكل فيها؛ يأكل وهو يرى الدنيا وهي تمرّ به أو يمرّ هو بها، كلّما
стр. 1229
أكل عشر لقم تبدّلَت المناظر أمامه. وإن كان بين ركّاب الدرجة الأولى فدفع أجرة المنام فرشوا له المقعد كله فجعلوه سريراً على طوله ووضعوا الوسائد والأغطية البيضاء النظيفة، فنعم بأطيب نومة وأهنئها، بعد أن يكون قد ألف ضجّة القطار، بحيث إنه إذا وقف القطار أفاق. وكذلك الإنسان تملكه العادات وتسيّره، ومن أصدق ما قال قائلٌ شطرُ بيت المتنبّي: «لكلّ امرئٍ من دهرِهِ ما تعوّدا» (وإن كان شطره الثاني أسخف ما قال القائلون) (١).
ولقد سافرت بعد ذلك في القطار أسفاراً طوالاً كانت كلها متعة وأنساً، منها أنني سافرت من هانوفر إلى بروكسل إلى أمستردام، ومن جاكرتا إلى سورابايا من طرف جاوة إلى طرفها الثاني، وسافرت من قبل ذلك من حيفا إلى القاهرة في قطار دون قطارات العراق، وسافرت في أعجب قطار وأقدمه، القطار الذي صار المُفرَد العَلَم الذي لا نظير له في الدنيا، قطار «دمشق-بيروت» الذي كان يقطع المئة كيل (فقط) بينهما بإحدى عشرة ساعة!
* * *
стр. 1230
-١٠٣ -
من ذكريات البصرة
يقولون إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، أي أنه يبقى ويخلُد (لو كان شيءٌ يخلد في هذه الدنيا!)، ولكني طالما رأيت نقشاً قديماً على الحجر الصلد قد مُحي، أو مُحي أكثره ولم يبقَ منه إلاّ كلمات معدودة.
وذكرياتي عن البصرة ليست نقشاً على حجر، بل ليست كتابة على ورق، وإنما هي صور حملَتها الذاكرة هذه السنين الطوال فأضعت على الطريق أكثرها، لذلك أسألكم أن تسامحوني إذا عرضتها جملة ولم أعرض تفاصيلها ودقائقها.
* * *
وصلت المدرسة فوجدت باباً كبيراً عليه حارس نبيه، فلم يفتح لي حتّى عرف من أنا وماذا أريد. ولكني عرفت لمّا دخلت المدرسة أن ساحتها ليس لها جدار من الخلف، أي أنها كقبر جحا التركي في قونية الذي زعم مَن رآه أن عليه الأقفال الثقال ولكن ليس له جدران، فمن شاء دار من حوله فدخل، كما دار الألمان في الحرب الثانية حول خط ماجينو الذي قالوا إنه مستحيل