← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

-١١٥ - بين إقرار العدل وتطبيق نص القانون هذه الحلقة فيها تَتِمّة الكلام عن النبك. والنبك لمّا جئتها (في أواخر سنة ١٩٤١) كانت بُلَيْدة أو قرية كبيرة، القديم منها قائم فوق الجبل والمدينة الجديدة -بشوارعها المستحدَثة ودورها الأنيقة ذات الواجهات الحجرية الجميلة والأقواس والأعمدة- في منبسط من الأرض حول هذا الجبل، وذلك كله قائم على ذروة من ذُرى لبنان الشرقية تعلو عن البحر أكثر من علوّ مصيف صوفر في لبنان. فاستأجرت أول دار على يمين الداخل على البلد من جهة الشام، ثم جاء أخي ناجي بعد ذلك بأمد طويل فصار قاضياً فيها، فاستأجر آخر دار على يسار الخارج منها إلى حمص، فكان ذلك من عجيب المصادفات. جئتها في الشتاء، وكان شتاء بارداً والبلد لعلوّه شديد البرودة، ولم نكن نتخذ في الشام هذه المدافئ، إنما كان يتخذها ذَوُو اليسار والغِنى، ولم نكن منهم، فكنّا نكتفي بـ «المنقل»، وهو وعاء من النحاس أو الحديد مختلف الأشكال والنقوش يوضع فيه الرماد، ثم يكون فوق الرماد وخلاله الجمر المتقد

стр. 1402

فيدفئ القريب منه. فلما عُيّنت في النبك حذّرني مَن يعرفها من شدّة بردها، فاشتريت مدفأة (صوبا) من أصغر الأنواع وأرخصها فأخذتها معي. وبلغ من شدة البرد في الشتاء تلك السنة في دمشق (فضلاً عن النبك) أن الماء الذي ينزل من الحنفيات كان يتجمّد فيصير عموداً صغيراً من الجليد. وكانت المدافئ تُوقَد بالحطب، فكان من المألوف في الشام أن ربّ البيت عندما يأتي بالمؤونة للشتاء: بالرز والسمن والزيت والسكّر وما تحتاج إليه الدار، كان يأتي بأحمال الحطب، فمِن الأسر من يكتفي بحمل الجَمَل الواحد ومنهم من يأتي بالحملَين والثلاثة والأربعة؛ يُنزِلونها أمام البيت، ثم يأتي الكسّارون (وكان أكثرهم من الألبان، أي الأرناؤوط)، وكانوا ذوي لِحى بيضاء، شيوخاً ولكنهم أقوياء أتقياء، يجرّدون فؤوسهم ويتولّون تكسير الحطب، وكلما صغّروا القطع كان أجرهم أعلى وكان ثمن الحطب أغلى. ثم ارتقت الحال بعد ذلك فصار الحطب يُباع مكسّراً. ومن عجائب أحداث الزمان أنني كنت قبل ذلك بسنوات (كما عرفتم) مدرّساً في البصرة في صيف حارّ شديد الحرارة، فخرج ثلاثة من الناس معهم إفريقي أسوَد اللون، فتعطّلَت السيارة وانقطعوا في البرّية فماتوا عطشاً من شدّة الحرّ، ولمّا ذهبوا يتتبعون أثرهم وجدوا الرجل الأول منهم قد مات فدفنه أصحابه، والثاني دُفن دفناً غير كامل، ووجدوا الإفريقي الأسود المتعوِّد على لذع الحرارة وعلى مسّ الشمس قد سار شوطاً بعيداً وحده،

стр. 1403

ثم غلبه الحرّ والعطش فمات في أرضه. تلك جماعة من الناس يموتون من شدة الحرّ، فلما جئت النبك رأيت جماعة ماتوا من شدّة البرد في الذّرى العالية المحيطة بالنبك ويبرود الممتدّة إلى بَعْلَبكّ. * * * وقعت لي حوادث كثيرة في السنة التي أقمتها في النبك، لكنني لم أدوِّنْها فأنا أذكر الآن ما بقي في ذاكرتي منها. من ذلك أن الشيخ تاج الدين الحَسَني رجع تلك السنة إلى دمشق واتفق مع الفرنسيين: الجنرال كاترو والكولونيل كوليه (وهم أصدقاؤه) على إعلان استقلال سورية. ولم يكن استقلالاً كاملاً ولكنه كان -على كلّ حال- خطوة إلى الأمام، ونصّبوه رئيساً للجمهورية. وكنّا نتندّر بذلك، لأن رئيس الجمهورية إما أن تنتخبه الهيئة التشريعية (البرلمان) أو أن ينتخبه الشعب مباشرة، أمّا رئيس للجمهورية يُعيَّن من غريب عن البلد يحكمها حكم قوّة وتسلّط فلم يُسمَع بذلك من قبل. على أن من الحقّ أن أشهد أن حكمه الذي كنّا نناوئه ونقاومه ولا نرضى به كان خيراً، أو كان أقلّ شراً، من كل حكم شهدناه بعده. أراد رئيس الجمهورية، الشيخ تاج الدين الحَسَني، أن يجول جولة في سورية، فبدأ بالنبك في طريقه إلى حمص فحماة فحلب. وأبلغَنا قائم المقام أن علينا (أي على الموظفين) أن يخرجوا إلى استقباله من الطريق العامّ (طريق حمص)، فأبَيت واعتصمت بمحكمتي، وكرهت أن أخرج، وصمدت لكل ضغط وُجِّه إليّ.

стр. 1404

مع أنه خال زوجتي، شقيق أمها، وهو ابن شيخ مشايخنا الشيخ بدر الدين الحسني. كما أنني (كما سيأتي) كنت بعد هذا التاريخ بقليل قاضياً في دوما، وكان قد استلم رئاسة الجمهورية شكري بك القوّتلي، وكان زعيمنا أيام النضال وأنا أحبّه وأحترمه، ولكنني امتنعت أيضاً عن الخروج لاستقباله بحجّة أنني عُيّنت قاضياً ولم أُعيَّن رئيس تشريفات، وليس عليّ أن أستقبل رئيساً ولا أن أودِّعه ولا أن أقوم على خدمته! * * * استحدث الشيخ تاج شيئاً جديداً، سنّة لا تخلو من نفع، هو أنه عيّن يوماً سماه «يوم الفقير»، وسخّر أقلام الكُتّاب في الصحف وألسنة الخطباء في المساجد ليدعوا الناس إلى مساعدة الفقراء والعطف عليهم والتبرع لهم في هذا اليوم، دفعاً لما أصابهم من الضيق والضنك في أيام الحرب. أعجبَتني الفكرة. وكنت أخطب أحياناً في المسجد خطبة الجمعة، فدعوت إلى الاهتمام بالفقير في هذا اليوم. ثم ألّفت لذلك -برأي قائم المقام- لجنة وحشدنا له من الطلاّب ومن شباب الأحياء أعداداً كبيرة، فلما كان هذا اليوم اجتمعنا أولاً في شبه احتفال فألقيت فيه كلمة بدأتها بقوله تعالى: ﴿ها أنْتُم هؤلاءِ تُدعَون لتُنفِقوا في سبيلِ اللهِ، فمنكم مَن يبخَلُ، ومَن يبخَلْ فإنّما يبخل عن نفسِهِ، والله الغنيّ وأنتم الفقراءُ، وإنْ تتولَّوا يَستبدلْ قوماً غيرَكم، ثمّ لا يكونوا أمثالكم﴾.

стр. 1405

ثم أقبل الناس يتبرّعون بما يقدرون عليه، وكنت أعاود الكلام وأقول لهم: القليل والكثير يكون لأصحابه الأجر الوفير، ورُبّ درهم سبق عشرة آلاف درهم ... وأذكر لهم ما أحفظ من الآيات والأحاديث في فضل الصدقة وعظيم ثوابها. ثم عملت شيئاً جديداً، هو أننا جئنا بدوابّ وعربات صغيرة وضعنا فيها أكياساً فارغة وسلالاً كبيرة، وبعثت مَن ينادي في الناس نداء يشبه ما يكون في العرضات (العراضات) الشعبية في الشام: هاتوا قمح هاتوا شعير، ... هاتوا قليل هاتوا كثير كله مليح للفقير، ... كله عليه أجر كبير فأقبل الناس يُعطون من القمح ومن الشعير ومن الرز، بل ومن الثياب التي لا يحتاجون إليها، بل ومن الأواني البيتية ما جمع عندنا من ذلك مقداراً وافراً. ثم جئنا إلى قوائم كنّا قد أعددناها بأسماء الفقراء في البلد، فدعونا بهم وسلّمنا كُلاًّ منهم نصيبه علناً أمام الناس؛ فكان الجمع علنياً والتوزيع علنياً، وما كان من المَؤونة بعثنا به إلى بيوت المستحقّين وبعثنا معهم شهوداً يشهدون أنه وصل إليهم. ذلك لأن المسلمين ليست فيهم أزمة بخل فهم كرام يبذلون أكثر ما يقدرون عليه، ولكن فيهم أزمةَ ثقة وخوفاً من أن يضيع المال قبل بلوغه غايته التي جمع من أجلها، فبسبب ذلك ما ترون أحياناً من بعض البخل وبعض الضنّ. * * *

стр. 1406

إن القانون حينما يكون ماشياً مع العدل ويحكم به القاضي يكون مرتاح الضمير مطمئناً إلى ما حكم به، ولكن أصعب ما يعترض القاضي أن يرى العدالة في طريق وأن يرى القانون في طريق آخر. كان الناس في الشام إذا اشتروا القمح وما يشبهه اشتروه بالمُدّ، والمُدّ مكيال معروف، فجاء القانون وألغى استعمال المكاييل القديمة وألزم الناس جميعاً بالمكاييل الأجنبية الجديدة، فالقياس بالمتر لا بالذراع، والوزن بالكيل (الكيلو) لا بالرطل، والمكيال باللتر لا بالصاع والمُدّ. وممّا وقع لي أني اشتريت قمحاً بالمُدّ وحمله البيّاع إلى بيتي، فلما غدوت على المحكمة صبيحة اليوم التالي وجدت بين المخالفات التي عُرضت عليّ في محكمة الصلح التي أتولّى الحكم فيها (إضافة إلى عملي الأصلي في المحكمة الشرعية)، وجدت بيّاعاً أُحيل عليها لمعاقبته على أنه اقتنى المُدّ وباع به. فكيف أحاكمه على أمر جائز شرعاً ومستساغ عُرفاً، وأنا أعمله؟ إذا حكمت عليه اتباعاً للقانون أكون قد خالفت ضميري وجُرْت في حكمي، وإذا حكمت عليه بما أراه الحقّ والصواب خالفت القانون. فماذا أصنع؟ وعُرض عليّ في ذلك اليوم جزّار ضبطوه يذبح في اليوم الذي مَنعت الحكومة الذبح فيه توفيراً للّحم واجتناباً للضائقة أيام الحرب. وأنا أعلم أن طاعة وليّ الأمر في مثل هذا الموقف واجبة، إذا كان ولي الأمر منّا لا من غيرنا ولم يأمرنا ولم ينهَنا فيما يخالف شرع ربنا، فإذا منعَت الحكومة

стр. 1407

الذبح في بعض الأيام وجبَت طاعتها في هذا الأمر. ولكن الذي منع الذبح ليس منّا، ليس من المسلمين بل هو مستعمر دخيل علينا، وكلنا نشتري اللحم في يوم المنع لا نرى في ذلك بأساً، بل ربما كان اللحم الذي اشتريته بالأمس من هذه الذبيحة عينها التي حاكموا الجزّار عليها. وجدت مخلصاً من هذا فيما يشبه الحِيَل الشرعية الجائزة. الحِيَل في الشرع ممنوعة إذا كانت طريقاً لاستباحة محرّم أو للهرب من واجب، ولكن بعض الحِيَل ليست إلاّ مخرجاً من ورطة تَوَرّط المسلم فيها، وهذا النوع من الحِيَل أشبه بأن يكون جائزاً. ألم يعلّم الله نبيَّه الذي حلف أن يضرب زوجته مئة ضربة طريقة تخلص بها من ورطته إذ قال له: ﴿خُذْ بيدِكَ ضِغْثاً فاضْرِبْ بهِ ولا تَحْنَثْ﴾؟ هذه في ظاهرها حيلة، ولكنها ليست حيلة لاستباحة محرّم ولا للهرب من واجب بل للخلاص من مشكلة. فلما وقف بين يديّ الذي ذبح في يوم المنع سألته: هل كان الحيوان مريضاً فاضطُررتَ إلى التعجيل بذبحه، أو هل وقع فانكسرت رجله فدفعك ذلك إلى ذبحه في هذا اليوم بالذات؟ فانتبه وكان ذكياً، فقال: نعم. وسألت الذي باع بالمُدّ وضبطه الشرطة عنده في دكانه، قلت له (ألقّنه حُجّته): هل كنت تستعمل المُدّ على أنه آنية من الأواني، وهل استبقيته عندك لهذا الغرض بعد أن مُنع استعماله؟ فقال: نعم. فهل كنت مخطئاً في هذا؟ هل على القاضي أن يتبع حرفية القانون أو أن يمشي مع مقاصد الشارع؟ ذكرت هنا قصّة الصحابة

стр. 1408

حين أمرهم الرسول ﵊ ألاّ يصلّوا العصر إلاّ في بني قريظة، فمنهم من فهم الأمر فهماً حرفياً فأخّر صلاة العصر حتّى وصل إلى بني قريظة، ومنهم من فهم أن الرسول ‘ لم يكن يريد تأخير الصلاة ولكن تعجيل السير، فصلّى على الطريق. فما لام الرسول ‘ واحداً من الفريقين لأن العذر قائم. وأنا منعت العقوبة عن مرتكبي أمر يعتبره القانون ذنباً، ولكنه ليس ذنباً في نظر الشرع ولا في نظر العرف، وليس فيه مضرّة لأحد، وأنا أعمل مثله. فكيف أُعاقب رجلاً على عمل أنا أعمله والشرع لم يمنعه؟ وهل أستحقّ أن أكون مع ذلك قاضياً؟ * * * وعُرضت عليّ في محكمة الصلح قضية عادية تافهة، ولكن الظروف كبّرَتها ونفخت فيها وجعلَت منها قضية مسلمين ونصارى. وقد أمرنا الله أن لا نتّخذ بطانة من دوننا لا تألونا خبالاً، وبيّن لنا أنهم يودّون عنتنا وأننا نحبّهم ونخلص لهم ولا يحبّوننا، وأن البغضاء قد تبدو من أفواههم حيناً وتخفى أحياناً، ولكن ما في قلوبهم من بغضنا والدسّ علينا والألم لما يصيبنا من الخير أكبر. ومع ذلك لم ننتبه. وقد طالما رأيت في حياتي من تسامحنا نحن وتعصّبهم ومن إخلاصنا ومن كرههم ودسّهم علينا الشيء الكثير. القضية أنه كان عندنا قانون من أيام العثمانيين، أن مَن أفطر في شهر رمضان علناً حُبس إلى نهاية الشهر. وقد رأيت

стр. 1409

مرّة في النبك، في المحطّة المجاورة للمسجد في الحيّ الذي يُسمّى المخرج، وهو على الطريق الدولي الذي يصل بين دمشق وحمص ويمرّ من وسط النبك، رأيت رجلاً يدخّن علناً وهو قاعد في القهوة، لا يبالي شعور الناس ولا يحفل باعتراضهم، وقد كاد عمله يجرّ إلى فتنة، فأمرت بوقفه (أي بإيقافه) وحكمت عليه بالسجن إلى نهاية شهر رمضان. واتّفق أن كان هذا الرجل غير مسلم، فتحرّكَت أقلام المتزلّفين إلى المستعمرين وانطلقَت ألسنة الحاقدين والناقمين، ووصل ذلك إلى وزارة العدل فسألَتني، وكان جوابي أنّ منع الإفطار علناً في شهر رمضان ليس خاصاً بالمسلمين ولكنه عامّ لجميع السكان، لأنه من نوع الإخلال بالآداب العامّة. ومرّت الأيام، وجاء انقلاب حسني الزعيم فألغى قانون الجزاء العثماني الذي كنّا نحكم به، وجاؤونا بقانون جديد مترجَم عن القوانين الأجنبية الوضعيّة. ولي مع هذا القانون شأن طويل؛ كتبت عنه وحوكمت أمام مجلس القضاء الأعلى وحُكم عليّ بعقوبة ماليّة، وسيأتي بيان ذلك في موضعه. لمّا أُلغي قانون الجزاء وذهبَت معه هذه المادّة تجرّأ الناس على الفطر في رمضان، وظنّوا أنه لا عقوبة عليهم ولا أذى ينالهم، فاتخذَت محكمة النقض في الشام (محكمة التمييز) بهيئتها العامّة قراراً باعتبار هذا الإفطار العلني مُخِلاًّ بالآداب العامّة ومزعجاً للهيئة الاجتماعية، ومستحقاً للعقوبة. وقرار الهيئة العامّة لمحكمة التمييز ليست له قوّة القانون

стр. 1410

ولكن له أثراً في حكم القُضاة. * * * نساء النبك متحجّبات الحجاب الكامل، لكنهن يكشفن الوجوه والأيدي على عادة الفلاّحين عامّة في ديار الشام وعادة البدو في ضواحيها وفي باديتها. فجاءتني مرّة امرأة شابّة حسناء حديثة عهد بالزواج تطلب الطلاق من زوجها. ونظرت فإذا هو شابّ جميل الصورة مكتمل الشباب لا يُشتكى منه شيء، فسألتها عن سبب طلبها الطلاق فلم تأتِ بسبب واضح، فشممت منه ريحاً مؤذية، وكان جزّاراً جاء المحكمة بثياب العمل. فأجّلت الدعوى وصرفت المرأة، واستبقيت الرجل واستدنيتُه ونصحتُه بأن يذهب إلى داره فيغتسل ويبدّل ثيابه ثم يقصد حلاّقاً يأخذ من شعره، ففعل فعاد شخصاً جديداً، فلما جاءا من الغد للنظر في الدعوى سألتها: ماذا تقولين؟ قالت: لقد أسقطت الدعوى. وليس هذا العمل من اختراعي أنا ولكنه تقليد للرجل العظيم الذي سمّاه الرسول ﵊ «عبقرياً»، وهو عمر بن الخطاب في قصّة مماثلة لهذه القصّة ترونها في كتب التاريخ وفي كتابي «أخبار عمر». وكان في النبك (كما هي الحال في أكثر الضواحي والمناطق البعيدة عن العاصمة) أُسَر لها وجاهة تتنازع فيما بينها عليها، كان في النبك أسرة آل النفوري وآل طيفور، وكانت الأيام تمشي مع آل النفوري ثم تبدّلَت فمالت مع آل طيفور، ثم عادت الرياح إلى سفينة النفوريين لمّا ظهر منهم ضابط كبير في الجيش، ولعلّ أخانا

стр. 1411

المخرج في الرائي في الرياض منذر النفوري من هذه الأسرة. عُرضت عليّ في المحكمة الشرعية قضية وصاية في إرث كبير، والوارثة قاصرة تحتاج إلى من يتولّى أمورها ويرعى شؤونها. وكانت للتركة مشكلات وقضايا معقّدة تحتاج إلى تنظيم وإلى مواجهة المحاكم، وخشيت أن أجعل الوصيّ من إحدى الأسرتين المتنازعتين فيضيع حقّ القاصرة، فولّيت رجلاً ثقة من أهل الشام هو الشيخ موسى الطويل رحمة الله عليه، وكان من كبار تُجّار الشام، وكان من طبقة كادت تنقرض وهي طبقة التجّار العلماء أو طلبة العلم، وكان من أقرب الأصدقاء لوالدي ﵀، بل ربما كان أدنى صديق منه. وكان من أصدقائه السيد شريف النصّ من التجار، والشيخ أحمد القشلان، وجماعة. تردّدت أولاً في تعيينه وصياً، وخفت أن أكون قد آثرت صديقاً لأبي فأحيد بذلك عن الحقّ، فاستشرت من أثق بدينه وخبرته بالناس وبالحياة فأشاروا به وبناس من أمثاله، فولّيتُه الوصاية وكلّفته بأعمال كثيرة يستخرج بها حقّ البنت ويخلّص مالها من القضايا المتشابكة، أي أنني ولّيته ولاية مشروطة، وجعلت له أجراً على هذه الولاية وأمهلته مُدّة محدودة لينجز هذه الأعمال. فانقضت المُدّة فلم يصنع مما كُلِّف به إلاّ القليل، فواجهت امتحاناً: هل أراعيه لفضله علينا بعد وفاة أبي ولصلته به وصداقته له، أم أُقيم ميزان الحقّ عليه كما أُقيمه على غيره؟ لقد أَرِقت ليالي أفكّر، وحاولت أن أستحثّ هِمّته ليصنع شيئاً وينجز ما كُلِّف بإنجازه فوجدت أنه لا يقدر على ذلك،

стр. 1412

فطلبت إليه أن يُعيد ما كان قد أخذه من الأجرة. فوعد بذلك، وهو رجل ثقة أمين، ولكنه تأخّر عن السداد فلم يكن مني إلاّ أن بلّغتُه العزل وسلكت معه الطرق القانونية. وأشهد أن الشيخ موسى (وربما عدت للحديث عنه) من أفضل مَن عرفت من الرجال، وكان في الثورة السورية هو الذي يتولّى إمداد الثوّار بالخبز، وكان موضع ثقة الجميع يأتمنونه على أموالهم وعلى أسرارهم، ولم يقع منه في هذه الوصاية خيانة (معاذ الله) ولا تقصير متعمّد، ولكنه عَجْزٌ منه وسوء تقدير مني لمّا ظننت أنه في شيخوخته يقدر على ما كُلِّف به. وانقضت القضية بحمد الله بسلام، لم أؤذِ الرجل في شعوره وحفظت له كرامته، ولم أضيّع ذرة من حقّ القاصرة، وذلك من توفيق الله فله الحمد عليه. * * * كنّا في أيام الجامعة وحين تُستحَبّ الراحة نذهب إلى يَبْرود، ويبرود قريبة من النبك، وهي أجمل منظراً وأكثر ينابيع وعيوناً. وكان فيها متنزّه يُسمّى قرينة يؤمّه الناس، فذهبت في آخر أيامي في النبك إليه فوجدت مستأجر القهوة فيه (وكان قديماً من تلاميذي، وهو من أسرة مشايخ صالحين) وجدته يقدّم فيها الخمر، فدعوتُه ونصحته، فقال إن لديه رخصة من الحكومة، فبيّنت له أن حكومات الأرض جميعاً لا تملك أن ترخّص في أمر حرّمه الله ومنعه. فلم يسمع، فأثرت الخطباء وراجعت المسؤولين حتّى أزلت هذا المنكر وطردت المستأجر.

стр. 1413

وإن كان الخطب قد طغى بعد ذلك وطمّ حتّى لم يبقَ متنزه في الشام، ولا نبع ماء، ولا مكان جميل يؤمّه الناس إلاّ وفيه الخمر معروضاً على الموائد يُباع ويُشترى. إن رجعنا إلى الدين فالدين يحرّم بيع الخمر وشراءها ويحرّم شربها وتقديمها، وإن رجعنا إلى مبادئ الديموقراطية فإن الديموقراطية معناها حكم الشعب («ديموس» أي الشعب و «كراسي» أي حكم)، وجمهور الشعب في الشام بل كثرته المطلقة مسلمة تتمسّك بأحكام الإسلام، فإذا جارينا شُرّاب الخمر (ولا يبلغون واحداً في الألف) وأبحنا تقديمها لِنَسُرّهم نكون قد آذينا التسعمئة والتسعة والتسعين في سبيل مسرّة الواحد. ولكن هذا ما وقع وإلى الله المشتكى. ووجدوا في أعلى الجبل صخرة لها منفذ صغير لا ينتبه إليها أحد، بل لا يكاد يصل إليها أحد، وجدوا فيها -بالمصادفة- مقداراً عظيماً جداً من عسل النحل تجمّع من آماد طويلة لا يعلم بها إلاّ الله، فاختلف عليها صاحب الأرض والمستأجر والبلدية. وكان عسلاً ما ذاق الناس مثله، وتركت النبك والقضية لم تنتهِ. وإذا كان ثمن العلبة من عسل النحل يباع الآن بمئات الريالات فكم يبلغ ثمن مثل ذلك العسل؟ * * * بقيت في النبك أقلّ من أحد عشر شهراً، ثم كانت تنقّلات في وزارة العدل بين القُضاة، فاستدعاني الوزير راغب بك

стр. 1414

الكيخيا رحمة الله عليه وسألني: إلى أين تحبّ أن تنتقل؟ وكان قاضي دوما الذي درّبني على أمور القضاء، الصديق الشيخ أنيس الملوحي ﵀، قد نُقل من دوما إلى حماة، فاقترحت أن أُنقل أنا إلى دوما وأن يُنقل أخونا الشيخ مرشد عابدين (وهو شقيق شيخنا الطبيب المفتي الشيخ أبي اليسر عابدين، وهما ولدا الشيخ أبي الخير عابدين مفتي الشام الذي كان أبي أميناً للفتوى عنده) إلى مكاني. وتمّت هذه التشكيلات وصدر بها المرسوم الجمهوري فانتقلت إلى دوما. ودوما تُعَدّ حياً من أحياء الشام، كان يصل بينها وبين الشام على أيامي فيها خطّ ترام طوله ثلاثة عشر كيلاً (كيلومتراً) يقطع الطريق إليها في ساعة، أما السيارات فتقطعه بأقل من ثلث هذا الوقت، ولكن الترام أكثر راحة وأجمل منظراً لأنه يخترق الغوطة كلها، يمرّ بقُراها وبساتينها، فيجتاز جوبر ثم زملكا ثم العربيل (التي تُسمّى العربين)، ثم حرستا ثم إلى دوما. ومن كل قرية من هذه القرى التي ذكرتها علماء نبغوا منها وانتسبوا إليها، فمن زملكا كان الشيخ الزملكاني، ومن العربيل ظهر علماء قديماً وحديثاً آخرهم الشيخ عبده العربيلي، وهو أحد شيْخَي القُرّاء في الشام، الشيخ الكبير هو الشيخ محمد الحلواني الذي لم أسمع قارِئاً في حياتي، لا في مصر ولا في الشام ولا في غيرها من البلاد التي مشيت إليها، أضبط منه مخارجَ حروفٍ وأحرصَ منه على الأحكام، وكان يجمع القراءات على طريقة الشاطبية، والشيخ عبده العربيلي هذا كان تلميذ الشيخ عبد الله

стр. 1415

المنجّد (والد الأديب الصديق المؤلّف الدكتور صلاح الدين المنجد) الذي جمع على طريقة الطيبة. ومن أعجب الأمور أن الشيخ الذي أخذ عنه الشيخ عبدالله المنجّد القراءات كان مُشيراً في الجيش العثماني. مشير قارئ مجوّد يأخذ عنه العلماء! وله أمثال من قادة الجيش العثماني، ومع ذلك نذمّ العثمانيين وننسى مزايا أوائلهم لذنوب أواخرهم من الاتحاديين، بل إن منّا من تبلغ به الجرأة على الحقّ وعلى الواقع وعلى مخالفة الآداب، أن يقرن الحكم العثماني بالحكم الأجنبي فيقول: الاستعمار الفرنسي والإنكليزي والاستعمار العثماني! * * *

стр. 1416

-١١٦ - من ذكريات الحرب العالمية الثانية كنّا نذكر الحرب الأولى التي مضت وما حملت إلينا من الجوع والخوف والنقص في الأموال والأنفس والثمرات، وكيف كان الشعب يموت جوعاً ثم لا يجد أمواته قبراً، لأن الحرب لم تُبقِ من الرجال من يقدر على حفر قبر! نذكر هذا كله ثم ننظر إلى هذه الحرب الثانية فنراها سلاماً علينا وأمناً، لم نَجُعْ فيها ولم نَعْرَ ولم تَنَلْ منّا منالاً، اللهمّ إلاّ ما نالت بأظافر بعض التجّار وأنيابهم إذ جعلوا الواحد من ثمن الأشياء عشراً، وربما بلغوا ببعض الأثمان مئة ضعف! وما قلّت السلع ولا تبدّلت، ولكنه الطمع والجشع ورِقّة الدين وضعف الخلق. واستمرّ مرير الحرب وانتشرت نارها ونحن لا نعرف مكانها إلاّ على السماع، وجعلت تطيف بلهبها بنا وتدنو أحياناً منّا: امتدّ لسانها إلى مصر فجزعنا وأشفقنا وكنّا مع المصريين بقلوبنا وألسنتنا، وما نملك -لعمري- إلاّ الألسنة والقلوب. ثم دنت منّا فبلغ لهيبها العراق، فأقبلنا على العراق بقلوبنا، وما جانبت مصر ولا تولّت عنها تلك القلوب.

стр. 1417

ثم أصبحنا ذات يوم (يوم الجمعة ٢٠ حزيران ١٩٤١) على صوت الرادّ (الراديو) يقول: إن الحرب في «الكِسْوة» على أبواب دمشق، فنظرنا إليها فلم نجد إلاّ جبل «المانع» وما فيه أثر لحرب، فكذّبنا وأنكرنا. فقال العارفون إن المعركة وراء هذه الجبال وأكدوا ذلك، ولكنا لبثنا مكذّبين. فلم تكن إلاّ ليال حتّى بدت في الأفق القِبْلي (١) من دمشق ومضات المدافع، نراها من حيّنا حيّ المهاجرين على سفح جبل قاسيون، وسمعنا أصواتها، فصدقنا ما قال الرادّ وأيقنّا أنْ قد بلغَتنا هذه الحرب. ولكنّا لم نُكبرها ولم يُصِبْنا الذعر منها، إذ لم تمسسنا نارها ولا وصل إلينا أُوارها. ثم دنَت منّا النار، وانطلقت المدافع الثقال من قلاع المزة وقاسيون فاهتزّت لها دمشق، ولكن أفئدة أهلها لم تهتزّ، بل راحوا يؤمّون السفح يُشرفون منه على المعركة وهي دانية منهم، أصواتها في آذانهم وشظاياها عن أيمانهم وشمائلهم. وإنهم لفي إشرافهم هذا واجتماعهم في المهاجرين عشيّة ذلك اليوم، يتحدّثون في أمر الجيش المهاجم من الفرنسيين الديغوليين الذي عرض على الجيش الفرنسي في دمشق (من أتباع الماريشال بيتان) أن تكون دمشق مدينة مكشوفة كيلا تعبث بمحاسنها أيدي الحرب فتجعل عامرها يباباً وقصورها تلالاً، فأبى المقاتلون من الفرنسيين في الشام فعرّضوا بإبائهم دمشق للأذى. وما يعنيهم أذاها، ولا تُهدَم لهم إذا هي تخرّبت دارٌ ولا يُفجَعون في زوج ولا ولد، لأنهم غرباء عنها واغلون عليها أعداء لها.

стр. 1418

وكانت المعركة مشتدّة هذه العشيّة وكان الناس مزدحمين ينظرون، وإذا بجهنّم قد فُتحت أبوابها، وإذا القنابل قد ضلّت طريقها فإذا هي تكاد تساقط على المهاجرين، أجمل أحياء دمشق وأبهاها! فطار الفزع بألباب الناس، وكانت مثل ساعة الهول التي يُستعاذ بالله منها، وصار الناس كحالهم يوم القيامة ... وإن كان هول يوم القيامة لا تُقاس به أهوال الدنيا، يوم يجد المرء ما يشغله عن أخيه وصاحبته وبنيه وأمه وأبيه. فخلّفوا دورهم مفتّحة الأبواب واستلموا منافذ الطرق التي توصلهم إلى الشام (وإذا قلنا «الشام» فإنما نعني المدينة القديمة منها)، يريدون أن يعتصموا بالأموي ويقيموا في جواره، ظناً منهم أن القنابل التي تحمل الموت والدمار لا تعرف الطريق إلى بيوت الله. فلم تكن ترى على الطرق إلاّ الناس مسرعين بوجوه شاحبة وأعضاء من الخوف مضطربة، وربما خرجَت المسلمة المخدَّرة مكشوفة الوجه من الفزع بادية المحاسن، والمدافع تنطلق والقنابل تتوالى وتتعاقب كالغيث إذا انهمر، وكان أمرٌ لا يوصف. وكنّا نسكن في دار على الشارع العامّ، وقد استعدّ نساؤنا ولبسن ثياب الخروج ولكننا لم نبارح دارنا. وكانت لي عمّة عجوز صالحة لا عمل لها إلاّ قراءة القرآن والدعاء، فقلت لها: هلمّي نخرج. قالت: إلى أين؟ قلت: إلى حيث يذهب الناس، إلى جوار الأموي. قالت: ﴿قُلْ لنْ يُصيبَنا إلاّ ما كتَبَ اللهُ لنا﴾؛ إن كان مقدَّراً علينا أن نموت مِتنا هنا كما نموت هناك. ولبثَت قاعدة مكانها فقعدنا معها. * * *

стр. 1419

ثم انسحب جيش هو جيش الفرنسيين الموالين للألمان، ودخل جيش هو جيش ديغول المناوئ للألمان، وكلهم عدو لنا وكلهم طامع فينا مستعمر لبلادنا. فأعلنوا استقلال سورية وانتهاء الحرب، ونصّبوا (كما قلت لكم في الحلقة الماضية) الشيخ تاج الدين الحسني رئيساً للجمهورية التي أعلنوا تشكيلها. فتنفّس الناس الصعداء، لا لأنهم خُدعوا بهذا الاستقلال الموهوم، فالاستقلال يؤخَذ ولا يُعطى والاستقلال الذي يأتي منحة من الغاصب ليس إلاّ احتلالاً بلون آخر. ولكنهم تذوّقوا لذّة الأمن بعد الخوف، وعاد مَن كان لجأ إلى البلد من سكان القُرى المرزأة المروَّعة الذين أكلت الحرب دورَهم وغلاّتهم: سكان الكسوة والباردة والأشرفية وصَحْنايا وسبينة وسبينات والقَدم، وتلك القرى التي تطيف بدمشق تحفّ بها من جهة الغوطة (الغوطة التي كانت تنعم بالأنس والدعة في ظلال الأشجار، فجعل المتمدّنون المستعمرون بقاعاً كثيرة منها صحراء قاحلة لا شجرة فيها ولا دار) ودارَيّا قرية العنب الديراني الذي تباهي دمشقُ المدنَ بلونه وطعمه ونبل حبته وجلال عناقيده واتساع كرومه، وجارتها المِزّة «جيزة دمشق» وأجمل ضواحيها ... عادوا إلى دورهم ومساكنهم يحسبون أنها لا تزال لهم مساكن، ما دروا أن من هذه القرى ما لم يُبقِ المتمدّنون المتحضرون منه إلاّ أطلالاً ورسوماً. وانطلق الدمشقيون الذين واسوهم في مصيبتهم وآووهم في منازلهم يودّعونهم بالحفلات والولائم؛ فاشتعلت الأحياء

стр. 1420

التي تحف بالأموي نوراً وابتسمت سروراً: القيمرية والكلاّسة وباب السلامة وباب البريد وسيدي عامود ... حتّى ليحسبها الرائي ترقص طرباً، وما بها -لو حقّقتَ- من طرب. وفيمَ الطرب؟ ولكنْ مواساةً للمنكوبين وتطيِيباً لقلوبهم وإظهاراً للرضا بانطفاء نار الحرب، وحمداً لله على ما لطف وسلّم. وكانت ليلة الأربعاء (٢٥ حزيران ١٩٤١) كأنها من ليالي الأعياد، وكان أسبق الأحياء في هذا المضمار الكلاّسة، هذا الحيّ الصغير الرابض إلى جنب مسجد بني أُميّة عند مدفن البطل صلاح الدين، فظهرت على أيدي أهله مُدهِشات الشهامة والكرم، حتّى لقد آوى رجلٌ منهم واحدٌ سبعَ أسر في داره، وأولاهم من بشاشة وجهه وفضل ماله ومسكنه ما لا يمتدّ إلى أكثر منه جهد مثله. * * * نام الناس هذه الليلة التي حسبوها من ليالي الأعياد مطمئنّين، لا يخافون الحرب وقد انطفأت نارها، ينتظرون بآمالهم الغد القريب ليحمل إليهم السلام والرخاء. فلما كانت الساعة الرابعة إلاّ ربعاً، ومآذن دمشق الثلاثمئة والسبعون تصدح بالتراحيم الأخيرة (وهي بدعة حلوة لو كان في البدع الدينية ما هو حلو، ولكن البدعة مُرّة مهما كان شكلها وكان لونها)، وكان الليل ساكناً سكون السحَر الفاتن العميق، وإذا بِرَجّة لا توصف، قلقلت البيوت فذهبَت بها وجاءت كأنها الزلزال العظيم، لولا أنها اقترنَت بصوت أفاق منه الناس وإن أحدهم ليضطرب في فراشه اضطراب السمكة خرجت من الماء! ثم أعقبَتها رجّتان، ثم جاءت رجّة أنْسَت الناس الثلاثَ الأُولَيات. فذهبَت المفاجأة بألباب ذوي

стр. 1421

اللبّ منهم، وخرجوا من بيوتهم يتراكضون وما لأحدهم وجهة ولا مقصد. ثم انجلَت الحال، فإذا هي طيارة لا يدري أحد موردها ولا مصدرها، ألقت قنبلتها الأولى على أكواخ في مزرعة عند جسر تورا فيها ثلاث أسر، في كل أسرة منها أكثر من عشرة أشخاص، فأبادت الجميع. وما ثمة مطار ولا ثكنة ولا شيء ممّا يصحّ أن يكون لقنابل الطائرات هدفاً عسكرياً. وألقت الثانية نارها على باب السلامة، من أسفل الجزيرة، فهدمت أربع عشرة داراً (لا شقّة) من تلك الدور العربية المتداخلة المبنيّة باللبِن والطين التي يسكنها الضعفاء الفقراء. والثالثة وقعت على الكلاّسة فأبادت الحيّ كله، ولو زاحت عن موقعها عشرة أمتار إلى الجنوب لطارت بمئذنة العروس، ولو انحرفت عشرة أمتار إلى الشمال لذهبَت بقبر صلاح الدين. ورُميت الأخيرة في الحيّ الجديد في «سيدي عامود»، الذي لم يكَد يُبنى بعد أن خرّبه الفرنسيون أيام الثورة الكبرى حتّى حمل إليه الدمارَ في الثانية مَن حمله إليه في الأولى. وما في كل ما دمّرَت الطائرة ولا في جواره ولا قريباً منه شيء من المصانع أو المواقع العسكرية البتّة. وقع ذلك كله في أقلّ من خمسين ثانية، لم يمتدّ إلاّ ريثما اجتازت الطيارة من أول المدينة القديمة إلى آخرها، ثم توارت في الظلام كما خرجَت من الظلام، كما يفعل اللصوص في كل آن وكلّ مكان. أسرعتُ مع مَن أسرع إلى مطرح القنابل، وبدأت من

стр. 1422

«سيدي عامود» فإذا القنبلة قد سقطت في وسط الطريق، في ميدان صغير يتقاطع فيه شارعان، فاحتفرت حفرة هائلة وتطايرت قطعها وشظاياها فأصابت أربع عمارات جديدة مترَعة بالسلع التجارية، فضعضعَتها وهزّت أركانها وأدخلَت بعضها في بعض، وأبادت كل ما كان فيها من سلعة ومتاع، وأفقرت أسراً الله أعلم بعددها، كما حطّمَت كلّ زجاج الحيّ وقتلت رجلاً وامرأتين. وذهبت بعد ذلك إلى الكَلاّسة، فإذا هذا الحي الآمن بأمان المسجد، المجاور لقبر صلاح الدين، قد غدا تلاًّ واحداً كالقبر العظيم، كأنه لم يكن منذ ساعات يبسم للحياة ويبسم له المجد، وكأنه لم يكن منزل الكرام الصيد المحسنين. وكان الناس مزدحمين يعملون مَسَاحيهم ومعاولهم في هذه الأنقاض فيكشفون عما تنفطر لهوله القلوب، ويلقون من غرائب الحياة ومآسيها ما يُخجل أكبرَ القُصّاص ويدفعه إلى حَطْم القلم وهجر الكتابة، لأن الواقع الذي وقع يومئذ أبلغ من كل ما تخيّل الأدباء والقصّاصون. وكان النساء يولولن ويصِحن يسألن عن زوج ضائع أو ولد مفقود، ويقعن على أرجل الكشّافة والفَعَلة وأصحاب المساحي يسألنهم الإسراع بالكشف عمّن افتقدن من أقربائهن، ومنهم امرأة رأيتها تُقبِل على التراب تنبشه بيديها، تبلّله بدموعها، تعدّ الدقائق والثواني، تتصور الموت جاثماً على صدر من تحبّ تحت هذا الثرى، فإذا رأت أنها لم تصل إلى شيء وهالها الأمر جُنّ جنونها، فأقبلت تلطم وجهها وتشدّ شعرها.

стр. 1423

والرجال ... لم يكن الرجال يومئذ بأجلد من النساء. وكيف يتجلّد الرجل ويصبر وحبيبه تحت الأنقاض، وكلّما مرّت لحظة دنا منه الموت شهراً؟ كيف يصبر وهو يظنّ أن في يده حياة حبيبه المدفون حياً تحت الثرى، ويتصوّر كيف يعيش من بعده إذا توهّم أنه هو الذي قتله بتقاعسه عن إسعافه؟ إن الذي رأيت في الكلاسة يومئذ من الفواجع والمآسي لا يقدر على وصفه لسان ولا قلم. والحفّارون خلال ذلك يُخرِجون جثّة من هنا وجثّة من هناك، فينادون عليها ليعرفها أهلوها. ولقد وجدوا جثثاً مشوَّهة لم يُعرف أصحابها، ووجدوا ساعداً مبتوراً لم يُدرَ من صاحبه. وهذه امرأة حديثها عجب من العجب: فقد كانت تنام بين ولدَيها، فلما سمعت الرجفة نهضت وكل عِرق منها يرتجف كأنما مسّته الكهرباء، فوجدت الظلام من حولها دامساً طامساً، فمدّت يدها تتلمّس ولدَيها فوقعت على الرضيع ولم تقع على الآخر، فتحسّست مكانه فإذا يدها على جذع من الخشب سقط من السقف وسط تراب منهار، فنهضت كالمجنونة فاصطدم رأسها بشيء قريب حسبته السقف، فازداد جنونها ولم تدر أهي في يقظة أم في حلم، فأخذت بيد ابنتها التي ما ينقطع بكاؤها وقبعت في فراغ وجدَته. وكان ينتهي إلى سمعها صدى طرقات بعيدة كأنها آتية من قرارة سبع آبار، ثم رأت حين ألِفت عيناها الظلمة كأنما هي في مغارة لا باب لها ولا كوّة، ثم إنها من ضيقها كالقفص، فأقبلَت تضرب بيديها ورأسها والتراب يتساقط عليها حتّى وجدت بصيصاً من النور، وازداد صوت الطّرْق وضوحاً في أذنيها وتسرّب إليها الهواء بعد أن كادت تختنق، فأُغمي عليها

стр. 1424

ولم تُفِق إلا في المستشفى ورضيعها إلى جنبها، أمّا ولدها الآخر وزوجها فبقيا تحت الأنقاض ... لقد ماتا. وهذا هو الأستاذ المصور أكرم يفتّش عن ولده الحبيب، وقد جحظَت عيناه من الذعر وتبدّلَت حاله وشحب لون خدّيه فصار كقشرة الليمون، وهو يستحثّ الحفّارين ويضرب بيديه التراب. هنا ابنه، ولده الحبيب يا أيها الآباء ... جاء به من المهاجرين يوم الروع ليُودِعه المكان الآمن عند جدار المسجد، عند قبر صلاح الدين. وما يفيده صلاح الدين بعد موته، ولا ينفع ميتٌ حياً ولا يضرّه. ومرّت ثلاث ساعات كانت عليه وعلى المشاهدين كأنها ثلاثة عصور، ثم انكشف الردم عن نصف غرفة وإذا الولد فيها وهو حيّ. يا أيها القراء، أمسكوا قلوبكم لأن المشهد الذي رأيته بعيني وسأصفه لكم يمزّق القلوب: رأى الولد قد سقطت قطعة من إسمنت الجدار على يده فبقيت يده تحتها إلى قريب من الكتف، وهو يصرخ: أبي ارفعني، ارفعني يا أبي ... فلما سمع الأب صوته هُرع إليه يعانقه وهو يبكي، وكل عين تبكي، لكن كيف يرفعه وفوق ذراعه هذا الثقل كله؟ وأقبلوا يحاولون رفع هذه القطعة، وينقلون التراب الذي سقط معها، والولد يصيح صياحاً جعل أباه يفكّر بإنقاذه ولو بقطع يده! أسمعتم؟ يفكر بإنقاذه ولو بقطع يده! وإنهم لفي ذلك وإذا بقطعة أخرى تهوي على رأس الصبي فتقتله حالاً. وها هنا طفل رضيع يجدونه حياً، يمتصّ من ثدي أمه الميتة، حقائق لو كانت خيالاً لكانت من أغرب الخيال.

стр. 1425

ولمّا انصرفتُ من الكلاسة أخذ بيدي صديق لي وأنا لا أبصر من الأسى والحزن طريقي فقال: إن ما رأيت ليس بشيء. إن أحببت أن تنظر إلى أفظع عدوان وأشقى ضحيّة وأروع مشهد فتعالَ معي إلى باب السلام، فلقد أُخرجَ منه إلى الآن سبعة وعشرون قتيلاً. فنَتَرْتُ يدي منه وقلت: حسبي ما رأيت! ومضيت وأنا لا أرى ما حولي من الدموع في عيني. وانجلَت الغارة عن ثمانية وعشرين منزلاً أضحت خرائب وتلالاً، وواحد وسبعين قتيلاً ثلاثة أرباعهم من النساء والأطفال، ونحو من خمسين جريحاً لا يكاد يعيش منهم أحد. ما قُتل هؤلاء في المعركة الحمراء، ولا سالت نفوسهم على ظُبى الأسنّة وشفرات السيوف. ولو واجههم العدو في حومة الوغى لوجدهم فرسانها وسادتها، ولكنه أتاهم غدراً وعدا عليهم وهم آمنون في دورهم، فأخذ الرجلَ من جنب زوجته وولده أو قتلهم جميعاً، لم يتورّع عن قتل النساء ولا عن ذبح الذراري. لم يكسر عليهم الأبواب ويدخل دخول الغاصب القوي، ولكنه مرّ في الظلام الحالك مرور اللصّ الجبان، فراغ عن مواطن الجندية ومنازل الأبطال -لأنه ليس من أكفائهم- وتخيّر هذه البقعة الآمنة حول بيت الله، فصبّ عليها كلّ ما في النفوس الشريرة من خِسّة ودناءة (١). * * *

стр. 1426

ثم سمعنا أنه كان من بعدُ ما هو أشدّ من ذلك وأدهى، حين لبس رجال دولة الحضارة والعلم (التي جاءت اليوم تحمي الديمقراطية -كما تقول- وتدافع عن حقوق الإنسان) حين لبس رجالها جلود النمور والذئاب، بل لقد صنعوا ما لم تصنع مثله الذئاب ولا النمور. الذئاب تأكل لتعيش وتهجم على قطيع الغنم فتفتك ببضعة رؤوس منه، أمّا هؤلاء فقد قتلوا بضربة واحدة أهل مدينة كاملة، أهل هيروشيما ثم أهل ناغازاكي؛ كانت ثمرة علمهم وتفكيرهم ورقيّهم وحضارتهم هذه الجريمة التي هانت معها الجرائم. فمَن كان معجَباً بهم فليقرن تاريخهم هذا القريب بتاريخنا نحن المسلمين. خذوا مثلاً واحداً: لمّا عدا الصليبيون على القدس ذبحوا أهلها وقتّلوهم تقتيلاً، حتّى قضوا على سبعين ألفاً منهم ظلماً وعدواناً ونذالة ووحشية، فلما استردّها صلاح الدين أخرجهم سالمين آمنين: ملَكْنا فكانَ العدلُ منّا سجيّةً ... فلما ملكتُم سالَ بالدَّمِ أبطَحُ وحلّلتمو قتلَ الأُسارى وطالما ... غَدَوْنا على الأسرى نَمُنُّ ونَصْفَحُ فحسبُكمو هذا التفاوُتُ بيننا ... فكلُّ إناءٍ بالذي فيهِ ينضَحُ * * * وأنا لا أعجب أن يكون في الناس كرام ولئام وأن يكون فيهم عادلون وظالمون، هذه سنّة الله في البشر. ولكني أعجب أن يأتي منّا من ينسى بياض تاريخنا ويتوهّم النورَ في سواد تاريخ غيرنا، أن نُهمِل فضائلنا ثم نمجّد أعمالهم التي يكاد أكثرها يُعَدّ

стр. 1427

من الرذائل. هذه قصّة غارة واحدة رأيناها من طائرة واحدة مَرّت بسمائنا، فكيف كان الألمان خلال الحرب الثانية تهجم عليهم ألف طيارة أكبر وأضخم وأقوى على الإبادة وعلى التقتيل من هذه التي مَرّت بنا، فإذا انقضت الغارة خرجوا فأصلحوا ما فسد وسدّوا من الجدار ما انخرق، وصبروا وعادوا إلى العمل وإلى القتال؟ فهل الألمان -مثلاً- أقوى منّا خلقاً وأقوى طبيعة، وأقرب إلى الرجولة وإلى مزايا الأبطال؟ لا، ولكن طول الدعة والخمول، والقرون التي مرّت بنا في عصور انحطاطنا هي التي أنستنا بعض فضائلنا. ولكن لا تخافوا ولا تيأسوا من روح الله، فإن الله موجود، يناديكم أن تعودوا إليه، فإذا عدتم إليه أعاد لكم النصر وأعاد لكم الظفر. إن العزّة التي صبّها الإسلام في عروقنا لا تزال جارية فيها مع دمائنا. يا أيها الناس، إن قطعة الذهب قد تسقط في الوحل فيصيبها الأذى ولكنها تبقى ذهباً، والصفيح ليس كالذهب، والشر ليس كالخير، والليل الأسود البهيم ليس كالضّحى المشرق المضيء. واليهودي ليس كالمسلم ولو وُضِعَت في يده أموال الدنيا، ولو جمع في مخازنه أسلحة الدنيا، ولو وقفَت وراءه أقوى دولة في الدنيا. * * *

стр. 1428

-١١٧ - في القضاء في دوما تركت النبك وقد حملت منها طاقة من أجمل ذكرياتي، وقضيت فيها أياماً من أحلى أيام حياتي، وأخذت منها دروساً نفعتني في عملي. نُقلت إلى دوما خلَفاً للشيخ أنيس الملوحي الذي درّبني على القضاء، وكان قبله فيها الشيخ عبد الفتاح الأسطواني، وقبلهما الشيخ الفقيه الحنبلي الشيخ حسن الشطي رحم الله الجميع. والموظف الذي يُنقَل إلى دوما إنما يُنقل إلى دمشق لأن دوما حيّ من أحياء دمشق، وإن كنّا نراها يومئذ بعيدة عنها ونرى ذهابنا إليها سفراً. والمسافة بين دمشق ودوما أقلّ من المسافة بين دارَي ابنتَيّ في جدة في حيّ الجامعة ودار ابنتي الثالثة في حيّ الحمراء! اتسعت المدن وتدانى البعيدان وسَهُلت المواصلات، فصرنا نرى قريباً ما كنّا نعدّه من قبل بعيداً. كنت أنام في بيتي في دمشق، أغدو على المحكمة صباحاً وأروح منها ظهراً، ولكنني أقضي على الطريق إليها مثل الذي تُمضيه الطيارة اليوم ما بين جدّة والقاهرة أو جدّة وعمان؛ ذلك أننا كنّا في أيام الحرب في شدّتها وفي عضّتها، المواصلات صعبة

стр. 1429

ووسائلها قليلة، فكنت أنزل من داري في الجادة السادسة إلى حيث يمشي الترام في الجادة الأولى فأنتظره حتّى يجيء، وأزاحم أو أطلب أول الخطّ قبل أن يمتلئ لأجد لي مكاناً، فإذا وصلت إلى ساحة المرجة أكون قد أضعت أكثر من نصف ساعة، ثم أنتظر نحواً من نصف ساعة حتّى يصل ترام دوما، فأشقّ الزحام أو أجد بعض الإخوة الكرام فيفتحوا لي الطريق حتّى آخذ مكاني فيه، فأصل دوما بعد ساعتين كاملتين من خروجي من داري! يخترق دوما من وسطها شارعٌ طويل عريض يصل ما بين مشرقها ومغربها، تتفرع عنه شوارع قليلة وحارات ضيّقة كثيرة. وقد بنوا في غربيها قصراً للحكومة جديداً واسعاً من طبقتين، في زاويتَيه ركنان بارزان. وكانت المحكمة الشرعية في أحد الركنَين، تتألّف من بهو كبير وأمامه غرفة صغيرة، ففي البهو قوس المحاكمة الذي يقعد في وسطه القاضي، وعن يساره كاتب الضبط، وأمامه مكتبان وكرسيان للمدّعي والمدّعى عليه. ووجدت أن من كان قبلي يبقى قاعداً على القوس نهاره كله، فإذا جاء المراجعون صعدوا إليه أو وقفوا تحته فكلّمهم من فوق. والقوس إنما بُني ليقعد عليه القاضي وقت المحاكمة فقط، فإن انتهت ذهب إلى غرفته. ولم تكن لي غرفة أذهب إليها فحِرت ماذا أصنع، ورجعت إلى وزارة العدل فلم أجد عندها استعداداً لعمل شيء. فخطر لي خاطر غريب لعلّ القرّاء الآن بعد ثلاث وأربعين سنة (١) يَعجَبون

стр. 1430

منه كما عَجِب الناس منه لمّا نفذته. هذا الخاطر هو أن أقتطع من الرحبة الكبيرة التي تفصل بين الغرف وتمتدّ من طرف قصر الحكومة إلى طرفه الآخر، أقتطع قطعة أقيم فيها جداراً يصل بين غرفتَي المحكمة ويحجزهما عن باقي الردهة، وأنقل قوس المحاكمة إليه، وأجعل الغرفة الكبيرة لي والصغيرة المقابلة للكاتبين. فكّرت في ذلك طويلاً: هل أُقدِم عليه (وفيه مخالفة صريحة للقانون) لِما فيه من النفع الظاهر أم أمتنع عنه وأدع كلّ شيء على حاله؟ وكنت امرءاً يحب المغامرات، فآثرت الأولى. وكان عندي آذن (فرّاش) من أهل البلد، كبير السنّ كثير المعارف والأصحاب أمين على المال وعلى الأسرار، فدعوت به وقلت له: يا أبا محمد، أريد أن تذهب إلى السوق حيث تُباع أنقاض البيوت فتشتري لي باباً قديماً ومقداراً من اللبِن يكفي لبناء جدار، وأن تأتيني ببَنّاء ماهر ونجّار حاذق في مهنته أمين في عمله. قال: أفعل، ولكن اسمح لي أن أسأل: ماذا تريد أن تصنع؟ قلت: إذا انصرف الموظفون يوم الخميس أجيء بهذا اللبن فأجعل منه جداراً من الأرض إلى السقف، يصل بين الغرفتين ويفصل المحكمة عن سائر غرف القصر وأبهائه، وينقل النجار هذا القوس كله إلى الغرفة التي تقوم في هذا الفراغ بعد إنشاء الجدار، وتأتيني بمن يطلي هذا الجدار الذي أقمته من اللبِن بمثل طلاء جدران القصر، فلا يجيء يوم السبت حتّى يكون قد جفّ أو بدأ يجفّ. فتعجّب ولكنه وعد بأن يفعل. ونفّذ ذلك، فخرج الموظفون ظهر الخميس والغرفتان منفصلتان، وعادوا صباح السبت وهما

стр. 1431

متصلتان بينهما غرفة المحاكمة، وقد استقلّت المحكمة الشرعية وصار لها باب. وسكتُّ على ذلك مدّة ولم يسألني أحد ماذا فعلت؛ قائم المقام ظنّ أن هذا العمل قد عملته وزارة العدل، والمراجعون حسبوا أن قائم المقام هو الذي أجرى هذا التعديل، واستقام الأمر ولكن بقيَت غرفتي بلا أثاث. وكان محاسب وزارة العدل شيخاً من بقايا العهد العثماني أبقوه لخبرته وأمانته، كبير السنّ طيّب القلب بطيء الكلام كثير التفكير، اسمه زيوار بك الجابي، رحمة الله عليه. ذهبت إليه فقلت: يا زيوار بك، غرفتي في المحكمة في دوما ما فيها أثاث، فهل تحبّ أن أشتري بساطاً فأقعد على الأرض؟ فرفع حاجبَيه متعجّباً وقال: أين الأثاث؟ فقلت: هل تذهب معي فترى؟ قال: لا أستطيع، ولكن أرسلُ معك موظفاً من قِبَلي تُطْلِعُه على ما تريد. وجاء الموظف فرأى ما صنعتُ واستحسنه، وأبصر الغرفة خالية فرجع إليه فأخبره، فسألني: من أين أنفقت على بناء الجدار ونقل القوس؟ قلت: قبل أن أخبرك عن النفقات أسألك: هل استحسنت هذا العمل؟ قال: "والله طيّب. عملت طيّب". قلت: أرسل من يقدّر تكاليفه. قال: نعم. وأرسل من قدّر التكاليف بعشرة أضعاف ما أنفقتُه أنا فيها، فلما لقيته قال: نُعِدّ سنداً بالمبلغ لندفعه لك. فضحكت وقلت: ولكني صرفت عُشر هذا المبلغ الذي قدّرتموه. قال: كيف؟ فخبّرتُه بما صنعت، فعجب منه وأُعجِب به وقال: يا ليت جميع القُضاة يصنعون مثل هذا، ينجزون الأعمال ويوفّرون الأموال. قلت: ولكن يا زيوار بك، الفرش! قال: "تكرم عينك"، وكتب لي رسالة رسمية إلى تاجر

стр. 1432

في سوق الأروام (وهو جزء من سوق الحميدية المشهور) اسمه كوكش يُعَدّ من أكبر تُجّار الأثاث، فأخذت منه مكتباً وفرشاً كاملاً للغرفة بقي يُستعمل بعدي أكثر من عشرين سنة. إني لأفكّر الآن، فأتساءل: هل ما عملته صواب؟ ولو سُئلت عن مثله هل أُفتي به وأنصح السائل بأن يعمل مثل ما عملتُ؟ أظنّ بأن الجواب: لا. لأننا لو تركنا لكل موظف أن يجتهد رأيه وأن ينفّذ ما يراه من غير أن يرجع إلى رئيس يملك حقّ البَتّ في الموضوع، لصارت الأمور فوضى ولفسدت حياة الناس. فالذي عملته كان بالمصادفة خيراً، ولكن عمل مثله وجعل ذلك قاعدة يكون منه شرّ مستطير. * * * أنا أدوّن الآن ذكريات سنة ١٣٦١هـ، وقد كان عمري أربعاً وثلاثين سنة، تنقّلت في البلاد ورأيت أصنافاً من العباد ولكني لم أخالطهم ولم أداخلهم، كنت ألقاهم من فوق أعواد المنابر أو من خلال أوراق الصحف والمجلاّت أو من فوق منبر التدريس. والذين لقيتهم إنما كان لقائي بهم عارضاً، أُلامسهم ولا أداخلهم، فلما وليت القضاء رأيت ما لم أكن أعرف من قبل، رأيت في كلّ قرية من القرى رجلاً له مطامع وله نفوذ وله سلطان، ولكن أكثر هؤلاء ليس له مع هذا النفوذ عدالة ولا إيمان، فكانوا يظلمون الناس ويستحلّون أموالهم ويعبثون بحقوقهم، ويُلبِسون «طاقية» زيد عَمْراً، هَمّهم من ذلك كله أن يدخل المال جيوبهم وأن يزيد بين الناس جاههم وأن ترتفع منازلهم. وكان أكثر ما يعتمدون

стр. 1433

عليه الصلة بالحُكّام، أو إيهام العوامّ أن لهم صلة بالحُكّام. ولقد رأيت مَن يأتي فيسلّم عليّ كما يسلّم الناس على القاضي الجديد، ثم يستغلّ هذا السلام في ظلم الأنام وفي سلب أموالهم وفي إضاعة حقوقهم. ولقد كنت أسمع الناس هنا يَعجبون حين يرون أمثال هذه القصص في المسلسلات التي تصوّر حال الأرياف في مصر ويحسبونها مبالغة، فكنت أقول لهم إنني رأيت كثيراً من أمثالها. لذلك نشأت لديّ عُقدة نفسية: خوف من أن يستغلّني واحد من هؤلاء، فكنت أهرب منهم وأبتعد عنهم وأغلق بابي في وجوههم. كانوا يقولون قديماً: إنّ نصفَ الناسِ أعداءٌ لمنْ ... وَلِيَ الأحكامَ، هذا إنْ عَدَلْ فرأيت أنّ مَن عدل كان أكثرَ الناس أصدقاء، ولكن هؤلاء الأصدقاء من الضعاف الفقراء الذين لا ترتفع أصواتهم ولا يمتدّ نفوذهم إلى أبعد من أسرهم وذويهم، ووجدت أن أصحاب النفوذ وأهل الوجاهة وزعماء الأحياء والقرى، وهم قِلّة، لا يرضون إلاّ عن القاضي الذي يماشيهم ويسايرهم، ويسهّل لهم أعمالهم ويكون معهم، ولو كان ذلك على حساب العدل والحقّ. فلما وصلت دوما ساءلت نفسي: هل أؤثر دنياي فأجامل هؤلاء وأعاملهم بالحسنى لأدفع شرهم عني، أم أقيم العدل على ساقَيه ولا أبالي بأحد في سبيله؟ فآثرت الثانية، ولم أنسَ ما كنت كتبته عن الشيخ سليمان الجوخدار الذي ولي إفتاء دمشق قبل ثمانين سنة فعادى جماعة من الوجهاء أيام العثمانيين، فما زالوا به حتّى أخرجوه من وظيفته وأبعدوه عن منصبه.

стр. 1434

فكرت: ما الذي يمكن أن يصنعوه معي؟ أمّا المنصب فلا والله ما باليته، ولقد عشت من عمري دهراً قبل أن أصل إليه وسأعيش إن امتدّ بي الأجل بعد أن أخرج منه (١)، ليست حياتي متوقّفة عليه ولا مربوطة به. وليس لي مال ولا عقار أخاف أن يسلبوه مني، وليس لي جاه أحرص عليه من طريق الوظيفة، إذا كان لي شيء من الجاه فإنما جاءني بلا طلب مني، عن طريق قلمي وعن طريق لساني وعن طريق مواقفي، فلا يؤثّر فيه كوني موظفاً أو كوني بعيداً عن الوظيفة. فقررت أمراً واعتزمتُه، ما أظنّ أن أحداً سبقني إليه؛ هو أن أسدّ بابي وأشدّد حجابي في وجه المسلّمين عليّ من هؤلاء الوجهاء والزعماء من أصحاب المطامع، ففعلت ذلك فلم ألقَ واحداً منهم، وكتبت على بابي: "إن المحكمة للمعاملات لا للمجاملات، فمن جاء يسلّم عليّ فأنا أشكره وأرجو ألاّ يعود، ومن جاء لمعاملة قانونية له في المحكمة فأهلاً به وسهلاً". وعلّقت إعلاناً على باب المحكمة بالخطّ الكبير كتبت فيه: (١) لا تُقبَل المراجعات والمعاملات إلاّ من صاحب العلاقة أو وكيله القانوني. (٢) لا تُقبل المراجعات من الأئمة والمختارين (المختار هو العمدة) وملاحقي الأوراق إلاّ إن كانت لهم شخصياً أو كان بأيديهم وكالة قانونية.

стр. 1435

(٣) لا يُستوفى في المحكمة إلاّ الخرج القانوني عن المعاملات والعقود التي تجري خارجها. (وكان هذا الخرج لا يزيد على خمس ليرات سورية، تعدل عند الصرّاف اليوم ريالين). (٤) لا تجري العقود والمعاملات خارج المحكمة إلاّ بإذن من القاضي. (٥) من تجَرّأ على دفع أيّ مبلغ من المال ولو كان هدية أو إكرامية لآذن (لفرّاش) أو لموظف من موظفي المحكمة، يُنظّم بشأنه الضبط اللازم ويُساق إلى النيابة فوراً. (٦) تُقبل المراجعات كل يوم إلى الساعة الثانية عشرة، عدا اليومين المخصّصَين للعقود. (٧) مَن تأخّرَت له معاملة عند موظف في المحكمة بلا سبب مشروع فليراجع القاضي. منعت المهنّئين جميعاً من الدخول عليّ لأني وجدت أنني لا أستطيع أن أجمع بين رضا الله بالدفاع عن الضعاف المظلومين ورضا هؤلاء الوجهاء الذين يريدون إضاعة مصالح الضعاف وهدر حقوقهم وصولاً إلى مطامعهم. وجاءني المفتي، وهو أقرب الموظفين إلى القاضي عُرفاً وقانوناً. وكان مفتي دوما في ذلك الوقت (قبل ثلاث وأربعين سنة) رجلاً شبه جاهل، وكان ممالئاً للفرنسيين غارقاً في العصبيات المحلّية، وكان يخطب في الجامع الكبير، فكرهه الناس حتّى اضطروا إدارة الأوقاف (ولم تكن قد صارت وزارة)

стр. 1436

إلى ربط الخطبة بغيره. وأذكر أنه دخل مرّة فصعد المنبر، فلما رآه المصلون حملوا أحذيتهم وخرجوا يبتدرون المساجد يفتشون عن مسجد آخر يصلون فيه، ولم يبقَ منهم أحد. كانت في الناس يقظة وكانوا يعرفون كيف يُظهِرون الرضا عن الصالح والنقمة على الطالح، وهذا من أسباب صلاح الحال. دخل عليّ فلم أستطع أن أردّه واستقبلته متحفّظاً، وسمعت منه الكثير ولم أقُل له إلاّ القليل، وعرض عليّ «خدماته» وأنه لا يريد إلاّ راحتي وما عليّ إلاّ أن آمر بما أتمنّى فيُطاع أمري. ولمست من كلامه صحّة قالة السوء عنه ورأيت في مظهره صدق ما يقول الناس عن مخبره، فقلت في نفسي: أقطع الخيط من أول يوم. وأبعدت عن قلبي فكرة الاستفادة منه أو مجاملته، وقلت له: إن راحتي بأن تكون صلتي بك -مع احترامي إياك- في حدود الرسميات، ولا آمر بل أرجو ألاّ يكون بيننا زيارات ولا صلات إلاّ ما تقتضيه الوظيفة. فتجهّم، وقال: ولكن لماذا؟ فقلت: ليس عليّ أن أخبرك وليس لك أن تسألني لماذا؛ أنا حرّ في أن أصادق من أشاء وأبتعد عمّن أشاء، ولك مثل الذي لي من هذه الحرية. فكسبت بذلك أول عدوّ لي. وكان عدواً قوياً مُؤيَّداً من جماعة قليلة جداً من الناس ولكنها قوية، ومن جمهور الحُكّام، ومن المستعمرين الفرنسيين الذين يتزلّف إليهم ويتقرب منهم. والثاني: مأمور الأوقاف. وهو شاب يتّخذ زيّ العلماء، الجبّة والعمامة، وله بعض الاطّلاع على مبادئ المذهب الحنبلي (لأن أهل دوما حنابلة). وقد سلك الطرق الملتوية حتّى صار

стр. 1437

مفتي الحنابلة في دمشق، وهو خطيب طلق اللسان يُحسن الكلام وإن كان أكثر كلامه خالياً من العلم، وهو نموذج لطبقة عندنا من المشايخ، إذا وقفَت أمام الجمهور تخطب في المساجد يكاد يذوب أفرادها من الخشوع لله ويتفجّرون تارة من الغضب لله، فإذا صاروا أمام الحُكّام كانوا مرآة لهم، لا يرى الحُكّام فيها إلاّ ما تهوى أنفسهم وآلة مسجّلة لا يسمعون منها إلاّ كلامهم، يكرّره هؤلاء ويعيدونه ويشرحونه ويضعون له الحواشي؛ يقولون ما يرضي الحُكّام ويعظّمهم ويُطربهم، وربما كان منهم (وقد تحقّقت من ذلك) من هو عين لهم علينا، يدلّهم على عوراتنا ويرشدهم إلى مواطن ضعفنا ويُفشي لهم أسرارنا. فإن جاءت فرصة لاح فيها شبح منفعة لأحدهم (من مال يناله أو وظيفة يأخذها) وثب عليها، لم ينظر إلاّ إليها ولم يفكّر إلاّ فيها، ونسي ما كان يعظ به ويدعو إليه. ولي مع هذا المأمور قصّة طويلة (ربما جاء ذكرها)، وما زلت به أتابعه في التقارير وفي الرسائل إلى مديرية الأوقاف حتّى وُفِّقتُ إلى إزالته ووضع رجل صالح مكانه. وكان المدير العامّ للأوقاف هو جميل بك الدهان، الرجل التقيّ الحازم. ومن الغريب أن هذا المأمور (الذي كان شاباً في تلك الأيام وصار الآن كهلاً أو شيخاً) مقيم هنا، كما يُقيم رفيق له أكبر منه سناً وأقدم في هذه الصناعة الخبيثة قدماً، قد استحوذ هذا المأمور على ثقة كبير من رجال المال والأعمال، فهو يرتع اليوم في ماله ولا يساعده في شيء من أعماله.

стр. 1438

وكسبت عدواً ثالثاً، رجل له نفوذ عند الحكومة وله مقام عند رئيس الجمهورية، وكان عضواً في المجلس النيابي. جاءني مرّة فدخل عليّ بلا استئذان، فاحتملت ذلك منه وسكتّ عنه، وقررت ألاّ أجعل له سبيلاً إلى إعادة مثلها. فقعد منتفخاً ورفع رجلاً على رجل، وبدأ يَمُنّ على القُضاة بأنه اقترح في المجلس زيادة رواتبهم وأنه يدخل على رئيس الجمهورية متى شاء، فقلت له: اسمع يا أخانا، إن رئيس الجمهورية يملك من السلطان ما يُدخِل به مجلسَه مَن شاء ويمنع منه من شاء، أما أنا فلست إلاّ قاضياً من القُضاة مقيّداً بقوانين لا أستطيع أن أخرج عنها ومكلّفاً بأعمال لا أقدر أن أقصِّرَ فيها، وإذا فتحت بابي لمن شاء أن يتسلّى عندي أو يمنّ عليّ بكلام لا يمكن أن أقبله منه عطّلت لذلك مصالح العباد وقضايا المراجعين وخنت أمانتي، لذلك أرجو منك بصراحة ألاّ تدخل عليّ إلاّ إذا كانت لك قضية أنت المدّعي فيها أو الوكيل عن المدّعي، أو أنت المدّعى عليه أو الوكيل عنه، أو كانت لك معاملة هي من خصائص المحكمة. وفي غير هذه الأحوال تسمح لي أن أمتنع عن استقبالك. فحاول أن يهدّد بأن يشكوني إلى الرئيس فقلت له: اسمع، هذا الأسلوب لا مكان له عندي. أنا أقدم منك صلة بالرئيس (شكري بك)، أنا عملت معه يوم كنت قائد الشباب في النضال للاستقلال يوم كنت أنت وأمثالك تفتّشون عن مصالحكم، وهي ضالّتكم، فحيثما وجدتموها وقفتم عندها ولو كانت عند المستعمرين أعداء المسلمين. لذلك وفّر عليك تهديدك أو اذهب إلى فخامة الرئيس فقل له إن فلاناً (الطنطاوي) قال كذا وكذا.

стр. 1439

وبلغني أنه ذهب إليه فردّه رداً سدّ عليه طريق الرجوع إلى مثل ما صنع. والعدوّ الرابع الذي كسبته في أيامي الأولى في دوما أحد أتباع الأمير فواز الشعلان، كان يتكلّم باسمه، يراجع الدوائر ويقابل رؤساءها، يدافع عن قضايا جماعة الأمير من عشيرة الرّوَلة. دخل عليّ في دعوى أُقيمَت عليه فكلّفت المدّعي أن يأتي بالشهود، فلم يجرؤ أحد على الشهادة عليه. وقد خبّروني بعد الجلسة أنهم يخشون الإدلاء بها خوفاً على أنفسهم، فسألتهم: هل سبق أن شهد عليه أحد فقتله أو آذاه؟ قالوا: لا. فلما كان يوم المحاكمة تصوّرت عظمة الله وعظيم جزائه لمن يجترئ عليه وكبير ثوابه لمن يدافع عن الحقّ الذي أمر به، وتوجّهت إلى هذا الرجل (ونسيت اسمه) فحذرتُه عذاب الله ونبّهت في نفسه إيمانه، وقلت له كلاماً لا أستطيع أن أعيده الآن، لأنني لم أكن أنا الذي يتكلّم به بل كان يتكلّم به يومئذ على لساني ما اعتراني من الصلة بالله والاعتماد عليه، وما زلت في هذا حتّى اغرورقَت عيناه بالدمع وقال أمام الناس (وهم لا يكادون من دهشتهم يصدّقون ما يسمعون)، قال: نعم، والله له عندي حقّ، وأنا أستغفر الله، وحقّه مضمون. فقلت له: بارك الله فيك وأعظم ثوابك ... وأثنيت عليه وبيّنت له عظم ما جاء به عند الناس وعند الله. وكذلك يغلب الحقّ إذا عرفت كيف تدلّ عليه وتنبّه إليه وتوقظ الإيمان في نفس المؤمن، حتّى مَن كان مجاهراً بالمعاصي

стр. 1440

إذا وضعت يدك على زر الإيمان في قلبه فإنه يشتعل نوراً كما يشتعل مصباح الغرفة إذا مسست بإصبعك مفتاح الكهرباء. * * * كثُرَت عليّ ألسنة المنتقدين من الوجهاء ومن المتزعّمين، وكان جمهور الناس يدعون لي ولا يملكون عني دفاعاً ولا يملكون لي نفعاً، ولكن الله الذي أمر بأن ندافع عن المظلوم هو القادر على حمايتي ﴿إنّ الله يُدافعُ عن الذينَ آمنوا﴾. فأمضيت سنين طوالاً في دوما وأنا على هذه الوتيرة، ما لقيت يوماً من أحد سوءاً، والذين تحاملوا عليّ ونظروا النظرة السوداء إليّ عادوا فأثنوا عليّ لما رأوا بأنني لا مصلحة لي عند أحد، ولا أبتغي لنفسي نفعاً ولا أدفع عنها ضراً، ووفّق الله وخرجت من دوما ولا يزال ذكري فيها بحمد الله عَطِراً طيّباً. ولا تلوموني إذا قلت ذلك عن نفسي، فإنما أقوله تشجيعاً لغيري في أن يسلك هذا المسلك مثلي. * * * وقعت لي حوادث طريفة في القضاء أعرض لبعضها: من حسنات الفرنسيين في الشام التي حكموها خمساً وعشرين سنة كاملة، لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً (١) أنهم أنشؤوا فيها سجلّين عظيمَين لا تزال أكثر الدول العربية خالية منهما، بل إن السِجِلّ العقاري لا تزال بعض دول أوربّا بعيدة عن تطبيقه لم تعرفه.
следующие страницы →