← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

تركت العراق وعدت إلى الشام. ركبت القطار إلى حلب عن طريق تلّ كوشك، فلما وصلت حلب كان لي فيها اثنان: صديق العمر ورفيق الدراسة الشيخ مصطفى الزرقا، وحمي (حمي على وزن كلمة أبي وأخي، أي والد زوجتي) الأستاذ صلاح الدين الخطيب، وكان مستشاراً في محكمة الاستئناف. وكانت تلك أول مرّة أزور فيها حلب، فقلت لسائق السيارة: خذني إلى فندق مريح ومعروف. فأخذني إلى فندق بارون، وهو أقدم فنادق حلب وبقي أكبرها مدّة طويلة، وأحسبه أُغلِق من سنوات معدودة. ذهبت إليه وكان فيه رفيقنا في الدراسة الأستاذ وجيه السمّان الذي جمع بين العلم بالهندسة وبين الأدب، وهو خرّيج المدرسة المركزية (إيكول سنترال)، وقد صار من بعدُ المدير العامّ للكهرباء وصار أيام الوحدة وزير الصناعة وصار عميداً لكلّية الهندسة. فسألت عنه في الفندق فلم أجده. فسألت عن الشيخ مصطفى الزرقا فدلّوني على بيته، وكان وسط البلد في ساحة كبيرة مثل ساحة المرجة في دمشق، ولجهلي إلى الآن بمدينة حلب لا أعرف اسمها. فلم أجده فكتبت ورقة وقلت له فيها إنني في فندق البارون. ثم أردت أن أرى البلد وأن أُمضي الوقت فركبت خطوط الترام. وهذه أقرب وسيلة للغريب ليعرف البلد الذي نزله؛ أن يركب في سيارات النقل الجماعي أو في الترام فيقطع بها البلد، فيراها كلها ولا يضيع فيها لأنه يرجع إلى المكان الذي ركب منه.

стр. 1367

ولمّا رجعت إلى الفندق خبّروني أن الأستاذ الزرقا سأل عني، والعجب أنهم أنكروا وجودي في الفندق، لا تعمّداً منهم ولا جنوحاً إلى الكذب ولكنه سألهم عن «الشيخ علي الطنطاوي»، قالوا: ما جاء في الفندق أحد من المشايخ. قال: لقد وصل أمس وزارني وكتب لي هذه الورقة. قالوا: ما نزل عندنا بالأمس إلاّ ضابط من العراق. وظنّوني ضابطاً، فلما رأى اسمي قال: هذا هو. ذلك أنني لم أستطع أن أخلع هذا الحذاء العجيب من قدمي إلى اليوم الثاني، فتوضّأت ومسحت عليه لأنني مسافر وقد لبسته على طهارة. ولقيت الأستاذ الزرقا. * * * ذهبت فوراً إلى دمشق، وكنت قد كتبت إلى وزارة المعارف لأستعيد عملي في التدريس فصدر قرار الأستاذ عبد اللطيف الشطي ﵀ بتعيِيني أستاذاً معاوناً في مدرسة التجهيز، أي الثانوية الرسمية. وهي التي كانت تُدعى مكتب عنبر، فلما أنشؤوا لها هذه العمارة الضخمة الكبيرة على عهد الشيخ تاج الدين الحسني نقلوها إليها. باشرت التدريس فيها خلفاً لأستاذنا الإمام اللغوي الشيخ عبدالقادر المبارك. وكان من تلاميذي فيها جماعة نبغوا وصاروا أدباء وصار منهم قضاة، منهم الأخوان عبد القادر ونشأت سلطان، وعبد القادر سلطان هو الآن مستشار في محكمة النقض، ومنهم اثنان أخوان من أولاد شيخنا الشيخ المبارك هما عدنان وهاني. أمّا الأستاذ الدكتور مازن المبارك فهو أصغر منهما، ولمّا كنت

стр. 1368

أزور شيخنا الشيخ عبد القادر كان طفلاً صغيراً يدعوه إلى مجلسنا ليعجبنا من أجوبته ومن ذكائه ومن طلاقة لسانه، وهو الذي خلف أباه في العربية والاشتغال بها بعد وفاته ووفاة أخيه الأكبر رفيقنا الأستاذ محمد المبارك، رحمة الله عليهم جميعاً. وقعت لي في تلك السنة حوادث، كان أظهرها وأشهرها أنه جاء يوم ذكرى المولد النبوي، وكان الناس في الشام يقيمون الاحتفالات تُلقى فيها الخطب والمواعظ بهذه المناسبة، كما يقيمونها بمناسبة يوم الهجرة ومناسبة ذكرى بدر وذكرى فتح مكّة. وهذه الاحتفالات إذا ادّعى مُدّعٍ أنها من الدين وأنها قربة إلى الله قلنا له: لا، لأن الرسول ﵊ بلّغ الشريعة كلها ولم يترك باباً ندخل منه إلى رضا الله إلاّ دلّنا عليه وفتحه لنا. ومن ادّعى أن إقامة هذا الاحتفال وهذه الخطب وهذا التذكير في يوم المولد أفضل منه في غيره قلنا له: لا، لأن الأيام لا يفضل بعضها بعضاً إلاّ بدليل شرعي. وحكم هذا الاحتفال أنه إن كان من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والدعوة إلى الله ونشر العلم، فهو مطلوب في كلّ وقت، غير أن تخصيصه بيوم معيّن -إذا ادّعي أن إقامته في هذا اليوم أفضل من إقامته في غيره- كان ذلك بدعة. والخلاصة أن الطلاّب أرادوا الاحتفال بذكرى المولد، ولم تكن في المدرسة على ضخامة بنائها وجدّتها قاعة كبيرة تتّسع للطلاّب جميعاً، فصار طلاّب كلّ سنة من السنين يُقيمون حفلة

стр. 1369

مستقلّة. وكان يدرّس اللغةَ العربية في الصف السادس الأستاذ ياسين طربوش، وفي الصف السابع بشعبه كلها أنا، وفي الصفّ الثامن والتاسع الأستاذ الشاعر محمد البزم، وكان يدرّسها في الصفوف العاشر والحادي عشر أستاذنا سليم الجندي. بدأ طلاّب الصفوف العليا بالدعوة إلى اجتماع لمحاضرات بمناسبة المولد، وكان من زملائنا في المدرسة مدرّسون كانوا من رفاقنا في الدراسة، منهم الأستاذ نظيم الموصلي وقد تُوفّي، وكان من زملائنا الأستاذ ميشيل عفلق، ولم يكن قد دعا بدعوته. فكتب خطبة ألقاها عنه زميله وزميلنا الأستاذ نظيم الموصلي، تضمّنَت هذه الخطبة تعظيماً للرسول ﵊ وتمجيداً له وذكراً لشمائله، ولكنه تكلّم عنه كما يتكلم عن عظيم من عظماء غير المسلمين. ما ذكر الرسالة ولا أشار إلى النبوّة، فكأنه يتكلّم عن عظمته البشرية فقط. ونظرت إلى الأستاذَين الحاضرَين: الشيخ محمد بهجة البيطار والأستاذ عزّ الدين التنوخي، فأنكرا بنظراتهما وبإشارة خفيّة من أيديهما، ولكنهما لم يتكلّما. وكنت يومئذ ألتهب حماسة، فما كان مني إلاّ أن وضعت كفّي على طرف المسرح الذي يخطبون عليه وقفزت فصرت فوقه، وأخذت بعنق ثوب الخطيب فجذبته ورميت به من فوق المسرح، فوقع على مَن في الصف الأول: على أستاذنا جودة الهاشمي وعلى إخوانه! واستلمت أنا مكبّر الصوت (الميكروفون) وردَدت عليه وتكلمت عن الرسول ﵊ باعتباره خاتم الأنبياء، وأنه بشر مثلنا ولكنْ يوحى إليه، وأن عظمته

стр. 1370

بالوحي ... وأمثال هذا الكلام. اضطربَت الحفلة وهاج الناس، وكثر المتكلّمون وخرجوا، وكانت لها عقابيل. أما الطلاّب فقد كتبوا عرائض وقّعوها، فكان أكثرهم عدداً معي وكانوا مؤيّدين لي، وكانت قلّة قليلة جداً منهم مؤيّدة له. وكنت عنيفاً في ردودي وفي مجادلاتي فشرعت أتكلم عنه (عن عفلق) في الدروس وأمام الطلاّب، وقلت لهم الكلمة التي انتشرت حتّى كادت تسير مثلاً من الأمثال على ألسنة الناس؛ قلت لهم: هذا الذي يدّعي العربية ونصرتها والدفاع عنها، ما فيه من العربية إلاّ أن اسمه مكتوب في القاموس المحيط (باب القاف فصل العين)، ورجعوا إلى القاموس وعرفوا معنى الكلمة! واجتمعت الجمعيات الإسلامية كلها، ونشرت منشوراً واحداً طبعَته ووزّعَته تأييداً لي ونصرة لموقفي، بل اجتمع على توقيع المنشور الذي أخرجوه قومٌ لم يجتمعوا قبل ذلك على أمر. عرفتم أنني لا أعتمد في كتابة هذه الذكريات على مذكّرات مكتوبة في وقتها، بل على ما بقي في ذهني منها وعلى الأوراق الرسمية بنقلي وتعييني التي ما زلت أحتفظ بها. وممّا أحتفظ به هذا المنشور، ولو كنت أكتب هذه الحلقة وأنا قريب من الجريدة لبعثت نسخة منه فنُشرت مع هذه الحلقة، ولكني أسجّلها وأنا بعيد عن أوراقي وكتبي؛ هي في مكّة وأنا أسجّلها في جدة، والأخوان في الجريدة جزاهم الله خيراً طاهر أبو بكر وحاتم، هذا ينقلها وله الفضل من الشريط إلى الكتابة وذاك يقرؤها عليّ، ثم يُعيد النظر في تصحيحها أخونا الأستاذ عادل الصلاحي، وهو

стр. 1371

الذي كتب الحاشية القيّمة عن القراءة التي يقرأ بها أهل السودان، فكان عليّ أن أذكر هذا ليُنسَب الفضل إلى ذويه. وكان ممّن ناصرني أشدّ المناصرة الأستاذ عبد الوهاب الأزرق، وكان يومئذ شاباً، وكان هو القائم على جمعية الشبّان المسلمين. والأستاذ الأزرق ذهب إلى رحمة الله، وقد كان قاضياً كبيراً، وكان يومئذ رئيس الجمارك العامّة، وكان يوماً رئيس القضاء العسكري. وممّن ناصرني أشدّ المناصرة جمعية الهداية الإسلامية التي يقوم بها ويقوم عليها شيخنا الشيخ أبو الخير الميداني، والأستاذ نقيب الأشراف السيد سعيد الحمزاوي، والشيخ عبدالقادر العاني، ﵏ جميعاً. والأخوان الكريمان رفيقا العمر الشيخ ياسين عرفة والشيخ كامل القصار. وكانت عاقبة ما فعلت أنهم نقلوني -عقوبةً- إلى دير الزور ونقلوا نظيم الموصلي إلى حلب، وسيأتي إن شاء الله الحديث عن ذلك. * * *

стр. 1372

-١١٣ - إلى دير الزّور من هون لأرض الدير ... ...................... والسرّ اللّي بينّا ... إيش وصّلو للغير؟ وانْ كان ما في وَرَقْ ... لاكتُبْ عَ جْنَاحِ الطيرْ وانْ كان ما في حبر ... بِدْموع عينَيّا هذا مقطع من الأغنية الشعبية التي كانت تمشي على كل لسان وتستريح إليها الآذان: «هيهات يا بو الزلوف ...». إنها من الفن الشعبي (الفلكلور)، أغنيات لا يملكها أحد ولا يحرم منها أحد. إنها كالشوارع والساحات، كالغابات والأنهار ... مَن يعرف بداية جريان الأنهار؟ من يعرف كيف نبتت في الغابات الأشجار؟ غابات الأرْز التي لم يدرك التاريخ بدايتها، الأشجار العمالقة في كليفورنيا التي سبقت إلى الوجود بني الإنسان (١)، هذه الثروة

стр. 1373

الفنية العامة: العتابا، والميجنة، والأبوذية، والنخلتين في العلالي اللتين صار بلحمها دوا، والعطاش الذين ينادي المنادي دائماً يدعو إلى سقياهم «اسق العطاش تكرما» ... أغانينا في الشام التي انبثقت من كل نبع يتفجّر من وراء الصخرة في لحف الجبل، ثم ينحدر متقلباً في أحضانه، ثم يسبح في بركة على سفحه، ثم يهيم مع السواقي الضائعة في الأودية المسحورة، يغسل أرجل الدوح في الغاب، سهوله وسوحه، لا يعرف أحد مبتداها ولا يمكن أن يعرف أحد منتهاها. وقد تَذيع أغانٍ حتى يُظَنّ أنها من هذا الفن الشعبي (الفلكلور) وما هي منه، كأغنية «يا مال الشام»، فشرط الفلكلور أن لا يُعرَف مؤلفه ولا ملحنه وهذه أغنية ألّفها ولحنها أبو خليل القباني. * * * وأنا ما جئت اليوم أتكلم عن هذا الدير الذي أُلِّفت فيه وفي الأحبة من ساكنيه الأغنية التي افتتحت بها المقال، ولا عن الأديِرَة التي تحدث عنها ياقوت وأورد بعض ما قيل فيها من بارع الأشعار، يوم كان الدير مهوى أفئدة الشعراء الفسّاق والفتية العشّاق، لا يؤمّونه لعبادة وتبتّل، بل يؤمّونه للهو البريء منه والمتهَم. الدير الذي أقصده هو دير الزور؛ المحافظة السادسة في سورية بعد محافظات دمشق وحلب وحمص وحماة واللاذقية، المحافظة التي كانت أيام الفرنسيين منفى لكل مغضوب عليه من

стр. 1374

الموظفين؛ المدينة العراقية التي وُضعت في الجمهورية السورية كما أن الموصل بلدة شامية سكنت جمهورية العراق (وما في الإسلام عراق غريب عن الشام، كلهن أخوات شقيقات في الأسرة الواحدة التي هي أسرة أهل القرآن)، يشهد بذلك أبنيتها ومسالكها، وعادات أهلها وثيابهم ولهجاتهم. اذهب إلى الموصل ثم إلى حلب، هل تحس أنك قد انتقلت من بلد إلى بلد؟ وزر الدير وأخواتها المنثورات على شط الفرات، راوة وعانة إلى البوكَمال، هل بينها من فرق؟ قلت لكم إني نُقلت عقوبةً إلى الدير إثر ما كان بيني وبين نظيم الموصلي وعفلق، والمسافة على الأرض بين دمشق ودير الزور لا تقل عن المسافة بين دمشق وبغداد، ولكن السفر إلى بغداد (كما عرفتم) كان بسيارات كبيرة أُعدت لهذه الرحلة الطويلة، وكان فيها الماء البارد وفيها بعض وسائل الراحة، أما السفر من دمشق إلى الدير فكان بسيارات كالسيارات التي تنقل الناس إلى ضواحي دمشق وإلى الأقضية القريبة منها، لا استعداد فيها ولا راحة ولا سعة في المكان. ولقد كتبت مقالات نشرتها عن هذه الرحلة فلا أُعيد ما فيها، ولو أردت إعادتها لما وصلت إليها لأنني أُملي هذه الحلقة وما عندي شيء من كتب ولا أوراق. كتبت تلك المقالات بقلم الأديب وابتغيت فيها مسايرة الفن، أما الذي أكتبه اليوم عنها فإنه وصفٌ لما وقع لا أريد منه إلا أن أذكر ما كان. وهل أستطيع ذلك؟ وأنّى لي به وأنا لا أعتمد إلا على ذاكرة لم تُبقِ منها الأيام إلا ما يبقى من الدار العامرة التي عصف بها الدهر ومشت عليها

стр. 1375

السنون، فلم يبقَ من منازلها ودورها إلا أنقاض وأطلال! كانت السفرة إلى الدير سنة ١٩٤٠، وأذكر أن موعد السفر كان بعد صلاة الفجر. تواعدنا على أن نصليها في جامع يَلبُغا في ساحة المرجة التي كانت أكبر ساحات دمشق، هذا المسجد الكبير الذي سرق العثمانيون نصفه الشمالي فجعلوه مدرسة دَرَستُ فيها سنة ١٩١٨، وجاؤوا الآن يريدون أن يسرقوا ما بقي منه سرقة مبطنة فيبنوا بناءً عالياً، يجعلون بعضه للمسجد والباقي لما لا يأتلف مع رسالة المسجد وربما أسخط من تُبنى له المساجد. وهذا مشروع قديم عارضته مرات لمّا كنت في الشام وكان لي لسان وكان صوتي مسموعاً وكان كلامي مؤثراً، ولست أدري الآن مَن يحول بينهم وبين هذا العدوان. صلينا الفجر في المسجد وذهبنا إلى السيارة (١) لتمشي بنا، ولكنها مواعيدنا! وأين منها مواعيد عرقوب التي ضُرب المثل بها؟ هل عندنا موعد نفي به؟ هل تُنصَب المائدة في الوليمة في الساعة المحددة لها؟ هل يبدأ الحفل في موعده؟ هل نعمل شيئاً في وقته؟ هذه سيرتنا في أمورنا الخاصة بنا والعامة بيننا، في دورنا وفي أسواقنا وفي سلمنا وحربنا، لولا هذا التسويف والتأجيل ولولا إخلاف المواعيد ما ضاعت منا فلسطين! لم تتحرك بنا السيارة إلا بعد ثلاث ساعات. دخلناها فإذا

стр. 1376

هي ضيقة مقاعدها صغيرة، لا يستطيع المرء أن يمشي بينها، وقد ملؤوها على ضيقها بالأكياس وبالسلال والحقائب حتى لم يبقَ فيها مكان لإنسان. سارت بنا إلى دوما فمررنا على الجانب الشمالي من الغوطة، يوم كان في الدنيا غوطة، يوم لم تأكلها العمارات ولم ندفنها حية تحت أساس هذا البنيان. ثم على الكروم التي كانت تمتدّ أكيالاً (كيلومترات)، فيها العنب الدوماني الذي لا نظير له في الدنيا والذي يُصنع منه «الدبس»، وهو أخو العسل ليس له ميزاته ولكن له طعمه ولذته وفيه بعض غذائه، فذهبت الآن هذه الكروم، ما أدري أي آفة أصابتها حتى أحرقتها وأماتتها. وكنا حين نذهب إلى بغداد ننعطف يميناً إلى أبي الشامات، فذهبنا الآن قُدُماً إلى الثنايا، وفيها «ثنيّة العقاب» التي نزل منها خالد في رحلته العظيمة التي تؤلّف وحدها باباً في التاريخ العسكري في سرعة الانتقال وبراعة القيادة (١). ثم أخذنا طريق حمص ثم انعطفنا إلى تدمر والقريتين، وكان هذا الطريق هو الذي نسلكه إلى دير الزور. * * * كانت هذه السفرة في الشتاء وكان شتاء بارداً، وقد طال علينا السفر وتجمّدت أعضاؤنا من شدة البرد ومن ضيق المكان

стр. 1377

ومن قلة الحركة، ومللنا وضجرنا، ولكن لا سبيل إلى الخلاص، فقد كنا كالمصفَّدين بالأغلال لا نملك حرية ولا نستطيع حراكاً. وأذكر أننا وصلنا إلى شفير واد صغير ممتلئ بالسيل، يهدر هدير بردى في الوادي قديماً، تصطخب أمواجه ويعلوه الزبد ويضرب ماؤه الضفتين. ولم نكن نمشي على طريق (وما كان يومئذ إلى دير الزور ولا إلى بغداد طريق معبد)، فحرنا ماذا نعمل، واختلفت آراؤنا: أننتظر حتى ينقطع السيل أم نخوضه بسياراتنا حتى نبلغ الضفة الثانية فنكمل طريقنا؟ ثم غلب رأي المغامرين (وكنت واحداً منهم) فهجمنا بالسيارة نريد أن نقطع الوادي السائل، فما كادت السيارة تتوسطه حتى وقف محركها ولم يعد يملك سائقها لها شيئاً، وصرنا كأننا في جزيرة عائمة بالماء يضرب جوانب السيارة ويكاد يدخل إلينا، بل لقد دخل فغمر أرضها ولم يعلُ عنها، فلم يبق إلا أن ننزل فنغوص في الماء وندفعها دفعاً. وكان إلى جانبي شرطيّ من أسرة كبيرة في حي الميدان ما فتئ الطريق كله يصدّع رأسي بذكر أعماله الوطنية التي نَفَوه من أجلها إلى دير الزور ويقصُّ عليّ من أنباء بطولته وإقدامه، فلما جاء الجِدّ وكان الامتحان وأقبلنا ننزل لندفع السيارة بقي في مكانه، فقلت له: ألا تقوم معنا؟ قال: إنني مريض! وبدأ يتوجّع ويتأوّه ويستميل قلبي لأن الماء يضره، فهددته بأن يقوم وإلا ألقيناه في الماء. فتأخر ولم يتقدم وأبى أن يقوم، فقصصت قصته على الركاب وأمرتهم

стр. 1378

أن يحملوه ويلقوه في الماء، فحملوه وهو يحرك يديه ورجليه ويحرك لسانه بسبنا وشتمنا، فألقيناه في الماء ليشتغل معنا. وهذا جزاء من يقول ولا يفعل، ويدّعي ولا يثبت، ويزعم أنه بطل ثم يتبين أنه بطّال. عملنا أكثر من ساعة ونصف ساعة حتى أخرجنا السيارة من الوادي، ولكن ابتلت ثيابنا، ولم يكن معنا ثياب أخرى نستبدلها بها، وخفت أن يؤذيني البرد وأنا في هذه الثياب المبتلة. وكان ذلك ليلاً، فلما أضاء النهار وطلعت الشمس قلت: نقعد في الشمس لعل الثياب تجف، ولكنها كانت شمساً ضعيفة وكان شعاعها بارداً في هذه الأيام من الشتاء، فبقيت بالثياب المبتلة فأعقبَتني رثية (روماتيزم) آذتني مدة طويلة. مررنا بتدمر ورأينا أعمدتها وآثارها الجليلات الباقيات. وتدمر مدينة مسحورة كأنها من مدن ألف ليلة وليلة، لو أن متتبعاً جمع تاريخها ودوّن أخبارها لكان من ذلك سِفْر عظيم من أسفار التاريخ. تدمر التي كانت فيها الزبّاء ... أو زنوبيا أو زينب، فلست أدري ما اسمها على التحقيق وليس لها قيد في سجل الأحوال المدنية حتى أستخرجه وأعرف اسمها الثلاثي! تدمر هذه التي تدهش الناظر إليها بعظم أعمدتها التي تشبه أعمدة بَعْلَبك وإن كانت أصغر منها بقليل، صارت يوماً من الأيام منفى لمن يغضب عليه الحكام. كانت قصوراً زاهرة فصارت سجوناً الداخلُ إليها مفقودٌ والخارج منها (ومن يخرج منها؟) مولود! * * *

стр. 1379

وبلغنا دير الزور. وكانت يومئذ (أي قبل ست وأربعين سنة) بلدة صغيرة ما فيها إلاّ شارع واحدة، في هذا الشارع فندق صغير نزلت فيه فبتُّ ليالي. وأنا أكره حياة الفنادق، لم أحبها قط وكنت طول عمري أهرب منها، فسألت إخواننا أن يجدوا لي أسرة تؤجّرني غرفة أعيش فيها، فقالوا بأن المسلمين لا يؤجرون غرفة في دورهم لرجل أجنبي، ولكن في البلد حياً اسمه الجبيلة فيه قوم من النصارى ربما وجدت عندهم ما تريد. واستأجروا لي غرفة عند أسرة فيها زوج وزوجة وطفلان، قوم مهذبون ذوو أخلاق أقمت عندهم قليلاً، ولكن كرهت الحي فعرضت عليهم أن أستأجر أنا داراً أختارها وأدفع أنا أجرتها وأسكنهم معي فيها، وأدفع لهم نصف نفقات الطعام والشراب على أن يقدم لي الطعام مُعَدّاً. فقبلوا، واستأجرت داراً في جزيرة بين فرعَي الفرات يسمونها «الحويقة» (لأن الماء يحيق بها من جهتيها). وكانت داراً جميلة تدخل منها إلى بستان واسع فيه أشجار عليها الثمار، وإلى يمينك غرفتان فيهما مرافقهما يقابلهما ثلاث غرف، أي أن هذه الدار تشتمل على بيتين، فسكنت أنا في الجهة اليمنى وأسكنت الأسرة التي انتقلت معي إلى الجهة الأخرى. ولم أُصادف الزوج أبداً، أما الزوجة وأطفالها فربما كنت ألقاهم، وكنت أغدو على المدرسة صباحاً بعد أن يُعَدّ لي الطعام وتوصله الطفلة إلى باب الغرفة، فإذا رجعت وجدت غدائي مُعَدّاً على مائدة صغيرة فأكلت منه ثم دخلت إلى الغرفة الداخلية فنمت فيها، فإذا انتهت القيلولة وخرجت وجدت الطعام قد رُفِع والشاي قد حل مكانه.

стр. 1380

بقيت أيامي كلها في دير الزور مع هذه الأسرة، لم أشكُ منها شيئاً ولم أجد منها إلا خيراً. وكان الذي يتولى أمري ويساعدني على نيل كل ما أريد هو الشيخ حسين السراج رحمة الله عليه، كان لي في دير الزور كما كان الأستاذ الشيخ بهجة الأثري في بغداد، وكما كان قبلهما الأستاذ بكر الأرفلي في سلمية. وقد لقيت في دير الزور إخوة كراماً أجلاّء وأساتذة فضلاء، منهم القاضي الشيخ عبدالقادر مُلاّ حويش الذي صار -من بعد- صديقاً كريماً، وكان يسمر عنده جماعة من أفاضل أهل البلد يقرأ عليهم تفسيراً له اشتغل بتأليفه مدة طويلة (وأحسب أنه طبعه)، فكانوا يسمعون التفسير ويتحدثون، وربما لعبوا الشطرنج، ولأهل الدير براعة في لعبه. وممن عرفت فيها محمد العايش، وهو نائب دير الزور في المجلس النيابي وصار في وقت من الأوقات نائب رئيس المجلس، وكانت له منزلة بين رجال الحكم والسياسيين كما كان مثلها لبعض أمثاله من نواب الأطراف، منهم حكمت الحراكي نائب المعرة (معرّة النعمان)، وآل الحراكي هم وجوه المعرة ومقدَّموها، ومنهم آل نظام الدين: عبد الباقي نظام الدين وتوفيق نظام الدين، وأحسب أنهم من القامشلي في شمال الجزيرة، ولعل رئيس تحرير هذه الجريدة (١) منهم، ومن حوران وجبل الدروز جماعة من أمثال هؤلاء. وممن عرفت في دير الزور الشيخ سعيد العرفي خطيب

стр. 1381

الجامع الكبير، وقد كنت لقيته في مصر لما كان هارباً من الفرنسيين ومقيماً فيها، وكان صديقاً لخالي محب الدين الخطيب وذلك سنة ١٩٢٨، وقد صار يوماً رئيس المجلس الإسلامي الأعلى في دمشق، وكان متكلماً خطيباً جريئاً وله كتابات. ومنهم تاجر كبير في الدير من آل الهنيدي، مسكنه في الحويقة التي اتخذتُ داراً فيها على يمين السالك من الجسر الصغير على فرعَي الفرات إلى الجسر الكبير العظيم على الفرع الآخر. * * * أما المدرسة الثانوية التي نُقلت إليها فأذكر أنها كانت قريبة من مدخل المدينة من جهة الشام، وقد مُحيت من ذهني صورتها ولم يبقَ منها إلا بقايا، كان مديرها أستاذٌ فاضل من حلب اسمه بهجت الشهبندر، وكان معنا فيها رفيق لنا في الدراسة في مكتب عنبر كان بعدي بسنة واحدة (أي أنه كان رفيقاً للأستاذ محمود مهدي الإسطنبولي الكاتب المؤلف السلفي) هو الأستاذ أحمد عبود الفتيّح، وكان بين المدرسين رجل من دمشق مهذب كريم الخلق نسيت اسمه أحسبه صار -بعد- مفتش الرسم في المدارس الرسمية في دمشق. عرض عليّ مرة أن يصوّرني، فأخذ لوحة من الخشب وأخذ أصابع الألوان وبدأ يرسم وأنا قاعد أمامه، لم يقس طول وجهي وعرضه ولم يقدّر أبعاده ولم يرسم بقلم رصاص خطوطاً تحدد ملامحه، بل أخذ أصابع الألوان وبدأ يرسم بها رأساً، فلم تكن إلا جلستان حتى جاءت الصورة بمقاييسها وألوانها مطابقة لصورة وجهي! لا أعني أنها مثل الصورة الشمسية (الفوتوغرافية) بل أعني أنها جاءت مطابقة من غير مسوّدة ولا

стр. 1382

مقياس، وأحسب أنها لا تزال موجودة عندي في الشام ... ويقول أهل الخبرة إنها صورة فنية. لا أذكر من تلاميذي في هذه المدرسة أحداً لقِصَر مدتي فيها، فما أقمتُ في دير الزور إلا أشهراً معدودة، إلا أنني كنت مرة أسجّل في جدة حديثاً للإذاعة وكان وزير الإعلام يومئذ فيها، وكان الوزير هو الشيخ جميل الحجيلان، فقابلته فرحّب بي وأكرمني وجعل يصفني بأنني أستاذه، فأخذت ذلك على أنه تواضع منه وتكرم وشكرته عليه. قال: لا، بل كنتَ أستاذنا حقيقة. قلت: أين ومتى؟ قال: في دير الزور سنة ١٩٤٠، ثم ذهب يقرأ عليّ بعض ما كنت أشرحه من قصائد ومقطوعات في درس الأدب العربي! ولست أدري متى كان معالي الشيخ جميل في دير الزور ليكون طالباً في ثانويتها، ولكن الذي أدريه أن ذكر ذلك منه وهو وزير يدل على سمو في النفس وعلى كرم في الطبع. وجاءت عطلة نصف السنة فقلت أقضيها في الشام (١)، فأعددت عدة السفر ووضعنا أمتعتنا في السيارة وهممنا بالمسير، ثم رأينا بأنه لم يبقَ لموعد الصلاة إلا قليل، وكان اليوم يوم الجمعة، فاقترحنا أن تقف السيارة بباب المسجد فنصلي ثم نمتطيها ونتوكل على الله. ووافق على ذلك الركاب جميعاً، فلما دخلت المسجد جاءني الشيخ حسين السراج ﵀ فقال: إن

стр. 1383

القوم يطلبون أن تلقي فيهم خطبة قبل أن تسافر. وكانت باريس قد سقطت في أيدي الألمان وكانت الاضطرابات قد عادت إلى الشام، فقلت له: أنت تعلم -يا شيخ حسين- أنني كالقنبلة التي لا يمسكها أن تنطلق إلا مسمار صغير، وأخاف أن تطغى بي الحماسة فأقول ما لا يناسب المقام، فإلى أي مدى يسمح لي الموقف بالكلام؟ فضحك وقال: قل ما تشاء، فالمجال أمامك فسيح. ألقيت خطبة من تلك الخطب النارية التي كان لها الأثر الكبير في نفوس الناس، غير أنها لم تكن مكتوبة فضاعت في المئات من الخطب التي ألقيتها ثم نسيتها ونسيها الناس، وأرجو أن يبقى لي شيء من ثوابها عند الله. لا أذكر من هذه الخطبة إلا جملة واحدة قلت فيها: لا تخافوا الفرنسيين فإن أفئدتهم هواء، وبطولتهم ادعاء، إن نارهم لا تحرق ورصاصهم لا يقتل، ولو كان فيهم خير ما وطئت عاصمتَهم نعالُ الألمان. كنت أحسب الناس في الدير مثل إخوانهم في دمشق؛ يخرجون بالمظاهرات يصيحون فيها ويهتفون ... ولم أكن أعلم أنهم مثل أهل بغداد، مظاهراتهم إعصار فيه نار، وزلازل تُدَمِّر وبراكين تنفجر! خرج الناس من المسجد يريدون أن يَصِلوا إلى الفرنسيين فيحطموهم، وجاءت الشرطة والجند لتمسك بي لأن المستشار (الكولونيل العسكري) أمر بالقبض عليّ، ولكن هذه الأمواج من الناس الثائرين حالوا بيني وبينهم فقنعوا من الغنيمة بالإياب، واستمرت هذه المظاهرات تمشي مع السيارة ... هل قلت تمشي؟ لا، بل إنها تهبُّ هبَّ العواصف وتطغى طغيان

стр. 1384

الموج العاتي، حتى بلغنا آخر البلد ومشت سياراتنا، وتركنا الناس وهم يهتفون وتصنع بهم الحماسة صنيعها. ولما وصلنا القريتين وتدمر كان قد جاء الأمر بالهاتف لكل منهما بالقبض عليّ، ولكن ركاب السيارة -لِماَ بقي في نفوسهم من أثر الحماسة وما فيها من روح الإسلام وسلائق العرب- وقفوا بيني وبينهم حتى بلغت دمشق سالماً. * * * بعد أيام من وصولي إلى الشام استدعاني وزير المعارف، وكان الأستاذ محسن البرازي ﵀ الذي عرفته في كلية الحقوق معيداً وأنا طالب فيها، ثم انتهى به الأمر أن قُتل مع حسني الزعيم. دخلت عليه فاستقبلني مرحّباً وآنسني بالكلام، ثم قال لي: كأن هواء دير الزور لم يوافقك فهل تحب أن تستريح أياماً؟ فقلت في نفسي: أتجاهل لأعرف ما الذي يريده. فقلت: لا؛ إن هواء دير الزور وافقني جداً وصحتي بحمد الله صحة حسنة. قال: أرى أن تستريح أياماً بعد هذا السفر الطويل. قلت: لا يا سيدي، لا أحتاج إلى راحة وسأرجع في نهاية العطلة النصفية. قال وقد نزع عن وجهه القناع: بلا كلام فارغ ... ما بدهم إياك! (أي أن المستشار الفرنسي يرفض عودتي إلى الدير)، فكان ذلك خيراً أراده الله لي. قلت: كيف أبقى هنا بلا عمل؟ قال: نمنحك إجازة مرضية. قلت: ولكني لست مريضاً. فضحك وقال: سنختار لك مرضاً ترضاه. * * *

стр. 1385

-١١٤ - دخولي في القضاء المكان: دمشق، التاريخ: سنة ١٩٤١م. أنا رسمياً مريض في إجازة، ولكني في الحقيقة صحيح ما بي من مرض إلاّ هذا المرض السياسي الذي فُرض عليّ، ولطالما أمرضَت السياسةُ ناساً كثيراً، ولكن ما شفت أبداً مريضاً. ثابرت على ما كنت فيه من الكتابة في الصحف اليومية، والمشاركة في أحداث البلد، والخطابة في المجامع وفي المساجد، والكتابة في مجلّة الرسالة. وقد توطّد مكاني فيها وصرت في الطبقة الثانية من كُتّابها، بعد الزيات والعقّاد والرافعي وطه حسين والمازني، وربما قُدِّمَت مقالتي على مقالة زكي مبارك، وهو أَكْتَبُ مني وأحلى أسلوباً. لمّا رأيت ذلك انتسبت إلى نقابة المحامين، أي أنني صرت محامياً. ومهنة المحاماة ليست سائبة، ولا هي عمارة بلا بوّاب يدخل إليها من شاء، ولكنها مهنة لها شروط، فلا يكون محامياً إلاّ من حمل إجازة الحقوق وتدرّب مُدّة سنتين في مكتب محامٍ من الأساتذة. وكنت قد نلت الشهادة منذ ثماني سنوات، فاضطُررْت

стр. 1386

إلى الانتساب إلى مكتب الأمير بهجة الشهابي والأستاذ إحسان الشريف، وكان في المكتب رفيقنا في مكتب عنبر الأستاذ محمد الجيرودي. وكان نقيب المحامين يومئذ أستاذنا العبقري سعيد المحاسني، فقدّمت أوراقي إلى النقابة ودفعت رسم الانتساب، ولكني لم أرافع إلاّ في قضايا قليلة جداً، كذب عليّ المدّعي في إحداها فبنيت دفاعي على كلامه الكاذب، فلما تبيّن كذبه امتلأت خجلاً من القاضي. وكان القاضي هو الأستاذ صبحي القوّتلي الذي تشرّفت بزمالته في محكمة النقض، وأشهد أنه من أفضل القُضاة ومن أعقلهم ومن أعدلهم. وممّا ينغّص على المحامي عملَه أن يُعِدّ دفاعاً قوياً يستند فيه إلى الأدلّة القانونية والحُجَج المنطقية فلا يجد من القاضي إلاّ الإعراض عنه، وربما قصر فهمه عن إدراك ما جاء فيه. فتيقّنت أنني لا أصلح للمحاماة ولا تصلح المحاماة لي. * * * ربما كان لمصادفة صغيرة أثر في حياة الإنسان كبير. هي مصادفة بالنسبة إلينا، ولكن هذا الكون الذي وضع الله لكل شيء فيه أسباباً وربطه بنظام مُحكَم وقدّر كل ما فيه تقديراً دقيقاً ليس فيه مصادفات. هي مصادفة بالنسبة لنا، ولكنها عند الله خطّة مرسومة ومدوّنة في اللوح المحفوظ. كنت أسكن في حيّ المهاجرين على سفح جبل قاسيون،

стр. 1387

وكنت تلك الليلة في سهرة في الشام. ونحن نطلق اسم «الشام» على البلدة القديمة فقط، فمَن كان في حيّ الميدان أو كان في المهاجرين يقول: نزلت إلى الشام. وكذلك يُطلِق المصريون اسم «مصر» على البلدة القديمة فيقول مَن في شُبْرا: أنا نازل إلى مصر. وإن كان اسم الشام ومصر أعمّ في أصل اللغة وأوسع. جئت بعد انقضاء السهرة أريد أن أركب الترام ليصعد بي إلى بيتي في الجبل، فتأخّر، فوقفت في ساحة المرجة التي كانت تلتقي فيها خطوط الترام (قبل إلغائه ونزع خطوطه). وطال وقوفي فمللتُ، وجعلت أنظر حولي فوجدت إعلاناً مهترئاً على عمود الكهرباء أمام بناية «العدلية» القديمة. فقرأتُه، فإذا هو دعوة لحَمَلَة إجازة الحقوق للدخول في القضاء. نظرت في التاريخ فرأيت أنه لم يبقَ على آخر موعد لتقديم الطلب إلاّ يومان اثنان، فتركت الترام وأخذت عربة فذهبت إلى رفيقي محمد الجيرودي، ولم يكن قد تزوّج فكان يقيم في غرفة مستأجَرة عند أسرة نصرانية. فطلبت منه الكتب والمراجع وسألته أن يدلّني على طريق الاستعداد لهذا الامتحان. وكان الامتحان صعباً جداً؛ كلّ ما درسناه في كلية الحقوق نُطالَب به في هذه المسابقة لدخول القضاء، وأول ما طُلب منّا «المجلّة» (مجلة الأحكام العدلية). وكانت المجلة هي القانون المدني الذي نحكم به، وضعَتها في أواخر القرن الماضي لجنة من كبار علماء الدولة العثمانية كان منهم السيد علاء الدين عابدين (ابن صاحب «الحاشية»)، وكانت جامعة لأبواب الفقه

стр. 1388

ففيها أحكام البيع والإجارة والوكالة والكفالة وفيها باب في أصول المحاكمات، وكانت لها مقدّمة في مئة مادّة تتضمّن القواعد العامّة في الفقه، كقولهم: «الأصل براءة الذمّة»، «القديم يبقى على قِدَمه»، «العِبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني» (١). وكنّا قد درسنا «المجلّة» مقسَّمةً على سنوات الدراسة في كلّية الحقوق، وكان مدرِّسنا الأستاذ سعيد المحاسني. وفي «المجلّة» نحو ألف وثمانمئة مادّة قانونية، ولولا أنها اقتصرت على المذهب الحنفي فقط، ولو أنها أخذت من المذاهب الأربعة، أو لو أن واضعيها اعتمدوا على الدليل وعلى ما يلائم روح العصر ولم يتقيدوا بالمذهب الحنفي ولا بغيره من المذاهب الفقهية، لكانت هي القانون المدني المنشود، لِحُسْن سبكها ودقّة تعبيرها، وإيجازها وبلاغتها وشمولها وإحاطتها (وإن كان العثمانيون نسفوا -بعدُ- أكثرَها بالمادّة ٦٤ من قانون «أصول المحاكمات المدنية»). وكان عليّ للدخول في هذه المسابقة أن أراجع «المجلّة» كلها، وعندي لها شروح كثيرة: شرح الأستاذ سعيد المحاسني، وشرح باز، وشرح الأتاسي، وهو شرح فقهي قيّم. وكان عليّ-ثانياً- أن أؤدّي الامتحان في أصول المحاكمات الحقوقية (وتُسمّى في مصر أصول المرافعات المدنية). وكان عليّ -ثالثاً- أن

стр. 1389

أدرس قانون الجزاء (قانون العقوبات) وما طرأ عليه من تعديلات، وأن أدرس بعد ذلك أصول المرافعات الجزائية (أي الجنائية)، ومجموعة أخرى كبيرة من القوانين والنظم وقرارات المفوض السامي، الذي كان يملك وحده السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. السلطات الثلاث كانت مجموعة بشخص المفوض السامي، أي أنه كان أوسع سلطاناً من رئيس جمهورية فرنسا ومن رئيس مجلسها النيابي ومن رئيس مجلس قضائها الأعلى معاً! لقد أعطاني الأخ محمد الجيرودي ما أحتاج إليه من الكتب، فحملتها وذهبت إلى داري على أن أقدّم الطلب صباح الغد، ولكن اعترضني أنّ من جملة الشروط أن يكون الطالب قد أكمل مُدّة التمرين في المحاماة، وهي سنتان، وأنا لم أكمل تلك المدّة. فحِرْت ماذا أعمل، ولكن الله إذا أراد أمراً هيّأ أسبابه ويسّر وسائله، وذلك أنّ وزارة العدل لمّا وجدَت المتقدّمين لهذه المسابقة قلّة ووجدَت عددهم دون العدد المطلوب سهّلَت الأمر فألغت هذا الشرط، وسمحت لكل من يحمل إجازة الحقوق بدخول المسابقة ومدّدَت مدة تقديم الطلبات عشرة أيام. كأن الله أراد لي دخولها فأزال كلّ عائق أمامي، فقدمت الطلب وقُبلت في المسابقة. وكان بيني وبينها أمد نسيت الآن مقداره، فذهبت إلى بيتي وأغلقت عليّ بابي، وانقطعت عن الناس تماماً فلم أتصل بأحد. وكنت قد تزوّجتُ (وسيأتي خبر زواجي) ووُلد لي، فحالت زوجتي بين الناس وبيني أن يشغلوني، فعكفت على هذه الكتب وهذه القوانين، وفرّغت عقلي ووقتي لها

стр. 1390

فلم أشتغل بغيرها، حتّى إنني أحطت بموادّ «المجلّة» كلها حفظاً عن ظهر قلب (وهي -كما قلت- ١٨٠٠ مادّة) وبقوانين الأصول وقرار حقوق العائلة الذي كان قانون الأحوال الشخصية في تلك الأيام، وزدت على ذلك فبحثت فيه مادّةً مادةً وبيّنت من أين استُمِدّت موادّه، فما كان منها من المذهب الحنفي عرفته لأنني تفقّهت من صغري في المذهب الحنفي، وما كان مأخوذاً من المذهب المالكي (وهو كثير) سألت عنه الشيخ الكافي والصديق الفقيه الأديب الأستاذ عبد الغني الباجقني رحمة الله عليهما، فأرشداني إلى مكان وجوده في كتب الفقه المالكي المعتمَدة. ووجدت فيها مادّة تخالف المذاهب كلها، بل تخالف الكتاب والسنّة، فجعلت من عملي الحملة عليها في كل مكان والسعي لإبطالها وإلغائها، حتّى وفّق الله إلى ذلك يوم وضعتُ أنا مشروع قانون الأحوال الشخصية السوري الذي يُطبّق الآن في سوريا. تلك المادّة هي أنه لا يجوز لأحد أن يزوّج البنت التي لم تكمل التاسعة من العمر، فإن زوّجها كان هذا الزواج باطلاً لا يُعتَدّ به ولا يكون له أثر معتبَر. ألقيت بعد ذلك محاضرات وكتبت مقالات أحمل فيها على هذه المادّة، وأقول إنها تقتضي اعتبار عقد الرسول ﵊ على عائشة بنت أبي بكر عقداً فاسداً، لأن الرسول ‘ عقد عليها وهي بنت سبع سنين. وجاء يوم الامتحان ولم أكمل استعدادي، فأتمّ الله نعمته عليّ فأُجّل الامتحان لأن المتقدّمين كانوا أقل من العدد المطلوب، فجدّدت استعدادي وعكفت مرّة أخرى على هذه القوانين وهذه النظُم حتّى ظننت أنني استكملتها حفظاً وفهماً.

стр. 1391

ودخلت الامتحان، وكنت فيه -بحمد الله- من أوائل الناجحين، وعُيّنت قاضياً شرعياً في منطقة النَّبْك. كان القاضي الشرعي يومئذ في مصر يختلف وضعه عن القاضي المدني؛ لأنه متخرّج في الأزهر والقاضي المدني في كلّية الحقوق، ولأنه لا اطّلاع له على القوانين الأجنبية واللغة الأجنبية. أما الوضع عندنا في الشام فعلى غير ذلك؛ إذ كان كل من القاضي المدني والقاضي الشرعي يُشترط فيه أن يكون حاملاً إجازة الحقوق، ولا يحملها إلاّ من أكمل الدراسة الثانوية ونال شهادتها، ولا يكملها وينال شهادتها إلاّ من عرف لغة أجنبية وأتقنها، فلم يكن في الحقيقة فرق كبير في سوريا بين القاضي الشرعي والقاضي المدني. لذلك كان من المألوف عندنا أن يُنتدب القاضي الشرعي للقيام بعمل حاكم الصلح (أي القاضي الجزائي) وأن يكون عضواً في محكمة البداية (المحكمة الكبرى) أو مستشاراً في محكمة الاستئناف. نجحت في الامتحان وعُيّنت قاضياً، ولكنني لم أسارع إلى استلام العمل بل طلبت من الوزارة أن تُمهِلني شهراً. لا لألعب فيه وأستمتع ولا لأسافر وألهو، بل لأواظب في المحكمة الشرعية في دمشق حتّى أعرف المعاملات كلها: ابتداء من عقد النكاح وحصر الإرث وتنظيم الوصيّة، إلى الحكم في قضايا الإرْث والزواج والوقف ... كان وزير العدل الزعيم الوطني زكي الخطيب، وقد مرّ ذكره لمّا تكلمت عن حسن الحكيم، وقلت إنهما من أنزه مَن

стр. 1392

عرفت بلادنا من السياسيين ومن أنظفهم. وزكي الخطيب هو ابن عم أمي، لكنني لم أستغلّ هذه القرابة بيني وبينه بل طالبت بحقّ قانوني، فأمهلني شهراً كنت أواظب فيه على المحكمة الشرعية. وكان الذي يرشدني ويدلّني أخونا الأستاذ صبحي الصباغ الذي كان بعدي في كلية الحقوق، والصديق الأستاذ الشيخ أنيس الملوحي، وقد تُوفّي ﵀. لم أدع معاملة ولا قضية يمكن أن تَرِد على المحكمة إلاّ بعد أن عرفت طريقة تقديمها وأصول النظر فيها؛ ذلك أنّ القاضي الذي يتسلم عمله وهو غير مطّلع على ذلك يتحكم فيه رئيس الكُتّاب ويصرّفه كما يشاء، وأنا لا أريد أن يتحكم بي من هو دوني (ولا أريد أن أشمخ بأنفي على من هو دوني). ذهبت إلى النَّبْك. والنبك في اللغة جمع نَبْكة، والنبكة هي الأرض المرتفعة. وقضاء النبك في ذروة جبل من جبال لبنان الشرقية ترتفع عن سطح البحر أكثر من ألف وخمسمئة متر، وإلى جنبها يَبْرود، وهي أعلى منها وأجمل منظراً وأكثر ينابيعَ وعيوناً، وكلاهما مَصِيف مقصود. أهل النبك يقيمون في منطقة جبلية لا زرع فيها ولا ضرع، فهم يذهبون إلى أمريكا لا سيما الجنوبية منها، لذلك تجد بينهم أغنياء وتجد بينهم فقراء. * * * كانت أول قضية قابلَتني قضية ضخمة جداً، إضبارتها تعدل في عدد صفحاتها جزأين من القاموس المحيط لا جزءاً واحداً.

стр. 1393

وكان كبار المحامين يأتون من دمشق للنظر فيها، وكانت قضية إرث على مبلغ كبير. فتهيّبتها ولم أعرف من أين أبدأ النظر فيها، وبقيت ليالي أسهر عليها، أخشاها فلا أمدّ يدي إليها. ثم وجدت أنه لا بد من دراستها، فقرأت مئات من صفحاتها، ثم خطر لي خاطر هو أن أبدأ الدعوى من أولها، فقرأت الادّعاء فوجدت المدّعي يقول بأن القاضي حصر الإرث في فلان وفلان إلخ، فأعطاه أكثر ممّا يستحقّ. رفعت يدي عن الأوراق متعجّباً؛ إنها دعوى غير صحيحة، لأن الدعوى الصحيحة هي التي يطلب فيها المدّعي طلباً مشروعاً ليُحكَم له به على خصمه، وهذا لا يطلب شيئاً، لا يقول أعطَوني أقل ممّا أستحقّ فأكملوا لي استحقاقي، بل يقول: إن الذي أخذتُه أكثر ممّا أستحقّ فأطلب تعديل الحكم. وعجبت كيف خفيَت هذه الحقيقة الظاهرة على مَن نظر في الدعوى قبلي من القضاة، بل كيف خفيَت على كبار المحامين الذين كانوا يأتون من دمشق إلى النبك، مسافة ثمانين كيلاً، ليحضروا الجلسة ويُدلوا بما لديهم من دفوع! وشككت في نفسي، فرجعت إلى قراءتها مرّة ثانية لعلي كنت مخطئاً، فوجدت بعد الإعادة والتكرار أن الدعوى من الأصل غير صحيحة، أي أنها عِمارة من عشرة أدوار أُقيمت على غير أساس! فأويت إلى فراشي مطمئناً، ونمت مسرعاً على خلاف عادتي، لأن الغالب عليّ أن أتقلب في الفراش، تتصادم الأفكار في رأسي يضرب بعضها بعضاً فيوقظني من غفوتي، لكنني في

стр. 1394

تلك الليلة نمت وفكري مستريح. وأصبح الصباح وغدوت على المحكمة، وجاء المحامون الكِبار، ولا أحبّ أن أسمّيهم لأن منهم من مضى إلى رحمة الله ومنهم من صار متقاعداً. والمحامون أمام القاضي الجديد كالطلاّب الكبار مع المعلّم الجديد: تكون معركة خفيّة بين الفريقَين، المحامون يريدون أن يعرفوا قوّة هذا القاضي من ضعفه، وعلمه من جهله، وحزمه من لينه، ففاجأتهم بقرار: "سُئل الطرفان عن كلامهما الأخير". وهذا القرار إنما يكون بعد استيفاء المرافعات في آخر الدعوى ليُعلن بعده ختام المحاكمة ويصدر الحكم. فتعجّبوا، واعترضوا عليّ وتعالت أصواتهم، وحسبوا أنني قاضٍ ضعيف لا يدري ما يقول. ولكني أخذتهم بالحزم، وأفهمتهم أن هذا قرار لا يجوز لهم الاعتراض عليه إلاّ بعد ختام الدعوى واستئنافها أمام محكمة أعلى. فسكتوا على مَضَض ينتظرون ماذا سيكون مني، يتوقّعون أن يسمعوا قراراً يتّخذونه نكتة بينهم، يتندّرون به على وزارة العدل التي تُقيم في القضاء مَن لا يعرف أصول القضاء، فإذا القرار: "لمّا كان الادّعاء مَنوطاً بالمصلحة، وكان المدّعي لا مصلحة له في هذا الادعاء ولا يطلب شيئاً لتحكم المحكمة له به، لذلك أقرّر ردّ الدعوى (أي رفضها) لِما ذكرت، حُكماً قابلاً للتمييز (أي لمراجعة محكمة النقض) ". انتهت المحاكمة. ونظرتُ إليهم فإذا هم مثل الذي يصحو من حلم عجيب. لقد تنبّهوا إلى أنهم كانوا يسيرون في طريق لا

стр. 1395

يوصل! ويضحكون من أنفسهم ويهنئونني على هذا القرار. وذهبوا فحدّثوا به في الأوساط القضائية في الشام، فكان -والحمد لله- خير ابتداء لعملي في القضاء. * * * التقسيمات الإدارية في سورية تتبع ما كانت عليه الحكومة العثمانية، فتتألف من أقضية، و «القضاء» هو أصغر هذه الأجزاء الإدارية، ومن مجموع الأقضية تكون «الولاية» (أو «المحافظة» كما سُمّيَت الآن)، ومن مجموع المحافظات تكون الحكومة. فالقضاء صورة مصغَّرة للحكومة بوزاراتها كلّها، يَرئسها (١) قائم المقام وهو ممثّل وزارة الداخلية، يليه -تبعاً للتشريفات العثمانية- القاضي الشرعي، ثم حاكم الصلح، ثم مدير المال (ممثل وزارة المالية)، والطبيب الذي يمثِّل وزارة الصحّة، وممثّل المصرف الزراعي ووزارة الزراعة، إلى آخره. أي أن لكل وزارة من الوزارات ممثّلاً من قِبَلها يمثّلها في القضاء. وجدت الموظفين يجتمعون كل ليلة عند قائم المقام. وكان قائم المقام يومئذ في النبك رجلاً إدارياً قديماً من حيّ القيمرية في الشام، مهذّباً رقيق الحاشية يحسن معاملة الناس، ولكنه بعيد عن جوّ العلم والأدب. ووجدت الأحاديث في هذه المجالس تافهة لا منفعة منها، بل لا متعة فيها، فأعرضت عنها. وانتقيت جماعة

стр. 1396

من الموظفين، على طريقة الشيخ سليمان الجوخَدار (الذي تقدّم الكلام عنه) وجعلنا نقرأ كتاباً ونتحدث حديثاً علمياً، نحدّد موضوعه قبل الجلسة. وانضمّ إلينا جماعة من أفاضل أهل البلد منهم شابّ (أو يومئذ كان شاباً) متخرّج في المدرسة الخسروية في حلب، بعمامة بيضاء هو الشيخ عبد الفتاح مالك الذي صار من كبار موظفي الأوقاف، وعلمت أنه غدا متولي الجامع الأموي في دمشق والمشرف عليه. وكان الشيخ عبد الفتاح هذا يلازمني ويكون معي دائماً، وكنت أطمئنّ إليه وأُسَرّ بأسئلته وبما يخوض فيه من موضوعات علمية نافعة، وكان يعينني على ما لا أستطيع النهوض به من شؤون الحياة، لأنني عشت عمري كله وأنا لا أحسن بيعاً ولا شراء ولا أعرف كيف أخالط الناس وأداخلهم. وقضاء النبك -على قلّة أهله- مترامي الأطراف بعيد الجنبات، فكان يصعب على من في السهل أن يصعد الجبل إلى النبك لحضور المحاكمات، فجعلَت وزارة العدل يوماً في الأسبوع ينزل فيه القاضي وحاكم الصلح إلى «القطيفة». وطريق حمص طوله مئة وستّون كيلاً ولكنه مقسّم من القديم إلى محطّات، في كل محطّة قلعة وخان كبير كان يقوم يومئذ مقام الفنادق في هذه الأيام، يستريح فيه المسافر ويأمن فيه على نفسه وماله. في نصف الطريق تقوم النبك على بُعد ثمانين كيلاً من الشام، وما بين الشام والنبك، في نصفه، قرية القطيفة، وبين النبك وحمص في نصف الطريق قرية حسية على بعد أربعين كيلاً من حمص؛ أي أنه كان يقوم بعد كل أربعين كيلاً خان ومحطّة ومركز للحكومة.

стр. 1397

كان حاكم الصلح يومئذ رجلاً أعرفه من أيام المدرسة، كان سابقاً لي في الدراسة، وكان أكبر مني سناً وهو من أسرة كبيرة في الشام، ذكيّ من أذكى الأذكياء ولكنه كان يستعمل ذكاءه في الباطل، فلم يكن قاضياً عادلاً بل كان مائلاً يميل مع مصلحته ويدور حيث دارَ القرش، فكانت الشكوى منه مستمرّة، يهمس بها الناس همساً خوفاً منه ولا يقدرون على مجابهته بها، بل إنهم يَجْبُنون عن رفع شكواهم إلى الحكومة خوفاً من انتقامه، لقوّة شخصيته ومضاء عزيمته وشدّة ذكائه وكبر أسرته. وكان وزير العدل -كما قلت- زكي الخطيب، ثم تبدّلت الوزارة وصار مكانه القاضي الكبير الحلبي راغب الكيخيا (وأصل كيخيا: كتخدا). وكان عندي محاضرة في جمعية التمدّن الإسلامي حُدِّد وقتها وموضوعها قبل تبديل الوزارة، وكان موضوع المحاضرة «ماضي القضاء وحاضره». تعبت عليها جداً وراجعت كتباً كثيرة جداً حتّى استخرجت قواعد أصول المرافعات من كتب الفقه الإسلامي، وكان يمكن أن يكون منها كتاب جامع لولا أني أهملتها حتّى اختلطَت أصولها وضاع أكثرها، وما أكثر ما أضعت من أمثالها (١). وحضر إلقاءها الوزيران: الوزير المستقيل زكي الخطيب والوزير الجديد راغب الكيخيا، وحضرها كبار القضاة منهم حَمي (أي والد زوجتي) القاضي صلاح الدين الخطيب. أعجبَت المحاضرةُ السامعين وقام الوزيران فأثنيا عليها

стр. 1398

واحداً بعد واحد، ونشأت على إثْرِها صلة بيني وبين الوزير الجديد راغب بك، حتّى إنه عمل على إذاعة هذه المحاضرة من الإذاعة مجزّأة كلّ أسبوع، فكان كل أسبوع يرسل إليّ سيارة الوزارة لتأتي بي من النبك إلى دمشق لألقي قسماً منها. ولم تكن للإذاعة عمارة خاصّة بها، بل كانت في غرفة من بناء الهاتف الآليّ. وجدت من الأمانة أن أُعلِم الوزير بما عليه الحال في القضاء (قضاء النبك)، تخليصاً لذِمّتي لا قدحاً بزميلي ولا طعناً به، وقد قلت له ذلك بعد تردّد طويل وبعد أن وزنت الأمرَين (أمر السكوت وأمر الكلام) بميزان الشرع ثم بميزان العقل، فرجح عندي وجوب الكلام. ورجعت إلى مقرّ عملي. وكان نزاعٌ بيني وبين حاكم الصلح على كاتب من كُتّاب المحكمة اسمه أحمد عبد المالك، هو يريد أن يأخذه إلى محكمته وأنا أريد أن أبقيه في محكمتي. وكان يتباهى أمام الناس بأن له سلطاناً في الحكومة فلا تَردّ له طلباً، فجئت بقرار من نائب الجمهورية بإبقائه عندي فسعى لإبطال هذا القرار، فجئت بقرار من النائب العامّ نفسه. ومرّت أيام وإذا بي أتلقّى ليلاً برقية سرّية من راغب بك الكيخيا (لا تزال موجودة عندي بأصلها الرسمي وخاتمها) وفيها: «تَقرّر كفّ يد حاكم الصلح. تولّوا أنتم أمر المحكمتين. راغب الكيخيا». ذهبت صباح اليوم التالي إلى محكمة الصلح فوجدت غرفة الحاكم مغلَقة، فقلت لرئيس الكُتّاب: افتحها. فتردّد وقال إنه

стр. 1399

لا يستطيع حتّى يشرّف البك، فأريته البرقية، فاستخذى وفتح لي الغرفة، وقعدت على كرسي الحاكم. وكان للحاكم وسطاء معروفون في البلد، أحدهم نائب المنطقة في المجلس النيابي وآخر من المحامين، يأخذون من الناس ويدفعون إليه. فلما دخل الأول ورآني تجمّدَت رجلاه فلم يتقدّم، وسأل الناسَ: ما الحكاية؟ فاستدعيتُه وقدّمت إليه كرسياً وقلت له: تفضّل. فقعد، ودعوت له بالقهوة ثم سألت: هل لك يا أبا فلان عمل في المحكمة لأساعدك على إنجازه؟ قال: لا. قلت: هل يمكن إذن أن أعرف لماذا كان حضورك إليها؟ فلم يستطع الجواب. فقلت له بلطف: أرجو ألاّ تفعل ذلك مرّة ثانية لأنني لا أفتح الباب إلاّ لصاحب عمل، للمدّعي أو المدّعَى عليه أو للشهود في الدعوى، أو لمن له معاملة رسمية. ثم جاء المحامي الذي يعمل لحساب الحاكم فقلت له مثل ذلك. وأجّلت القضايا كلها حتّى أدرسها وعكفت عليها أنظر فيها، أميّز حقّها من باطلها، فلم تمضِ إلاّ مُدّة يسيرة حتّى أدرك القريب والبعيد أن المحكمة قد نظفَت وخلَت بحمد الله من كل ما يخالف الشرع أو القانون، وانتفت منها الشفاعات والوساطات والرشوات. لقد كسبت عداوات ناس أقوياء ولكنني أرضيت الله، والله أقوى منهم، ومن ابتغى رضا الله بسخط الناس رضي عنه الله وأرضى عنه الناس. فلم تمضِ إلاّ مُدّة يسيرة حتّى رضي الناس عمّا كان وحمدوا الله عليه، وشكروني أني كنت السبب فيه.

стр. 1400

وليس في مُتَع الدنيا متعة أكبر من أن ترى الاعوجاج والانحراف، ثم يعطيك الله القوّة على تقويم المعوجّ وعلى تعديل المنحرف. إن في ذلك رضا الله وموافقة الشرع ورجاء ثوابه، ولكن الثواب العاجل هو هذه المتعة النفسية العجيبة التي لا توصف، يجدها مَن يوفّقه الله إلى مثل ذلك. * * *

стр. 1401

-١١٥ - بين إقرار العدل وتطبيق نص القانون هذه الحلقة فيها تَتِمّة الكلام عن النبك. والنبك لمّا جئتها (في أواخر سنة ١٩٤١) كانت بُلَيْدة أو قرية كبيرة، القديم منها قائم فوق الجبل والمدينة الجديدة -بشوارعها المستحدَثة ودورها الأنيقة ذات الواجهات الحجرية الجميلة والأقواس والأعمدة- في منبسط من الأرض حول هذا الجبل، وذلك كله قائم على ذروة من ذُرى لبنان الشرقية تعلو عن البحر أكثر من علوّ مصيف صوفر في لبنان. فاستأجرت أول دار على يمين الداخل على البلد من جهة الشام، ثم جاء أخي ناجي بعد ذلك بأمد طويل فصار قاضياً فيها، فاستأجر آخر دار على يسار الخارج منها إلى حمص، فكان ذلك من عجيب المصادفات. جئتها في الشتاء، وكان شتاء بارداً والبلد لعلوّه شديد البرودة، ولم نكن نتخذ في الشام هذه المدافئ، إنما كان يتخذها ذَوُو اليسار والغِنى، ولم نكن منهم، فكنّا نكتفي بـ «المنقل»، وهو وعاء من النحاس أو الحديد مختلف الأشكال والنقوش يوضع فيه الرماد، ثم يكون فوق الرماد وخلاله الجمر المتقد

стр. 1402

فيدفئ القريب منه. فلما عُيّنت في النبك حذّرني مَن يعرفها من شدّة بردها، فاشتريت مدفأة (صوبا) من أصغر الأنواع وأرخصها فأخذتها معي. وبلغ من شدة البرد في الشتاء تلك السنة في دمشق (فضلاً عن النبك) أن الماء الذي ينزل من الحنفيات كان يتجمّد فيصير عموداً صغيراً من الجليد. وكانت المدافئ تُوقَد بالحطب، فكان من المألوف في الشام أن ربّ البيت عندما يأتي بالمؤونة للشتاء: بالرز والسمن والزيت والسكّر وما تحتاج إليه الدار، كان يأتي بأحمال الحطب، فمِن الأسر من يكتفي بحمل الجَمَل الواحد ومنهم من يأتي بالحملَين والثلاثة والأربعة؛ يُنزِلونها أمام البيت، ثم يأتي الكسّارون (وكان أكثرهم من الألبان، أي الأرناؤوط)، وكانوا ذوي لِحى بيضاء، شيوخاً ولكنهم أقوياء أتقياء، يجرّدون فؤوسهم ويتولّون تكسير الحطب، وكلما صغّروا القطع كان أجرهم أعلى وكان ثمن الحطب أغلى. ثم ارتقت الحال بعد ذلك فصار الحطب يُباع مكسّراً. ومن عجائب أحداث الزمان أنني كنت قبل ذلك بسنوات (كما عرفتم) مدرّساً في البصرة في صيف حارّ شديد الحرارة، فخرج ثلاثة من الناس معهم إفريقي أسوَد اللون، فتعطّلَت السيارة وانقطعوا في البرّية فماتوا عطشاً من شدّة الحرّ، ولمّا ذهبوا يتتبعون أثرهم وجدوا الرجل الأول منهم قد مات فدفنه أصحابه، والثاني دُفن دفناً غير كامل، ووجدوا الإفريقي الأسود المتعوِّد على لذع الحرارة وعلى مسّ الشمس قد سار شوطاً بعيداً وحده،

стр. 1403

ثم غلبه الحرّ والعطش فمات في أرضه. تلك جماعة من الناس يموتون من شدة الحرّ، فلما جئت النبك رأيت جماعة ماتوا من شدّة البرد في الذّرى العالية المحيطة بالنبك ويبرود الممتدّة إلى بَعْلَبكّ. * * * وقعت لي حوادث كثيرة في السنة التي أقمتها في النبك، لكنني لم أدوِّنْها فأنا أذكر الآن ما بقي في ذاكرتي منها. من ذلك أن الشيخ تاج الدين الحَسَني رجع تلك السنة إلى دمشق واتفق مع الفرنسيين: الجنرال كاترو والكولونيل كوليه (وهم أصدقاؤه) على إعلان استقلال سورية. ولم يكن استقلالاً كاملاً ولكنه كان -على كلّ حال- خطوة إلى الأمام، ونصّبوه رئيساً للجمهورية. وكنّا نتندّر بذلك، لأن رئيس الجمهورية إما أن تنتخبه الهيئة التشريعية (البرلمان) أو أن ينتخبه الشعب مباشرة، أمّا رئيس للجمهورية يُعيَّن من غريب عن البلد يحكمها حكم قوّة وتسلّط فلم يُسمَع بذلك من قبل. على أن من الحقّ أن أشهد أن حكمه الذي كنّا نناوئه ونقاومه ولا نرضى به كان خيراً، أو كان أقلّ شراً، من كل حكم شهدناه بعده. أراد رئيس الجمهورية، الشيخ تاج الدين الحَسَني، أن يجول جولة في سورية، فبدأ بالنبك في طريقه إلى حمص فحماة فحلب. وأبلغَنا قائم المقام أن علينا (أي على الموظفين) أن يخرجوا إلى استقباله من الطريق العامّ (طريق حمص)، فأبَيت واعتصمت بمحكمتي، وكرهت أن أخرج، وصمدت لكل ضغط وُجِّه إليّ.

стр. 1404

مع أنه خال زوجتي، شقيق أمها، وهو ابن شيخ مشايخنا الشيخ بدر الدين الحسني. كما أنني (كما سيأتي) كنت بعد هذا التاريخ بقليل قاضياً في دوما، وكان قد استلم رئاسة الجمهورية شكري بك القوّتلي، وكان زعيمنا أيام النضال وأنا أحبّه وأحترمه، ولكنني امتنعت أيضاً عن الخروج لاستقباله بحجّة أنني عُيّنت قاضياً ولم أُعيَّن رئيس تشريفات، وليس عليّ أن أستقبل رئيساً ولا أن أودِّعه ولا أن أقوم على خدمته! * * * استحدث الشيخ تاج شيئاً جديداً، سنّة لا تخلو من نفع، هو أنه عيّن يوماً سماه «يوم الفقير»، وسخّر أقلام الكُتّاب في الصحف وألسنة الخطباء في المساجد ليدعوا الناس إلى مساعدة الفقراء والعطف عليهم والتبرع لهم في هذا اليوم، دفعاً لما أصابهم من الضيق والضنك في أيام الحرب. أعجبَتني الفكرة. وكنت أخطب أحياناً في المسجد خطبة الجمعة، فدعوت إلى الاهتمام بالفقير في هذا اليوم. ثم ألّفت لذلك -برأي قائم المقام- لجنة وحشدنا له من الطلاّب ومن شباب الأحياء أعداداً كبيرة، فلما كان هذا اليوم اجتمعنا أولاً في شبه احتفال فألقيت فيه كلمة بدأتها بقوله تعالى: ﴿ها أنْتُم هؤلاءِ تُدعَون لتُنفِقوا في سبيلِ اللهِ، فمنكم مَن يبخَلُ، ومَن يبخَلْ فإنّما يبخل عن نفسِهِ، والله الغنيّ وأنتم الفقراءُ، وإنْ تتولَّوا يَستبدلْ قوماً غيرَكم، ثمّ لا يكونوا أمثالكم﴾.

стр. 1405

ثم أقبل الناس يتبرّعون بما يقدرون عليه، وكنت أعاود الكلام وأقول لهم: القليل والكثير يكون لأصحابه الأجر الوفير، ورُبّ درهم سبق عشرة آلاف درهم ... وأذكر لهم ما أحفظ من الآيات والأحاديث في فضل الصدقة وعظيم ثوابها. ثم عملت شيئاً جديداً، هو أننا جئنا بدوابّ وعربات صغيرة وضعنا فيها أكياساً فارغة وسلالاً كبيرة، وبعثت مَن ينادي في الناس نداء يشبه ما يكون في العرضات (العراضات) الشعبية في الشام: هاتوا قمح هاتوا شعير، ... هاتوا قليل هاتوا كثير كله مليح للفقير، ... كله عليه أجر كبير فأقبل الناس يُعطون من القمح ومن الشعير ومن الرز، بل ومن الثياب التي لا يحتاجون إليها، بل ومن الأواني البيتية ما جمع عندنا من ذلك مقداراً وافراً. ثم جئنا إلى قوائم كنّا قد أعددناها بأسماء الفقراء في البلد، فدعونا بهم وسلّمنا كُلاًّ منهم نصيبه علناً أمام الناس؛ فكان الجمع علنياً والتوزيع علنياً، وما كان من المَؤونة بعثنا به إلى بيوت المستحقّين وبعثنا معهم شهوداً يشهدون أنه وصل إليهم. ذلك لأن المسلمين ليست فيهم أزمة بخل فهم كرام يبذلون أكثر ما يقدرون عليه، ولكن فيهم أزمةَ ثقة وخوفاً من أن يضيع المال قبل بلوغه غايته التي جمع من أجلها، فبسبب ذلك ما ترون أحياناً من بعض البخل وبعض الضنّ. * * *
следующие страницы →