← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

تصنع الضمائر لمن ليس له ضمير ولا أن تضع اللطف والإنسانية فيمن حرمه الله الإنسانية واللطف! وجدنا في هذا المستشفى ممرّضات لا يعرفن لغة المريضة ولا يفهمن عنها ما تقول. وأول شرط في الممرضة وفي الطبيب أن يعرف كيف يصل إلى قلب المريض. وكيف يصل إليه ويعرف آلامه ليعمل على إزالتها إذا كان لا يفهم لسانه؟ ووجدنا أن كثيرات منهن فقدن لُطف المرأة ورقّتها وفقدن المشاعر الإنسانية وسموّها، وكان مثَلهن كمثل جهاز صغير فاسد ثمنه ألف ريال وُضع في مصنع كبير كلف الملايين فأفسده ووَقَف حركتَه. ولا أريد الآن أن أذكر تفصيل ما كان، بل سأرفعه إلى أولياء الأمر في هذا البلد الذين يحرصون على إرضاء الله أولاً ثم على راحة الناس وإسعادهم، لذلك ينفقون الأموال ولذلك يقومون بالمشروعات، ولذلك يسهرون ويخطّطون ويدأبون. فهل يُعقَل أن يذهب بهذا كله ممرضةٌ لا ضمير لها، أو طبيب إنما جاء ليقضي أياماً معدودة يجمع فيها أكبر قدر من المال ثم يمضي به، لا يهمّه صحّة البلد ولا سلامة أهله، وآخَر من أهل البلد ولكنه ليس من أهل الأمانة والدين؟ هذه كلمة عارضة قلتها امتثالاً لأمر الرسول ﵊ الذي قال: «الدين النصيحة. قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم»، كلام قلته الآن موجَزاً وإذا اقتضى المقام عدت إليه مفصَّلاً ومبيَّناً. وأنا أعلم أن قضية الممرّضات مشكلة من المشكلات. وقد

стр. 1472

وقعنا فيها من قبل في الشام فجرَّبوا تجارِب كثيرة، منها أنهم اتفقوا مرة مع الراهبات. وقد قضيت شهوراً في مستشفى الحكومة في السنة التي أشرت إليها (١٩٥٦) ورأيت هؤلاء الراهبات: إنهنّ متسترات لا يبدو منهن إلاّ الوجه والكفان فقط، ثيابهن نظيفة أبداً وعملهنّ غالباً مضبوط، ولكن الضرر منهن أكبر مرّات ومرات من النفع بهن لأنهن لا يَنسين دينهنّ وأنهنّ داعيات إلى النصرانية وأن عملهنّ الأول أن يُدخِلن المريضات في النصرانية، فإن لم يستطعن عملنَ على إخراجهن من الإسلام، فإن لم يقدرن على ذلك سعين بمهارة شيطانية إلى إضعاف الإيمان في نفوسهن. فلا الممرّضات المدَنيات نفعْنَنا ولا الراهبات أفدنَنا، فما العمل إذن؟ هذه مشكلة لا أستطيع أنا وحدي حلّها، ولا بد لها من مؤتمر أو مؤتمرات تفتّش عن طريق يوصل إلى الغاية المطلوبة ولا يمرّ بسالكه على جهنم، ذلك لأن صحة الأبدان لا يجوز أن تكون وسيلة لإضاعة الأديان، والمسلم يتقيد بأحكام دينه، يترك الحرام ويقوم بالواجب في جميع الأمكنة والأزمنة، في كل الحالات والمقامات. وأول ما يخطر على البال هو هذا السؤال: لماذا لا يكون في مستشفيات الرجال ويقوم على تمريض الرجال ممرّضون من الرجال؟ مَن يقدر أن يأتيني بحُجّة مقنعة واضحة بأن الرجل لا يستطيع أن يكون ممرّضاً وأنه لا بد من امرأة تكشف على عورات المرضى الأجانب وتكون معهم، وربما كانت مناوبة فباتت مع

стр. 1473

الطبيب المناوب وحدهما بالمستشفى؟ التمريض ضروري والمهنة لا بدّ منها، لكن بشرط أن نبقى متمسّكين بأحكام ديننا فلا نُغضِب ربّنا لنشفي مرضانا، والشفاء من الله، والله لا يشفي بمعصيته بل يشفي بطاعته. وإذا زال المرض من الجسد مؤقتاً في هذه الدنيا بالمعصية فإن الحياة الحقيقية الطويلة هي الحياة الآخرة، فماذا ينفعنا شفاء المرض هنا وأن نُبتلى بمرض الحريق بنار جهنم؟ تقولون: لقد خرجت عن الموضوع ... نعم. وإن هذه لم تعُد ذكريات وإنما صارت مواعظ ... نعم، هذا صحيح. ولكن مَن قال لكم إن المواعظ مذمومة دائماً وإنه يجب الإعراض عنها وتركها دائماً، ولو توقفت عليها حياتنا وسعادتنا ورِضا ربنا؟ وبعد، فقد خرجت عن الموضوع حقيقة، ولكني سأعود إن شاء الله إليه فأسرد من الذكريات ما هو للأطبّاء، كما سردت في هذه الحلقة بعض ما هو عليهم. * * *

стр. 1474

-١٢٠ - دفاع عن الأطبّاء كانوا يقولون قديماً: «وعداوةُ الشّعراءِ بئسَ المُقتنى»، لأن مَن يعاديهم يتعرّض لألسنتهم ولا يسلم من هجائهم، ومن الهجاء ما يهبط بالعالي ويُذِلّ العزيز ويفضح المستور. على أن عداوة الأطبّاء أشدّ من عداوة الشعراء، فالأطبّاء بيدهم أسباب الموت والحياة، وإن كانت الحياة والموت بيد الله، وقد توجد الأسباب ولا يكون المسبّب. والشعراء لا يستطيعون أن يُميتوا أحداً. ولقد كان الناس يخشون لسان الفرزدق، فجاءه مرّة رجل من غمار الناس يقول له: هل أموت إذا هجوتَني؟ قال: لا. قال: هل تموت امرأتي أمّ كذا؟ (ونسيت أم ماذا) قال لا. قال: هل يموت حماري؟ قال: لا. فأسمعه كلمة سبّ فظيعة لا أستطيع أن أرويها. على أنني ما عاديت الأطبّاء ولا أستطيع أن أعاديهم، لأنهم من ركائز الحضارة البشرية ولأنهم من رموزها الظاهرة. للحضارة رموز تُقاس بها، منها الحاكم العادل، منها القضاء الحرّ النزيه، منها التعامل بين الناس، منها الأطبّاء والمحامون وأرباب المهن ومعاملتهم واستقامتهم أو انحرافهم ... فلا تظنّوا أني عدوّ

стр. 1475

للأطبّاء، فإن الذي يبيّن للإنسان مرضه ليعمل على الخلاص منه يكون صديقاً ولا يكون عدواً، وهذا الذي صنعته أنا مع الأطبّاء. هم يبيّنون للناس أمراضاً ليداووها، وأنا بينت لبعض الأطبّاء بعضَ أمراضهم الخلُقية والاجتماعية ليعملوا على الخلاص منها. ولي بين الأطبّاء أصدقاء، ولي من الأطبّاء أساتذة وإخوة كرام. وعندي من طرائف الحوادث مما يُسجَّل لهم مثل الذي ذكرت بعضه فسُجّل عليهم. من ذلك أنه كان عندنا في المدرسة الثانوية (مكتب عنبر) طبيب معروف اسمه الدكتور يحيى الشمّاع، كان يدرّس لنا الكيمياء، فلما انتهى عهدي بالدراسة صرت صديقاً لمن كان أستاذاً لي في المدرسة، شرّفوني بمودّتهم وفتحوا لي أبوابهم، فكنت أتردّد عليهم لا طمعاً بدنيا أنالها منهم بل وفاء لهم واعترافاً بفضلهم. زرت الدكتور الشمّاع يوماً مبكّراً، وكان جاراً لنا في المهاجرين، أصحبه إلى البلد فأستفيد منه على الطريق. وكان من عادته أن ينزل إلى البلد ماشياً، ولكنه كان في ذلك اليوم مستعجلاً فركبنا الترام من أول الخطّ حيث يقلّ الركّاب، ودخلنا مقصورة الدرجة الأولى فلم نجد فيها إلاّ أحد جيراننا، وهو رجل كهل وقور، فسلّم على الدكتور وعليّ، ثم شكا إليه ألماً يجده في بطنه وأخذ يصفه له، فقال له الدكتور: تفضل معي إلى العيادة لأكشف عليك. قال: لماذا العيادة؟ وتمدّد على مقاعد الترام وبسط رجلَيه وكشف عن بطنه وقال: ها هنا الألم. وكنّا قد بلغنا المحطّة التالية

стр. 1476

وبدأ الناس يصعدون إلى الترام، فرأوا منظراً عجباً! فللأطبّاء على الناس أنهم يستغلون وجودهم حيثما وجدوهم ليتداوَوا من غير أن يدفعوا أجرة المداواة. وأكثر الأطبّاء يستحيي فلا يعترض، أو يكون الذي صنع ذلك صديقاً له عزيزاً عليه يحترمه فلا يقدر أن يصرّح له. وقد حدّثني الدكتور الشماع نفسه أن جماعة جاؤوه وهو راجع من صلاة الفجر، والجوّ لم يخلص من غبَش الليل وإن تعارفَت الوجوه، فشكوا إليه أن عندهم مريضاً حالته مخطرة وآلامه شديدة ولا يستطيع أن ينزل إليه ليفحصه. وكان هذا الطبيب طيّب القلب لين الجانب، فقال: هلمّوا بنا، أنا أذهب إليه. وحيّ المهاجرين في الشام مبنيّ من غير تخطيط سابق، ففيه الجادة الأولى التي يمشي بها الترام تمتد ما بين المشرق والمغرب، وفوقها الجادة الثانية موازية لها فالثالثة فالرابعة (وقد بلغن الآن أكثر من عشر جادّات) وطرق صاعدة توصل من جادة إلى جادة. وكان المريض في الجادة العاشرة ولا تستطيع السيارة أن تصل إليها. وكان الدكتور ممتلئ الجسم ثقيل الوزن كبير السنّ، ولكنه آثر -كما حدّثني- رضا الله والعمل الإنساني على راحته، فمشى معهم، فلم يكد يصل إلى البيت حتّى أوشك أن يسقط من التعب. فلما بلغ باب الدار جاء من يخبر مَن معه أن المريض شفي ولا يحتاجون إلى الطبيب. وقالوا له: اصرفه لئلاّ ندفع أجرته. فحاول الرجل أن يعتذر إلى الدكتور ليصرفه، ولكنه خجل

стр. 1477

منه أن يعود من غير أن يستريح فدعاه إلى الدخول، فدخل وقال: أين المريض؟ فحاروا ماذا يقولون له وتردّدوا وارتبكوا، ثم قال واحد منهم: لقد شفي المريض ولم تبق حاجة لأن تُتعِب نفسك برؤيته. قال الدكتور: دعوني لكي أراه ولا أريد منكم شيئاً لأنكم جيراننا. فأخذوه إليه مُرغَمين، فلما وصل إلى فراشه وأحسّ به المريض لفّ نفسه باللحاف حتّى لم يَعُد يبدو منه شيء وصار كأنه كرة مدوّرة، فمدّ الطبيب يده ليستخرج كفّه فيرى نبضه فخبّأها منه، وما زال به وهو يبتعد عنه كأنما هي رواية هزلية أو كأنها مصارعة يحمي بها المصارع نفسه من هجمة الخصم! حتّى يئس منه فتركه ونزل. * * * وإذا كان في الأطبّاء من يريد أن يأخذ أكثر من حقه وأن يستلب المريض أمواله، وإذا كانت بعض المستشفيات الخاصّة إنما أنشئت لغرض تجاري هو جمع المال واستعجال الغِنى، تريد أن تجرّد المريض من كل ما في كيسه من مال، ولو استطاعت لجرّدَت عظامه من اللحم الذي يلتصق بها، فإن من الناس من يظلم الأطبّاء ويعتدي على حقوقهم ويسرقهم ويأخذ منهم ولا يعطيهم. لاحظوا أنني قلت «بعض المستشفيات» ولم أعمّها كلها ولم أعيّن بلدة بعينها، فهذا وصفٌ مَن كان متصفاً به من أصحاب المستشفيات فليستغفر الله وليعُد إلى الصواب، ومن كان بعيداً عن هذا الوصف فما ناله منه شيء.

стр. 1478

ومن العادات المألوفة عند العوامّ من أهل الشام، لا سيما النساء منهم، أن الواحدة إذا اشترت شيئاً ثميناً، خاتماً أو سواراً، أخذت «على البيعة» قطعة صغيرة لا تدفع ثمنها، فإذا اشترت غرفة نوم مثلاً طلبَت على البيعة كرسياً أو وسادة زائدة. ولقد رأيت من يصنع ذلك مع الأطبّاء؛ مرض مرّة أحد أصدقائنا من التجّار الموسرين واحتاج إلى طبيب متخصّص يعوده في داره لأنه لا يستطيع أن يذهب إليه في عيادته، وكان الطبيب صديقاً لي، وكان كثير الزبائن ضيّق الوقت مزدحم الأعمال، لذلك كان أجره غالياً، والمريض -على غناه- لا يحبّ أن يدفع كثيراً، فكلّمت الطبيب حتّى أسقط عنه نصف الأجر المعتاد الذي يأخذه من غيره. وذهبنا إليه في داره، فلما انتهى من الفحص عن مرضه وأخذ الأجرة المخفّضة التي اتفقنا عليها وودّعناه نادانا قبل أن نصل إلى الباب: يا دكتور يادكتور ... فالتفت الدكتور ليرى ماذا يريد، فقال له: من فضلك هذا الولد تعبان ومتألّم فأرجو أن تفحصه «على البيعة»! ومن المرضى مَن إذا أكمل الطبيب الكشف عليه جاءه بأخيه أو بابن أخيه أو برفيق له فسأله عن مرض يشكو منه ليكتب له وصفة دوائه «على البيعة». نقابة المحامين في كلّ بلد تقرر أجرة للاستشارة الحقوقية، ومن كبار المحامين من لا يرافع في المحاكم ولكنه يدرس القضايا ويعطي مشورته فيها، ونجد مع ذلك كثيراً من أصحاب القضايا

стр. 1479

يريد أن يأخذ المشورة بالمجّان. وأنا تأتيني رسائل كثيرة فيها أسئلة ظاهرُها سؤال فقهي أو ثقافي لأجيب عنها في أحد برنامجَيّ في الإذاعة وفي الرائي، وهي في الحقيقة خلاصة لدعوى قائمة في المحكمة، فهو يسرد لي تفاصيلها ووقائعها ليسألني عن الحكم الشرعي فيها، وما يريد معرفة الحكم وإنما يريد كسب القضية؛ أي أن هذا الجواب الذي يسعى لأخذه مني لو ذهب إلى محام متفرغ للاستشارات الحقوقية لطلب منه ثمن الجواب خمسة آلاف أو عشرة آلاف. ولا أقول هذا لأتكلم عن نفسي، بل لأبين أن السرقات كما تكون مادّية (أي سرقة أموال وأشياء) تكون معنوية. ومن الناس من يسرق من الأطبّاء من غير أن يدفع الثمن الشرعي لما يأخذه منهم، يَلقى أحدُهم الطبيبَ في مجلس من المجالس أو في طريق من الطرق فيحدّثه عن مرضه ويصفه له ويسأله عن طريق علاجه، بدلاً من أن يذهب إليه في عيادته على الطريقة التي وُجدت العيادات من أجلها. ومنهم من يطلب العلاج مجّاناً من البرامج الطبّية في الإذاعة أو في الرائي أو في الأبواب المخصّصة لأسئلة القراء في المجلاّت الطبّية والعلمية. * * * أنا لست طبيباً ولا ناقداً طِبّياً لِما يُذاع ولما يُنشر، ولا أقرّر هنا حقائق علمية أوجبها على الناس، وإنما أسرد ذكريات لما رأيت ولما سمعت.

стр. 1480

أصابتني مرّة حكّة شديدة في موضع يصعب الوصول إليه لحكّه ولو من فوق الثياب، حتّى إنني كنت أُضطرّ إلى الوقوف في جانب الطريق لا أستطيع أن أوالي سيري ممّا أحسّ به من هذه الحكّة. ولقد شققت جيب بنطالي لأدخل يدي منه فأحك هذا الموضع. فلما طال ذلك عليّ واشتدّ بي ذهبت إلى كبير أطبّاء الأمراض الجلدية في كلية الطبّ في الشام، وهو الدكتور محمد محرّم. وكان أستاذاً لنا في مكتب عنبر مدّة من الزمان، وكان أبوه مصباح بك محرّم رئيس محكمة التمييز أيام الحكم الفيصلي في سورية في آخر الحرب العالمية الأولى. وكان الدكتور محمد أستاذاً كبيراً وعالِماً وكان وقوراً، فكيف أكشف له عن موضع يُستحيا من كشفه أمام الطبيب العادي؟ وكيف أكشفه لأستاذ له هيبته في قلبي واحترامه يملأ جوانب نفسي، ولكن: إذا لم يكن إلاّ الأسنّةُ مركَباً ... فما حيلةُ المضطرّ إلاّ ركوبُها ذهبت إليه وصنعت ما كنت أخاف منه وأتهيّبه، فطمأنني الدكتور وقال: لا تخَف، فليس هذا مرضاً ولكنه انعكاس عصبي يكون من ضيق تشعر به أو أمر تتردّد فيه أو مشكلة وقعتَ فيها، وسأكتب لك بعض المهدّئات الخفيفة التي لا تضرّ، وأظنّ أن هذا الذي تشكو منه سيذهب بإذن الله. وكتب لي الوصفة وأخذتها، ومرّ على ذلك أكثر من شهر، ثم لقيت الأستاذ فسألني عمّا كنت أجد فقلت له: الحمد لله، لقد زال تماماً. قال: إن الأمر كما قلت، فقد كفَت هذه المهدّئات الخفيفة لدفع سبب ما كنت تشعر به. فضحكت وقلت: ولكني يا

стр. 1481

سيدي ما اشتريت الدواء ولا استعملته، وإنما اكتفيت بكلامك. من هذه الحادثة التي مرّت بي ومثيلات لها (رأيتها بنفسي أو رأيتها فيمن أعرف من الناس) تبيّن لي أمر، ما أدري هل الذي وصلت إليه حقّ يُقرّه الأطبّاء أو هو وهم أديب يتكلم في الطبّ بلا علم؟ وجدت أننا إذا تركنا الأمراض المعروفة التي تثبت بأعراض ظاهرة أو بفحص مجهري أو بتحليل كيميائي، إذا تركنا هذه الأمراض وجدنا أن كثيراً جداً من الآلام التي نحسّ بها في مفاصلنا تارة وفي رؤوسنا (في الصداع العادي بأنواعه) وفي صداع الشقيقة (أي نصف الرأس)، أكثر هذه الآلام التي نراجع الأطبّاء فيها مَنشؤه نفسي لا جسدي. فهل هذا الذي قلته صحيح؟ لا ينكر أحدٌ الصلةَ بين الحالة النفسية والأعراض الجسدية بل الأمراض أيضاً، فكما أن الغضب يزيد ضربات القلب والحزن الشديد يقلّلها واشتغال الفكر يُذهِب النوم ... فإن أمراضاً تنشأ من أمثال هذه الأسباب. ولقد قرأت من قديم أن «المريض الوهمي» في قصّة موليير يُحِسّ الآلام نفسها التي يُحِسّ بها المريض حقيقة. ولقد كنّا نسمع ونحن صغار من جداتنا الحكاية الشعبية المشهورة، أن صبيان الكتّاب أحبّوا أن يهربوا منه فاتفقوا على أمر، فجاء واحد منهم إلى الشيخ فقال له: يا شيخي وجهك أصفر. فزجره الشيخ ورفع عليه العصا. فجاء الثاني بعد قليل فقال: يا شيخي وجهك أصفر. فزجره زجراً أقلّ من الأول. ولمّا جاء الثالث والرابع بدأ يصدّق،

стр. 1482

فلما قال له التلميذ التاسع: يا شيخي وجهك أصفر ... اصفرّ وجهه فعلاً وبدأ يُحِسّ المرض، وأغلق الكُتّاب وذهب إلى الدار! كنت في شبابي أذهب كلّ سنة إلى طبيب لا يعرفني فأقول له: أريد أن تفحصني فحصاً عاماً. فيفعل ويستعين بالصور الشعاعية بناء على طلب مني وبالتحاليل الممكنة كلها وبالفحص السريري، فإذا انتهى قال لي متعجباً: ما الذي تشكو منه؟ قلت: لا أشكو من شيء. فيقول: لماذا جئت إذن وليس فيك شيء وجسدك صحيح؟ فأقول: جئت أسمع منك هذه الكلمة. إذا قلت للرجل الصحيح: "إنك متعب تبدو عليك بوادر المرض" فإنك تقربه بهذا إلى المرض. وإذا قلت لمن هو في أوائل المرض: "إنك صحيح قوي الجسم، القوّة ظاهرة عليك والصحّة بادية على وجهك" فإنك تبعده بذلك ولو شيئاً قليلاً عن المرض. * * * وممّا هو للأطبّاء على المرضى (وقد رأيت لذلك أمثالاً كثيرة) أن المريض يذهب إلى الطبيب، فإذا فحص عن مرضه وكشف عليه وكتب له الدواء جرّب من هذا الدواء أقراصاً معدودة (إذا كان الدواء في أقراص) أو ملاعق قليلة (إذا كان الدواء شراباً)، فإذا لم يجد أنه شُفي ترك هذه الأدوية وذهب إلى طبيب آخر ليفحصه كما صنع الأول، فيكتب له الدواء فيهمله كما أهمل الدواء الأول. فإذا ذهب إلى عدد من الأطبّاء واجتمعَت عنده مجموعة من الوصفات الطبية ومن قوارير الأشربة وعلب

стр. 1483

الأقراص التي لم يأخذ منها إلاّ أقلّها ولم يجد الشفاء، ذهب فشهّر بالأطبّاء وتكلّم عنهم ونسب إليهم الجهل. وربما شرح الطبيب للمريض كيف يستعمل الدواء فلم يفهم شرحه، أو لم يعمل به، ثم نسب الخطأ إليه. كان لي ابن عمّ من أوائل الذين تخرجوا في كلية الطبّ في دمشق. تخرج فيها طبيباً سنة ١٩٢٠، وتنقّل في البلاد ثم استقرّ في دوما التي تكلّمت عنها وأنا قاض بها منذ حلقتين. وكان يأتيه بعض المرضى من البدو النازلين حولها، فجاءه مرّة ثلاثة من الشبّان بأم لهم عجوز كبيرة لا تكاد تقدر على المشي، ففحص عن مرضها وعرفه. ولم يكن في دوما يومئذ صيدلية، وكان يجوز للأطبّاء في هذه الحال أن يركّبوا هم الدواء وأن يبيعوه. فغلى الماء وركّب لهم شراباً أعدّه لهم، ووضعه في قارورة وأحكم إغلاقها، ودفعها إلى الأولاد وقال لهم: تأخذ منها كل ساعتين ملعقة، على أن تخضّوها قبل إعطاء الدواء. وأخذوا أمهم وقارورة الدواء وانصرفوا. وكانت مدّة العلاج خمسة أيام على أن يعودوا إليه بعدها ليرى ماذا انتهت إليه حال المريضة، والقاعدة عندنا في الشام أن العودة لمثل هذا السؤال لا تكلّف المريض مالاً، بل يكتفي الطبيب بما أخذ عند الفحص الأول. مضت الأيام فسمع وهو في عيادته صراخاً من الشارع: آه، آه، آه ... وتبيّن منه صوتَ العجوز التي فحصها، فخرج ينظر.

стр. 1484

وكانت قد وصلت ودخلت إلى العيادة، فقالت له العجوز: آه آه يا دكتور، ما استفدت شيئاً، لقد أهلكوني من كثرة الخَضّ، لقد تقطّعَت أعضائي وتمزّقَت مفاصلي. فسألهم متعجباً: ماذا صنعتم بها؟ ألم تعطوها الدواء في مواعيده؟ قالوا: بلى، أعطيناها الدواء ولكنها ما كانت تقبل الخضّ وتألّمَت منه، فسمعنا رأيك وأعرضنا عن احتجاجها. قال: ويلكم، ماذا عملتم بها؟ قالوا: ألم تقل لنا ينبغي أن نخضها جيداً قبل أن نسقيها الدواء؟ ظنّوا بأن الواجب خضّ الأم لا خضّ القارورة! وكانوا شباباً أقوياء فكان يمسك أحدهم بيديها والآخر برجليها ثم يهزّونها هزاً ويشدّونها ويدفعونها قبل أن تأخذ الدواء، حتّى ذهبوا بالبقية الباقية من قوّتها ومن جَلَدها. وخبّرني مرّة أنه صنع شراباً لمريض، وسلّم إليه قارورته وقال له: تأخذ منه كل يوم ثلاثة فناجين قهوة بعد الأكل. فرجع إليه بعد أيام وخبّره أنه أخذ الفناجين ولم يستفِد شيئاً. فقال الطبيب: فناجين ماذا؟ قال: "والله يا دكتور فناجين قهوة بالهيل والزعفران، قهوة أصولية، ولكنها لم تشفِني من المرض" ... ظنّ بأنها ثلاثة فناجين من القهوة، وإنما أراد الطبيب ملء ثلاثة فناجين من الشراب! وممّا هو للأطبّاء على الناس: أن بعض المرضى من الناس يدَعون الطبيب الإخصائي في المرض ويذهبون إلى طبيب مبتدئ، فيهملون رأي الطبيب الأستاذ ويأخذون رأي الطبيب الجديد. وربما داوى المرضى مَن ليس بطبيب؛ الصيدلي مثلاً قد

стр. 1485

يكون عنده في صيدليته عشرون ألف دواء يعرفها ويعرف أسماءها ويعرف مصانعها، وربما أحاط بعناصرها التي تركّبَت منها، ولا يجوز له مع هذا أن يصف دواء. وربما استعان الناس بطالب الطب وسَمّوه في أسرته طبيباً وبينه وبين شهادة الطب سنتان أو ثلاث سنوات ورجعوا إليه وسألوه، وربما صنع معهم ما صنع مساعد الطبيب قديماً. زعموا أن طبيباً كان له تلميذ يساعده ويصحبه ويمشي معه أينما مشى ليتعلم منه، يوم لم تكن كلّيات الطبّ قد وُجدت على شكلها الذي نعرفه الآن. فذهبا مرّة يعودان مريضاً كان قد فرض عليه الطبيب حمية منعه فيها من أكل السمك، فقال له: لماذا خالفت عن أمري وأكلت سمكة؟ فحاول المريض أن ينكر فقال له: اعترف خير لك فإنّ لدي الدليل. فاعترف بأنه أكل السمك. ولما انفرد الطبيب بمساعده سأله: من أين عرفت أنه أكل سمكاً؟ قال الطبيب: ألم ترَ حَسَك السمك مُلقى على الباب؟ وشُغل الطبيب فبعث مساعده ليرى حال المريض، فلما دخل عليه قال له: لماذا أكلت حماراً؟ قال المريض ومن أين لك أني أكلت حماراً؟ وهل يأكل الناس الحمير؟ قال: لا تُنكر، فإنني رأيت برذعة الحمار على الباب! * * * على أن ممّا يُسجّل للأطبّاء أن في كثير ممّن عرفت منهم نبلاً وخُلُقاً وإيثاراً وعملاً به، فمنهم من يساعد الفقراء فلا يَرزؤهم شيئاً، بل ربما أعطاهم من جيبه ثمن الدواء. وكثير من الأساتذة

стр. 1486

الكبار من لا يأخذ شيئاً من إخوانه ومن أصدقائه. رأيت ذلك من كبير الأطبّاء الدكتور حسني سبح حفظه الله، ومن أستاذ الأطبّاء الدكتور حمدي الخياط ﵀. والدكتور حمدي الخياط أول طبيب في الشام اشتغل بالجراثيم (البكتيريا) وأنشأ مخبراً للتحليلات، سبق به البلاد المجاورة لنا، وجاء على أثره من تلاميذه من يمتلك مختبرات عظيمة حقيقة، منهم الدكتور محمد الهوّاري، ومنهم ولده الدكتور هيثم الخيّاط الذي نال الشهادة الثانوية وشهادة الطبّ والدكتوراة في الطبّ وهو أصغر أقرانه سناً في جميع البلاد. وممّن مشى على أثره الدكتور سميح الخضراء، صاحب المختبر الكبير في جدّة. ومن أنبل الأطبّاء وأكثرهم تتبّعاً لكل جديد الدكتور شفيق شحادة في دمشق. ولست أريد أن أقوم بدعاية لهؤلاء الأطبّاء، فهم في جِدّهم ونجاحهم وإخلاصهم في عملهم وكثرة زبائنهم مستغنون عنها، ولكني أردت أن أقول إن في الأطبّاء نبلاً وفيهم فضلاً، وإن عندنا في بلادنا (في المملكة هنا وفي الشام وفي مصر وفي العراق) أطبّاء كباراً نستطيع أن نستغني بعلمهم وبخبرتهم عن مراجعة الأطبّاء في البلاد الأخرى. ولقد جُلْتُ في كثير من بلاد أوربّا الغربية فكنت أجد في كل مستشفى كبير طبيباً عربياً، رئيس قسم من الأقسام يُعتمَد عليه ويُرجَع إليه. وكنّا قديماً كلّما مرض منّا مريضٌ قالوا لنا: خذوه إلى بيروت. ثم صارت «الموضة» الآن أن نأخذه إلى لندن أو إلى

стр. 1487

أميركا. ولقد كتبت مقالة في جريدة «الأيام» في دمشق من أكثر من ربع قرن عنوانها «إن عندنا أطبّاء». نعم، إن عندنا أطبّاء وعندنا مستشفيات وعندنا تجهيزات ووسائل للشفاء، كل هذا عندنا، ولكن ليست عندنا الثقة بأنفسنا. فإذا وثقنا بأنفسنا وأطبّائنا، وراجع الأطبّاء أنفسهم فنزّهوها عن عيوبها واستكملوا فضائلها، لم نحتَجْ معهم إلى غيرهم. * * *

стр. 1488

-١٢١ - أشتات من الذكريات عن موسم الحج «كل من تلقاه يشكو دهره»، هكذا قال الشاعر الذي نسيت اسمه. ولكن الذي تبيّن لي أيام العيد أن في الجملة خطأ مطبعياً، هو أن هذه الواو محرّفة عن الراء؛ فما قابلت أحداً من الحُجّاج إلاّ وجدته يشكر ولا يشكو، يثني على سهولة الوصول وأن الطرق سالكة وأن السيارات تنساب فيها كالماء في الجدول، فلا زحام ولا صدام ولا اختناق ولا وقوف. مشت السيارات من عرفات إلى مزدلفة كما تمشي سائر أيام السنة، فالسير منظّم والشرطة ساهرة ناظرة لا تجعل للسان مكاناً للشكوى، والماء البارد المثلّج ميسور موفور في كل مكان بالمجّان، هدية من الملك إلى حُجّاج بيت الله الحرام، وأن الحمّامات والمراحيض النظيفة في كل موضع تسدّ الحاجة وتضمن النظافة. وما كنت أريد أن أقطع سلسلة ذكرياتي لأتكلّم عن الحجّ، ولكن ما سمعته ذكّرني بضدّه (وكذلك يكون تداعي الأفكار)، ذكّرني بحِجّتنا أول سنة أقمت فيها في مكّة هذه الإقامة الأخيرة، سنة ١٣٨٤هـ. ولم تكن حِجّتي الأولى في عمري، ولكنها الأولى

стр. 1489

منذ أكرمني الله فجاورت في مكّة من إحدى وعشرين سنة. خرجنا من عرفات بعد غروب الشمس فما بلغنا مكّة إلاّ ضحى الغد، لأننا لم نستطع الوقوف في مِنى. ما قطعناه في أربع عشرة ساعة قطعه حُجّاج هذا الموسم في ثلاث ساعات أو ساعتين، وبعضهم قطعه في أقلّ من ساعة. ولكن لماذا أحدّث بهذا الآن؟ وما الذي يستفيده القُرّاء من هذا الحديث؟ أمّا الذي يستفيده القرّاء فهو إذكاء الشعور بما يعيشون فيه من نعيم لِما بلغوه من تقدّم وارتقاء. إنه لا يعرف قيمة الرخاء إلاّ من عاش في الشدّة، ولا لذّة الوجدان إلاّ من قاسى وجع القلب بالحرمان. من كان يظنّ قبل خمسين سنة لمّا جئت مكّة أول مرّة، بل من كان يتوهّم قبل عشر سنين أننا سنخرق الجبال بالأنفاق، وأننا نساير السحب في الفضاء بالطيارات الحوّامات، ونشرب الماء عذباً مطهّراً بارداً بلا ثمن؟ من عرف (كما عرفتُ) شظف الماضي، حتّى القريب منه، أدرك -كما أدركت- عظيم نعمة الله علينا بلين الحاضر ونعومته ورخائه. إنكم هنا دون بلاد الله جميعاً في نعمة من الأمان ومن السعة ومن الغنى: غِنى اليد بالمال، وغِنى القلب بالإيمان، لمن أراد هذا الغِنى لقلبه ولم تُطغِه الحياة الدنيا. إنكم هنا في نعمة لا نظير لها، فسيحوا في الأرض كلها فلن تجدوا مثلها، فاستديموها واستزيدوا منها بشكر الله عليها: شكر اللسان، وشكر العمل، وشكر القلب الراضي عن الله.

стр. 1490

أمّا جواب سؤالي: لماذا أحدّث بهذا الآن؟ فلأن ذكر الماضي حلو في الأفواه ولو كان هذا الماضي مرّ المذاق. إنّ فقده غلّفه بغلاف برّاق، يلمع من خلال الذكريات فيستهوي لمعانُه القلوبَ الشواعر، لذلك كان من أعظم فنون الشعر العربي القديم الوقوف على الأطلال وبكاء الديار. لا يبكي الشاعر حجراً ميّتاً كما زعم أبو نواس ساخراً، بل يبكي زماناً كان حياً، يبكي قطعة من عمره كانت فبانت. لذلك قال دانته شاعر الطليان الأكبر: "إن ذكرى اللذّات الماضية تؤلمنا". ولعل مفهوم مخالفة كلامه صحيح أيضاً؛ فذكرى الآلام الماضية تسرّنا. تؤلمنا ذكرى اللذّات لأنها مقرونة بفَقْدها، وتسرنا الآلام لأنها مرتبطة بخلاصنا منها. * * * كيف أمضينا من عرفات إلى مكّة سنة ١٣٨٤ أربع عشرة ساعة؟ لم نكن قد عرفنا مكّة ولا أساليب الراحة في الحجّ مع استكمال فرائضه وواجباته. كنّا غرباء ولم نستعِن بأهل البلاد، بأهل مكّة الذين هم أدرى بشعابها، فاجتمعنا معشر المدرّسين من السوريين نحن وأسرنا، فبلغ عددنا أكثر من خمسين بين رجل وامرأة وكبير وصغير، ثم استأجرنا سيارة كبيرة من سيارات المطوّفين، فكان عملنا كعمل الروم (البيزنطيين) في معركة اليرموك لمّا ارتبطوا بالسلاسل عند الواقعة، فلما كانت الهزيمة وسقط واحد من المرتبطين جرهم معه جميعاً فوقعوا فيها! اخترنا أولاً سائقاً بدا لنا أنه نشيط وأنه قوي متحمّس يفيض

стр. 1491

فتوّة وشباباً، فلما كان الازدحام عند الإفاضة من عرفات وقفَت السيارات تسدّ الطريق صفوفاً أربعاً، تتحرّك الواحدة منها عشرة أذرع في ربع دقيقة لتقف بعد ذلك نصف ساعة تنتظر فسحة تمرّ منها. وكان يرى في الصف الذي هو على أيماننا أو الصف الذي على شمائلنا فرجة لسيارته فيخرج من صفه ليدخل فيها، فربما ضاع منه المكان الذي كان فيه ولم يصل إلى المكان الذي طلبه فوقفنا بين الصفّين! وكان إلى جنبه هراوة ضخمة ما عرفت المُراد من وضعها هنا، حتّى وجدته كُلّما كانت هَيعة أو كان نزاع، لا شأن له به ولا هو من أطرافه أو من مثيريه، ترك سيارته وأخذ هراوته واقتحم الخلاف ليقاتل فيه ينصر طائفة على طائفة، فيسير من هو أمامنا من السيارات فيخلو الطريق لنا، وصاحبنا السائق مشغول بمعركة لا ناقة له فيها ولا جَمَل ولا شاة ولا حَمَل! أي أنه كالذي يدعونه في الشام «غوّار الطّوشة». وهذا ليس اسماً للممثّل الهزلي المعروف، ولكنه لقب عندنا للذي يُدخِل نفسه في كل «طوشة»، أي في كل معركة، يغير فيجعل نفسه من أصحابها وما هو منها ولا أرب له فيها. وطال ذلك من السائق حتّى ضاقت به صدورنا فقمنا عليه. والكثرة تغلب الشجاعة، وهو إن كان قوياً وكان معه عصاه فإنه لا يقوى على خمسين، ولو كان ثلثاهم من النساء والأطفال. فطردناه وجاؤونا بسائق آخر هادئ وساكن، ليس معه عصا وما به حركة، فانتقلنا من حرارة الصيف الملتهب إلى برودة الشتاء، ومن النار المُحرِقة إلى الصقيع المجمّد. كان هذا السائق الجديد نعسان كأنه لم ينَم من ليلتين، بل احذفوا كلمة «كأن» فهو لم ينَم

стр. 1492

من ليلتين فعلاً، لذلك كان كلّما أبطأ السير (وهو بطيء على طول الطريق) ألقى برأسه على مِقوَد سيارته فذهب في غفوة، فكنا نوقظه بالألسنة وبالصراخ وبالأيدي، فيكون تعرّضنا للهلاك بسبب نومه كما كدنا نتعرض للموت والاصطدام بسبب حماسة وطيش السائق الأول الأهوج. ومصيبة النوم على السائقين أشدّ المصائب، لا بل عليهم وعلى الركّاب. ولقد كنّا نحب أوائل عهدنا بمكّة لمّا قدمت للإقامة فيها أن تجتمع الأسر، الرجال مع الرجال والنساء مع النساء، فنذهب إلى مكان لنقضي فيه ساعات بلا تكشّف ولا اختلاط. فذهبنا مرّة إلى بستان الكعكي في المَسْفَلة، وهو قطعة من غوطة دمشق انتقلت إلى هذا المكان ... كما زعم العرب قديماً أن الطائف كانت قطعة من الشام، انفصلت عن مكانها ثم طافت ما طافت حتّى استقرّت هنا، فمن ذلك سُمّيت -كما زعموا- الطائف. كان يسوق بنا سيارة دون سيارات النقل الجماعي وأكبر من السيارات العادية، فوقف بنا أمام البستان. وكان صاحب البستان (جزاه الله خيراً) يأذن لنا أن ندخل بستانه وأن نُقيل فيه ساعات، وكنّا نمنع الصغار أن يسبّبوا له أذى ويُحدِثوا في بستانه حدثاً. فلما خرجنا وجدنا السائق نائماً، فأيقظناه فلم يستيقظ، فشددناه وضربه ناس منّا وقام ناس فصبّوا في عنقه الماء المثلَّج من القوارير التي نحملها معنا فما أفاق! ولم تنجح معه حيلة، فقال لنا الصبي الذي يرافقه: لا تُتعِبوا

стр. 1493

أنفسكم فإنه أمضى ليلتين ونصف الثالثة لم يغمض له جفن، فلو أنكم قرعتموه بالمقارع ولذعتموه بالجمر لَما أفاق. فحملنا أمتعتنا وسرنا من بستان الكعكي إلى حيث نجد سيارة في المسفلة، فكان موكباً عجباً؛ رجال يحملون أحمالاً بأيديهم وعلى أكتافهم، ونساء يسحبن أطفالاً وربما كان لبعضهنّ أطفال في بطونهنّ، ونحن نمشي نتمايل ذات اليمين وذات الشمال حتّى بلغنا مكّة! * * * أعود إلى ما كنت فيه: لقد قرأتم فيما مضى من هذه الذكريات الكلام عن مكّة لما جئتها أول مرّة سنة ١٣٥٣هـ من إحدى وخمسين سنة، وكيف كان الحرم وكيف كانت الطرق وكيف كانت أماكن المشاعر. يا أيها الإخوان، إن الذي نراه اليوم كان حلماً من الأحلام فتحقّق الحلم. لو خطَطْنا خَطاً بيانياً لِما كنّا فيه وما انتهينا إليه لرأيناه صاعداً كما يصعد المرء الجبل، يعلو ثم يعلو، حتّى إذا كانت هذه السنون الأواخر وجاء هذا الموسم الذي نحن فيه بلغ هذا الخطّ ذروة الكمال، لو كان في طاقة البشر في الدنيا الكمال. فلله الحمد، ثم الشكر لمن كرّمه الله فجعل تحقيق هذه الأمنية على يديه. أنا لا أريد أن أذكر كل ما صنعوه ولا أقدر أن أذكره، ولكن الله يذكره لأصحابه يجزل لهم ويزيدهم من ثوابه، ويسخّر أقلام المؤرّخين لتدوينه وكتابته. وثواب الله خير من ثناء الناس وذِكر

стр. 1494

المؤرّخين. أنا لا أريد هنا أن أؤرّخ لكل ما صنعوه في المشاعر لخدمة الحُجّاج، ولا أن أكتب استطلاعاً (أي ريبورتاج) أبيّن فيه بعض ذلك، ولكنه قطعة من سلسلة ذكرياتي، في هذه القطعة من الذكريات عن الحجّ حبّات إن باعد بينها الزمان فلقد قرّب بينها الموضوع. إنّ أقدم ذكرى في نفسي من الذكريات المرتبطة بالحجّ واحدة مدفونة في أعماقها فوقها أثقال إحدى وسبعين سنة، ولكن هذه الأثقال تبدو في نظري شفّافة، ذكرى واضحة من ورائها كأنها ما تزال أمامي. كان عمري سبع سنين، وما يُنقَش على صفحة ذاكرة ابن سبع سنين لا يمحوه كرّ السنين. كانت دمشق (كما قلت من قبل) كطائر له جسم وله جناحان، أمّا جسده فالأموي والقلعة، وما يحيط بهما، وأما جناحه فأحياء الصالحية والمهاجرين والأكراد، والجناح الثاني حيّ الميدان. وكنّا نعيش حياة جامدة راكدة ما فيها إلاّ مشاهد متشابهة، ولكن أعظم هذه المشاهد هو سفر المحمل. والمَحْمِل بدعة ما لها أصل في الدين، ما أدري متى وُجدت: هودج على شكل هرم مربع الأضلاع يوضع على ظهر الجمل، منقوش نقشاً مزخرَفاً فيه آيات وفيه عروق بألوان مغريات، ولا يزال محفوظاً في المتحف الوطني في الشام (١).

стр. 1495

وكان يرد مكّةَ في موسم الحجّ المحملُ الشامي والمحمل المصري، ومع كل منهما قوّة من الجند تحميه ومقدار من المال يُغرُون به الأعراب الذين يُخشى عدوانهم على موكب الحجّ. كان ذلك قبل أن يوفّق الله عبد العزيز إلى جعل طريق الحَجّ آمناً، لا يخاف المسافر فيه ولو كان وحده. ولقد كتبت في الرسالة لمّا جئنا مكّة أول مرّة من طريق البَرّ سنة ١٣٥٣هـ (وقد مرّ خبر ذلك) أن الصحراء في عهد عبد العزيز آمَنُ من شارع الشانزليزيه في باريس. وأزيد الآن: آمن من الشارع الخامس في نيويورك. وهذا حق واقع لا مبالغة أديب. كانت دمشق كلها تنتقل في ذلك اليوم إلى طريق الميدان، فالباعة يعرضون بضائعهم وأصحاب الألعاب يعرضون ألعابهم والمنشدون وأهل الفنون الشعبية يُبدون فنونهم ويرفعون أصواتهم بأناشيدهم، والناس يملؤون النوافذ المطلّة على هذا الشارع ويصفّون كراسيهم على جانبَيه، كل ذلك انتظاراً لمرور الموكب الذي تسبقه جماعات الفرسان والموسيقى العسكرية، ثم يأتي البيرق، وهو عَلَم ملفوف، ثم يأتي المحمل والوالي والمشير وكبار الموظفين والأعيان في عرباتهم، إذ لم تكن السيارات قد عُرفت في دمشق. في ذهني صورة ليست كاملة ولكنها واضحة الجوانب لهذا اليوم، ولعل هذه المرّة كانت آخر مرّة يخرج فيها المحمل من دمشق، ومن شاء أن يراه فإنه موجود في المتحف الوطني فيها. كان موكب الحجّ يُمضي على الطريق أربعين يوماً في الذهاب ومثلها في الإياب، فإذا عاد الحُجّاج حملوا معهم الهدايا من

стр. 1496

مكّة والمدينة، وأكثر ما يحملونه معهم ماء زمزم في علب صغيرة من الصفيح محكَمة الإغلاق، وبعض تمر المدينة يأكلونه تبرّكاً به، وشيء من تراب المدينة في قطع على شكل كُمّثرى ملفوف بشرائط ضيّقة من القصب، كنّا نلعقه بألسنتنا لنتبرّك به. وكل ذلك -كما يعلم الجميع- لا أصل له في الشرع. ومن الهدايا التي كان يحملها الحجاج طاسات وكؤوس وأوانٍ من النحاس المنقوش نسمّيه في الشام «المَكّاوي» نسبة إلى مكّة، مع أنه لم يُصنَع فيها وإنما صنع كما أظن في الهند أو في غيرها، فلست أدري على التحقيق. ومرت الأيام حتّى جاءت سنة ١٣٥٣هـ، فرحلنا رحلة الحجاز الصحراوية التي سبق الحديث عنها. ولم ندرك فيها أيام الحجّ ولكن وصلنا بعد انقضائها. حججت أول حجة سنة ١٣٧٣هـ، ولهذه الحجّة حديث طويل سيأتي إن شاء الله عقب الكلام على المؤتمر الوحيد الذي حضرته في عمري وهو مؤتمر القدس، والذي انتُخبتُ رئيساً لإحدى لجانه التي هي لجنة الدعاية، ورحلنا رحلة طويلة إلى آخر المشرق نُعرّف المسلمين بقضية فلسطين ونشرحها لهم، من غير أن نقبض مالاً، لأن عندي خشية تبلغ حد الوسواس من الدخول في قضايا تتصل بجمع المال واستلامه. وسأصف إن شاء الله كيف كانت مكّة في تلك الأيام، وكيف كان الحرم قبل توسعته هذه الأخيرة، وإن كان قد مرّ طرف من ذلك فيما سلف نشره من هذه الذكريات. * * *

стр. 1497

ثم حججت أنا وأهلي سنة ١٣٨١هـ، وكنت قد رجوت وأنا في دمشق أخي الأستاذ الصواف أن يحجز لي ولها غرفة في فندق مصر (فندق الكعكي الآن). في هذه الحجّة مواقف كثيرة في ذكرها متعة وفيه منفعة، أسردها الآن سرد أجدادنا للمُتون ثم أعود إن شاء الله فأشرحها وأحشّي عليها كما كانوا يفعلون، أو إن شئتم فإنني آتي بها الآن موجزة كما يصنع المذيع في الأخبار ثم أعود إلى تفصيلها وبيان ما لها من الآثار. من ذلك أنه صاحَبَنا في الطيارة جماعة من المعارف وبعضهم يقرب أن يُعَدّ في الأصدقاء. فلما نزلنا انشغلوا بأنفسهم عنّا، وكان معي كتاب توصية من مساعد قضائي عندي في محكمة التمييز (النقض) من كرام أهل الشام إلى وكيل للمطوفين اسمه أبوزيد. ولم أبرز له الكتاب ولكنه سبقني فسألني عن اسمي ثم دعاني إلى مكتبه أنا وأهلي، فأكرمنا إكراماً لا مزيد عليه ورحّب بنا واستنظرَنا قليلاً حتّى يعد لنا سيارات توصلنا إلى مكّة، فلما رأى ذلك أصحابُنا الذين كانوا معنا جرّتهم المنفعة إلى الالتصاق بنا، فاقتربوا منّا بعد أن كانوا قد أعرضوا عنّا، واستغلّوا كرم الرجل حتّى إنهم سألوه عن موقع السوق، فأرسل معهم من يدلّهم وأوعز إليه أن يشتري هو لهم ويدفع ثمن مشترياتهم. فتجلّى الطمع في بعض النفوس، فاشتروا ما يحتاجون إليه وما لا يحتاجون إليه لأنهم اطمأنّوا إلى أن الثمن يخرج من كيس غيرهم! في هذه الحجّة مواقف كثيرة لا بدّ من العودة إلى توضيحها

стр. 1498

وإلى تفصيلها، فمن ذلك أنني لمّا وصلت رأيت حارس الفندق نائماً (لأن وصولنا كان في السحَر)، وكانت غرفتي محجوزة أدفع أجرتها من يوم حجزها، ومع ذلك لم أستطع الوصول إليها فذهبت إلى الحرم. ومن أخبار تلك الحجّة (التي سأعود إن شاء الله إلى بيانها) أنه كان معنا في الفندق ناس من أفاضل العلماء ومن كبار القوم، منهم الشيخ محمد حسنين مخلوف أطال الله عمره وأبقى عليه صحّته، والشيخ القَلْقيلي مفتي الأردن رحمة الله عليه، فأخذاني إلى الاجتماع الذي أُنشئت فيه رابطة العالَم الإسلامي. وكان المفروض أن أُعَدّ من هيئتها التأسيسية، ولكنني لما أعرفه من نفسي من التوحّد والعمل المنفرد انسحبت منها واعتذرت عنها. وفي تلك الحجّة دُعيت في المدينة إلى أن أكون أحد أعضاء المجلس الاستشاري الأعلى للجامعة الإسلامية، فحضرت جلسة تعرفت فيها إلى ناس كرام جداً، منهم العالم الفاضل الشيخ الشنقيطي رحمة الله عليه، صاحب «أضواء البيان». وقد حضرت -على خلاف عادتي- دعوة كان لها في نفسي أطيب الأثر عند الشيخ عبد العزيز بن صالح إمام الحرم وخطيبه وقاضي البلد، وكأنني سمعت من أحد الحاضرين أن هذه الدار هي الدار التي كان يسكنها عثمان بن عفان ﵁، والله أعلم بصحّة ما سمعت. وقد عرفت رجلاً خبيراً بالمدينة وآثارها دلّني عليها وأخذني إليها، اسمه الشيخ الحافظ، وقد كان مدرّساً ثم علمت أنه صار قاضياً في محكمة المدينة. وممّن عرفت من المطّلعين على آثار المدينة الأستاذ عبد القدوس الأنصاري ﵀،

стр. 1499

والأستاذ الدفتردار. وقد كنت قرأت كتاب «آثار المدينة المنورة» الذي ألّفه الأنصاري من القديم، من الصديق الأستاذ محمود الحمصي الذي كان مدرّساً في مدارس المدينة، وهو ابن شيخنا الشيخ صالح، جاء معه بمسوَّدة الكتاب ليطبعه في دمشق فاطّلعت عليه وشاركتُه في تصحيح أخطاء الطباعة فيه. أحداث كثيرة ربما عدت إلى بيانها إذا عرضَت مناسباتها. * * * لو وضعت أمامي الصورة الأولى التي عرفت فيها مكّة والمدينة ومواضع المشاعر فيها، لو ذكرت ما كانت عليه وأظهرت ما انتهت إليه لفركت عينَيّ متعجّباً كأنني لا أصدق ما أراه. كان الحاجّ يقطع أربعين يوماً حتّى يصل من دمشق إلى مكّة، فصار يصل بالطيارة إلى مطار جدّة في ساعتين اثنتين. وكان يحمل زاده وكلّ ما يحتاج إليه ليعيش به، فصار يجد الآن الأسواق ممتلئة بكل ما أخرجَت الأرض الطيّبة وما أنتجت الأيدي الصَّناع وما أصدرت المعامل، حتّى صار الحاجّ يشتري البضاعة من هنا ويحملها معه إلى بلده. وكان يحمل معه الماء فيشربه إذا عطش فاتراً أو حاراً، فصار يجد الماء المثلّج النقي موجوداً يُقدَّم إليه بالمجّان. أمّا الطرق وشقّها والأنفاق وفتحها في بطون الجبال، والمرور وتنظيمه، وإقامة المرافق التي تنفع الحُجّاج، وتوسعة المساجد في مكّة والمدينة وعرفات ومزدلفة ومِنى وفي غيرها،

стр. 1500

أمّا ما بلغته هذه البلاد من الرقيّ والعمران وارتفاع البنيان فلا يكاد يُصدَّق. ولو أن كاتباً تخيّل ربعه فكتبه قبل ثلاثين سنة لعَدّوه من شطحات الخيال أو من علامات الخيال! وأهمّ من هذا كله أن ما كان يلقاه الحُجّاج من الخوف على حياتهم وعلى أموالهم قبل عهد عبد العزيز قد ذهب كله بهذا الأمن المنقطع النظير. هذا كله لا يمكن أن يُشار إليه في فقرة من مقالة في جريدة، بل تُنظَم فيه مُعلّقات وتُكتَب فيه مجلّدات، وكل ذلك لا يساوي شيئاً أمام ما يُرجى لمن قام به من ثواب الله في الدار الآخرة. فجزى الله هؤلاء الذين قاموا بهذا كله أفضل جزاء. * * *

стр. 1501

-١٢٢ - من محكمة دوما إلى محكمة دمشق تعاقب على دوما قبلي قُضاة أعلام، منهم علماء كالشيخ سليمان الجوخدار وكان قاضياً فيها سنة ١٣٠٠ هجرية، والشيخ الفقيه الفرضيّ الشيخ حسن الشطي، ومنهم الشيخ عبد الفتاح الأسطواني والشيخ أنيس الملوحي. وممّن سمعت عنه ولم ألقَه من قُضاة دوما الشيخ زاهد أفندي الألشي، وهو والد جميل بك الألشي الذي كان وزيراً مِراراً، وأحسب أنه كان يوماً رئيس الوزراء، وكان من الممالئين للمستعمرين الفرنسيين، يسير معهم حيثما سيّروه وينفّذ لهم ما أرادوه (١). وكان زاهد أفندي الألشي -كما سمعنا من أستاذنا محمد كرد علي- صاحب نكتة وكان من ظرفاء الشام، وكان يسكن في أول القيمرية عند أدنى النّوفرة، لا يبعد عن الجامع الأموي أكثر من مئة متر، وكان لداره طاقة يُطِلّ منها على الباب، فقُرع الباب مرّة فمدّ رأسه ليرى فوجد المفتي ونقيب الأشراف وجماعة من

стр. 1502

المشايخ، ولم يكن مستعداً لاستقبالهم وقد جاؤوه على غير موعد فقال للولد: قُل لهم ليس هنا. فقالوا له: كيف تقول أنه ليس هنا وقد رأيناه يُطِلّ علينا؟ فتلعثم الغلام ولم يدرِ بماذا يجيب، فبرز لهم بوجهه وقال لهم: خلوا عندكم شيئاً من الذوق، جئتم على غير موعد والله يقول: ﴿فإنْ قيلَ لكمُ ارْجِعوا فارجِعوا﴾، وكلمة ليس هنا معناها أن صاحب البيت يريد أن ترجعوا. فشتموه مازحين وانصرفوا. ولعلكم تنبهتم إلى أنني دعوته زاهد الأفندي، ولقب «أفندي» مرّت عليه أدوار، فكان في الأصل لقباً لابن السلطان (يقابل لقب «البرنس» عند الإفرنج)، فإذا لُقّب به الشيخ دلّ على أنه ولي القضاء أو الإفتاء، لذلك كانوا يسمّون المفتي والقاضي: قاضي أفندي ومفتي أفندي. ثم هبطَت قيمة «الأفندي» حتّى صارت تُطلَق على كل واحد من الناس. ولمّا كنّا ندرس في مصر أيام الملك فؤاد كانت الألقاب تُمنَح من الملك وكان لها نظام وقانون، فكان الأفندي إذا أخذ لقب «بك» لُصق باسمه ودُعي بصاحب العزّة، وهي مترجَمة عن الاصطلاح العثماني «عزتلو أفندي»، فإن ارتقى صار صاحب السعادة ولُقّب بالباشا. وأُحدِثت في مصر في أواخر عهد المَلَكية ألقاب صاحب المقام الرفيع، وأظنّ أن أول من لقب به النحاس باشا (١). * * *

стр. 1503

لا أستطيع أن أسرد كثيراً من الحوادث التي وقعَت لي في قضاء دوما، لبُعد العهد بها ولأنني لم أدوّن شيئاً منها، ولكن من غرائبها ما يصدّق قولَ الله (ولا يحتاج قوله إلى تصديق): ﴿ولوْ كانَ من عندِ غَيرِ اللهِ لَوَجدوا فيه اخْتِلافاً كثيراً﴾؛ فالقوانين الوضعيّة مهما كبُرَت عقول واضعيها واتسعَت مداركهم وامتدّت أنظارهم تختلف فيما بينها، فإن لم يكن بينها اختلاف فإن أوضاع الناس وأعرافهم تتبدّل دائماً، فتتخلف القوانين عن مسايرة أوضاع الناس فتحتاج إلى تعديل. وعندي على ذلك شواهد تستعصي على الحصر، من أعجبها أنه جاءني مرّة رجل في قضية إرث. وكان القانون المتّبَع عندنا أن يُبرز قيد النفوس من دائرة الأحوال المدنية قبل رفع الدعوى. فلما جاء بالقيد وجدنا فيه أنه قد توفّي من عشر سنين! فقلت له: إنك ميت في القيد الرسمي، فكيف ترفع الدعوى؟ فحسب أنها مزحة مني، واستسهل هو ومن معه الأمر وقال: ما قيمة قيد يكذّبه الواقع؟ ألست تراني حياً أمامك؟ قلت: بلى، لكن القيد يحتاج إلى تصحيح. قال: إذن صحّحوا القيد. قلت: والقانون لا يسمح بتصحيحه إلاّ بحكم من المحكمة بعد دعوى تُقام لديها، فمن يُقيم الدعوى؟ قال: أنا طبعاً. قلت: ولكنك ميت رسمياً فكيف أسمع الدعوى من ميت؟ قال: وما العمل؟ قلت: لا أدري والله! الرجل حيّ ماثل أمامي وكل من معه يعرفه ويوقن بأنه لا يزال حياً، والقيد الرسمي يقول إنه ميت. فهل أشكّ في حياته وهو

стр. 1504

يكلّمني أم أشكّ في هذا القيد الذي يوجب القانونُ تصديقَه ولا يقبل البينة الشخصية لإثبات كذبه؟ أرأيتم؟ لقد بدا القانون عارياً ظاهرةً سوأتُه لا يستطيع أن يخفيها، ولكنه يستعصم بسلاح يمنع الناس من أن يقولوا له: إنك تمشي بلا ثياب. وكانت معضلة حقاً؛ كتبت فيها إلى وزارة العدل فلم تستطع أن تصنع شيئاً، إلاّ أنْ تقدمت باقتراح إلى مجلس النواب لتعديل هذا القانون ومعالجة أمثال هذه الحالات الطارئة. وصدق ربنا: ﴿ولو كانَ من عندِ غيرِ اللهِ لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً﴾. * * * الشيخ حسن الشطي (الذي كان قاضياً في دوما قبلي بزمان طويل) من أفقه الحنابلة عندنا في الشام، ولعله أفقه من الشيخ جميل الشطي الذي كان مفتي الحنابلة. لم تكن المواصلات بين دمشق ودوما على عهده في قضائها ميسورة ولا كان الطريق معبّداً موسّعاً، ولم تكن السيارات معروفة فكان يركب العربة تجرّها الخيول، فيمضي على الطريق من دوما إلى دمشق ساعتين. ولقد حدّثني أنه كان مرّة منصرفاً من المحكمة في آخر وقت الدوام، فأقبل عليه جماعة من النَّوَر (الذين يُدعَون في مصر الغَجَر) وابتدرته امرأة منهم فقالت: يا سيدَنا القاضي، احكم بيننا. فقال لها: ما لك؟ قالت: هذا زوجي وهو لا ينفق عليّ. قال: أنفق

стр. 1505

عليها يا رجل. ومشى القاضي في طريقه، فلحقَته المرأة تصيح: كم يُعطيني في اليوم؟ قال: ربع مجيدي. ومرّت أيام طويلة ونسي الشيخ القصّة كلها، فجاءه نَوَري ومعه امرأته وقال: يا سيدي اصطلحنا، ارفع النفقة عني. قال القاضي: أيّ نفقة؟ قال: النفقة التي فرضتَها عليّ، أنا والله لا أقدر عليها والمرأة في بيتي. فسأل المرأة فقالت: صحيح يا سيدَنا القاضي. قال القاضي: لقد رفعتها عنك. فانصرف الرجل وهو يشكره والمرأة وهي تدعو له. هذا والقوم نَوَر، وهم يُعَدّون من أحطّ طبقات البشر، ولكن فيهم فطرة الخير التي فطر الله النفوس عليها، لم تُفسِدها أوضاع المجتمع ولا أوضار الحضارة. فما بالنا نرى أقواماً هم في الذروة والسنام عِلماً وجاهاً وغِنى ثم لا يُؤَدّون الذي عليهم ولا يكتفون بالذي لهم، ولا يزالون يلجّون في الخصام ويغرقون في النزاع، وكلّما مالت المحكمة إلى الفصل فتحوا أبواباً للتأجيل، حتّى صارت تتصرّم السنون وتنقضي الأعمار ولا تنتهي الدعوى، وحتى كان بين أسرتنا وأسرة الصلاحي في دمشق دعوى لبثَت في المحكمة ثلاثاً وثمانين سنة! مات الذي أقامها ومات ولده، وقام بها مَن لا يدري منشأها ولا يعرف حقيقتها، ولا يسرّه الظفر فيها ولا تؤذيه خسارتها. مع أن القضاء لا يحلو في نفس ذي الحقّ ولا ينجح في ردع ذي الباطل إلاّ إذا كان سريعاً مع الصواب مصيباً مع السرعة، يجيء والخصومة حامية فيرفع ألم المظلوم ويمنع أذى الظالم. وكذلك

стр. 1506

كان القضاء في الإسلام، فلما كان من شؤم الأيام علينا أن أخذنا الأسلوب الفرنسي (عن طريق الترك أولاً ومن الانتداب الفرنسي ثانياً) أخذ الناس يشكون من طول المحاكمات ومن بطء صدور الأحكام. كان الشيخ حسن الشطي رجلاً لطيف المعشر كريم النفس مُحِباً للأنس وللسمر ولمناقلة الحديث على الشاي الأخضر، يفتح لذلك داره ويستقبل إخوانه ويبسط لهم وجهه ويده، لكن فيه مع ذلك شِدّة فيما يراه حقاً، بل لعلّه كان أدنى إلى الظاهرية. أسوق على ذلك مثالاً، أتعجّل ذكره وإن لم يأتِ موعده في ترتيب هذه الذكريات: كان الشيخ حسن مديراً للكلّية الشرعية في دمشق، وسترون أني دعيت لأدرّس عنده الثقافة الإسلامية، فعرفته في الكلّية وفي الدار وفي المسجد معرفة أخ وصديق، بل معرفة تلميذ، فأنا بالنسبة إلى علمه وفضله في القضاء لا أجاوز أن أُعَدّ تلميذاً له. وكنت (كما سيأتي) رئيس المجلس الأعلى للكلّيات الشرعية في دمشق وحمص وحماة وحلب. وكانت الكلّية في زقاق النقيب في وسط دمشق، بين الأموي وبين السور، وكان الطلاّب ساعة الظهيرة يزدحمون على أنبوب الماء ليشربوه فاتراً غير مبرَّد. فاتفق يوماً أن قُرع الجرس ولم يستكملوا شربهم. وكان سبيل الماء البارد (من عين الفيجة) (١)

стр. 1507

عند باب المدرسة، فلو أن طالباً أخرج رجله الواحدة وترك رجله الثانية داخل بابها لاستطاع أن يشرب منها. تضايق الطالب من العطش ومن دخول وقت الدرس، فجاوز الباب خطوة فشرب ورجع. إلى هنا لا ترون إلاّ حادثة هيّنة عادية لا تُعتبر ذنباً ولا يرى أحدٌ فيها مخالفة. ولكن المدير الفاضل الظاهري التفكير، أستاذنا الشيخ حسن، رجع إلى نظام العقوبات في المدرسة فوجد أنه على درجات: أولها التنبيه ثم التوبيخ ثم التكدير العلني، ثم الطرد المؤقّت أياماً، ثم الطرد من المدرسة طرداً نهائياً. ومُثِّل للذنوب التي تستدعي الطرد أن يكفر التلميذ بالله، أو أن يرتكب فاحشة من الفواحش، أو أن يشتم أستاذاً، أو أن يدع المدرسة ويخرج منها بلا إذن ... فما كان من الشيخ إلاّ أن أوقع على هذا الطالب عقوبة الطرد بحُجّة أنه خرج من المدرسة بلا إذن، وعلّق القرار في لوحة الإعلانات فرآه الطلاّب جميعاً. رُفع الأمر إلى مجلس العمدة، وكنت يومئذ رئيسه لأنني كنت قاضي دمشق والرياسةُ في قانون الكلّية لقاضي البلد. فعجبنا وعجب الأعضاء كلّهم من هذا القرار، وندبوني بطلب مني أن أذهب إلى الشيخ فأسأله أن يعدّله. وكان -كما قلت- صديقي، بل هو بحكم أستاذي، فذهبت إليه فكلّمتُه، وظننت أن الأمر سهل وأنه سيقتنع مني ويعدّل هذا القرار، وإذا به يقول: القانون هو القانون، من خرج من المدرسة بلا إذن فعقوبته الطرد. فهل خرج أم لا؟ قلت: نعم، لقد خرج. قال: هل استأذن؟ قلت ضاحكاً: لا. قال: فلِمَ إذن تعارض في تطبيق العقوبة؟

стр. 1508

قلت: يا شيخ حسن، أنت صديقي بل أنت أستاذي، وأنت تعرف أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وأنا لا أعترض على نصّ القانون بل أعترض على هذا التطبيق الذي ذهبتَ إليه معتقداً أنه حكم القانون. هذا طالب حَسَن الخلُق جيّد التحصيل، يُرجى له مستقبل زاهر ويؤمَل أن يخرج منه عالم ينفع الله به الناس، فهل يطمئنّ ضميرك إلى حرمانه العلم وطرده من المدرسة لأنه خرج إلى الباب وشرب وهو عطشان؟ لو كان ولدك فهل توقع عليه هذه العقوبة؟ قال: نعم؛ لو كان ولدي لأوقعتها عليه، لأن القانون هو القانون وأنا لست مسؤولاً عن نتائج تطبيقه. فذهبت فاستعنت عليه بصديقه الشيخ عبد القادر العاني (رحمة الله عليه) ومن يجالسه كلّ يوم من إخوانه، فما تزحزح شعرة عمّا قرره وأمضاه. قلت: يا سيدي أنا تلميذك، ولكني بحكم القانون الذي تعتمد عليه وتستند إليه أستطيع أن أُلغي قرارك هذا وأن أُبطله لأني رئيس مجلس العمدة وهو المرجع في شؤون الكلّيات الشرعية، وأن أعيد الطالب المطرود. فهل يرضيك أن أفعل؟ قال: نعم، يرضيني لأنه موافق للقانون. قلت: أمري إلى الله. واتخذت قراراً أعلنته إلى جنب قراره بأنني أبطلت هذه العقوبة وألغيتها وقرّرت إعادة الطالب إلى مدرسته. فهل ترونه تألم أو تكدّر من فعلي؟ أؤكّد لكم أنه لم يكن شيء من ذلك، وأن صلتنا وما كان بيننا من الحبّ والاحترام بقي على حاله لم يتبدّل منه شيء. * * *

стр. 1509

كانت محكمة دوما طريقاً إلى محكمة دمشق، فكلّ من وَلِي قضاءها انتقل منها فصار قاضياً في المحكمة الكبرى في دمشق. والمحكمة الشرعية في دمشق لها تاريخ قديم عظيم؛ كانت هي المحكمة الأصلية قبل أن تدخل علينا هذه النظم الإفرنجية في تأليف المحاكم، ويمكن أن يُكتَب عنها وعن الأدوار التي مرّت بها وعن القُضاة الذين تعاقبوا عليها وعن المنازل التي شغلتها كتابٌ كبير. ولو أن أحد طلاّب الماجستير أو طلاّب الدكتوراة أعدّ في ذلك رسالة بإشراف أستاذ له اطّلاع على خطط الشام وعلى معالمها من المشتغلين بخطط الشام وآثارها، لو أنّ أحد هؤلاء الطلاّب اختار المحاكم الشرعية موضوعاً لرسالته التي يُعِدّها لنيل شهادته، وبذل في ذلك جهده وتقصّى المراجع وسأل مَن بقي من المسنّين العارفين من أهل الشام، لجاء بمؤلَّف ربما صار مصدراً للمؤرّخين. كانت المحكمة الشرعية -كما عرفتها أول مرّة- في زقاق ضيّق منسوب إليها مسمّى باسمها قريب من مدفن نور الدين زنكي. وأحسب أن المدرسة النُّورية التي دُفن فيها السلطان العظيم نور الدين هي دار هشام بن عبد الملك، سمعت ذلك من بعض أساتذتي ولم أوثّقه بمعرفة مصدره. وكان الخلفاء الأمويون من لَدُنْ معاوية يُقيمون في الدار الخضراء، وهي وراء جدار القِبْلة من جامع بني أميّة حيث يقوم سوق القَباقْبيّة (أي السوق الذي تُصنع فيه القباقيب)، ولم يبقَ من هذا الاسم الكبير، اسم «الخضراء» إلاّ مصبغة صغيرة جداً تكاد تكون في قبو تحت الأرض في حارة مظلمة تتفرّع عن القباقبية، تُدعى المصبغة الخضراء.

стр. 1510

وأقول -بالمناسبة- إن أمنية كلّ شامي من القديم أن يفرغ ما حول الجامع الأموي من البيوت التي تزحمه وتلتصق بجدرانه، حتّى يبدو بعظمة بنيانه وينكشف لمن يؤمّه من المسلمين كما انكشف المسجد الحرام في مكة المكرمة (ولقد عرفته والبيوت والمدارس تزحمه ولا يبدو من جدرانه إلاّ ما يحيط بالأبواب) وكما انكشف المسجد النبوي في المدينة المنورة. ومن البشائر التي سمعت بها ولم أرَها أن المسجد الأموي قد انكشف الآن وأزيلَت البيوت التي كانت تستره وتحفّ به وتُخفي روعة بنائه وجمال مظهره. وكان ممّن فكر في ذلك جمال باشا خلال الحرب العالمية الأولى، أراد أن يكون أمام كل باب من أبواب الجامع الأموي الأربعة شارع مستقيم يمتد حتّى يخرج إلى ظاهر البلد، ومن أجل ذلك فتح أول شارع في دمشق، وكان يُسمّى باسمه ثم سُمّي شارع النصر. كانت المحكمة الشرعية في دار قديمة، ليست من الدور الواسعة ولا الجميلة ولكنها مبنيّة بناء مرتَجَلاً، تدخل إليها من فناء مكشوف ثم تجد هذه الغرف المبنيّة على غير نظام هندسي ومن غير ذوق ظاهر. فانتقلت منها إلى إحدى الدور الشامية الكبيرة في حيّ القَنَوات. هل قرأتم وصف قصور الخلفاء في مثل القصص التي يرويها القاضي التنوخي؟ صحن واسع يُفضي إلى صحن واسع، وفي كليهما بِركة وحول البِركة شجر وزهر وورد، والأشجار تميل بغصونها على ماء البِرَك تُقبّله بأفواهها وتلمس صفحة خدّه برشاشها؟ كانت دار المحكمة شيئاً مثل هذا، بل ربما زادت على
следующие страницы →