بمعنى العرض كما نفهم نحن معناه. سترى النساء في الطرقات والسُّوح والمعابر يعرضن أنفسهن عرض السلعة، قد أذلّتهن مدنية الغرب وأفسدتهن وهبطت بهن إلى الحضيض، فلا يأكلن خبزهن إلاّ مغموساً بدم الشرف. وأنت لا تعرف من النساء إلاّ أهلك: مخدَّرات مَصونات كالدرّ المكنون، شأن نساء الشرق المسلم، حيث المرأة عزيزة مكرّمة محجوبة مُخدَّرة، مَلِكة في بيتها، ليست من تلك الحِطّة والمذلّة في شيء. فإياك أن تفتنك امرأة منهم عن عفّتك ودينك، أو يذهب بلبك جمالٌ لها مزوّر أو ظاهر خدّاع. هي والله الحيّة: ملمس ناعم، وجلد لامع، ونقش بارع، ولكن في أنيابها السم ... إياك والسم.
إن الله قد وضع في الإنسان هذه الشهوة وهذا الميل وجعل له من نفسه عدواً لحكمة أرادها، ولكنه أعطاه حصناً حصيناً يعتصم به وسلاحاً متيناً يدرأ به عن نفسه، فتحصّن بحصن الدين وجرّد سلاح العقل تَنْجُ من الأذى كله. واعلم أن الله جعل مع الفضيلة مكافأة: صحّة الجسم وطيب الذكر وراحة البال، ووضع في الرذيلة عقابها: ضعف الجسد وسوء القالة وتعب الفكر، ومن وراء ذلك الجنّة أو جهنّم. فإن عرضَت لك امرأة بزينتها وزخرفها فراقب الله وحكّم العقل، واذكر الأسرة والجدود. لا تنظر إلى ظاهرها البرّاق بل انظر إلى نفسها المظلمة القذرة، أتشرب من إناء ولغت فيه الكلاب؟
يا أخي، إن في باريس كل شيء: فيها الفسوق كله ولكن فيها العلم، فإن أنت عكفت على سماع المحاضرات وزيارة المكتبات وجدت من لذّة العقل ما ترى معه لذّة الجسم صفراً
стр. 1297
على الشمال (كما يقول أصحابك الرياضيون) ووجدت من نفعها ما يعلّقك بها حتّى لا تفكّر في غيرها، فعليك بها. استقِ من هذا المورد الذي لا تجد مثله كلّ يوم، راجع وابحث واكتب وانشر، وعِشْ في هذه السماء العالية، ودَعْ مَن شاء يرتعْ في الأرض ويعِش على الجِيَف المعطرة.
غير أنك واجدٌ في ثنايا هذه الكتب التي كتبها القوم المستشرقون عن العربية والإسلام، وفي غضون هذه المحاضرات التي يُلقونها، عدواناً كثيراً على الحقّ وتبديلاً للواقع، فانتبه له، واقرأ ما تقرأ وأصغِ لما تسمع وعقلك في رأسك وإيمانك في صدرك. لا تأخذ كل ما يقولونه قضية مسلَّمة وحقيقة مقرّرة، فإن الحقّ هو الذي لا يكون باطلاً، ليس الحقّ ما كان قائله أوربّا. فانظر أبداً إلى ما قيل ودع مَن قال.
ثم إنك سترى مدينة كبيرة وشوارع وميادين ومصانع وعمارات، فلا يَهُولَنّك ما ترى ولا تحقر حياله نفسَك وبلدك كما يفعل أكثر من عرفنا من روّاد باريس. واعلم أنها إن تكن عظيمة وإن يكن أهلها متمدّنين فما أنت من مجاهل الأرض ولا أمّتك بسَفَلة الناس، وإنما أنت ابن المجد والحضارة، ابن الأساتذة الذين علّموا هؤلاء وجعلوهم ناساً، ابن الأمة التي لو حُذف اسمها من التاريخ لرجع تاريخ القرون الطويلة صحفاً بيضاً لا شيء فيها، إذ لم يكن في هذه القرون بشر يدوّن التاريخ تاريخه سواهم. فمَن هؤلاء الذين ترى؟ إنما هم أطفال، أبناء أربعة قرون، ولكن أمتك أخت الدهر، لمّا وُلد الدهر كانت شابة وستكون شابّة حين يموت الدهر.
стр. 1298
يا أخي، إذا وجدت واسعاً من الوقت فادرس أحوال القوم وأوضاعهم في معايشهم وتجارتهم وصناعتهم ومدارسهم، وابحث عن أخلاقهم ومعتقداتهم، على أن تنظر بعين الناقد العاقل الذي يدوّن الحسنة لنتعلمها والسيئة لنجتنبها. ولا تكن كهؤلاء الذين كتبوا عن باريس من أبناء العرب فلم يروا إلاّ المحاسن والمزايا، ولا كأولئك الذين كتبوا عن الشرق من أبناء الغرب فلم يبصروا إلاّ المخازي والعيوب، ولكن كُن صادقاً أميناً.
وبعد يا أخي، فاعلم أن أثمن نعمة أنعمها الله عليك هي نعمة الإيمان، فاعرف قدرها واحمد الله عليها، وكُن مع الله ترَ الله معك، وراقب الله دائماً واذكر أنه مُطّلع عليك يَعصِمْك من الناس ويُعِذْك من الشيطان ويوفّقْك إلى الخير.
وفي اللحظة التي تشعر فيها أن دينك وأخلاقك في خطر، احزم أمتعتك وعد إلى بلدك وخلِّ «السوربون» تنعَ من بناها، وانفض يدك من العلم إذا كان العلم لا يجيء إلاّ بذهاب الدين والأخلاق.
أستودع الله نفسك ودينك وأخلاقك، والسلام عليك ورحمة الله.
* * *
هذه كلمة نشرتُها من نصف قرن إلاّ سنتين، يوم لم تكن أوربّا بلغت من دنس الأخلاق ورجس الفواحش ما هي عليه اليوم، يوم كان لكلمات الأخلاق والحشمة والحياء والمروءة بقية من معانيها ودلالاتها، لم تفقد معانيها كلها كما حصل اليوم. وقد
стр. 1299
خفت على أخي، فما لبعض الآباء يُلقون بأولادهم في هذا النهر الملوّث وهم لا يحسنون السباحة؟ ما لهم يبعثون بشابّ أمضى عمره كله في بلد الدين والحجاب، ما رأى يوماً أطراف جسد امرأة غريبة عنه ولا خلا بها، شابّ بين جنبَيه من الرغبة جمرة تتلظّى، لو أبصر فتاة من بُعد عشرة أمتار لَهَفَا قلبه إليها وتمنّى الدنوّ منها، ودفع ربع عمره ليبصر ما تحت ثوبها، يرمون به إلى بلاد بعض النساء فيها سلعة رخيصة على جوانب الشوارع، وربما تعرّضن له إن لم يتعرّض هو لهن! إلى بلاد المنكرات فيها مُعلَنة والأعراض مستباحة، فإما أن يُميله الهوى ويقوده الشيطان فيقع في الحرام، وإما أن يضمّ جوانحه على مثل لذع النار.
فاتقوا الله أيها الآباء، اتقوا الله في الشباب يا من تبعثون بهم إلى تلكم الديار. وإن اضطرّتكم الضرورة إلى ابتعاثهم فزوّجوا الشابّ ثم أرسلوه، تَكْفِه زوجته بالحلال عن الحرام وتَقُمْ عليه حارساً لا يفارقه يمسكه أن يقع في جهنم.
أما أخي فقد وفّقه الله وعاد، وكان أولَ مَن حمل شهادة الدكتوراة في الرياضيات في سوريا كلها. وكان عدد الذين يحملون شهادة الدكتوراة في الشام وفي لبنان أقل من ثلاثين (وهو اليوم أستاذ في جامعة أم القرى، جاءها بعد أن أحيل في الشام على التقاعد) (١).
* * *
стр. 1300
-١٠٨ -
بغداد تغضب لأختها دمشق
الذي يجري الآن في فلسطين كبِّروه ثلاثين مرّة، والذي جرى في مصر سنة ١٩١٩ كرِّروه ثلاثين مرّة، تروا أمامكم صورة لما كان في سوريا وفي دمشق خاصّة من سنة ١٩٣٦ إلى إعلان الحرب العالمية الثانية.
كان الشعب في غليان، وكانت شوارع دمشق وسُوحها ساحات حرب، وكان الشبّان وكان الناس كالجيش في حال الاستنفار:
لا يسألونَ أخاهمْ حينَ يندُبهمْ ... في النّائباتِ على ما قالَ بُرهانا
كان الناس يجتمعون في الجامع الأموي (مركز القيادة الشعبية)، ففيه تُلقى الخطب ومنه تخرج المظاهرات، فتصطدم بالشرطة والدرَك ثم بالجنود والدبّابات، وكان أول هدف لهم إذا خرجوا من الجامع مخفر سوق الحميدية، وطالما احتلّوه ودمّروا ما فيه. والهدف الثاني الترام الذي تملكه شركة بلجيكية وتحميه الحكومة المنتدبة الفرنسية، وطالما رأيت عرباته يَصُبّ عليها المتظاهرون النفط ويشعلون فيها النار حتّى لا يبقى منها إلاّ
стр. 1301
الهيكل الحديدي.
وقد تركت ما كنت فيه من قيادة الطلاّب من سنة ١٩٢٩ إلى سنة ١٩٣١ وصرت موظفاً كما عرفتم. ولكن من تركتهم لم يتركوني، والوظيفة ما كانت يوماً غُلاًّ في عنقي ولا قيداً من يدي، فإذا دُعيت إلى امتطاء منبر أو امتشاق قلم أسرعت فأجبت. ولي مواقف كانت في حينها حديث البلد وشغل الناس، مات من عرفها ونسيها من لم يمُت من عارفيها، أو شغلَته عن ذكرها هموم الحياة وأحداث الدهر، فمَن كان يعمل للناس فما يلقى إلاّ مثل هذا من الناس، ومن كان يعمل لله فذاك الذي يجد المكافأة عند الله.
تركت العمل في لجنة الشباب ولكن بقيَت معي نخبة متخيَّرة منهم، أعدّد اليوم بعض أسمائهم وربما عدت غداً إلى سرد بعض أنبائهم: منهم محمود الرفاعي الذي صار من بعدُ ضابطاً كبيراً وخاض مستنقع السياسة فأوغل فيه، وكان له دور في إسقاط الزعيم، ثم مات ﵀ في ألمانيا في حادث. ومنهم سعيد الجزائري الذي عرفَته صحف دمشق محرّراً قديماً فيها وعرفه الأدباء مخالطاً لهم ناقداً أو مشجّعاً، وقد تُوفّي ﵀. ومنهم إسماعيل قولي الذي صار قاضياً كبيراً وصاهر أسرة شيخنا المفتي الطبيب أبي اليسر عابدين، ثم توفّي هو وتوفّي الشيخ رحم الله الجميع.
وممّن بقي منهم صبحي النبهان، التاجر الكبير الذي تؤلّف حياته قصّة واقعية رائعة، فيها الهبوط إلى الحضيض ثم الصعود
стр. 1302
مرّة ثانية إلى الذروة، فيها الشدّة التي لا تعرف اليأس والطموح الذي لا يدنو من الطمع، والذي كانت نهاية نكباته تدمير معرض له في بيروت قرب المرفأ خسر فيه عشرة ملايين ليرة لبنانية (١).
ومنهم أنور العش، وهو رجل عالم عامل دائب، واجه معركة الحياة قبل أن يستكمل عدّة مواجهتها وقبل أن يتقلّد السلاح لها. وقد أصدر أنور هذا وهو طالب -بإشراف مني- مجلّة «رسالة الطالب»، وأصدر كتاباً سجّل فيه ما نشرَته الصحف سنة ١٩٣٦، من بداية المجالدة والمجاهدة إلى الوصول إلى المعاهدة، وسَمّيته له «طريق الحرّية». وقد كان عندي فضاع، وسألته عنه فلم أجد عنده نسخة منه! وكذلك تُنسى مواقف نضالنا وتواريخ فعالنا، ولو أنها دُوّنت لكان منها كتاب من كتب الأمجاد عظيم.
كنت كما كان الملأ من أصحابي وإخواني: منير العجلاني وصبري القباني ومدحة البيطار ومسلم البارودي وشفيق سليمان ومحمود البيروتي، كنّا جميعاً نشتغل مع «الكتلة الوطنية» التي كانت هي قائدة النضال للاستقلال. فلما كانت المعاهدة ودخل رجال منها الحكم بدّلَت الكراسيُّ بعضَ هؤلاء الرجال، فخابوا في الحكم بمقدار ما نجحوا في النضال.
стр. 1303
لا، ليسوا سواء؛ منهم جماعة كانت ضمائرهم أغلى من أن ترخصها الأقذاء تعلق بها، ونفوسهم أعلى من أن تصل إليها المطامع تهبط بها. جميل مردم بك لمّا صار وزير المالية، فجئته ليُمضي لي على السند الذي أقبض به أول راتب في الوظيفة، نسي أني كنت أعمل معه وأني كنت أكلّمه كما أكلّم إخوانه الذين كانوا مثله، بل كانوا خيراً منه، بلا حاجب ولا بوّاب، فاحتجب دوني وأبقاني واقفاً على بابه. لا على باب داره، فالمرء حُرٌّ في داره يردّ عنها من يريد ويستقبل فيها من يريد، بل على باب غرفته في قصر الحكومة، التي أملك منها مثل الذي يملك ودفعت من ثمنها مثل الذي دفع، لأنها ملك للشعب كله لا لآله وذويه. حتّى فار الدم في عروقي (وما أسرع وأشدّ ما كان يفور) فرميته بمقالة قام منها ولم يستطع أن يقعد هادئاً إلاّ بعد حين.
مع أنني كنت أدخل على شكري بك القوّتلي متى شئت، أفتح الباب وألِج أو أقرعه وأنتظر هنيهة ثم أدخل. أمّا هاشم الأتاسي فقد كان خيراً منهم، بقي بابه مفتوحاً للجميع وبقي أباً للجميع، لم تختلف حياته وهو رئيس عمّا كانت عليه قبل أن يكون هو الرئيس. حتّى الشرطي الذي وقفوه على باب داره قال له يوماً (وأنا أسمع) عشيّة ليلة باردة: يا ابني رُح إلى أهلك وأولادك فاسهر معهم ونَم عندهم، فإنها ليلة باردة وأنا لا أحتاج إليك، فالحامي هو الله. فلما تردّد أكّد عليه الكلام وشدّد الأمر حتّى انصرف، فما كاد يبتعد حتّى ناداه ومشى إليه خطوات، فأعطاه بعض المال ليأخذ به شيئاً معه إلى عياله.
كان هاشم بك يجول كلّ عشيّة جولة في أطراف البلد
стр. 1304
بسيارته، ليس أمامه حرس ولا وراءه جند. وكان يصلّي في مسجد المُرابِط القريب من القصر الجمهوري بالمُهاجرين. والقصر كان في دار الوالي ناظم باشا الذي أنشأ حيّ المهاجرين. فكانوا يبعثون له من القصر قبل صلاة الجمعة من يمدّ له سجادة صغيرة يحفظ له مكانه في الصف الأول، فيجيء حسن آغا المهايني (الذي ترك حيّ الميدان وسكن في طرف المقهى في ساحة آخر الخطّ، أي آخر خطّ المهاجرين)، فيترك المسجد كلّه ليصلّي على هذه السجادة ولا يقوم عنها. فلما كثر ذلك منه جاءه الشرطي يسأله أن يقعد في مكان آخر، سأله بلطف ولين، فصرخ الآغا بأعلى صوته: يا ابني هذا بيت الله وكلّنا عباد الله، فليس لأحد من العبيد أن يفضّل نفسه على غيره في بيت سيده إلاّ بإذنه. إن المسجد يا ولدي لا يُحجَز فيه مكان لأحد، مَن سبق كان هو الأحقّ بالمكان.
* * *
وقد تركت بيروت (كما سيأتي الخبر) وعُدت إلى بغداد في آخر سنة ١٩٣٨ وأوائل السنة التي بعدها، ولكني عدت بجسمي وفكري وحدهما، أما قلبي فبقي في الشام. لم أنسَ الشام يوماً، وهل ينسى أحدٌ بلدَه إلاّ إن نسي أمه وأباه ونسي ما مضى من أيام حياته؟
وكان الفرنسيون قد أخلّوا بشروط المعاهدة وعادوا إلى ما كانوا عليه من الاستبداد، وكانت تَرِدُ علينا الأخبار بأن الأذى قد زاد وأن الشكوى قد عمّت. والبعد يجسّم الأحداث وينفخ فيها، حتّى صرت (صدّقوني) لا أهنأ بطعام ولا أستريح إلى منام. أفكّر
стр. 1305
حيناً أن أدع عملي وأسرع إلى الشام، أو أن أجد لبلدي المعين الذي أستصرخه والأخ القوي الذي أستنصره. ولم يكن إلى جوارنا، بل لم يكن يومئذ في بلاد العرب كلها إلاّ دولة واحدة مستقلّة حقاً، ما فيها أجنبي يحكم ولا قانون أجنبي ينفَّذ، وهي المملكة، وقريب منها في استقلالها اليمن.
أمّا اليمن فبعيدة عني لم أزُرها ولا أعرفها. ولقد كنت من قريب (أي قبل أربع سنين) أجالس الملك العظيم الذي كان شيخ الجزيرة، بل كان ملجأ العرب كلهم، إليه يلجؤون وإلى حماه يسرعون، والذي إذا دُعي أجاب، الملك عبد العزيز. ولكن أين السبيل إليه والشدّة قد استحكمت في الشام حلقاتُها والوقت أضيَق من أن أضيّعه؟ وكانت في العرب دولتان مستقلّتان أخريان، استقلالاً ناقصاً غير كامل؛ ليس للأجنبي فيهما حكم ظاهر ولكن في كلّ فعل في البلدين «ضمير مستتر» يعود إليه، هما مصر والعراق. أما مصر فبعيدة، ولم يبقَ إلاّ العراق.
وكان الملك غازي شاباً، لا أعرفه. وكنت -على عادتي دائماً- منزوياً معتزلاً بعيداً عن أبواب الحُكّام، بل عمّن لم تستحكم بيني وبينه الألفة وترتفع تماماً الكلفة. ولكن ظهر لي ولغيري من الناس من بوادر حماسة غازي وعروبته في الأيام الأخيرة ما وجّه الأنظار إليه وجعل الأصابع تدلّ عليه، من يوم موقفه من الأشوريين في شمالي العراق. وكانت جريدة «البلاد» هي الجريدة الأولى في بغداد وكان لي معرفة بمحررها روفائيل بطي، فذهبت إليه أحدّثه فيما يملأ ذهني ويشغل فكري، فقال:
стр. 1306
تفضل هذا الورق وهذا القلم، فاكتب ما شئت لأبعث به رأساً إلى المطبعة فأفتح به عدد الغد من الجريدة. وأخذت القلم فكتبت: «رسالة مفتوحة إلى الملك غازي»:
يا غازي، يا غازي، يا غازي!
سوريا المروَّعة المظلومة، الغارقة في دماء بَنيها، العابقة برائحة البارود، الرازحة تحت أثقال المدافع، تدعوك وتهتف باسمك -يا غازي، يا ملك العراق- لتنصرها وتسعدها، فلم يعد لها اليوم مُسعِدٌ ولا نصير.
يا غازي، تدعوك الأيامى الثاكلات. يا غازي، يناديك اليتامى المظلومون. يا غازي، يستنصرك الضعاف العزّل والعجائز الركّع والأطفال الرضّع. يا غازي، يهتف باسمك الشباب الذي يواجه بجسمه المصفحات وبصدره الدبّابات ويحارب الدولة الطاغية الغاشمة، لا سلاح له إلاّ إيمانه وأمله بالله، ثم بالمسلمين وبالعرب وبك أنت يا غازي.
يا غازي، دعوة غريق ينادي منقذَه القوي. يا غازي، هتاف مريض يدعو طبيبَه الآسي. يا غازي، إهابة مشرف على اليأس بالسيد المأمول. يا غازي، صرخة الدين والدم واللغة والمجد والجوار. يا غازي، المدد المدد!
يا غازي، لقد نادت امرأة واحدة في سالف الدهر «وامعتصماه» فاهتزّ لها هذا العرش، عرشك، عرش بغداد، وماج لها هذا الشعب، شعب بغداد، وخرجت الجيوش من بغداد فلم ترجع إلاّ وفي ركابها المجد والنصر. فَمَن الآن لهذه الأمّة التي
стр. 1307
حملت في الشام البلاء ورأت الشدائد وشاهدت ألوان الموت، وخانها الحليف ونقض عهدَه لها القويُّ، وجرّد دبّاباته الضخمة ومدافعه وعتاده ليحارب بها النساء والأطفال والشيوخ؟
فقُم يا أيها «المعتصم» لَبِّها على «الخيول البُلْق»، فإن كُتّاب التاريخ أعدّوا صحفهم وأمسكوا بأقلامهم ليكتبوا المفخرة مرّة ثانية لجيش العراق، جيش العرب، جيش المسلمين ...
(والمقالة طويلة، إلى أن قلت فيها): إن القصر الذي كان يسكنه أبوك ملكاً والذي كنت تلهو في حدائقه طفلاً، والذي كان في حيّنا وكان مجاوراً لبيت عمّي، وكنت أراك فيه طفلاً وأرى عمّك الشابّ، الأمير زيداً ... صار اليوم مقرّ عدوّ العرب، منه يصدر الأمر بتقتيل رجالهم ونسائهم وأطفالهم، يسكنه اليوم مَن بغى على فيصل (ابن الحسين) وسرق منه عرشه. فأنقذ -يا ابن فيصل- البلدَ الذي أوى إليه فيصل.
يا غازي، الشباب الذين سقطوا في شوارع دمشق شهداءَ البغي ماتوا وهم يهتفون باسم المنقذ المرتقب، العجائز يتلقّين أبناءهن المصرَّعين على أرض الوطن وهنّ يذكرن الله ويهتفن باسم المنقذ المرتقَب. يا غازي، كم من طفل وطفلة عدا عليهم الظالمون فتلفّتوا حولهم يفتّشون عن المنقذ المرتقب؛ رفعوا رؤوساً يسيل من جراحها الدم، وأشاروا بأصابعهم الصغيرة المخضَّبة بالدم يردّدون اسمه.
فيا غازي، يا غازي: أتدَعُ هذا الشعبَ بين براثن وحوش يعبثون بكرامته وأمجاده وحياته، وكرامتُه كرامةُ العرب، وأمجادُه
стр. 1308
أمجادُ المسلمين، وحياتُه حياةُ هذه الأمة الواحدة؟ أتتركهم يموتون وبغداد تستروِح رائحة الربيع المعطّر، وتستمع إلى جَرْس النشيد الحلو، وتنام على فُرُش النعيم؟
هذا يوم من أيام التاريخ له ما بعده؛ فلا يقولَنّ التاريخ غداً: يا ليتهم نصروا الشام وقت محنته، يا ليتهم لم يدَعوه رهن الحديد والنار، يا ليتهم لم يتخلّوا عن إخوانهم فيه! يا غازي، الشام في كرب شديد، الشام في ضيق (إلى آخر المقال فالمقال طويل) (١).
وصدرت جريدة «البلاد» في بغداد يوم الخميس الثلاثين من آذار (مارس) سنة ١٩٣٩ (التاسع من صفَر سنة ١٣٥٨) وفي صدرها هذه المقالة، مطبوعة بحروف ظاهرة بعنوان كبير، فجاءت كما قال الناس، لا أقول أنا فعيب أن يُثني المرء على نفسه، ولكن الناس قالوا إنها جاءت نموذجاً لأدب الاستصراخ وأسلوب الاستنهاض وإثارة الهمم وبعث العزائم، حتّى إنها (وعفوكم إن قلت هذا) وُضعت في كتب الطلاّب وحفظوها.
وكان لغازي ﵀ ولع بالأعمال الكهربية (الإلكترونية واللاسلكية)، حتّى إنه أنشأ في قصر الزّهور في الكرخ إذاعة أقوى من الإذاعة الرسمية. نُشرت كلمتي في الصباح يوم الخميس وأذيعت من قصر الزهور مساء ذلك اليوم، فلما انتهت إذاعتها
стр. 1309
سمع الناس بعدها صوتاً ظاهراً، قدّروا أنه صوت غازي، يقول: لبيك لبيك.
* * *
ودُعي نفر من المدرّسين السوريين والعراقيين، وأُفهموا عن الملك غازي أنه يرغب في أن تقوم مظاهرة مؤيّدة للشعب العربي المسلم في الشام.
وأنا ابن دمشق بلد المظاهرات. وما كنّا نعرف أولاً ما هي المظاهرات حتّى دخلت علينا سنة ١٩١٩ جيوش العرب، وظنّ الناس أنه قد جاء معها الفرج وطلع الفجر الصادق بعد الليل الطويل، فانطلقَت الجماهير مثل انطلاق الجنّي الذي زعموا أنه كان محبوساً في القمقم (وكلمة القمقم فصيحة معرَّبة من القديم)، فكنّا نفيق صباحاً على ضجيج المظاهرات وهتافها وننام ليلاً على صخب المظاهرات وندائها. تلك كانت مظاهرات الفرح، فلما جاء الفرنسيون الواغلون علينا بعد ميسلون وجاءت معهم آفات الاستعمار الذي سَمّوه الانتداب، صارت مظاهرات الاحتجاج والألم.
عشت شطراً من حياتي من أواخر المدرسة الابتدائية سنة ١٣٣٨ إلى هذه المظاهرة سنة ١٣٥٨، فلم أرَ مثل هذه وما كنت أقدّر أني سأرى مثلها. خرجَت بغداد كلها إلى الشوارع، ولم يكن فيها إلاّ شارع الرشيد وشارع غازي (الذي شُقّ يومئذ حديثاً) وشوارع الصالحية في الكرخ، وكان عصبها الذي يحرّكها طلاّب المدارس.
стр. 1310
عطّلنا الدراسة يومين، نأتي في الصباح من قبل موعد الدوام ونبقى إلى الليل نُعِدّ لهذه المظاهرة، تتسابق المدارس وتتنافس على نيل قصب السبق فيها. وراجت سوق مدرّسي العربية، يُعِدّون الخُطَب ويَنْظمون الأناشيد، حتّى إنني أنا الذي لم يكن يوماً شاعراً نظمت ثلاثة أناشيد حماسية، وأعجب من نظمي إياها أنني لحّنتها! أي أنني سرقت من مئات الألحان التي أحفظها (ولا أزال أحفظها)، مئات حقاً من التواشيح والأغاني والأدوار والقدور والأناشيد، سرقت من ألحانها أجزاء ألّفت منها لحناً جديداً.
خبّروني، أليس هذا هو التلحين عند أكثر ملحّني هذه الأيام؟ وحفّظت الطلاّبَ قصائد حماسية ليلقوها على الناس، وتسابقنا إلى اختراع الهتافات وتردادها. وأنا أعرف فنّ «العرَاضات» في الشام، إذ يحملون رجلاً على الأعناق يهتف لهم فيرددون ويرتجل من المقال ما يوافق الحال.
وجئنا من المدرسة الغربية حيث التقينا بجماعة المركزية عند ميدان باب المعظم، ثم مشينا باتجاه الباب الشرقي، فلما وصلنا إلى الجسر العتيق جاء طلاّب مدرسة الكرخ فانضمّوا إلينا، وكان الطريق مزدحماً بالناس حتّى ما يُدرى مَن الواقف ومَن الماشي، بحر يموج موَجاناً.
لم يبقَ مدرّس لم يخطب، حتّى أنور العطار الشاعر الذي لم يكن من فرسان المنابر خطب مراراً. أما أنا فكلّما تقدّم الموكب مئة متر دُعيت لإلقاء خطبة، فلم نصل إلى جسر مود حتّى بُحّ صوتي وانقطع. ولم يحدث لي ذلك وأنا أخطب من أكثر من ستّين سنة إلاّ هذه المرّة، ما عرفته قبلها ولا عرفته بحمد الله بعدها.
стр. 1311
وكانت مدرستنا متفوّقة بهتافها ونشيدها، حتّى جاء طلاّب مدرسة الكرخ بشيء غلبونا به: تجمّعوا دائرة يرقصون وهم يمشون ويقولون بنغمة موزونة عجيبة:
فرنسا وإنكلترا بالكُنْدَرة ... سوريا ولبنان فوق الثرا
يريدون بالكندرة الحذاء وبالثرا الثريّا. ويضربون بأحذيتهم مثل ضربات أهل الدبكة في الشام ولبنان، فقلّدهم الناس فصاروا يصنعون صنيعهم ويهتفون بمثل هتافهم، فكسبوا المباراة.
* * *
لقد كان يوماً لا يُنسى، ولكني أكتب عنه بعد ستّ وأربعين سنة، بعدما نسيت تفاصيل الأحداث وأفقدتني الأيام منها أجمل ما كان فيها.
في تلك السنة نقض الفرنسيون -كما قلت- المعاهدةَ التي لم تُعطِنا شيئاً يُذكَر، ومع ذلك بخلوا بما أعطوا منها! فاضطربت الأوضاع وهُتك القناع وظهر وجه الانتداب البشع، وعمّ الخلل البلاد، ونزلت قيمة الليرة السورية مقابل الليرة الذهبية (التي كانت هي ركن الاقتصاد السوري) من ٥٥٠ قرشاً سورياً (وهو السعر الذي ثبتت عليه سنين طوالاً) إلى٧٥٠ قرشاً. وهذا حديث حقه أن يودع كتب التاريخ لا صحائف ذكريات شخصية.
أختتم هذه الحلقة بحادثة وقعَت لي في ذلك اليوم، ولولا أن الله ستر لكانت فضيحة! ذلك أن طلاّباً جاؤوا بنعش قالوا إنه نعش سوريا التي قتلها الاستعمار، ووضعوه على سطح سيارة
стр. 1312
كبيرة (باص) وصعّدوني لأخطب. وكنّا إذا أردنا أن نخطب في المظاهرة صعدنا ظهور السيارات. فخطبت وتحمّست وقلت: إن هذا نعش الاستعمار ... وركلته برجلي ركلة قوية.
فلما كان بعد أيام جاءني إلى المدرسة رجل يمشي على عكّازين ومعه جماعة له يمسكون به فقال لي: لقد كسرتَ رجلي. فتعجبت وقلت: من أنت؟ وكيف كسرت رجلك وأنا لا أعرفك؟ فتبيّن أنهم استأجروه ليضعوه في النعش لتتمّ -كما زعموا- فصول الرواية ويكمل الإخراج، فلما ضربت برجلي جاءت الضربة على ساقَيه فكُسِرت إحداهما! فأعطيته ما قدرت عليه وأرضيته واعتذرت له.
وتصورت لو أنه قام من النعش وأنا أخطب متحمّساً أظنّ النعش فارغاً، فانتصب أمامي وقال لي: لماذا تضربني؟ تصوّروا أنتم المشهد يُغنِكم تصوّرُه عن شرحي.
* * *
стр. 1313
-١٠٩ -
مقتل الملك غازي ورثاؤه
جاءتني رسالة من المنصورة في مصر يقول مرسلها «ع. م. ل»: لقد تركناك في المستشفى في دمشق، فكيف عُدت إلى بغداد وحدّثتنا عن مظاهرة بغداد؟
هذه خلاصة الرسالة. لقد عدت إلى بغداد لأن الله قدّر عليّ أن لا أحطّ الرحال إلاّ لأجدّد الارتحال، كأنني «موكَلٌ بفضاءِ اللهِ أَذْرَعُهُ» كما قال ابن زُرَيق. «يوماً بحُزوى ويوماً بالعقيق» ... وإن كنت ما أعرف ما حُزوى هذه ولا أدري أين هي من الأرض (١). فهل أبقى دهري كله متنقلاً مرتحلاً؟
وهل مِن سبيلٍ للشآمِ؟ ونظرةٌ ... إلى برَدى قبلَ المماتِ سبيلُ؟
وإلى قاسيون وداري فيه؟ وهل أرى الربيع في الغوطة؟ والثلج على شعفات جبال المزة؟ أم انقطع به عهدي فلا أمل
стр. 1314
لي فيه؟ وهَبُوني عُدتُ، فهل أرى في الشام دار شبابي ومنازل أهلي وأصحابي؟ إن عُدت إليها فهل تعود أيامي فيها؟ هل أقف على القبرَين المتجاورَين النائمَين متعانقَين على كتف الساقية في «الدحداح» كما كان يتعانق ساكناهما في الحياة؟ إن فيهما أبي وأمي. لقد دفنت مسرّات حياتي في هذين الجدثين، أصبحتُ كنبتة قُطعت جذورها. وجدَث ثالث فيه مَن هو أعزّ عليّ منهما، ما عرفت الطريق إليه حتّى أقف عليه. وماذا يفيدني أن أقف عليه وقد حال التراب بيني وبين قطعة عزيزة من قلبي أُودِعَت هذا القبر؟ إني لأريق الدمع كل ليلة أسقي بها هذا القبر البعيد في طرف بلاد الألمان حيث لا يراني أحد، ثم أنتبه فأجد أنه لا الدمع ينفع من فيه ولا الأحزان، ما ينفعني ولا ينفعها إلاّ الرحمة من الله والغفران. فاللهمّ قد أكرمتها بالشهادة فارزقها ثواب الشهداء، وارزقنا الصبر على البلاء.
* * *
لمّا دهمتني آلام المرض وذهبت إلى دمشق كان قد بقي من السنة الجامعية أقلّ من شهر، فكلّفني المفتي الشيخ توفيق خالد ﵀ (وكان هو الرئيس الأعلى للكلّية) أن اختار من الشام من يدرّس الطلاّب عني هذا الشهر، فاخترت الصديق الشيخ صالح فرفور. وتذكرون أني لمّا كنت معلّماً في الغوطة واضطُررت أن أغيب عن المدرسة لحضور امتحاناتي في كلية الحقوق وكلته لينوب عنّي فيها ووافقَت وزارة المعارف.
خرجت من المستشفى فلم أعُد إلى بيروت، بل إلى بغداد!
стр. 1315
ذلك أن السفر كلّ أسبوع من دمشق إلى بيروت ومن بيروت إلى دمشق لم يكن سهلاً ولا ميسوراً، لأن الطريق لم يكن قد سُوّي وعُدّل كما ترونه اليوم بل كان كله لفّات ودورات وطلعات ونزلات، ولم تكن السيارة مريحة مكيّفة كالتي ترونها اليوم، بل كانت في الصيف فرناً يلتهب وفي الشتاء صندوقاً مدفوناً في الثلج، وكانت كلها من سيارات فورد القديمة الصغيرة.
لذلك رضيت بالعودة إلى بغداد، إلى المدرسة الغربية. وكانت في المنزلة دون المدرسة المركزية التي كنت فيها، ولكن كرامة المرء بذاته، بعلمه وخلقه، لا بمنصبه ومرتّبه.
وكانت السنة مليئة بالأحداث؛ فالغضبة لسوريا والمظاهرة التي حدّثتكم حديثها لم تمرّ عليها عشرة أيام حتّى فوجئ الناس بموت الملك غازي، ثم تبيّنوا أنه ما مات موتاً ولكن قُتل قتلاً، وقال الناس إن الإنكليزي قتله بيديه وهو في لندن لم يبارحها وغازي في بغداد لم يخرج منها (١).
لا، ليست أُحْجِية (أي فزّورة) بل هي حقيقة، فيداه اللتان قتله بهما هما -كما كان يقول الناس- عبد الإله ونوري.
أمّا عبد الإله فلم أعرف عنه إلاّ القليل، وأما نوري باشا
стр. 1316
السعيد فعرفت عنه وإن لم ألقَه كثيراً. كان نوري رجل الإنكليز وكان يصرّح بذلك ولا يكتمه، وكان يدلّل عليه ويحتجّ له، ويرى أن العراق في تلك الأيام لم يكن ليستطيع القيام على رجليه فضلاً عن السير وحده، وأنه لا بدّ له ممّن يمسك بيده ويعاونه على مسيره، وكان يرى الإنكليز هم الذين يصلحون لذلك.
كانت لنوري مزايا، لا يمنعني أني كتبت عنه وأني هاجمته يوماً أن أذكر مزاياه (١). لقد مات الرجل وصار بين يدَي الله حسابه عليه، وصارت أعماله ملك المؤرّخين يحكمون في الدنيا بها عليه.
يقولون إنه كان جريئاً، يشهد بذلك أصدقاؤه وأعداؤه. ولقد رأيته بعيني يوم قَتْل غازي، الناس كالبحر يموج غضباً وأصواتهم كالرعد تملأ ما بين الضفّتين تطالب برأسه، وقد وصلَت سيارته إلى رأس الجسر من جهة الكرخ وغدَت بين الحشود تحيط بها من كلّ جانب، إن وصلوا إليه قطّعوه تقطيعاً، فلم يكن منه (وأنا أراه من قريب) إلاّ أن أطلق بوق السيارة بزئير قوي ثم اقتحم بها الناس، فخافوا على أرواحهم فأوسعوا له فنَجَا. ولولا هذا ما كان لينجو منهم. فلست أدري: أأسَمّي هذا الذي رأيته بعيني جرأة وإقدام بطل، أم صنيع يائس، أم فعل مجنون؟
وكان كريماً. لمّا كنت مدرّساً في العراق أول سنة قالوا إن له قصراً مقابل البلاط الملكي، على يمين الذاهب إلى الأعظمية،
стр. 1317
أراه من بعيد وأنا أمشي في الطريق ما اقتربت منه لأصفه. قالوا إنه لمّا زوج ابنه (وأظنّ أن اسمه -إن صدَقَتني الذاكرة- صباح) دعا «الجَفَلى»، وهي الدعوة العامّة. ألم تسمعوا قول طرفة:
نحنُ في المَشتاةِ ندعو الجَفَلى ... لا ترى الآدِبَ فينا يَنْتَقرْ
ومُدَّت البسط ونُصبت الموائد، فأكل عنده ربع أهل بغداد (كما سمعت لا كما رأيت). وكان بغدادياً أصيلاً عارفاً بمواضعات أهل بغداد وأسلوبهم في كلامهم ومصطلحاتهم فيما بينهم، وطالما أنقذه ذلك من مآزق.
ولكني مع ذلك لا أبرّئه ولا أبرّئ عبد الإله، وهو ابن عمّ غازي، من دم غازي.
قالوا عن سبب موت غازي: «صدمة سيارة»، ورتّبوا الأمر وأعدّوا المسرح وأخرجوا الرواية، ودعوا الناس إلى مشاهدتها. وقد ذهبت مع من ذهب، وإن كنت في العادة أهرب من كل مكان تزدحم فيه الأقدام، فرأيت سيارة محطّماً مقدّمُها قد هُشّمت واجهتها، وعموداً من الحديد طويلاً ثقيلاً كان غائصاً في الأرض مترَين أو نحوهما، لم أعُد أذكر، قد اقتلعته السيارة من أساسه وقلعت معه كتلة ضخمة من الإسمنت كانت تمسك الأساس، وسقط العمود على السيارة التي كان يسوقها غازي.
وأخذ الناس يتساءلون: كيف قُلع العمود؟ وهل تستطيع سيارة ركوب عادية أن تقتلع مثل هذا العمود؟ وإذا قلعَته فكيف يسقط هذا السقوط؟ ولماذا لم يحطّم إلاّ واجهة السيارة وموضع السائق منها؟ وكان دليل السرعة واقفاً على ١٢٠ والمكان لا يبعد
стр. 1318
عن القصر بأكثر من أربعمئة متر أو نصف كيل، فهل يمكن أن تصل سرعة السيارة إلى مئة وعشرين وهي لم تمشِ إلاّ هذه المسافة القصيرة؟ وأجمع الرأي على أنها رواية تأليفها ضعيف وإخراجها سيّئ، وأن المشهد كله قد رُتّب ترتيباً.
وقد خبّرني مفتي بغداد الشيخ قاسم القيسي، وهو الذي تولّى غسل غازي قبل دفنه، أن الضربة كانت في قَذَاله، أي في أسفل جمجمته من الخلف. فكيف أصابه العمود بالقذال؟ وبدأ الهمس ثم ارتفع الصوت، ثم صار له دويّ خافت، وصدرَت نشرات تتّهم عبد الإله ونوري بقتل الملك.
وأنا أدوّن هنا ما رأيت وما سمعت، وأنشر الآن ما لم أنشره من قبل. فمن ذلك مشهد تألّمت له وتكلّمت فيه، ولكن بمقدار ما استطعت الكلام، وكان كلامي هذا من أسباب نقلي من بغداد إلى كركوك.
ذلك أنه بعد أيام من قتل الملك جمعوا الطلاّبَ (وكان في مدرستنا نحو من ألف طالب) والأساتذةَ جميعاً في باحة المدرسة، وجاؤوا بخشبة لها سطح مائل فأقاموها وسط الباحة، وجاء ضابط كبير معه جنود وطالب صغير من طلاّب المدرسة، فقرأ الضابط حُكماً من المحكمة العسكرية (أو قراراً من القيادة، لم أعُد أذكر) بأن الطالب قد ثبت أنه اشترك في طبع هذه المنشورات التي تنشر -كما قالوا- الشائعات وتُفسِد المجتمع وتضعف الأمن، وأنه كذا وكذا ... وهي أسباب يسهل على من شاء أن يعدّدها. وأنه قد حُكم عليه بخمس جلدات.
стр. 1319
خمس جلدات ليست شيئاً يُذكَر، ولكن الشيء الذي يُذكَر ويُنكَر ولا يُنسى (بدليل أني ما نسيته وقد مرّ عليه نحو نصف قرن) هو الطريقة التي نُفّذ بها الجَلد. طريقة أغمضت عينَيّ فلم أستطع مشاهدتها، بل لم أستطع أن أمسك لساني عن نقدها، وإن لم يسمع ما قلته إلاّ من كان حولي.
لقد أوقفوا الطالب أمام هذه الخشبة، وجهه إليها، وقيدوا يديه بسيور من الجلد مثبّتة فيها، وحلّوا زناره وأنزلوا بنطاله وما تحت البنطال، حتّى كشفوا إليتيه أمام الحاضرين جميعاً، ووضعوا عليهما خرقة قالوا إنها معقمة مبلّلة بمحلول برمنغنات، ثم جلدوه فوقها.
ولم يكن الجَلْد مؤلماً، ولكن المؤلم كشف عورته وفضيحته، حتّى إنه انقطع عن المدرسة فلم أرَه من بعدُ فيها، فكان في هذه الجلدات الخمس القضاء عليه وقتله نفسياً.
* * *
أمّا ما كان في ذلك اليوم فإني أقرأ وصفه الذي كتبتُه أنا في «الرسالة» (عدد الرابع من ربيع الأول سنة ١٣٥٨)، فوالله لولا أني رأيته بعيني وأني عشت فيه، وأني كتبته ونشرته، لشككت بصدقه، بل لحكمت بكذبه.
شيء عجيب لا يكاد يُصدَّق. إنها قد تُفجَع أسرة بعزيز لها مات فيكسو أفرادها كلهم لباس الحزن وتبكي عيونهم جميعاً من هول المصاب، أما أن تفقد مدينة كبيرة مثل بغداد رجلاً، فيبكيه رجالها ونساؤها جميعاً، ويستخفّ الحزن فيهم
стр. 1320
كهولاً يقطر من أردانهم الوقار وشباباً صلداً يقحمون ضَرَم النار ويركبون الأخطار، ويُغشى على طلاّب يرفعون من قوّتهم الأثقال ويستهينون بالأهوال، وطالبات لهنّ مع طُهر الجمال مثل عزائم الرجال، وعجائز رأين من الأهوال والمصائب الثقال ما لا ينال منهن بعده تحوّل الأحوال ... فهذا هو العجب، وهذا ما كان.
حسبت ما رأيت -بادي الرأي- تصنّعاً وظننته تمثيلاً، فاشمأزّت نفسي منه، ثم لمّا توالت المشاهد وتعاقبَت، وأبصرت طرق البلد وأزقّتها (أي درابينها كما يقولون) تتلاحق فيها المواكب كلها يحمل صورة الملك الشابّ القتيل، ابن الستّ والعشرين سنة، ويبكي، ويتقدّم كلَّ موكب عريفٌ منهم يقول شعراً عامّياً، لكنه يسمو بصدقه أحياناً حتّى ليعلو على كلّ شعر بليغ. وليتني حفظت هذه الأشعار ... منها موكب كان يقول عريفه ويردّد الناس بعده:
الله أكبرْ يا عربْ ... غازي انفقدْ من دارَه
واهتزّت اركان السّما ... من صدمةِ السّيارهْ
والبنات، يا لمواكب البنات:
حُطّ القناعُ فلمْ تُستَرْ مخدَّرةٌ ... ومُزّقت أوجُهٌ تمزيقَ أبرادِ
وسفرت وجوه ما حسرت عنها يوماً جدرانُ بيوتأهليها، ولُطمت خدود ما طمعَت بلمسها شفاه عاشقيها، وبرزت للناس مخدَّرات ما أبصرَتها إلاّ عيون أرحامهاوذويها. ولاتعجبوا، فهذه عادة الجاهلية رجع بها الحزن إلى مجتمع إسلامي أبطل الإسلامُ فيه عادات الجاهلية. ألا تذكرون ما قال الشاعر العبسي:
стр. 1321
أو لعلي أفسدت بروايتي البيتين فإنني أحفظهما من أيام الصغر (١).
هذا الحزن الجماعي الصادق والفرح الجماعي الصادق لا يكاد يعرفه الناس في غير هذا الشعب العاطفي، الشعب العربي الذي يعيش بقلوب أفراده، على حين خلت صدور أكثر الشعوب من القلوب!
لقد أخذوني إلى الإذاعة لألقي كلمة عن غازي ما أعددتها ولا فكّرت فيها، فوَقَفتُ (٢) السيارةَ ربع ساعة فقط، فقعدت في طرف مقهى في الكرخ وأخذت ورقة من البقّال المجاور للمقهى
стр. 1322
وسطرت كلمات، ما كان لعقلي فيها عمل بل عملها كلها قلبي. فلما وصلت إلى الإذاعة نسيت الورقة التي كتبتها وقرأت ماكان مسطّراً في عيون من كانوا حولي. ولم تكن قد عُرفت هذه الأشرطة المسجّلة لأسمع ما قلت، ولكن خبّرني الناس أنني كنت أتكلم وأنا أبكي والناس يسمعون وهم يبكون. ثم حاولت أن أدوّن ما قلت، ولكن هيهات!
لقد أودعت مجلّة «الرسالة» (عدد ٢٧ صفر ١٣٥٨) صورة ميّتة عنها، تمثالاً لها يحكيها ويشبهها ولكنه من الشمع! الذي يقرؤها في «الرسالة» يقرأ معاني الكلمة التي قلتها وألفاظاً ربما كانت شبيهة بألفاظها، ولكن الذي سمع مني سمع هذه الألفاظ وهذه المعاني بشكل آخر وسمعها ثلاث مرّات: مرّة في صوتي الذي كان فيه معنى الحزن جلياً ظاهراً لا خفياً مستتراً، ولهجتي التي كانت تمثّل الحزن، لا تمثيل المسرح بل تمثيل المرآة لمن هو قائم أمامها، وظروف البلد التي كانت كلها ظروف الحزن جعلت قلوب السامعين متفتحة للازدياد من الحزن.
لقد كان شيء إذا شكّ فيه من يقرأ وصفه الآن لَما كان مبالغاً في هذا الشكّ، لأن الأمر كان غريباً، ولكن واقعاً. إني لأفكّر الآن: فيمَ كان هذا كله وما الذي سبّبه؟ هل كان غازي المثل الأعلى للحاكم الصالح؟ هل كان الصورة الكاملة للإنسان المثالي؟ أنا ما لقيته ولا أدري ماذا كان في خلواته، ماذا كانت صلته بربه؟ ماذا كان حفاظه على فضائل أمته ووفاؤه لأمجاد ماضيه؟ هل كان شاباً همّه المتع الرخيصة يشغله سفساف الأمور عن معاليها أم كان صالحاً يراقب ربه ويخدم شعبه؟
стр. 1323
كل هذا لا أدريه، ولكن الذي أدريه وأثق به أنه صنع في شهوره الأخيرة ما قرّبه من شعبه وحبّبه إليهم، ودلّ على أنه بدأ يخرج على إرادة مستعمري بلاده وعلى وكلائهم في هذه البلاد. ولكلّ مستعمر (مع الأسف) ولكلّ عدوّ لنا وكلاء منّا يعيشون بيننا، نقول هذا والأسى يملأ قلوبنا. لقد ربّاه الإنكليز، ولكنه أراد أن يكون لهم كما كان موسى ﵇ لفرعون عليه اللعنة، فلما أحسّوا منه ذلك قتلوه.
لقد طبعت سنة ١٣٨٠ الدفعة الثانية من كتبي، وكان فيها كتاب سَمّيته «بغداد»، أودعته هذه المرثيّة لغازي (١) فمنعته حكومة العراق يومئذ من دخول العراق وصادرَت ما وصلَت إليه من نسخه. لا تسألوني لماذا. أنا لا أدري لماذا!
ولو كان غازي يومئذ حياً لأرجف قوم فقالوا إني أتزلف إليه، ولو كان له وارث لقالوا إني أتقرّب من وارثه. ولكني نشرت الكتاب بعدما مات غازي وابن غازي، وخلت لأرض من كل وارث أو وليّ لغازي. فماذا تظنون أني أقصد بالثناء عليه بعد موته؟
وهل ماتت المروءات، وخلت الدنيا من الوفاء حتّى صار من يذكر ميتاً بخير يُضطرّ إلى أن يدافع عن نفسه؟ وهل فسد الناس حتّى ما يَمدح مادحٌ حاكماً من الحكّام إلاّ لجلب مصلحة ولا ينقده أو يذمّه إلاّ قصد انتقام؟ لقد عرفتم أني هجوت الشاعر الأديب شفيق جبري يوم كان أستاذي في كلية الآداب سنة ١٩٣١ وكان رئيسي وأنا موظف في وزارة المعارف، يوم كان المتزلّفون
стр. 1324
يحفّون به ويلتفّون حوله، فلما عُزل وجاؤوا بالدكتور كامل أشرفية انفضّ عنه من كان يحفّ به (وما يحفّون على الحقيقة إلاّ بالكرسي الذي كان يجلس عليه). انقطعوا عنه لما انقطع أملهم فيه، كنت أنا وحدي الذي كتبت في جريدة «ألف باء» أثني على جبري وأذكر أدبه وفضله، وأهجو أشرفية وأسرد صادقاً معايبه ومثالبه.
ولما كان انقلاب بكر صدقي الذي حدّثتكم حديثه وجاء حكمت سليمان (وهو أخو محمود شوكت باشا الذي تولّى خلع السلطان) هاجمتُ حكمت سليمان في كل مكان. فلما تركت العراق ولم تعُد لي صلة به ولم يبقَ لحُكّامه طريق إلى نفعي ولا إلى ضرّي، كتبت في «ألف باء» في دمشق أدافع عن حكمت سليمان الذي لم أعرفه ولم أكلّمه، ولكني رأيته مظلوماً فرأيت من المروءة أن أقف في جانب المظلوم.
ولي مواقف كثيرة مثل هذه. لكن لماذا أذكرها؟ فخراً بها؟ ربما فخرت بها، ولكن المقصد الأول أن أثبت للناس أن هذه الأمة فيها خير، فيها من يمدح صادقاً من غير طمع بفائدة وينقد صادقاً من غير تشفٍّ ولا انتقام.
* * *
كنت أدرّس في الغربية طلاّباً أذكياء، أحببتهم فأحبّوني ومحضتهم النصح فأكبروني، ونبغ منهم جماعة كان أظهرهم شخصية (وإن كان أصغرهم سناً وجسماً) طالب اسمه نجدة فتحي صفوت. كان أبوه مدرّس رسم، وورث عنه الحاسّة الفنّية كما يقولون. وهو -كما يدلّ اسمه- من أسرة يبدو أن أصلها تركي، وإن كان اسم نجدة قديماً، وحسبكم نجدة بن عامر البكري الذي
стр. 1325
كان بطلاً وكان أميراً، وكانت له مزاياه، لولا أنه من الخوارج.
نجدة فتحي صفوت طالب ذكي حاد الذكاء، جادّ صادق الجدّ، وكان لا يكاد يفارقني؛ يكون معي يُصغي إليّ في غرفة الدرس، ويمشي معي بين الدروس، وربما صحبني في الطريق. ولمّا تركت بغداد بقي مدة طويلة يراسلني، ولمّا انقطعت «الرسالة» عن الشام أيام الحرب الثانية جمع الأعداد التي لم تُرسَل إلى الشام فبعث إليّ فهارسها لأعرف ما نُشر لي فيها. صار أديباً وصدرت له كتب، ثم ربطه السلك الخارجي، ثم تدرج في مناصب وزارة الخارجية، ثم انقطع عني خبره.
وقعت لي في هذه المدرسة حوادث صغار ولكنها عميقة الآثار، منها أني كنت يوماً أجتاز باحتها الواسعة خارجاً من محاضرة قاصداً إلقاء أخرى، وأنا أُمضي دائماً هذه الفسحة بين المحاضرات في الباحات لا أكاد ألج غرفة المدرّسين إلاّ نادراً، لأن الطلاّب يمشون معي يسألونني، وتتوالى الأسئلة والإجابات فتضيع هذه الفسحة بين المحاضرات.
أقول إني كنت يوماً أجتاز الباحة، فرأيت ركناً فيه مدرّب رياضي ألماني والطلاّب يتدرّبون على مبادئ الملاكمة، فلما رآني (وكنت شاباً قوي الجسد متين التركيب، وكانت مقاييس جسمي: العنق والصدر والبطن والأطراف، لا تختلف عن المقاييس المثالية لأبطال كمال الأجسام إلاّ بسبعة في المئة فقط)، فقال لي ضاحكاً: هل تدخل معهم فرقة الملاكمة؟ قلت بلا تردّد: نعم.
стр. 1326
-١١٠ -
من ذكريات المدرسة الغربية في بغداد
أَصِلُ الكلام من حيث قطعته في آخر الحلقة الماضية فأكمل قصّة تدرّبي على الملاكمة.
لا، لم أصِر من أبطالها ولا بلغت مبلغ جو لويس أو محمد علي، بل أقول: إني ألممت بأصولها وقواعدها وأتقنت بضع لكمات حتّى صارت مَلَكة لي؛ أي أنني في ساعات الحرج وفي مواقف الدفاع عن النفس أستعملها عفواً بلا تفكير، وهذا ما أقصده بقولي إنها صارت مَلَكة. كما أتقنت من مسكات المصارعة اليابانية مسكة أستطيع أن أغلب بها من هو أقوى مني بثلاث مرّات، تعلمتها من رسالة صغيرة اشتريتها سنة ١٣٤٧هـ وأنا أدرس في مصر، وهي أن أمسك بيدي اليمنى يسار الخصم ثم ألوي معصمه إلى الجهة الوحشية منه، أي البعيدة عن جسده، فإنه يُضطرّ لدفع الألم عنه أن يميل معها حتّى يعطيني ظهره فأتمكّن منه، وإذا هو ثبت ولم يستدِر تُكسَر يده. والشرط فيها أن تصير لك -كما قلت- مَلَكة، أي أنك تعملها بلا تفكير، لأن المرء في ساعات الخطر والغضب لا يستطيع أن يفكّر، وأن تباغت خصمك بها من غير أن ينتبه إليها.
стр. 1327
وقد طبّقت هذه وتلك في مواقف كثيرة، لو أنني عرضتها مفصلة لملأت ثلاثاً من حلقات هذه الذكريات. وكل إنسان في الدنيا مُعرَّضٌ يوماً لمعركة أو خصومة، فردية أو جماعية، فأنا أنبّه الشباب إلى أمر هو أن الإنسان يتردّد عادة ثواني معدودة قبل أن يقرّر ماذا يفعل إذا رأى الهجوم عليه، فبمقدار ما تكون لحظات التردّد قصيرة يكون المرء أقرب إلى النصر. ولقد استفدت كثيراً من هذه السرعة في القرار.
ولا تظنّوا أنني أمضيت حياتي أصاول الأبطال أو أقاتل الرجال، فأنا بعيد عن المشكلات، ولكنني قد أتعرض لها فينبغي أن يكون تحت يدي السلاح الذي ينجيني من عقابيلها.
ورُبّ سائل يسأل: ما حكم الملاكمة شرعاً؟ ولماذا تعلّمتها؟ والجواب أن الظلم حرام والتعدّي حرام، وأن دفع العدوان جائز، على أن يكون بأيسر الطرق لا بأعسرها وبأهونها لا بأشدّها، وأنّ ضرب الوجه منهيّ عنه، وفي الحديث أن النبي ‘ رأى رجلاً يضرب عبده على وجهه فنهاه وقال له: «إن الله خلق آدم على صورته» (أي أن صورة هذا العبد هي الصورة التي خُلق عليها آدم، فكان التعدّي عليها إساءة إلى أولاد آدم جميعاً. ومن الناس من يروي جزءاً من الحديث ويفهمه فهماً ربما أوصل إلى الكفر، إذ يعيد ضمير «على صورته» إلى الله، ومن اعتقد أن لله صورة فقد كفر) (١).
стр. 1328
وأحسب أني قد بينت بهذا الذي قلت حكم الملاكمة. فالأمور بمقاصدها، فمن تعلّمها ليظلم الناس ويعتدي عليهم كان آثماً، ومن تعلمها لغرض مشروع كانت وسيلة حكمها حكم الغاية التي قُصد بلوغها من تعلمها.
أعود إلى الموضوع. دخلت في فرقة الملاكمة فتعلّمت من هذا المدرّب الألماني وقفة الاستعداد وأنواع اللكمات: المستقيمة الأمامية والمنحنية الجانبية والقصيرة الصاعدة. والقاعدة عندهم أن يستعمل المبتدئ في بداية التدريب يده اليسرى وحدها، حتّى إن من المدربين من يربط اليمنى حتّى لا يستعملها.
تدرّبت أولاً على الكيس الثقيل، ثم شرعت أنازل بعض الطلاّب، أضربهم ويضربونني، فإذا دخلت الفصل عدت مدرّساً وعادوا طلاّباً. وأشهد أن طلاّب العراق يعرفون الانضباط تماماً. ولبثت على ذلك شهوراً، حتّى كان يوم أصابَتني فيه ضربة من طالب تورّمَت منها عيني وظهر أثرها عليها، فقلت للمدرب: إلى هنا وبَسْ (١).
ولكن سرعان ما طبّقت ما تعلمتُه من دروس الملاكمة؛ ذلك أنني زجرت يوماً طالباً مسيئاً يبدو أنه من أسرة غنيّة وجيهة، فحقد عليّ أهله. وكنت في صباح يوم مطير من أيام الشتاء أمرّ أمام وزارة الخارجية ذاهباً إلى المدرسة، فاعترضني رجل طويل ممّن يُدعَون في بغداد «أبو جاسم لِرْ» أي من صنف الفتوّات كما
стр. 1329
يُقال في مصر أو القَبَضايات كما يُقال في الشام. وكلمة «لِرْ» تركية هي علامة الجمع عندهم. ففتح معي باباً للشرّ وقال: لماذا شتمت فلاناً (يعني من الطلاّب؟) أما عرفت من هو؟ وهل بلغ من قدرك أن تتطاول على ابن فلان؟
فقلت له: حافظ على أدبك، وإن كان لك كلام فراجع مدير المدرسة. فقال قولاً بذيئاً وهدّدني وأمسك بصدر ردائي حتّى كاد يشقّه، ثم لوّث ثوبي بحذائه المحمّل بالوحل والطين فترك عليه أثراً ظاهراً. وكان يمشي إلى يساري، فقبضت يدي وتناولته بلكمة جانبية جاءت تحت صدغه لم يكن يتوقّعها.
وتجمّع الناس وحالوا بيني وبينه، ولم أعد أستطيع المشي إلى المدرسة بهذا الثوب الملطّخ بالوحل فأخذت عربة (عَرَبانة كما يقولون) وذهبت فبدّلت ثيابي، ومررت بالأخ الكبير الذي كان مَفْزَعنا في كلّ مُلِمّة تُلِمّ بنا، الأستاذ بهجة الأثري، فخبّرته. فقال: لا تدير بال (أي لا تُدِرْ لها بالاً).
ووصلت المدرسة متأخراً فوجدت شيئاً عجيباً؛ الطلاّب جميعاً يستقبلونني يحفّون بي، يقولون: "خاطر الله شنو هذا" ماذا عملت؟ كيف ضربته؟ وأسئلة كثيرة من أمثال هذه كرّت عليّ باكراً. قلت: ويحكم، خبّروني أولاً ما القصّة؟
فإذا القصّة أن هذا الذي ضربتُه معدود في حيّه من أبطال الرجال لا يقدر عليه أحد، أو هو يوهم مَن حوله بأنه لا يقدر عليه أحد. فلما يئس من أن ينتقم مني بيده ذهب إلى المخفر وشكاني،
стр. 1330
وكانت اللكمة قد أصابت أصول أسنانه فنزل منها الدم، فهوّل الأمر على الضابط وكبّره حتّى أحالوه إلى الطبيب الشرعي. ويظهر أنه استمال الطبيب فربط وجهه بالرباط الأبيض ورجعه إلى الضابط، فبعثه الضابط مع شرطي إلى المدرسة يفتّش عن المجرم الذي اعتدى على هذا البطل ... وكنت أنا ذلك المجرم.
فكانت دعاية لي بأنني قهرت مَن هو أقوى الرجال وأنني صرت بذلك من الأبطال، وذهبوا فحدّثوا بالقصّة إخوانهم وأهليهم، وزادوا في سردها على عادة الناس في المبالغات، وملّحوها وفَلْفَلوها ووضعوا لها الحواشي والذيول، فكانت النتيجة أنني صرت بطلاً. والحقيقة كما قال المثل: «مُكرَه أخاك لا بطل» (١)!
* * *
ولم تنتهِ السنة المدرسية حتّى جاء يوم خِفت فيه حقيقة؛ ذلك بأنني بعد أن أنهيت عملي في المدرسة وأكملت امتحاناتي كلّفوني بمراقبة فرقة من الطلاّب الأحرار الذين يدرسون الدراسة المسائية، وكانت هذه الفرقة تؤدّي امتحانات الشهادة الثانوية، وكان هؤلاء الطلاّب غالباً من الجنود والعُمّال وكبار السنّ.
فوجدت جندياً ضخم الجثّة بادي القوّة، متراكب الأعضاء غليظ العنق ينطق كلّ ما في جسمه بقوّته وشدّته. وكان قاعداً عند الشبّاك ينظر في الخارج متلهفاً كأنه يرقب عوناً، فوضعت عيني
стр. 1331
عليه، فخلا مقعد في وسط الغرفة فقلت له: قم فاقعد فيه.
فتردّد وهمّ بأن يقول لا فما استطاع، لأنه جندي خاضع للنظام العسكري ومُعرّض للعقوبة إن هو أعلن العصيان. ووضعت عيني عليه، وكانت عينه إلى الشبّاك، فأُلْقِيَت إليه رزمة أوراق فسبقتُه إليها فأخذتها فإذا فيها الأجوبة المطلوبة، فأبقيتها معي ولم أدفعها إليه. فضمّ شفتيه ورماني بنظرة وعيد يتطاير منها الشرر، وهزّ رأسه كأنه يقول: سترى.
وكان قد بقي لموعد سفرنا عشرة أيام، فذهبت إلى المدير فرجوته أن يسمح لي بالسفر وأن يُعفيني من هذه المراقبة التي لم تكن من عملي الأصلي. فعجب وقال: لماذا؟ فقصصت عليه القصّة. فقال: وهل تخاف؟ قلت: نعم، أخاف. فضحك وقال: عجيب. قلت: لا، بل العجيب ألاّ أخاف. ألم يُقتَل السنة الماضية الأستاذ المصري الدكتور سيف؟ ألم يكَد يَلحق به الأستاذ محمود عزمي لولا أنه أخرج مسدسه وهدّد به؟ ألم يعتدوا في الكرخ على الأستاذ فاضل الجمالي وهو يومئذ مدير المعارف؟
إن الطلاّب في الشام إن غضبوا لحقوا المدرّس يسبّونه أو يهتفون به الهتاف العامّي الوسخ «بعرو» أو يرمونه بالحجارة، وربما ضربوه، أمّا القتل ... القتل؟ فلا والله، لا أعرّض نفسي للقتل حتّى تقول عني إنني شجاع. فأبى أن يأذن لي بالسفر، واعتذر بأنه لا يملك الإذن، إنما تملكه وزارة المعارف، وخرجت منزعجاً.
وكنت أنام (كما عرفتم) في دار العلوم الشرعية في المدرسة
стр. 1332
الملحَقة بجامع أبي حنيفة في الأعظمية، وكان عندنا رجل مُسِنّ اسمه حاجي نجم (الحاج نجم) كان بمثابة رئيس الفرّاشين، ولكنهم يوقّرونه لسنّه ويحترمونه، وكان عاقلاً. فرآني مهموماً فسألني: ما لك؟ قلت: لا شيء. فأصرّ عليّ أن أخبره وحلف عليّ بالله أن لا أكتمه شيئاً.
فخبّرته بما كان، فاستراح وقال: المسألة هيّنة، أنا أذهب معك غداً. فتعجّبت وضحكت وقلت شبه ساخر: تذهب معي؟ أشكرك، ولكن ماذا تصنع وأنت يا حاجي رجل عجوز؟ هل تقاتل عني إن قاتلوني؟ قال: لا تستصغر أحداً يا أستاذ، وغداً إن شاء الله سترى. فاذهب الآن فتعشَّ ونَم مطمئناً.
وذهب معي صباحاً، فلما نزلنا من الحافلة في طرف بغداد مشيت ومشى ورائي بجانب الطريق، فلما اقتربت من المدرسة وجدت الطالب الذي هدّدني ومعه ثلاثة من أشباهه، لو صارعوا دباً قطبياً لصرعوه أو قاتلوا ثوراً هائجاً لقتلوه. فأقبلوا عليّ من الجهات الثلاث بخُطى بطيئة كخُطى الجاموس الذي يتقدّم للنطاح. فوزنت قوّتي بقوّتهم فرأيت أني لن أقوى عليهم، ولكني لن أكون ضحيّة سهلة، وسأتناول واحداً منهم أو اثنين بلكمة قوية أو لكمتين قبل أن يصلوا إليّ.
وتوقّعت الشرّ وأيقنت أنه لا بدّ من وقوعه. وإذا بهم يقفون، ثم ينظر بعضهم إلى بعض ويستديرون راجعين. فلم أفهم ماذا جرى، وإذا الحاجّ نجم، هذا الرجل العجوز، لم يزد أن مشى خطوتين إليهم وتنحنح يقول: إحم! كأنه يقول لهم: "نحن هنا".
стр. 1333
فلما رأوه تطايروا كما يتطاير سرب من العصافير حطّ عليها الباشق.
ومشى معي إلى المدرسة. قلت: أشكرك، أشكرك، ولكن خبّرني أولاً لماذا ذهبوا؟ لماذا خافوا منك؟ قال: هذا توفيق من الله. فأصررت عليه فلم يخبرني. فتقصّيت خبره بعد ذلك ممّن يعرفه، فعلمت أنه كان في شبابه مقدم حيّه وكبير «فتوّاته»، وبقي معه من أتباعه ومن إخوانه جماعة يفدونه بأرواحهم ويبذلون له دماءهم، وكل واحد منهم بخمسة من هؤلاء الشباب الذين قطعوا عليّ الطريق وجاؤوا يهدّدونني.
فلما رأيت ذلك رجوته أن ينزل معي كل يوم من أيام الامتحان من الأعظمية إلى بغداد فقبِل، وبقينا على ذلك حتّى حان موعد السفر، وجزيته خير ما قدرت عليه من الجزاء، وأسأل الله الآن أن يرحمه وأن يجزل له الجزاء.
* * *
وممّا وقع لي تلك السنة أن الطلاّب اليهود كانوا في الأقسام العلمية تسعة أعشار الطلاّب، وكانوا ينالون أعلى الدرجات في الامتحانات حتّى في الأدب العربي الذي أدرّسه (كما أدرّس الديانة). وكان منهم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، أي أن الخمسة الأوائل كانوا من اليهود.
فغاظ ذلك المدير، وكان شاباً يتفجّر حماسة وإخلاصاً ويمتلئ قلبه بغضاً لليهود وكرهاً، وقد نسيت اسمه مع الأسف
стр. 1334
(ولعل الأخ العراقي الذي علّق فيما سبق على هذه الذكريات يرسل تعليقاً جديداً من مقامه في بغداد يبيّن فيه اسم هذا الرجل). كلّمني المدير بشأن هؤلاء اليهود فقلت له: إني ليغيظني الذي يغيظك، ولكن ماذا أعمل؟ وأنا إنما اؤتُمنت على تقدير الدرجات لما في ورقة الامتحان، فلو أن بين الطلاّب ابني أو أخي ما زدته درجة على ما يستحقّ، ولو كان بينهم قاتل أبي ما نقصته درجة. وهذا ما أمرَنا ربنا حين قال لنا: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى ألاّ تَعْدِلوا، اعدِلوا﴾. فإذا وجدت أنت سبيلاً إلى ضمان مصلحة البلد بمعاملة اليهود بما يستحقّونه، بشرط ألاّ أدع العدالة بين الطلاّب، كنت لك شاكراً.
ففكّر ثم قال: ندمج مادّتَي الديانة والأدب معاً ونعطيهما درجة واحدة. قلت: ولكن بقي للامتحان أسبوعان وسيُفاجَأ اليهود بهذا القرار ويثورون علينا. قال: هم أقلّ وأذلّ من أن يثوروا، وهذا الدمج من الأمور الإدارية التي نيطَت بي وأنا المسؤول عنها.
فوافقتُه مُكرَهاً. وصدر القرار ونُفِّذ، ولم يُسمَع صوت اعتراض لأن مادّة الديانة كانت دراسة سورتين من القرآن وتفسيرهما، والقرآنُ كتابُ العربية وكتاب الإسلام، فلا عجب أن يكون بين النصوص الأدبية المختارة شيء من القرآن، بل ذلك هو الأصل وذلك هو المطلوب.
وجاء الامتحان، وصحّحت الأوراق وظهرت النتائج، فكان الأول والثاني والثالث والرابع والخامس أيضاً من اليهود. فذهبت
стр. 1335
إليه قبل أن أعلن النتيجة وقلت: ماذا ترى؟ قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون. ماذا أعمل إذا كان الطلاّب العرب المسلمون كسالى لا يعملون وكان هؤلاء الخبثاء هم العاملين الجادين؟
* * *
وكان وكيل المدرسة الحاجّ محمود أحد القرّاء المشهورين في بغداد، ولم يكن في منهج الدراسة درس في التجويد، مع أن التجويد من فروع مادة اللغة العربية وينبغي أن يعرفه وأن يلمّ به كل طالب يدرس لغة العرب وأدب هذه اللغة، ضروري لضبط مخارج الحروف وحسن الأداء وسلامة النطق. وقد استُحدث علم ما عرفناه أيام الدراسة هو «علم الأصوات»، وقد رأيت إحدى حفيداتي الطالبة في جامعة الملك عبد العزيز تحمل كتاباً في هذا العلم، فاطّلعت عليه فوجدت موضوعه قريباً من علم التجويد، يزيد عليه في مسائل ويقصر عنه في مسائل.
فطلبت من الحاجّ محمود أن يجعل للطلاّب ساعة اختيارية يعلّم فيها من شاء «القراءة»، ولكن لم يتّسع لذلك وقته، ووجدت نفراً من الطلاّب لهم رغبة في التعلّم فعكفت على إقرائهم في ساعات فراغهم بين الدروس في المدرسة وبعد انتهائها.
وأنا لست من القرّاء، ولكني أقرأ قراءة صحيحة، لا أقصر إلاّ في مخرج حرف الراء فأنا فيه قريب من واصل بن عطاء. أمّا المدود وأحكام الميم والنون والأداء، أي الترقيق والتفخيم وما إليهما، فقد أتقنتُه وأحمد الله على ذلك، لأنني قرأت في مطلع شبابي على شيخ قرّاء الشام الشيخ محمد الحلواني الذي جمع