← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

ولا أعرف أنا ممّن نالها إلاّ الشيخ رضا الزعيم، وهو رجل يستحقّ أن أقف عليه وقفة قصيرة، فقد كان صادقاً مع الله، صدّاعاً بالحق، جريئاً جرأة نادرة المثيل، وكذلك كان ولداه: الولد الصالح هو الصديق الداعي إلى الله الشيخ صلاح الدين ﵀، والولد الـ ... وهو «المشير ...» حسني الزعيم، الذي ابتدع في بلاد العرب بدعة الانقلابات العسكرية سنة ١٩٤٩، وإن كان قد سبقه الفريق بكر صدقي في بغداد سنة ١٩٣٦ بانقلاب جزئي غير كامل. وقد حضرت الانقلابَين، وربما تكلمت عنهما. شارك الشيخ رضا في حرب «الترعة» لمّا أعدّ جمال باشا -بأمر جماعته الاتحاديين وضغط حلفائهم الألمان- حملة حشد لها ما استطاع من العَدد والعُدد لاجتياز «ترعة السويس» وتحرير مصر من الإنكليز. خطب الشيخ رضا الجندَ وذكّرهم الله، ودعاهم ليصحّحوا نياتهم في الجهاد. وتلك سنّة المسلمين قبل كل معركة ليخوضها الجندي على بصيرة، فإذا مات لم يخسر الدنيا بالموت حتى يكون قد ربح الجنة بالشهادة. وهذا ما يجب أن يعرفه كل جندي مسلم وكل فدائي وكل من يتعرض للمنايا، ينال إن ظفر الثواب ويحظى إذا قُتل بالشهادة. وليس الشهيد الذي يقاتل لمجرد استرداد البلد السليب ولا الذي يموت خدمة للعَلَم ولا تضحية للوطن ولا دفاعاً عن مجد العروبة، بل الذي يقاتل لإعلاء كلمة الله ويموت في سبيل الله. ولو كان هذا قولي أنا لما ألزم أحد منكم باتباعه، ولكنه قول من يُلْزَمُ باتباعه كل واحد منكم: رسول الله ﷺ .

стр. 177

لم يخطب الشيخ رضا الجندَ ليحمّسهم ويدفعهم إلى الموت ثم يأوي إلى خيمته ليأكل وينام، بل خطبهم وصاح «الله أكبر» وأقدم، فطارت به قنبلة مدفع من مدافع الإنكليز، فما وجدوا له جسداً يُدفَن، لم يُقَمْ له قبر ولكن أقيم له في قلوب الناس حُسن الذكر، وثبت له عند الله جزيل الأجر، وهذا دعاء لله وليس تألّياً على الله. * * * أعود إلى حديث جدّي. كان جدّي نظامياً بطبعه، وزاده عمله في الجيش التزاماً بالنظام وحرصاً على الترتيب، فكانت حياته كحياة تلميذ في مدرسة داخلية، كل حركة فيها بحساب وكل عمل له وقت. فكأنها كانت -على طولها- يوماً واحداً يتكرر؛ منامه في موعد محدّد، وقيامه في موعد محدّد. كانوا يومئذٍ يأكلون مرتين فقط، الفطور بعد صلاة الفجر، والعَشاء بعد العصر. كان عَشاءً مبكّراً أو غداء متأخراً، فليس المهمّ الاسم، بل أن يكون الساعة الثامنة الغروبية (إذ لم يكُن التوقيت الزوالي مألوفاً) (١)، لا يتقدم عنها ولا يتأخر، إلاّ إذا خرجَت الأرض عن مدارها أو أسرعَت في مسارها، أو غابت الشمس قبلَ حين غيابها. وطالما كان يُولِم الولائم يدعو إليها كبار قادة الجيش أو وجهاء البلد، فإذا بلغت الساعة الثامنة باشر الأكل مع من حضر، وإن لم يحضر أحدٌ شرع يأكل وحده.

стр. 178

إنه مثل كانط الذي كانت تُضبَط الساعة على موعد خروجه من داره، وإن كان ابن بلده هاينه يقول إنه ليس إنساناً يَشعر بل آلة تتحرك، وشاعرنا (أظن أنه حافظ إبراهيم) (١) يقول: ولذيذُ الحياةِ ما كانَ فوضى ... ليسَ فيهِ مسيطرٌ أو نظامُ والله أعلم بصحّة ما قاله. * * * سكن جدي أولاً مع عمّه في داره الكبيرة وتزوّج ابنته (٢)، لذلك كان أبي يُعرِّف نفسه بأنه «سبط الطنطاوي» أي ابن بنته. وكان أهل الشام يحرصون على اجتماع الأسرة كلها في الدار الواحدة، الجد والجدّة والأولاد وزوجاتهم وأبناء هؤلاء الأولاد وبناتهم، لكل منهم جانب من هذه الدار الواسعة، وكلهم يأكل من قِدْر واحدة، تغرف كل أسرة صغيرة وتذهب بطعامها إلى

стр. 179

غرفتها. وكان عمل الدار مقسّماً بين نسائها، لكل واحدة يوم في الأسبوع أو يومان أو ثلاثة، تبعاً لكثرتهن أو قلّتهن. وإذا اجتمعوا عند الجدّ قعدوا متأدبين خاشعة أصواتهم، لا يخالفون له أمراً ولا يجرؤون عليه بطلب ولا يبدؤونه بحديث، بل إنني سمعت من أبي (كما سمعت عنه من أصحابه بعد وفاته) أنه لا يعرف ما لون عينَي أبيه لأنه لم يرفع بصره إليه قط. ولست أحبّذ هذا الذي أصفه ولا أرى أنه هو الصواب، ولكن أذكر ما كان. أما الذي أحبّذه وأرجو أن نحافظ عليه، فهو ألاّ ننسى أن ابن العمّ أجنبي عن ابنة عمّه، ولو جمعتهما الدار الواحدة، وأنه إن جاز (عند الحاجة) أن تشاركه مجلسَ الأسرة فلا يجوز في دين الله أن تكشف أمامه عن أكثر من الوجه والكفين ولا أن تنفرد به، وعليه أن يغضّ عنها بصره وتغضّ هي بصرها. وكانت تقع الخصومات وتحدث المشكلات بين أطفال هذه المجموعة فتنتقل إلى الأمهات، وقد يشارك فيها الآباء. وهذا شيء ما منه بد حتى لو انفرد الرجل بزوجته وولده. ولو خلت دار من مثل هذه المشكلات لخلت منها أشرف دار قامت على ظهر هذه الأرض، دار رسول الله عليه صلاة الله، فقد كانت فيها أشياء منها. ولكنها كانت كاصطدام الغصن بالغصن في الدوحة الباسقة والموجة بالموجة في البحيرة الصافية، وأصلُ الشجرة واحد وماء البحيرة واحد، ولكنها ريح الصبا هبّت في الأصيل فأزاحت الملل وجاءت بالأمل. وهل الحياة إلاّ الحركة، وهل في الحركة غالباً

стр. 180

إلاّ البركة؟ خلافٌ ولكنه على السطح، وما في الأعماق إلاّ الألفة والاتفاق. وكان جدي يحب أن يكون له المكان الأول، وهو في هذه الدار الكبيرة لا يكون إلاّ الثاني، لذلك استأذن عمه وانفرد بنفسه وأهله، وأخذ داراً صغيرة (دُويرة) من أملاك وقف جامع التوبة. وفي دمشق مسجد جامع يُعَدّ من مساجد الإسلام الكبار، بل هو أكبرها وأقدمها بعد الحرمَين: وهو الجامع الأموي. ومساجد تليه، في كلّ حيّ من أحياء دمشق، جامع التوبة لحيّ العقيبة وما والاها، ومسجد القصب للعمارة وباب السلام (وكان اسمه باب السلامة)، وجامع السنانية (١) لباب الجابية وما اتصل به، وجامع باب المصلّى، حيث كان مصلّى العيد في أول ميدان الحصى، وجامع منجك، وجامع الدقّاق للميدان، وجامع الشيخ محيي الدين، وجامع الحنابلة، وجامع الشيخ عبد الغني النابلسي، وجامع ركن الدين وهي لأحياء سفح قاسيون، وجامع تنكز، وجامع يلبغا، في المرجة أو بجوارها. وحيّ العقيبة حيّ صغير فقير في طرف دمشق، وفي طرفه ثلاث حارات، أو لعل كلاً منها مجموعة حارات. أولها «الديمجيّة»، أي صُنّاع الديما. ولو نظرتم في كتاب «قاموس الصناعات الشامية» للقاسمي لرأيتم أنه كان في الشام صناعات جليلة أصيلة نسيناها، بل لقد نسينا اليوم أسماءها. ورحم الله القاسمي الذي ألهمه الله تأليف هذا الكتاب في وقت لم يكُن يهتم

стр. 181

فيه أحد بمثل هذه الموضوعات، وشكراً لأخينا الأستاذ ظافر ﵀ أن طبعه ونشره (١). كان في الشام أقمشة تُنسَج على المنوال وتُباع قطعاً، كل قطعة لثوب واحد، تُسمّى «الصاية». منها الرخيص المصنوع من القطن ونحوه وهو «الديما» والغالي من الحرير وشبهه وهو «الألاّجة»، وهو القماش المخطّط اللمّاع الذي تُصنَع منه «قفاطين» المشايخ في مصر، وكنا نلبسه في الشام في الأعياد. تتعدّد فيه ألوان القماش والخطوط المرسومة على القماش وأشكال هذه الخطوط فيكون منه عشرات وعشرات من الأنواع، وهو متين يكاد يعيش مع لابسه شطر عمره ولا يبلى. فالديمجي هو صانع الديما. ولما درّسونا التركية أيام الحرب الأولى علّمونا أن النسبة إلى الصناعات تلحقها غالباً جيم قبل ياء النسبة، فنقول: بندقجي وكندرجي، وإلى البلدان بزيادة لام قبلها، فنقول: إزميرلي (نسبة إلى إزمير) وأورفلي (نسبة إلى أورفا، وأورفا هي الرُّها قديماً). وأنا أكتب هذه الذكريات كلها من

стр. 182

ذهني ما عندي شيء مكتوب أرجع إليه وأعتمد عليه، فإن أخطأت أو بدّل الترك ما تعلمناه يومئذٍ من قواعد لسانهم فسامحوني. وإلى جنب الديمجية حارة تُسمّى «حارة تحت المئذنة»، كان فيها من مشايخنا ومن أصدقائنا الشيخ أبو الخير الميداني والشيخ محمود ياسين الحمامي. وحارة اسمها «السمّانة»، وهي أكبر من حارة، إنها حيّ صغير. وبينهما طريق ضيّق متعرج يضل فيه الخرّيت (١)، لذلك كان اسمه الذي يُعرَف به بين الناس هو «محلّ ما ضيّع القرد ابنه»! وفي حارة السمّانة كان منزل آل الزعيم، ومنزل رفيقَي العمر: الشاعر أنور العطار والأستاذ أحمد مظهر العظمة رحمهما الله. وكان في دمشق (كما كان في أكثر البلاد) أحياء وحارات يتجمع فيها أرباب الصناعة الواحدة فتُعرف بهم وتُنسَب إليهم؛ ففي الشام سوق القطن، وسوق الحبوب، وسوق الحرير، وسوق الصاغة، والحدادين، والمناخلية، وسوق النحّاسين. وقد وجدت في «فتوح البلدان» للبلاذري أن «قصر البَريص» (٢) كان -كما يقول- في موضع سوق النحّاسين مقابل باب الفرج. وباب الفرج هو باب المناخليّة، وهما بابان: باب في السور الداخلي وآخر في

стр. 183

السور الخارجي، وهما باقيان إلى الآن. فالسوق إذن في موضعه الذي كان عليه قبل الإسلام. وسوق القباقبية حيث تُصنَع القباقيب، وقد كان في موضعه «الدار الخضراء» دار معاوية وأكثر الخلفاء من بني أمية، جنوبي الجامع ووراء جدار القبلة، ولا يزال الباب الذي كان يدخل منه الخلفاء إلى المقصورة ظاهراً ولكنه مسدود. أما عمر بن عبدالعزيز فقد كانت داره في موضع المدرسة السميساطية شمالي الجامع، وهشام كانت داره في موضع مدفن نور الدين زنكي في سوق الخياطين. * * * كل ما في الدنيا يولد ويموت، يقوى ويضعف، يعزّ ويذلّ؛ فالدار الخضراء التي كانت يوماً عاصمة الدنيا وسرّة الأرض، ومنزل الخلفاء من بني أمية الذين كانوا يحكمون ما بين قلب فرنسا وقلب تركستان وأطراف باكستان، وكانت محط الآمال ومطمح أنظار الرجال، صارت سوقاً للقباقيب! ولم يبقَ من اسم الخضراء إلا مصبغة صغيرة تحت الأرض، هي المصبغة الخضراء! * * *

стр. 184

-١٩ - عود للحديث عن مكتب عنبر أعود إلى الحديث عن مكتب عنبر. ولعلي لا أخطئ إن قلت إن الحديث عنه وعن أساتذتي فيه أشهى إلى النفس من الحديث عن داري وأهلي فيها. ولقد فكّرت أن لماذا أحنّ إلى الماضي؟ لماذا أجد كلّما سمعت في الإذاعة أو قرأت في الصحف حديثاً مع شيخ مثلي عالي السن، لماذا أجده يفضّل أيامه الخوالي على الحواضر من أيام الناس؟ هل كان الأمس دائماً خيراً من اليوم؟ هل كانت الأخلاق كلها أفضل، والناس جميعاً أكمل، والحياة بكل ما فيها أجمل؟ هل كان الطلاّب كلهم أكثر جداً واجتهاداً، وكانت المناهج أغنى بالعلوم وأحفل؟ هل كان المدرّسون جميعاً أعلم بما يدرّسون من مواد، وكانوا أشد إخلاصاً وأكثر عناية بالطلاب وحرصاً على نفعهم؟ وهذا يجرّني إلى سؤال، لا أجيب عنه الآن بل أدع جوابه لحلقات آتيات من هذه الذكريات، هو: هل كان علماء القرن الذي ودّعناه من قريب خيراً من علماء اليوم؟

стр. 185

أمّا الحنين إلى الماضي فهو شيء طبيعي؛ لأن الإنسان لا يعرف قيمة النعمة إلاّ عند فقدها: الطعام الآن أمامك والشراب البارد تحت يدك، فهل تقدّرهما كما تقدرهما وأنت صائم في نهار الصيف الطويل؟ هل تعرف نعمة الأمن إلاّ عند الخوف، والصحة إلاّ عند المرض، والإقامة إلاّ عند السفر؟ كذلك الشيخ لا يعرف قيمة الشباب إلاّ عند فقده. الشباب في الشام والعراق لهم نشيد مشهور هو «نحن الشبابُ لنا الغدُ»، فما لنا نحن الشيوخ غير الأمس؟ لذلك نأسى عليه ونحنّ إليه. ومن هنا سَمّى العربُ الشيخَ الكبير «الكُنْتيّ»، لأنه يكثر أن يقول: كنت وكنت ... * * * أما المناهج فلقد درسنا في الثانوية من المواد ما يدرسه الطلاب اليوم، ودرسنا ما لا يدرسه الطلاب اليوم، كعلم آداب البحث والمناظرة والطبوغرافيا (أي علم التخطيط ووضع الخرائط) والحساب التجاري (وكنا نسميه علم «مَسك الدفاتر»، أي المحاسبة)، ودرسنا في الكيمياء والفيزياء والفلك آخر ما وصل العلم إليه في أيامنا. ولكن العلم تَقدّم واتّسع، ولقد شاهدت من سنين درس كيمياء في الرائي فرأيت شيئاً جديداً، ولقد سألت صاحبه أن يعلّمنيه أو أن يدلّني على كتاب مفهوم أتعلّم منه، فحَسِب أني أمزح وأخذها على أنها نكتة! وما كنت مازحاً بل كنت جاداً كلّ الجدّ، فأنا أحب أن أتعلم كلّ شيء. أما إقبالنا على العلم فقد كان أكبر من إقبال الطلاب الآن

стр. 186

من غير شك. وسبب ذلك أمران. الأول: أننا كنا في بداية يقظة فكرية جاءت بعد نوم طويل، والثاني: أنه لم تكُن عندنا هذه الصوارف التي تصرف الطلاب عن العلم والمعلّمين عن حسن الاستعداد للتعليم. ما كانت إذاعات، ولا كان هذا الرائي ولا كان شريط التسجيل، ولا كانت هذه المجلات، ولا كانت الأسفار بالطيارات ولا الجَولات في السيارات ... نعم، كان عندنا داران للسينما الصامتة لا يدخلهما إلاّ من سفه نفسه. وكانت دمشق -عدا المرجة وما حولها، وباب توما والقصّاع وهما مسكن النصارى- كانت تنام من بعد صلاة العشاء. حتى المقاهي الشعبية لم يكُن يسهر روادها إلى أكثر من الساعة الثالثة أو الرابعة (بعد غروب الشمس) يستمعون إلى الحكواتي أو يشاهدون «كراكوز» (١) وهو خيال الظل، ثم يمضون إلى بيوتهم. وما وراء ذلك من اللهو لم أكُن أعرفه. وأما المدرّسون فكان منهم أئمة في المواد التي يدرّسونها؛ كالمبارك الذي سقت طرفاً من حديثه والجندي الذي جئت أتحدث عنه، ومنهم أساتذة ما بلغوا هذه المنزلة، ومنهم من هو أقرب إلى العامية، ومنهم السيّئ، وحسبكم مثالاً على ذلك: مدرّس رسم جاءنا به الفرنسيون، وهو ولد خليع ماجن أبوه صاحب خمّارة، ولكن الطلاب أصلَوه من هزئهم به واحتقارهم

стр. 187

إياه ناراً دفعه لهيبُها إلى باب المدرسة فولّى هارباً. أما مدرس الرسم الذي لا يُنسى فهو الأستاذ عبد الوهابأبوالسعود. وما كنا نبالي الرسم ولا نُقيم له وزناً، ولا كان القائمون على التعليم يعدلونه بالعلوم الأخرى. ولكن عبد الوهاب يضطرّ جليسه أن يباليه وأن يلتفت إليه، فكيف بمن هو تلميذه؟ لقد كان أحد روّاد التمثيل الأوائل، وكانت له فرقة للمسرح والموسيقى أخوه يتولّى الجانب الموسيقي منها. وكانت تنازعه فرقة العطري، وما كان أطرفَ ما يأتي منه حين يُذكَر له هذا المنافس! فقد كان يمثّل كأنه على المسرح ويأتي بمبالغات وعجائب. ولقد رأيناه في روايات كثيرة مترجَمة عن الأدب الفرنسي ممثّلاً مجوداً على طريقة يوسف وهبي. أمّا في الرسم فأشهد أنه فنان بارع، وهو أول من رسم (من خياله) صورة المعرّي وأبي نواس، وطُبعت وتداولها الناس، وله لوحة بارعة لسوق عكاظ كما تخيّلها. وكانت في دمشق مجلة هزلية لصحفي (حقيقي) اسمه حبيب كحالة، هي مجلة «المضحك المبكي» ينشر في كل عدد منها صورة كاريكاتورية في الموضوع الذي يشغل الناس، تبقى الأسبوع كله حديث البلد، وبطلها تاجر وجيه اسمه «أبو درويش سويد»، عبقري في ابتكار النكتة، ما رأيت له مماثلاً ولا في مصر، بلد النكتة كما يقولون. أما اللغة الفرنسية فقد درسناها كما يدرسها الطلبة الفرنسيون في فرنسا، المناهج هي المناهج والكتب هي الكتب. وكان يعلّمنا الفرنسيةَ أول عهدنا بمكتب عنبر رجل فرنسي عجوز له لحية

стр. 188

بيضاء طويلة، وهو أحمق لا يضبط صفاً (أي فصلاً) ولا يُصغي إلى درسه أحد، وكان يسكن الدار المواجهة للمدرسة، يؤذيه الطلاب فيتحمّل الأذى صابراً، اسمه المسيو ميشيل. ثم جاءنا مدرّس لبناني نصراني، قصير القامة غريب الشكل، له شاربان دقيقان مفتولان يأتيان من تحت منخرَيه ويمتدّان إلى الأمام كأنهما رِجْلا عنكبوت، يخرج صوته من أنفه ويمرّ على شاربَيه، بالكلمة الفرنسية يلحق بها ترجمتها العربية بصوت ثاقب كأنه صوت دجاجة جاءت تبيض فعلقت البيضة بـ ... أعني بمخرجها منها، ولم يطُل -بحمد الله- مقامه بيننا، وصرف الله غلاظته عنا. ثم جاءنا الرجل الديّن المهذّب الأنيق الذي يُضرَب بأناقته المثل، الذي يُحسِن الفرنسية كأحسن أهلها، والذي كان ضابطاً في الجيش العثماني ثم في جيش الشريف الحسين بن عليّ، وبقي معنا حتى خرجنا من المدرسة. وقد تُوفّي من سنتين، هو شكري الشربجي. وجاءنا بعده فرنسي استعماري جاهل بلسان قومه يبدو أنه من أجلاف الريفيّين في فرنسا هو تريس. وكان يدرّس في الفصول الأخرى أستاذ جزائري ندعوه المسيو علي، درست عليه أيام حكم الشريف فيصل قبل ميسلون. وهو رجل رقيق الحاشية حييّ الطبع مهذّب اللفظ، تُوفّي من عشرين سنة. وأستاذ تونسي ندعوه المسيو صالَح (بفتح اللام)، بدين نبيل عظيم الشاربَين جهير الصوت ناريّ الطبع، يؤلّف الجملة الواحدة من كلمات عربية وكلمات فرنسية، يقول "شاكان

стр. 189

يقعد في بلاسه واللي يحكي نعمل له البونيسيون" (١). وكانت لهجته تونسية، أخرج طالباً مرة إلى اللوح ليترجم فقال له: "مْلك عْطش ملقاما"، أي "ملك عطش ما لقي ماءً"، سكّن حروفها كلها ودمج كلماتها دمجاً ووصل أوائل تواليها بأواخر أواليها (٢)، فما فهم الطالب، فغضب وقال: نكلموك بالعربي ما تفهمش؟! وقد درسنا قواعد الفرنسية (الكرامير) ولا أزال أحفظ أكثر ما درست، وفقه اللغة (philologie) والصوتيات (phonetique)، ودرسنا أدبها دراسة عميقة: الأدب الإتباعي (الكلاسيكي) وحفظنا طائفة صالحة من كورناي وراسين وموليير ولافونتين وبوالو، وخطب بوسويه وأقوال لاروشفوكلد ولابرويير. ثم درسنا مونتسكيو وفولتير وديدرو وبوفون، ثم درسنا روسو وشاتوبريان ولامارتين وموسه وصاحبته جورج صاند (٣) وهوغو، ولا أزال أحفظ قصيدته «نابليون الثاني» وكلماته الرائعة لنابليون عن المستقبل. ودرسنا دوماس وبلزاك وفلوبير وموباسان، ودرسنا مذاهب سانت بوف وتين وبرونتيير في النقد. لكن لا تسألوني اليوم عنها ولا تمتحنوني فيها، فقد مرّ عليّ مُذْ ودّعت الدراسة الثانوية وطويت كتب الفرنسية ثلاثٌ وخمسون سنة (٤).

стр. 190

وأنا من الأصل لم أُحسِن النطق بها لأني كنت أضنّ بكرامتي أن أخطئ فيسخر السامعون مني، لذلك أقمت في مصر سنوات (متفرقات) وفي العراق سنوات وفي لبنان سنة، ولي في السعودية الآن نحو عشرين سنة متصلة، وما تعلّمْت في ذلك كله شيئاً من لهجات هذه البلاد ولا بدّلت من لهجتي شيئاً، أما السبب فهو الذي ذكرت. * * * أما أجلّ ما استفدته من مكتب عنبر فهو التمكّن من العربية وعلومها، والعفو منكم فما أقول هذا ادّعاءً ولا فخراً، ولكن تحدّثاً بنعمة الله عليّ. وأكبر الفضل في ذلك بعد الله للمبارك والجندي. أُقيمَت حفلة تأبين للجندي في جامعة دمشق سنة ١٩٥٥، ألقَيتُ فيها كلمة طويلة كان ممّا قلت فيها: "فهمت أنه قد مضى الرجل الذي لم يبقَ تحت أديم السماء -فيمن أعرفه أو أسمع به من الناس- مَن هو أعلم منه بلسان العرب اشتقاقاً ونحواً وبلاغة وعَروضاً ورواية وضبطاً، ولا مَن هو أوفى لها وأغيَر عليها. وأنه لم يَعُد في ديار الشام من أذهب إليه أنا والأفغاني والعطار كلما دهمتنا عِظام المشكلات في العربية، نحملها إليه ليحلّ لنا عُقَدها. وأن علينا بعد اليوم أن نعتمد على أنفسنا، كما يعتمد الضابط على نفسه حين يفتقد القائد العبقري وسط المعمعة الحمراء. وهيهات أن يسدّ أحدٌ مكان قائد المعركة بين العربية والعجمة، حجّة العرب سليم الجندي".

стр. 191

الثلاثة الذين منّ الله بهم عليّ في مكتب عنبر، فقبست منهم وأخذت عنهم: سلام، والمبارك، والجندي. أما الشيخ عبد الرحمن سلام فهو الذي "جرّأني على امتطاء صهوات المنابر ومقارعة الفرسان في ميادين البيان. والذي كان عجباً من العجب؛ إذا احتاج أن يتكلم في موضوع لم يكُن عليه إلاّ أن يفتح فمه ويحرك لسانه، فإذا المعاني في ذهنه والألفاظ على شفتيه والسحر من حوله، والأنظار متعلقة به والأسماع ملقاة إليه والقلوب مربوطة بحركات يديه. وكان يرتجل الشعر كما يرتجل الخطب، شعراً دون أشعار المطبوعين المجوّدين وفوق شعر الفقهاء. وكان يرمي الكتاب (كتاب النحو) لا يحفل به، ويتكلم من أول الساعة إلى آخرها في اللغة وفي الأدب وفي كل شيء، كأنه كان يريد أن يربّينا على السليقة العربية بالمحاكاة والمران وينفخ فينا من سحره ليجعلنا أدباء قبل الأوان. وأما المبارك فما رأيت (وما أظن أني سأرى) مدرّساً له مثل أسلوبه في الشرح والبيان، وفي امتلاك انتباه الطلاب، وفي نقش الحقائق في صفحات نفوسهم بهذه الضوابط المُحكَمة العجيبة التي تلخّص في جملة واحدة فصلاً من فصول العلم" (١). وفي يوم من أيام سنة ١٩٢٣ دخل علينا الشيخ سلام ولكن لا كما كان يدخل كل يوم، وألقى خطبته ولكن لا كما يُلقي؛ دخل حزيناً وألقى خطبة الوداع، ثم ذهب وذهبَت معه قلوبنا.

стр. 192

وجاءنا مدرّس جديد فقعد على الكرسي، وما كان الشيخ سلام ولا الشيخ المبارك يقعدان أبداً، وفتح كتابه وجعل يقرّر الدرس بصوت خافت لا يكاد يُسمَع. وكان هو الأستاذ سليم الجندي. وكانت صدمة، وكانت خيبة للآمال، وكانت فجيعة. ووصل إليّ «الدور» فأقامني على اللوح، وأملى عليّ بيتين للمعرّي وقال: اقرأ، وفسّر، وأعرب. وانطلقت أخطب في موضوع البيتين خطبة حماسية مجلجلة كما علّمَنا الشيخ سلام، وإذا بالأستاذ الجديد يبتسم ابتسامة أحسَسْتُ كأنها كوب ماء على نار حماستي، بل كأنها سِكّين غُرست في قلبي. وقال بهدوئه الساخر ولهجته التي لها نعومة السكّين وحدّها، قال: بعد، بعد. فسّر أوّلاً معاني الكلمات الغريبة. فوقفت. ثم سألني عن دقائق الإعراب فوقفت وقفة أخرى، فقال لي: أرأيت؟ أتبني الدار قبل نحت الحجارة؟ ورأيتني -حقاً- أبني الدار قبل نحت الحجارة؛ أي أبني دوراً في الهواء! وصغُرت عليّ نفسي بمقدار ما كبُر الأستاذ في نظري. وعدت أبدأ قراءة النحو والصرف من جديد، وكان الكتاب الذي نقرؤه هو «قواعد اللغة العربية»، وهو الجزء الرابع من الدروس النحوية لحفني ناصف وإخوانه، وقد قرأت الأجزاء الثلاثة من قبل. وهذا الكتاب يغني الطالب (بل المدرّس، بل الأديب) عن النظر في غيره، وهو أعجوبة في جمعه وترتيبه وإيجاز عبارته واختياره الصحيح من القواعد، وهو أصح وأوسع من شذور الذهب ومن ابن عقيل!

стр. 193

وعكفنا عليه وملأنا حواشيه البيض بتعليقات الأستاذ وفوائده، ثم ضاقت عنها فألحقنا بين كل صفحتين من الكتاب صفحتين أو أكثر نملؤها بما نستفيده منه، وعرفنا يوماً بعد يوم مقدار النعمة التي أنعم الله بها علينا حين جعلنا تلاميذ سليم الجندي. وكنا نفاخر إخواننا الذين يُقرِئُهم الشيخ الداودي ونأتي بالصعاب والمعضلات، نتصيدها من كتب الأدب وأفواه العلماء فنطرحها عليهم، فنحظى نحن من الجندي بأجمع الجواب بلا مراجعة ولا كتاب، ويرجعون هم بلا جواب. وما أنتقصُ الداودي ﵀، فلقد كان معلماً فاضلاً، وكانت له أخلاق أعطر من زنبق الحقل وأطهر من ثلج الجبل وله قلب أثمن من الذهب، ولكنه ليس من بابَة الجندي. والذهب ذهب، ولكنك إن قابلته بالجوهرة المفردة وارى بريقَه حياء. وأحببت الأستاذ الجندي حب الولد أباه، وعرفت قدره فكنت لا أكفّ عن سؤاله، أسأله في الصف، وألحقه في الفرصة، وأدخل معه غرفة المدرّسين؛ أشرب من معين علمه ولا أرتوي، أتزوّد من هذا المنهل العذب لسفري الطويل في بيداء الحياة. أسأله عن الغريب فلا تغيب عنه كلمة منه، كأنه وعى المعاجم وغيّبها في صدره. وأسأله عن التصريف والاشتقاق فيجيب على البديهة بما يُعيي العلماءَ جوابُه بعد البحث والتنقيب. وأسأله عن النحو فإذا هو إمامه وحجته. وألقي إليه بالبيت اليتيم أجده في كتاب، فإذا هو ينشد القصيدة التي ينتمي إليها (أو أكثرها) ويعرّف بالشاعر الذي قالها.

стр. 194

لقد كان مدرّساً للعربية ولكنه كان أكثر من مدرس، وكان عالِماً من علماء البلد بل كان أكثر من عالِم، ورُبّ مدرّس لا يكون عالِماً، ورب عالِم لا يكون عالِماً إلا في بلده وبين أقرانه، ورب عالِم لا يكون عالِماً إلاّ بالنسبة إلى عصره وزمانه. أما الجندي فكان من أعلم علماء العربية في هذا العصر، وكان واحداً من علماء العربية الأوّلين، ولكنه ضلّ طريقه في بيداء الزمان فجاء في القرن الرابع عشر لا في القرن الرابع! أقرّر هذا بعدما مشيت في البلاد وجالست العلماء، فما ثَمّ عالم مشهور في العربية في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وماليزيا وأندونيسيا إلاّ عرفته، لقاءً به أو قراءة له أو سماعاً به. عرفت في مصر علماء الجامع الأزهر والجامعة والأدباء والكتاب، أعني الكثير منهم، وأنا أؤكد القول -صادقاً إن شاء الله- أنّي لم أجد فيهم من يفوق في حفظه وضبطه وأمانته وملَكته وإحاطته الأستاذ سليم الجندي. وكشفت فيه يوماً بحر علم لم أكُن أعرفه من قبل. سألته عن مسألة أصولية فإذا هو أصولي، وإذا هو عارف بالفقه راوٍ للحديث عارف بالتفسير ... ومن هنا جاء علمه بالعربية. إن العربية لا تنفصل عن الإسلام. أذكر أنه لما قدم علينا حفّظنا قصيدة المتنبي: «وا حَرَّ قلباهُ ممّن قلبُهُ شبِمُ»، فلما كان الدرس التالي قال لنا: المتنبي شاعر مولّد لا يُحتجّ بعربيته، فأعرِضوا عن هذه القصيدة. وحفّظنا (ولا زلت أحفظ الكثير منه) المنتقَى المختار من شعر الشعراء

стр. 195

الجاهليين والإسلاميين ممّن يُحتَجّ به في اللغة. وكان ينهانا عن قراءة الصحف والمجلاّت خشية أن تفسد ملكاتنا وتدخل اللحن علينا. جزى الله عنّي الشيخَين المبارك والجندي خيراً، وجزى الخيرَ كل من علمني قبلهما أو بعدهما، فمنهما أخذت جل بضاعتي في العربية. * * *

стр. 196

-٢٠ - شغلي الدائم المطالعة يقرع التلاميذُ اليوم أبوابَ المدارس المتوسطة وما معهم من العلم إلاّ ما كان في كتب المدرسة الابتدائية. وكثير منهم لم يقرأها كلها، أو قرأها ولكن لم يفهمها كلها، أو فهمها ولكن لم يحفظها كلها. وما ذاك لأنهم أقلّ منا ذكاءً أو أضعف إدراكاً، بل لأننا كنا أشد منهم رغبة في العلم وتقديراً له وحرصاً عليه. كنا نفرح إن ازددنا علم مسألة لم نكُن نعلمها، وهم يفرحون إن حُطّت عنهم مسألة كانوا سيكلَّفون علمها. ثم إننا لم نكُن نجد ملهاة تصرفنا حقاً عن التحصيل، وهم لا يجدون -لكثرة الملهيات ووفرة التسليات- وقتاً للتحصيل. أنا لما وردت «مكتب عنبر» كنت أحمل مع الشهادة الابتدائية في يدي ذخيرة من المعلومات في رأسي لا يقوى على حمل أكثر منها فتى في سني. وما ألزمَتني المدرسة بها ولا حصّلتها فيها، بل جمعتها أو جمعت أكثرها وحدي من خارجها. لقد قرأت قبل مكتب عنبر وفي سنواتي الأولى فيه كتباً لا أكون مبالغاً ولا مدّعياً مغروراً إن قلت إن في الأساتذة اليوم من

стр. 197

لم يقرأها؛ ذلك أني كنت أمضي وقتي كله (إلاّ ساعات المدرسة) في الدار. لم أتخذ لي يوماً رفيقاً من لِداتي ولا صديقاً من أقراني، ولم أكُن (بحكم تربيتي ووضع أسرتي) أعرف الطريق إلى شيء من اللهو الذي كان يلهو بمثله أمثالي، فلم يكُن أمامي عمل أنفق فيه فضل وقتي وأشغل به نفسي إلاّ المطالعة. وكانت في دارنا مكتبة كبيرة، وهي دانية مني كتبها كلها تحت يدي، ولم أكُن -لشغل أبي عني- أجد من يرشدني ويدلّني، لذلك كنت (كما قلت من قبل) أسحب الكتاب لا أدري ما هو، فأفتحه فأنظر ما فيه، فإن لم أفهمه (أو فهمته ولكن ما أسغته) أعدتُه وقد علق في ذهني اسمه، وإن فهمته وأسغته قرأته. وكان أول ما قرأت كتاب «حياة الحيوان» للدَّميري، وهو كتاب عجيب فيه فقه، بل هو أقرب مرجع لمعرفة الحكم الشرعي في الحيوان الذي يؤكَل لحمه والذي لا يؤكل. وفيه تاريخ، وفيه فوائد، وفيه خرافات ... ثم قرأت «المستطرَف» و «الكشكول»، وهما من أدب عصور الانحطاط والتأخر. ثم وقعَت يدي على «الأغاني» لأبي الفرج فعلقت به وقرأت أكثر أجزائه، لا أزعم أني فهمت كل ما فيه ولا أني أحطت به، بل أقول إن الذي فهمته منه نُقش على صفحة ذهني. وكنت بحمد الله أحفظ كل ما قرأت وأكثر ما سمعت لأن ذاكرتي بصرية لا سمعية، فأنا يوم الامتحان أذكر مكان المسألة من صفحة الكتاب. وكنت أُعرض عن الأسانيد وأتتبع الأخبار، فحفظت من أسماء الشعراء والمغنّين والعلماء والرواة الكثير، وحفظت كثيراً من الشعر أخذت بعضاً منه بلا ضبط ولا تحقيق. وقد سمعت أستاذنا الجندي مرة يروي بيتاً فيه

стр. 198

لحن، فأبديت عجبي فضحك وقال: سببه أني حفظته كذلك منذ الصغر! ونظرت -على مدى السنين- في أكثر كتب اللغة والأدب التي كانت مطبوعة في تلك الأيام؛ لأن جدي كان مولَعاً بالكتب فلا يسمع بكتاب ظهر إلاّ اشتراه وأودعه مكتبته، وتبعه أبي في (بعض) ذلك. وكانت أكثر الكتب عندنا «ميريّة» من طبعة بولاق. والكتاب المطبوع في المطبعة الأميرية في بولاق يُباع بأضعاف ثمن المطبوع في غيرها (أي البرّاني)، ذلك لأن المصحّحين فيها كانوا من أعلام العلماء، وحسبكم أن يكون منهم الشيخ نصر الهوريني صاحب «المطالع النصرية» أوثق وأوسع كتاب أعرفه في قواعد الكتابة، وكل من كتب فيها بعده أخذ منه ونقل عنه. وأجمع كتاب بعد المطالع هو كتاب «أدب المُمْلي». والشيخ الهوريني (المتوفّى سنة ١٢٩١هـ) هو شارح مقدّمة القاموس المحيط. وكان يحسن الفرنسية، تعلمها لمّا أُرسل إلى فرنسا إماماً لإحدى البعثات. وتلك سنة حسنة تركناها، هي أن يصحب كلَّ جماعة من المبتعَثين إمامٌ يشرف عليهم ويفتيهم. أمّا الأدب الحديث فما عرفت منه إلاّ ما وجدته في مكتبتنا، وهو ما كتب المنفلوطي ﵀ وما تُرجم له فصاغه بقلمه صياغة جديدة (ولكنها فصلته عن أصله وأبعدته عن مراد كاتبه)، وشيئاً آخر: مجلَّداً نادراً ما أحسب أنه بقي منه إلاّ نسخ قليلة، هو مجلد السنة الأولى من مجلة «الرابطة الأدبية» التي تألّفَت في دمشق سنة ١٩٢١ (وقد وضعَت لها قانوناً صادقت عليه الحكومة في ١٢/ ٣/١٩٢١)، ولا بدّ لمن شاء أن يؤرّخ للنهضة الأدبية في

стр. 199

سوريا من دراسة هذه المجلة. وكان من أعضاء الرابطة الأساتذة: سليم الجندي، وشفيق جبري، وخليل مردم بك، وعزّ الدين التنوخي، وأحمد شاكر الكرمي، وزكي الخطيب، وعبدالله النجار، وحبيب كحالة، ومحمد الشريقي، وماري عجمي، وحليم دموس، ونسيب شهاب. وقد وجدت في المكتبة كتاباً صغيراً كشف لي طرف الستار عن عالَم خفيّ مثير هو ما يُدعى اليوم «مسائل الجنس»، ولكني ما فهمت عنه من الكتاب إلاّ القليل، فأعدت قراءته حتى كدت أحفظ عباراته ولكني ما جاوزت في فهمه هذا القليل، هو كتاب «البيان في أصل تكوين الإنسان»، مؤلفه العالِم الفقيه والمحامي الوجيه أحمد بك الحسيني. وتمنيت أن أجد من يشرحه لي، ولكن أنّى؟! جئت «مكتب عنبر» ومعي هذه الذخيرة، ومعي أيضاً ما ألزمت حفظه من المتون: ألفية ابن مالك، والجوهر المكنون، وكفاية الغلام، والجوهرة، وغيرها. وأقول آسفاً إني نسيتها كلها. ومعي حصيلة ما كنت أسمعه من أبي ومن أصدقائه وتلاميذه في مجلسه ومجالس إخوانه التي يأخذني معه إليها من الفوائد والفرائد والطرائف واللطائف، ومجموعة كبيرة من أخبار علماء الشام في القرن الماضي. وكنت واثقاً من ذاكرتي فلم أستودع الورق ما قد تضيّعه الذاكرة. وكان ولايزال من عيوبي التأجيل، فكنت أزمع كتابتها ثم أؤجل الشروع فيها، حتى وقع المحذور؛ فجئت أدوّنها في

стр. 200

هذه الذكريات فإذا أنا قد نسيت ما كنت أحفظه وأملأ المجالس بروايته، ولم أجد ورقة مكتوبة أرجع إليها. ومع ذلك فإني أشكر الله الذي ألهم الأستاذ زهير الأيوبي إلزامي كتابتها، فلأن أكتب منها أقلها خير من أن أفقدها كلها. * * * مشيت في دراستي من أول يوم في الطريقتين معاً، طريقة المشايخ وهي على الأسلوب الأزهري القديم، وطريقة المدارس النظامية التي سلكتها من أدنى الابتدائية إلى أعلى الجامعة، وأخذت من الاثنين خيرَ ما وجدته فيهما. ولكن الذي كان أجدى عليّ وأنفع لي منهما، أو هو في النفع مثلهما، هو المطالعة. فأنا اليوم، وأنا بالأمس، كما كنت في الصغر؛ أمضي يومي أكثره في الدار أقرأ، وربما مر عليّ يوم أقرأ فيه ثلاثمئة صفحة. ومعدّل قراءتي مئة صفحة، من سنة ١٣٤٠ إلى هذه السنة ١٤٠٢هـ. اثنتان وستون سنة، احسبوا كم يوماً فيها واضربوها بمئة تعرفوا كم صفحة قرأت. أقرأ في كل موضوع، حتى في الموضوعات العلمية، بل والفنّية والموسيقية ... هذا غير النظر في الجرائد والمجلات. وقد قابلتنا المشاقّ أول عهدنا بمكتب عنبر لأننا كنا في مطلع العهد العربي ولم تكُن لدينا كتب عربية مطبوعة، فكنا نصنع شيئاً لا يعرفه (بل لا يتصوره) الطلاب اليوم؛ هو أننا كنا نأخذ أمالي المدرّسين ممّن سبقنا من الطلاب فننسخها بأيدينا. ولقد كتبت آلافاً (آلافاً حقيقة لا مبالغة) من الصفحات، في التاريخ القديم

стр. 201

والأوسط والحديث، والجغرافيا الطبيعية والسياسية والاقتصادية، والكيمياء المعدنية والعضوية، والفيزياء وعلم الحيوان والنبات، والجبر والمثلثات والهندسة المسطحة والفراغية والنسبية، وسائر العلوم. فضلاً عن الفرنسية التي كنا ندرسها كما يدرسها الفرنسيون في بلادهم: المناهج هي المناهج والكتب هي الكتب. سهرنا الليالي الطوال نكتب ما يجده الطلاب اليوم مطبوعاً أجمل طبع موضّحاً بالصور والخرائط، في كتب تُوزّع عليهم (هنا في المملكة) بلا ثمن. * * * ولقد شهدت في السنة الأولى من مكتب عنبر شيئاً لم أرَ مثله من قبل. رفض الطلاب يوماً الدخول إلى غرف الدراسة وعمّ الهرج والمرج والصياح، وأنا مثل الأطرش (أي الأطروش) في الزفّة (١)، يرى ولكن لا يسمع ما يُقال. وأنا أرى وأسمع ولكن لا أفهم ما القصة! رأيت حركة: ناس يدخلون وناس يخرجون، ورجال يأتون إلى المدرسة يحاولون تهدئة الطلاب ثم يرجعون. وكنت صغيراً مبتدئاً فلم أدرِ ما الذي يجري، ولم أسأل لأني -من تلك الأيام- متوحّد منفرد، لا أعرف أحداً من الطلاب الكبار لأسأله ورفاقي الصغار مثلي لا يعرفون. ثم فهمنا أن الثورة قد نجحت وأن المدير قد ذهب، وتولّى الإدارةَ المفتش العامّ للمعارف في سوريا، المربّي الكبير، أستاذنا في السلطانية الثانية

стр. 202

على عهد الشريف الأستاذ مصطفى تمر. وكذلك نرى في كلّ يوم دليلاً جديداً على أن هذه الأمة، أمة محمّد، والشعب العربي منها على التخصيص، لا تؤخَذ بالعنف ولا تصبر على الضيم، وإن هي اضطُرّت إلى الصبر حيناً فستثور عليه حتماً. فإن هي ثارت فلِمن ظلمها الويل، لأنها لا تبالي حينئذٍ بشيء ولا يقف أمام ثورتها شيء، لأن الحقّ معها، ومن كان الحقّ معه فإن الله معه، ومن كان الله معه لم يُغلَب أبداً. الحقّ لا يُهزَم، والإسلام لا يذلّ وأهله هم أصحاب العزّة. ولكن الله يمتحنهم لتقوّيهم المحن، أو يؤدّبهم في الدنيا ليُضعف لهم الأجر في الآخرة. أمّا الخاسر فهو الظالم، وإن له في الدنيا الويل، والذي ينتظره بعد الموت يجعله يتمنى هذا «الويل»! * * * مصطفى تمر كان من أجلّ رجال التربية الذين عرفَتهم ديار الشام. وكان الركن الركين في المعارف، العالِم المتمكن المفضل على أكثر المعلمين في ذلك العهد. لمّا مات لم يمشِ في جنازته عشرة رجال! ﵀، فإن دعوةً بالرحمة لمؤمن مات مِن مؤمن ينتظر الموت أجدى عليه من حفلات التأبين وقصائد الرثاء وكل ما يتوهّم الناس أنه الطريق إلى تخليد ذكرى العظماء. كل ذلك زائل، ولا خلود إلاّ للمؤمنين في الجنة وللكفار في النار. اللهمّ بفضلك ورحمتك -لا بعملي- أجِرْني من النار

стр. 203

وأدخلني الجنة، أنا ومن قال: آمين. كانت «وزارة» المعارف كلها في أربع غرف كبيرة من قصر الحكومة (أي السراي): غرفة الوزير، وغرفة الأستاذ شفيق جبري شاعر الشام (وكان في منزلة الأمين العام للمعارف، أي وكيلها)، والأستاذ مصطفى تمر المفتش العام، وغرفة كبيرة تقسّمها إلى غرف صغار حواجزُ من الخشب فيها الديوان (ورئيسه الأستاذ عبد النبي القلعي) والمحاسبة (ورئيسها الأستاذ مصطفى القبّاني) وغرفة مثلها للمستشار، وكان معاونوه كلهم من النصارى (وما كان ذلك اتفاقاً بل كان شيئاً مقصوداً، وكان مستمراً في كل حين ومع كل حاكم أجنبي أو ماشٍ على مذهب الأجنبي)، رئيس ديوانه إسبر زمباكوس وترجمانه ميشيل السبع. وكان مجموع العاملين في المعارف أحد عشر فقط، ومعهم المستشار الفرنسي الذي كان هو الوزير الحقيقي وهو الآمر الناهي، وأعوانه النصارى. أقام معنا الأستاذ مصطفى تمر قليلاً، حتى إذا هدأت الحال كُلّف بإدارة المدرسة أستاذنا جودة الهاشمي، وهو جزائري الأصل، ثم عيّن لإدارتها جزائريّ آخر أستاذ رياضيات قديم أسنّ من جودة بك ولعله كان -كما سمعنا- أستاذه، فأدارها حتى خرجت أنا منها. وكان للمدرسة «مدير ثانٍ» يأتمر بأمر «المدير الأول» ويتولّى الأعمال الإدارية، وكان المدير الثاني عند دخولي المدرسة الدكتور كامل نصري. ثم الأستاذ عبد الفتاح ملحس، وهو فلسطيني، وهو أخو الأستاذ رشدي ملحس. ثم الأستاذ

стр. 204

عبدالرحمن السفرجلاني، ابن الشيخ عيد السفرجلاني. وكان الأستاذ عبد الرحمن شيخ المعلمين بعد الأستاذ سعيد مراد الذي كان مديرنا في السلطانية الثانية سنة ١٩١٨. عاش الأستاذ عبد الرحمن حتى رأى من تلاميذه من جاوز السبعين ومن وصل إلى أعلى المناصب. ولقد كنت مرة في زيارة شيخ قضاة سوريا الأستاذ مصطفى برمدا، رئيس محكمة النقض، وكان عنده الأستاذ عبد الرحمن والأستاذ جميل الدهّان المدير العام للأوقاف في سوريا، وكان الحديث عن أيام المدرسة واشترك فيه الثلاثة، فقلت: هل كنتم في مدرسة واحدة؟ قال الأستاذ عبد الرحمن: نعم. قال مصطفى بك: نعم، ولكنا كنا تلاميذ وكان هو أستاذنا. ودخل فجاء بصورة قديمة فيها الأستاذ عبد الرحمن قاعداً مع المدرسين وله شاربان كبيران وهما مع التلاميذ. ومن تلاميذه شكري بك القوتلي الزعيم الوطني ورئيس الجمهورية. رحم الله الجميع وقوّاني على إكمال هذا الحديث، وأعان القرّاء على احتماله. * * *

стр. 205

-٢١ - ثورة في المدرسة مرّ على دخول الفرنسيين دمشق أربع سنين وجاءت الخامسة، وكانت دمشق كالحطب الجافّ ينتظر أن تلامسه النار ليشتعل. ومن شأن الحطب الجزل أن يبطئ دخول النار فيه ويبطئ خروجها منه، فلا بدّ لاشتعاله من أعواد صغار أو حزمة من القش، وكان الطلاب كهذه العيدان، وطلاّب مكتب عنبر على التخصيص. ففي سنتنا الأولى فيه كانت الفورة (ولا أقول الثورة) على المدير الأميرالاي، أي الكولونيل سابقاً في الجيش العثماني شريف بك رَمُو، وكانت محدودة بجدران المدرسة لم تجاوزها. وفي الثانية (وكنت في الصف الثامن) كانت فورة أكبر، خرجَت من المدرسة فامتدّت واتسعت حتى شملت البلد كله وشارك فيها أهله جميعاً، وكانت الحلقة الأولى في سلسلة النضال للاستقلال التي بدأت بهذه المظاهرة (١) ثم تعاقبت فيها

стр. 206

المظاهرات، ثم كانت الثورة الكبرى، ثم عدنا إلى حرب الشوارع وسلاح الإضرابات والاضطرابات حتى كان الجلاء التامّ. أقصد جلاء الأجنبي بجيوشه عنا، حتى لم يبقَ له جندي واحد يخطر على أرضنا، ولا قلعةٌ مدافعُها موجّهة إلينا، ولا رايةٌ ترفرف فوق رؤوسنا. تم هذا الجلاء، ولكن لم تجلُ أفكاره عن رؤوس أولادنا، ولا مبادؤه عن أحزابنا، ولامناهجه عن مدارسنا، ولا قوانينه عن محاكمنا. وهذا هو الاستعمار الذي يهون معه استعمار الديار. إن البذور التي بذرها المستعمر قبل رحيله أنبتت نباتاً لم نذق مثل مرارته أيام الاستعمار، وكان ما أبقاه فينا بعد نزوحه عنا أشدَّ علينا مما حمله معه لمّا جاءنا. فكيف أخرجَت أرضنا السم الذي يودي بنا؟ كيف رأينا ممّن خرج من أصلابنا من هو أنكى علينا من عدوّنا؟ دعوني أقُل كلمة ليست من الذكريات. لقد رأيت في هذا العمر الذي عشته مِن تبدّل الدول وتحوّل الأحوال ما هو عبرة من العبَر لمن شاء أن يعتبر. إنه ما مرّ بنا عهدٌ -على كثرة ما مر من عهود- إلاّ بكينا فيه منه، وبكينا بعده عليه! أفقُدّر علينا أن نستكبر الشرّ فنأباه، ثم نرى ما هو أكبر منه فنطلبه فيأبانا؟ استكبرنا التقسيم في فلسطين ثم رأينا ما هو أكبر منه فطلبنا التقسيم، وأبينا ما كان قبل سنة ١٩٦٧ ثم عدنا نطالب بإزالة آثار العدوان والعودة إلى ما قبل ١٩٦٧! وأمثلة كثيرة على هذا الأصل. هذا واقع السياسة وموقف أهلها. أما نحن، نحن المسلمين،

стр. 207

فلا نَهِنُ وإن مسّنا الضر، ولا نحزن وإن حاق بنا الأذى، ولا نساوم في دين الله ولا نوالي عدوّ الله، ونؤمن بأن الله الذي نزّل الذكر هو الذي يحفظه وأن العاقبة للتقوى. لا نرتاب بديننا ولا نشكّ بوعد ربنا. * * * نحن في سنة ١٩٢٥ والبلاد تتمخض بالثورة وكأنها «برميل» بنزين: نار كامنة لا تحتاج لتظهر إلاّ إلى شرارة، نفوس متوثبة مستعدة للهجوم لكنها ترقب الإشارة. وجاءت الإشارة، لا الإشارة للثورة فلم يَئِنْ أوانها، بل لإحدى مقدّماتها. هل تعرفون قصة المحتال الذي وجد غنياً مغفّلاً فأحب أن يسلبه ماله فباعه الأهرام؟ لقد اشتهرت القصة حتى جعلوا منها مسرحية! إنه مجرم باع شيئاً لا يملكه وأخذ به ثمناً لا يستحقه، والذي اشترى أحمق لأنه ظن أنه ملَكَ الشيء الذي اشتراه ممّن لا يملكه. ربما كانت القصة مكذوبة متخيَّلة، فما تهمّني صحتها ولا جئت أحقّق خبرها بل جئت أروي قصة مثلها؛ من نوعها وجنسها ولكنها أكبر منها وأشدّ ضرراً وأعمق في الشرّ أثراً، وهي -بعدُ- صحيحة لا يجادل أحد في صحتها. قصة رجل وهب أرضاً لا يملكها هو ولا أبوه ولا قومه، لمجموعة من اللصوص الأشرار ما لهم فيها ذرّة من الحقّ، ولا كهرب واحد (إلكترون) من كهارب الذرة الواحدة. وهب فلسطين

стр. 208

لليهود الملاعين! وإن قلت ملاعين فما أشتمهم، بل أصفهم بما خبّر ربنا أنه فيهم ﴿لُعِنَ الذينَ كفروا مِن بَني إسْرائيلَ على لِسانِ داوُدَ وعيسى بنِ مريمَ﴾. لَعن الذين كفروا نبيّان من أنبيائهم. وكل ما بقي من بني إسرائيل اليوم هم من الذين كفروا، لأن القاضي الذي يحكم بقانون أُبطِلَ أو عُدّل ويرفض التعديل الذي أمر به من وضع القانون، هذا القاضي ينزلونه من قوس المحكمة إلى قفص المتهمين. وكذلك كل من اتبع شريعة رسول بعث الله رسولاً بعده يعدّلها أو يبطلها. وصول هذا الرجل (واسمه بلفور) إلى دمشق كان الشرارة التي فجّرت برميل البنزين. ما كان جمهور الناس يعرف بلفور الوزير البريطاني ولا وعده الذي تَحمل دولتُه وزرَه، وما كانت قضية فلسطين قد ظهرت وعُرفت وصارت القضية الكبرى. الذي عرف قصة هذا الوعد الآثم هم طلاّب «مكتب عنبر». لقد تساءلوا: مَن الذي أعطى هذا الرجل حقّ التصرف بفلسطين؟ كيف سوّغ له هذا شرفُه إن كان له شرف؟ كيف برّره له عقله، وله ولا شك عقل؟ وغضب الطلاّب، وزاد غضبَهم أن هذا الرجل سيزور الجامع الأموي. كلا، هذا لن يكون! وخرجوا بالمظاهرة، وانشطرت المظاهرة شطرين؛ أما أحدهما فذهب إلى الأموي فأغلق أبوابه كلها، وأما الآخر فتوجّه إلى الرجل في فندق فيكتوريا الذي كان مقابل المصرف على الضفة الأخرى من بردى، وقد ذهب الفندق الآن ومشى فوق رفاته شارع، وركب ظهرَ الشارع جسرٌ يمر عليه

стр. 209

الناس والسيارات وُدفن تحته أشهر فندق عَرَفَته دمشق، أوتيل فيكتوريا، على اسم ملكة الإنكليز العجوز. * * * لا تسألوني أين كنت في ذلك اليوم وأين أنا من أحداثه؟ إن جوابي ليس في مصلحتي. إنني لم أكُن في العير ولا في النفير، لا في القافلة ولا مع المقاتلة. لماذا؟ لأنني (صدّقوني) لم أكُن أدري بشيء من كل ما حدث! ومن أين أدري وأنا أعيش بين بيتي ومدرستي، ما لي صديق أسأله ولا عندي صحيفة أقرؤها ولا كان في الدنيا إذاعة أسمعها. لذلك ذهبت إلى المدرسة كما كنت أذهب كل يوم، فلم أجد فيها أحداً فعجبت. وقُرع جرس الدخول إلى الصف فدخلت، وكنت وحدي. وجاء المدرّس لأنه لم يكُن يستطيع ألاّ يجيء، ونظر إليّ ووجهه ينطق بالازدراء لي. أنا وعدت في مقدمة هذه الذكريات أن أقول الحقّ، أقوله بلا تزيد إن كان لي وأقوله بلا تردّد إن كان عليّ. لقد كان الحقّ مع المدرس أن ازدراني؛ كيف لا يُزدرى طالب يخالف إخوانه كلهم ويتجاهل موقف أهل بلده جميعاً؟ من يصدّق أنني لم أدرِ بشيء؟ من يصدّق؟ وخرجت أجرّ رِجلَيّ، فوجدت باب المدرسة مفتوحاً فخرجت. وكانت سوق الحميدية مغلَقة ما فيها أحد، ووصلت إلى شارع النصر (شارع جمال باشا) الذي لم يكُن في دمشق شارع غيره، فصرت في وسط اللُّجّ. بحر من الناس تلتطم أمواجه،

стр. 210

يهجمون يرجمون الجنود بالحجارة، ولقد رأيت رجلاً أمسك بحجر ربما زاد وزنه على كيل، فقذف به من فوق الشجرات الكبار التي كانت في الشارع. فإذا كرّ عليهم الجند فرّوا، فإذا ولّوا رجعوا. فدخلت بين الناس علّي أعتذر أمام نفسي بأني شاركت الناس فيما هم فيه. * * * كان ذلك سنة ١٩٢٥، فاسمحوا لي أن أقفز إلى الأمام أربعة أعوام لأني لا أحبّ أن أدعكم اليوم وهذه الصورة هي صورتي في نفوسكم، إلى سنة ١٩٢٩ وأنا يومئذٍ في شعبة الفلسفة، وقد نجحت في امتحان البكالوريا. بقيت على عزلتي إلى تلك السنة، فجئت يوماً فخُبّرت أن جماعة من الطلاب منهم أخونا الشاعر أنور العطار ﵀ قد طُردوا من المدرسة ثلاثة أيام لأنهم خالفوا أمر المراقب وسهروا محتفلين بليلة النصف من شعبان، فلم أبالِ بالأمر ولم يبالِه إخواني. إن العقاب طفيف والسبب هيّن، والاحتفال بليلة النصف من شعبان لم يأمر به الدين ولم تَجرِ به السنّة. ونمت في موعدي لا أفكر في ذلك، حتى إذا كان السحَر فإذا أنا بفكرة تسيطر عليّ بلغ من قوتها أن أيقظتني من منامي؛ هي أن أذهب إلى المدرسة صباحاً فأنتظر قرع الجرس للدرس، فإذا قرع وقفت على واحد من هذه المقاعد المحيطة بالساحة فخطبت أدعو إلى الإضراب أو يُعاد مَن طُرِدَ من الطلاب.

стр. 211

وصلّيت الفجر ولبثت قاعداً أرقب طلوع النهار، فما كاد يطلع حتى ولّيت وجهي شطر المدرسة. ولم يكُن لي أبٌ أستأذنه فقد تُوفّي أبي قبل تلك السنة، ولم يكُن لي أخ كبير أستشيره، فكنت أصدر عن رأي نفسي وحدها. ووجدت باب المدرسة مغلَقاً لمّا يُفتَح، فمررت برفيقي محمد الجيرودي (المحامي) وكان يسكن بجوار المدرسة، فأمضيت عنده ساعة وخضت معه في كل حديث، ولكنني لم أعرج على ما في نفسي ولا أشرت إليه. وذهبنا إلى المدرسة معاً، فلما قُرع الجرس وهمّوا بالدخول وقفت فخطبت، وهيّجت وحمّست ودعوت إلى الإضراب. فاستجابوا جميعاً، لا لما ألقيت عليهم بل لما كان من الاستعداد في نفوسهم، فقد كانوا يلبّون إن دُعوا بهمسة يهمس بها صاحبها ويختبئ، فكيف وقد دُعوا (لأول مرة) بخطبة معلَنة يلقيها صاحبها ويقف؟ ذلك لأنها كانت أيام نضال، وكانت الأمة كلها كالجنود في الثكنة؛ ينامون على استعداد ويقومون على استعداد، لا يسمعون صوت الداعي حتى يفزعوا إلى أسلحتهم ويهبّوا سِراعاً إلى صفوفهم، فلا ترى البلدة هادئة مفتّحةً أسواقُها حتى تسمع من كل دكّان صوت الغَلَق ينحدر، وترى المظاهرات قد قامت ودبّابات الفرنسيين قد نزلت والمعارك قد ابتدأت. لم يكُن مكتب عنبر في الحقيقة مدرسة، بل كان يومئذٍ مجمع الشباب المثقّف ومصدر كل حركة وطنية، وكان لُبّ البلد. وكانت الإضرابات تُعَدّ في الخفاء لئلاّ يُعرَف مَن دعا إليها فيعاقَب، فلما رآني الطلاّب أجهر وأُعلِم لا أختفي ولا أتوارى،

стр. 212

عجبوا مني وأُعجِبوا بي، وصرت في لحظة زعيم المدرسة (١). وجرّبَت الإدارة الترغيب والترهيب ولجأت إلى الوعيد والتهديد، ونزل المراقب ثم المدير الثاني، ثم المدير الأول والأساتذة، فكنت أردّ على كل محاولة بخطبة جديدة، فوجدوا الأمر أصعب ممّا كانوا يقدرون ويعرفون فخبّروا الوزارة. فجاء مدير المعارف الأستاذ شفيق جبري، فألقى كلمة أدبية بليغة وردَدْتُ بكلمة أذهبت أثرها. ثم جاء الوزير نفسه، وكان أستاذنا الكبير محمد كرد علي، فصحت به من مكاني: يا معالي الوزير! فمضى قدماً ولم يلتفت إليّ. فأعدت النداء فما وقف، فأسمعته كلاماً استوقفه، ثم حول وجهه إليّ فسمع مني وأجابني. وكنت يومئذٍ في قمة القدرة على الخطابة والارتجال، لا أحتاج إلاّ إلى ابتداء الكلام حتى تنثال عليّ المعاني وتزدحم الخواطر، وينطلق اللسان يعبّر عنها ببليغ الكلام. وكنت يومئذٍ فتيّ الذاكرة كثير المحفوظ، لم تُضعِف ذاكرتي الأيامُ، فكانت كل خطبة كأنها قطعة أدبية من الأسلوب الفحل تفيض بالآيات والشواهد والأمثال، فضعف مع الأيام جَناني وكَلّ لساني، على أن فيّ بحمد الله بقية (لا تزال) تسرّ الصديق، وتكبت العدوّ (٢). وفُتح باب المدرسة فخرجت وخرجوا ورائي، وكان حولي

стр. 213

فئة من الشباب الأقوياء والحارس الخاصّ عبد الستار العلمي (الدكتور الذي كان هنا، ﵀، وكان معي من يحمل سلّماً قصيراً، فحيثما تجمع الناس صعدت عليه فخطبت. نفذنا إلى سوق الحميدية، فالسنجقدار، فالمرجة، فإلى قصر الحكومة. وحيثما مررنا أُغلقَت المخازن ومشى الناس وراءنا، حتى أحاطت جموعٌ لا يُحصيها العادّ بالقصر والبلدية القديمة وإدارة الشرطة. وصعدت على العمود التذكاري أمام قصر الحكومة أخطب وأنادي رئيس الحكومة، ففتح باب الشرفة الكبيرة وأطل منها علينا، وكان الرئيس الشيخ تاج الدين ابن الشيخ بدر الدين الحسني. وكانت خطبة كلماتها من نار الحميم وأسلوبها من هبّة العواصف. سقى الله تلك الأيام! لقد أسكرني هذا الفوز فكدت أتدحرج فأنحدر في هذا الطريق لولا أن تداركني الله فأراني عاقبته. لقد اغتررت بالحلاوة في أعلى الكأس فأذاقني الله طعم المرارة في أواسطها وفي قعرها. وعَدَ الشيخ تاج وهدّأ وشجّع، بل وشكر. فلما تفرق الجمع وصرت وحدي أمسكوا بي فلم أنتبه إلاّ وأنا في حاشرة (زنزانة) طول أرضها متر وعرضها متر، وحيد فريد ليس حولي من أخطب له ولا من يصفّق لي. لا أستطيع أن أضطجع ولا أن أمدّ رجلي، وليس من حولي إلاّ جدران مغلقة ليس لها نافذة، ولا معي فيها أحد. فقعدت أفكر. كنت في أول النهار طالباً مغموراً يمشي في جماعة الناس لا

стр. 214

يعرفه أحد فيضرّه أو ينفعه، فما جاء الظهر حتى صرت عَلَم البلد وأضحيت ملء الأبصار والأسماع، فما صار العصر حتى كنت سجيناً ذليلاً مسلوب الحرية معرّضاً للأذى. هذه هي حياة السياسيين المغامرين: يوم في الذروة ويوم في الحضيض؛ يأكلون يوم السبت «البقلاوة» ولا يجدون الأحد ولا الخبز اليابس! إنهم كالذي يحتلّ مقعداً في الصف الأول من المسرح، إنه أكبر والمنظر فيه أجمل ولكنْ ليس له رقم ووراءه مَن ينتظر غفلته ليرميه عنه ويحتلّه دونه. أفليس خيراً منه مقعد في الصف الثاني، ولكنه مرقّم محفوظ، إن قمتَ عنه رجعت إليه فوجدتَه؟ وقررت من ذلك اليوم أن أقعد في الصف الثاني. * * *

стр. 215

-٢٢ - صفحة جديدة في سِفْر حياتي دخل علينا شعبان سنة ١٣٤٣ ونحن في الدار الثالثة التي استأجرها والدي في الصالحية، وكانت أعلى من نهر «يزيد» فلا يصل ماؤه إليها، ومياه «الفيجة» في السُّبُل العامّة فقط لم تكُن قد جُرَّت إلى البيوت، فكانت البيوت تستقي من آبار يصل إليها الماء من نهر «يزيد» والناس يسحبون المياه من الآبار بالمضخات، وكان في ضخّها تقوية لعضلات اليد ورياضة ونشاط للبدن. ولكن أبي كان يريد الراحة لأسرته، فما كاد يسمع بوصول المحرّكات الكهربائية إلى دمشق حتى كان أول محرّك (موتور) مركّباً في دارنا، اشتراه من السيد جمال القاري. وكان مَن يزورنا من الرجال والنساء يتعجبون منه لأنهم لم يكونوا قد رأوا مثله. وكنا نستعد لرمضان لأن الضيوف يزدادون في رمضان، ونحن لا نكاد نخلو منهم سائر أيام السنة. وقلما كان والدي يأكل وحده أو يأكل مع أهله، لا في الفطور ولا في العشاء، وما كان يمرّ يوم لا يزورنا فيه عمّاي (أعني خالَي أبي، وكنت أناديهما بالعمّين)، وأبناء أحدهما وبعض تلاميذ أبي أو بعض أصحابه، فلا ترى إلا «صواني» الطعام داخلة إلى المجلس في وقت الطعام وفي غير وقت الطعام
следующие страницы →