إلى ربط الخطبة بغيره. وأذكر أنه دخل مرّة فصعد المنبر، فلما رآه المصلون حملوا أحذيتهم وخرجوا يبتدرون المساجد يفتشون عن مسجد آخر يصلون فيه، ولم يبقَ منهم أحد.
كانت في الناس يقظة وكانوا يعرفون كيف يُظهِرون الرضا عن الصالح والنقمة على الطالح، وهذا من أسباب صلاح الحال.
دخل عليّ فلم أستطع أن أردّه واستقبلته متحفّظاً، وسمعت منه الكثير ولم أقُل له إلاّ القليل، وعرض عليّ «خدماته» وأنه لا يريد إلاّ راحتي وما عليّ إلاّ أن آمر بما أتمنّى فيُطاع أمري. ولمست من كلامه صحّة قالة السوء عنه ورأيت في مظهره صدق ما يقول الناس عن مخبره، فقلت في نفسي: أقطع الخيط من أول يوم. وأبعدت عن قلبي فكرة الاستفادة منه أو مجاملته، وقلت له: إن راحتي بأن تكون صلتي بك -مع احترامي إياك- في حدود الرسميات، ولا آمر بل أرجو ألاّ يكون بيننا زيارات ولا صلات إلاّ ما تقتضيه الوظيفة. فتجهّم، وقال: ولكن لماذا؟ فقلت: ليس عليّ أن أخبرك وليس لك أن تسألني لماذا؛ أنا حرّ في أن أصادق من أشاء وأبتعد عمّن أشاء، ولك مثل الذي لي من هذه الحرية.
فكسبت بذلك أول عدوّ لي. وكان عدواً قوياً مُؤيَّداً من جماعة قليلة جداً من الناس ولكنها قوية، ومن جمهور الحُكّام، ومن المستعمرين الفرنسيين الذين يتزلّف إليهم ويتقرب منهم.
والثاني: مأمور الأوقاف. وهو شاب يتّخذ زيّ العلماء، الجبّة والعمامة، وله بعض الاطّلاع على مبادئ المذهب الحنبلي (لأن أهل دوما حنابلة). وقد سلك الطرق الملتوية حتّى صار
стр. 1437
مفتي الحنابلة في دمشق، وهو خطيب طلق اللسان يُحسن الكلام وإن كان أكثر كلامه خالياً من العلم، وهو نموذج لطبقة عندنا من المشايخ، إذا وقفَت أمام الجمهور تخطب في المساجد يكاد يذوب أفرادها من الخشوع لله ويتفجّرون تارة من الغضب لله، فإذا صاروا أمام الحُكّام كانوا مرآة لهم، لا يرى الحُكّام فيها إلاّ ما تهوى أنفسهم وآلة مسجّلة لا يسمعون منها إلاّ كلامهم، يكرّره هؤلاء ويعيدونه ويشرحونه ويضعون له الحواشي؛ يقولون ما يرضي الحُكّام ويعظّمهم ويُطربهم، وربما كان منهم (وقد تحقّقت من ذلك) من هو عين لهم علينا، يدلّهم على عوراتنا ويرشدهم إلى مواطن ضعفنا ويُفشي لهم أسرارنا. فإن جاءت فرصة لاح فيها شبح منفعة لأحدهم (من مال يناله أو وظيفة يأخذها) وثب عليها، لم ينظر إلاّ إليها ولم يفكّر إلاّ فيها، ونسي ما كان يعظ به ويدعو إليه.
ولي مع هذا المأمور قصّة طويلة (ربما جاء ذكرها)، وما زلت به أتابعه في التقارير وفي الرسائل إلى مديرية الأوقاف حتّى وُفِّقتُ إلى إزالته ووضع رجل صالح مكانه. وكان المدير العامّ للأوقاف هو جميل بك الدهان، الرجل التقيّ الحازم.
ومن الغريب أن هذا المأمور (الذي كان شاباً في تلك الأيام وصار الآن كهلاً أو شيخاً) مقيم هنا، كما يُقيم رفيق له أكبر منه سناً وأقدم في هذه الصناعة الخبيثة قدماً، قد استحوذ هذا المأمور على ثقة كبير من رجال المال والأعمال، فهو يرتع اليوم في ماله ولا يساعده في شيء من أعماله.
стр. 1438
وكسبت عدواً ثالثاً، رجل له نفوذ عند الحكومة وله مقام عند رئيس الجمهورية، وكان عضواً في المجلس النيابي. جاءني مرّة فدخل عليّ بلا استئذان، فاحتملت ذلك منه وسكتّ عنه، وقررت ألاّ أجعل له سبيلاً إلى إعادة مثلها. فقعد منتفخاً ورفع رجلاً على رجل، وبدأ يَمُنّ على القُضاة بأنه اقترح في المجلس زيادة رواتبهم وأنه يدخل على رئيس الجمهورية متى شاء، فقلت له: اسمع يا أخانا، إن رئيس الجمهورية يملك من السلطان ما يُدخِل به مجلسَه مَن شاء ويمنع منه من شاء، أما أنا فلست إلاّ قاضياً من القُضاة مقيّداً بقوانين لا أستطيع أن أخرج عنها ومكلّفاً بأعمال لا أقدر أن أقصِّرَ فيها، وإذا فتحت بابي لمن شاء أن يتسلّى عندي أو يمنّ عليّ بكلام لا يمكن أن أقبله منه عطّلت لذلك مصالح العباد وقضايا المراجعين وخنت أمانتي، لذلك أرجو منك بصراحة ألاّ تدخل عليّ إلاّ إذا كانت لك قضية أنت المدّعي فيها أو الوكيل عن المدّعي، أو أنت المدّعى عليه أو الوكيل عنه، أو كانت لك معاملة هي من خصائص المحكمة. وفي غير هذه الأحوال تسمح لي أن أمتنع عن استقبالك.
فحاول أن يهدّد بأن يشكوني إلى الرئيس فقلت له: اسمع، هذا الأسلوب لا مكان له عندي. أنا أقدم منك صلة بالرئيس (شكري بك)، أنا عملت معه يوم كنت قائد الشباب في النضال للاستقلال يوم كنت أنت وأمثالك تفتّشون عن مصالحكم، وهي ضالّتكم، فحيثما وجدتموها وقفتم عندها ولو كانت عند المستعمرين أعداء المسلمين. لذلك وفّر عليك تهديدك أو اذهب إلى فخامة الرئيس فقل له إن فلاناً (الطنطاوي) قال كذا وكذا.
стр. 1439
وبلغني أنه ذهب إليه فردّه رداً سدّ عليه طريق الرجوع إلى مثل ما صنع.
والعدوّ الرابع الذي كسبته في أيامي الأولى في دوما أحد أتباع الأمير فواز الشعلان، كان يتكلّم باسمه، يراجع الدوائر ويقابل رؤساءها، يدافع عن قضايا جماعة الأمير من عشيرة الرّوَلة. دخل عليّ في دعوى أُقيمَت عليه فكلّفت المدّعي أن يأتي بالشهود، فلم يجرؤ أحد على الشهادة عليه.
وقد خبّروني بعد الجلسة أنهم يخشون الإدلاء بها خوفاً على أنفسهم، فسألتهم: هل سبق أن شهد عليه أحد فقتله أو آذاه؟ قالوا: لا. فلما كان يوم المحاكمة تصوّرت عظمة الله وعظيم جزائه لمن يجترئ عليه وكبير ثوابه لمن يدافع عن الحقّ الذي أمر به، وتوجّهت إلى هذا الرجل (ونسيت اسمه) فحذرتُه عذاب الله ونبّهت في نفسه إيمانه، وقلت له كلاماً لا أستطيع أن أعيده الآن، لأنني لم أكن أنا الذي يتكلّم به بل كان يتكلّم به يومئذ على لساني ما اعتراني من الصلة بالله والاعتماد عليه، وما زلت في هذا حتّى اغرورقَت عيناه بالدمع وقال أمام الناس (وهم لا يكادون من دهشتهم يصدّقون ما يسمعون)، قال: نعم، والله له عندي حقّ، وأنا أستغفر الله، وحقّه مضمون. فقلت له: بارك الله فيك وأعظم ثوابك ... وأثنيت عليه وبيّنت له عظم ما جاء به عند الناس وعند الله.
وكذلك يغلب الحقّ إذا عرفت كيف تدلّ عليه وتنبّه إليه وتوقظ الإيمان في نفس المؤمن، حتّى مَن كان مجاهراً بالمعاصي
стр. 1440
إذا وضعت يدك على زر الإيمان في قلبه فإنه يشتعل نوراً كما يشتعل مصباح الغرفة إذا مسست بإصبعك مفتاح الكهرباء.
* * *
كثُرَت عليّ ألسنة المنتقدين من الوجهاء ومن المتزعّمين، وكان جمهور الناس يدعون لي ولا يملكون عني دفاعاً ولا يملكون لي نفعاً، ولكن الله الذي أمر بأن ندافع عن المظلوم هو القادر على حمايتي ﴿إنّ الله يُدافعُ عن الذينَ آمنوا﴾. فأمضيت سنين طوالاً في دوما وأنا على هذه الوتيرة، ما لقيت يوماً من أحد سوءاً، والذين تحاملوا عليّ ونظروا النظرة السوداء إليّ عادوا فأثنوا عليّ لما رأوا بأنني لا مصلحة لي عند أحد، ولا أبتغي لنفسي نفعاً ولا أدفع عنها ضراً، ووفّق الله وخرجت من دوما ولا يزال ذكري فيها بحمد الله عَطِراً طيّباً.
ولا تلوموني إذا قلت ذلك عن نفسي، فإنما أقوله تشجيعاً لغيري في أن يسلك هذا المسلك مثلي.
* * *
وقعت لي حوادث طريفة في القضاء أعرض لبعضها:
من حسنات الفرنسيين في الشام التي حكموها خمساً وعشرين سنة كاملة، لا تزيد يوماً ولا تنقص يوماً (١) أنهم أنشؤوا فيها سجلّين عظيمَين لا تزال أكثر الدول العربية خالية منهما، بل إن السِجِلّ العقاري لا تزال بعض دول أوربّا بعيدة عن تطبيقه لم تعرفه.
стр. 1441
هما: سجلّ النفوس (سجلّ الأحوال المدنية)، والثاني: السجل العقاري. أما الأحوال المدنية فقد كانت سوريا سابقة البلاد العربية إليه بفضل الله، ثم بفضل الفرنسيين. وأنا ما أحببت الفرنسيين يوماً من أيام استعمارهم لبلادنا، ولكن هذا لا يمنعني أن أذكر الفضل لذويه، والله علّمنا أن لا يجرمنّا شَنآن قوم على أن لا نعدل، أي أننا إذا أبغضنا قوماً ورأينا لهم منقبة فلنذكرها ولا يمنعنا كرهنا إياهم من ذكر مناقبهم.
لكل فرد من أفراد أهل سورية (رجالاً ونساء) صفحة في سجل النفوس، فيها تاريخ مولده بالساعة والدقيقة، وتاريخ زواجه إذا تزوّج وطلاقه إذا طلّق، وأسماء زوجاته إذا تزوّج، وأعمار أولاده إذا وُلد له أولاد، فإن مات منهم ناس سجّلوا موتهم ... وهذا ما ليس له مثيل، ففي مصر لا تزال تُسجّل الأحوال المدنية في دائرة الصحّة.
أمّا السجلّ العقاري فقد عمد الفرنسيون إلى رسم خرائط مفصّلة لدمشق والبلاد السورية كلها، فيها حدود كلّ بيت وكلّ غرفة من هذا البيت، طولها وعرضها وسُمْك جدرانها. وإذا كانت عمارة كبيرة سُجّلت الحقوق لأصحابها فيها، فما كان مشترَكاً كالسلالم والممرات سُجّل مشترَكاً ووُضعت له قواعد عند الاختلاف على إصلاح ما فسد منه، ومن كانت له دار مستقلّة، ووضعت لذلك خرائط مفصلة محفوظة ولها صور فإذا فقدت أُعيدَت صورتها.
وكانوا بين كلّ مدة وأخرى يعلنون عفواً على المكتومين، أي عن السوريين الذين لم يسجّلوا أنفسهم في سجلاّت النفوس،
стр. 1442
فتقام الدعاوى في المحكمة الشرعية لتثبيت النسب والدعاوى في المحكمة الصلحية لتواريخ الولادة وتصحيح الأسماء.
وكان عفوٌ، فجاءتني مرّة امرأة أقام عليها ولدها المكتوم دعوى صورية لإثبات نسبه ليسجّل في سجلّ النفوس، فسألتُه عن اسمه وعن ولادته، فذكر بأن عمره ثلاثون سنة، فسألت أمه المُدّعى عليها عن اسمها وعمرها، فذكرَت اسمها وقالت إن عمرها خمسٌ وثلاثون سنة. فضحكتُ وقلت: يا امرأة، ولدك يقول إن عمره ثلاثون سنة، فهل ولدتِه وأنت بنت خمس سنوات؟ فقالت متضجّرة: والله ما أدري يا سيدي القاضي، اكتبها أربعين. قلت: يا امرأة، بنت عشر سنين لا يمكن أن تلد. قالت: ما هي السن التي أستطيع أن ألد فيها؟ قلت: خمس عشرة سنة على الأقلّ. قالت: طيّب، اكتب أن عمري خمس وأربعون سنة.
وصلنا إلى ذلك بعد مفاوضات بيني وبينها كالمفاوضات على تقسيم برلين بعد الحرب الأولى وعلى المفاوضات الآن لنزع السلاح بين أميركا وروسيا، وقبلت بعد لأي ومشقّة أن يكون عمرها ٤٥ سنة، وهي -كما يبدو- لا تقلّ في عمرها عن ستّين سنة! ولكنها خلّة تكاد تكون عامّة في النساء. ومن الرجال مَن يكره أن يخبر بعمره الحقيقي مع أنه «إنما يأسى على العمرِ النساء». حتّى إنني لقيت في دوما رئيس دائرة من الدوائر كان رفيقي في المدرسة سنة ١٩١٩، فبعد أن انصرف الناس ذُكرت الأعمار (وذلك سنة ١٩٤٢) فقال بأن عمره خمس وعشرون سنة. فقلت: ولك يا أخي ما تستحي؟ أما كنّا رفاقاً في الصف الخامس الابتدائي سنة ١٩١٩؟!
стр. 1443
لست أدري لماذا يحاول بعض الناس أن يصغّروا أنفسهم، كأنهم يخادعونها على طريقة المتنبّي الذي قال:
تصفو الحياةُ لجاهلٍ أو غافلٍ ... عمّا مضى منها وما يُتوقّعُ
ولِمَنْ يُخادعُ في الحقائقِ نفسَهُ ... ويَسومُها طلبَ المُحالِ فتقنَعُ
* * *
وحادثة أخرى طريفة، هي أن امرأة قروية جاءت تدّعي الطلاق على زوجها. فأنكر، فكلّفتها أن تحدّد زمان الطلاق ومكانه وشهوده، فقالت: كان الطلاق في بيت زوجي. فسألتُه: هل كان الطلاق في بيتك؟ قالت: بل في بيت زوجي الثاني.
يقولون: "وكان متكئاً فاستوى جالساً"، فتنبّهت وصارت جوارحي كلها آذاناً تسمع، وقلت لها: هل لك زوج آخر؟ فقالت (وهي آمنة مطمئنّة، تتكلم بصوت عادي كأنني سألتها: ما هذا اليوم؟ فقالت: هو يوم الأحد أو الإثنين ... لا ترى في جوابها بأساً): نعم يا سيدي لي زوجان. قلت: هذا واحد وأين الثاني؟ قالت: هنا بين الحاضرين. فقلت لزوجها المدّعى عليه: ماذا تقول؟ قال: نعم لها زوج آخر. قلت: أعوذ بالله، هل طلّقتها؟ قال: لا. قلت: من زوّجَ الآخر بها وهي على ذِمّتك؟ قال: يا سيدي إمام الضيعة (١). قلت: أين هو الإمام؟
فقام من بين الحاضرين شيخ قروي بلحية طويلة فقال: أنا.
стр. 1444
قلت: هل زوّجت هذه زوجاً ثانياً وهي على عصمة الأول؟ فقال: نَعام (ومدّ الألف حتّى صارت كالمدّ المتصل في التجويد). قلت: ويحك، وكيف زوّجتَها؟ قال: يا سيدي، هذا عسكري في الجيش الفرنسي، وقد خطفها وذهبَت معه وأبت أن ترجع إلى زوجها، فهل تريد أن تبقى معه في الحرام؟ قلت: لا طبعاً. قال: لذلك زوّجتها.
فأحلتُه إلى النيابة فوَقفوه مدّة، ثم صدر عفو شامل شمله وخرج إلى بيته.
* * *
ومن أغرب ما وقع لي في قضاء دوما (وكنت يومئذ أقوم مقام حاكم الصلح، وقد ذهب في إجازة): جاءني رجل فلاّح يدّعي أنّ قوماً ذبحوا أخاه. قلت: وأين الجثّة؟ قال: تفضّل يا سيدي حتّى أريك إياها. وكان الوقت بعد العصر، فاستدعيت الطبيب الشرعي لأن القانون يوجب حضوره، فكسل وتعلّل واعتذر عن المجيء، فغضبتُ وأرسلت مذكّرة إحضار فأحضرتُه جبراً (وندمت على أني فعلت، فما كان مثل هذا العمل مألوفاً). فخرجنا من دوما أنا والطبيب والكاتب والدرَك (أي شرطة القرى)، ومشينا حتّى جاوزنا بساتين الغوطة وسلكنا أطراف الجبال التي يؤدّي أيسرها إلى قرية التّل وأيمنها إلى أماكن مهجورة لا أعرف أن أحداً يمشي إليها، فليس فيها مصيف وليس فيها نبع ماء، فما زال بنا حتّى أمضينا على الطريق أكثر من ساعتين. وكان مع الدرك فرس هزيل يمشي ورأسه بين رجليه فعرض عليّ أن أركبه. وأنا -على ممارستي أنواعاً من الرياضة- لا خبرة لي
стр. 1445
بركوب الخيل، فاعتذرت ومشيت، حتّى انتهى بنا قُبَيل الغروب إلى وادٍ مقفر ما أحسب أن الذئاب والثعالب تدنو منه.
فرأينا جثّة متعفّنة، فحصها الطبيب الشرعي وقرّر أن صاحبها مقتول. فسألت المدّعي: من الذي تشكّ فيه؟ فاتهم رجلاً من أهل بلده اتهاماً صريحاً. وأراد الدرك أن يتسلّموا الأمر فقلت: دعوني أنا. فأخذته جانباً ورسمت في ذهني خُطّة هي: مَن الذي دلّ وليّ المقتول على مكان جثّته؟ لأن الجثّة ليست على طريق مسلوك ولا في مكان ظاهر، بل هي في وادٍ لا يصل إليه إلاّ مَن وضع الجثّة بيده. فشككت في أن يكون هذا المُخْبِر (وهو أخو القتيل) هو الذي قتله، وبنيت أسئلتي على هذا الأساس وجعلت أسأله السؤال عقب السؤال، لم أضربه كما كانوا يصنعون أحياناً ولم أمسّه بسوء ولم أوجّه إليه كلمة نابية، بل حصرته حصراً منطقياً ليخبرني كيف عرف أن جثّة أخيه ملقاة هنا؟
فلم تمضِ نصف ساعة (والكاتب يدوّن الأجوبة) حتّى تهاوى واعترف بأنه هو القاتل. وكان ذلك أول تحقيق جنائي مارستُه ونجحت فيه بحمد الله وتوفيقه، ثم لأنني حكّمت العقل قبل طرح الأسئلة ومناقشة الرجال. وجاءني كتاب من النيابة العامّة فيه شكر وتقدير أحسب أنه لا يزال باقياً عندي.
* * *
стр. 1446
-١١٨ -
ثورة في دوما: نار شَبَّتْ ثم خمدت
أثارت جريدة «الشرق الأوسط» (في عدد ١١/ ٨/٨٤) مسألة: هل من الأفضل في كتابة المذكّرات التركيز على الأحداث والوقائع، أم تسجيل المبادئ التي يعتنقها صاحب المذكّرات؟ وأنا أسوق السؤال بعبارة أخرى: هل المذكّرات مجرد سرد للأحداث، أم أن يبيّن الكاتب أسبابها وعللها ويحكم عليها أو لها؟
ولكي أجيب على هذا السؤال أحدّد معنى الذكريات: الإنسان يُحِسّ؛ يسمع صوتاً أو يرى لوناً. «يُحِسّ» ثم «يدرك» أن هذا الصوت صوت إنسان أو حيوان، وأن هذا اللون لون نبات أو جماد. «الإحساس» أولاً ثم «الإدراك»، ثم يأتي الفهم والمعايشة. ثم يبتعد الإنسان عن هذه الأحداث فينساها كلها أو بعضها، فما بقي منها في الذاكرة فهذه هي الذكريات.
أنا قد «أذكر» الحادثة فقط وأنسى ظروفها: زمانها ومكانها وناسها، وربما كان الوضوح في ذهني للناس دون الحادثة، أو الحادثة دون أبطالها وأصحابها. فإذا أردت أن أكتب ذكرياتي
стр. 1447
(وهذا ما أصنعه الآن) أنظر، فما أجده في ذاكرتي أنقله منها إلى الورق، أو إلى المسجّلة، أثبته بصوتي في شريطها فيطبعه أخونا طاهر أبو بكر، أحسن الله إليه وإلى الجريدة وأصحابها.
وفي الذاكرة ما لا أُحصيه من الحوادث والمشاعر وأوصاف الناس وأخبارهم، ولكنها لا تحضر إلاّ من طريق تداعي الأفكار؛ فالشيء يُذكّر بمثيله أو بنقيضه، أو بما هو مقترن به، أو بما هو متفرع عنه أو مرتبط به.
وبعد، فهل رأيتم حبّات العقد الجميل، مصفوفة فيه متناسقة، مؤتلفة ومختلفة، يأتي جمالها من اختلافها وائتلافها لأن «الضدّ يُظهر حُسنَه الضدُّ» ... فانقطع خيط العقد وتناثرت حبّاته، فأقبلت تبحث عنها، تجمعها، فأمسكت بأقلّها وضاع منك أكثرها، تدحرج حتّى سقط في النهر أو وقع في البئر.
هذا مثال ذكرياتي في دوما وما سيأتي بعدها؛ انقطع خيط التاريخ الذي يربطها فلم أعُد أعرف المتأخر منها من المتقدّم، ولقد غاب عني الكثير منها، طواه النسيان، وما طواه النسيان قلّما ينشره الإنسان. لذلك أسرد ما يحضرني من ذكريات دوما، لا أراعي فيه ترتيب السنين لأني صرت أعجز عن أن أراعيه.
أهل دوما مشتغلون بالزراعة، مُقبِلون عليها بارعون فيها، يُحبّون الأرض فيأخذون منها بمقدار ما يعطونها، فهم عاملون جادّون، قلّما يعرفون اللهو وقلّما يفرّطون في ساعات العمر. لذلك لم يَجِد القانون الذي ابتدعوه بعد ذلك بزمن طويل وسمّوه
стр. 1448
كذباً قانون «الإصلاح الزراعي» (١)، لم يجد سبيلاً إلى دخول البلد، لأن الأرض مقسّمة بين أهلها من غير تقسيم رسمي، ليس فيها ملكيات كبيرة فكلّها قطع صغيرة، يملك كلَّ قطعة منها واحدٌ منهم يقوم عليها ويرعاها.
ولذلك كانوا يقولون عن أهل دوما قديماً: «إنهم يعيشون فقراء ويموتون أغنياء»، أي أنهم يصرفون همّهم كلّه للأرض فلا يستمتعون استمتاع الغنيّ بماله، فإذا ماتوا عنها كانوا أغنياء بما تركوا لورثتهم منها.
انظروا إلى هذا الكون تروا فيه نهاراً مضيئاً وليلاً مظلماً، وربيعاً ضاحكاً بالزهر وشتاء باكياً بالمطر، وورداً وشوكاً، وتروا في الناس إيماناً وكفراً، وفضيلة ورذيلة، ونقصاً وشيئاً يشبه الكمال ... هذا هو حال الإنسان وهذه هي صورة الدنيا. ولو شاء الله لجعل الناس أُمّة واحدة تمشي كلّها في طريق الجنّة، تسلك جادة الصواب، تأتي الخير كلّه وتدع الشرّ كلّه، وإذن يكون في الأرض ملائكة يمشون لأن الملائكة ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ مَا أمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُون﴾، ولكن الله لم يُسكِن الأرضَ ملائكةً بل أسكنها بشراً، ولكل مجتمع بشري عيوبه ونقائصه وله حسناته وكمالاته.
فمن عيوب المجتمع في دوما أنهم كانوا مشهورين قديماً بكثرة الحلف بالطلاق، حتّى رووا أن قاضياً جاء أيام الدولة العثمانية فأراد أن يمنع هذه الخلّة القبيحة، فأخرج منادياً ينادي
стр. 1449
في الناس أن من حلف بالطلاق عاقبه القاضي. وليؤكّد المنادي كلامه قال لهم: "عليه هو الطلاق من امرأته إنّ هذا هو كلام القاضي، لم يتزيد به ولم يبالغ"! وقد تكون هذه القصّة متخيَّلة لا أصل لها وربما كانت مَسوقة مساق النكتة، ولكن لديّ حقيقة سمعتها بأذني:
كنت في غرفتي في قصر الحكومة، وكان بين جدار القصر والشارع حديقة ضيقة فيها أشجار تظلل الطريق، فسمعت نسوة قاعدات فيها، مستندات إلى جدار القصر تحت شبّاكي يتناقشن في أمر، فإذا واحدة منهن تحلف بالطلاق أن الذي تقوله صواب!
امرأة تحلف بالطلاق، سمعتها بأذني! وشهرة دوما قديماً بالحلف بالطلاق كشهرة أهل لبنان بسبّ الدين، وهي أبشع وأشنع من الحلف بالطلاق، وقد قلّ هذا وذاك فصاروا يقولون بدلاً من كلمة الطلاق «الطرباق» أو «الطرشاق» ... كلمات لا معنى لها يُجرونها على ألسنتهم بحكم عادتهم على الحلف بالطلاق، ليتخلصوا من تلك العادة، وأهل لبنان صاروا يقولون «يحرق ديكك» بدلاً من سبّ الدين.
* * *
وكان في دوما أوائل عهدي بالوصول إليها أمر بشع جداً، لا يأتيه إلاّ الطغام وسَفَلة الناس والفسقة السفهاء منهم، شيء اسمه «الشكار». موجود كما سمعت في الشام، عشت ولم أرَه بحمد الله ولا رأيت من رآه، ولولا أني قرأت وصفه في مذكّرات الرئيس خالد العظم لما عرفت ما هو. ولن أشرحه ولن أوضّحه، فإنني
стр. 1450
إن فعلت أكون داعية سوء ودالاًّ على الشرّ بدلاً من أن أكون داعية خير ودالاًّ عليه.
وجاء وأنا قاضي دوما رئيسٌ لمخفرها، شركسي قوي حازم يغار على الفضيلة ويدافع عنها، فصار يتعقب من يعمل هذه «الشكارات» (التي قُضي عليها الآن ولم أعد أسمع لها ذكراً). ولقد بثّ عيونه وأرصاده فعلم أن منزلاً من المنازل يقام فيه شكار، فداهمه وطوّقه بجنده، وأراد أن يقبض على من قام به فقاوموه وأطلقوا عليه وعلى جنده الرصاص، فلم يكن يقدر أن يدافع عن نفسه إلاّ بإطلاق النار، فأصاب واحداً منهم فقتله.
فلما كان اليوم التالي، وكنت في محكمتي أنظر في قضية من القضايا، وأذكر أن أحد المحامين الواقفين أمامي كان الأستاذ داود التكريتي، وكان الأستاذ التكريتي والأستاذ ظافر القاسمي ﵀ والأستاذ عاصم الإنكليزي قد أنشؤوا داراً للنشر وطبعوا كتباً مفيدة.
كنّا في نظر القضية، وإذا أصوات تأتي من الشارع وجلبة وصياح وضوضاء، فنظرت فإذا جموع أولها يكاد يبلغ باب القصر وآخرها لا يبدو لنا من كثرتها. فوَقفتُ المحاكمةَ وبعثت أنظر ما الذي جرى، فقالوا: إن دوما ثائرة وإن آلافاً مؤلفة من أهلها الذين غضبوا لقتل رئيس المخفر لهذا الرجل منهم قد حملوا ما وجدوا من أسلحة، وتوجهوا ثائرين مهدّدين إلى قصر الحكومة.
وكان منهم من يحمل بندقية صيد، ومنهم من يحمل مسدساً، ومنهم من يحمل سيفاً أو يلوّح بسكِّين أو عصاً، وكان
стр. 1451
الغضب ظاهراً على وجوههم وأصواتُهم بالتهديد والوعيد تملأ الفضاء من حول القصر، ثم رأيت الدرك (أي شرطة القرى والأطراف) قد أغلقوا باب القصر وأحكموا رِتَاجه، فذهبت إلى قائم المقام (وكان صديقنا الدكتور عبد الكريم العائدي ﵀، وهو رجل وطنيّ شارك في الثورة السورية وله مواقف)، فقلت له: أنا أرى أن تفتح الباب لأن إغلاقه يزيد هذه النار ضراماً ويدفعهم إلى اقتحام القصر، وإذا فعلوا لا يدري إلاّ الله ماذا يكون منهم. فأبى وظهر عليه الخوف، فقلت: يا دكتور، أنت تخاف؟ وأنت الذي شارك في الثورة وخاض معامع القتال؟ قال: لا أستطيع أن أواجه هؤلاء، بل أستنجد بدمشق.
ورفع سماعة الهاتف يطلب النجدة منها. قلت: إلى أن تصل النجدة يكون المحذور قد وقع، والأَولى أن تفتح الباب وتواجههم. فلما أبى قلت: أنا أفتح الباب وأخرج إليهم. فحاول أن يثنيني عن هذا وخاف عليّ فحذّرني من النتائج، وكان الموظفون قد اجتمعوا عنده، فقلت له: هؤلاء كلهم شهود على أنني خارج إليهم على مسؤوليتي أنا وليس عليك من تبعة ذلك شيء. قال: افعل ما تراه.
فتحت الباب وخرجت إليهم. وكنت بالعمامة البيضاء لأنني قاضي البلد، وكان أكثر الناس يُحبّونني. فوقفت أشير إليهم بيدي أن يسكتوا وهم يصيحون ويصخبون، ولقد همّ بعض سفهائهم بإلقاء الحجارة عليّ، ففتحت لهم صدري وقلت: افعلوا ما ترون. فلما رأى ذلك عقلاؤهم ثنوهم عنّي وأسكتوهم وانتظروا ما الذي
стр. 1452
أقوله لهم. فألقيت عليهم خطبة بيّنت فيها أن الله لا يريد الظلم وأن الدماء مَصونة، وأن كل مجرم يعاقَب في الدنيا وفي الآخرة، فإذا كان هذا الذي قُتل إنما قُتل مظلوماً فأنا أضمن لكم أن يعاقَب القاتل حتّى ترضوا.
وكانوا يحملون القتيل معهم، فلما رأيته قلت لهم: أهكذا يُشيّع الميت المسلم إلى مدفنه؟ أهكذا تكون الجنائز؟ أهذا هو جلال الموت؟ هل يقابَل الموت بالصياح وبالسخط على الله أم يقابَل بذكر الله والاستغفار لمن مات والصلاة عليه والاعتبار به، ثم يكون التحقيق وعقاب من يثبت أنه مجرم؟
وما زلت بهم حتّى مالوا إليّ، واستمعوا مني وجعلناها جنازة شرعية، ودعوت الموظفين ومشينا وراء النعش كما يمشي الناس في الجنائز حتّى بلغنا مكان الصلاة على الأموات، فنظّمت الناس صفوفاً وتقدمت فصلّيت عليه. وشاركوني جميعاً (أعني من كان منهم على طهارة) تكبيرات الصلاة على الميت، ثم عدت فوعظتهم حتّى لانت قلوبهم وسالت مدامعهم وندموا على ما صنعوا. ثم عدنا وكأنها لم تكن مظاهرة ولم تكن فوضى، ولم يكن في القلب غِلّ ولا غضب ولا رغبة في الانتقام.
فلما بلغنا قصر الحكومة عائدين كانت القوّة التي طلبها قائم المقام قد وصلت من الشام، فاشتدّ بهم ساعده وقوِيَ بهم ظهره، وأراد أن يُظهِر عِزّة الحكومة وجبروتها فيقبض على المتسبّبين فيما كان. فأخذته جانباً وقلت له: لقد سمعتَني أعدهم أنهم إذا تركوا ما هم فيه وعادوا إلى ما يأمرهم به دينهم ويوافقه نظام حكومتهم فإنه
стр. 1453
لن ينالهم سوء، أفتريد الآن أن تُخلِف وعدي وتُظهِرني أمامهم بمظهر من يَعِد ولا يفي؟
قال: لا بُدّ من ذلك. فقلت: آلآن بعد أن صرفتُ عنك بإذن الله السوء وخلّصتك من أزمة ما كان يعلم ما تجرّ إليه إلاّ الله؟ آلآن أظهرتَ قُوّتك وشِدّتك، ولمّا كانوا محيطين بالقصر يطوّقونه ويريدون أن يهجموا عليه ويضرموا النار فيه هربت إلى غرفتك؟
وغضبتُ وقلت له: والله لئن لم تعُد هذه القوّة من حيث جاءت لأقودنّ أنا مظاهرة أخرى أسوقها عليك وعلى مَن وراءك، وأنت تعلم أن هذه كانت صناعتي قديماً وأنني طالما قُدت طلاّب الشام في المظاهرات وفي نضال الفرنسيين، وستحمل أنت نتائج ما سيكون. وكان عاقلاً فعاد إليه عقله، وقال: ماذا تريد؟ قلت: ندخل أولاً إلى الغرفة فلا يحسن أن نتكلم في الطريق والقوم يحيطون بنا. فدخل معي إلى غرفتي واتفقنا على أن تعود القوّة التي جاءت من الشام إلى الشام، وأن يُطوى بساط الحادث على ما كان فيه. وتمّ ذلك.
وكنّا في تلك الأيام نسهر -معشر القُضاة- مساء الثلاثاء عند القاضي الكبير عبد الرؤوف بك سلطان، المفتّش العامّ لوزارة العدل، ونجتمع صباح الجمعة عند شيخ قُضاة الشام مصطفى بك بَرْمَدا، الذي لم أرَ قاضياً مثله في سعة علمه وفي سداد حكمه وفي هيبته وفي علوّ منزلته. فقصصت عليه ما كان فقال لي: احمد الله أنك نجحت ولم تُصَب بسوء فاستحققتَ الشكر على ذلك، ولو أنك أُصِبت بشيء للامك الناس على أنك عرّضت نفسك لما
стр. 1454
ليس من شأنها وما ليس واجباً عليها. قلت: صحيح، والشاعر يقول:
والناسُ مَنْ يلقَ خيراً قائلونَ له ... ما يشتهي، ولأُمِّ المُخطئِ الهَبَلُ
* * *
ومن طرائف الحوادث أن الدكتور عبد الكريم العائدي، الذي كان قائم المقام يومئذ في دوما، أطول رجل في دمشق. فلما حوّلنا المظاهرة إلى جنازة ومشينا وراءها قرّبني منه تكرمة لي ولأن القاضي الشرعي يلي قائم المقام في الدرجة، فنظرت فإذا ذروة عمامتي تبلغ ثديه لا تصل إلى كتفه، فابتعدت عنه، فصار يمدّ يده يمسك بيدي ليقرّبني منه، فقرصت يده (وكان صديقي) قرصة مؤلمة وقلت له هامساً: ابتعد عني الله يرضى عليك، لا تفضحني بين الناس.
وله في طوله أخبار عجيبة، منها أن الدكتور سعيد فتّاح الإمام، وهو طبيب أسنان قديم صديق للعائدي وزميله في طبّ الأسنان، كانت له سيارة من سيارات الشعب (فولكس فاغن) وكان يمشي بها، فرأى الدكتور العائدي واقفاً فدعاه ليوصله. فقال له ضاحكاً: كيف أدخل في هذه السيارة الصغيرة، وهل تتسع لي؟ فأجابه: آخذك على نقلتين!
كان مدار فخر العرب إن فخروا، ومدحهم إن مدحوا، على قطبَين اثنين:
إنّا إذا اشتدّ الزمانُ ونابَ خَطبٌ وادلهمّ
ألفَيت حولَ بيوتِنا عددَ الشجاعةِ والكرمْ
стр. 1455
وهما نتيجتان لازمتان لحياة العرب قبل الإسلام. كانوا يعيشون في صحارى مقفرة في مجموعة من الخيام، أو في قرى لا تبلغ أمُّها (أم القرى: مكّة المكرمة) مبلغ قرية من قرى هذه الأيام. فإذا نزل أحدهم بقبيلة أو أوى إلى قرية لم يجد مطعماً يأكل فيه ولا بيّاعاً يشتري منه ولا فندقاً ينزله، فإن لم يكرموه ويطعموه مات جوعاً، فكان الكرم ضرورة لا بد منها، وكان كما يُقال الآن «مسألة حياة أو موت». ولم تكن لهم حكومة ولا كان فيهم قوّة تكفل الأمن وتحقّق العدل وتأخذ على يد الظالم لتنصف منه المظلوم، فكان اعتماد الواحد منهم في حفظ حياته على شجاعة نفسه وقوّة ساعده.
ولكني ما قلت الذي قلته عن موقفي من المظاهرة فخراً بنفسي ولا مدحاً لها، فلماذا قلته إذن؟ لأن الذكريات صورة لصاحبها، لا يكفي فيها أن يعرض أحداث حياته بل صورة نفسه: خلائقه وعاداته. والحياة طريق طويل مليء بالمفاجآت وبالمصائب التي لا تتوقعها ولا تحسب حسابها، فكيف يكون موقفك أمامها إن واجهتَها؟
الموقف الذي تقفه عفواً بلا تفكير، هذا الذي يُسمّى بردّ الفعل (رِفلكس). فمِن الناس مَن إذا واجه الخطر جَمُدَ فكره وجسده فلا يصنع شيئاً، ومنهم من يقابل الخطر بالهرب، ومنهم من يواجهه بالهجوم ... وأنا من النوع المهاجم.
وكل إنسان يتردّد لحظات قد تطول أو تقصر قبل أن يقرّر ماذا يصنع، وكلّما كان وقت التردّد أقصر كان الرجل أجرأ وكان
стр. 1456
أقرب إلى الظفر. وأنا أنتقل في أقلّ من لحظة من حالة الهدوء إلى حالة الغضب، أي من السكون إلى الحركة. يكون نبضي عادياً، ففي هذه اللحظة تسرع ضرباته وأكون كمحرّك السيارة الذي يشتغل ويدور من لمسة واحدة يلمسها السائق بمفتاحه. ومن السيارات ما هو أقوى وأسرع ولكن محرّكه لا يحمى ولا يتحرك إلاّ بعد مدّة أطول.
الذي يُقدم في لحظة التردّد قبل أن ينتبه خصمه منها ينجح غالباً، وربما جاءته مرّة من المرّات وجد فيها أمامه مَن هو أسرع منه قراراً وأشدّ قوّة فينهزم.
ولا تحسبوا هذا الهجوم جرأة وشجاعة، بل هو تعبير عن الخوف. الخوف إما أن يدفعك إلى الأمام فتهجم أو إلى الوراء فتنهزم. كلاهما مظهر له وتعبير عنه، حتّى إن وليم جيمس يبالغ فيقول بأن الذي يواجهه الخطر يهرب أو يهجم ثم يخاف؛ أي أن الخوف إذا خلا من هذه المظاهر الجسدية لا يكون خوفاً.
وفي هذا ردّ على من يقول بأن الإيمان في القلب، فيزعم أن قلبه ممتلئ بالإيمان ولكنه لا يصلّي ولا يصوم ولا يقوم بعمل من الأعمال التي يستلزمها الإيمان ويقتضيها والتي هي نتيجة له. كالعاشق المتيّم تدخل عليه محبوبته فلا تزداد نبضات قلبه ولا يتغير لون وجهه ولا يتحرّك من مكانه، هل يصدق أحد أنه عاشق؟
ولكن ما لي تركت ذكرياتي وقعدت أتفلسف؟ سامحوني،
стр. 1457
فلعل في هذه الفلسفة شيئاً من التسرية عني والمنفعة لكم.
* * *
كانت أكثر قضايا المحكمة الشرعية هيّنة، دعاوى نفقة تطالب بها المرأة فيدفعها الرجل بدعوى المتابعة. وأكثر دعاوى النفقة لا تريد المرأة منها النفقة بذاتها، ولكنها تعبير عن ضيقها بالحياة الزوجية وألمها منها وشكواها من معاملة الزوج، فلا تجد أمامها إلاّ واحداً من طريقَين: دعوى النفقة، أو إذا يئست فدعوى التفريق. وكنت لا أكتفي بمنطوق الدعوى وإنما أحاول البحث عن أسباب إقامتها. وفي كثير من الحالات كنت أوفَّق إلى الإصلاح بين الزوجين.
وأول شروط الإصلاح أن أرفع أيدي الأهل عن الزوجين. كنت أجد الزوج يدخل ومعه جماعة من أهله ومن أقربائه (فزعة يفزعون له)، وتدخل المرأة ومعها فزعة من أهلها، هؤلاء الذين يوقدون نار الخلاف كلّما أوشكت أن تنطفئ، مع أن الله قد جعل بين الزوجين مودة ورحمة، فإذا انفردا تصالحا. فكنت أصنع شيئاً عجيباً، أؤخّر الدعوى ساعة أو نصف ساعة وأُدخِل الزوجين إلى غرفة منفردة وأدعهما ينتظران موعد المحاكمة والنداء عليهما باسْمَيهما. فإذا انفردا بدآ بالخلاف والسباب، ثم تدرّجا إلى العتاب، ثم اقتربا من المصالحة، فلا يخرجان غالباً إلاّ وهما مصطلحان.
فأنا أنصح القراء -ثمرةً لتجارِبي الطويلة في المحكمة وتجارِبي التي هي أطول منها في الحياة- ألاّ يدخل أهل الزوج
стр. 1458
وأهل الزوجة بينهما إلاّ في حالات الخلاف الشديد، أو لدفع ظلم لا يجوز السكوت عن مثله.
تستحقّ المرأة النفقةَ نقداً إذا لم يقدّم لها الزوج حاجتها من الطعام اللائق بأمثاله، واللباس الذي تلبسه زوجات أمثاله، والمسكن الذي يسكن فيه مَن هو مثله في مورده المالي ومنزلته الاجتماعية. فإذا ادّعت النفقة تحقّقنا أولاً من قبضها معجَّل مهرها، ثم من صلاح المسكن الذي أعدّه لها. فإذا كانت قد استوفت معجّل مهرها وكان المسكن هو من اللائق بأمثاله من الناس أُجبرت على المتابعة.
كنّا قديماً في الشام نصنع ما كانوا يصنعونه في مصر إلى عهد قريب، أي أنهم يُكرِهون الزوجة إكراهاً عن طريق الشرطة إلى دخول المسكن الشرعي (بيت الطاعة). ثم وجدنا من أكثر من خمسين سنة أنها طريقة عقيمة لا فائدة منها. تصوّروا لو أن الزوجة دخلَت المسكن الشرعي بإكراه الشرطة، فمَن الذي يمنعها أن تخرج منه؟ إمّا أن نغلقه عليها فيكون مسكن الزوجية سجناً، والمرأة ليست مجرِمة ليُحكَم عليها بالسجن، أو أن نقيم على كلّ مسكن زوجي شرطياً يحرمها من الخروج، وكلاهما غير ممكن. فلم يبقَ إذن من ثمرة للحكم عليها بالمتابعة إلاّ حرمانها النفقة واعتبارها ناشزة (١).
стр. 1459
وقد كان بعض القُضاة هنا يعتبرون المرأة ناشزة مُدّة هم يحدّدونها، وهذا لا أصل له في الشرع ولا في القانون، فالنشوز هو أن تترك المرأة دار الزوجية بعد صلاحها (صلاح الدار) وبعد قبضها معجّل مهرها، وبيدها هي وحدها أن تُنهي النشوز وأن تعود إلى دار الزوجية.
يلي دعاوى النفقة في أهمّيتها وفي كثرتها دعاوى الحضانة، ثم دعاوى النسب، ثم الدعاوى المالية التي تكون أحياناً على مبالغ كبيرة جداً ويحضرها كبار المحامين من دمشق، وهي دعاوى الإرث، ودعاوى الأوقاف (قبل أن يُلغي حسني الزعيم الأوقاف الذرّية، المسماة في مصر الأهلية) ودعاوى الحَجْر وفكّ الحَجر، وأنواع أخرى كثيرة من الدعاوى التي تدخل في اختصاص المحكمة الشرعية. وربما عدت خلال هذه الأحاديث إلى الإشارة إليها وبيان طرف من أخبارها، والحديث طويل وستأتي بقيته إن شاء الله في الحلقات الآتيات.
* * *
стр. 1460
-١١٩ -
هجوم على الأطبّاء
من كان يشكّ في شجاعتي وأني أقحم الأهوال وأنازل الرجال، فسأُريه اليوم أني أصنع هذا كله حين ألِجُ باختياري عرين الآساد، أُعرّض نفسي لمخالبَ تُمزّق جلد التمساح وأنياب تفتّت صُمّ الجنادل، بل بما هو أشدّ ... أريد اليوم أن أهجم على الأطبّاء.
وأنا من غير أن أهجم عليهم ما نجوت من سكاكينهم ومباضعهم، ولا تزال آثارها في بطني خطوطاً لم تمحُها الأيام. فكيف إذا فتحت عليهم باب القتال ودعوتهم إلى النزال؟ على أنها مباسطة لا إيذاء، وأنها مداعبة لا هجاء، والكلام فيها عامّ فكل واحد من الأطبّاء يرمي التبعة على غيره، فتضيع بينهم وتُقيَّد «جريمة ضدّ مجهول».
لمّا كنّا صغاراً في الشام كان الأطبّاء عندنا معدودين، وكانوا كلهم من السِّمان، أي أنهم من «الوزن الثقيل». فاستقرّ في ذهني أن من شروط الطبيب أن يكون متراكب الشحم واللحم، فإن كان هزيلاً لم يكن طبيباً حاذقاً. وكان من الأطبّاء واحد مشهور يزيد
стр. 1461
وزنه على مئة وأربعين كيلاً. ولم تكن السيارات يومئذ كثيرة في الشام فكان الناس يركبون العربات التي تجرّها الخيل، فكنّا نراه إذا وضع رجله على درجة العربة ليركب فيها مالت به من ثقله.
ومن أطرف الحوادث أن شاباً صغيراً كان يركب دراجة، ولم يكن ماهراً بركوبها فصدم زوجة ضابط فرنسي كانت تمشي معه، لم يؤذِها ولكن أفسد ثوبها وكشط جلد ساقها. فأمسك به الضابط وسأله: ما اسمك؟ قال: إبراهيم الساطي (وهذا هو اسم الطبيب المشهور). فقال له: وأين تسكن؟ فأعطاه عنوان الدكتور الساطي.
ولمّا وصلت القضية إلى حاكم الصلح (الفرنسي) بعث يدعو الدكتور إبراهيم الساطي، فحضر المحاكمة وكان يلهث وينفخ من التعب كأنه قطار الزبداني (أكبر قطارات الأرض عمراً ولا يزال يمشي، ما قعد ولا تقاعد)، وسأله متعجّباً: لماذا دُعيتُ، وما الذي وقع مني؟ فقال له القاضي: إنك صدمت السيدة المدّعية بدرّاجتك. فقال: بدرّاجتي؟!
وضجّ كل من في المحكمة بالضحك ودُهشت المرأة المدّعية وزوجها. وقال الدكتور ضاحكاً: أيّ دراجة تحملني؟ فتنبّه الضابط وزوجته إلى النكتة التي وقعا فيها، وقال القاضي: إني معجب بذكاء هذا الفتى، وإذا كان حاضراً وعرّف بنفسه فإنني أسامحه وأُسقِط الدعوى عنه. فخرج من بين الناس وقدّم نفسه إليه معتذراً عمّا وقع منه، فسامحه وأسقط الدعوى عنه.
وكان طبيب أسرتنا حاذقاً خبيراً بمهنته ولكنه كان نحيفاً،
стр. 1462
اسمه الدكتور صادق اللبابيدي، وكانت عيادته في باب البريد في دمشق. فكنت كلّما ذهبت إليه أتعجّب منه ولا أصدق بأنه طبيب لأن من سمات الأطبّاء أن يكونوا من الوزن الثقيل.
* * *
ولما ذهبت إلى مصر للدراسة فيها سنة ١٩٢٨ شكوت ألماً في مفاصلي، فأخذني شريك خالي وزوج أختي عبد الفتاح قَتْلان (رحمة الله عليه) إلى طبيب يونانيّ سمين جداً لا يعرف العربية، فاجتمعَت فيه صفات البراعة كلها وهي: الشحم واللحم وأن يكون «خواجة» أجنبياً، لأننا كنّا مع الأسف نعتقد أن كل شيء أجنبي هو أفضل وأرقى من الوطني.
هذا ما يعتقده العامّة والجَهَلة من الناس والأطفالُ الصغار، وكنت واحداً منهم. فلما كشف عليّ وجسّ نبضي شكوت إليه ما بي، فأظهر الفزع والدهشة وسأل: لماذا تأخّرت إلى الآن؟ وكان الذي ينقل كلامه ترجمان لا يكاد يُحسِن العربية أيضاً، فأدخل الرعب في قلبي. وتكلّم الطبيب كلاماً كثيراً فهمت منه أن عظامي ينقصها الكلس وأنني إذا أكثرت الحركة أو حملت شيئاً ثقيلاً انقصفَت عظامي. فذهبت إلى الدار، وكنت أنزل عند خالي مُحبّ الدين الخطيب في شارع الاستئناف في باب الخلق، وخالي لم يراجع في عمره طبيباً، كانت حرارته تصل إلى الأربعين وهو منغمس في عمله لا يجد (كما كان يقول) وقتاً للمرض. فلما جئته واضطجعت على السرير وأبيت أن أتحرّك سخر مني ومن الطبيب الذي أمرني بهذا. ولكني لم أبالِ يومئذ بسخريته لِما استقرّ في
стр. 1463
نفسي من أثر كلام الطبيب.
ثم مرّت الأيام والسنون ومارست أنواعاً من الرياضة ومشيت كثيراً وصعدت ذُرى الجبال وحملت الأثقال، ولم ينكسر لي بحمد الله عظم، بل ازداد قوّة وأَيْداً.
فأول ما أهجم به على الأطبّاء أن بعضهم يخوّف المريض، فإذا خاف ذهبَت مقاومته وتغلّب عليه المرض.
وممّا وقع لي من هذا الباب أنني عملت سنة ١٩٥٦ عمليات كثيرة في بطني سأعرض لذكرها إذا جاءت مناسبتها، وكان الشقّ لا يزال مفتوحاً ولكنني هربت من المستشفى وجئت إلى بيتي وذهبت لزياراتي المعتادة، لأن من يقيم في المستشفى لا يجد إلاّ ما يذكّره بالمرض ويُبعِد عنه الشفاء، فلما خرجت وخالطت الناس كما كنت أفعل، ودخلت في مناظرات علمية وأحاديث اجتماعية نسيت مرضي.
وذهبت وأنا في هذه الحال أزور صديقاً لنا كان مسكنه في الطبقة الرابعة، ولم يكن للعمارة مصعد فصعدت الأدراج كلها على قدمي، فلما ضمّنا المجلس عرّفنا بولد له عاد حديثاً من دراسة الطبّ والاختصاص في الجراحة، فأحببت أن أناقله الحديث فلم أجد إلاّ أن أصف له ما أُحِسّ به وما يقع لي، فما فتح الله عليه بشيء إلاّ أن قال لي: إن ما وقع لك ربما يؤدي إلى سُلّ في العمود الفقري.
لم أستطع أن أفهم بقية الكلام لأن الرعب الذي أدخله عليّ سدّ مسالك الفهم أمامي، وكنت قاعداً مستوي الظهر أتكلّم كما
стр. 1464
يتكلّم الأصحاب، فما أحسست إلاّ وقد سقطت منهاراً، ولم أعُد أقدر على النزول إلى الشارع إلاّ بمساعدة الإخوان، يمسكون بكتفي ويعينونني على النزول، مع أنني صعدت على قدمي كما يصعد الناس. وعدت إلى المستشفى أُخبِر الطبيب الذي كان يقوم عليّ والذي أجرى العمليات لي (وهو جرّاح ماهر اسمه الدكتور مظهر المهايني) وكبير أطبّاء الشام الدكتور حسني سبح (رئيس مجمع اللغة العربية الآن في دمشق) والأستاذ الكبير الدكتور حمدي الخياط ... فلبثوا جميعاً أياماً حتّى استطاعوا أن يُزيلوا من نفسي أثر هذه الكلمة التي قالها الطبيب الشاب، جهلاً من غير علم ومن غير تحقيق.
* * *
ومن الأطبّاء الذين عرفتهم من يكشف على المريض، فإذا سأله عن مرضه لم يخبره بشيء بل طمأنه بكلام عامّ. فإذا كان المريض متعلّماً لم يقنعه هذا من الطبيب، لأنه يريد أن يُرضي غرور نفسه ورغبته في الاطلاع فيعرف شيئاً عن المرض. ومن أطبّائنا من يمشي على طريقة الإفرنج فيشرح للمريض حقيقة مرضه والأعراض التي يمكن أن تنشأ عنه، وربما كان في هذا الشرح والبيان ما لا يحتمله المريض. كما وقع لصديق لنا، أستاذ من أبرع الأساتذة، شابّ صغير السن كبير العلم، كان يدرّس في جامعة الرياض، فأصابه المرض الخبيث، فجاء طبيب غير عربي فخبّره به، فإذا بالوهم يوهن صحّته حتّى صار جلداً على عظم ولم يعُد يُعرف له لون، وما زال يذوي كما يذوي الغصن ويذوب كما تذوب الشمعة حتّى تُوفّي وذهب إلى رحمة الله.
стр. 1465
فعلى الطبيب أن يكون نبيهاً، فمَن كان من المرضى على شيء من العلم شرح له مرضه شرحاً لا يُخيفه ولا يُبقيه في جهالة، وهذا ما يصنعه صديق لنا من الأطبّاء كان أستاذاً في كلّية الطبّ في دمشق هو الدكتور عارف الطّرَقْجي. أي أنّ على الطبيب أن يداوي بنباهته وذكائه ولطف حِسّه وصفاء نفسه ومعرفته بأصناف المرضى قبل أن يداوي بطبّه وبعقاقيره.
وممّن عرفت من الأطبّاء قوم لا يستطيعون أن يَصلوا إلى معرفة المرض ولا يجرؤون على الإقرار بالجهل، فهم يكدّسون في وصفة الدواء أنواعاً من المسكّنات التي تذهب بالألم ولكنها لا تأتي بالشفاء.
وهذا في رأيي أقرب إلى أن يكون خيانة من الطبيب، ذلك لأن الألم جعله الله علامة على المرض، فإذا جاء الطبيب فمحاه لم يعُد يَعرف المريضُ مكانَ مرضه ولا الطبيبُ طريقَ علاجه. فمثال هذا الطبيب الذي يعمد إلى المسكّنات وحدها كمثل لصّ دخل الدار فترك آثار أقدامه وبصمات أصابعه، فدعوت شرطياً، فبدلاً من أن يصل منها إلى معرفة اللصّ جاء بخرقة وصابون فمسحها ونظّف البيت وأزال هذه الآثار! أي أنه تحوّل من شرطي يحفظ الأمن إلى خادم ينظّف البيت، ولو اقتصر الأمر على هذا لهان، ولكنه أجرم جريمة حين محا العلامات التي تدلّ على المجرم.
وممّن عرفت من الأطبّاء من يجمع عدداً من أدوية المرض، بعد أن يخبره به المريض بلسانه أو يصل هو إلى معرفته بتشخيصه؛ لا يكتفي بالعقّار الواحد بل يجمع عدداً منها خوفاً
стр. 1466
من أن يعجز أحدها عن الشفاء فيقوم به الآخر. وأنا بمقدار علمي القليل أعرف أن لكل دواء من الأدوية أو عَقّار (١) من العقاقير أثراً مقصوداً وآثاراً جانبية أخرى، وأن عمله وحده قد يختلف عن عمله إذا رُكِّب مع غيره. فهؤلاء الأطبّاء الذين يجمعون عدداً من الأدوية للمرض الواحد ولا يعرفون تأثير تركيبها الكيميائي إذا اجتمعت، قد يضرّون من حيث يقدّرون أنهم ينفعون.
ومنهم من يستر عجزه عن معرفة المرض بستار كثيف عريض طويل فيقول لك: إنها «حساسية» وليست مرضاً، وفي دعوى الحساسية متسَع للجميع.
وممّا لا ينتبه له كثير ممّن عرفت من الأطبّاء أنهم يصفون دواء لمرض ربما كان في جسد المريض مانع من استعماله. كان عندنا في كلية التربية في مكّة من أكثر من عشر سنين أستاذ سوداني، كان -كما أظنّ- رئيساً لقسم علم النفس في الكلّية. وكان رجلاً عالِماً صالحاً ديّناً، وكان يشكو من البول السكري، فذهب إلى أحد المستشفيات فوصف له طبيب دواء وأمره باستعماله، فقال له إن هذا الدواء لا يُستعمَل في مثل حالته ونبهه إلى أن ذلك مكتوب في الورقة التي تكون عادة في علبة الدواء، ولكن الطبيب أصر على وجوب استعماله وأعطاه شيئاً منه، فما أمسى على الأستاذ المساء حتّى أدركته الوفاة. وكان هذا الطبيب مُعاقَداً معه، وقد فُصل وأظن أنه عوقب، ولكن ما الفائدة وقد مات الأستاذ؟
стр. 1467
وبعض من عرفنا من الأطبّاء يصنعون صنع المنجّم الذي سقط في الحفرة؛ ذلك أن رجلاً كان يمشي في البرية وهو يراقب النجوم، وكان أمامه حفرة فسقط فيها ولم يستطع الخروج منها وجاء يصيح ويستنجد، فجاء من أخرجه منها وقال له: قبل أن تنظر إلى النجم البعيد فوق رأسك انظر إلى الثرى القريب تحت قدميك.
لما فشت الكوليرا في مصر سنة ١٩٤٧ كنت تلك السنة كلها مقيماً فيها، في بعثة من وزارة العدل في الشام إلى وزارة العدل في القاهرة لإعداد بعض القوانين. ولما طال أمد المرض جاءت بعثات طبية من البلاد العربية لتساعد أطبّاء مصر (على كثرتهم وعلو كعبهم في طبّهم) في مكافحة الداء. وكنت أزور البعثة السورية في فندق الكونتيننتال في ميدان الأوبرا فأبقى معهم، وكنت أشكو صداعاً ملازماً لا يكاد يفارقني، فقلت لهم يوماً: يا إخواننا، أنتم أطبّاء كبار وأنا أشترك معكم في الحديث وأنفرد وحدي بالألم، أفلا تعرفون طريقاً لإزالة هذا الصداع وإراحتي منه؟
فاهتموا وجعلوا يسألونني ويتدارسون الأمر بينهم، ويفترضون أبعد الفروض ويذكرون أمراضاً سمعت بها وأمراضاً لم أسمع بها، كأن كل واحد منهم كان يريد أن يُظهِر علمه على حسابي أنا! وانتهى الأمر بهم أن كتبوا لي دواء اتفقوا عليه وزعموا بأنه هو الذي يشفي ما بي ويُريحني من آلامي وأوصابي. فأخذت الوصفة وذهبت أفتّش عنه فلم أجده، وانقطعت عنهم أياماً، وشعرت كأن أمعائي في حاجة إلى مسهل فأخذت أحد المسهلات
стр. 1468
المعروفة، فذهب الصداع. فرجعت إليهم وقلت لهم: إن مثلكم مثل هذا الفلكي الذي رأى النجم ولم يرَ الحفرة القريبة.
فبعض مَن عرفت من الأطبّاء يتركون الدواء القريب ويصفون الأدوية الصعبة النادرة، أو يفترضون الأمراض المعضلة والأمر أهون من ذلك وأقرب.
وممّن عرفت من الأطبّاء مَن هَمّه الاستكثار من الزبائن وجمع المال، فإذا كان يومه يتسع لفحص عشرة من المرضى يضرب موعداً لعشرين.
ومنهم أساتذة كبار يأتون من بلادهم إلى بلاد أخرى، فيستقبلهم المستشفى الذي دعاهم بدعاية ضخمة وإعلان طويل عن مرتبة هذا الطبيب العلمية وعن شهاداته وعن منزلته، وربما كان ذلك كله حقاً، ولكن المصيبة أنهم يفحصون المريض فحصاً عاجلاً لا يستطيعون به أن يدركوا حقيقة مرضه، وربما احتاج الأمر إلى عيادة أخرى بعد أمد فيكون الطبيب قد رجع إلى بلده. ومنهم من يتخذ من هذه الزيارة سبباً مادياً للربح فيوهم المريض أن مرضه يستدعي عملية جراحية أو إقامة طويلة في المستشفى، ولا يكون ذلك إلاّ في بلد هذا الطبيب وبإشرافه، فيصدق المريض هذا الكلام فيضيع وقته ويذهب ماله ويدع عياله ويسافر، والأمر كله لا ضرورة له ولا حاجة إليه.
أي أن ممّن عرفنا من الأطبّاء من له علم ولكن ليس له ضمير. وقد بلغني أن هذا الداء قد وصل إلى لندن، وكنّا قديماً نضرب الأمثال بأخلاق الإنكليز حتّى إن حافظ عفيفي باشا ألف
стр. 1469
كتابه المعروف «الإنكليز في بلادهم» فصوّرهم فيها كأنهم أشباه ملائكة يمشون على الأرض! ولمّا كنّا صغاراً صدر كتاب «التربية الحديثة» لإدمون ديمولان، ومن قبل ذلك أُعجِب فولتير ثم أندريه موروا بالإنكليز وكتب عنهم، ولكن يظهر أن حبّ المال يُفسِد الأفراد والشعوب، فصار الطبّ كما سمعنا الآن في تلك البلاد وسيلة لابتزاز المال وسلعة تُباع في الأسواق.
ومن عيوب كثير ممّن عرفنا من الأطبّاء إخلاف المواعيد؛ فهو يَعِد المريض الساعة الثامنة صباحاً وهو يعلم أن الكشف عن مرضه يستلزم نصف ساعة أو ساعة، وأن عليه أن يَعِد المريض الذي بعده في الساعة الثامنة والنصف والمريض الثالث في الساعة التاسعة ... ولكن كثيراً من الأطبّاء يضربون موعداً واحداً لجماعة من المرضى حتّى يُجبِروهم على الانتظار، وأكثر ما يكون ذلك عند أطبّاء العيون والأسنان.
وقد ذهبت مرة إلى طبيب عيون في مصر وراء باب اللوق (الذي سُمّي تارة ميدان الفلكي وتارة ميدان الأزهار)، فوجدت غرفة الانتظار ممتلئة بالناس، فيها أكثر من عشرين مريضاً يرقب كلٌّ موعدَه والطبيب لا يستدعي أحداً منهم. فلما طال الانتظار سألت من هو إلى جانبي: متى موعدك مع الطبيب؟ فقال: الآن. وسألت غيره فقال: الآن ... وإذا الطبيب قد أعطاهم جميعاً موعداً واحداً!
ولمّا طال الأمر ولم يُدعَ أحدٌ من المرضى غضبت ونسيت أصول اللباقة وقواعد السلوك واقتحمت على الطبيب غرفته،
стр. 1470
وإذا هو مع صديق له يشربان القهوة ويتحدّثان ويتقارضان النكت ويضحكان! فأراد أن يثور بي أني دخلت عليه بلا إذن، ولكن غضبي والحقّ الذي كنت أراه معي قابلها بثورة أعنف منها بعشرين مرّة، فابتلعَتها وأخفَتها وجعلَت الطبيب يتضاءل ويعتذر فلا ينفعه الاعتذار، لا لقوّتي وضعفه بل لأن الحقّ معي والباطل معه. ثم خرجت على المنتظرين فقصصت عليهم ما كان وعرّفتُهم ماذا يصنع الطبيب، فخرجوا جميعاً ولم يبقَ في غرفة الانتظار أحد.
ومن الأطبّاء الذين عرفتهم مَن يفخر بكثرة المنتظرين في عيادته، يؤخّرهم عمداً ليوهم الناس أنه طبيب مقصود وأنه كثير الزبائن.
* * *
والحديث عن الأطبّاء يجرّ الحديث عن الممرّضات. وهو حديث طويل لا تكفي فيه فقرة عارضة في مثل هذه الحلقة، بل لا بدّ له من حلقة كاملة بل حلقات. أضرب مثلاً قريباً جداً: إحدى حفيداتي عَرضَت لها الولادة، ولم تكن ولادتها الأولى بل الثانية، فذهبوا بها إلى مستشفى أقامته الدولة للولادة، جعلَته بوسائله وتجهيزاته لا يقلّ عن المستشفيات العظيمة في البلاد التي نسمّيها متمدّنة ونُكبر أهلها ونعظّمهم في قرارة نفوسنا، مستشفيات أوربّا وأميركا، أنفقَت الدولة عليه وعلى أمثاله الأموال الطائلة وهي تستطيع ذلك، ووضعت فيه أحدث الوسائل وأغلاها وأعلاها وهي تستطيع ذلك، لم تدّخر جهداً ولم تقصر في إقامة المستشفى وتجهيزه، ولكن الدولة التي تقدر أن تصنع هذا كله لا تقدر أن
стр. 1471
تصنع الضمائر لمن ليس له ضمير ولا أن تضع اللطف والإنسانية فيمن حرمه الله الإنسانية واللطف!
وجدنا في هذا المستشفى ممرّضات لا يعرفن لغة المريضة ولا يفهمن عنها ما تقول. وأول شرط في الممرضة وفي الطبيب أن يعرف كيف يصل إلى قلب المريض. وكيف يصل إليه ويعرف آلامه ليعمل على إزالتها إذا كان لا يفهم لسانه؟ ووجدنا أن كثيرات منهن فقدن لُطف المرأة ورقّتها وفقدن المشاعر الإنسانية وسموّها، وكان مثَلهن كمثل جهاز صغير فاسد ثمنه ألف ريال وُضع في مصنع كبير كلف الملايين فأفسده ووَقَف حركتَه. ولا أريد الآن أن أذكر تفصيل ما كان، بل سأرفعه إلى أولياء الأمر في هذا البلد الذين يحرصون على إرضاء الله أولاً ثم على راحة الناس وإسعادهم، لذلك ينفقون الأموال ولذلك يقومون بالمشروعات، ولذلك يسهرون ويخطّطون ويدأبون. فهل يُعقَل أن يذهب بهذا كله ممرضةٌ لا ضمير لها، أو طبيب إنما جاء ليقضي أياماً معدودة يجمع فيها أكبر قدر من المال ثم يمضي به، لا يهمّه صحّة البلد ولا سلامة أهله، وآخَر من أهل البلد ولكنه ليس من أهل الأمانة والدين؟
هذه كلمة عارضة قلتها امتثالاً لأمر الرسول ﵊ الذي قال: «الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، كلام قلته الآن موجَزاً وإذا اقتضى المقام عدت إليه مفصَّلاً ومبيَّناً.
وأنا أعلم أن قضية الممرّضات مشكلة من المشكلات. وقد
стр. 1472
وقعنا فيها من قبل في الشام فجرَّبوا تجارِب كثيرة، منها أنهم اتفقوا مرة مع الراهبات. وقد قضيت شهوراً في مستشفى الحكومة في السنة التي أشرت إليها (١٩٥٦) ورأيت هؤلاء الراهبات: إنهنّ متسترات لا يبدو منهن إلاّ الوجه والكفان فقط، ثيابهن نظيفة أبداً وعملهنّ غالباً مضبوط، ولكن الضرر منهن أكبر مرّات ومرات من النفع بهن لأنهن لا يَنسين دينهنّ وأنهنّ داعيات إلى النصرانية وأن عملهنّ الأول أن يُدخِلن المريضات في النصرانية، فإن لم يستطعن عملنَ على إخراجهن من الإسلام، فإن لم يقدرن على ذلك سعين بمهارة شيطانية إلى إضعاف الإيمان في نفوسهن.
فلا الممرّضات المدَنيات نفعْنَنا ولا الراهبات أفدنَنا، فما العمل إذن؟
هذه مشكلة لا أستطيع أنا وحدي حلّها، ولا بد لها من مؤتمر أو مؤتمرات تفتّش عن طريق يوصل إلى الغاية المطلوبة ولا يمرّ بسالكه على جهنم، ذلك لأن صحة الأبدان لا يجوز أن تكون وسيلة لإضاعة الأديان، والمسلم يتقيد بأحكام دينه، يترك الحرام ويقوم بالواجب في جميع الأمكنة والأزمنة، في كل الحالات والمقامات.
وأول ما يخطر على البال هو هذا السؤال: لماذا لا يكون في مستشفيات الرجال ويقوم على تمريض الرجال ممرّضون من الرجال؟ مَن يقدر أن يأتيني بحُجّة مقنعة واضحة بأن الرجل لا يستطيع أن يكون ممرّضاً وأنه لا بد من امرأة تكشف على عورات المرضى الأجانب وتكون معهم، وربما كانت مناوبة فباتت مع
стр. 1473
الطبيب المناوب وحدهما بالمستشفى؟
التمريض ضروري والمهنة لا بدّ منها، لكن بشرط أن نبقى متمسّكين بأحكام ديننا فلا نُغضِب ربّنا لنشفي مرضانا، والشفاء من الله، والله لا يشفي بمعصيته بل يشفي بطاعته. وإذا زال المرض من الجسد مؤقتاً في هذه الدنيا بالمعصية فإن الحياة الحقيقية الطويلة هي الحياة الآخرة، فماذا ينفعنا شفاء المرض هنا وأن نُبتلى بمرض الحريق بنار جهنم؟
تقولون: لقد خرجت عن الموضوع ... نعم. وإن هذه لم تعُد ذكريات وإنما صارت مواعظ ... نعم، هذا صحيح. ولكن مَن قال لكم إن المواعظ مذمومة دائماً وإنه يجب الإعراض عنها وتركها دائماً، ولو توقفت عليها حياتنا وسعادتنا ورِضا ربنا؟
وبعد، فقد خرجت عن الموضوع حقيقة، ولكني سأعود إن شاء الله إليه فأسرد من الذكريات ما هو للأطبّاء، كما سردت في هذه الحلقة بعض ما هو عليهم.
* * *
стр. 1474
-١٢٠ -
دفاع عن الأطبّاء
كانوا يقولون قديماً: «وعداوةُ الشّعراءِ بئسَ المُقتنى»، لأن مَن يعاديهم يتعرّض لألسنتهم ولا يسلم من هجائهم، ومن الهجاء ما يهبط بالعالي ويُذِلّ العزيز ويفضح المستور. على أن عداوة الأطبّاء أشدّ من عداوة الشعراء، فالأطبّاء بيدهم أسباب الموت والحياة، وإن كانت الحياة والموت بيد الله، وقد توجد الأسباب ولا يكون المسبّب. والشعراء لا يستطيعون أن يُميتوا أحداً. ولقد كان الناس يخشون لسان الفرزدق، فجاءه مرّة رجل من غمار الناس يقول له: هل أموت إذا هجوتَني؟ قال: لا. قال: هل تموت امرأتي أمّ كذا؟ (ونسيت أم ماذا) قال لا. قال: هل يموت حماري؟ قال: لا. فأسمعه كلمة سبّ فظيعة لا أستطيع أن أرويها.
على أنني ما عاديت الأطبّاء ولا أستطيع أن أعاديهم، لأنهم من ركائز الحضارة البشرية ولأنهم من رموزها الظاهرة. للحضارة رموز تُقاس بها، منها الحاكم العادل، منها القضاء الحرّ النزيه، منها التعامل بين الناس، منها الأطبّاء والمحامون وأرباب المهن ومعاملتهم واستقامتهم أو انحرافهم ... فلا تظنّوا أني عدوّ
стр. 1475
للأطبّاء، فإن الذي يبيّن للإنسان مرضه ليعمل على الخلاص منه يكون صديقاً ولا يكون عدواً، وهذا الذي صنعته أنا مع الأطبّاء. هم يبيّنون للناس أمراضاً ليداووها، وأنا بينت لبعض الأطبّاء بعضَ أمراضهم الخلُقية والاجتماعية ليعملوا على الخلاص منها.
ولي بين الأطبّاء أصدقاء، ولي من الأطبّاء أساتذة وإخوة كرام.
وعندي من طرائف الحوادث مما يُسجَّل لهم مثل الذي ذكرت بعضه فسُجّل عليهم. من ذلك أنه كان عندنا في المدرسة الثانوية (مكتب عنبر) طبيب معروف اسمه الدكتور يحيى الشمّاع، كان يدرّس لنا الكيمياء، فلما انتهى عهدي بالدراسة صرت صديقاً لمن كان أستاذاً لي في المدرسة، شرّفوني بمودّتهم وفتحوا لي أبوابهم، فكنت أتردّد عليهم لا طمعاً بدنيا أنالها منهم بل وفاء لهم واعترافاً بفضلهم.
زرت الدكتور الشمّاع يوماً مبكّراً، وكان جاراً لنا في المهاجرين، أصحبه إلى البلد فأستفيد منه على الطريق. وكان من عادته أن ينزل إلى البلد ماشياً، ولكنه كان في ذلك اليوم مستعجلاً فركبنا الترام من أول الخطّ حيث يقلّ الركّاب، ودخلنا مقصورة الدرجة الأولى فلم نجد فيها إلاّ أحد جيراننا، وهو رجل كهل وقور، فسلّم على الدكتور وعليّ، ثم شكا إليه ألماً يجده في بطنه وأخذ يصفه له، فقال له الدكتور: تفضل معي إلى العيادة لأكشف عليك. قال: لماذا العيادة؟ وتمدّد على مقاعد الترام وبسط رجلَيه وكشف عن بطنه وقال: ها هنا الألم. وكنّا قد بلغنا المحطّة التالية