← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

عليه، فخلا مقعد في وسط الغرفة فقلت له: قم فاقعد فيه. فتردّد وهمّ بأن يقول لا فما استطاع، لأنه جندي خاضع للنظام العسكري ومُعرّض للعقوبة إن هو أعلن العصيان. ووضعت عيني عليه، وكانت عينه إلى الشبّاك، فأُلْقِيَت إليه رزمة أوراق فسبقتُه إليها فأخذتها فإذا فيها الأجوبة المطلوبة، فأبقيتها معي ولم أدفعها إليه. فضمّ شفتيه ورماني بنظرة وعيد يتطاير منها الشرر، وهزّ رأسه كأنه يقول: سترى. وكان قد بقي لموعد سفرنا عشرة أيام، فذهبت إلى المدير فرجوته أن يسمح لي بالسفر وأن يُعفيني من هذه المراقبة التي لم تكن من عملي الأصلي. فعجب وقال: لماذا؟ فقصصت عليه القصّة. فقال: وهل تخاف؟ قلت: نعم، أخاف. فضحك وقال: عجيب. قلت: لا، بل العجيب ألاّ أخاف. ألم يُقتَل السنة الماضية الأستاذ المصري الدكتور سيف؟ ألم يكَد يَلحق به الأستاذ محمود عزمي لولا أنه أخرج مسدسه وهدّد به؟ ألم يعتدوا في الكرخ على الأستاذ فاضل الجمالي وهو يومئذ مدير المعارف؟ إن الطلاّب في الشام إن غضبوا لحقوا المدرّس يسبّونه أو يهتفون به الهتاف العامّي الوسخ «بعرو» أو يرمونه بالحجارة، وربما ضربوه، أمّا القتل ... القتل؟ فلا والله، لا أعرّض نفسي للقتل حتّى تقول عني إنني شجاع. فأبى أن يأذن لي بالسفر، واعتذر بأنه لا يملك الإذن، إنما تملكه وزارة المعارف، وخرجت منزعجاً. وكنت أنام (كما عرفتم) في دار العلوم الشرعية في المدرسة

стр. 1332

الملحَقة بجامع أبي حنيفة في الأعظمية، وكان عندنا رجل مُسِنّ اسمه حاجي نجم (الحاج نجم) كان بمثابة رئيس الفرّاشين، ولكنهم يوقّرونه لسنّه ويحترمونه، وكان عاقلاً. فرآني مهموماً فسألني: ما لك؟ قلت: لا شيء. فأصرّ عليّ أن أخبره وحلف عليّ بالله أن لا أكتمه شيئاً. فخبّرته بما كان، فاستراح وقال: المسألة هيّنة، أنا أذهب معك غداً. فتعجّبت وضحكت وقلت شبه ساخر: تذهب معي؟ أشكرك، ولكن ماذا تصنع وأنت يا حاجي رجل عجوز؟ هل تقاتل عني إن قاتلوني؟ قال: لا تستصغر أحداً يا أستاذ، وغداً إن شاء الله سترى. فاذهب الآن فتعشَّ ونَم مطمئناً. وذهب معي صباحاً، فلما نزلنا من الحافلة في طرف بغداد مشيت ومشى ورائي بجانب الطريق، فلما اقتربت من المدرسة وجدت الطالب الذي هدّدني ومعه ثلاثة من أشباهه، لو صارعوا دباً قطبياً لصرعوه أو قاتلوا ثوراً هائجاً لقتلوه. فأقبلوا عليّ من الجهات الثلاث بخُطى بطيئة كخُطى الجاموس الذي يتقدّم للنطاح. فوزنت قوّتي بقوّتهم فرأيت أني لن أقوى عليهم، ولكني لن أكون ضحيّة سهلة، وسأتناول واحداً منهم أو اثنين بلكمة قوية أو لكمتين قبل أن يصلوا إليّ. وتوقّعت الشرّ وأيقنت أنه لا بدّ من وقوعه. وإذا بهم يقفون، ثم ينظر بعضهم إلى بعض ويستديرون راجعين. فلم أفهم ماذا جرى، وإذا الحاجّ نجم، هذا الرجل العجوز، لم يزد أن مشى خطوتين إليهم وتنحنح يقول: إحم! كأنه يقول لهم: "نحن هنا".

стр. 1333

فلما رأوه تطايروا كما يتطاير سرب من العصافير حطّ عليها الباشق. ومشى معي إلى المدرسة. قلت: أشكرك، أشكرك، ولكن خبّرني أولاً لماذا ذهبوا؟ لماذا خافوا منك؟ قال: هذا توفيق من الله. فأصررت عليه فلم يخبرني. فتقصّيت خبره بعد ذلك ممّن يعرفه، فعلمت أنه كان في شبابه مقدم حيّه وكبير «فتوّاته»، وبقي معه من أتباعه ومن إخوانه جماعة يفدونه بأرواحهم ويبذلون له دماءهم، وكل واحد منهم بخمسة من هؤلاء الشباب الذين قطعوا عليّ الطريق وجاؤوا يهدّدونني. فلما رأيت ذلك رجوته أن ينزل معي كل يوم من أيام الامتحان من الأعظمية إلى بغداد فقبِل، وبقينا على ذلك حتّى حان موعد السفر، وجزيته خير ما قدرت عليه من الجزاء، وأسأل الله الآن أن يرحمه وأن يجزل له الجزاء. * * * وممّا وقع لي تلك السنة أن الطلاّب اليهود كانوا في الأقسام العلمية تسعة أعشار الطلاّب، وكانوا ينالون أعلى الدرجات في الامتحانات حتّى في الأدب العربي الذي أدرّسه (كما أدرّس الديانة). وكان منهم الأول والثاني والثالث والرابع والخامس، أي أن الخمسة الأوائل كانوا من اليهود. فغاظ ذلك المدير، وكان شاباً يتفجّر حماسة وإخلاصاً ويمتلئ قلبه بغضاً لليهود وكرهاً، وقد نسيت اسمه مع الأسف

стр. 1334

(ولعل الأخ العراقي الذي علّق فيما سبق على هذه الذكريات يرسل تعليقاً جديداً من مقامه في بغداد يبيّن فيه اسم هذا الرجل). كلّمني المدير بشأن هؤلاء اليهود فقلت له: إني ليغيظني الذي يغيظك، ولكن ماذا أعمل؟ وأنا إنما اؤتُمنت على تقدير الدرجات لما في ورقة الامتحان، فلو أن بين الطلاّب ابني أو أخي ما زدته درجة على ما يستحقّ، ولو كان بينهم قاتل أبي ما نقصته درجة. وهذا ما أمرَنا ربنا حين قال لنا: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قَومٍ عَلى ألاّ تَعْدِلوا، اعدِلوا﴾. فإذا وجدت أنت سبيلاً إلى ضمان مصلحة البلد بمعاملة اليهود بما يستحقّونه، بشرط ألاّ أدع العدالة بين الطلاّب، كنت لك شاكراً. ففكّر ثم قال: ندمج مادّتَي الديانة والأدب معاً ونعطيهما درجة واحدة. قلت: ولكن بقي للامتحان أسبوعان وسيُفاجَأ اليهود بهذا القرار ويثورون علينا. قال: هم أقلّ وأذلّ من أن يثوروا، وهذا الدمج من الأمور الإدارية التي نيطَت بي وأنا المسؤول عنها. فوافقتُه مُكرَهاً. وصدر القرار ونُفِّذ، ولم يُسمَع صوت اعتراض لأن مادّة الديانة كانت دراسة سورتين من القرآن وتفسيرهما، والقرآنُ كتابُ العربية وكتاب الإسلام، فلا عجب أن يكون بين النصوص الأدبية المختارة شيء من القرآن، بل ذلك هو الأصل وذلك هو المطلوب. وجاء الامتحان، وصحّحت الأوراق وظهرت النتائج، فكان الأول والثاني والثالث والرابع والخامس أيضاً من اليهود. فذهبت

стр. 1335

إليه قبل أن أعلن النتيجة وقلت: ماذا ترى؟ قال: إنّا لله وإنا إليه راجعون. ماذا أعمل إذا كان الطلاّب العرب المسلمون كسالى لا يعملون وكان هؤلاء الخبثاء هم العاملين الجادين؟ * * * وكان وكيل المدرسة الحاجّ محمود أحد القرّاء المشهورين في بغداد، ولم يكن في منهج الدراسة درس في التجويد، مع أن التجويد من فروع مادة اللغة العربية وينبغي أن يعرفه وأن يلمّ به كل طالب يدرس لغة العرب وأدب هذه اللغة، ضروري لضبط مخارج الحروف وحسن الأداء وسلامة النطق. وقد استُحدث علم ما عرفناه أيام الدراسة هو «علم الأصوات»، وقد رأيت إحدى حفيداتي الطالبة في جامعة الملك عبد العزيز تحمل كتاباً في هذا العلم، فاطّلعت عليه فوجدت موضوعه قريباً من علم التجويد، يزيد عليه في مسائل ويقصر عنه في مسائل. فطلبت من الحاجّ محمود أن يجعل للطلاّب ساعة اختيارية يعلّم فيها من شاء «القراءة»، ولكن لم يتّسع لذلك وقته، ووجدت نفراً من الطلاّب لهم رغبة في التعلّم فعكفت على إقرائهم في ساعات فراغهم بين الدروس في المدرسة وبعد انتهائها. وأنا لست من القرّاء، ولكني أقرأ قراءة صحيحة، لا أقصر إلاّ في مخرج حرف الراء فأنا فيه قريب من واصل بن عطاء. أمّا المدود وأحكام الميم والنون والأداء، أي الترقيق والتفخيم وما إليهما، فقد أتقنتُه وأحمد الله على ذلك، لأنني قرأت في مطلع شبابي على شيخ قرّاء الشام الشيخ محمد الحلواني الذي جمع

стр. 1336

على طريقة «الشاطبية» وعلى الشيخ عبد الله المنجّد (وهو والد الدكتور صلاح الدين المنجد) الذي جمع على طريقة «الطيبة»، وذلك على رواية حفص عن عاصم، وهي القراءة المنتشرة في مصر والشام وأكثر بلدان المشرق. أما في المغرب فيقرؤون بقراءة نافع برواية ورش، وأهل شنقيط (موريتانيا) يقرؤون بها برواية قالون، وسمعت من أخي وابن شيخي محمد ابن الشيخ عبدالقادر المبارك رحمهما الله (وقد أقام في السودان سنين) أنهم يقرؤون في السودان بقراءة أبي عمرو (١) أو بقراءة حمزة، نسيت أنا. وأقول بالمناسبة إن معرفة القراءات مطلوبة لطلاّب العلم وفي المدارس، أما أن يقرأ القارئ الآية الواحدة للعامّة بالقراءات المتعدّدة فقد رأيت من كبار العلماء المتقدّمين من قال بكراهته. * * * وفي هذه السنة جاء الدكتور سامي شوكت مديراً عاماً (أي وكيلاً) لوزارة المعارف، وكان قومياً مندفعاً متحمّساً، فصبغ المدارس بالصبغة القومية. ولي في القومية كتابات كثيرة جداً وخضت فيها مناظرات

стр. 1337

ومناقشات، ومن أشهر ما كتبت مقالة «العربية والإسلامية» (١)، وقد نُشرت في «الرسالة» من قديم وطُبعت مرّات في رسالة مستقلّة وُزّعت مجّاناً. ولما كنت في بداية عهدي بالكتابة (وقد نشرت أول كتاب لي سنة ١٣٤٨هـ) كنت لا أفرق بين الإسلامية والعربية، فأقول مثلاً الفتوح الإسلامية لأنها قامت بالإسلام ولنشر الإسلام، أو أقول الفتوح العربية لأن الذين قاموا بها جنداً وقُوّاداً هم من العرب، العرب الذين لم يكن لهم بين الدول الكبار مكان حتّى أعزّهم الله بالإسلام. ثم بدأنا نسمع كلمة «القومية»، ومن أوائل من جرت كلمة القومية على سن قلمه (ممّن أعرف أنا) خالي مُحبّ الدين الخطيب المولود سنة ١٣٠٣هـ، ومن كان معه من لِداته وأقرانه. ولم تكن تحمل أكبر من معنى تنبيه العرب إلى ما كاد لهم الاتحاديون الملحدون من الأتراك الذين يريدون تتريك العناصر العثمانية، ويأبى هذه الدعوةَ الإسلامُ ويأباها العرب، ويأباها جمهور الأتراك المسلمين. ثم بدأَت تحمل معاني جديدة على أقلام كُتّاب ودُعاة كثير منهم من النصارى. وكانت كلمة القومية متردّدة بين ما يقابل كلمة «ناسيوناليزم» الفرنسية كما تفهم في الشام وكلمة «راسيسم» أي

стр. 1338

العِرْقية، كما يغلب على شباب العراق فهمها بهذا المعنى. أمّا مصر فما وجدت لها في مصر (وقد درست فيها سنة ١٩٢٨) أثراً ظاهراً، وأمّا في الشام (سوريا) فكان لها أثر ضئيل عند طائفة من الشباب. فلما جئت العراق وجدت فكرة القومية طاغية على الشباب، بثّها فيهم مدرّسون أكثرهم من غير العراق، من أبرزهم ساطع الحصري، العربي الحلبي الذي ربّاه الترك وعاش بينهم دهراً من عمره، حتّى إنه مات وما يحسن النطق بالعربية كما يحسنها العرب وتظهر العجمة على لسانه من الجمل الخمس الأولى من حديثه إذا تحدّث أو محاضرته إذا حاضر. ومنهم النصولي، ويذكر كبار السنّ الفتنة التي ثارت في العراق لمّا ألف كتابه عن الأمويين. كان الأمل والمطمح الأقصى لشباب بغداد في تلك الأيام هو تحقيق وحدة عربية كوحدة ألمانيا وإيطاليا، وكانوا يُعنَون بتاريخهما وتفاصيل أخبارهما عناية بالغة، وكانوا ينظرون إلى بلدهم العراق على أنه مثل بروسيا في الوحدة الألمانية وبيه مونت في إيطاليا. ونحن -الإسلاميين- لا نأبى الوحدة العربية، ولكن نراها محطّة على طريق الوصول إلى الغاية وليست هي الغاية. ونحن لا نحارب القومية حرباً عمياء نخلط فيه خيرها بشرّها ثم نلقي ذلك جميعاً في لهب هذه الحرب، ونحن لا نسلب العرب فضائلهم وكريم سلائقهم، فلولا مزايا العرب التي أودعها الله فيهم، أي في طبيعتهم وفي سليقتهم، ما اختار الله رسوله منهم

стр. 1339

﴿واللهُ أعلَمُ حيثُ يَجعلُ رسالتَه﴾، ولا جعل القبلة البيت الحرام عندهم ولا أوجب الحجّ إلى أرضهم. ولكننا لا نفتري على الله ولا نكذب على التاريخ، ولا نزعم أنه كان للعرب قبل الإسلام -كما يقولون- هذه المزايا التي يدّعونها لهم ولم تكن لهم، ولا نقول مقالتهم: إن الإسلام إنما هو مظهر من مظاهر عبقريتهم الكامنة فيهم. فما طبيعة العلاقة بين العرب والإسلام إذن؟ لقد فكّرت في ذلك طويلاً، ثم وضّحته في محاضرة لي في الكويت لمّا دعتني إليها جمعية الإصلاح، أي الأخوان الكريمان عبد العزيز وعبد الله المطوّع، وكانت تلك هي المرّة الوحيدة التي زرت فيها الكويت، في الخمسينيات (١). ساءلت نفسي: هل بين العربية والإسلام تطابق بحيث إن العربية والإسلامية كلمتان مترادفتان تُغني إحداهما بمدلولها عن أختها، فكلّ ما هو إسلامي عربي وكل ما هو عربي إسلامي؟ وكان الجواب: لا. فقلت: هل بينهما تناقض كالوجود والعدم والموت والحياة، بحيث إنهما لا يجتمعان ولا ينعدمان؟ وكان الجواب: لا. هل بينهما تضادّ كالبياض والسواد بحيث إنهما لا

стр. 1340

يجتمعان ولكن قد ينعدمان؟ وكان الجواب: لا. هل بينهما عموم وخصوص كما يقول أهل المنطق، بحيث إن كل عربي إسلامي وليس كل إسلامي عربياً؟ وكان الجواب: لا. فما العلاقة إذن بين العربية والإسلامية؟ الجواب: إن العلاقة هي ما يُسمّى العموم والخصوص من وجه. أي أنهما مثل دائرتين، دائرة صغيرة ودائرة كبيرة، وُضعَت الصغيرة في طرف الكبيرة فانطبق أكثر أجزائها على أجزاء الدائرة الكبيرة، ولكن بقي من الصغيرة هلال صغير لم يدخل في الكبيرة وبقي من الكبيرة هلال كبير يحيط بالصغيرة. أي أن الناس ثلاثة أصناف: عربي مسلم، ومسلم غير عربي، وعربي غير مسلم. أمّا العربي المسلم فلا إشكال في وضعه؛ لأننا إن دعونا بدعوة العربية دخل فيها وإن دعونا بالدعوة الإسلامية دخل فيها. ولكن الإشكال في العربي غير المسلم والمسلم غير العربي: أيهما هو أقرب إلينا وأيهما الذي هو جزء أصلي من أمتنا؟ * * *

стр. 1341

-١١١ - رفضت الدعوة إلى القومية فنقلوني إلى كركوك كانت سنة ١٩٣٩ في بغداد سنة نهضة عجيبة؛ روح جديدة صُبّت في قلوب الشباب، إقبال على الجندية وأن ينتظمهم سلك الجيش، حتّى إنني لمّا سألت الطلاّب هذا السؤال الذي لا يملّ المدرّسون من إلقائه على توالي السنين: ماذا تحبّ أن تكون في مقبل أيامك؟ كان جواب الأكثر منهم أنهم يريدون أن يغدوا جنوداً. وأعانهم على ذلك أن وزارة المعارف بدأت بتحويل المدارس إلى شبه ثكنات والطلاّب إلى جنود، حتّى إنها وضعت نظاماً سمّته نظام «الفتوّة»، ألبسَت فيه الطلاّب لباس الجنود ودرّبتهم على ما يتدرّب عليه الجنود، حتّى يكونوا مستعدّين للنزال إذا أذّن مؤذّن القتال وحانت ساعة النضال. بدأ ذلك بتدريب مجموعات صغيرة ثم عمّ المدارس كلها، حتّى إذا كان يوم الجمعة السابع والعشرون من الشهر الأول من سنة ١٩٣٩ كان التدريب على الجندية باسم الفتوّة قد عمّ مدارس

стр. 1342

بغداد كلها، وفي هذا اليوم خرج موكب الطلاّب، الموكب العظيم الذي كان حديث الناس وكان عجباً من العجب. انتقلَت (١) فيه بغداد كلها فاستقرّت في شارع الرشيد (الذي لم يكن في بغداد شارع غيره) وشارع غازي الذي افتُتح يومئذ حديثاً، لترى موكب الفتوّة الذي يصل بين غازي والرشيد، فينشئ المجد الجديد على أساس المجد التليد. وقد أتى الناس من كلّ فجّ عميق ليشهدوا بأعينهم كيف غدا أبناؤهم أسوداً صغاراً، أشبالاً يدافعون عن الحمى ويحمون العرين، ويبصرون ببصائرهم المستقبل المجيد والآتي الزاهر، وقد أشرق فجره من عيون أولئك الفتيان التي تبرق بريقَ الحماسة والإخلاص، وقلوبهم التي تنطوي على التضحية والثبات، وألسنتهم وهي تنشد النشيد الذي يوقظ الأموات ويصبّ الحياة في الصخر الصلد، وأيديهم التي تهزّ البنادق، تقول بلسان حالها: إننا نحقق ما نقول. أقبل الناس على شارع الرشيد قبل أن تقبل الشمس بوجهها على بغداد، فملؤوا جوانبه، واستأجروا مداخل المخازن وشرفات المنازل والفنادق، حتّى بلغت أجرة المقعد الواحد ربع دينار. وربع دينار في تلك الأيام يعدل أربعة دنانير في أيامنا. ولا ترى مع هذا في شرفة مقعداً ولا على رصيف مكاناً. وتعلّق

стр. 1343

الناس بالأعمدة وأشرفوا من الأسطحة، وكانت الوجوه في بشر وانطلاق، كما كان الكون متهلّلاً باسماً في ذلك اليوم المشهود، والشمس بازغة ساطعة والأُنس في الأرض وفي السماء. وانتظر الناس ساعات، لا يملّون ولا يضجرون. وكنت في داري في الأعظمية، أهمّ بالنزول إلى بغداد ثم يردعني خوف الزحام وكراهية الاختلاط، وخشية أن يبتلعني هذا اللجّ البشري الهائل. وكنت أنظر في ركام الدفاتر التي تبلغ المئات، والتي جمع فيها كلّ تلميذ ما يستطيع من الأخطاء والهنات، دفاتر الامتحانات، لأقوم بتصحيحها وتقدير درجاتها، فلا أمسّها ولا أدنو منها وإنما أنصرف عنها أفكّر في بلدي وأهلي. كنت بجسدي في بغداد ولكن قلبي في الشام. أأهجع آمناً في بغداد وآنس مطمئنّاً، وأهلي في الشام يمشون على النار، لا يدرون أإلى موت أو حياة؟ أأستمتع بالجمال وأنفق الأماسي الهادئة في مسارب الأعظمية أساير الشط وأتفيّأ ظلال النخيل، والشام قد ثار من تحته البركان وزُلزلَت منه الأركان، وهبّ أهله هبّة المستميت يريدون الحياة كاملة أو الشهادة في سبيل الله؟ فكّرت في ذلك فامتلأت نفسي كآبة وحسرة، فقمت على غير شعور مني وانطلقت إلى بغداد. وما أدراك -ذلك اليومَ- ما بغداد؟ بلغت باب المعظم، وعهدي بالمكان أن فيه شوارع وميداناً فإذا هو بحر من الخلائق يموج بعضها ببعض، وقد غرق في هذا البحر الشارعُ واختفى فيه الميدان. فوقفت حائراً لا أتقدم ولا

стр. 1344

أتأخر، ثم لمّا طال بي الوقوف شددت من عزيمتي وشمّرت عن ساعدي، وأقبلت أدفع هذا وأزيح ذاك. وكلّما دفعت عني واحداً حلّ مكانه عشرة، فخارت قواي وأيِست من النجاة، واعترفت لنفسي بأني لم أبلغ مبلغ عنترة (أعني عنتر القصّة) الذي يقبض على الرجل فيرفعه بيده فيضرب به الأخر فيقتل الاثنين. وما كنت -عَلِم الله- أحبّ أن أقتل أحداً، وما جئت لأقاتل ولكن جئت لأشارك في هذه البهجة وهذه الفرحة. وقفت فاشتدّ عليّ الضغط من كل جانب حتّى أحسست كأن أحشائي ستخرج، وضاق نَفَسي، ولكن كل ضيق إلى فرج، فلم يكن إلاّ أن فرّج الله عني فبعث رجلاً من ضباط الشرطة أعرفه، فحملني بسيارته إلى الفندق الذي أريد. وكان في شرفة الفندق إخوان لنا ينظرون فقعدت معهم. ولبثنا نرقب الموكب ونتحدث عن الفتوّة في العراق، ونستمع إلى أحاديث الإخوان وهي للأديب كنز لا ينفد. لقد رأيت في ذلك اليوم من مظاهر الفتوّة والقوّة ما جعلني أبكي من فرط التأثر؛ رأيت حارة (دربونة) مجاورة للفندق، دخلتُ فيها فوجدت طفلاً يدرج على باب منزله لم يتعلّم المشي ولا النطق، وهو يحاول أن يخطو خطو الجند ويوعز إيعاز القائد: يس يم (أي يسرى يمنى). رأيت أطفال المدارس الابتدائية يسيرون سير الجنود، يقودهم مدرّس بلباس ضابط يدرّبهم من الصغر على أن يكونوا أبطالاً. وكنّا قد ذهبنا قبل ذلك بشهر مع الطلاّب إلى معسكر

стр. 1345

الإنكليز في «سن الذبان» لمباراة رياضية، فرأيتهم قد قلبوا المدينة الإنكليزية إلى حيّ من أحياء العرب وأفاضوا عليها روحهم وشبابهم وفتوّتهم، فقلت: إذا كان جيش صغير من لاعبي الكرة لا يتجاوز الخمسين ومعهم من إخوانهم مثلهم، إذا كانوا قد فعلوا هذا كله، فكيف لو جاء الجيش العربي، جيش المستقبل؟ رأيت أثر الروح العسكرية واضحاً في الطلاّب، فالطاعة من غير استخذاء والحرّية من غير تمرّد والنظام من غير جمود، تلك هي صفات الطلاّب في العراق في تلك الأيام. لبثنا ننتظر إلى الضحوة الكبرى والناس لا يزدادون إلاّ تدفّقاً، فكأنهم سيول تصبّ في هذا الخضمّ العظيم، والشارع يموج بالناس موجاً ويزخر بالخلائق، وكلهم يتطلع وينتظر وكلهم يسأل: متى يأتي الموكب؟ وعمال الشركة الأمريكية للسينما ماثلون بآلاتهم في الشرفات والزوايا ليصوّروا معالم الحياة في بغداد في ذلك اليوم المشهود. وإن البحر ليموج ويزخر، وإن أمواجه لتصخب وتضطرب، وإذا بالمعجزة قد وقعت فانشقّ كما انشقّ البحر لموسى، وإن كانت تلك معجزة لا يقع مثلها إلاّ لرسول. وانفتح الطريق فنظر الناس ونظرنا، فإذا الأعلام العربية تلوح بألوانها الأربعة التي تجمع شعار دول الإسلام: الأموية والهاشمية والعباسية، وترمز لفضائل العرب كلها: بِيضٌ صحائفُنا سودٌ وقائعُنا ... خُضْرٌ مرابعُنا حُمْرٌ مَواضينا وإذا الموكب قد لاح من بعيد كما يلوح الهلال الهادي،

стр. 1346

ويسطع كما يسطع نجم الأمل، وإذا موسيقاه القوية تدوّي في الآذان فيكون لها أثر في النفوس أحلى من نداء الحبيبة في نفس المحبّ المَشوق. فحبس الناس الكلمات ووقفوا الأنفاس، يتطلّعون ويترقّبون، والموسيقى تعلو والفتيان يتقدّمون حتّى وصلَت طليعتهم. فما استطاع ذو شعور إمساك دموع الفرحة والرقّة والتأثر أن تسيل، وارتجّت الأرض بالتصفيق والهتاف كما ارتجّت من قبل بهذه الموسيقى القوية المحبوبة وهذا النشيد، الذي يُسمَع من خلاله صوت المستقبل البارع وتلوح في أثنائه خيالات الماضي العظيم. وكان الفتيان أطهاراً مثل الزهر اليانع لدناً كأغصان الروض، ولكنهم كانوا أقوياء كدَوْح الغاب أشدّاء كأسود العرين، وكانوا يسيرون صفوفاً متعاقبة على عرض الشارع، مرفوعة رؤوسهم منتصبة قاماتهم موزونة خُطاهم، على أكتافهم بنادقهم وعدّة قتالهم. ما أحسست بالعجز مرّة عن الوصف كما أحسست بالعجز عن وصف ما رأيت ذلك اليوم. ومَنذا الذي يقدر على وصف هذا الشيخ الكبير العجوز ذي الشيبة السائلة على صدره، وهو يلحظ حفيده الصغير يحمل البندقية ويمشي مختالاً مزهوّاً يحلم بأمجاد المستقبل ويذكر ما درس من أمجاد الماضي، فلا يطيق هذا الشيخ منع الدموع أن تسيل من عينيه وتنحدر على لحيته البيضاء؟ إني لأسمعه يحمد الله على أن صار لبلاده جيش من أبنائها، ولم يكن يرى إلاّ جيشاً واغلاً دخيلاً من غير أبناء البلد.

стр. 1347

ومن ذا الذي يقدر على وصف هذه الأم التي أمسكت بيد طفلَيها الصغيرين وهما يتوثّبان ليلحقا بالموكب ليبصرا أخاهما الذي يمشي فيه، وطفقَت تدعو الله دعاء هامساً مخلصاً يتصعّد من خلال الزفرات أن يحفظ لها ابنها وأن يحفظ للبلد بنيه كلهم: "يا رب سلّم، ما شاء الله كان، يا ربّ سلّم" ... وتبكي؟ من ذا الذي يقدر أن يصف شارع الرشيد في ذلك اليوم؟ يا أيها الرشيد: قُم ترَ المجد الذي بنيته لا يزال قائماً، قُم ترَ الأحفاد قد نهضوا يسلكون طريق الأجداد، قم ترَنا لم نُضِع الأمانة ولم نُهلِك التراث، قُم ترَ مجد غازي يتّصل بمجدك كما اتصل الشارع بالشارع (أعني شارع الرشيد بشارع غازي فعادا مَهْيَعاً واحداً، وكان هذا الموكب قبل مقتل غازي). وعدت مرّة ثانية ففكرت في بلدي وأهلي، عدت فجأة. نحن هنا في فرحة والنارُ مشتعلة في فلسطين، والنار توشك أن تلتهب في الشام! أيّ مصيبة لم يرَها الشاميون من المستعمرين وأي خَطب لم ينزل بهم؟ أَمَا خرّب الأقوياء بلادهم ضرباً بالمدافع وقصفاً بالحديد وحرقاً باللهب، حتّى غدا ثلث دمشق خرائب وأنقاضاً من فعل المتمدّنين الذين انتدبَتهم جمعية الأمم ليمدّنونا وليعلّمونا كيف تكون الحضارة ويكون التقدم؟ أما أخذوا ذهبنا وأبدلونا به ورقاً أقفرَت به الخزائن وافتقر به ذوو الغِنى واليسار؟ أما قطّعوا البلاد حكومات وجعلوا من القرى دولات، وقسّموا الناس بَدداً ليجعلوهم طرائق قِدَداً؟ أما صبرنا على هذا كله؟ بلى، لقد صبرنا حتّى لم يبقَ في قوس الصبر منزع، واحتملنا ما لا

стр. 1348

يُحتمل، حتّى إذا نفد الصبر وبان طوق المحتمل هببنا هبّة الحليم إذا غضب. ويا ما أشدّ غضب الحليم! أنكون نحن هنا في فرحة، وقومنا في الشام في ألم؟ وكدت أشعر بالحزن في قلبي، ثم قلت: لا، إن هذا هو الجيش الذي يجب أن يفرح به قومي. إن بطولة العراق وفتوّة العراق صفحة من سِفْر المجد العربي، كما أن قضية فلسطين وجهاد دمشق ونهضة مصر صفحات منه أخرى. إن هذه كلها قوى متّحدة تتوجّه وجهة واحدة. ثم إن الشام لا يخاف شيئاً ولا يخشى. وماذا يخاف؟ الرصاص؟ لقد بلوناه وفتحنا له صدورنا. المدافع؟ لقد أعددنا لها منازلنا التي أعدنا بناءها بعدما خرّبوها وأحرقوها. اليتم والثكل؟ لقد تعوّده أبناؤنا وتعوّدَته أمهات أبنائنا. وكان جيش الفتوّة لا يزال يسير، والأرض ترتجّ بالموسيقى والنشيد والهتاف والتصفيق والدعاء والبكاء، فعاد الأمل إلى نفسي قوياً فقلت: ستتحقق آمال العراق بالوحدة العربية. ولمّا جاوز جيش الفتوّة شارع الرشيد واتجه إلى شارع غازي ماج البحر واضطرب وتدفّقَت وراءه الدموع، وأسرعت أنا إلى الأعظمية لأدرك صلاة الجمعة. كان هذا الموكب مظهر قوّة وكان علامة فتوّة، وكان شيئاً بهياً، ولكنهم أفسدوا جماله وشوّهوا صورته. إن في الموكب لنقصاً ظاهراً، إن فيه لعيباً أفسد رواءه وأضاع بهجته؛ لقد تلطّخ بالوحل بياضُه وتدنّس طهره. أفما كان بالإمكان أن يُقدَّم الموكب

стр. 1349

ساعة أو يؤخّر ساعة حتّى لا تضيع صلاة الجمعة على هؤلاء الفتيان كلهم؟ هذا هو النقص البيّن. فيا ليت الوزارة لم تنسَ ربها ودينها حين ذكرت وطنها وفتوّة أبنائها، يا ليتها ساقت هؤلاء الجنود كلهم إلى المساجد ليقيموا فيها الصلاة، أو لو أقاموها في الساحات وفي الشوارع؛ فإن أجدادنا ما غلبوا عدوهم إلاّ بالصلاة والالتجاء إلى الله، وهوان الدنيا وأهلها عليهم وابتغائهم إحدى الحسنيَين: الظفر بإعلاء كلمة الله أو الشهادة في سبيل الله. أفنحسب أننا نستعيض بالحديد والنار عن الإيمان؟ هيهات والله هيهات! ما النصر بالسلاح ولا بالذخائر وحدها؛ ما النصر إلاّ من عند الله. * * * الكلام الذي سردتُه هنا نشرتُه يومئذ في «الرسالة». وكان القائمون على وزارة المعارف قد جاهروا شيئاً بعد شيء بما كانوا يُضمِرون، وخلعوا الأقنعة شيئاً بعد شيء عن وجوههم التي كانوا يسترونها بها على عهد سامي شوكت في وزارة المعارف. ثم بيّنوا حقيقتهم وهي أنهم يعملون للقومية المجردة عن الدين، وأنهم يدعون للوحدة العربية على حساب الوحدة الإسلامية، وأنهم يقرّبون العربي الكافر على المسلم غير العربي. ووقع الضغط على الإسلاميين من المدرّسين، فمنهم من ساير وجارى ولجأ إلى المعاريض، وعالج الأمر باللين من غير أن يخرج على دينه أو يبدّل سبيله، وبعضهم أبى إلاّ الإعلان عن إسلاميته والتمسّك بها

стр. 1350

ومحاربة كل ما يخالفها. وكان أظهرُ هؤلاء الإسلاميين الذين لبثوا يعلنون إسلاميتهم ويحاربون القومية المنافية للدين، التي تريد أن تبدّل قول الله: ﴿إنّما المُؤمنونَ إخوةٌ﴾ وتحل محلّها «إنما العرب إخوة»، والدين نسب، فهم يريدون أن تختلط الأنساب وأن يصير الناس أمشاجاً لا تميز منهم مؤمناً من كافر. لبث ثابتاً على إسلامه الكثير، والذين أعلنوا وجهروا وما جَمْجَموا ولا لانوا ثلاثة: أخونا الأستاذ عبد المنعم خلاّف من مصر، وهو لا يزال حياً مدّ الله في عمره وله بنت هنا في المدينة المنورة، وأخونا الأستاذ أحمد مظهر العظمة الذي ذهب إلى لقاء ربه ﵀ وغفر له، والثالث هو كاتب هذه السطور، فكانت العاقبة أننا نُقلنا إلى الشمال. قالوا لنا: ما دمتم لا تفرّقون بين المسلم العربي والمسلم غير العربي فإن في شمال العراق أكراداً مسلمين، فاذهبوا فعلّموهم. نُقل الأستاذ عبد المنعم خلاف إلى السليمانية، فاستقال وأنهى عقده ورجع إلى مصر، ونُقل الأستاذ أحمد مظهر العظمة إلى إربل (وتسمى اليوم أربيل)، ونُقلت أنا إلى كركوك. * * * وقعَت لي حوادث لمّا جئت كركوك تتصل بموضوع القومية. ذلك أن مدير الثانوية في كركوك كان رجلاً طيّباً، وأذكر أن اسمه نجم الدين جلميران، من الموصل. فوزّع الدروس على

стр. 1351

المدرّسين وباشروا أعمالهم، وأنا قاعد عنده في غرفة الإدارة لا يكلّفني بعمل، وكلّما سألته: لماذا لا أقوم بعملي؟ كان يستمهلني ويجيئني بشتّى المعاذير ليصرفني عن دخول الصف. ثم علمت السبب؛ عرفت أن كل المدرّسين الذين جاؤوا قبلي لتدريس اللغة العربية كان الطلاّب الأكراد يقومون عليهم فلا يسلمون من ضربهم وإيذائهم. والطلاّب هناك ذَوُو بسطة في الأجسام وذَوُو قوّة، ولم يكونوا يعرفون هذه العصبية القومية ولم نكن نعرفها نحن. كنّا لا نعرف إلاّ أخوّة الإسلام، فقام الترك الاتحاديون أولاً فقالوا: تُرك، فقمنا نحن رداً عليهم فقلنا: عرب، فقام الأكراد فقالوا: كُرد ... ودعا كل شعب من شعوب المسلمين إلى جاهليته الأولى فصارت الأمة الواحدة مجموعة أمم. عرفت السبب وعلمت أنه إنما يحول بيني وبين التدريس خوفاً عليّ ممّا يتصوّر أنه يمكن أن يقع لي، فاغتنمت غفلة منه ودخلت أكبر الفصول، واخترقت مقاعد الطلاّب حتّى صعدت منبر التدريس. نظرت في وجوههم فإذا عيونهم محمرّة وإذا الغضب يبدو على سماتهم، وإذا هم يُضمِرون نية لا يستطيعون أن يُخفوا مظاهرها. فقلت لهم: اسمعوا الذي أقوله لكم يا أبنائي. كان العرب في جاهلية فبعث الله لهم محمداً ﵊ ليدعوهم إلى الله، ليدلّهم على طريق الجنّة، ليأخذ بأيديهم إلى صعود مدارج الفلاح والنجاح، وأنزل الله عليه قرآناً يقول له فيه: ﴿إنّما المؤمنونَ إخوةٌ﴾. فأنا ما جئت من بغداد إليكم لأعلّمكم العربية من أجل أهل بغداد ولا خدمة لهذه البدعة التي سَمّوها قومية.

стр. 1352

لا؛ ولكن جئت أعلّمكم العربية لأنها لغة نبيّكم محمد، ولغة الكتاب الذي أُنزِل على نبيّكم محمد، ولتجتمعوا به فتعود الأخوّة الإسلامية فتمحو هذه العادة الجاهلية. ألا تحبّون محمداً؟ قالوا: بلى، نحبه، ﵊. قلت: ألا تريدون أن تقرؤوا كتاب الله؟ قالوا: بلى، وإننا لنقرؤه. قلت: الله أمر بتدبّر القرآن، فكيف تتدبّرون القرآن إن لم تعرفوا العربية التي أنزل الله بها القرآن؟ فيا أبنائي، أنا ما جئت إليكم باختياري ولكنهم نقلوني عقوبة لي كما زعموا. لماذا نقلوني؟ لأنني أبَيتُ أن أدعو بدعوة الجاهلية، وهذه الدعوةُ التي تفرّق المسلمين وتجعل الأمة الواحدة أمماً دعوةٌ جاهلية. هذه التي قال عنها الرسول ﵊: «دعوها فإنها منتنة». فهل تريدون أن تتعلّموا العربية لتفهموا كتاب ربكم وأحاديث نبيّكم، أو أنكم تمشون مع هوى نفوسكم وتقابلون ضلالتهم بضلالة منكم مثلها أو أشدّ منها؟ أقسم لكم أن الطلاّب تأثّروا حتّى كادوا يبكون، ثم حملوني على أعناقهم وبدؤوا يهتفون لي. وكان المدير خائفاً عليّ، فلما رآني أدخل الصف ثم سمع التصفيق والهتاف ظنّ بأن الواقعة قد وقعت، فاستدعى الشرطة فحضروا وأحاطوا بغرفة الدرس وتهيّؤوا للدفاع عني والإمساك بالمعتدين، فرأوا بأنني خرجت محمولاً على الأعناق ولم أخرج مَدُوساً بالأقدام! لأنني أدعو إلى كلمة الله، وكلمة الله لا تكون أبداً إلاّ العليا.

стр. 1353

ووقعَت لي حوادث أخرى مشابهة لهذه دلّتني على أن المسلم يبقى مسلماً، وأن هذه الدعوات وهذه المذاهب طلاء خارجي لا يلبث أن يُمحى ولا يمكن أن يثبت وأن يقاوم العقيدة. فالعقائد لا تقاوَم أبداً. * * * ولمّا نُقلت من بغداد كتبت مقالة أودّع فيها بغداد قلت فيها (١): الوداع يا بغداد. يا بلد المنصور والرشيد، والنعمان وأحمد، والكرخي والجنيد، وأبي نواس والعبّاس، ومخارق ومطيع وحماد. يا منزل القُوّاد والخلفاء، والمحدّثين والفقهاء، والزهّاد والأتقياء، والمغنّين والشعراء، والمُجّان والظرفاء. يا مثابة العلم والتقى، واللهو والفسوق، والمجد والغنى، والفقر والخمول ... يا دنيا فيها من كل شيء، يا بلداً أحببته قبل أن أراه وأحببته بعدما رأيته. لقد عشت فيك زماناً مرّ كحلم النائم، صحوت منه على صوت الداعي يؤذّن بالفراق، فلم أجد منه في يدي إلاّ لذع الذكرى. وهل تخلف الأحلام -يا بلدُ- إلاّ الأسى والآلام؟ ودّعتها والسيارة تسرع بي إلى المحطّة، تسلك إليها شوارع ذات بهجة وجمال. وعاينت الوداع فأيقنت أني مفارق بغداد عمّا قليل، وأني سأتلفّت فلا أرى رياضها ولا أرباضها ولا أبصر

стр. 1354

دجلتها ولا نخيلها، فجرى لساني بقول الأول، وإن من الأقوال ما لا تبلى جدته ولا يمضي زمانه: أقولُ لصاحبي والعِيسُ تهوي ... بنا بينَ المُنيفةِ فالضِّمارِ تمتّعْ من شَميمِ عَرارِ نجدٍ ... فما بعدَ العَشيّةِ من عَرارِ وجعلت أذكرُ كَم ودّعت من أحباب، وكم فارقت من منازل، وكم قطّعت قلبي قطعاً نثرتها في أرض الله الواسعة التي لا تحفظ ذكرى ولا ترثي لبائس. ورأيتني لا أكاد أستقرّ في بلد حتّى تطرحني النوى في آخر، كنَبْتة لا تكاد ترسخ في تربة وتمدّ فيها جذورها حتّى تُقلع وتُنقل إلى تربة أخرى. ورأيت أني دخلت بغداد يوم لم يكن قد جاءها أحدٌ من أصحابي، فعشت فيها وحيداً مستوحشاً لا أعرف منها إلاّ المسجد (وما كان لمسلم أن يرى نفسه غريباً في بلد فيه مسجد، ولكنها العاطفة الضعيفة المتهافتة) فلما ألفتها وصارت بلدي وغدا لها في قلبي مكان نُفيت عنها: دخلنا كارهينَ لها فلما ... ألِفْناها خَرجنا مُكرَهينا وفكّرت في أمري: متى أُلقي رحلي ومتى أحلّ حقائبي، وهل كُتب عليّ أن أطوف أبداً في البلاد وأعيش غريباً وحيداً بعيداً عن أهلي وكتبي وصحبي؟ (إلى أن قلت فيها والمقالة طويلة): بغداد يا مهد الحبّ، وُلد الحب على جسرك الذي تحرسه العيون، وينمو في زوارقك ذوات الأجنحة البيض التي تخفق كخفَقان قلوب راكبيها، ويشبّ

стр. 1355

في كرخك وتحت ظلال نخيلك. فتشوا كم تحت هذا الثرى، ثرى بغداد، من بقايا القلوب التي حطّمها بسهام العيون هذا المخلوق الجبّار الذي وُلد على الجسر شاباً، ونما في الزورق، واكتهل في الكرخ والرصافة، ثم لم يَمُت لأنه من أبناء الخلود. سلوا أرض بغداد: أعندها خبر من شهداء الغرام؟ سلوا جوّ بغداد: أين النغمات العِذاب التي عطّرت نسيمه فهزّت قلوباً وهاجت عواطف، وأضحَكت وأبكت وأماتت وأحيَت؟ هل أضعت هذه الثروة التي لا تُعوّض؟ سلوا الجسر ... يا جسر بغداد، إن ما بقي من حديثك قد ملأ كتب الأدب حتّى لم يعرف الناس سوقاً للعواطف والأفكار والعِبَر أكبر من جسر بغداد، فأين سائر أخبارك؟ كم تركت حبيباً ينتظر فلا يرجع بعد الانتظار إلاّ بالخيبة والأسى؟ وكم عطفت على بائس منكوب وأعرضت عن منكود بائس، فأريت الأول من مشاهد الحياة ما هوّن عليه ما هو فيه وزدت الثاني بؤساً ونكداً! وكم وعيت من أسرار الحب والبغض، والفرح والحزن، والغِنى والفقر، والعزّة والذلّ، وكم رأيت من حصاد الأدمغة وثمرات العقول! كم اهتززت تحت أقدام خليفة كانت تُصغي له الدنيا إذا قال لأنه ينطق بلسان محمد ‘، وقائد كانت تخضع له الأمم إذا سار لأنه يلوّح بسيف محمد ‘ (إلى آخر ما قلت). وتلفّتّ ورائي فإذا بغداد قد اختفت وراء الأفق، وغابت مسارب الأعظمية التي تحاذي النهر، تتكشف عنه تارة فتضيء ثم

стр. 1356

تختفي في ظلال النخيل، كشاعر منفرد متأمل أو محب متغزّل يناجي طيف الحبيب ويسامر ليالي الوصال التي تلوح له صورها، والنهر يطلع عليها مرّة بصفحته البيضاء المشرقة التي تشبه أمنية بدت لحالم، ثم يحجبه عنها النخيل ويمحوه الظلام كما تمحو الحياة بواقعها الأحلام وتطمس صور الأماني. وغابت بغداد، فسلام على بغداد. * * *

стр. 1357

-١١٢ - كيف صرت ضابطاً ؟ قلت لكم إن وزارة المعارف على عهد سامي شوكت في العراق جعلت المدارس ثكنات وجعلت الطلاّب جنوداً. والجنودُ لا بد أن يُضبَط أمرهم وأن تُقاد جماعتهم، فمن أين يأتون لهذا العدد الكبير من الطلاّب بعدد يكفيه من الضبّاط ومن القادة؟ لم يجدوا أمامهم إلاّ المدرّسين. فجاؤوا بنا وقالوا لنا: كونوا ضبّاطاً. فلم نكن، لأن الله وحده هو الذي يقول للشيء كُن فيكون، أمّا البشر فإن عليهم أن يُعِدّوا الأسباب وأن يهيّئوا الوسائل حتّى يبلغوا بها ما يريدون. كانت العطلة الصيفية قد اقتربت، فأعطونا نوع القماش الذي تُفصَّل منه ثياب الضبّاط وأعطونا شكل الحلّة التي يلبسونها. وكان الزيّ المألوف يومئذ للضابط أن يعقد على وسطه نطاقاً عريضاً من الجلد، وأن يربط بجلدة أدقّ منه تصعد من فوق الكتف لتنزل من الظهر، فترتبط من الجهتين بهذا النطاق. وأن نلبس حذاء طويلاً يصل إلى الركبة. وقد صنعت ذلك، فأحسست لمّا لبست هذا الثوب كأنني

стр. 1358

الصنم الذي ورد ذكره في كتاب «كليلة ودمنة»؛ لا أستطيع فيه أن أهزّ رأسي لئلاّ تسقط السيدارة عنه، والسيدارة (كما تعرفون) لا تستر من الرأس إلاّ ربعه ولا تكاد تستقرّ فوقه، أو أنني أنا الذي لم أعرف كيف ألبسها. ولقد كان زكي مبارك رحمة الله عليه في العراق يلبس السيدارة معترضة (بالعرض)، كأنها قبعة نابليون، وهم يلبسونها مستطيلة (بالطول). وأشدّ منها هذا الحذاء. لقد بذلت جهداً في دمشق حتّى وصلت إلى حذّاء (كندرجي) يصنع أحذية الجند فأوصيته عليها، وكلّفَتني أربعين ليرة في تلك الأيام. وكان لبسها عملاً شاقاً، ولكن نزعها مصيبة. فلم أكن أستطيع (رغم أنهم علموني) أن أُخرج رجلي منها حتّى يأتي من يمسك بكتفي ويأتي آخر فيقبض على كلّ فردة منها، ثم يندفعان إلى الوراء فتخرج من رجلي وينقلب كل منهما على ظهره! ولست أدري ما الحكمة في اتخاذها ولماذا لم نكن نلبس -كما يلبس ضبّاط اليوم- حذاء عادياً؟ * * * أعود إلى ذكر كركوك. كركوك بلد صغير قائم على ظهر تلّ صناعي، والبلدة حولها سور وبيوتها قديمة متداخلة، ولكن العمران خرج من السور ونزل من فوق التلّ وانتشر في السهل. ركبت القطار من بغداد. وقطارات العراق مريحة وجيّدة، وكانت أرقى من قطارات فلسطين ومصر التي عرفتها في تلك

стр. 1359

الأيام. وقد ركبت هذا القطار من البصرة إلى بغداد ومن بغداد إلى كركوك. والمحطّات في العراق ملك للحكومة، وفي كلّ محطّة فندق ومطعم، أسعار المبيت في الفندق والطعام في المطعم محددة ورخيصة. ومن المحطّة إلى الشوارع القليلة المنتشرة في السهل طريق مستقيم، لا أستطيع الآن أن أقدّر طوله. ومكانة كركوك إنما جاءتها من آبار النفط. ولم يكونوا يستثمرون الغاز الطبيعي فكانوا يحرقونه، فيبدو في الليل شعلة طويلة لا تطفئها الأمطار، وإن كانت تحرّكها الرياح كأنها شمعات كل شمعة منها بمقدار منارة، وكان ضوؤها يصل إلى الفندق. وكان الفندق الذي نزلت فيه كأنه بيت من البيوت القديمة، ففي الغرفة حصير فوقه بساط، وفوق البساط سجّاد، وأثاثه ضخم، فيحسّ الإنسان فيه بجوّ البيت. وإلى جنب غرفتي كانت غرفة الدكتور عبد الحليم العلمي وإخوته رفاقنا: عبد الستار العلمي وكان أصغرهم، وعبد الباسط الذي ذهب إلى رحمة الله. هذه القلعة التي هي المدينة قائمة على تلّ صناعي، وإلى جنبها قلعة مثلها في إربل (أربيل) وقلعة في الموصل مثلها. وأكبر هذه القلاع وأعظمها وأبقاها إلى اليوم هي قلعة حلب، وإلى الجنوب منها قلعة حماة، وإلى جنوبيها قلعة حمص ... سلسلة من القلاع الصناعية التي تشمل بيوت الناس تكون ضمن السور لتدفع عنها هجوم الأعداء؛ هذه السلسلة أُنشئت أيام الخوف وفي عهود الاضطراب.

стр. 1360

سكان هذه المنطقة من الأكراد، والغالب عليهم التمسك بالإسلام واتّباع الطريقة النقشبندية، ولمشايخها منزلة بين الناس ولهم مقام كبير. عرفت جماعة منهم لهم تكايا (جمع تكيّة) هي أشبه بمدرسة وفندق مجّاني ومجتمَع لوجوه القوم، ولها أوقاف، فمَن شاء نزل فيها وأكل من طعامها ولم يرزؤوه شيئاً. وإن كان يقابل هؤلاء الشيوخ وأتباعَهم طبقةٌ جديدة من الشبّان أكثر أفرادها بعيد عن الدين، ومنهم من يميل إلى الشيوعية. وهذه هي النتيجة الطبيعية لبعدنا عن الطريق الواضح المستقيم، فالرسول ﵊ تركنا على بيضاء نقيّة على شارع ظاهر المعالم، مستقيم يوصل إلى الغاية، فإذا تركناه ضعنا، واتخذنا السبل التي تفرّقنا وتبعدنا عن غايتنا. * * * ممّا وقع لنا في كركوك أنهم لما جعلونا -معشر المدرّسين- ضبّاطاً أعطونا رُتَباً عسكرية بمقدار رواتبنا، فاستحققت رتبة «مقدم». وكنّا نلبس مثل لباس الضبّاط إلاّ أننا بدلاً من النجوم على الكتف نضع شرائط. وكان النظام العسكري يقضي بأن يسلّم عليّ الجنود في الطريق والملازمون من الضبّاط والنقباء وكلّ من هم دوني في الرتبة العسكرية، التي لبست لباسها واتخذت شعاراتها وما عرفت آدابها ولا فنونها. فحدّثت إخواني المدرّسين وسألتهم: ما رأيكم أن نطلب من القيادة أن تدرّبنا كما يُدرَّب المبتدئون من الجنود، حتّى نعرف كيف نمشي وكيف نقف وكيف نسلّم، وإذا عرفنا بعد ذلك شيئاً من فنون القتال وقواعد الجندية كان ذلك عوناً لنا إذا ألهمنا الله يوماً أن نكون من المجاهدين في سبيله؟

стр. 1361

قالوا: نِعْمَ الرأي. وانتخبوا وفداً منهم كنت فيهم، ذهبنا إلى قائد المنطقة وطلبنا إليه أن يختار لنا من يعمل على تدريبنا. فعجب من ذلك وسُرّ منه، وقدّره وشكرنا عليه، وبعث إلينا بأحد العرفاء أو الرقباء (لست أدري) ليعمل على تدريبنا. وكنّا مختلفين في الطول وفي السنّ، فمنا الشاب ومنا الكهل، ومنا السمين الذي يسير بطنه أمامه إذا مشى ومنا النحيل، فصفّنا تبعاً لأطوالنا، وبدأ يدرّبنا على الحركات العسكرية، يقول لنا: إلى اليمين دُرْ، ثم لا يدعنا نفكّر حتّى يقول إلى اليسار، ثم إلى اليمين واليمين، واليسار واليسار ... فما عدت أعرف يميني من يساري، وشعرت كأن الأرض تدور بي أو تلتفّ من حولي. حتّى صار أكثرنا إذا سمع الإيعاز بالدوران إلى اليمين دار إلى اليسار! فصبر علينا حتّى ضاق صبره عنّا فشتمنا، وقال كلمة معناها خبيث، وإن كانت مألوفة في العراق تمشي على ألسنة الناس. فذهبنا نشكوه إلى القائد. وكنت أنا المتكلّم في الوفد فقلت له: إننا نشكرك أن استجبت لطلبنا وبعثت إلينا مَن يدرّبنا، ولكنه لم يراعِ أعمارنا ومكانتنا وأننا مدرّسون لسنا طلاّباً مبتدئين، فهو يخاطبنا بألفاظ لا تليق بنا. قال: ماذا يقول لكم؟ قلنا: كلمة لا نستطيع أن ننطق بها، إنها من فاحش القول وبذيئه. قال: وما هي؟ وأصرّ على أن يعرفها، فقالها واحد منّا (وهي كلمة «قَوّاد»)، فضحك هذا القائد الكبير حتّى كاد يستلقي على قفاه وقال: "شنو فيها آغاتي"؟ وقرر لنا أنها كلمة عادية لا شيء فيها. قلنا: نعم. ولم نكن نملك أمامه إلاّ أن

стр. 1362

نقول نعم، لأن النظام العسكري لا يسمح لنا بمناقشته أو الردّ عليه. وسلّمنا وانصرفنا. * * * كنت أعيش في كركوك حياة هادئة، كالبِرْكة الساكنة لا يحرّكها شيء؛ أنام في الفندق، وأتغدى وأتعشّى في حديقته في مطعم تابع له. وكان معي من إخواننا طائفة تحسن معاشرتهم، وكان في أربيل القريبة منّا أخونا الأستاذ أحمد مظهر العظمة رحمة الله عليه. فكنت أزوره أحياناً وأجتمع إلى مَن فيها من المشايخ الذين صَحِبهم بحكم نشأته بين أمثالهم. وكنت أزور السليمانية، وفيها ابن عمّ لي هو الدكتور سامي الطنطاوي رحمة الله عليه. وقد نشأ معي وكان رفيق صباي، وكان ثالثنا الأستاذ حلمي حبّاب، الخطّاط المعروف، وكلاهما (أي سامي وحلمي) أخ لي من الرضاع. ولم أكن أجد في كركوك منغّصاً، ولكني رأيت الدنيا من حولي كأنها امرأة حامل قد دنا مخاضها، فالأوضاع فيها تُنذِر بانفجار كبير والجرائد تشير إلى ذلك. وقد تحقّق هذا فلم تمضِ إلاّ مدّة يسيرة حتّى كانت الحرب العالمية الثانية، ولم تمضِ إلاّ مدة قصيرة بعدها حتّى قام رشيد عالي الكيلاني بحركته المعروفة في العراق، وتعرفون تفاصيلها وما نشأ عنها. أما الشام فقد ذهبت إليها في العطلة الصيفية، أي قبل أن أسافر إلى كركوك، فوجدت الكتلة الوطنية التي كنت أعمل معها سنة ١٩٣١ قد تفرّق أعضاؤها، ولم يعُد ظاهراً في الميدان من

стр. 1363

أولئك الزعماء إلاّ واحد فقط هو شكري بك القوتلي رحمة الله عليه. وشكري بك عمل لوطنه بإخلاص، أنفق أكثر ماله في سبيل النضال، ولولا أن أخاً له تُوفّي وأورثه إرثاً كبيراً لكاد يفتقر. وكان شكري بك متديناً، وإن كان تديّنه كتديّن العامّة: يصلّي ويصوم ويؤدّي الفرائض ويجتنب الكبائر، ولكنه -مثل أكثر المسلمين- لا اطّلاع له على حقائق الدين وعلى أحكامه. لمّا ذهبت إلى الشام وجدت أنه لم يبقَ في ميدان النضال غيره، فمشيت إليه في داره في جادة الرئيس تحت الجسر الأبيض، وذكّرته بأنني جندي قديم كنت أقود الطلاّب جميعاً سنة إحدى وثلاثين حين كنت أكتب في «الأيام» عند الأستاذ عارف النكدي، فذكَرني الرجل ورحّب بي وتفضّل عليّ بما هو أهل له من الثناء والتشجيع، فعرضت عليه جهودي القليلة وطلبت منه أن يكلّفني بعمل لأنه لا يجوز أن نسكت وأن نقعد عن نضالنا في سبيل استقلالنا. فقال ما معناه بأنه حينما يكون مجال للعمل فإنه يستدعيني. ولم يمرّ إلاّ قليل حتّى كانت نكسة من هذه النكسات، وأقام الفرنسيون «حكومة المديرين»، أي أنهم عزلوا الوزراء وأبعدوهم وعطّلوا الحكم النيابي، وجاؤوا بمديري الوزارات فسلّموهم أمر إدارة الحكومة. وكان رئيس حكومة المديرين بهيج الخطيب، وهو قريب الشيخ فؤاد الخطيب الشاعر العربي الكبير الذي تعرفونه، وأحسب أنه أخوه ولا أؤكّد ذلك الآن (١). وهذه الأسرة

стр. 1364

من لبنان من بلدة شحيم وليست لها قرابة بآل الخطيب، الأسرة الدمشقية الكبيرة التي منها أمي ومنها زوجتي. وكان يلي أمرَ المعارف الأستاذ عبد اللطيف الشطي، ونسيت بقية أسماء المديرين الذين حلّوا محلّ الوزراء. كانت حكومة المديرين من حيث ضبط الأعمال واختصار النفقات حكومة ممتازة، ولكنها ليست حكومة وطنية ولا شعبية، كان الوزراء فيها هم المديرون. سمعت بهذا كله وأنا في كركوك، بعيد عن بغداد وبعيد عن الشام، ولا تكاد تصل إلينا الأخبار إلاّ متأخّرة. فضاق صدري واشتغل فكري، وخفت أن تقوم الحرب فينقطع ما بيني وبين إخوتي وأهلي، وكنت قد عقدت زواجي (عقداً فقط). ففكّرت طويلاً واستشرت كثيراً، ثم عملت ما ينبغي للمسلم أن يعمله بعد التفكير وبعد أن يستشير، وهو أن يستخير الله. والاستخارة المشروعة كان الرسول ﵊ يعلّم أصحابه كيف يعملونها وماذا يَدْعون فيها كما يعلّمهم سائر أحكام الدين. وليست الاستخارة كما يظنّ الجَهَلة قعوداً عن العمل ولا جنوحاً إلى الكسل، ولا هي من باب التعلّق بمغيّبات لم تتحقّق، بل إن سرّ الاستخارة أن طاقة الإنسان محدودة وأنه يرى أول الطريق ولا يبصر آخره، وأن الأسباب لا توصل دائماً إلى النتائج، لذلك كان علينا أن نبذل جهدنا كله وأن نُحكّم عقولنا وأن نستعين بعقول غيرنا، وهذه هي الاستشارة، ثم ندع الاعتماد كله على الله، ثم نقول ما معناه: يارب هذا جهدنا وهذا مبلغ علمنا،

стр. 1365

وأنت القادر على كل شيء والعالِم بالنتائج، فإن كان هذا الأمر الذي نفكّر فيه «خيراً لنا في ديننا ودنيانا ومعاشنا ومعادنا فيسّره لنا وهوّنه علينا، وإن كان شراً فاصرفه عنّا واصرفنا عنه، واقدر لنا الخير حيث كان ثمّ رضّنا به». أمّا الاستخارة بأن نذهب إلى إنسان آخر ونطلب منه أن ينام على نيتنا، وأن ينظر ما يراه في منامه فإن رأى ما يسرّ كان الأمر خيراً وإن رأى ما يضرّ كان الأمر شراً، فهذه ليست الاستخارة الشرعية. ربما يكون هذا الرجل قد أكل كثيراً فسبّب له الأكل عُسراً في الهضم، أو يكون مريضاً قد ارتفعت حرارته فرأى في منامه أضغاث أحلام، فما ذنبي أنا بها؟ وما العلاقة بينها وبين ما أفكّر فيه؟ أقول: إنني فكّرت واستشرت واستخرت الله، فانصرف قلبي إلى الاستقالة والعودة إلى دمشق، فاستقلت وسافرت. ولمّا دخلت انتخابات سنة ١٩٤٧ (وهي الغلطة الكبرى التي ارتكبتها في عمري، وسيأتي حديثها، وأراد الله لي الخير فلم أنجح فيها) كتب أحد خصومي في الجرائد يقول لي: هل نسيت ما فعلتَه في العراق ولماذا أخرجوك منه؟ وهذا أسلوب من أساليب الحرب القلمية لا يفعله ذو خلق وذو دين، ولكنه يؤثّر في الناس ويسوّئ سُمعة من يُقال عنه هذا الكلام، فتفضّل الصديق الوفيّ والأستاذ الكبير مدّ الله في عمره الشيخ بهجة الأثري فكتب رسالة يردّ فيها على أمثال هذا الرجل، ويشهد بأنني ما عملت في العراق إلاّ خيراً ولا تركت إلاّ أثراً طيّباً. * * *

стр. 1366

تركت العراق وعدت إلى الشام. ركبت القطار إلى حلب عن طريق تلّ كوشك، فلما وصلت حلب كان لي فيها اثنان: صديق العمر ورفيق الدراسة الشيخ مصطفى الزرقا، وحمي (حمي على وزن كلمة أبي وأخي، أي والد زوجتي) الأستاذ صلاح الدين الخطيب، وكان مستشاراً في محكمة الاستئناف. وكانت تلك أول مرّة أزور فيها حلب، فقلت لسائق السيارة: خذني إلى فندق مريح ومعروف. فأخذني إلى فندق بارون، وهو أقدم فنادق حلب وبقي أكبرها مدّة طويلة، وأحسبه أُغلِق من سنوات معدودة. ذهبت إليه وكان فيه رفيقنا في الدراسة الأستاذ وجيه السمّان الذي جمع بين العلم بالهندسة وبين الأدب، وهو خرّيج المدرسة المركزية (إيكول سنترال)، وقد صار من بعدُ المدير العامّ للكهرباء وصار أيام الوحدة وزير الصناعة وصار عميداً لكلّية الهندسة. فسألت عنه في الفندق فلم أجده. فسألت عن الشيخ مصطفى الزرقا فدلّوني على بيته، وكان وسط البلد في ساحة كبيرة مثل ساحة المرجة في دمشق، ولجهلي إلى الآن بمدينة حلب لا أعرف اسمها. فلم أجده فكتبت ورقة وقلت له فيها إنني في فندق البارون. ثم أردت أن أرى البلد وأن أُمضي الوقت فركبت خطوط الترام. وهذه أقرب وسيلة للغريب ليعرف البلد الذي نزله؛ أن يركب في سيارات النقل الجماعي أو في الترام فيقطع بها البلد، فيراها كلها ولا يضيع فيها لأنه يرجع إلى المكان الذي ركب منه.

стр. 1367

ولمّا رجعت إلى الفندق خبّروني أن الأستاذ الزرقا سأل عني، والعجب أنهم أنكروا وجودي في الفندق، لا تعمّداً منهم ولا جنوحاً إلى الكذب ولكنه سألهم عن «الشيخ علي الطنطاوي»، قالوا: ما جاء في الفندق أحد من المشايخ. قال: لقد وصل أمس وزارني وكتب لي هذه الورقة. قالوا: ما نزل عندنا بالأمس إلاّ ضابط من العراق. وظنّوني ضابطاً، فلما رأى اسمي قال: هذا هو. ذلك أنني لم أستطع أن أخلع هذا الحذاء العجيب من قدمي إلى اليوم الثاني، فتوضّأت ومسحت عليه لأنني مسافر وقد لبسته على طهارة. ولقيت الأستاذ الزرقا. * * * ذهبت فوراً إلى دمشق، وكنت قد كتبت إلى وزارة المعارف لأستعيد عملي في التدريس فصدر قرار الأستاذ عبد اللطيف الشطي ﵀ بتعيِيني أستاذاً معاوناً في مدرسة التجهيز، أي الثانوية الرسمية. وهي التي كانت تُدعى مكتب عنبر، فلما أنشؤوا لها هذه العمارة الضخمة الكبيرة على عهد الشيخ تاج الدين الحسني نقلوها إليها. باشرت التدريس فيها خلفاً لأستاذنا الإمام اللغوي الشيخ عبدالقادر المبارك. وكان من تلاميذي فيها جماعة نبغوا وصاروا أدباء وصار منهم قضاة، منهم الأخوان عبد القادر ونشأت سلطان، وعبد القادر سلطان هو الآن مستشار في محكمة النقض، ومنهم اثنان أخوان من أولاد شيخنا الشيخ المبارك هما عدنان وهاني. أمّا الأستاذ الدكتور مازن المبارك فهو أصغر منهما، ولمّا كنت

стр. 1368

أزور شيخنا الشيخ عبد القادر كان طفلاً صغيراً يدعوه إلى مجلسنا ليعجبنا من أجوبته ومن ذكائه ومن طلاقة لسانه، وهو الذي خلف أباه في العربية والاشتغال بها بعد وفاته ووفاة أخيه الأكبر رفيقنا الأستاذ محمد المبارك، رحمة الله عليهم جميعاً. وقعت لي في تلك السنة حوادث، كان أظهرها وأشهرها أنه جاء يوم ذكرى المولد النبوي، وكان الناس في الشام يقيمون الاحتفالات تُلقى فيها الخطب والمواعظ بهذه المناسبة، كما يقيمونها بمناسبة يوم الهجرة ومناسبة ذكرى بدر وذكرى فتح مكّة. وهذه الاحتفالات إذا ادّعى مُدّعٍ أنها من الدين وأنها قربة إلى الله قلنا له: لا، لأن الرسول ﵊ بلّغ الشريعة كلها ولم يترك باباً ندخل منه إلى رضا الله إلاّ دلّنا عليه وفتحه لنا. ومن ادّعى أن إقامة هذا الاحتفال وهذه الخطب وهذا التذكير في يوم المولد أفضل منه في غيره قلنا له: لا، لأن الأيام لا يفضل بعضها بعضاً إلاّ بدليل شرعي. وحكم هذا الاحتفال أنه إن كان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ونشر العلم، فهو مطلوب في كلّ وقت، غير أن تخصيصه بيوم معيّن -إذا ادّعي أن إقامته في هذا اليوم أفضل من إقامته في غيره- كان ذلك بدعة. والخلاصة أن الطلاّب أرادوا الاحتفال بذكرى المولد، ولم تكن في المدرسة على ضخامة بنائها وجدّتها قاعة كبيرة تتّسع للطلاّب جميعاً، فصار طلاّب كلّ سنة من السنين يُقيمون حفلة

стр. 1369

مستقلّة. وكان يدرّس اللغةَ العربية في الصف السادس الأستاذ ياسين طربوش، وفي الصف السابع بشعبه كلها أنا، وفي الصفّ الثامن والتاسع الأستاذ الشاعر محمد البزم، وكان يدرّسها في الصفوف العاشر والحادي عشر أستاذنا سليم الجندي. بدأ طلاّب الصفوف العليا بالدعوة إلى اجتماع لمحاضرات بمناسبة المولد، وكان من زملائنا في المدرسة مدرّسون كانوا من رفاقنا في الدراسة، منهم الأستاذ نظيم الموصلي وقد تُوفّي، وكان من زملائنا الأستاذ ميشيل عفلق، ولم يكن قد دعا بدعوته. فكتب خطبة ألقاها عنه زميله وزميلنا الأستاذ نظيم الموصلي، تضمّنَت هذه الخطبة تعظيماً للرسول ﵊ وتمجيداً له وذكراً لشمائله، ولكنه تكلّم عنه كما يتكلم عن عظيم من عظماء غير المسلمين. ما ذكر الرسالة ولا أشار إلى النبوّة، فكأنه يتكلّم عن عظمته البشرية فقط. ونظرت إلى الأستاذَين الحاضرَين: الشيخ محمد بهجة البيطار والأستاذ عزّ الدين التنوخي، فأنكرا بنظراتهما وبإشارة خفيّة من أيديهما، ولكنهما لم يتكلّما. وكنت يومئذ ألتهب حماسة، فما كان مني إلاّ أن وضعت كفّي على طرف المسرح الذي يخطبون عليه وقفزت فصرت فوقه، وأخذت بعنق ثوب الخطيب فجذبته ورميت به من فوق المسرح، فوقع على مَن في الصف الأول: على أستاذنا جودة الهاشمي وعلى إخوانه! واستلمت أنا مكبّر الصوت (الميكروفون) وردَدت عليه وتكلمت عن الرسول ﵊ باعتباره خاتم الأنبياء، وأنه بشر مثلنا ولكنْ يوحى إليه، وأن عظمته

стр. 1370

بالوحي ... وأمثال هذا الكلام. اضطربَت الحفلة وهاج الناس، وكثر المتكلّمون وخرجوا، وكانت لها عقابيل. أما الطلاّب فقد كتبوا عرائض وقّعوها، فكان أكثرهم عدداً معي وكانوا مؤيّدين لي، وكانت قلّة قليلة جداً منهم مؤيّدة له. وكنت عنيفاً في ردودي وفي مجادلاتي فشرعت أتكلم عنه (عن عفلق) في الدروس وأمام الطلاّب، وقلت لهم الكلمة التي انتشرت حتّى كادت تسير مثلاً من الأمثال على ألسنة الناس؛ قلت لهم: هذا الذي يدّعي العربية ونصرتها والدفاع عنها، ما فيه من العربية إلاّ أن اسمه مكتوب في القاموس المحيط (باب القاف فصل العين)، ورجعوا إلى القاموس وعرفوا معنى الكلمة! واجتمعت الجمعيات الإسلامية كلها، ونشرت منشوراً واحداً طبعَته ووزّعَته تأييداً لي ونصرة لموقفي، بل اجتمع على توقيع المنشور الذي أخرجوه قومٌ لم يجتمعوا قبل ذلك على أمر. عرفتم أنني لا أعتمد في كتابة هذه الذكريات على مذكّرات مكتوبة في وقتها، بل على ما بقي في ذهني منها وعلى الأوراق الرسمية بنقلي وتعييني التي ما زلت أحتفظ بها. وممّا أحتفظ به هذا المنشور، ولو كنت أكتب هذه الحلقة وأنا قريب من الجريدة لبعثت نسخة منه فنُشرت مع هذه الحلقة، ولكني أسجّلها وأنا بعيد عن أوراقي وكتبي؛ هي في مكّة وأنا أسجّلها في جدة، والأخوان في الجريدة جزاهم الله خيراً طاهر أبو بكر وحاتم، هذا ينقلها وله الفضل من الشريط إلى الكتابة وذاك يقرؤها عليّ، ثم يُعيد النظر في تصحيحها أخونا الأستاذ عادل الصلاحي، وهو
следующие страницы →