← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1261–1300 · переход к 1266.

стр. 1261

وما في الدنيا بلد يخلو ولا بلد خلا تماماً من الفواحش، ولكن في الخفاء، لا يُكشَف عنه الغطاء ولا يخلع أهلُه قناعَ الحياء. وهذا قديم في بيروت، ومن رجع إلى عدد «الرسالة» الذي صدر يوم السادس من شعبان سنة ١٣٥٦هـ (١١ أكتوبر سنة ١٩٣٧) قرأ فيها مقالة لي عن رحلتنا إلى صوفر لاستقبال أمير البيان، الأمير شكيب أرسلان، لمّا عاد إلى الشام بعد نفيه الطويل في أوربّا. عاد لمّا كانت المعاهدة، وسيأتي حديثها. إنه يجد في آخر المقالة هذه الفقرة: ولمّا دخلنا الفندق (أي في صوفر): عمامتان عاليتان على رأس البهجتين، بهجة العراق وبهجة الشام (أي الأثري والبيطار) وعقال نجدي على هامة سيد من سادة نجد هو الشيخ ياسين الروّاف، ونحن اثنان مُطَرْبَشان (أي اللّذان يلبسان الطربوش) الأستاذ عز الدين التنوخي وأنا. لمّا دخلنا تعلّقَت بنا الأنظار ودارت حولنا الأبصار، وخفّ بنا شباب يسلّمون علينا فقلنا: وعليكم السلام يا إخواننا. فما راعنا إلاّ أنهم ضحكوا وضحك الحاضرون، فقلت لأحدهم: قُل لي، لماذا تضحك؟ هل تجد في هيئتي ما يضحك؟ فازداد الخبيث ضحكاً. فهممت به، فوثب الحاضرون وقالوا: ياللعجب، أتضرب فتاة؟ وإذا الذين حسبناهم شباناً فتيات بسراويل (بنطلونات) وحلل (بذلات)! فسرنا ونحن مستحيون نحاول ألاّ نعيدها كرّة أخرى. ولمّا خرجت في الليل لمحت في طريقي واحدة من هؤلاء

стр. 1262

النسوة فحيّتنا، فقلت لها: مساء الخير مدموزيل. قالت: مدموزيل إيه يا وقح؟ فقلت في نفسي: إنها متزوجة وقد ساءها أني دعوتها بالمدموزيل (الآنسة)، وأسرعت فتداركت الخطأ وقلت: بردون مدام. قالت: مدام في عينك يا قليل الأدب، بأي حقّ تمزح معي؟ أنا فلان المحامي! فقلت: عفواً بردون. وولّيت هارباً، وذهبت إلى صاحب الفندق فرجوته أن يعمل لنا طريقة للتفريق بين الرجل والمرأة، فدهش مني ووجم لحظة، ثم قدّر أني أمزح فانطلق ضاحكاً. قلت: إنني لا أمزح ولكني أقول الجدّ ... وقصصت عليه القصّة. قال: وماذا نعمل؟ قلت: لوحات صغيرة مثلاً من النحاس أو من الفضّة، توضع على الصدر يكتب عليها «رجل» أو «امرأة»، تُعلَّق تحت الثدي الأيسر في مكان القلب. أو تُتخَذ حلية من الذهب أو الفضّة عليها صورة ديك مثلاً أو دجاجة، أو شاة أو خروف، أو شيء من علامات التذكير والتأنيث ... وراقه اقتراحي وقبله على أنه نكتة، ولم يفكّر بالعمل به لأنه لم يجد حاجة إلى هذا التفريق ما دام المذهب الجديد يقول بمساواة الجنسَين (١). * * * تلك بيروت الأمس، أما بيروت اليوم وأمّا الجبل ... فأنا أسأل الله له الفرج؛ فلقد ورد أن بني إسرائيل لمّا رأوا انحراف ناس منهم وضلالهم وعظوهم ونصحوهم، ثم تركوهم وأقرّوهم

стр. 1263

وآكلوهم وشارَبوهم، فلما جاء العذاب عمّهم جميعاً. وما أشمت بما حلّ ببيروت وبلبنان. أيمكن أن أشمت ببلدي وبإخوتي؟ ولكنه قانون الله. إنه شديد العقاب، ولكنه واسع المغفرة. فتَح باب التوبة فما يغلقه حتّى تقوم القيامة، القيامة العامّة، أو القيامة الفردية حين يحضر الواحدَ الموتُ. فإن أردتم كشف هذه الغُمّة عنكم فاطلبوه (اطلبوا الكشف) من ربكم، لا من أميركا ولا من روسيا. إنهم بشر مثلكم لا يقدرون على نفع ولا ضرر إلاّ بإذن الله. وهذا كلام حقّ ولكنهم لا يقبلونه؛ إنهم يستثقلونه ويصدّون عنه، فماذا نصنع إذا كان كلامنا لا يُسمَع؟ * * * أمضيت أكثر العام (عام ١٩٣٧) في بيروت في أهنأ عيش، أدرّس لطلاّب أذكياء يحبّون الأدب ويُقبِلون عليه. وكنت ساكناً معهم أُمضي أكثر وقتي في صحبتهم، وإن خرجت خرجت غالباً معهم، وكنت سعيداً بصحبة الأساتذة الزملاء، وكنّا نُمضي عشيّات عند الشيخ العزوزي العربي في داره نأكل «الكسكسي»، وهو من أشهى الأطعمة التي عرفها الناس، ونشرب بعده الشاي الأخضر، راح المسلمين. كنّا نختلف ولكن لا نتعادى، ونتناقش حتّى تعلو الأصوات وتتقارع الحُجَج، فمَن سمعنا ظنّ أنه ما بعد هذا إلاّ سل السكاكين، ثم نخرج متصافين متحابّين.

стр. 1264

وكنت من قديم أحمل حصاة في حوض الكُلْية اليمنى، تثور بي حيناً بعد حين كما تثور البراكين، فأحسّ منها ما تحسّ المرأة عند الطلق من الآلام. وما جرّبت الحمل والولادة وما ذقت آلامها، ولكن عرفتها من السمع وشبّهت ما أجد بها على الوصف. وهل يُشترَط في المشبَّه به أن يكون محسوساً ملموساً؟ من رأى رؤوس الشياطين التي شبّه الله بها طلع الجحيم؟ جاءتني النوبة ليلاً، فاستيقظ الشيخ صلاح جزاه الله خيراً وأيقظ بعض الطلاّب، فجاؤوني بطبيب قريب، فأمرهم أن يملؤوا لي قربة بالماء الحارّ. فلما وضعتها على جنبي ازداد الألم، وعلمت من الغد أني كنت كمن يصبّ البنزين ليطفئ به النار وأن المطلوب كيس فيه الثلج لا الماء الحارّ، لأن الالتهاب في الزائدة لا في الكُلْية كما ظنّ الطبيب. ولا أظلمه، فأنا بمشاركتي في التشخيص شاركتُه الذنب؛ فيا إخوتي المرضى، صفوا للطبيب ما يوجعكم ودعوا له وحده تحديد الداء ووصف الدواء. وكان من شروط العقد بيني وبين الكلّية أن عليهم إسكاني وإطعامي ومداواتي. وكان الدكتور محمد خالد، ابن المفتي الشيخ توفيق خالد رئيس الكلّية، من أكبر جرّاحي بيروت، وكان صاحب مستشفى في البسطة، فصحبني أحد الطلاّب إليه. وكنت أصرخ من الوجع، ففحص عن مرضي وأعطاني مسكّناً قوياً وقال لي: لا بد من عملية جراحية عاجلة. وقال للممرضة: اذهبي وأعدّي له الغرفة حالاً. قلت وقد خفت من العملية: وهل يُشَقّ بطني؟ قال: وهل

стр. 1265

تريد عملية بلا شقّ بطن؟ فشعرت من ألمي أنه يسخر مني، أو توهّمت ذلك من كلامه. وأحسست أنه يكلمني باستخفاف، فلم يُنسِني ما أنا فيه أن أغضب لكرامتي التي تخيّلت أنها مُسَّت. فقلت للممرضة لأصرفها: أحضري لي كأساً من الماء ... وصرفت الطالب بحُجّة اخترعتها، وهبطت السلّم هارباً. وكنت بالمنامة (البيجامة) فسقطت النعل من رجلي فوصلت الشارع حافياً، ورأيت سيارة أجرة فقلت لسائقها: أوصلني إلى شارع المعرض. وكانت تقف فيه سيارات الشام، وهممت بالركوب فإذا أنا بالشيخ صلاح. وكان ﵀ قد سمع النبأ فلحق بي، فحاول أن يقنعني بأن أعود إلى المستشفى فالدكتور بارع والعملية على حساب الكلّية، فأبيت. فقال: انتظر حتّى أذهب معك. قلت: لا. وأصررت على الذهاب إلى الشام، فما كان منه -جزاه الله خيراً ورحمه- إلاّ أن ركب إلى جنبي وأسندني إليه، لأني كنت أوشك بتأثير الحقنة المسكّنة أن أنام، حتّى أوصلني إلى بيتي في الشام. * * * كان في دمشق ثلاثة مستشفيات: مستشفى كلية الطبّ (وكان اسمه يومئذ المعهد الطبي، ويدعوه الناس مستشفى الغرباء)، والمستشفى الفرنسي والمستشفى الإنكليزي، وكلاهما تبشيري (أي تنصيري تكفيري). وكان عندنا من أساتذة المعهد الطبي جرّاحون كبار أبرزهم نظمي القباني، ابن الأستاذ مصطفى القباني رئيس المحاسبة

стр. 1266

في وزارة المعارف، ومرشد خاطر، وهو نصراني عالِم أديب. فلم أجد القباني فذهبت إليه، فتلقّاني ببشاشة الرجل المهذّب وكلمني كلام الأديب للأديب، وأشعرني بالثقة به والاطمئنان إليه. والطبيب يداوي بشخصه وأسلوبه قبل أن يداوي بعلمه وطِبّه. وأعطاني حقنة في الجلد أظنّ أن اسمها كان «بروبيدون» وقال إنها تسكّن ولا تشفي. واسترحتُ، ولكنني اضطُررت بعد حين إلى إجراء العملية الجراحية بيد الدكتور شارل في المستشفى الفرنسي في القصّاع؛ إذ كنت أسكن في آخر الحيّ الإسلامي، مسجد القصب، الذي يجاور هذا الحيّ المسيحي، القصّاع. وأخذت أوسع غرفة مشرقة، واشترطت عليهم أن يزورني من شاء متى يشاء، وكان في هذه الغرفة مدخل شبه خاصّ يفضي إلى الشارع. وكانت الممرضة بنتاً لطيفة حلوة، ما كان لي من حلاوتها وجمالها إلاّ ما كان يغنّي به محمد عبد الوهاب عن القمر قديماً: «حظّنا منّه النظرْ، والنظرْ راحْ يِرْضي مينْ؟». أرضاني أنا، لا لأن نفسي تقتنع به بل لأنها لا تستطيع الوصول إلى أكثر منه. ولولا نشأتي الإسلامية القوية ولولا حفظ الله لي (وله الحمد عليه) لكان لي معها أكثر من النظر ومن الحديث، فقد كانت جميلة لطيفة وكنت شاباً قوياً، وإن لم أكن جميلاً فلست قبيحاً، وأحسب أني لو فتحت لها الطريق لالتقينا على ما لا يرضي الله. فيا ليت القائمين على المستشفيات يضعون في أقسام الرجال ممرّضين بدلاً من الممرّضات.

стр. 1267

وكان يدير المستشفى راهبات. رئيسة القسم الذي كنت فيه راهبة اسمها سورماري، أي الأخت مريم، وكانت شديدة عنيفة ولا سيما على الممرّضة التي اسمها تيريز، ولعلّها في أعماقها تتأثّر لقبحها من جمال هذه الممرّضة ولغلظتها من لطفها. ويبدو أنها قد عضّت أصابع الندم على أنها قَبِلَتني في قسمها، بل لقد ندم القائمون على المستشفى على قبولي؛ ذلك لأن غرفتي صارت مثابة للزائرين، وأكثرهم من المشايخ. حوّلوا المستشفى إلى مجمع علمي أو إلى مسجد؛ فكانت المناقشات تدور النهار كله وزُلَفاً من الليل، وإذا دخل وقت الصلاة مدّوا مناديلهم وصلّوا جماعة يؤمّهم واحدٌ منهم. وكان شيخنا المبارك ﵀ ورحم الجميع) له صوت لو جمعتَ عشرة أصوات من أقواها وأشدّها وحزمتها وجعلتها صوتاً واحداً لكانت دون صوت الشيخ. كان يتحدث مرّة، فأسرعت سورماري محتجّة تحتجّ بعبارات ثلثها عربي ونصفها فرنسي، والباقي صار من الانفعال خليطاً عجيباً لا يُفهَم له معنى. وكان يعرف كلمات من الفرنسية ففهم قصدها وقال: نعم، نعم، المستشفى يحتاج إلى الهدوء. فكان اعتذاره إليها مبعثاً جديداً لسخطها لجهارة صوته. وكان الحقّ في هذه معها، ولكن ما لا حقّ لها فيه، والذي دلّ على نقص في عقلها وعقل العاملات معها وأنه ليس في رؤوسهن دماغ كالذي في رؤوس الناس، بل هو فارغ، أحسب أنك إن نقرت جانبه بإصبعك رنّ رنين الإناء الخالي: كنت ليلةً متألماً فقرعت الجرس أستدعي ممرضة الليل، وكانت غليظة سمجة بشعة تزيد ببشاعتها مرض المريض، وكانت فوق ذلك

стр. 1268

غبيّة نادرة في الغباء. فأعطتني ما أمر به الطبيب من المسكّنات فما أفاد، فجاءت بشيء في يدها وقالت: خذ هذا فقبِّله باحترام وضَعْه على موطن الألم. قلت: ما هذا؟ قالت: إنه الصليب. فنظرت إليه فإذا عليه صورة إنسان، فتغابيت وتجاهلت وقلت: من هذا؟ قالت: هذا يسوع ابن الربّ (تعالى الله عما يقولون)! قلت: ابن ربّ يُصلَب! ومن صلبه؟ قالت: اليهود، ألم تسمع بذلك؟ قلت: لا، مع أنني أقرأ الجرائد كلّ يوم، فما نُشر خبره فيها. قالت: إن هذا شيء قديم، حتّى إن جدة أبي سمعته من الكبار ولم تعرف متى كان. قلت: وكيف صلبوه؟ وهل تعرفين المعري؟ قالت: ما أعرفه ولكن أعرف أين بيته. قلت: بيت من؟ قالت: بيت الأمعري، لأنه كان على طريقي. قلت: ويحك، المعرّي لا الأمعري! المعرّي يقول: ليتَ شِعري وليتَني كنت أدري ... ساعةَ الصلبِ: أينَ كانَ أبوهُ؟ قالت: كان مسافراً في الهند ومات على الطريق. قلت: ومن الذي كان في الهند؟ قالت: أبوه. قلت: أبو من؟ قالت: أبو الأمعري! فقلت لها: اذهبي من وجهي ولا تعودي إليّ، لقد زدتِني بغبائك مرضاً على مرضي. قالت: أنا غبيّة، أنا كنت أذكى تلميذة في المدرسة. قلت: أيّ مدرسة هذه التي كنتِ أنتِ أذكى تلميذاتها؟ قالت: مدرسة الراهبات. * * * كم تقدّم الطبّ الجراحي من تلك الأيام إلى الآن؛ كانت العملية عملية قطع الزائدة، فأبقوني ممدداً على ظهري نحواً من

стр. 1269

أربعين يوماً، وما سُمح لي بأن أنقلب على جنبي إلاّ بعد زمن طويل! ما كان قد عُرف البنسلين، وكان التخدير خنقاً متعمَّداً، لا أزال أذكره إلى الآن. وضعوا على أنفي كمامة فيها كلوروفورم أو أثير أو أمثال ذلك ممّا كان يخدّر به في تلك الأيام، وضغطوها وأنا أحس بالاختناق. وكنت أسمعهم يقولون "خلص تخدّر"، فأشير بكفي أنْ لا، قالوا: هل يدمن المسكرات حتّى لا يؤثّر فيه البنج؟! ما علموا أني بحمد الله لم أقترب منها ولم أدخل أماكنها، فضلاً عن أن أشربها. وكان الصحو من البنج أصعب عليّ منه، فأنا إن نمت على ظهري دخت. فلما بدأت أصحو وجدتُني مثبّتاً في السرير مربوط اليدين والرجلَين، كأني معتقَل في سجن ظالم لا يخشى الله وليس له قلب، وما له من الإنسانية إلاّ أنه يمشي على اثنتين وليس له ذَنَب. ومن شدة ضيقي شددت الرباط فقطعته، وكنت امرأً رياضياً قوياً متين الجسد مشدود العضلات. أمضيت هذه المدّة كلها من أجل عملية الزائدة، وقد شُقّ بطني شقاً طوله ثمانية عشر معشاراً (١٨ سانتي). ومنعوا عني الماء، فكنت أمدّ يدي إلى كيس الثلج الموضوع على بطني فأستخرج قطعة صغيرة أمسحها حتّى أنظفها، ثم أضعها في فمي فأشرب منها ماء بارداً، لأني لم أكن مقتنعاً بقولهم إن الشرب يضرّني. وقد صدقت الأيام قولي، فلما قامت الحرب العالمية بعد ذلك بسنتين وجعل الجنود يقطعون الزائدة لئلاّ تلتهب أثناء القتال فتؤلمهم، قرأت أن جماعة منهم كانوا مجتمعين في المستشفى

стр. 1270

بعد العملية فعطش واحد منهم، فقام فشرب ونادى: من يريد أن يشرب؟ فشربوا جميعاً. فلما رأى الأطبّاء أن ذلك لم يضرّهم سمحوا بشرب الماء. * * * وكان في بهو المرضى (العنبر العامّ) مريض شيخ مسلم فقير، ولم يكن عالماً ولكنه كان ذكياً. فلما قَرُب خروجه وجاؤوه بقائمة الحساب وجد أن المرض الذي جاء فيها أشد من المرض الذي زال. وكان يستطيع أن يقوم ويقعد، وكان في المستشفى تمثال زعموا أنه صورة القديس الذي يحمي المستشفى، وكانوا يضعون حوله باقات الورد. فكان يقوم فيأتي بها ليلاً حيث لا يراه أحد فيضعها إلى جنب سريره، فإذا اجتمع الطبيب والراهبة والممرضة في الصباح قال لهم على مسمع من المرضى: إن القديس جاءني وبشّرني بالشفاء ووضع هذا الورد إلى جنب سريري. فأعجبهم ذلك منه أولاً لأنهم حسبوا فيه شهادة لهم وتأييداً لضلالهم، فلما كرّرها أحبوا التخلص منه وإخراجه، فطلع عليهم بحُجّة جديدة فقال إن القديس جاءه البارحة وقال له: أخبر أتباعي المخلصين أنني آمرهم بألا يأخذوا منك شيئاً. وكانوا يعرفون الحقيقة ولكنهم إن جهروا بها كذّبوا أنفسهم، فسكتوا عنه وأخرجوه من غير أن يرزؤوه شيئاً. هذا طرف من خبري في المستشفى. * * *

стр. 1271

-١٠٦ - وقفة في نهاية سبع وسبعين سنة غداً هو يوم الجمعة الثالث والعشرون من جمادى الأولى. إنه عندكم يوم كالأيام تشرق شمسه ثم تغرب وتتعاقب ساعاته ثم تنقضي، قد ترون فيه ما يسرّ أو ما يسوء، ثم لا يدوم سرور ولا يبقى ألم. أمّا أنا فإنني أرى في هذا اليوم ما لا أراه في غيره، ففي مثله حدث أمر لم يهتمّ به أحد ولم يكن له في حياة أحد أثر، ولكنه كان بداية حياتي أنا؛ ففي يوم مثله، يوم الجمعة ٢٣ جمادى الأولى سنة ١٣٢٧هـ ولدَتني أمي. كلّما مرّ هذا اليوم قال لي بعده أهلي وقال الفتيان والفتيات من ذُرّيتي: هلاّ ذكّرتَنا به لنحتفي معك، أو لنحتفل فيه بك؟ أوَلم أخبرهم به عشرين مرّة وهم ينسونه؟ أما قلت لهم: إن الدولة العثمانية نقشَته على الليرة الذهبية الرشادية (١٣٢٧)؟ ذلك هو تاريخ بيعة السلطان محمد رشاد وهو تاريخ مولدي. خبّروني: ما الذي تصنعون إن ذكّرتكم به؟ تعملون لي قرصاً ضخماً من الفرانيّ (أي الكاتو) وتجمعون عليه الأهل والأقارب وتغرسون فيه الشموع ثم تقولون لي: أطفئها. أنفخ عليها فأطفئها،

стр. 1272

وكيف أطفئ بنفخة واحدة سبعاً وسبعين شمعة؟ ولماذا أتعجّل إطفاءها وسيطفئها مَن وكله الله بها حين يجيء الأجل، فأموت كما مات آلاف وآلاف وملايين وملايين من قبل: ماتوا فما ماتتِ الدّنيا لموتِهمُ ... ولا تعطّلَتِ الأعيادُ والجُمَعُ ماتوا ولبث الناس أحياء يصبحون ويُمسون. يألمون لموتي أياماً وشهوراً ثم ينسون، إن لم ينسوا في شهر نسوا في سنة: إلى الحَولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ومَن يَبْكِ حَولاً كاملاً فقدِ اعتذَرْ أما نسيت أنا موت أبي ونسيت موت أمي، وكدت (ولن أنسى) قتل بنتي؟ * * * لقد وقفت هذا الموقف مرّات لست أذكرها لأحصيها، وكتبت مقالات حفظت الأقلّ ممّا نُشرَ منها وطويت باقيها فأضعتها (١). فماذا ربحت ممّا نشرت وماذا خسرت بما فقدت؟ كنت في كلّ سنة أصبّ على الورق من عواطفي التي اعتصرَتها الأيام، أصبّ منها هذا الرحيق فأكتب به مقالات أُودِعها الصحف، وأودع فيها آمالي التي تفيض بها نفسي وآمل أن أحقّقها. كنت

стр. 1273

أفتح صِمام الأمان (١) لآلامي المحبوسة في صدري، لأنفّس عنه حتّى لا تفجّره الآلام. كنت أكتب للأدب، أشتري رضا القُرّاء وإعجابهم، كنت أبالغ أحياناً وأزخرف الحقيقة وأجمّلها، أمّا اليوم فسأكتب شيئاً آخر. لا أقول إني فقدت الحسّ حتّى لا أفرّق بين المدح والذمّ ولا بين الخيبة والنجاح، فأنا كغيري من الناس أحبّ أن أُمدَح وأن أنجح وأن أكون الذي تتوجّه إليه الأنظار وتشير إليه الأيدي، ولكن الأيام علّمتني أن هذا كله مؤقَّت: تمثال من الثلج كالذي يصنعه الأولاد في البلاد الباردة. تمثال جميل ولكنه يعيش ريثما تطلع عليه الشمس وتحمى، فإذا هو يسيل ماءً يختلط بتراب الأرض فيصير وحلاً. لقد فتحت بالأمس كتاباً فوجدت فيه وردة جافّة، ما أمسكت بها حتّى تفتّتَت وصارت كالهباء. كانت يوماً وردة نضرة حيّة فوّاحة العطر فصنع هذا بها الزمانُ، لست أدري الآن ما ذكراها ولا لماذا وضعتها في هذا المكان. إنها كمومياء مصرية لفتاة يراها الباحث عن الآثار، ولا يدري من هي ولا يعرف ماذا كانت؟ ماذا كانت حياتها؟ بماذا كانت تفكّر وكيف كانت تشعر؟ هل كانت سعيدة أم غطّى عليها الشقاء فعاشت بلا أمل ولا رجاء؟ لم يبقَ من هذا كله إلاّ هذه البقايا الجامدة من جثّة هامدة. لو فتحت القبر على أجمل الجميلات التي يخرّ أبطال الرجال على الرّكَب من هيبة جمالها، ويبذلون كرائم الأموال

стр. 1274

مهراً لوصالها، ويجعلون أرواحهم تحت أقدامها، لو فتحت عليها بعد عشرة أيام من موتها فماذا ترى؟ هذه هي الدنيا وهذي لذائذها. عشت سبعاً وسبعين سنة، ذُقت الحلو وشربت المرّ، ورأيت النفع وقاسيت الضرّ، وعرفت الشهرة والمجد وعرفت أيضاً الخمول والنكران، وأنا أقول هذا بعد تجارِب هذا العمر الطويل، فهل زهدت في الدنيا وتجرّدت للعمل للآخرة وسعيت لها سعيها؟ أقول: لا. أقولها وأنا غارق في عَرَق الخجل من الله، وأنا منغمس في غمرة الألم، أقولها لأنها هي الحقيقة. هل تريدون أن أكذب عليكم؟ إنها لتمرّ بي أوقات أذكر فيها الحقيقة الكبرى التي كتبت عنها مقالة في مجلة «الرسالة» أو «الثقافة» (لم أعد أذكر) من أكثر من أربعين سنة إثر قراءة كتاب أندريه موروا عن الوزير الإنكليزي اليهودي دزرائيلي (١). سأحدثكم حديث موتي غرقاً في بيروت سنة ١٩٥٤ وأني رجعت إلى الدنيا بعدما وضعت رجلي على عتبة الموت (٢)،

стр. 1275

وسيكون إن شاء الله حديثاً مفصّلاً بمقدار ما بقي في ذهني من تفاصيله، ولكن أقول الآن: إني لمّا رأيتني غائصاً في الماء أحاول أن أتنفّس فلا أجد الهواء، وأن أثبّت قدمي على أرض راسية فلا تصل إلى شيء ثابت، وأمدّ يدي فلا تعلقان بشيء، وكنت في مكان منفرد ما حولي أحد ... سأذكر لكم ما الذي كنت أشعر به في تلك اللحظات: لقد رأيت فيها أنّ كلّ ما في الدنيا قبض الريح. ابسط يدك وامددها في مهبّ الريح ثم اقبضها وشدّ أصابعك عليها، ثم انظر ما الذي أمسكَت يدُك؟ لقد نسيت كثيراً ممّا قرأت، ولكن كلمات وقعت عليها مصادفة أو سمعتها من مدرّس أو صديق بقيَت عالقة في ذهني، في مكان عال لا يبلغه ليسحبه معه سيل النسيان، ومن هذه الكلمات التي وجّهَت حياتي كلمة لابن الجوزي في كتابه «صيد الخاطر» الذي حقّقه أخي ناجي، وكتبت له مقدّمة طويلة وعلّقت عليه تعليقات كثيرة. كان رمضان الذي مضى في قلب الصيف وقد أمضيتُه في مكّة في أشدّ الحرّ. وأيام الصيف أطول الأيام، فاذكروا كم يقاسي الصائم من العطش والجوع. إنه يرى في كأس الماء البارد نعمة لا تعدلها أموال المصارف، فإذا أذّن المغرب وشرب فما الذي يبقى له من آلام الصيام؟ وإذا غلبَته نفسه فأفطر فأصاب اللذّة بشرب الماء، ما الذي يبقى له من هذه اللذّة عند المساء؟ إن اللذائذ المحرمة تذهب ويبقى عقابها، وآلام الطاعة تذهب ويبقى ثوابها. هذه هي كلمة ابن الجوزي. * * *

стр. 1276

سبع وسبعون سنة ما أطولها، ولكن ما أطولها حين تنظر إليها من أولها وما أقصرها الآن من آخرها. إنها كالعطلة الصيفية للطالب: تكون ثلاثة أشهر حين تبدأ، ولكن في آخر يوم منها لا تكون ثلاثة أشهر بل يوماً واحداً. كالمرتّب للموظف: عشرة آلاف حين يقبضه ولكن عند آخر مئة ريال تبقى منه يكون راتبه مئة ريال فقط. فأنا ما عشت سبعاً وسبعين، بل خسرت من عمري سبعاً وسبعين. والعبرة بالنتيجة، فماذا تكون نتيجة هذا الامتحان حين تُنشَر الصحف وتُعلَن النتائج؟ هل أتلقّى صحيفتي بيميني أم بشمالي أم من وراء ظهري؟ الأمر بيد واحد، هو يقرّر ما يراه وهو ينفّذ ما قرّره، لا يستطيع أحد أن ينقض قراره. ليس بعده استئناف ولا تمييز وما لحُكمه نقض. إنه عادل: إذا عاملني بعدله وأعطاني ما أستحقّ فيا خسارتي ويا نتيجة ظلمي نفسي! ولكنه رحيم رحمن، إن أولاني رحمته نجوت. إن طبق عليّ قانون: ﴿لها ما كَسبَتْ وعليها ما اكْتَسبَتْ﴾ فيا ضيعة علي الطنطاوي! ولكن ينجّيني قانون: ﴿ربَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسينا أوْ أخطأنا﴾. إني والله أخشى ذنبي ولكن لا أيأس من رحمة ربي، وآمل أن تنفعني إن متّ صلاة المؤمنين عليّ ودعاء من يحبني. فمن كان قرأ لي شيئاً أو استمع مني شيئاً فمكافأتي منه أن يدعو لي، ولَدعوةٌ واحدة من مؤمن صادق في ظهر الغيب خير من كل ما حصّلت من مجد أدبي وشهرة ومنزلة وجاه، ومن

стр. 1277

لذائذ الدنيا كلها. وما لذائذ الدنيا؟ لقد قلت من قديم: إن الفقير يمرّ بقصر الغني أو تمرّ به سيارته فيحسب أنه إن كان له مثلها فقد حيزت له الدنيا وجمع السعادة من أطرافها. ولكن هل يشعر بهذه السعادة مالكُ القصر والسيارة؟ إنها تصير له شيئاً عادياً يفقد الاستمتاع به ولكن يألم لفقده. والعادة -كما جاء في كتب علم النفس- تُضعِف الحس ولكن تزيد الفاعلية. أفليس هذا دليلاً على ما قلته من أن اللذائذ المادّية كلّها سراب؟ لا تدرك جمال السراب إلاّ من بعيد، فإذا صرت عنده تسرّب جمال منظر الماء ورأيت أنك لا تزال في الصحراء. * * * سبع وسبعون سنة أمضيت أكثرها في العلم والأدب: دراسة في المدرسة وقراءة على المشايخ ومطالعة في الكتب ومساجلة مع الإخوان. لو أحصيت معدَّل الساعات التي كنت أطالع فيها لزادت على عشر في اليوم، لأنني منذ الصِّغَر شبه معتزل بعيد عن المجتمع. فلو جعلت لكل ساعة عشرين صفحة، أقرأ من الكتب الدسِمة نصفها ومن الكتب السهلة نصفها، لكان لي في كل يوم مئتا صفحة. أتنازل عن نصفها احتياطاً وهرباً من المبالغة وخوفاً من الكذب (وإن كنت لم أكذب ولم أقُل إلاّ حقاً)، فهذه مئة صفحة في اليوم. فاحسبوا كم صفحة قرأت من يوم تعلّمت النظر في الكتب وامتدّت يدي إليها. سبعون سنة، في كلّ سنة اثنا عشر شهراً، في كل شهر ثلاثون يوماً، في كل يوم مئة صفحة. فإن هالكم الرقم فاحسموا منه نصفه، فكم يبقى؟ كنت (ولا أزال)

стр. 1278

أقرأ في كل علم: في التفسير، وفي الحديث، وفي الفقه، وفي التاريخ، وفي الأدب: الأدب العربي والأدب الفرنسي، وفي العلوم على تنوّعها وتعدّدها. ولا أزال والحمد لله أستوعب خلاصة وافية لِما قرأت. ما كنت أنسى شيئاً فصرت الآن أنسى أفراد المسائل: أنسى الأرقام وأنسى الأسماء، ولكنني أحفظ المسألة. لقد تمكّنت في نفسي الأصول وإن غابت منها الفروع، فتحوّل الحفظ إلى مَلَكة. قرأت من دواوين الشعراء عشرات وعشرات، ومن كتب الأدب أكثرَها، ومن القصص الفرنسية والمترجَمة عن الإنكليزية والروسية ولغات الأرض كلها مئات. نعم مئات، لا يزال أكثرها عندي. وكتبت ما لم يكتب أكثرَ منه ممّن أعرف إلاّ قليل، كالأمير شكيب أرسلان والأستاذ العقّاد وأمثالهما، وإن كان أمثالهما قِلّة من أصحاب القلم الفيّاض. والذي نُشر ممّا كتبت يزيد على ثلاثة عشر ألف صفحة، وما ضاع مني مثله أو أكثر منه. منها مقالات كان لها في حينها ضجّة كضجّة مدفع رمضان، يوقظ النائم ويسرّ الصائم ويغيظ المفطر الآثم، يسمع صوتَه كلّ من في البلد، ثم تهدأ الضجّة ويُنسى الأثر ويمضي كما يمضي كلّ شيء في الدنيا. وخطبت خُطَباً هزّت الشعب وزعزعت كراسي الحكام وبدّلت خطّ مسيرة الناس، ثم عاد كل شيء إلى ما كان. خطبت

стр. 1279

في مدن الشام كلها وفي مصر وفي العراق وفي لبنان وفي القدس وفي عمّان وفي الهند وفي الباكستان وفي أندونيسيا، وفي المراكز الإسلامية في أوربّا. وأنا من أقدم مَن تكلّم في الإذاعة، حدّثت منها من يوم أُنشئت محطّة الشرق الأدنى في يافا بعد إنشاء محطّة مصر بسنة واحدة، من أكثر من خمسين سنة، ولا أزال أتكلّم فيها إلى الآن. وفي الرائي (التلفزيون) من حين عرفنا الرائي، وكنت أول من دخل الأستوديو في جدّة، فتكلمت فيه قبل أن يدخله أحدٌ من المحدّثين والمغنّين والممثّلين، كنت أنا أول داخل إليه ومتكلّم فيه. علّمت في جميع مراحل التعليم، من المدارس الأولية في القرى، إلى الابتدائية، إلى الثانوية، إلى الجامعة، إلى أقسام الدراسات العليا فيها. واشتغلت بالقضاء من أدنى درجاته إلى أعلاها، حتّى لقد أُحِلْت إلى المعاش وأنا مستشار في محكمة النقض (التمييز) في دمشق وفي القاهرة أيام الوحدة. ووضعت أنا مشروعات قوانين لا يزال العمل بها في الشام: قانون الأحوال الشخصية وقانون الإفتاء، ومناهج التعليم في مدارس وزارة الأوقاف. وكنت أول من عمل على إنشاء الجمعيات الإسلامية في الشام، ولم أدخل واحدة منها عضواً رسمياً فيها. وكنت أجمع كل العاملين في الحقل الإسلامي، واسألوا الشيخ الصواف يخبركم، ولو كان الشيخ أمجد الزهاوي ﵀ حياً لاستشهدتُه؛ كنت أجمعهم جميعاً من أقصى الطرف الصوفي إلى أقصى الطرف

стр. 1280

السلفي، لا لأني كنت معهم جميعاً بل لأني كنت أعاون كلّ من يعمل للإسلام، أمشي معه ما دام طريقي على طريقه، فإن اختلف الطريقان لم أبدّل من أجله طريقي. وكانوا يستجيبون لي لأنني لا أنازع شيخاً على مشيخته ولا رئيساً على رياسته، ولو عُرضَت عليّ (وقد عُرضت فعلاً) لأبيتها، لذلك كانوا يستجيبون لي ولا يستوحشون مني. إن من الكُتّاب من يخالط أصحاب الرياسة وأرباب السياسة ومالكي الجرائد، ويصادق أهل النفوذ والسلطان فينوّهون به في كل مكان، وإن كانت جائزة أو منفعة ذكروه فقدّموه لها. وأنا أعمل وحدي بعيداً عنهم: فإذا تكونُ كَريهةٌ أُدْعى لَها ... وإذا يُحاسُ الحَيْسُ يُدعَى جُنْدُبُ * * * ما الذي أشتهيه الآن؟ لا أحتاج مالاً؛ إن ما رزقني الله منه يكفيني، وصحّتي إن بقيَت لي فإنها حسبي. ولا أطلب شهرة، فعندي منها الكثير؛ كنت معروفاً في دمشق من أكثر من خمس وأربعين سنة، وأنا معروف في بلاد كثيرة، أمّا في المملكة فيعرفني من وجهي وصوتي أكثر مَن أصادفهم من الرجال والنساء. هذه نعمة من الله أحدّث بها، وما قلتها لهذا بل لأسأل: ما نفعي منها؟ إني لا أراجع دائرة حكومية ولا أشتري شيئاً، وكنت أكتب إلى جلالة الملك عبد العزيز ﵀ مع شيخنا الشيخ محمد بهجة البيطار من أربع وخمسين سنة، ويتفضّل هذا الرجل العظيم عليه رحمة الله فيصلني جوابه وأنا شابّ لا يُؤبَه له. وكتبت بعده إلى

стр. 1281

أولاده من الملوك، رحم الله من توفّاه منهم وأبقى سالماً موفّقاً وأطال عمر الباقين منهم. ولكن سلوني: كم مرّة خلال نصف قرن كتبت أطلب شيئاً لنفسي؟ ثلاث مرّات أو أربعاً، وليس الطلب لي شخصياً ولكن لبعض من يلوذ بي. والمرّة الوحيدة التي أخذت فيها عطيّة أحدّث بها الآن فقد جاءت مناسبة الحديث عنها. كنت أشتغل وأتكسّب من سنة ١٩٢٤ (١٣٤٣هـ) فلما جاءت سنة ١٩٥٤ كانت حصيلة عمل ثلاثين سنة ثلاثة آلاف ليرة سورية فقط (تعدل بسعر اليوم (١) ألفاً وثلاثمئة ريال)، وكان مع أخي عبد الغني مثلها. وهو أول دكتور في الرياضيات في سوريا، وكان أستاذاً في العلوم في الجامعة. فاشترينا قطعة من الجبل فوق البيوت مساحتها دونم، أي ألف متر مربع، وحرص إخواني على أن نبني فيها. وجاءني مَن أقرضني مبالغ للبناء، وقد تولّوه هم وأنا بعيد لا أشرف ولا أشارك في رأي ولا نظر، حتّى قام البناء، ولكن ركبني دَين مقداره ستة عشر ألف ليرة سورية. وكنت أعرف الأستاذ عبد الله بَلْخير، قابلته أول مرّة عند شيخنا الشيخ بهجة، وكان يومئذ شاباً، وأحسبه كان طالباً في الجامعة في بيروت. فأُعجِبت بعقله ولسانه وذكائه وبيانه، وخرجت من عند الشيخ وصحبني، ومشينا من دار شيخنا في آخر الميدان جنوبيّ دمشق إلى دارنا في لحف جبل قاسيون شماليها، أي من طرف البلد إلى طرفها. ثم قامت مودّة بيني وبينه. فلما كنت في كراتشي سنة ١٩٥٤ وزارها الملك سعود

стр. 1282

رحمة الله عليه كان الأستاذ بلخير معه، ولقيته مرّات وسألني عن حالي، فحمدت الله على نعمه وذكرت له خلال الحديث ما يؤرقني من الدَّين، وانتهى اللقاء وافترقنا. فلما كان من الغد قال: لقد حدّثت جلالة الملك فأمر بقضاء دينك. إني رغم طول المدّة لم أنسَ ما شعرت به من ذهول المفاجأة؛ لم أكَد أصدق أذني، حسبت أني أقرأ في كتاب من كتب الأدب خبر شاعر مع خليفة مدحه فقال: "اقضوا دينه"! هل يمكن أن تتحقق الأحلام على أيسر سبيل؟ هل يمكن أن أرى بالعين ما لا يستطيع أن يلحق به -لبُعده- الخيال؟ فقال لي ضاحكاً: إيه، ما لك؟ أين ذهبت؟ فانتبهت، فقال لي: إني أقول لك: إذا أخذتَها روبيّات خسرت، فانتظر حتّى أوصلها إليك بالإسترليني. ألف وستمئة جنيه إسترليني كانت عندي في تلك الأيام أكثر من مليون وستمئة ألف الآن. وقال: ليس من اللازم أن تخبر بها من معك. ولكن كيف أكتم هذه الفرحة؟ إن صدري لا يتسع لها وحدي، إنها أكبر منه، فذهبت إلى رفيقَي السفر الشيخ أمجد والصواف وقلت لهما. وقلت ذلك للوزير السعودي الشيخ عبدالحميد الخطيب، وكتبت أبشّر أهلي في الشام بأن الدين قد قُضي. وانتظرت أن تصل إليّ، ولكن الملك ﵀ والشيخ بلخير سافرا ولم آخذها. لماذا أطمعوني وما أطعموني؟ لماذا منّوني وما أعطوني؟ وصار التفكير فيها شغلي في نهاري ورؤياي في منامي. وذهبنا إلى كلكُتّا ثم إلى بومباي، ولقيت فيها الرجل الكريم النبيل

стр. 1283

الشيخ محمد علي زينل مؤسّس مدارس الفلاح، فحدّثته حديثها. وطفقت أكتب الرسائل إلى الشيخ عبد الله بلخير حتّى نظمت مرّة أبياتاً حسبت أني فتحت بها القسطنطينية. ما كنت أدري أني أهدي التمر إلى هجر وأنني أقدّم سيارة إلى أصحاب مصنع سيارات مرسيدس، وأن عبد الله بلخير شاعر لا كاتب مثلي يحاول أن ينظم أبياتاً فلا يفلح فيها! ولم أدع أحداً لم أخبره بخبر هذه العطيّة وشكري الملك عليها والوسيط بيني وبينه إليها! وطالت الأيام ومرّت ثقيلة حتّى مللت وأيقنت أن كلّ ما كان كلام في كلام. وجئنا للحجّ أنا وسعيد رمضان وكامل الشريف، ولقيت الشيخ عبد الله بلخير، فمن غضبي منه ومن يأسي من نيل ما وُعدت به لم أقُل له شيئاً. فلما وقفنا للوداع قال: آسف آسف، لقد نسيت أن لك عندي أمانة، لم أعرف في أيّ بلد أنت لأرسلها إليك. وأخرج صكاً (شيكاً) بمبلغ ١٦٠٠ جنيه إسترليني. قلت هذا الآن لأشكر لأخي الشيخ عبد الله بلخير الذي لم أرَه من تلك الأيام، ولأدعو بالرحمة والمغفرة للملك سعود، ومن قبله الملك عبد العزيز، ومن بعده الملك فيصل والملك خالد، وأدعو للملك فهد، فكلهم أحسن إليّ أحسن الله إليهم جميعاً وجزاهم عني خيراً، وأعزّ الله بالملك دينه ووفّقه إلى ما يُرضيه عنه، وإلى ما يؤيّد شرعه ويُعِزّ عباده المسلمين له المؤمنين به. * * *

стр. 1284

وبعد، فما الذي أشتهيه الآن؟ أشتهي أن أستطيع الذهاب إلى الشام متى شئت لا يُحال بيني وبينها، وأن تُنقَل مكتبتي من بيتي في الشام إلى داري هنا، وأن يستقرّ أحفادي وأصهاري في هذا البلد الكريم، وأن يديم الله عليّ صحّتي وأن يمتّعني بسمعي وبصري. وهذا كله للقليل الباقي من العمر، أما ما أتمنّاه لآخرتي فهو المغفرة وحسن الختام، وأن أرى المسلمين قبل أن أموت قد عادوا إلى دينهم فعاد لهم عزّهم ومجدهم. ربّ توَفّني مسلماً وألحقني بالصالحين. اللهمّ ما لي إلاّ القليل من العمل الصالح، ولكني أشهد أنه لا إله إلاّ أنت. أنت الخالق الموجد وأنت المالك المتصرّف، وأنت الإله المعبود وحده بحقّ، ما أشركت معك في شيء من العبادة أحداً، وكل شيء إلاّ أنت مخلوق لك، أنت أوجدتَه وأنت تملكه وأنت تتصرّف فيه وحدك. اللهمّ ثبّتني على الإيمان وأمِتني عليه، وعاملني برحمتك بما وعدت به عبادك المؤمنين. * * *

стр. 1285

-١٠٧ - أخي المبتعَث إلى باريس الحادث الأكبر في حياتي أنا وفي حياة بلدي هو حرب ١٩١٤ التي هتكت الستار بيننا وبين حياة أوربّا، فدخلت علينا بخيراتها وبشرورها وعلومها وفسوقها، فبدّلت بذلك طرائق معيشتنا وأساليب تفكيرنا، وكانت كأنها صخرة كبيرة أُلقيت في البحيرة الساكنة، فلم تحدث على سطحها دوائر ولكن قلبتها قلباً فجعلت أسافلها أعاليها. في ذهني صورة باهتة من حياتنا في الشام قبل الحرب وصور كثيرة واضحة لما آلت إليه بعدها. ولقد كتبت في هذا كثيراً وعرضت له في محاضراتي وأحاديثي كثيراً، ولكن أجمع ما قلت فيه المحاضرة التي ألقيتها في الرياض في ذي القعدة سنة ١٣٢٩هـ (١)، في الدورة الأولى للندوة العالمية للشباب الإسلامي التي يُشرف عليها الرجل العالِم الصالح سليل العلماء الصالحين

стр. 1286

الشيخ حسن بن عبد الله آل الشيخ. ولقد بيّنت فيها ما أكّدَته لي الأيام وأثبتَته لي التجارِب، من أن جُلّ الفساد الذي دخل في مجتمعنا فأضاع أخلاقنا وأبعدنا عن ديننا، وأكبر العلم الذي فتح عقولنا وجدّد أفكارنا، إنما جاءنا كله من الغرب، من أوربّا وأميركا، من ذهاب أبنائنا إليه ومن ورود أهله علينا. وكم من شابّ نشأ في أسرة مؤمنة حريصة على دينها متمسكة بفضائلها، أرسلناه إلى تلك البلاد ليعود منها بالعلم، فعاد بشهادة بلا علم أو عاد بعلم بلا دين، أو ترك الدين والعلم هناك ورجع متأبطاً ذراع حليلة بيضاء شقراء، ولكن وراء بياض جلدها وشقرة شعرها قلباً أسود مملوءاً كفراً، يسري في قلوب أولاده منها. ولقد عشت زماناً كنّا نقارع فيه الفرنسيين المستعمِرين في الشوارع نهاراً، ثم يأوي نفر منّا إلى بيوتهم فيجدون المستعمِرات الفرنسيات متحكمات في دورهم، ومربّيات لأولادهم، لا يملكون لهنّ قِراعاً ولا يثيرون عليهن حرباً. وهل يعلن أحدٌ الحربَ على زوجته وأم أولاده؟ وما ضعضع دولة العباسيين وزعزع أساس ملكها إلاّ الجواري الجميلات الفاتنات من بنات أعدائهم، صرن اللباس لهم في مضاجعهم والحبيبات المالكات أفئدتهم، وصرنَ أمهات أبنائهم، ثم صار الأمر لهؤلاء الأبناء فغدون الحاكمات من وراء ستار. كنت أعرف هذا ولكن لا أشعر به تماماً لأنه بعيد عني، والناس لا يدركون حقيقة الخطر إلاّ إن شبّت النار في الدار

стр. 1287

ونشبت الفأس في الرأس، عند ذلك يُحسّون بها. وقد أحسست أنا بالخطر حين أعلنَت وزارة المعارف في الشام سنة ١٩٣٧ عن عزمها ابتعاث طالبَين اثنين للدراسة في فرنسا، أحدهما للرياضيات والآخر للعلوم. ولم تكن البعثات كل عام ولا كل خمسة أعوام، بل كانت قليلة نادرة، فكان الطلاّب يحرصون عليها ويتسابقون إليها. وكان أخي عبد الغني نابغاً من صغره في الرياضيات، يدهش منه كل من علّمَه من الأساتذة ويفاخر به، كما كان متقدّماً في العلوم، فدخل المسابقة. وكنت أحبّ أن ينجح فيها ولكن ما فكّرت -إنْ نجح- في أمر سفره وحده، وإنما قلت: إن دخولها إن لم ينفع لم يضرّ. ودخلها كثير من الطلاّب، وكانت مسابقة صعبة شاقّة، ولكن الله منّ علينا فكان أخي هو الأول في مسابقة الرياضيات وهو الأول في مسابقة العلوم. وذلك بفضل الله علينا؛ فلقد كان أبونا فقيهاً في الطبقة الأولى من فقهاء الشام، كما كان من أقدر مدرّسي الحساب، وهي خلّة في أسرتنا موروثة عن جدنا الشيخ محمد الذي قدم الشام من مصر، فلقد كان عالِماً من كبار علماء الدين وكان من كبار علماء الفلك. أمّا امتشاق القلم وركوب صهوة المنابر، ومصاولة الأقران في حلبات الأدب والبيان، فما أعرف في أسرتنا من انصرف إلى شيء منه قبلي. فمن أين جاءني؟ لست أدري. لقد تقاسمنا أنا وإخوتي الاتجاهَين؛ فكان الغالب علينا أنا وأخي ناجي، القاضي في الشام والمستشار الآن في وزارة الحجّ

стр. 1288

والأوقاف هنا من عشرين سنة، الغالب علينا الاشتغال بالفقه والعربية، إلاّ أن أخي ناجي يَنْظم الشعر، ويسهل عليه حتّى لكأنه يرتجله ارتجالاً. وله قصائد منشورة من خمسين سنة لم يجمعها، وكان (وأحسب أنه لا يزال) يحفظ من الشعر ما يندر أن يحفظ أحدٌ مثلَه في هذه الأيام. وأخواي الصغيران عبد الغني وسعيد غلب عليهما الاشتغال بالرياضيات (القديمة والحديثة) والعلوم، وإن كان لهما نصيب كبير من علوم الدين والعربية. * * * كنّا نرى أوربّا ناراً تحرق ونوراً يهدي، فكان المشايخ من أهلي وأساتذتي يرون نارها: يخشون حَرّها ويخافون ضُرّها، وكان الشباب يرجون نورها ويريدون خيرها. كنّا نتناقش في أمر هذه الحضارة الجديدة وهي بعيدة عنّا، وإن كانت بوادرها قد وصلت إلينا. فلمّا نجح أخي في المسابقة رأيت الخطر قد وصل إلى بيتي، بل إلى بيتنا، فلم يكن بيتي وحدي بل كان بيتي وبيت إخوتي. وكنت -بحكم أني الأكبر وأني استلمت مجداف الزورق بعد موت أبي عليه رحمة الله- أحسّ أنهم أولادي، وإن لم يكن بيني وبين أكثرهم في السنّ ما يسوّغ لي أبوّتهم. فكيف ألقي بولدي في هُوّةٍ مظلمة لست أدري أيخرج سالماً منها أم يهلك فيها؟ كانت محاربة هذه الحضارة والوقوف دون تغلغلها في حياتنا شبه مستحيلة، لأنها دخلت علينا على غير استئذان منّا، وصرنا أقرب في بيوتنا وفي أسواقنا وفي أزيائنا وفي طرائق معيشتنا، بل وفي تفكيرنا، صرنا أقرب إلى الأجانب منّا إلى ما كان عليه

стр. 1289

أجدادنا قبل مئة سنة. فما دمنا لا نستطيع وقف هذا السيل فلنحفر له مجرى يسيل فيه، لئلاّ يسيح في الأرض فيُغرق البلاد ويُهلك العباد. إذا كنّا لا نقدر أن نعتصم من هذا الوباء في أقفاص زجاجية خالية من جراثيم المرض، فلنأخذ اللقاح الواقي منه ثم لنقتحم عليه الحياة ولنسلك مسالكها. إن لم يكن بد من الدراسة في أوربّا فأَولى أن يذهب إليها شباب مسلمون ناشئون في طاعة الله متزوّدون من التقوى بزاد، من أن يذهب شُبّان لا يبالون بحلال أو حرام ولا يذكرون الله إلاّ قليلاً. ولكن الذهاب لا يخلو من خطر، فلماذا أعرّض أخي لهذا الخطر؟ ولماذا أجعله هو محلّ هذه التجرِبة وهي تجرِبة موت أو حياة، إن لم يكن فيها الموت الذي تخرج فيه الروح ففيها موت شرّ منه، هو موت الإيمان والخلق والعفاف! وكنت حديث عهد بدراسة الأدب الفرنسي، وكنت أحفظ المقطع الرائع في رواية «السيد» لكورناي حين تردّد بين واجبه في الانتقام لشرف أبيه ولو ضاعت منه حبيبته (شيمين) وبين الإبقاء على شيمين ولو هدر شرف أبيه! وما أصعب أن يتردد الإنسان بين أمرين لا يرجح أحدهما إلاّ ريثما يعود مرجوحاً. إنه كالذي كانوا قديماً يربطونه بين فرسَين قويَين يذهب هذا يميناً وهذا شمالاً فيتمزّق جسمه مزقاً. في ذهاب أخي ضمان مستقبله وكفالة عمله، ولكنه شابّ غرير ما عرف من شرور الحياة ومكايدها شيئاً؛ كانت دنياه

стр. 1290

بيته ومدرسته والطريق بينهما، وكان في نحو التاسعة عشرة من عمره. فكيف أبعث به إلى بلد لا نزال نسمع عنه من أخبار الفساد والإباحية وسهولة الوصول إلى الفاحشة ما يُشيب رأس طفل رضيع؟ وأنا لم أكن ممّن يرتاد القهوات، ولكنها فُتحت في تلك الأيام قهوة في طرف غوطة دمشق عند بوابة الصالحية كانت تُدعى قهوة فاروق، وهي أشبه بمتنزه، خالية من كل محرم، تقام فيها صلوات الجماعة إذا دخل وقتها، يقعد فيها من أساتذتنا: سليم الجندي وجودة الهاشمي ومحمد البزم، ومن إخواننا: سعيد الأفغاني وأنور العطار وحلمي اللحام ومحمد الجيرودي. وجاؤوا يهنئونني بنجاح أخي في المسابقة فقلت: ولكني لا أستطيع أن أحمل تبعة إرساله، أخاف أن يلومني هو يوماً أو أن يلومني الناس، وهذا كله أهون من أن يعاقبني الله في الآخرة إن أنا عرّضته لفتنة في دينه أو خلقه. فأخذني جودة بك الهاشمي (وكانت له في نفوسنا ونفوس من كان قبلنا ومن جاء بعدنا من الطلاّب هيبة هي أقرب إلى الرهبة، لم نكن نجد مثلها لغيره، ولبث حيناً من الدهر مديراً لمدرستنا، مكتب عنبر) أخذني إلى منضدة قريبة خالية، وألقى بثقله كله عليّ ليقنعني بالموافقة ويخوّفني الندم إن أنا أضعت على أخي هذه الفرصة التي لا يتهيّأ مثلها كل يوم، وقال: اسأله هو. وكنت قد سألته فترك الأمر إليّ، فزادني حملاً إلى حملي. فقلت للأستاذ: أستخير الله وأعود من الغد. وأمضينا ليلة نفكّر، أنا وهو وأخي ناجي ومن كان معنا من أصحابنا، فاجتمعوا على

стр. 1291

أن الخير في سفره، فوافقت وأنا خائف. ولست أنسى ليلة السفر. وقد أرادوا أن يخفّفوا عنه ويسلّوه، وكانت لمحمد عبد الوهاب أغنية جديدة هي «ليلة الوداع طال السهر، وقال لي قلبي: إيه الخبر؟ قلت: الحبايب هجروني». وطفقوا يغنّونها، وقعدت أنا أتصور الوداع فتقطّع قلبي سلَفاً، لا لرهبة ساعة الوداع وحدها بل لما كنت أتوقعه بعد هذا الوداع. وحان موعد عودتي إلى بيروت، وكنت -كما قلت لكم- أسافر إلى دمشق عشيّة الثلاثاء من كل أسبوع وأعود صباح السبت، فسافر أخواي ناجي وعبد الغني معي. وقطعنا له تذكرة على الباخرة «مارييت باشا»، وكانت يومئذ من البواخر الكبيرة التي تسافر من بيروت إلى مرسيليا مجتازة الإسكندرية، تقطع في هذه السفرة ستّ ليال. خبّرني بعدها أنه لم ينم فيها ساعتين متصلتين، إذ كان البحر هائجاً، وكانت الباخرة تعلو حتّى تكون كأنها على رأس جبل صغير ثم تهبط فجأة، فيحس ركابها بقلوبهم لدى حناجرهم وبأن مِعَدهم قد قفزت إلى بلاعيمهم، فتنقلب فيندفع ما فيها. ستّ ليال بلا نوم هنيء ولا طعام مريء ولا راحة ولا استقرار. فليذكر هذا الذين يقطعون هذه المسافة اليوم في ساعتين وهم مضطجعون على كراسيهم في طياراتهم، يضعون فنجان الشاي فلا يهتزّ ولا تنقط منه نقطة، يأكلون ويشربون وينامون وهم مستريحون. * * *

стр. 1292

لم أذهب معه إلى المرفأ، لأني لا أطيق مواقف الوداع وأهرب منها ما استطعت. وبقيت في الكلّية أنتظر على مثل جمر الغضى ... وجمره (وقد عرفته) مثل الفحم الحجري. حتى رجع أخي ناجي فخبّرني أن السفينة قد مضت به. لم أنَمْ تلك الليلة، كنت أحاول أن أتخيل ما يصنع: كيف نزل إلى السفينة؟ وأين مكانه فيها؟ وماذا كان يشعر به؟ ولم أكن ركبت البحر لأسترجع ذكريات عرفتها، فكنت أستضيء بضوء الخيال وأمشي في طرق مظلمة وفي ليلة ما فيها قمر. وأمضيت ليالي كانت أشدّ عليّ وأنا على الأرض الثابتة في البلد الآمن من لياليه في الباخرة التي كانت ترقّصها الأمواج ويلعب بها البحر. وكان قد سبقه إليها أخونا وابن أستاذنا محمد المبارك رحمة الله عليه، وهو أكبر منه، بيني وبين أخي ناجي، فكتب إليّ ﵀ يطمئنني عليه ويصف لي حاله (وبقيَت رسالته عندي أمداً طويلاً ثم فقدتها) يخبرني أن أخي قدم إلى باريس وهو ما يزال في دمشق، ما عرف من باريس إلا الجامعة والمدينة الجامعية، حتى المسجد ما عرف طريق الوصول إليه حتّى دلّه المبارك عليه. وقال لي على عادته في مزاحه: لقد حاولت إغواءه وأخذه إلى حيث يذهب الشباب فأبى واشتدّ في الإباء! ولم يكن المبارك يغوي أو يؤم دور الغواية، ولكنها مزحة من مزحاته. لقد نفعَت أخي عزلتُه وأفاده بُعدُه عن ملاهي باريس، التي تجذب الطلاّبَ بمصابيحها الساطعة على أبوابها كما تجذب النارُ الفراشَ فيتهاوى فيها. ولَمصيرُ الطلاّب في أضواء الملاهي أسوأ

стр. 1293

من مصير الفراش في لهب النار؛ تلك تحترق فتصير رماداً وهؤلاء تأكل النار أرواحهم المؤمنة فيعودون أشباحاً بلا أرواح. لقد درس فأعطى الدراسة حقها، ووجد في السوربون أساتذة علماء فأخذ منهم أحسن ما عندهم. وكان المنهج يومئذ أن من حصّل ثلاث شهادات (دبلومات) أو أربعاً نال الإجازة (أي الليسانس) واستعدّ للدكتوراة، ولم يكن في فرنسا يومئذ ماجستير. ولا تظنوا نيل هذه الشهادات سهلاً: لا تحسَبِ المجدَ تمراً أنت آكلُهُ ... لن تبلغَ المجدَ حتى تلعقَ الصبرا واقرؤوا -إن شئتم- ما كتب الدكتور طه حسين في مذكّراته عن شهادة الليسانس في فرنسا وما يقوم دونها من الصعاب. إن من الناس من يخدعهم أن المبتعَث يعود إلى دينه أول أيام بعثته، فإن لم يكن يصلّي في بلده صلّى هناك وإن لم يكن متمسكاً بالعبادة تمسّك بها. ولكن هذا ليس دليلاً على السلامة، فالمرض عندما تدخل جرثومته جسد الإنسان لا يظهر أثرها ولا تعمل عملها إلاّ بعد أن تنتهي مدة التفريخ. والمرء ما كان له مورد فإنه ينفق من مورده، من مرتّبه إن كان موظفاً ومن دخله إن كان عاملاً ومن ربحه إن كان تاجراً، فإن انقطع مورده رجع إلى ما كان قد ادّخره ليوم الضيق. وكذلك يصنع المبتعَث، يتنبّه إيمانه في نفسه حتّى يستنفد كل آثار هذا الإيمان ويخلو قلبه لتلقّي سموم حياته الجديدة.

стр. 1294

لقد اعتكف أخي في غرفته في المدينة الجامعية، يغدو إلى السوربون يسمع الدرس ثم يعود إلى غرفته، يفكّر وحيداً ما معه إلاّ الله، ولقد تفجّرت في نفسه ينابيع إمدادات إلهية أودع جانباً منها رسائله إليّ، رسائل احتفظت بها وجمعتها ثم أعدتها إليه، فأضاعها أو أخفاها. فما أسفت على ضياع شيء ما أسفت على ضياعها، ولو وجدتها ونشرتها كما هي لكان منها كتاب يترك في نفس قارئه مثلما تترك قراءة الصفحات البارعات من كتاب الغزالي. فيها من الصفاء الروحي، من التأمّل، من الإيمان، من رؤية الحياة على حقيقتها ... ماذا أقول؟ تصوّروا شاباً لم يصل إلى العشرين يعيش في باريس بلد المُغريات والمُغويات، وفي نفسه ما في نفس كل شابّ من الغريزة والميل إلى اللذّات، واللذّاتُ حوله متاحة مباحة وهو يمسك نفسه عنها، يمنعه دينه عنها، فهو يعتصم به كما يعتصم الموشك على الغرق بالخشبة الباقية من السفينة الغارقة، كيف يشدّ يده عليها يخاف أن يغفل عنها، أو أن تفلت منه فيخسرها فيخسر حياته معها. لقد كتب أستاذنا الرافعي رحمة الله عليه قصّة عنوانها «في اللهب ولا تحترق»، وقد بيّن أخونا الأستاذ العريان ﵀ أيضاً) أنهم خدعوه، فلا يمكن أن يكون إنسانٌ في اللهب ولا يحترق. فلا تصدّقْ ذلك فتاةٌ فتدخل مداخل الفتنة وترجو أن تنجو. وللجاحظ كلمة عن القَيْنات (أي المغنّيات) في زمانه يشرح فيها أن نجاة القَينة من السقوط في الموبقات تكاد تُعَدّ من المستحيلات. وأرسلت إليه رسالة، ما بعثت بها إليه في البريد ولكن

стр. 1295

نشرتها في «الرسالة». مضى على نشرها الآن نحو خمسين سنة ولكنها لا تزال تنفع كل طالب يريد أن يذهب للدراسة في باريس أو لندن أو أميركا، من شاء أن يقرأها كاملة فإنه يجدها في مجلة الرسالة في عدد الثالث من شوال سنة ١٣٥٦هـ (١)، أنقل هنا فقرات منها ليستفيد منها بعض الشباب. ممّا قلت فيها: يا أخي إنك تمشي إلى بلد مسحور (والعوذ بالله)، الذاهب إليه لا يؤوب، إلاّ أن يؤوب مخلوقاً جديداً وإنساناً آخر غير الذي ذهب؛ يتبدّل دماغه الذي في رأسه وقلبه الذي في صدره ولسانه الذي في فيه، وقد يتبدّل أولاده الذين هم في ظهره إذا حملهم في بطن أنثى جاء بها من هناك. إي والله يا أخي، هذه حال أكثر من رأينا وعرفنا، إلاّ من عصم ربك. يذهبون أبناءَنا وإخوانَنا وأحباءنا، ويعودون عُداةً لنا دعاة لعدوّنا، جنداً لحربنا وعوناً لمستعمري بلادنا. لا أعني الاستعمار العسكري، فهو هيّن ليّن، ثم إننا قد شفينا منه بحمد الله أو كدنا. وإنما أعني استعمار الرؤوس بالعِلم الزائف، والقلوب بالفنّ الداعر، والألسنة باللغة الأخرى، وما يتبع ذلك من الأرتستات والسينمات وتلك الطامّات من المخدّرات والخمر وهاتيك الشرور. فانتبه لنفسك واستعِن بالله، فإنك ستُقْدم على قوم لا يبالي أكثرهم العفاف ولا يحفل العرض، بل ليس في لغاتهم كلها كلمة

стр. 1296

بمعنى العرض كما نفهم نحن معناه. سترى النساء في الطرقات والسُّوح والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، قد أذلّتهن مدنية الغرب وأفسدتهن وهبطت بهن إلى الحضيض، فلا يأكلن خبزهن إلاّ مغموساً بدم الشرف. وأنت لا تعرف من النساء إلاّ أهلك: مخدَّرات مَصونات كالدرّ المكنون، شأن نساء الشرق المسلم، حيث المرأة عزيزة مكرّمة محجوبة مُخدَّرة، مَلِكة في بيتها، ليست من تلك الحِطّة والمذلّة في شيء. فإياك أن تفتنك امرأة منهم عن عفّتك ودينك، أو يذهب بلبك جمالٌ لها مزوّر أو ظاهر خدّاع. هي والله الحيّة: ملمس ناعم، وجلد لامع، ونقش بارع، ولكن في أنيابها السم ... إياك والسم. إن الله قد وضع في الإنسان هذه الشهوة وهذا الميل وجعل له من نفسه عدواً لحكمة أرادها، ولكنه أعطاه حصناً حصيناً يعتصم به وسلاحاً متيناً يدرأ به عن نفسه، فتحصّن بحصن الدين وجرّد سلاح العقل تَنْجُ من الأذى كله. واعلم أن الله جعل مع الفضيلة مكافأة: صحّة الجسم وطيب الذكر وراحة البال، ووضع في الرذيلة عقابها: ضعف الجسد وسوء القالة وتعب الفكر، ومن وراء ذلك الجنّة أو جهنّم. فإن عرضَت لك امرأة بزينتها وزخرفها فراقب الله وحكّم العقل، واذكر الأسرة والجدود. لا تنظر إلى ظاهرها البرّاق بل انظر إلى نفسها المظلمة القذرة، أتشرب من إناء ولغت فيه الكلاب؟ يا أخي، إن في باريس كل شيء: فيها الفسوق كله ولكن فيها العلم، فإن أنت عكفت على سماع المحاضرات وزيارة المكتبات وجدت من لذّة العقل ما ترى معه لذّة الجسم صفراً

стр. 1297

على الشمال (كما يقول أصحابك الرياضيون) ووجدت من نفعها ما يعلّقك بها حتّى لا تفكّر في غيرها، فعليك بها. استقِ من هذا المورد الذي لا تجد مثله كلّ يوم، راجع وابحث واكتب وانشر، وعِشْ في هذه السماء العالية، ودَعْ مَن شاء يرتعْ في الأرض ويعِش على الجِيَف المعطرة. غير أنك واجدٌ في ثنايا هذه الكتب التي كتبها القوم المستشرقون عن العربية والإسلام، وفي غضون هذه المحاضرات التي يُلقونها، عدواناً كثيراً على الحقّ وتبديلاً للواقع، فانتبه له، واقرأ ما تقرأ وأصغِ لما تسمع وعقلك في رأسك وإيمانك في صدرك. لا تأخذ كل ما يقولونه قضية مسلَّمة وحقيقة مقرّرة، فإن الحقّ هو الذي لا يكون باطلاً، ليس الحقّ ما كان قائله أوربّا. فانظر أبداً إلى ما قيل ودع مَن قال. ثم إنك سترى مدينة كبيرة وشوارع وميادين ومصانع وعمارات، فلا يَهُولَنّك ما ترى ولا تحقر حياله نفسَك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من روّاد باريس. واعلم أنها إن تكن عظيمة وإن يكن أهلها متمدّنين فما أنت من مجاهل الأرض ولا أمّتك بسَفَلة الناس، وإنما أنت ابن المجد والحضارة، ابن الأساتذة الذين علّموا هؤلاء وجعلوهم ناساً، ابن الأمة التي لو حُذف اسمها من التاريخ لرجع تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها، إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوّن التاريخ تاريخه سواهم. فمَن هؤلاء الذين ترى؟ إنما هم أطفال، أبناء أربعة قرون، ولكن أمتك أخت الدهر، لمّا وُلد الدهر كانت شابة وستكون شابّة حين يموت الدهر.

стр. 1298

يا أخي، إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العاقل الذي يدوّن الحسنة لنتعلمها والسيئة لنجتنبها. ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريس من أبناء العرب فلم يروا إلاّ المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب فلم يبصروا إلاّ المخازي والعيوب، ولكن كُن صادقاً أميناً. وبعد يا أخي، فاعلم أن أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان، فاعرف قدرها واحمد الله عليها، وكُن مع الله ترَ الله معك، وراقب الله دائماً واذكر أنه مُطّلع عليك يَعصِمْك من الناس ويُعِذْك من الشيطان ويوفّقْك إلى الخير. وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر، احزم أمتعتك وعد إلى بلدك وخلِّ «السوربون» تنعَ من بناها، وانفض يدك من العلم إذا كان العلم لا يجيء إلاّ بذهاب الدين والأخلاق. أستودع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله. * * * هذه كلمة نشرتُها من نصف قرن إلاّ سنتين، يوم لم تكن أوربّا بلغت من دنس الأخلاق ورجس الفواحش ما هي عليه اليوم، يوم كان لكلمات الأخلاق والحشمة والحياء والمروءة بقية من معانيها ودلالاتها، لم تفقد معانيها كلها كما حصل اليوم. وقد

стр. 1299

خفت على أخي، فما لبعض الآباء يُلقون بأولادهم في هذا النهر الملوّث وهم لا يحسنون السباحة؟ ما لهم يبعثون بشابّ أمضى عمره كله في بلد الدين والحجاب، ما رأى يوماً أطراف جسد امرأة غريبة عنه ولا خلا بها، شابّ بين جنبَيه من الرغبة جمرة تتلظّى، لو أبصر فتاة من بُعد عشرة أمتار لَهَفَا قلبه إليها وتمنّى الدنوّ منها، ودفع ربع عمره ليبصر ما تحت ثوبها، يرمون به إلى بلاد بعض النساء فيها سلعة رخيصة على جوانب الشوارع، وربما تعرّضن له إن لم يتعرّض هو لهن! إلى بلاد المنكرات فيها مُعلَنة والأعراض مستباحة، فإما أن يُميله الهوى ويقوده الشيطان فيقع في الحرام، وإما أن يضمّ جوانحه على مثل لذع النار. فاتقوا الله أيها الآباء، اتقوا الله في الشباب يا من تبعثون بهم إلى تلكم الديار. وإن اضطرّتكم الضرورة إلى ابتعاثهم فزوّجوا الشابّ ثم أرسلوه، تَكْفِه زوجته بالحلال عن الحرام وتَقُمْ عليه حارساً لا يفارقه يمسكه أن يقع في جهنم. أما أخي فقد وفّقه الله وعاد، وكان أولَ مَن حمل شهادة الدكتوراة في الرياضيات في سوريا كلها. وكان عدد الذين يحملون شهادة الدكتوراة في الشام وفي لبنان أقل من ثلاثين (وهو اليوم أستاذ في جامعة أم القرى، جاءها بعد أن أحيل في الشام على التقاعد) (١). * * *

стр. 1300

-١٠٨ - بغداد تغضب لأختها دمشق الذي يجري الآن في فلسطين كبِّروه ثلاثين مرّة، والذي جرى في مصر سنة ١٩١٩ كرِّروه ثلاثين مرّة، تروا أمامكم صورة لما كان في سوريا وفي دمشق خاصّة من سنة ١٩٣٦ إلى إعلان الحرب العالمية الثانية. كان الشعب في غليان، وكانت شوارع دمشق وسُوحها ساحات حرب، وكان الشبّان وكان الناس كالجيش في حال الاستنفار: لا يسألونَ أخاهمْ حينَ يندُبهمْ ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا كان الناس يجتمعون في الجامع الأموي (مركز القيادة الشعبية)، ففيه تُلقى الخطب ومنه تخرج المظاهرات، فتصطدم بالشرطة والدرَك ثم بالجنود والدبّابات، وكان أول هدف لهم إذا خرجوا من الجامع مخفر سوق الحميدية، وطالما احتلّوه ودمّروا ما فيه. والهدف الثاني الترام الذي تملكه شركة بلجيكية وتحميه الحكومة المنتدبة الفرنسية، وطالما رأيت عرباته يَصُبّ عليها المتظاهرون النفط ويشعلون فيها النار حتّى لا يبقى منها إلاّ
следующие страницы →