← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1226–1265 · переход к 1231.

стр. 1226

لي فيه من صلات، وما أخذت منه من ذِكَر، وما خلّفت فيه من عواطف، كأنه كتاب أقرأ فيه فصلاً من قصّة حياتي. ولمّا وقفت على تمثال الملك فيصل (ابن الحسين) ذكرت شيئاً كنت نسيت أن أضعه في موضعه من هذه الذكريات، هو أنه لمّا مات فيصل كانت في الشام رنّة حزن لموته عبّر عنها كلٌّ بأسلوبه وكُتبت فيها مقالات. وكنت في بداية عهدي بالكتابة والنشر. وأراد ناس منّا أن يلبسوا ثوباً ما خيط على مقاس أجسادهم، وأن يأكلوا طعاماً لا يصلح لمعدهم وأمعائهم ولا يوافق أمزجتهم ... تقليداً للإفرنج، تقليد الضعيف للقوي. فسعوا لإقامة تمثال له في دمشق، البلد المسلم الذي ما عرف التماثيل، والذي لم يُنصَب فيه (إلى الآن بحمد الله) إلاّ تمثالان أُقيما في ليلة مظلمة نام فيها العلماء الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر (١). وكانت الجمعيات الإسلامية جديدة في دمشق (وقد مرّ بكم خبرها في هذه الذكريات)، وكانت لجمعية الهداية الإسلامية منشورات، ولم نكن نحتاج في طبع منشور أو نشر رسالة أو كتاب إلى إذن من أحد، بل نأخذ ما نكتبه رأساً إلى المطبعة فنطبعه. فكتبت منشوراً عنوانه «لا تماثيل في الإسلام» وطبعَته ووزّعَته جمعية الهداية الإسلامية، تاريخه غرّة جمادى الآخرة سنة ١٣٥٢ (أي قبل اثنتين وخمسين سنة) بإمضاء «علي الطنطاوي، ليسانس في الحقوق». ممّا قلت فيه (وهو الآن بيدي):

стр. 1227

وهل يُعوِز فيصلاً الخلود حتّى تخلّدوه بهذه الأحجار الصمّ وهذه الصخور الباردة؟ أليس باقياً في القلوب وفي التاريخ؟ ألم يخلد من قبله عُمَر وصلاح الدين ولا صور لهم ولا تماثيل؟ فلا تحيدوا عن نهج سلفكم الصالح، ولا تحسبوا أن هذه البلاد العربية المسلمة ترضى أن يُبنى فيها ما بُعث محمدٌ لتهديمه، وأن يأتي في آخر الدهر من يُطفئ النور الذي أضاءه محمد ﵊ في أوله. لا والله لا يكون ذلك أبداً. ثم هل ضاقت بكم مذاهب التكريم ولم تجدوا مأثرة تخلّدون بها ذكرى فيصل وتنفعون بها هذه الأمة؟ ألا تفتحون مدرسة تبثّ الصالح من مبادئه وتخلّد ذكراه؟ ألا تشيّدون باسمه مستشفى؟ ألا تنشئون باسمه ملجأ أو مصنعاً؟ أغَفِلتم عن ذلك كله ولم تجدوا إلاّ هذه الأحجار الصمّ تمحقون بها مالكم وتؤذون بها المسلمين في دينهم؟ ألا إنّ نصب التماثيل حرام في دين محمد ﵊، وإن تبدل الزمن وتغيرت الدنيا. ودينُ محمد ثابت بقرآنه وبهدي نبيّه الذي لا ينطق عن الهوى ... (إلى أن قلت): فيا أيها الملأ، أقلعوا عن هذه الفكرة. وإذا لم يكن بدٌّ من تقليد الغربيين واتّباعهم إلى «جحر الضبّ»، فليكن ذلك مع غير فيصل المسلم وفي غير دمشق حصن الإسلام، والسلام (١). * * *

стр. 1228

صحبني الطلاّب وبعض الإخوان إلى المحطّة لأسافر بالقطار إلى البصرة. والوداعُ صعب على أيّ حال، ولكن يبدو أنه أشدّ صعوبة عند السفر بالقطار لأنه يبتعد برفيقك عنك شيئاً بعد شيء، كمن يموت مرّات قبل أن يدركه الموت الذي يُنهي حياته. ومن الحقّ أن أشهد أن القطارات في العراق من تلك الأيام (أي سنة ١٩٣٧) كانت من أحسن القطارات. وأنا لا أجد -إن سافرت- أمتعَ من السفر في القطار لأن راكب السيارة كالمحبوس في الحاشرة (أي الزنزانة) تتيبّس عضلاته فلا يستطيع تحريكها، وإن كانت تقف أحياناً فيخرج منها فيمشي على رجلَيه، وراكب الطيارة يستطيع أن يمشي فيها من مقعده إلى الحمّام لكنه يبقى محصوراً فيها. ولقد أزعج أولادُ الركاب مرّة مضيفةَ (١) الطيّارة يَعْدون من حولها ويكادون يُسقطون ما تحمل من كؤوس، فغضبَت وقالت لهم: يا أولاد، إما أن تهدؤوا وتسكتوا وإما أن تخرجوا فتلعبوا «برّا». فصارت نكتة. أمّا راكب القطار، لا سيما إن كان مثل قطار العراق الذي ركبت فيه من بغداد إلى البصرة، فهو يمشي (أي الراكب) من أوله إلى آخره مجتازاً الحافلات كلها في مسلك ضيّق أمام أبواب الغرف المغلقة، لا يدخلها ولا يؤذي من فيها ويرى الدنيا من نوافذ الممرّ. وإن شاء وكان معه الثمن الغالي دخل عربة المطعم فأكل فيها؛ يأكل وهو يرى الدنيا وهي تمرّ به أو يمرّ هو بها، كلّما

стр. 1229

أكل عشر لقم تبدّلَت المناظر أمامه. وإن كان بين ركّاب الدرجة الأولى فدفع أجرة المنام فرشوا له المقعد كله فجعلوه سريراً على طوله ووضعوا الوسائد والأغطية البيضاء النظيفة، فنعم بأطيب نومة وأهنئها، بعد أن يكون قد ألف ضجّة القطار، بحيث إنه إذا وقف القطار أفاق. وكذلك الإنسان تملكه العادات وتسيّره، ومن أصدق ما قال قائلٌ شطرُ بيت المتنبّي: «لكلّ امرئٍ من دهرِهِ ما تعوّدا» (وإن كان شطره الثاني أسخف ما قال القائلون) (١). ولقد سافرت بعد ذلك في القطار أسفاراً طوالاً كانت كلها متعة وأنساً، منها أنني سافرت من هانوفر إلى بروكسل إلى أمستردام، ومن جاكرتا إلى سورابايا من طرف جاوة إلى طرفها الثاني، وسافرت من قبل ذلك من حيفا إلى القاهرة في قطار دون قطارات العراق، وسافرت في أعجب قطار وأقدمه، القطار الذي صار المُفرَد العَلَم الذي لا نظير له في الدنيا، قطار «دمشق-بيروت» الذي كان يقطع المئة كيل (فقط) بينهما بإحدى عشرة ساعة! * * *

стр. 1230

-١٠٣ - من ذكريات البصرة يقولون إن العلم في الصغر كالنقش على الحجر، أي أنه يبقى ويخلُد (لو كان شيءٌ يخلد في هذه الدنيا!)، ولكني طالما رأيت نقشاً قديماً على الحجر الصلد قد مُحي، أو مُحي أكثره ولم يبقَ منه إلاّ كلمات معدودة. وذكرياتي عن البصرة ليست نقشاً على حجر، بل ليست كتابة على ورق، وإنما هي صور حملَتها الذاكرة هذه السنين الطوال فأضعت على الطريق أكثرها، لذلك أسألكم أن تسامحوني إذا عرضتها جملة ولم أعرض تفاصيلها ودقائقها. * * * وصلت المدرسة فوجدت باباً كبيراً عليه حارس نبيه، فلم يفتح لي حتّى عرف من أنا وماذا أريد. ولكني عرفت لمّا دخلت المدرسة أن ساحتها ليس لها جدار من الخلف، أي أنها كقبر جحا التركي في قونية الذي زعم مَن رآه أن عليه الأقفال الثقال ولكن ليس له جدران، فمن شاء دار من حوله فدخل، كما دار الألمان في الحرب الثانية حول خط ماجينو الذي قالوا إنه مستحيل

стр. 1231

الاختراق، فجاؤوا من بلجيكا فدخلوا فرنسا من الشمال. وكنت أعرف «الفصل» الذي كُلّفت بالتدريس فيه، فلم أدخل على المدير كما هو مطلوب من مثلي، بل دخلت الصفّ (أي الفصل) رأساً. وكنت من الحَرّ قد نزعت ردائي (جاكيتي) وحملته، وشَمّرت كُمّي عن طرَف ساعدي، كأنني طالب كبير. ولا ينبغي للمدرّس أن يصنع مثل هذا، لا سيما في دروسه الأولى قبل أن يعرفه الطلاّب ويثقوا من علمه وفضله، ويثق هو من أدبهم معه واحترامهم له، ولكني أذكر ما كان. ولقد وقعت لي هنا حادثة، سألوني مرّة في مقابلة صحفية عن أطرف ما وقع لي في حياتي في التعليم فتحدّثت بها. هي بإيجاز أنني دخلت وسط المحاضرة (وكان هذا خطأ مني)، فسمعت المدرّس يودّع الطلاّب ويوصيهم بخَلَفه (الذي هو أنا) ويسمّيه لهم ويُثني عليه ويمدحه، فأعجبني ذلك منه وتقدّمت خطوتين، فصاح بي: يا زمال (١)، فين داخل؟ تأتي في وسط المحاضرة وتدخل على هذه الحال من قلّة الأدب! (وأشهد الآن أن الحقّ كان معه). قال: وأظن أنك لم تحضّر درسك، هل تستطيع أن تلخّص ما قلته أمس عن البحتري؟ هيا تكلّم عن البحتري يا زمال! وأخذت أتكلّم عن البحتري بلغة سليمة ولهجة موزونة وإحاطة بالموضوع، أستشهد في كلّ موضوع بما قاله هو وما قال

стр. 1232

الناس فيه، وأشرح ما أجيء به من الشواهد. وشُدِه (١) وتركني أتكلّم عشر دقائق أو ربع ساعة، كانت عيناه فيها مفتوحتين وشفتاه متباعدتين وحاجباه مرتفعَين، هيئةَ المدهوش الذي فاجأه ما لم يكن يتوقع. حتّى إذا وقفتُ وقفة تنبّه فيها ممّا كان فيه، وقال: مَن أنت وما اسمك؟ قلت: علي الطنطاوي. وأنا أدع للقرّاء أن يتصوروا أثر ذلك في نفسه بعد الذي قاله عني والذي سمعه مني. وخرج الطلاّب يتحدثون بذلك، وشاع في البلد، فكانت نكتة تُروى كما كان ذلك دعاية لي. * * * وسرتُ مع طلاّب البصرة سيرتي مع طلاّب بغداد؛ كنت أمْحَضهم النصح وأُخلص معهم العمل وأريد لهم الفائدة، وكنت -لوفرة ما كان لديّ يومئذ من معارف- أحرص على أن أنقل إليهم معارفي كلها، فعاد إليّ دائي القديم الذي لا يزال ملازمي إلى اليوم، في خطبي ودروسي وأحاديثي في الإذاعة وفي الرائي، وهو الاستطراد. تُذكّرني المسألة بأختها أو بابنة عمّها، فأكره أن أستأثر بها وألاّ أشارك السامعين فيها، فينقطع مني الخيط الذي يربط حبّات الموضوع. وأحياناً أستطرد فينتهي الاستطراد وأنسى الموضوع الأصلي، وهذا جدّ معي الآن بعدما كبرت، ولم يكن

стр. 1233

في الأيام التي أتكلّم عنها في هذه الحلقة. وأنا لا أحبّ نزول الفنادق وأفضّل عليها غرفة واحدة يكون معي مفتاحها لا يدخلها غيري، على أن تكون مَرافقها معها (المطبخ والمرحاض والمغسلة). ولقد نزلت أفخم الفنادق في مصر (أعني القاهرة، لأني لم أزُر الإسكندرية ولم أزُر بلدنا طنطا، مع أني أقمت في مصر سنوات متفرّقات) وفي مدن أوربّا وفي بومباي وفي دهلي وسنغافورة وجاكرتا، وما اطمأننت ولا سكنت إلى واحد منها ولا ذهب من نفسي كرهها. لذلك فتّشت من يوم وصلت البصرة عن دار أستأجرها. وكان أحد زملائنا في بغداد قد دلّني على قريب له يعمل فيها معلّماً في الابتدائية أعزب، وكتب إليه فاستقبلني في المحطّة، وكان دليلي ومساعدي (فأنا من صغري لا أحبّ دخول الأسواق ولا أكاد أشتري بنفسي شيئاً). فوجد لي داراً عربية، وأسكنتُه معي على أن يُعِدّ لي الطعام ويمشي معي إن احتجت، ولا أرزؤه شيئاً بل تكون النفقة كلّها عليّ. ثم إن من أسوأ عاداتي (أو لعلّها من أحسنها، لا أعرف الحقيقة) أني أبقى أكثر ساعات الليل والنهار في بيتي، لا أحبّ أن أزور أحداً إلاّ إذا اضطُررت إلى زيارته أو كان ممّن أعرفه وآلفه، ولا أقعد في مقهى ولا أؤمّ نادياً ولا ملهى. أمّا الدعوة إلى الطعام فأنا أفرّ منها، لأني أعلم أنه يُقدَّم في الدعوات طعام هو أطيب في العادة من طعامي في بيتي ولكني أُسلَب في الدعوات حرّيتي في اختيار الطعام، وحرّيتي في اختيار وقت الأكل، وحرّيتي في اختيار الآكلين.

стр. 1234

وكان رفيقي الذي ساكنته يستأذنني ويذهب فيسهر وأبقى وحدي، كما كان يذهب إخواننا الذين كنت أسكن معهم في بغداد وأبقى وحدي. ولم يكن في الدار رادّ (راديو) أستمع إليه، ولم تكن هذه الروادّ الصغيرة التي تعمل بالمدّخرة (بالبطارية) بل كان الرادّ على الكهرباء، وكان كبير الحجم ضخماً غالي الثمن. وأنا لم أضع في الدار إلاّ سريراً من الحديد وكرسيَين من الخشب ومنضدة رخيصة أكتب عليها وآكل عليها. فأصابني أرق شديد، كنت أحاول أن أُكرِه نفسي على النوم فتأباه عليّ، أو تريد هي النوم فيأبى عليها، فأكبس رأسي على الوسادة، ثم أيأس فأقوم فأقرأ حتّى أملّ من القراءة. وما كان معي إلاّ كتب معدودة، وكان في صدر الحارة التي سكنّا فيها قهوة فيها رادّ أو حاكٍ (فونوغراف) لا يزال يصدح بالأغاني إلى مَوْهن من الليل (الموهن نصف الليل) بصوت يغطّي دائرةً قطرُها مئة متر، فيعطّل كل مشغول ويوقظ كلّ نائم ويُزعج كل مريض، وصاحب القهوة لِيَطرَب هو ومن عنده يُكرب هؤلاء جميعاً ومثلهم معهم. وكنت أرى الأصوات وأنا مغمض العينين وأحسّ بها! نعم والله؛ فصوت رفيع ثاقب مثل سنان الرمح، وصوت حادّ مثل شفرة السيف، وصوت ضخم مثل صخرة الجبل، وصوت أجشّ مثل عربة دواليبُها من الحديد تمشي على أرض مبلّطة بالحجارة ... أراها بالعين فلا أنام حتّى أشعر كأنّ أعصابي قد تمزقَت وتقطعَت، وأقوم لصلاة الفجر كالذي مشى عليه فيلٌ فحطّم عظامه، ثم أُصبِح فأغدو إلى المدرسة. ولمّا طال عليّ الأمر ذهبت إلى المستشفى، وكان فيه («فيه»

стр. 1235

لا «فيها» كما يقولون، لأن المستشفى مذكر) طبيب من الشام اسمه الدكتور حسن السعدي، فأعطاني بعض المهدّئات. وعندي إلى الآن بضعة أقراص من هذه المهدّئات، وهي الكاردينال (من عيار غرام كامل)، لو أخذها المعمل الذي صنعها فحلّلها لعلم ماذا صنعت خمسون سنة مرّت بتركيبها الكيميائي. ثم ما زالوا يُنقِصون مقدارها حتّى صار القرص بعُشر غرام (١٠٠ ملّيغرام) ثم أُلغيت واستُحدثت أدوية جديدة. ولم أستفِد منه ولم أنم. فأخذوني إلى طبيب إنكليزي أحسب أنه داواني بالوهم، فأعطاني قرصاً واحداً، أي حبّة بيضاء. ولا أدري كيف أدخل في نفسي القناعة أن مَن أخذها نام بعد خمس دقائق ولم يُفِق إلاّ بعد سبع ساعات، وأوصاني ألاّ آخذها إلاّ عند الحاجة الشديدة. فوضعتها إلى جانب فراشي وانتظرت وقت الحاجة الشديدة لآخذها، فنمت وهي إلى جانبي. وبقيَت معي حتّى تركت البصرة! فكانت لي كدَخينة (أي سيجارة) بسمارك. * * * رأيت البصرة لمّا جئتها مدناً ثلاثاً صغاراً، بينها كما يقول علماء المعاني من البلاغيّين: شبه كمال الاتصال أو شبه كمال الانفصال؛ فلا هي مدن مستقلّة ولا هي أحياء مدينة واحدة. وهي: ماركيل والعشار والبصرة. أمّا «ماركيل» الذي سُمّي باسمه حيّ المحطّة فهو مَعقل ابن يسار ﵁، مسخ اسمَه الإنكليزُ بلسانهم المعْوَجّ فصار معقل ماركيل! وأمّا العشار فلا أعرف من أين جاءت هذه التسمية. وكنت

стр. 1236

أسمع أن البصرة القديمة التي قرأنا أخبارها وروينا تاريخها هي الزُّبَير، ولست أذكر الآن كم تبعد الزّبير عن البصرة: عشرين أم خمسة وعشرين كيلاً؟ وكنت أمشي مثل هذه المسافة ذهاباً وإياباً بسهولة، فأخذت بضعة طلاّب وذهبنا إليها مشياً على الأقدام. ولست أذكر منها إلاّ قبر الزبَير ﵁. وأكثر أهل الزبَير من نجد، وهم سلفيون حملوا إليها هذه السلفية التي دعا فيها الشيخ محمد بن عبد الوهاب (مجدِّد الإسلام في القرن الثاني عشر بلا نزاع) إلى العودة إلى التوحيد الخالص. ومَن عرفت منهم كان يتردّد في إقامته وفي عمله بين الزبَير والعشار (في البصرة). ولقد أخذني أخي الداعية إلى الله الشيخ محمد محمود الصواف في زيارتي الثانية للبصرة سنة ١٩٥٤ إلى جماعة من أفاضلهم، منهم الحاجّ عبد الله أبا الخيل وهو والد معالي الوزير السابق الشيخ عبدالرحمن، ولست أعلم ما صلته بمعالي وزير المالية الآن. وقد كان عندنا في المدرسة اثنان هما أصلح وأتقى من عرفت من الطلاّب في البصرة في تلك الأيام، هما سعود العقيل وأخوه، وأظنّ أن اسم أخيه محمد، وهما من الزّبَير. ولست أعرف ما خبرهما بعد تلك السنة، وأسأل الله أن يوفّقهما ويوفّق كلّ من نشأ أو ينشأ مثلهما في طاعة الله. ووجدت في الزبَير أثراً للأستاذ تقي الدين الهلالي (مدّ الله في عمره) وبقايا من تلاميذه. ولمّا عدنا بلغ منّا التعب والعطش، حتّى إني لمّا دخلت البصرة لم أعُد أستطيع الصبر، فطلبنا ماءً فلم نجد لأن رجوعنا كان في الليل والطريق كان خالياً وليس فيه سوق ولا دكاكين،

стр. 1237

فقلت لمن معي من الطلاّب: اقرعوا أحد هذه الأبواب ليسقونا. قالوا: يا أستاذ كيف نقرع باباً لا نعرف صاحبه والدنيا ليل والناس نيام؟ قلت: يا جماعة، نحن في أول الليل. لقد أذّن العشاء من قليل، والمضطرّ معذور ونحن إنما نطلب شربة ماء. فتهيّبوا ذلك. قلت: أنا أفعل. واخترت داراً يبدو على أهلها اليسار، فقرعت الباب فخرج رجل مشرق الوجه باسم الثغر، فقلت: السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، أهلاً وسهلاً تفضّلوا. ولم نكن ننتظر أكثر من ذلك لنتفضّل، فتفضّلنا ودخلنا وقلت له: إبريق ماء أولاً ثم الكلام. قال: تكرمون. وأسقانا على ظَمأٍ زُلالاً ... ألذَّ من المُدامَةِ للنديمِ وما ذقت بحمد الله المدامة ولا أعرفها، ولكني شربت عنده ألذّ شربة دخلت جوفي، فما أكملنا الشرب حتّى جاءنا بالشاي. وقلت: ألا تعرف أولاً من نحن؟ ألا تسألنا عن قصّتنا؟ قال: من عادة العرب اليوم أنهم لا يسألون الضيف عن اسمه، فإن شاء هو خبّرهم. فقلت: هل سمعت بالطفَيليّين؟ قال: نعم. وتبيّن لنا أنه رجل أديب مطّلع، فحدّثناه حديثنا فضحك وقال: انتم إذن بحاجة إلى طعام؟ قلت: لا، بل نحن بحاجة إلى ورق أبيض وقلم. فتعجّب وقال: ولِمَ؟ قلت: لنكتب وصايانا قبل أن نموت من الجوع، ولتعرف عنواني لتوصل ما معي -إن متّ- إلى أهلي. قال ضاحكاً: وهل معك مال كثير؟ قلت: لو كان معي مال لما تطفّلت عليك! وأمضينا سهرة ممتعة وصرنا أصحاباً.

стр. 1238

وأرجو ألاّ تنسبوني إلى الجحود وإلى قلّة الوفاء إن قلت لكم إني نسيت اسمه. وما أنسانيهُ إلاّ الشيطان، وبُعد العهد، وكِبَر السنّ. ولكني لا أزال أذكر كرمه وفضله. * * * أنا ما زرت البندقية (فينيسيا) ولكن قرأت عنها وسمعت قصيدة «المهندس» فيها (١) التي غنّاها محمد عبد الوهاب. طرق البندقية ماء وسياراتها الزوارق، وكذلك البصرة. وقريب منها أمستردام، وقد ذهبت إليها مرتين. وكلمة «دام» التي تنتهي بها أسماء مدن هولندا أو أكثرها معناها السدّ، لأن هولندا هي الأراضي المنخفضة، فهم يقيمون السدود ويسرقون الأرض من البحر. كما أن كلمة «بادن» التي تُختَم بها أسماء كثير من مدن ألمانيا معناها حَمّام، أي نبع معدني حارّ. بين العشار والبصرة شارع إلى جنبه ممرّ مائي، فمن شاء ركب السيارة في البَرّ ومن شاء ركب الزورق في الماء. وبساتين النخيل في مدينة أبي الخصيب التي لا يُحصى عددها، لكل منها نهر صغير، أي مجرى ماء، يأتي من شطّ العرب. لا يجري ماؤها كالأنهار، بل يتحرك بالمدّ والجزر كمياه البحار. وكنت أعجب عندما أقرأ في الكتب أنه كان في البصرة عشرون ألف نهر وأقول:

стр. 1239

ما هذه الأنهار؟ وأين تجري؟ فعرفت لمّا رأيت هذه الأقنية ماذا كانت تلك الأنهار. وأقول -بالمناسبة- إنه كان في العراق قديماً نظام للريّ ما كان له نظير، حتّى إن لجنة من الخبراء أيام الإنكليز درست هذا النظام وكتبت عنه تقريراً نُشِر في ذلك الوقت، وبلغ عجب اللجنة بهذا النظام والإعجاب به الغاية. ولقد ازدادت الأنهار في الماضي حتّى صارت نوعاً من الترف، وحتى قال داود بن علي في خطبته المشهورة: إننا ما خرجنا لنحفر نهراً ولا لنبني قصراً (١). «أبو الخصيب» هي الأُبُلّة، وهي أقدم من البصرة لأنها كانت قبل الفتح الإسلامي قاعدة عسكرية فارسية، والبصرة بُنيت بعدها على عهد عمر ﵁. وأبو الخصيب فيها أكثر من مئة نوع من التمر، أي مثل عدد أنواع العنب في الشام، ومنه شيء رأيناه كما قال ابن الرومي: «كأنه مَقامع البلّور»، شفّاف مُلئ عسلاً مصفّى تبدو نواته ظاهرة من خلاله، وهذا الذي أقوله حقيقة لا مجاز. وأكثر هذه الأقنية والأنهار تمشي فيه الزوارق الصغار، أما

стр. 1240

القناة الكبرى بين العشار والبصرة ففيها زوارق دقيقة طويلة مكسوّة مقاعدها بالقماش الأبيض النظيف، تتمايل على ماء القناة مثل العروس يوم جلوتها، ليس بين ما يركبه الناس من مراكب شيء أمتع منها. ومن غرائب الإنكليز (وليس هذا غريباً عند ذوي الأمزجة الشعرية) أنّ أحد زملائنا المدرّسين منهم لمّا جاءت عطلة نصف السنة استأجر زورقاً من بغداد، زورقاً نظيفاً أنيقاً مريحاً، وقعد فيه وتركه يسير مع الماء من بغداد إلى البصرة، فأمضى أيام العطلة مضطجعاً يتأمّل الضفتين، يقرأ في كتابه أو في كتاب الطبيعة التي طبعها الله ويفكّر، حتّى بلغ البصرة عند بلوغ العطلة نهايتها! ولعلّ لياقوت الحُجّة حين قرّر أن متنزّهات الدنيا أربعة، هي: غوطة دمشق، والأبُلّة التي حَفر نهرها -كما قالوا- زياد أيام ولايته العراق، وشعب بَوّان. وقد نسيت الرابع (١). والغوطة أجملها لو كان فيها ماء، لكن أنهرها قد انقطع أكثرها لمّا سحبوا ماءها إلى بيوت دمشق، كما كانت الحال في مَرّ الظهران (أي وادي فاطمة). ولكن نابت عنها الآبار عليها المضخّات الكِبار، تُخرِج الماء ينابيع فوّارة وتُجريه سواقي غزيرة. وماء البصرة كله من شطّ العرب، فهو المنظر العجب؛ بحرٌ ماؤه حلو وشواطئه جِنان تجري فيه البواخر الكبار. لكن ربان الباخرة يرفع يده عن قيادتها ويدع أمرها لناس من أهل البلد

стр. 1241

يعلمون كيف يسيّرونها، لأنهم يعرفون الممرّات العميقة التي تستطيع أن تجري فيها. ولقد خبّروني -لمّا كنت هناك- أن واحداً منهم استنكف عن أن يدع قيادة باخرته لمَن يراه دونه، وقادها بنفسه فوحلت الباخرة ووقفت وعجزت عن المسير. * * * بُني المَصران (الكوفة والبصرة) في وقت معاً، ونشأ في كلّ منهما علم كثير وأدب كثير، وكان النحو بصرياً وكوفياً. والشيء العجيب أن الكوفة قد تضاءلت وتضاءل نحوها حتّى كاد يُنسى، والبصرة قد اتّسعت وكبرَت وغلب نحوُها، فصار هو الذي يُدرَس وحده في المدارس! * * *

стр. 1242

-١٠٤ - في «الكلّية الشرعية» في بيروت من أفضل مَن عرفت من الناس قوّةَ إيمان وإخلاصاً في الدعوة إلى الله ودأباً عليها، رجل كان من أساتذتي في السلوك لا في العلم؛ حاولت أن أقلّده وأن أكون مثله فما استطعت. رضيّ الخلق، بعيد عن الكبر، قد أمات في نفسه حظّ نفسه وجرّدها للعمل لما يُرضي الله عنها لا لما يسرّها هي ويُرضيها، هو الشيخ صلاح الدين الزعيم. ولقد سبق ذكر أبيه المجاهد الشيخ رضا الزعيم، وسيأتي ذكر أخيه الأصغر حسني الزعيم صاحب الانقلاب في الشام. وإذا كان الذي غرس هذه الشجرة الملعونة السامّة في حياتنا (شجرة الانقلابات) بكر صدقي الذي حدثتُكم حديثه، فإنّ الذي سقاها وغذّاها وكبّرها ونمّاها هو حسني الزعيم. كان الشيخ صلاح يعمل مراقباً للطلاّب في الكلّية الشرعية التي أُنشئت حديثاً في بيروت لتخرج للمسلمين قُضاة ومُفتين ووُعّاظاً ومدرّسين. فلما جئت دمشق للإجازة بعد انتهاء العام الدراسي (١٩٣٦ - ١٩٣٧) سألني عن أحوالي في العراق بعد أن

стр. 1243

نُقلت إلى البصرة، فما شكرت ولا شكوتُ ولا كنت حامداً ولا ذامّاً، فعرض عليّ أن أكون مدرّساً في الكلّية، وقال إنه مفوض بذلك من سماحة المفتي الشيخ توفيق خالد. فما تردّدت أن قبلتُ؛ لا كُرهاً بالعراق، فقد أحببتها وما زلت أحبّها وأذكر بالخير أيامها، وأستحلي سماع مقاماتها والإصغاء للهجة أهلها الذين لم ألقَ منهم إلاّ النبل والكرم. ولكن لمّا رأيت أنه ما يزال في بغداد من يكيد لي ويتربص بي الدوائر، وأنهم استطاعوا نقلي إلى البصرة بغير طلب مني (وإن لم يَسُؤْني هذا النقل)، فلربّما استطاعوا إذا انتهت مُدّة عقدي ألاّ يُجدِّدوه لي. فقلت في نفس مقالة الزبّاء: «بيدي لا بيد عمرو». لذلك قبلت ما عُرض عليّ. * * * كان الذي يعمل في بيروت كالعامل في الشام، لأن السفر بينهما كان يومئذ كالسفر من مكّة إلى جدّة؛ متى خطر على بالي خرجت فركبت السيارة من أمام الدار في دمشق فلم أنزل إلاّ أمام الدار التي أقصدها في بيروت. كانت السيارات في «المَرجة» في دمشق تنادي النهار كله وطرفَي الليل: بيروت، بيروت ... وكان أكثرها من سيارات فورد الصغيرة تحمل أربعة ركّاب: واحداً إلى جنب السائق وثلاثة في الصدر، والأجرة ليرة. والليرة في البلدين واحدة، ما كان للبنان ليرات غير ليرات الشام.

стр. 1244

ولا تبعد بيروت عن دمشق أكثر من بُعد جدة عن مكّة، ولكننا ما كنّا نصل قبل ساعتين، فإن أسرعنا كثيراً نقصنا منهما قليلاً. ذلك لأن طريق جدة سهل تسير فيه على أرض منبسطة في طرق واسعة، وذلك طريق ضيّق، يصعد جبلاً ويهبط وادياً، ولا يزال يلفّ ويدور حتّى يدور رأس الراكب ويحسّ من لفّاته أن حبلاً التفّ على عنقه فكاد يُغشى عليه. كان عند مَيْسلون أكثر من أربعين منعطَفاً، وعند الصعود من شتُورة إلى جدَيْدة مثلها، وسبب ذلك (أقول الحقّ فلا تضحكوا) أن الذي رسم ذلك الطريق حمار! نعم، الحمار الحقيقي لا مَن هو على المجاز مثل الحمار: كان الدليل يركب حماره ويدَعه يمشي على هواه. والحمار (كما تعلمون، أو لا تعلمون) مهندس بالفطرة، فهو يختار من المصاعد أسهلها فيسلكها، وإذا رأيته يمشي في الجبل على حَرْفه حتّى لتظنّه سيسقط في الوادي فلا تحسب أنه يفعل ذلك جهلاً، بل يفعله مفاخرة لإثبات القدرة على التوازن! والحمار مظلوم، فمن سبّ منّا آخر قال له: يا حمار، فيغضب، مع أن الحمار أحقّ بالغضب إن قيل له: يا إنسان! نعم، إن جنس الإنسان أفضل والله كرّم بني آدم وقدّرهم، ولكن مِن بني آدم مَن ينزل بنفسه عن مكان استحقاق التقدير فيصير أضلّ سبيلاً من الحمير. وهل يجترح الحمار من السيئات ما يجترح مثلَه الإنسان؟ من رأى منكم حماراً يجحد ربه، أو يغش زميله، أو يخون قومه،

стр. 1245

أو يرتكب الفواحش، أو ينظم فيها الأشعار (١)؟ ثم إن من يموت على الكفر يكون يوم القيامة دون الحمار. * * * من سافر اليوم من دمشق إلى بيروت لم يجد هذه المنعطفات، فقد أُزيلَت وسُوّي الطريق، ولكن جاء ما هو شرٌ منها: منعطف قد يعطف طريق المسافر إلى القبر! ما كنّا نحتاج في السفر إلى إذن ولا رخصة ولا نقف على الطريق لتفتيش متاع وختم أوراق، فصار هذا كله. ويا ليت هذا الذي صار يعود إلى ما كان عليه فهو أهون ممّا انتهينا إليه: أهون من أن نقف وقفة لا نمشي بعدها أبداً، أو أن تختم حياة الواحد منّا بدلاً من أن تختم أوراقه. كان السفر من دمشق إلى بيروت سنة ١٩٣٧ لولا هذه «الأكواع»، أي المنعطفات، كان لولاها نزهة ومتعة: أوله وادٍ أنيق دقيق، عرفتُ الدنيا فما عرفت أجمل منه، هو وادي الرَّبْوة إلى الشاذِرْوان. عرض الوادي كعرض الطريق وبردى وسكة القطار، لا يزيد عليها. وآخره وادٍ من أعظم الأودية وأوسعها وأجملها، هو وادي صُوفَرْ-حَمّانة الذي لا يدرك بصرُك قراره، وقد نُثرت القرى على جانبَيه كما نُثرت على العروس الدنانير، ترى أضواءها في الليل كأنها النجوم في سماء صافية الأديم.

стр. 1246

تخرج من دمشق فتمشي إلى جنب بردى وأبنائه بين الرياض والبساتين، حتّى تعلو جانباً من لبنان الشرقي، وتهبط منه فتبلغ سهل البقاع. السهل الذي صيّرناه بعد الأمن والدعة والجمال دارَ خوف ومسرحَ قتال. حتّى إذا تجاوزت شتورا بدأت تصعد حتّى تمشي وسط السحاب أو تعلو فوقه (وهذا منظر حقيقي لا تعبير خياليّ) إلى ظَهْر البَيْدَر، ثم تنعطف يميناً فتدخل الجنّة التي أحالها البشر اليوم ناراً، فإذا عن يمينك الطريق الفرعي إلى حَمّانا ففَالوغة، ثم ينزل إلى بيروت من هناك. وأمامك الشارع الأصلي الذي يجوز بصوفر وبْحَمْدون وعَاليه، وتلك المرابع التي كانت للحبّ فصارت للحرب، وكانت للشعر فغدت للذعر (١). ولو لم يُصِبْ لبنانَ هذا الزلزالُ الذي لا تزال تتعاقب خضّاته وتتوالى هزّاته وتمتلئ الصحف بأخبار فواجعه: من رصاص يئزّ ومدافع تدوّي ونيران تندلع، وأرواح خلال ذلك تُزهَق، لو لم يكن من ذلك شيء لبقي بلداً آمناً مطمئنّاً يأتيه رزقه رَغَداً من كل مكان. وجئت سنة ١٩٨٤ لأصف بيروت سنة ١٩٣٧، ليقرأ الشباب في ذلك تاريخاً لما كان لا وصفاً لما هو كائن. لا أتكلم عن بيروت الماضي السحيق التي كان فيها إحدى حكومات الفينيقيين، لأن كل بلد كانت لها عندهم حكومة، وإن كانت الكبرى صيدا. لبثَت على ذلك أكثر من أربعمئة سنة، ثم انتقلَت

стр. 1247

إلى صور فامتدّ سلطانها إلى أكثر سواحل البحر الأبيض المتوسط وأقامت مستعمرة لها في قرطاجَنّة، ناطحَتْ روما لما كانت روما في عزّ مجدها وظهر منها أحد أبطال التاريخ القديم «هاني بعل» (هانيبال) الذي صنع ما لم يصنعه أحد قبله ولم يصنعه بعده إلاّ نابليون تقليداً له، هو أنه صعد بجيشه الثقيل جبال الألب ثم انقضّ على روما من فوق. * * * كان لُبّ بيروت لمّا جئتها في ساحة البرج: في أعلاها بِرْكة جميلة كبيرة بعدها حدائق في وسط الشارع، وفي أسفلها السراي الصغير، تمرّ منها خطوط الترام كلها. وكان في بيروت ثلاثة خطوط للترام مُدَّت سنة ١٩٠٦، تمشي فيها من أولها إلى آخرها ثم تجتمع كلها مارّة من ساحة البرج. الخطّ الأول يصل إلى «الدّورة» عند نهر بيروت، والخطّ الثاني، وهو أطولها، يمتدّ من «فرن الشبّاك» (الذي يستقبل القادم من الشام) إلى المنارة في رأس بيروت، والخطّ الثالث هو الذي يجتاز البَسطة أدناها وأعلاها (ويسمّونها البسطة التَّحْتا والبسطة الفَوْقا) إلى الحرج. فإذا بلغتَ أسفل ساحة البرج وسرت إلى اليسار وجدت المسجد الكبير المسمّى بالمسجد العمريّ، الذي كان كنيسة فصار مسجداً: كنيسةٌ صارَتْ إلى مسجِدِ ... هديةُ السيّدِ للسيّدِ يعني شوقي بالسيد الأول المسيح، وبالسيد الثاني سيّد ولد آدم محمد، عليهما من الله الصلاة والسلام. وأمام المسجد شارع

стр. 1248

يمتدّ إلى البحر وفي آخره على اليمين مسجد جديد، يقابله فندق الأهرام الذي ينزله «الشوام»، صاحبه الحاجّ أحمد المغربي الذي يعرفه كلّ شامي كان يزور بيروت: ينام عنده ويأكل من طبخه، وهو أحسن رجل يجيد الطبخ الشامي هناك. كنّا نحس في فندقه كأننا في بيوتنا، وإن نسينا ذكّرنا قرعُ القَباقيب على بلاطه وخَبط الأباريق في حَمّاماته! وكنّا نجد فيه جوّ المسجد، فإذا دخل وقت الصلاة أذّن مؤذّن فيه ومُدَّت البُسُط وأقيمَت الصلاة جماعة. وكان بينه وبين الشارع سلّم فيه مئة درجة، ولم يكن فيه مصعد. وما كنّا قد عرفنا المصاعد في دمشق إلى ذلك اليوم وإن كان في بيروت قليل منها، وأول مصعد رُكّب في دمشق هو الذي في عمارة كَسْم وقَبّاني وراء المجلس النيابي. والغريب أن المشايخ الكبار كانوا يصعدون إليه لا يجدون من ذلك بداً. وكنت إن جئت بيروت بأهلي (ولم أكن سنة ١٩٣٧ قد تزوّجتُ؛ ما كان معي ما أتزوّج به وأنا على أبواب الثلاثين من العمر!) كنت أُنزِلهم في شبه دار على سطح الفندق: غرفتان هَرِمتان قديمتان أمامهما السطح كله، يلعب فيه مَن معنا من الصغار وتتكشّف فيه النساء فلا يراهن أحد، لأن مِن حولنا سوراً يحيط بنا فيحجبنا إلاّ من جهة نطلّ منها إذا أردنا، ولأن له باباً كنّا نغلقه علينا. ومن العجائب أني جئت بيروت مرّة فوجدت السطح مؤجَّراً، فأخذنا غرفتين في «فندق ريجنس»، وهو أغلى أجرة وأعلى مرتبة. فما استرحت فيهما، فجئت ففاوضت مستأجر

стр. 1249

السطح ليبادلني بهما عليه. وقبل متعجّباً مني، وجعل ينظر إليّ كما ينظر ابن المدينة إلى الفلاّح الذي فكر أن يبيعه ميدان العتبة الخضراء! إذ كيف أدع غرفتين في فندق كان يُعَدّ من الفنادق الكبار لآخذ غرفتين عتيقتين على سطح عمارة قديمة؟ ما علم أنني آخذ حرّيتي التي افتقدتها في الفندق وكنت أجدها على السطح. كان فندق الأهرام وقهوة الحاجّ داود ملتقى الشاميين في بيروت؛ إن ضاع منك واحد منهم وجدتَه في أحدهما. وكانت القهوة على أعمدة من الصخر في طرف البحر، فكان يحسّ مَن فيها كأنه في مركب قديم، تضربه الأمواج فتتكسّر عليه. ولم يكن في الفندق خمر ولا شيء ممّا حرّم الله، ولم يكن من ذلك شيء في قهوة الحاجّ داود. وكان يقابل القهوةَ أخرى مثلها اسمها قهوة البحرين، ثم ينكشف البحر للماشي في الشارع حتّى يصل إلى الفندق الكبير الوحيد في تلك الأيام، فندق سان جورج، وبعده ملاهٍ نمرّ عليها في النهار وهي مغلَقة الأبواب ولا نعرف ماذا يكون فيها في الليل. هذه هي الزيتونة المشهورة. * * * بتنا في الفندق، ولمّا أصبحنا صحبني الشيخ صلاح إلى الكلّية، فركبنا الخط الأول إلى آخره لمقابلة المفتي الشيخ توفيق خالد ﵀، وكان هو رئيس الكلّية وكان الرئيس الأعلى (رسمياً) للمسلمين. وكان القاضي هو الشيخ مصطفى الغلاييني صاحب الكتب المشهورة في النحو والصرف، وكان أمين الفتوى أستاذنا القديم الشيخ عبد الرحمن سلام.

стр. 1250

أمّا مدير الكلّية فهو الرجل الفاضل الذي طوّق عنقي بمكارمه وأثقل ظهري بأياديه عليّ، والذي كان لي أخاً كبيراً وكان يوليني من العطف والحبّ أكثر ممّا يولي امرؤ أخاه. ولقد كنت أتمنّى أن أجدد العهد برؤيته، ولكن أبلغني الأستاذ القباني مدير الأوقاف، وقد زارني في مكّة، أنه تُوفّي من قريب. رحمة الله عليه وجزاه الله عني خيراً (١). وكان ممّن أذكر من الأساتذة الشيخ محمد العربي العزوزي، الذي صار أمين الفتوى بعد الشيخ سلام، وله كتاب عمّن عرف من الرجال في بيروت ذكرني فيه فأثنى عليّ ثناء لا أستطيع أن أنقله، ووصفني بصفات ونسب إليّ مزايا لا أستحقّ معشارها، لذلك أُعرِض خجلاً عن نقل ما قاله، وأسأل الله له الرحمة والغفران (٢). لمّا وصلت الكلّية وجدتها في بناءَين في آخر البسطة على يسار الصاعد من البلد، أولاهما للتدريس والثانية للطلاّب:

стр. 1251

لطعامهم ولمنامهم. وبينهما ساحة يمارسون فيها الرياضة ويلعبون فيها. وكنت قد تعاقدت معهم على أن يضمنوا لي المنام والدواء، فأعطوني غرفة في عمارة التدريس فوضعت فيها سريراً ومنضدة وصارت بيتي. كانوا يُلزِمون الطلاّب بالعمامة البيضاء والجبّة السوداء، فكانوا يجدون حرجاً من الخروج بها في شوارع بيروت. وكان منهم طالب صغير ألبسوه الجبّة والعمامة وجعلوه شيخاً قبل سنّ البلوغ؛ كان أصغر التلاميذ سناً وجسماً ولكنه كان من أشدّهم ذكاء ونباهة، فصار اليوم من أكبرهم اسماً وفعلاً. فمِن فِعله إنشاء مجلة «الآداب» التي عاشت عمراً وتخرج فيها جماعة من الشباب، هو الأستاذ سهيل إدريس. وقد زار المملكة وأجرت جريدة «الجزيرة» مقابلة معه نُشرت في اليوم الأول من جمادى الثانية سنة ١٤٠١، وصف فيها كيف بدأ حياته في هذه الكلّية الشرعية وقال بأنه دخلها تلبية لرغبة أبيه الذي رأى اهتمامه بحفظ الأحاديث والقرآن فحكم (كما يقول): "بأني مرصود لحياة دينية قادمة، وألحقني بالمدرسة. وكانت تهتمّ بتدريس التشريع الإسلامي والمواد الدينية الأخرى. وقد بقيتُ فيها خمس سنوات، ودرّسني فيها كاتب كبير يعيش الآن ومنذ فترة طويلة في المملكة، وهو الشيخ علي الطنطاوي. وفي الواقع فإن الشيخ الطنطاوي هو الذي بثّ فيّ حميّة الأدب، وكان له أسلوب تشويقيّ جميل، وكان كاتباً معروفاً. وقد تأثّرت به وبكتابته وانصرفت إلى المطالعة وبدأت أميل إلى الأمور الأدبية" ... إلى آخر المقال.

стр. 1252

لقد تبيّنت من تجرِبة إلزام الطلاّب الصغار بالعمامة والجبّة قبل الأوان أن ذلك بعيد عن الصواب، وأنّ الأولى أن نبدأ من الداخل، من القلب: فنملأه بالإيمان، ومن الرأس: فنملأه بالعلم. والدليل أن طلاّب الكلّية لم يبقَ فيهم ثابتاً على العمامة إلاّ حسن خالد وشفيق يَموت. أمّا حسن خالد فهو سماحة مفتي الجمهورية اللبنانية اليوم (١)، وشفيق يموت رئيس المحكمة الشرعية العليا. وكان الشيخ شفيق وهو طالب يُحسن تلاوة القرآن وله صوت يشبه صوت أشهر قارئ يومئذ في مصر، الشيخ محمد رفعت، فكان المفتي يحبّه لذلك ويقرّبه لهذا. أما الشيخ حسن فكان له من الدين وإخلاصه لله، ومن العلم والاستزادة أبداً منه ومن الثبات على الحقّ، ما يجعله أهلاً للمنصب الذي وصل إليه. إني أذكر من الطلاّب الآن، أذكر منهم (مع حفظ الألقاب): حسن خالد، وشفيق يموت، وسهيل إدريس، ومُحيي الدين خالد، ورمضان لاوند، وبهيج عثمان، وحسن صعب. ومن الطلاّب السوريين في الكلّية: عبد اللطيف حمزة، وعدنان الدوجي الصواف، وطالب من حماة من أسرة كزكز، وطالب اسمه محمد ولي. وأفضل من تخرّج فيها الشيخ حسن خالد،

стр. 1253

ولقد كانت سيرته في الكلّية حسنة وهو طالب، وكذلك حسنت سيرته وهو مفتي الجمهورية. وكان الطلاّب يحفظون بيتاً، لا أدري عمّن تلقّوه (١): فلا تَكتُبْ بخطِّكَ غيرَ شيءٍ ... يَسرُّكَ في القيامةِ أن تراهُ وأظنّ اليوم أن كثيراً منهم لن يسرّهم يوم القيامة أكثرُ ما كتبوه بعدما صاروا عند الناس كُتّاباً وأدباء. * * * كنت أقضي ثلثَي الأسبوع في بيروت وثلثه في دمشق، فكنت زبوناً دائماً لسيارات الأجرة. وقد وجدت عند سماسرتها من أساليب الكذب ما يملأ -لو كتبته- صفحات كثيرات؛ منها أنهم يُقعِدون في السيارة اثنين منهم أو ثلاثة ويقولون لك: لا ينقصنا إلاّ راكب واحد لنمشي، فادخل. فإذا دخلت خرج أحد هؤلاء انسلالاً، فتقول له: إلى أين يا أخانا؟ فيقول: أشرب ماء أو أشتري أو ... وما أكثر ما يأتي بعد أو! ثم يتبين أنه ليس بين الركّاب إلاّ أنت وحدك. وكنت أصحب الطلاّب، مَن شاء منهم المشي، فنصعد الجبال ونَرِدُ العيون ونزور الآثار مشياً على الأقدام. وكان أقرب الأمكنة التي نمشي إليها الناعمة والدّامور من الجنوب، ومن الشمال إلى أنطلياس.

стр. 1254

وقلت مرّة لمن معي: ألا يمكن أن نصل إلى أعماق هذا الوادي؟ وكان اسمه وادي شحرور. قالوا: بلى، فهل أنت مستعدّ؟ قلت: نعم، فلنهبط. وهبطنا، وأمضينا نحواً من ساعتين ونحن ننزل، لا نمشي على طريق مزفّت ولا نسلك مسلكاً سهلاً، بل نعتسف اعتسافاً، حتّى إذا حسبنا أننا بلغنا القاع بدت لنا دونه قيعان، حتّى انتهينا إلى قرارة الوادي، إلى مكان ما فيه إلاّ نبع ماء وثلاثة أبيات أو أربعة، ودُكّان كدكاكين القرى فيه من كل شيء شيءٌ قليل. فشربنا من النبع وطلبنا ما نأكله، فلم نجد عنده إلاّ خبزاً وبيضاً مسلوقاً وبعض الفاكهة، فطلب ثمن الرغيف ما يعدل ثمن عشرين رغيفاً في بيروت وثمن البيضة ما نشتري به الدجاجة! وساومناه وجادلناه فأبى إلاّ ما أراد، فانتحينا ناحية وجمعنا كل ما في جيوبنا وأكياسنا فلم يبلغ ما طلبه. وكنّا في مثل حال المضطرّ. قالوا: ماذا نصنع؟ نكاد نهلك من الجوع. فقلت لهم: إن لمثلنا أن يأكل الميتة أو أن يغصب ما يُقيم حياته غصباً، فأفهموه أننا رضينا، فإذا أكلنا فعلنا ما يُرضي ربنا ويريح ضميرنا. فأعطانا وأكلنا. فلما شبعنا قلنا: ندفع لك ما معنا. وكان يزيد ثلاثة أضعاف ثمن ما أكلنا، فأبى. فقلنا له: لقد أكلنا الطعام، فإمّا أن تأخذ، وإمّا أن تذهب فتأتينا بالشرطة، وإما أن تقاتلنا. فصاح فجمع علينا خمسة من أصحابه من هذه البيوت التي تقوم حول النبع، فنظروا فإذا نحن أكثر منهم عدداً، ويبدو أننا أقوى جسداً. وأدرك أن لا طاقة له بحربنا، وليس هناك حكومة يشكون إليها، فاكتفى بما جرى على لسانه من سبّنا وسبّ آبائنا ومن ولدنا. وكان

стр. 1255

سفيهاً طويل اللسان عالي الصوت، ولكنا كنّا (والحقّ يقال) أشدّ سفهاً وأطول لساناً وأعلى صوتاً فغلبناه. وكيف لا، وأنا أحفظ نصف ما قال الشعراء في فنّ الهجاء؟! * * * كانت بيروت في تلك الأيام سابقة البلاد العربية بعد مصر في مجال الفكر والأدب، فيها الصحف والمجلاّت وفيها المدارس الكثيرة والجامعات، الجامعة الأميركية والجامعة اليسوعية، وهما تتباعدان في المسار ولكنهما تتّحدّان في الغاية، هذه تُدخل جهنم من الباب الجنوبي وهذه من الباب الشمالي، وما بعد البابين إلاّ النار. وكان عملهما للتبشير وللاستعمار كما جاء في كتاب الدكتور فروخ والدكتور الخالدي. وكلمة التبشير والاستعمار تعنيان التنصير والتكفير والاستخراب والدمار، وهما من ألفاظ الأضداد، كما يُسمّى الملدوغ «السليم» والأعمى «البصير». وكان بين الكلّية الشرعية وبين مدرسة المقاصد شيء من المنافسة، فجاء مرّة وفد من مصر على رأسه أحد كبار رجال التعليم (أظنه العشماوي باشا) فزار المقاصد فاحتفوا به وصفّوا الطلاّب لاستقباله ودقّوا له الموسيقى ونصبوا له الموائد، ثم جاء يزورنا، فألقيت كلمة هدمت عليهم بها ما بنوا؛ قلت فيها: لا تؤاخذنا إن لم نطبّل لقدومك ولم نزمّر ولم نرفع الرايات، فما عندنا هنا إلاّ العِلم، فإن أردتَه خالصاً فمرحباً بك في دار العلم، في دارك، وإن شئت طبلاً وزمراً فإنك واجده هناك. * * *

стр. 1256

-١٠٥ - بيروت سنة ١٩٣٧ وعملية الزائدة في دمشق تعليقان: الأول: ما نُشر في «الشرق الأوسط» بإمضاء محمد فاتح توفيق من الدار البيضاء، وقد سبقه تعليق مثله. البلد مغربي، والحديث عراقي، والكاتب الفاضل (كما يبدو من كلامه) كان طالباً لمّا كنت مدرّساً في العراق. وقد سرّني التعليق وشكرته عليه، وأرجو أن يُكثِر الله من أمثاله. وأنا إن لم أذكره وقد ذكرني فلأني ما درّسته، أو لأنه أفضل مني، أو لأن الطلاّب يرون وجهاً واحداً وعينين هما وجه المدرّس وعيناه، والمدرّس يرى سبعين عيناً تنصبّ نظراتها كلها عليه تصوّر حركاته وسكناته، وسبعين أذناً تسجّل كلماته وسكتاته، من هنا كانوا يحفظون ويُضيع ويذكرون وينسى. والثاني: رسالة إمضاؤها «أخ في الله» يقول فيها: إن الذي ذكرت أنه زار مدرسة المقاصد والكلّية الشرعية هو العشماوي كما قلت، ولكنه كان برتبة بيك لم يكن قد صار باشا، وكان وكيل وزارة المعارف. وقد جاء في البريد الأدبي لعدد ١٣ شعبان

стр. 1257

١٣٥٦ من مجلّة «الرسالة» أنه حضر درساً في الأدب العربي في الكلّية لعلي الطنطاوي ودرساً للأستاذ الشيخ محمد الداعوق، فكان إعجابه بهما شديداً، وأعلن أن وزارة المعارف في مصر على استعداد لقبول اثنين من طلاّب الكلّية في دار العلوم العليا في مصر بلا امتحان. والثالث: أن جماعة من إخواني هتفوا بي يسألونني (بالهاتف): مَن هو مدير الكلّية الذي أثنيت عليه ذلك الثناء؟ ولماذا لم تُسمِّه، فهل نسيت اسمه؟ قلت: أنا أنسى اسم محمد عمر منيمنة؟ إن أنسَ الأسماء كلها لا أنسَ أسماء نُقشت على شغاف قلبي، في موضع تقديري وحبي لقوم كانوا هم عوني على ولوج دربي وأسوتي في كربي، وكانوا إخوتي وكانوا صحبي. لا أستطيع الآن أن أحصيهم ولكن أمثّل لهم؛ كثيرون منهم في الشام سأعاود عنهم الكلام، ومنهم الأثري في العراق والصوّاف بعده بسنين طوال، ومنهم الزيّات في مصر، ومنهم السفير السيد عبد الحميد الخطيب وولده الأستاذ فؤاد في باكستان، ومنهم عبد الوهاب عزام سفير مصر فيها وجواد المرابط وزير سوريا المفوض، ومنهم الشيخ يوسف الفوزان في الهند وعبد الله عبد العزيز البسام فيها، والشيخ أبوبكر طه السقّاف في سنغافورة، ومنهم هنا الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ والشيخ عمر توفيق والشيخ عبد الوهاب عبد الواسع، وكثير من أمثالهم. * * *

стр. 1258

كانت حدود بيروت عند المنارة، نركب إليها خطّ الترام رقم (٢) فينتهي بأعلى الشارع، ثم نجد طريقين منحدرَين إلى البحر، فإذا بلغنا المنارة وهبطنا قليلاً بدا لنا الحمّام العسكري، وإلى جنبه مسابح أخرى على سِيف البحر، ثم الصخرة التي يسمّونها باسمها الفرنسي «الروشة» وما بعدها شارع ولا بنيان. وكان موضع شارع الحمراء قفرة ما فيها إلاّ الرمل الأبيض وشجر الصبّار (البرشومي). وأنا لم أرَ شارع الحمراء إلاّ مرّة واحدة في آخر زيارة لي سنة ١٩٧٠، مررت به مروراً وأنا في السيارة. كانت بيروت دار الأمان وكان الجبل من ورائها جنّة من الجِنان، وإن كان شوقي قد قرر أنه الطريق إلى الجنة وليس هو إياها، لأن الجنة هي دمشق: خَلّفتُ لبنانَ جنّاتِ النعيمِ وما ... نُبّئتُ أن طريق الخُلدِ لبنانُ إذا خرجت من بيروت وجدت حيثما توجّهت أودية مسحورة، وجبالاً تلبس الثياب الخضراء من الأشجار، وقُرى مفتَّحة الأبواب لمن يفتح كيسه لتأدية الحساب. اسلك طريق الشام إلى الوادي الوادع، الذي لم تكن ترتاده يومئذ أقدام المصطافين فكان أقرب إلى صفاء الحياة الشرقية، تمرّ على عجلتون وتلك القرى إلى فاريا حيث نبع العسل ونبع اللبن يلتقيان فيها، فتشرب لبناً بالعسل، وبعده جسر من صخرة واحدة، عريض الجنبات عالي الظهر، ما دخلَت في بنائه يد إنسان بل برأه الخالق الرحمن.

стр. 1259

تدخل الوادي من قَبيل جونيه. ومن بيروت إلى جونيه تمرّ بأنطلياس بلد البرتقال والليمون والموز، تمشي في ظلال أشجار دانية الثمار ولكن لا ترى في هذا كله منارة مسجد، حتّى تبلغ جسر نهر الكلب. ونحن نقول في دمشق إننا أبناء بردى، فماذا لعمري يقولون؟! كان هذا النهر يُسمّى قديماً «ليكوس». وإلى يمينك وإلى يسارك وأنت تقبل على الجسر جدار من صخر الجبل فيه سجلّ تاريخي، فكلّما مرّت على البلاد أمة أو حكمتها دولة نقشت عليه ذكراها؛ فمن الفراعنة إلى ملوك ما بين الرافدَين، إلى اليونان والرومان والبيزنطيين، ثم الفرنسيين والإنكليز. ويقرب عدد هذه اللوحات (بمقدار علمي) من عشرين لوحة، آخرها التي وضعها الرئيس بشارة الخوري في أول سنة ١٩٤٧، أي بعد تاريخ هذه الحلقة من الذكريات بعشر سنين. بعضها بحروف مسمارية، وأخرى باللغة البابلية القديمة، والبابلية الجديدة، وثالثة باليونانية ورابعة باللاتينية، وبين ذلك لوحات عربية. ومن هناك بعد عدة أكيال تدخل مغارة «جعَيْتا»، وهي ثلاث مغارات من عجائب ما في الطبيعة يحتاج وصفها إلى حلقة كاملة. ثم تصل إلى خليج جونيه الذي كان من أجمل الخلجان الآمنة المطمئنة. أمّا من أراد صخب الحياة وضجيجها ورؤية الحضارة بجمالها وقبحها فعليه بطريق عاليه، ينعطف إلى اليسار إلى بحمدون وصوفر، أو يمضي إلى اليمين إلى سوق الغرب ثم إلى

стр. 1260

عبيّه. ومن شاء ارتياد المصايف التي هي أقرب إلى راحة الأسرة المسلمة قصد مصايف طرابلس الشام، وأشهرها سير، ومن أراد تابع سيره إلى الأرْز عن طريق بشرّي، بلد جبران خليل جبران، الذي أعطى العرب أدباً كثيراً جميلاً دفعَت ثمنه من عبقرية لسانها العربي الأصيل ومن خلقها الشريف النبيل. خذوا مثالاً قصّته «الأجنحة المتكسرة»، إنها توضع في رفّ بول وفرجيني، وأتالا، ورافائيل، وروميو وجولييت، على اختلاف الأساليب. بل إنها من أشدّ القصص العاطفية إثارة للمشاعر، ولكنها تهدم الروابط الزوجية وتنال من شرف الأسرة، وهي التي ردّ عليها المنفلوطي في نظرة من نظراته. وإن كان في لبنان (والحق يقال) من بؤر الفساد مثل ما فيها أو أضعاف ما فيها من المدارس والكلّيات، وحسبكم أنه كان وراء الصف المطلّ على ساحة البرج من العمارات عمارات أخرى على شوارع فرعية واسعة، على كل عمارة لوحات فيها أسماء أنثيات. غلطت مرّة فدخلت في تلك الشوارع مع أهلي وبناتي (بعد أن تزوجت ورُزقت البنات) فسألتني إحداهن: ما هذه اللوحات؟ فتنبّهت وارتبكت، ثم قلت لها: إنها أسماء خياطات وبيّاعات ... واستدرت راجعاً! ولقد دخلت -من بعد- أكثرَ من عشرين مدينة من مدن أوربّا، فما كنت أرى في الشوارع ما كنت أراه وأنا أمشي في شوارع بيروت؛ أماكن البغاء في وسط البلد! أما ما وراء الجدران فلا شأن لمثلي به ولا وصول لي إليه، لا في أوربّا ولا في لبنان.

стр. 1261

وما في الدنيا بلد يخلو ولا بلد خلا تماماً من الفواحش، ولكن في الخفاء، لا يُكشَف عنه الغطاء ولا يخلع أهلُه قناعَ الحياء. وهذا قديم في بيروت، ومن رجع إلى عدد «الرسالة» الذي صدر يوم السادس من شعبان سنة ١٣٥٦هـ (١١ أكتوبر سنة ١٩٣٧) قرأ فيها مقالة لي عن رحلتنا إلى صوفر لاستقبال أمير البيان، الأمير شكيب أرسلان، لمّا عاد إلى الشام بعد نفيه الطويل في أوربّا. عاد لمّا كانت المعاهدة، وسيأتي حديثها. إنه يجد في آخر المقالة هذه الفقرة: ولمّا دخلنا الفندق (أي في صوفر): عمامتان عاليتان على رأس البهجتين، بهجة العراق وبهجة الشام (أي الأثري والبيطار) وعقال نجدي على هامة سيد من سادة نجد هو الشيخ ياسين الروّاف، ونحن اثنان مُطَرْبَشان (أي اللّذان يلبسان الطربوش) الأستاذ عز الدين التنوخي وأنا. لمّا دخلنا تعلّقَت بنا الأنظار ودارت حولنا الأبصار، وخفّ بنا شباب يسلّمون علينا فقلنا: وعليكم السلام يا إخواننا. فما راعنا إلاّ أنهم ضحكوا وضحك الحاضرون، فقلت لأحدهم: قُل لي، لماذا تضحك؟ هل تجد في هيئتي ما يضحك؟ فازداد الخبيث ضحكاً. فهممت به، فوثب الحاضرون وقالوا: ياللعجب، أتضرب فتاة؟ وإذا الذين حسبناهم شباناً فتيات بسراويل (بنطلونات) وحلل (بذلات)! فسرنا ونحن مستحيون نحاول ألاّ نعيدها كرّة أخرى. ولمّا خرجت في الليل لمحت في طريقي واحدة من هؤلاء

стр. 1262

النسوة فحيّتنا، فقلت لها: مساء الخير مدموزيل. قالت: مدموزيل إيه يا وقح؟ فقلت في نفسي: إنها متزوجة وقد ساءها أني دعوتها بالمدموزيل (الآنسة)، وأسرعت فتداركت الخطأ وقلت: بردون مدام. قالت: مدام في عينك يا قليل الأدب، بأي حقّ تمزح معي؟ أنا فلان المحامي! فقلت: عفواً بردون. وولّيت هارباً، وذهبت إلى صاحب الفندق فرجوته أن يعمل لنا طريقة للتفريق بين الرجل والمرأة، فدهش مني ووجم لحظة، ثم قدّر أني أمزح فانطلق ضاحكاً. قلت: إنني لا أمزح ولكني أقول الجدّ ... وقصصت عليه القصّة. قال: وماذا نعمل؟ قلت: لوحات صغيرة مثلاً من النحاس أو من الفضّة، توضع على الصدر يكتب عليها «رجل» أو «امرأة»، تُعلَّق تحت الثدي الأيسر في مكان القلب. أو تُتخَذ حلية من الذهب أو الفضّة عليها صورة ديك مثلاً أو دجاجة، أو شاة أو خروف، أو شيء من علامات التذكير والتأنيث ... وراقه اقتراحي وقبله على أنه نكتة، ولم يفكّر بالعمل به لأنه لم يجد حاجة إلى هذا التفريق ما دام المذهب الجديد يقول بمساواة الجنسَين (١). * * * تلك بيروت الأمس، أما بيروت اليوم وأمّا الجبل ... فأنا أسأل الله له الفرج؛ فلقد ورد أن بني إسرائيل لمّا رأوا انحراف ناس منهم وضلالهم وعظوهم ونصحوهم، ثم تركوهم وأقرّوهم

стр. 1263

وآكلوهم وشارَبوهم، فلما جاء العذاب عمّهم جميعاً. وما أشمت بما حلّ ببيروت وبلبنان. أيمكن أن أشمت ببلدي وبإخوتي؟ ولكنه قانون الله. إنه شديد العقاب، ولكنه واسع المغفرة. فتَح باب التوبة فما يغلقه حتّى تقوم القيامة، القيامة العامّة، أو القيامة الفردية حين يحضر الواحدَ الموتُ. فإن أردتم كشف هذه الغُمّة عنكم فاطلبوه (اطلبوا الكشف) من ربكم، لا من أميركا ولا من روسيا. إنهم بشر مثلكم لا يقدرون على نفع ولا ضرر إلاّ بإذن الله. وهذا كلام حقّ ولكنهم لا يقبلونه؛ إنهم يستثقلونه ويصدّون عنه، فماذا نصنع إذا كان كلامنا لا يُسمَع؟ * * * أمضيت أكثر العام (عام ١٩٣٧) في بيروت في أهنأ عيش، أدرّس لطلاّب أذكياء يحبّون الأدب ويُقبِلون عليه. وكنت ساكناً معهم أُمضي أكثر وقتي في صحبتهم، وإن خرجت خرجت غالباً معهم، وكنت سعيداً بصحبة الأساتذة الزملاء، وكنّا نُمضي عشيّات عند الشيخ العزوزي العربي في داره نأكل «الكسكسي»، وهو من أشهى الأطعمة التي عرفها الناس، ونشرب بعده الشاي الأخضر، راح المسلمين. كنّا نختلف ولكن لا نتعادى، ونتناقش حتّى تعلو الأصوات وتتقارع الحُجَج، فمَن سمعنا ظنّ أنه ما بعد هذا إلاّ سل السكاكين، ثم نخرج متصافين متحابّين.

стр. 1264

وكنت من قديم أحمل حصاة في حوض الكُلْية اليمنى، تثور بي حيناً بعد حين كما تثور البراكين، فأحسّ منها ما تحسّ المرأة عند الطلق من الآلام. وما جرّبت الحمل والولادة وما ذقت آلامها، ولكن عرفتها من السمع وشبّهت ما أجد بها على الوصف. وهل يُشترَط في المشبَّه به أن يكون محسوساً ملموساً؟ من رأى رؤوس الشياطين التي شبّه الله بها طلع الجحيم؟ جاءتني النوبة ليلاً، فاستيقظ الشيخ صلاح جزاه الله خيراً وأيقظ بعض الطلاّب، فجاؤوني بطبيب قريب، فأمرهم أن يملؤوا لي قربة بالماء الحارّ. فلما وضعتها على جنبي ازداد الألم، وعلمت من الغد أني كنت كمن يصبّ البنزين ليطفئ به النار وأن المطلوب كيس فيه الثلج لا الماء الحارّ، لأن الالتهاب في الزائدة لا في الكُلْية كما ظنّ الطبيب. ولا أظلمه، فأنا بمشاركتي في التشخيص شاركتُه الذنب؛ فيا إخوتي المرضى، صفوا للطبيب ما يوجعكم ودعوا له وحده تحديد الداء ووصف الدواء. وكان من شروط العقد بيني وبين الكلّية أن عليهم إسكاني وإطعامي ومداواتي. وكان الدكتور محمد خالد، ابن المفتي الشيخ توفيق خالد رئيس الكلّية، من أكبر جرّاحي بيروت، وكان صاحب مستشفى في البسطة، فصحبني أحد الطلاّب إليه. وكنت أصرخ من الوجع، ففحص عن مرضي وأعطاني مسكّناً قوياً وقال لي: لا بد من عملية جراحية عاجلة. وقال للممرضة: اذهبي وأعدّي له الغرفة حالاً. قلت وقد خفت من العملية: وهل يُشَقّ بطني؟ قال: وهل

стр. 1265

تريد عملية بلا شقّ بطن؟ فشعرت من ألمي أنه يسخر مني، أو توهّمت ذلك من كلامه. وأحسست أنه يكلمني باستخفاف، فلم يُنسِني ما أنا فيه أن أغضب لكرامتي التي تخيّلت أنها مُسَّت. فقلت للممرضة لأصرفها: أحضري لي كأساً من الماء ... وصرفت الطالب بحُجّة اخترعتها، وهبطت السلّم هارباً. وكنت بالمنامة (البيجامة) فسقطت النعل من رجلي فوصلت الشارع حافياً، ورأيت سيارة أجرة فقلت لسائقها: أوصلني إلى شارع المعرض. وكانت تقف فيه سيارات الشام، وهممت بالركوب فإذا أنا بالشيخ صلاح. وكان ﵀ قد سمع النبأ فلحق بي، فحاول أن يقنعني بأن أعود إلى المستشفى فالدكتور بارع والعملية على حساب الكلّية، فأبيت. فقال: انتظر حتّى أذهب معك. قلت: لا. وأصررت على الذهاب إلى الشام، فما كان منه -جزاه الله خيراً ورحمه- إلاّ أن ركب إلى جنبي وأسندني إليه، لأني كنت أوشك بتأثير الحقنة المسكّنة أن أنام، حتّى أوصلني إلى بيتي في الشام. * * * كان في دمشق ثلاثة مستشفيات: مستشفى كلية الطبّ (وكان اسمه يومئذ المعهد الطبي، ويدعوه الناس مستشفى الغرباء)، والمستشفى الفرنسي والمستشفى الإنكليزي، وكلاهما تبشيري (أي تنصيري تكفيري). وكان عندنا من أساتذة المعهد الطبي جرّاحون كبار أبرزهم نظمي القباني، ابن الأستاذ مصطفى القباني رئيس المحاسبة
следующие страницы →