كان القضاء في الإسلام، فلما كان من شؤم الأيام علينا أن أخذنا الأسلوب الفرنسي (عن طريق الترك أولاً ومن الانتداب الفرنسي ثانياً) أخذ الناس يشكون من طول المحاكمات ومن بطء صدور الأحكام.
كان الشيخ حسن الشطي رجلاً لطيف المعشر كريم النفس مُحِباً للأنس وللسمر ولمناقلة الحديث على الشاي الأخضر، يفتح لذلك داره ويستقبل إخوانه ويبسط لهم وجهه ويده، لكن فيه مع ذلك شِدّة فيما يراه حقاً، بل لعلّه كان أدنى إلى الظاهرية. أسوق على ذلك مثالاً، أتعجّل ذكره وإن لم يأتِ موعده في ترتيب هذه الذكريات:
كان الشيخ حسن مديراً للكلّية الشرعية في دمشق، وسترون أني دعيت لأدرّس عنده الثقافة الإسلامية، فعرفته في الكلّية وفي الدار وفي المسجد معرفة أخ وصديق، بل معرفة تلميذ، فأنا بالنسبة إلى علمه وفضله في القضاء لا أجاوز أن أُعَدّ تلميذاً له. وكنت (كما سيأتي) رئيس المجلس الأعلى للكلّيات الشرعية في دمشق وحمص وحماة وحلب.
وكانت الكلّية في زقاق النقيب في وسط دمشق، بين الأموي وبين السور، وكان الطلاّب ساعة الظهيرة يزدحمون على أنبوب الماء ليشربوه فاتراً غير مبرَّد. فاتفق يوماً أن قُرع الجرس ولم يستكملوا شربهم. وكان سبيل الماء البارد (من عين الفيجة) (١)
стр. 1507
عند باب المدرسة، فلو أن طالباً أخرج رجله الواحدة وترك رجله الثانية داخل بابها لاستطاع أن يشرب منها. تضايق الطالب من العطش ومن دخول وقت الدرس، فجاوز الباب خطوة فشرب ورجع.
إلى هنا لا ترون إلاّ حادثة هيّنة عادية لا تُعتبر ذنباً ولا يرى أحدٌ فيها مخالفة. ولكن المدير الفاضل الظاهري التفكير، أستاذنا الشيخ حسن، رجع إلى نظام العقوبات في المدرسة فوجد أنه على درجات: أولها التنبيه ثم التوبيخ ثم التكدير العلني، ثم الطرد المؤقّت أياماً، ثم الطرد من المدرسة طرداً نهائياً. ومُثِّل للذنوب التي تستدعي الطرد أن يكفر التلميذ بالله، أو أن يرتكب فاحشة من الفواحش، أو أن يشتم أستاذاً، أو أن يدع المدرسة ويخرج منها بلا إذن ... فما كان من الشيخ إلاّ أن أوقع على هذا الطالب عقوبة الطرد بحُجّة أنه خرج من المدرسة بلا إذن، وعلّق القرار في لوحة الإعلانات فرآه الطلاّب جميعاً.
رُفع الأمر إلى مجلس العمدة، وكنت يومئذ رئيسه لأنني كنت قاضي دمشق والرياسةُ في قانون الكلّية لقاضي البلد. فعجبنا وعجب الأعضاء كلّهم من هذا القرار، وندبوني بطلب مني أن أذهب إلى الشيخ فأسأله أن يعدّله. وكان -كما قلت- صديقي، بل هو بحكم أستاذي، فذهبت إليه فكلّمتُه، وظننت أن الأمر سهل وأنه سيقتنع مني ويعدّل هذا القرار، وإذا به يقول: القانون هو القانون، من خرج من المدرسة بلا إذن فعقوبته الطرد. فهل خرج أم لا؟ قلت: نعم، لقد خرج. قال: هل استأذن؟ قلت ضاحكاً: لا. قال: فلِمَ إذن تعارض في تطبيق العقوبة؟
стр. 1508
قلت: يا شيخ حسن، أنت صديقي بل أنت أستاذي، وأنت تعرف أن العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني، وأنا لا أعترض على نصّ القانون بل أعترض على هذا التطبيق الذي ذهبتَ إليه معتقداً أنه حكم القانون. هذا طالب حَسَن الخلُق جيّد التحصيل، يُرجى له مستقبل زاهر ويؤمَل أن يخرج منه عالم ينفع الله به الناس، فهل يطمئنّ ضميرك إلى حرمانه العلم وطرده من المدرسة لأنه خرج إلى الباب وشرب وهو عطشان؟ لو كان ولدك فهل توقع عليه هذه العقوبة؟
قال: نعم؛ لو كان ولدي لأوقعتها عليه، لأن القانون هو القانون وأنا لست مسؤولاً عن نتائج تطبيقه. فذهبت فاستعنت عليه بصديقه الشيخ عبد القادر العاني (رحمة الله عليه) ومن يجالسه كلّ يوم من إخوانه، فما تزحزح شعرة عمّا قرره وأمضاه.
قلت: يا سيدي أنا تلميذك، ولكني بحكم القانون الذي تعتمد عليه وتستند إليه أستطيع أن أُلغي قرارك هذا وأن أُبطله لأني رئيس مجلس العمدة وهو المرجع في شؤون الكلّيات الشرعية، وأن أعيد الطالب المطرود. فهل يرضيك أن أفعل؟ قال: نعم، يرضيني لأنه موافق للقانون. قلت: أمري إلى الله.
واتخذت قراراً أعلنته إلى جنب قراره بأنني أبطلت هذه العقوبة وألغيتها وقرّرت إعادة الطالب إلى مدرسته. فهل ترونه تألم أو تكدّر من فعلي؟ أؤكّد لكم أنه لم يكن شيء من ذلك، وأن صلتنا وما كان بيننا من الحبّ والاحترام بقي على حاله لم يتبدّل منه شيء.
* * *
стр. 1509
كانت محكمة دوما طريقاً إلى محكمة دمشق، فكلّ من وَلِي قضاءها انتقل منها فصار قاضياً في المحكمة الكبرى في دمشق.
والمحكمة الشرعية في دمشق لها تاريخ قديم عظيم؛ كانت هي المحكمة الأصلية قبل أن تدخل علينا هذه النظم الإفرنجية في تأليف المحاكم، ويمكن أن يُكتَب عنها وعن الأدوار التي مرّت بها وعن القُضاة الذين تعاقبوا عليها وعن المنازل التي شغلتها كتابٌ كبير. ولو أن أحد طلاّب الماجستير أو طلاّب الدكتوراة أعدّ في ذلك رسالة بإشراف أستاذ له اطّلاع على خطط الشام وعلى معالمها من المشتغلين بخطط الشام وآثارها، لو أنّ أحد هؤلاء الطلاّب اختار المحاكم الشرعية موضوعاً لرسالته التي يُعِدّها لنيل شهادته، وبذل في ذلك جهده وتقصّى المراجع وسأل مَن بقي من المسنّين العارفين من أهل الشام، لجاء بمؤلَّف ربما صار مصدراً للمؤرّخين.
كانت المحكمة الشرعية -كما عرفتها أول مرّة- في زقاق ضيّق منسوب إليها مسمّى باسمها قريب من مدفن نور الدين زنكي. وأحسب أن المدرسة النُّورية التي دُفن فيها السلطان العظيم نور الدين هي دار هشام بن عبد الملك، سمعت ذلك من بعض أساتذتي ولم أوثّقه بمعرفة مصدره. وكان الخلفاء الأمويون من لَدُنْ معاوية يُقيمون في الدار الخضراء، وهي وراء جدار القِبْلة من جامع بني أميّة حيث يقوم سوق القَباقْبيّة (أي السوق الذي تُصنع فيه القباقيب)، ولم يبقَ من هذا الاسم الكبير، اسم «الخضراء» إلاّ مصبغة صغيرة جداً تكاد تكون في قبو تحت الأرض في حارة مظلمة تتفرّع عن القباقبية، تُدعى المصبغة الخضراء.
стр. 1510
وأقول -بالمناسبة- إن أمنية كلّ شامي من القديم أن يفرغ ما حول الجامع الأموي من البيوت التي تزحمه وتلتصق بجدرانه، حتّى يبدو بعظمة بنيانه وينكشف لمن يؤمّه من المسلمين كما انكشف المسجد الحرام في مكة المكرمة (ولقد عرفته والبيوت والمدارس تزحمه ولا يبدو من جدرانه إلاّ ما يحيط بالأبواب) وكما انكشف المسجد النبوي في المدينة المنورة. ومن البشائر التي سمعت بها ولم أرَها أن المسجد الأموي قد انكشف الآن وأزيلَت البيوت التي كانت تستره وتحفّ به وتُخفي روعة بنائه وجمال مظهره. وكان ممّن فكر في ذلك جمال باشا خلال الحرب العالمية الأولى، أراد أن يكون أمام كل باب من أبواب الجامع الأموي الأربعة شارع مستقيم يمتد حتّى يخرج إلى ظاهر البلد، ومن أجل ذلك فتح أول شارع في دمشق، وكان يُسمّى باسمه ثم سُمّي شارع النصر.
كانت المحكمة الشرعية في دار قديمة، ليست من الدور الواسعة ولا الجميلة ولكنها مبنيّة بناء مرتَجَلاً، تدخل إليها من فناء مكشوف ثم تجد هذه الغرف المبنيّة على غير نظام هندسي ومن غير ذوق ظاهر. فانتقلت منها إلى إحدى الدور الشامية الكبيرة في حيّ القَنَوات.
هل قرأتم وصف قصور الخلفاء في مثل القصص التي يرويها القاضي التنوخي؟ صحن واسع يُفضي إلى صحن واسع، وفي كليهما بِركة وحول البِركة شجر وزهر وورد، والأشجار تميل بغصونها على ماء البِرَك تُقبّله بأفواهها وتلمس صفحة خدّه برشاشها؟ كانت دار المحكمة شيئاً مثل هذا، بل ربما زادت على
стр. 1511
ما ورد وصفه في أمثال هذه الكتب.
هي دار الحلبوني، لها (كما كان للكثير من الدور الشامية) برّاني وجوّاني، أما برّانيّها فهو دار فخري البارودي، الدار الواسعة المشرقة الضاحكة بالرخام وبالورد وبارع النبات، الدار التي طالما أقيمَت فيها الحفلات الوطنية وأُلقيَت فيها الخُطَب وخرجَت منها المظاهرات. والمحكمة هي القسم الجوّاني من هذه الدار.
أما دار فخري البارودي فبابها من الشابكلية، وأمّا دار المحكمة ففُتح لها باب من صدرها من شارع القَنَوات الذي يجري فيه أحد أبناء بردى (أي نهر القنوات) ضيّقاً عميقاً يمرّ أمام البيوت، تدخل منه شعبة إلى كل من هذه الدور ترقص في نوافيرها وتستلقي في بِرَكها وتسقي وردها وزهرها، حتّى إذا وصل النهر إلى آخر الحيّ لم يبقَ منه شيء.
تمتاز هذه الدار فوق سعتها وبهائها وجمالها وعِظَم أبهائها، تمتاز بشيء قلّ نظيره في غيرها، هو هذا الرخام وهذا المَرْمَر المنتشر في أرجائها. في صدر الإيوان مرآة عظيمة طولها يزيد على ثلاثة أمتار وعرضها أكثر من نصف ذلك، إطارها كلّه من ذلك الرخام، وإلى جانبَي الإيوان بَهْوان كبيران (قاعتان) (١) في وسط كل واحدة منهما بِركة صغيرة جداً (فِستقيّة) على شكل كأس مزخرَف من الرخام كله قطعة واحدة. ويقابل الإيوانَ من صدر الدار بهوٌ عظيم (قاعة كبيرة) بابها -مثل أبواب الدار كلها-
стр. 1512
من الخشب النادر المُطعَّم بقطع الرخام المنقوش، ويقابل البابَ في صدر البهو مرآةٌ كبيرة تصل من الأرض إلى السقف (وعلوّ السقوف في بيوت الشام القديمة يزيد على ستّة أمتار).
وللدار طبقة عُليا يُصعَد إليها من درَجَين متقابلَين كانت فيها محكمة التمييز الشرعية (أي محكمة النقض).
* * *
كان قُضاة المحكمة ثلاثة: القاضي الأول وكانوا يدعونه القاضي الممتاز، وقاضيان آخران يُدعَيان بالقاضيَين المعاونَين. أما القاضي الممتاز فكان عمله الإشراف على سير العمل في المحكمة وإنجاز الأمور الإدارية والمخابرات الرسمية مع المراجع العليا، أمّا الذي يتولّى القضاء فهما القاضيان المعاونان، في القاعتين المتقابلتين على طرفَي الإيوان. وكان القاضيان المعاونان هما: الشيخ عادل العَلواني الحموي الذي كان رفيقي في معهد الحقوق (كلّية الحقوق)، كنّا في سنة واحدة، والثاني هو الشيخ صبحي الصباغ الحلبي، وكان في الكلّية بعدنا بسنة واحدة.
انتُدبت أياماً معدودة أول الأمر إلى محكمة دمشق ... وبقية الكلام تأتي إن شاء في الحلقات الآتية.
* * *
стр. 1513
-١٢٣ -
القاضي الشهيد
كنت أتردد -كما عرفتم- بين دمشق ودوما، عملي الرسمي في دوما وانتدابي إلى دمشق، ثم صرت قاضياً رسمياً في دمشق. وكان أمامي ثلاثة، القاضي الممتاز الشيخ عزيز الخاني والقاضيان الأَخوان الشيخ صبحي الصباغ والشيخ عادل العلواني. فتوفى الله الشيخ عزيز، وقتل مجرمون الشيخ عادل، ثم نُقل الشيخ صبحي مستشاراً في محكمة النقض، فصرت أنا القاضي الأول في المحكمة الذي كانوا يدعونه القاضي الممتاز.
لا يخطرْ على بال واحد منكم أنني سُررت بأنهما فسحا لي الطريق إلى المنصب، لا والله لقد تألمت ألماً حزّ في قلبي وترك فيه آثاراً بقيَت زمناً طويلاً. وأنا حين أقعد لأكتب الحلقة من هذه الذكريات أجد حرجاً وأتمنّى منها مخرجاً، لأنني لا أعتمد إلاّ على ذاكرة أبلاها طول الزمان، فأنا أكدّ ذهني كدّ الفارس المغوار فرسَه العجوز، فتعطيه أكثر ما تقدر عليه ولكنها لا توصله إلى ما يطمح إليه.
لكني هذه المرّة وجدت قطعاً قديمة فيها قصاصات من
стр. 1514
مقالات لي (كنت أكتبها في جريدة «النصر» أولاً ثم في جريدة «الأيام»، كان عنوانها «كلّ يوم كلمة صغيرة»، جمعت طائفة منها في كتاب لي اسمه «مقالات في كلمات»، نفدَت طبعتُه من زمان بعيد وربما جدّدَتها دار المنارة التي طبعَت هذه الذكريات، وضاعت طائفة منها وبقيَت عندي طائفة لم تُنشَر في كتاب) (١)، ليس فيها تاريخ، بل ليس فيها اسم الجريدة التي نشرتها، ففرحت بها لأنني وجدت ما أتكئ عليه وأستند إليه.
* * *
هذه قطعة وجدتها كتبت فيها كلمة يوم مات الشيخ عزيز، لا أحسب أن في قرّاء الجريدة المنتشرين ما بين منكبَي الأرض من اطّلع عليها، وإن كان قد اطّلع عليها فما احتفظ بها ولا وعتها ذاكرته، لأنها نُشرت من أكثر من ثلث قرن في جريدة دمشقية لا تكاد تجاوز حدود الشام، فلا بأس عليّ إذن إن أنا أدرجتها هنا بحروفها لم أبدّل شيئاً فيها. قلت يوم مات الشيخ عزيز:
أَحَقٌّ ما نَعى النّاعي؟
أحقٌّ أن الرجل الذي كان ملء الأبصار وملء الأسماع وملء القلوب قد اختفى إلى الأبد، فلن تراه بعد اليوم عين ولن تسمعه أذن، ولن ينعم بلقياه قلب؟ أحقّ أنّ الرجل الذي تسلسلَت
стр. 1515
الصداقة بين بيتنا وبيته منذ مئة وخمسين سنة (فقرأ جدّي الأكبر على شيخ البيت الخاني وقرأ أهل البيت على جدي) والذي كنتُ إذا رأيتُه رأيت في طلعته صورة أبي الحبيب قد عادت حيّة بعدما واراها التراب وحالت بيني وبينها السنون، الرجل الذي خُلق من الحُبّ فكان يُحبّه كلّ قلب، وصيغ من الجمال فكان جميلاً في كل عين، والذي كانت له الهيبة وكان له الجلال ... لم يبقَ منه إلاّ صورة في الذاكرة وفكرة في النفس، وحديث حلو من أحاديث النبل والطّيب والكرَم يتداوله الناس من بعده؟ أحق أنه قد مات عزيز أفندي الخاني، ووقف ذلك القلب الذي لم يخفق إلاّ بالحبّ، وكان ينشر الحبّ حيثما سار كما تنشر العطرَ الأزهارُ والشمسُ الأنوار؟
أفي كل يوم ينطفئ مصباح، ويهوي نجم، ويموت عالم؟ أين الشيخ بدر الدين الحسني؟ أين السيد محمد بن جعفر الكتاني؟ أين الشيخ عطا الكسم؟ أين من قبلهم الشيخ جمال الدين القاسمي؟ أين الشيخ أمين سويد؟ أين الشيخ مصطفى الطنطاوي؟ أين الشيخ الجوبري والشيخ الأيوبي والعلمي؟ أين مشايخ القراء: الحلواني والمنجّد والعربيني؟ وأين العشرات ممّن فقدنا من العلماء؟ مَن خلفهم من أولادهم أو من تلاميذهم؟ مَن سدّ المكان الذي أخلوه؟
مضوا ومضت معهم كنوز من العلم، ودُفنت معهم ثروات من المعرفة ما حوتها الكتب ولا حفظتها التصانيف، لأن القوم كانوا راغبين عن الكتابة منصرفين عن التأليف. أدمغة عبقرية غذّاها
стр. 1516
دأب السنين وإحياء الليالي وثني الركب، ثم كان مصيرها إلى التراب! وينابيع عِذاب، ولكن العِطاش انصرفوا عنها وزهدوا فيها، حتّى غاضت في الأرض كما فاضت من الأرض.
مضوا وسيمضي هؤلاء الباقون، فتزودّوا منهم، ارتووا قبل أن يجفّ الينبوع فإن أمامكم بيداء قاحلة. اقتبسوا من نورهم قبل أن تنطفئ الشعلة فإن أمامكم ليلاً أَلْيَل. رحمة الله على من مضى وللأحياء طول البقاء.
* * *
ثم أبّنتُه في قاعة الجامعة السورية بتلك الخطبة التي حدّثتكم عنها. وقد وجدت هذه الورقة مقطوعة من جريدة، ولو سئلت عنها لما ذكرتها لأنني نسيتها فيما نسيت ممّا كتبت. ولو قدّر الله يوماً بعد موتي أن يأتي أخ كريم لا أعرفه، فيحقّق الأمل الذي لم أحلم يوماً بتحقيقه فيجمع كل ما كتبت، لجاء معه أكثر من خمسين مجلّداً. لا تظنوا أني أبالغ، فلقد عشت عمري كله أقرأ وأكتب، فاحسبوا كم قرأت كلّ يوم وكم كتبت.
* * *
أعود إلى حديثي. أما الشيخ عادل واغتياله: فما أقول ولا يقول أحد إننا شعب من الملائكة لا نعرف القتل ولا نعرف الفواحش، فإنها من طبيعة البشر. وكل ابن آدم خطّاء، ولو أن مجتمعاً بشرياً خلا من الجريمة لخلا أشرف وأفضل مجتمع عرفه تاريخ بني آدم، وهو مجتمع الصحابة، لكنها طبيعة البشر التي طبعهم الله عليها.
стр. 1517
كنّا نعرف القتل انتقاماً، ونعرفه أخذاً بالثأر شفاء لما في الصدر، ونعرفه في ساعة الغضب التي تُعمي البصر وتعطّل الفكر، ولكن ما عرفنا هذا النوع من الاغتيال لأنه ليس من فعل الرجال ولا من سمات الأبطال. ولعلّ أول قتيل سياسي عرفناه هو الرجل الكبير، السياسي البارع الخطيب العالِم الدكتور عبدالرحمن شهبندر، كان مقتله كما أذكر سنة ١٩٤٠ ميلادية، وقد مررت به ونسيت أن أحدّثكم حديثه كما نسيت غير ذلك من الأحداث، فإذا عادت إلى ذهني عدت إليها فحدّثت بها.
ذكّرني بمقتله كلمة نُقلت إليّ عن رجل يُقيم هنا كان قد اتُّهِم مع من اتّهِم بقتل الشهبندر، زعم الناقل أنه افتخر في مجلس بأنه أحد قتلة الشهبندر. وما أحسب ذلك حقاً، وما أظنّ أن مسلماً يفتخر بقتل مسلم بعد وعيد الله بأنه يجعله في النار خالداً فيها. والشهبندر ما كان في تقوى عمر بن عبد العزيز ولا أحمد بن حنبل، ولكنه ما خرج من الإسلام ولا ارتكب ما يُستباح به دمه الحرام. وكان قتله إثماً كبيراً، زعموا أنه كان بفتوى من جماعة صالحين ولكنهم من الجاهلين، نُقلت إليهم عنه أشياء فلم يتحقّقوا منها ولم يتثبّتوا من صحّتها، وأفتوا بقتله وما كانوا مُفتِين، وقضوا عليه وما كانوا قُضاة، فعلق إثم هذه الفتوى بأعناقهم. وسمع ذلك شباب ليست لهم عقول فنفّذوا هذا الجرم، يحسبون أنهم يُحسِنون صنعاً، مع أن دم مسلم واحد قُتل بلا حقّ أكبر عند الله من هدم ركن الكعبة.
حضرت المحاكمة كلها في المدة التي فصلَت بين انشغالي بالتعليم وبين انتسابي للقضاء (وقد اشتغلت فيها بالمحاماة).
стр. 1518
وكانوا قد ألّفوا للمحاكمة مجلساً عدلياً خاصاً، أعضاؤه من الفرنسيين ومعهم قُضاة من السوريين، وطالت المحاكمة، وكان على رأس المتهَمين فيها شابّ من آل عصّاصة، وآخر شاب بعمامة وجبّة من طلبة العلم من بيت الشيخ معتوق. وقد أدهش عصاصة القُضاة والمحامين كما أدهش الحاضرين وهم مئات (لأن المحاكمة كانت في المجلس النيابي، استعاروه ليعقدوها فيه) فكان القُضاة وكان محامو الاتّهام يحيطون بعصاصة، يحاولون إمساكه فلا ينالون منه منالاً ولا يصلون منه إلى شيء. حتّى دُعي السيد مكي الكتاني وألقى خطبة وعظ فيها عصاصة فاعترف بأنه القاتل، والسيد مكي رحمة الله عليه ليس عالِماً متمكناً، ولكنه رجل نبيل النفس سامي الخلق مخلص فيما يقول، وإذا قال دخل كلامُه قرارة نفس المخاطَب، فكان له في السامعين أبلغ التأثير.
وأذكر أنه يوم تنفيذ الحكم في عصاصة ومعتوق في ساحة المرجة (إذ قتلوهما شنقاً) تردّد الشيخ معتوق وجزع، فثبّته عصاصة ولامه وجعله يستقبل الموت استقبال الرجال. وفي مثل هذا المجال تكون الرجولة ويكون الصبر ويكون الاختبار. والغريب أن اسم عصاصة كان يلفظه القاضي الفرنسي «أساسان»، ومعنى ذلك بالفرنسية «القاتل»، زعموا أنها من لفظ «الحشاشة»، اللقب الذي كان يُلقَّب به الإسماعيلية في غابر الزمان.
* * *
قُتل في تاريخنا وفي تواريخ الأمم جميعاً حُكّام وقُوّاد وأغنياء، كما قُتل فقراء وقُتل ناس من عامّة الشعب، ولكننا
стр. 1519
لم نسمع أن قاضياً قُتل لأنه حكم بالحقّ على واحد لم يرضَ بحكمه، لذلك كان نبأ قتل الشيخ عادل علواني نبأً رجّ دمشق رجّاً. ولست أذكر التفاصيل ولكن أتلو عليكم ما جاء في هذه القصاصات التي وجدتها بحمد الله مصادفة، وإن لم يكن لها عنوان ولا تاريخ (١).
القصاصة الأولى:
رجعت الآن من جنازة الزميل الشيخ عادل العلواني، وقعدت لأكتب هذه الكلمة وأنا لا أزال مشدوهاً مقسّم الذهن، لا أكاد أصدّق أنه مات ولا أدري ماذا أكتب عنه. ما الذي تسعه هذه الزاوية الصغيرة من إخاء عشرين سنة (كان قتله سنة ١٩٤٩)؟ ماذا أقول عن الرجل الذي عرفته رفيقاً في كلية الحقوق جنبي في المقعد إلى جنبه، ثم عرفته قاضياً في المحكمة الشرعية قاعتي مقابل قاعته، والذي رافقته أمداً يملأ حديثي عنه تأريخاً؟
إني والله لا أدري ماذا أقول فاعذروني، فإنني لا أزال في روعة الصدمة الأولى. ولقد سمعت الناعي في الهاتف يقول لي إن الشيخ عادل قُتل، فما صدّقت وحسبتها مزحة ثقيل، وما ظننت أن من الممكن أن يُقتل قاضي دمشق وسط دمشق.
غدوت أسأل فإذا الخبر صحيح، فذهبت إلى داره أدبّر أمر الجنازة، فلم أرَ في الدار إلاّ امرأة حَيْري وأطفالاً تسعة أيتاماً،
стр. 1520
وإذا القاضي الذي كان مستوراً بالتجمّل لم يخلّف بعده ما يكفي لإيصاله إلى القبر. ولقد يكون في هذا الذي أقول إيلام لأسرة الفقيد، ولكنني أقوله بإكبار وإعجاب، وأحني هذا الرأس (الذي ما انحنى لغير الله) أمام نعش الرجل الذي استطاع أن يكون قاضياً نزيهاً أميناً وهو يكابد الفقر عمره كلّه ويتجرّعه ويصبر عليه، حتّى عاش مستوراً ومات إن شاء الله شهيداً (١).
وتولّى القُضاة والمحامون نعيَه وإخراجه، ومشَت الجنازة صامتة رهيبة على السنّة، لا صراخ ولا نشيد ولا أكاليل، كذلك جعلتها وأنا الذي تولى أمرها. ثم قمت أخطب ولا أعلم ماذا أقول، لأن أطفاله كانوا أمامي، فكان يشغلني التفكير في مصيرهم عن صوغ آيات البيان. كنت أفكّر فيهم فأخشى ألاّ تفي هذه الأمة للرجل الذي وفى لها وأن تدع أولاده يحتاجون من بعده لأن ضميره ودينه منعاه من أن يدّخر مالاً يجمعه من حرام، وأخاف أن تضيق خزانة الدولة بنفقات دراسة ولده الذي يدرس في الخارج ونفقات معيشة أولاده الذين بقوا في الشام، وألاّ تجود بالمال لمن جاد بالدم، وأن تتمسّك بحرفية قانون التقاعد وتُعطي أسرة الفقيد ما لا يكفيها ثمن الخبز، فيرى ذلك القُضاةُ فلا يبقى فيهم قاضٍ نزيه لئلاّ يشحد أولادُه بعد موته. إني والله لا أزال في روعة الصدمة الأولى فاعذروني اليوم.
* * *
стр. 1521
وأذكر (ويذكر الناس الذين كانوا معي) أننا صلّينا على الجنازة في تكية السلطان سليمان، فلما جاؤوا ليخرجوا بعدها من المسجد وقفت في الباب معترضاً، وكان يتقدمهم رئيس الوزراء وأحسبه كان الأستاذ صبري العسلي أو كان وزير العدل، وبينهم القُضاة والوجهاء، وألقيت كلمة فيهم سالت منها مدامعهم، ووصفت حال أولاده من بعده وقلت لهم: لن تخرجوا من هنا حتّى تتعهّدوا لي أمام نعشه بأنكم لن تضيّعوا أولاده بعده، وأنكم تجعلون لهم راتباً يكفيهم، ولا يفي هذا الراتب مهما كبر بما بذل أبوهم لبلده ولكم.
* * *
والكلمة الثانية التي وجدتها بين الأوراق ولا أعرف تاريخها هي:
عجب الناس أن مضى القاضي (العادل) ولم يخلّف وراءه ما يكفي لتغسيله وتكفينه وحمله للمقبرة رحمة الله عليه. يحسبون أنه وحده القاضي الذي عاش فقيراً ومات شهيداً. لا، لا تعجبوا فإن ثلاثة أرباع القُضاة هذه حالهم وإلى مثل هذا مآلهم؛ إنهم يعيشون عيش الفقراء ويموتون موت الشهداء، ولكن العلواني (غفر الله له) مات شهيد الواجب فبكَته كل عين في الشام وذكره فيها كل إنسان، وإن حاول المجرمون أن يُسكِتوا الألسنة بالمال، وسائر القُضاة يموتون كلّ يوم شهداء الصبر الصامت ولا يدري بهم أحد، ولا تبكيهم إلاّ عيون عارفيهم وأهليهم.
إنها إن بقيَت رواتب القُضاة على هذه الحال لم يبقَ في المحاكم قاضٍ يُعتمَد عليه. ومن أين نأتي بالقُضاة ونحن لا نزال
стр. 1522
نرى الناس زاهدين في القضاء منصرفين عنه؟ وكم مسابقةً أعلنَت عنها الوزارة فلم يُقبِل عليها أحد حتّى اضطرت إلى إلغائها؟
(إلى أن قلتُ): إنكم تظنّون أننا نطالب بزيادة الرواتب طمعاً في الكسب وحُباً بالادّخار وابتغاء النعمة والرفاهية لأنفسنا وأهلينا. لا يا سادة، ولكن نطالب بها حفظاً لحقوق الناس وكرامة البلد، وليكون القُضاة مَكفيّين فلا يَمُدّوا عيونهم ولا أيديهم إلى غير ما أُحِلّ لهم، فارغين من همّ العيش لا يشغلون به بالهم عن قضاياهم، آمنين مطمئنّين فلا يزعجهم حاكم ولا يطمع في التأثير فيهم أحد، ولتدخل الحكومةُ كبارَ المحامين في القضاء حتّى يُقبِلوا عليه فيقوى بهم، كما يقوى النهر بالروافد التي ترفده وتنصبّ فيه.
* * *
الكلمة الثالثة:
تمّ الأمر وعُرف هذا المجرم النذل الذي فقد كل ما يعتزّ به الرجال من الفضائل: فقد الدين الذي يدعو إلى الخير، والضمير الذي يوزع عن الشر، والخلق والنبل والإنسانية، وفقد معها الشجاعة، فلم يواجه خصمه مواجهة البطل ولم يُعلنه بالحرب إعلان الشريف، بل تخفّى له في الظلام كما تختفي الحشرات وضربه على غرة كما تضرب العقارب.
والذي فقد الرجولةَ فاستعان بماله الذي جمعه من حرام على الفعلة الحرام، واشترى به أيدياً يضرب بها بعد أن منعه الجُبن والتخنّث أن يضرب بيده التي عرفَت السرقة ولم تعرف
стр. 1523
البطش. وخرست بذلك ألسنة انطلقَت ترجف بالفقيد والحكومة، توهم أنها حائرة مضطربة لا تدري من أين تمسك طرف الخيط، فلم تَمضِ إلاّ ثلاثة أيام حتّى عُرِف القاتل وعُرف شركاؤه، وعُرف الشيطان الذي وسوس له وحرّضه على الشرّ؛ هذا الشيطان الذي يظهر بين الناس بمظهر الوجهاء الأفاضل! وأقرّوا جميعاً طائعين مختارين، فظهر بذلك أن الشيخ عادل قضى شهيداً من أجل الحقّ الذي أقامه والقانون الذي أطاعه، لا من أجل هوى ولا مطمع، وأنه مات نظيف اليد طاهر الذيل شريفاً، كما عاش شريفاً طاهر الذيل نظيف اليد.
ولم يبقَ إلاّ أن تُتِمّ الحكومة هذا الفصل، فلا تمضي عشرة أيام حتّى يكون المجرمون منصوبين على أعواد المشانق في المرجة، كيلا ترى دمشقُ مرّة ثانية مثلَ هذه الجريمة التي ملأت كلَّ قلب في دمشق أسفاً على مَن فُقد ورحمة لمن ترك وغضباً على من أجرم، وحتى يكون راتب الفقيد كاملاً في يد أسرته.
إنكم لا تستطيعون أن تعيدوا لهؤلاء الأيتام أباهم، فأعيدوا لهم على الأقلّ راتب أبيهم.
* * *
القصاصة الرابعة
صارت المسألة بين أيدي القُضاة، فطلبوا من يدافع عنهم فأبى المحامون الدفاع عن مجرم ظاهر الإجرام، وتطوّع لذلك محام غريب الديار، قدم دمشق فآوته وأكرمَته وأعطته المال وأعطَته المجد. ولا اعتراض لنا على دفاعه فالدفاع عمل
стр. 1524
المحامي، وهو عمل مشروع لا ممنوع، ولكنه أساء أسلوب الدفاع وتطاول على أهل البلد وكاد يمسّ القُضاة أنفسهم، فكتبت هذه الكلمة، وهي إحدى الكلمات التي وجدتها اليوم:
بعضَ هذا يا سي حسن (١) فإن الحياء من الإيمان، ولك أن تدافع عن القاتل فإن الدفاع حقّ مطلوب، ولك أن تحرص على الأجرة فإن المال مشتهى محبوب، ولكنْ ليس لك أن تنسى الحقّ من أجل المال وتضحّي بالإنسانية في سبيل المهنة، فتصغّر هذا الجرم وهو عظيم، وتكسر بلسانك قلوب هؤلاء الأطفال بعد أن كسر موكّلك بنذالته ركنهم وذبح بسكّينه أباهم. وليس لك أن تسخر من هذا الشعب الذي فتح لك أبوابه وأعطاك من المجد والمال ما لو وجدتَه عند أهلك لما لجأت إليه، والذي لا يزال -من غفلته- يكرم كلّ غريب ليناله بالأذى هذا الغريبُ.
ولو كنت من أهل البلد لعلمتَ أنها لم تصنع بأهله جريمةٌ آثمة سافلة ما صنعت هذه الجريمة، وأنها راعت قلوبَ ساكنيه وأغضبَتهم وآلمتهم، أسفاً على الفقيد وحزناً على أولاده وإكباراً لفقره، وخوفاً على العدالة أن لا يُنصَب لها في الشام ميزان بعد اليوم، ما دام كلّ نذل يُغضبه القاضي بحكمه عليه يبعث إليه بوحش يقتله. وأنها فُرشت بالشوك مضاجعُهم فما يقرّ لهم قرار حتّى يصطبحوا بمرأى المجرمين كافةً تهتزّ أرجلهم فوق أرض المرجة. وأن النساء في البيوت، إي والله والرجال في الأسواق والأولاد في المدارس، لا يزالون يسألون عن المحاكمة ماذا
стр. 1525
جرى فيها، وعن المجرمين متى يلقون جزاءَ ما جنوا؟ ولو كنت تقرأ التاريخ لعلمت أنها جريمة لم يعرف تاريخُنا جريمةً مثلها. ولقد قُتل كثير من الخلفاء والأمراء والحُكّام، ولكن لم يُقتَل قاضٍ في الإسلام اغتيالاً قبل القاضي العلواني.
فهل أدركت الآن أنها جريمة ليست كالجرائم؟
يا سيد حسن، إني لا أعرفك ولكني أظنّ ممّا سمعت عنك أن هذا كله لا يقنعك، إنه كان يقنعك لفظ واحد من الرئيس لو أنه قاله في حينه، هو أن يأمر بسجنك على هذا التعريض المكشوف بمجلس القضاء وأهله وهذه الجرأة الوقحة عليه. ولكن الرئيس كان حليماً جداً، فإياك إياك؛ فإن العرب تقول في أمثالها: اتقِ غضبة الحليم!
* * *
والكلمة الأخيرة من هذه الكلمات التي وجدتها في القصاصات هي:
رأيت اليوم وأنا على قوس المحاكمة طفلاً أشقر جميلاً صغيراً جداً يتسلّق درَج القوس، فحسبتُه ابن إحدى المتداعيات قد أطلقته يعبث في القاعة فهممت بزجره، ولكني رأيته يتقدّم مطمئناً ثابت الخُطى، حتّى أقبل فوضع خده على ظهر كفّي وجعل يتمسح بي كالقطة الأليفة. فنظرت إليه، وإذا هو ابن أخي الشهيد الذي قُتل ظلماً الشيخ عادل العلواني، فاستَعْبَرت ورقّ قلبي وامتلأت بالدمع عيناي، وتركتُه حيث وقف، وخالفت لأول مرّة من عشرين سنة مارستُ فيها القضاء نظام الجلسات وقواعد
стр. 1526
المحاكمة، مع أن ابنة لي في مثل سنّه جاءت مرّة (مرّة واحدة) المحكمة مع أمها فنادتني وركضت لتصعد القوس، فأبكيتها وأنزلتها وأخرجتها. ولكن هذا الطفل كان متعوّداً على ذلك أيام أبيه فلم أشأ أن أكسر قلبه، وقال لي الطفل فجأة: صعي (أي صحيح) مات بابا؟
فأحسستُ كأنْ قد وقع على وجهي سوط من نار، وانعقد لساني فلم أُجِبْ. فسكت ثم قال: وين بابا؟ طَوَّلْ (أي تأخّر). إمتى بدّو يزي (يعني يجي)؟ فلم أنطق. قال ليس (يعني ليش) كل ما سألت عنه ماما بتبكي؟ الكبار يبكوا سي؟ ولم أُجِبْ، فرجع يقول: ما عاد بابا زاب (جاب) لنا سكّر. وين بابا؟
فأعطيتُه سكاكر كانت في جيبي أعددتها لأولادي فاشتغل بها، ثم أقبل عليّ ورفع وجهه إليّ وقال مهتماً: عمّو نزّلوا الدم لبابا، سفت (شفت) الدم على الدرز (الدرج). ليس (ليش) نزّلوا له الدم (١) إيس سوّى لهم (أي ماذا عمل لهم)؟ ليس (ليش) ما بحبّوا بابا؟ أنا أحبّ بابا.
وتعطّلَت الجلسة حقيقة وتحوّلَت إلى مناحة؛ النساء يبكين بصوت مسموع، والمحامون والكاتب والمحضر، وأنا، كلنا غلبَنا البكاء.
* * *
стр. 1527
-١٢٤ -
في سبيل إصلاح محكمة دمشق
كان عنوان أول مطبوعة صدرَت لي سنة ١٣٤٧ هجرية هو «في سبيل الإصلاح». ولقد حرصت عمري كلّه أن أسلك هذه السبيل، وكنت أُوفَّق بحمد الله أحياناً وتغلبني نفسي أو تعترضني العقبات فأتنكّبها حيناً.
من الناس من يبالغ في الشجاعة حتّى يجرّد سيفه ليقاتل طواحين الهواء وأعمدة الكهرباء، ومن الناس من يغلو في الجبن «حتّى إذا رأى غيرَ شيء ظنّه رَجُلاً»، ﴿يَحسَبونَ كلَّ صَيحةٍ عليهم﴾، ومن يتشدّد في الطهارة حتّى تصير عنده وسواساً ... وأنا أبالغ في الشعور بالظلم والإشفاق على المظلومين؛ لو سمعت بمظلوم في المغرب وأنا في أقصى المشرق، أو قرأت قصّته التي وقعت منذ قرون، لم تمنعني شدّة البعاد ولا اختلاف الآماد من أن أغضب له، وأتمنّى أن أردّ عليه حقّه وأن أضرب على يد من ظلمه. حتّى إنني لأشاهد المسلسلة في الرائي فيها عادٍ ومعدوّ عليه، شيطان يأخذ ما ليس له بحقّ ومغفّل يُعطي ماله لمن لا يستحقّ، فأتمنّى أن أتمكّن من العادي فأردّ كيده وأعرّفه حدّه،
стр. 1528
وهي مسلسلة خيالية كلها تمثيل في تمثيل!
فتصوّروا حالي وقد لبثت سنين أرى الرشوة والظلم والفساد ولا أقدر على إزالته ولا على تقليله، كانت عيني بصيرة بالمعايب ولكن يدي كانت قصيرة عن محوها، كنت أرى السيارة تسير على غير الطريق ولكن مِقوَدها بيد غيري، كنت أعرف المرض وعندي دواؤه ولكن لا سبيل إلى إيصاله إلى المريض. فالآن طالت يدي القصيرة وتسلّمت أنا مِقوَد السيارة، وفُتح لي الباب لأحمل إلى المريض العلاج.
إنها لذّة من أكبر اللَّذَاذات: أن ترى الباطل غالباً والحقّ مغلوباً وترى نفسك عاجزاً، ثم تُعطى القوّة على دحر الباطل وعلى نصرة الحقّ. لقد وجدت هذه اللذّة التي لا تعادلها اللذاذات مرتين: مرّة في النبك لمّا كنت قاضياً فيها، وقد مرّ بكم الخبر، وهذه الثانية.
إنها لذة، ولكن هل في الدنيا لذائذ لا تشوبها الآلام؟ هل يصفو لأحد نعيم في الدنيا؟ كنت أنظر فأرى نفسي مسؤولاً عما أقضي فيه. والقضاء مَركب صعب، لذلك فر منه كثير من كبار السلف وأبَوه واحتملوا في سبيل إبائهم الضرب والسجن والإيذاء، فإذا كان أبو حنيفة وكان سفيان الثوري وكان أمثالهما يهربون منه ويخافون أن يعجزوا عنه، فكيف أُقدم أنا مطمئنّاً عليه؟ اقرؤوا سيرة أبي حنيفة لمّا أُكرِهَ على القضاء. بل ارجعوا إلى كتاب «قُضاة الأندلس»، فإن فيه أحاديث كثيرة عمّن أبى دخول القضاء من العلماء.
стр. 1529
ثم أرجع فأقول لنفسي: إذا فرّ الناس جميعاً من القضاء فمن يقوم به؟ ولقد قلت في محاضرة لي قديمة (١) أشرت إليها في هذه الذكريات: إن القضاء أعلى درجة استطاع البشر الارتقاء إليها؛ ارفعوا القضاء من تاريخ الإنسان يهبطْ إلى درك البهائم ويأكل القويُّ من بني آدم الضعيفَ. وإن معنى الإنسانية وحقيقتها إنما تكون في الحياة المستقيمة الهادئة الآمنة، التي لا يطغى فيها أحدٌ على أحد، والتي تُصان فيها الحَيَوات والحرّيات وتُحفَظ الدماء والأعراض، ويتحقّق فيها التعاون على جلب المصالح ودرء المفاسد، ولا يكون ذلك كلّه إلاّ بالقضاء.
والقضاء عند المسلمين أقوى الفرائض بعد الإيمان؛ إنه عبادة من العبادات، ففيه إظهار للعدل، وبالعدل قامت السماوات والأرض. وصف الله به نفسه إذ قال: ﴿فاللهُ يحكُمُ بينهم﴾ وقال: ﴿إنّ ربّكَ يقضي بينهم﴾، وأمر به نبيّه فقال: ﴿وأنِ احكُمْ بينهم بما أنزَلَ اللهُ ولا تتّبعْ أهواءهم﴾، وجعل أنبياءه قُضاة بين خلقه: ﴿إنّا أنزلنا التوراةَ فيها هُدىً ونورٌ يحكُمُ بها النبيّون﴾، وبه أثبت الله اسم الخلافة لداود حين قال له: ﴿يا داوُد إنّا جعلناكَ خليفةً في الأرضِ فاحكُم بينَ الناسِ بالحقِّ ولا تتّبعِ الهوى﴾. وقلت من قديم إن القضاء أول ما تَعقد عليه أمةٌ خناصرَها إذا عَدّت أمجادها ومفاخرها.
وإذا استُدلّ بفرد على خلائق شعب كان القاضي العالِم العادل أكبرَ دليل على مكارم شعبه ونبل أمته، وإذا كان بين
стр. 1530
الشعوب اليوم من يفخر باستقلال قضائه وعزّته ومضائه ففاخروا -يا شبابنا- بقضائكم يكن لكم الفخار وتُعقَد على جباهكم تيجان الغار، ولكن لا تناموا على هذا المجد التليد بل انهضوا فصِلُوه بمجد لكم جديد (١).
* * *
هذا ما قلته من قديم، ولم أكن ألقي فيه خطابيات بل أسرد حقائق، فالقضاء لا بدّ منه ولكنه امتحان صعب، والداخل إليه داخل على خطر. فقعدت أفكر: ما حُكم تَوَلّي القضاء في الشرع؟ رجعت إلى ما يقول الفقهاء فإذا خلاصة أقوالهم أنه إذا لم يكن في البلد إلاّ واحد يقدر على تَوَلّي القضاء -علماً منه بأحكامه واستقامة في سيرته- كان دخول القضاء بالنسبة إليه فرض عين. وإن كان في البلد اثنان فأكثر كلٌّ منهم يصلح له كان دخوله فرض كفاية عليهم. وإن كان رجل يصلح للقضاء وغيره أقلّ صلاحاً منه كان دخوله القضاء مندوباً إليه، وإن كان صالحاً له وغيره أصلح كان دخوله مكروهاً، وإن كان يعلم من نفسه العجز عنه وقبل به كان آثماً ظالماً.
هذا في تولي القضاء في ذاته. ولكن من يكون رئيس محكمة يكون حمله أثقل لأنه يصبح مسؤولاً عن كل العاملين معه في المحكمة؛ إن زلّ واحدٌ منهم أو ضلّ عوقب معه الرئيس إن سكت عنه. فماذا أعمل وهي تَبِعة تَضعف عن حملها شُمّ الجبال
стр. 1531
الرواسي؟ ماذا أصنع لأُحكِم المراقبة وأمنع ما كنت أُنكِره؟ وهل أستطيع وحدي أن أحارب هذه المجموعة من الناس، ومنهم من هو متمرّس بهذا العمل له معارف وأصدقاء يؤمنون بما يقوله لهم، ويأخذون الحقيقة كما صوّرها هو لا كما هي في صورتها؟ سيُشيع عني هؤلاء قالة السوء في الناس، وما يشيع (أي الشائعات) كالدخان تقذف به المدخنة، لا يستطيع أحد أن يردّه ولا التي أطلقته أن تستردّه.
وجفا النوم عيني ليالي كوامل متعاقبات، أقلّب فيها جسمي على الفراش وتتقلّب في رأسي الآراء، وأقوم متعَباً من الأرق كمن مشى عليه فيل صغير فضعضع جسده وحطّم أضلاعه! وكنت أسأل الله أن يهديني، أرجع إليه ولا يُرجَع في الشدّة إلى غيره. فهداني وله الحمد وأراني الحقّ، فسألته أن يقوّيني على تحقيقه، فجلا الله لي وجه الحقّ ورأيت أنّ مراقبة الكُتّاب والمساعدين وهم متفرّقون في هذه الغرف الكثيرة، كلٌّ في غرفة وحده لا رقيب عليه إلاّ الله، أمر يكاد يكون كالمستحيل، وفكرت في جمعهم جميعاً في مكان واحد. ولكن أين أجمعهم وكيف؟
وتذكّرت أنها لمّا كانت الوزارات كلها في قصر الحكومة في سراي المرجة كان لوزارة العدل بهو واحد يجتمع فيه موظفوها جميعاً، وأمامهم حاجز يفصلهم عن الناس، هم من ورائه والمراجعون أمامه، ولهم نوافذ صغيرة يكلّمون الناس منها يأخذون ويُعطون ما يريدون من الأوراق.
فذهبت إلى زيوار بك الجابي محاسب وزارة العدل. وكان -كما قلت لكم- كبير السنّ مستقيم السيرة صافي القلب، إذا سمع
стр. 1532
اقتراحاً نافعاً أخذ به. فقلت له: زيوار بك، أين الحواجز التي كانت تفصل موظفيكم عن المراجعين لمّا كنتم في سراي المرجة؟ قال: في المستودع، فماذا تريد منها؟ قلت: أريد أن أركّبها في القاعة الكبرى التي كان يقعد فيها الشيخ عزيز أفندي الخاني رحمة الله عليه، وأن أجمع الموظفين فيها فيسهل على المراجعين الاتصال بهم. فهل تعطيني هذه الأخشاب؟
فسُرّ وقال: خذها بارك الله فيك، فإنني لا أعرف ما أصنعه بها. قلت: وتبعث معي من يحملها إلى المحكمة ظُهر يوم الخميس بعد انصراف الموظفين، وتبعث معها نجّاراً يركّبها في القاعة على النحو الذي أتصوّره؟ قال: نعم.
وكان يقوم على وزارة العدل سامي بك العظم الذي سبق ذكره، وهو من أصدقاء أبي وخالي محب الدين الخطيب. وكان رئيس ديوان الوزارة رشدي بك الحكيم، وهو أيضاً من جماعة محب الدين، من السابقين إلى محاربة التتريك وتنبيه العرب من غفلتهم. وكلاهما (على بعد ما بيني وبينهما في السنّ والمنزلة) كان صديقاً لي وكان يعطف عليّ ويحبني، وكل هؤلاء وأستاذنا محمد كرد علي (وهو أسنّ منهم) كلّهم من تلاميذ الشيخ طاهر الجزائري. فذهبت إليهما فخبّرتهما بما أريد أن أصنع فوافقا عليه، فقلت: إنني أريد أن أنقل كلّ ما في غرف الكُتّاب إلى هذه «القاعة» (١)، أنقل المكاتب وأنقل الخزائن والأوراق، وأخاف أن
стр. 1533
يأتي واحدٌ منهم فيدّعي فَقْدَ شيء ما كان في غرفته، فأرجو أن يُرسَل معي موظف تعتمد عليه الوزارة يكون هذا النقل بإشرافه وبنظره وبعلمه.
قالا: نعم، سنفعل. فلما كان يوم الخميس وانصرف الموظفون بقيت في المحكمة ووصلَت الأخشاب ورُكِّبت في القاعة، وتركت أمامها مكاناً للمراجعين يقفون فيه فيكلّمون الموظفين ويعطونهم ويأخذون منهم ولا يدخلون عليهم.
وكنت قد طلبت إلى الفرّاشين المجيء عدا واحداً منهم، هو فراش القاضي الممتاز الذي لم أكن أثق به ولا أطمئنّ إليه والذي كان من جملة العاملين الفاسدين في المحكمة. جاء الفرّاشان الباقيان في الموعد الذي ضربته لهما بعد صلاة الجمعة وجاء مندوب الوزارة، وكنّا قد هيأنا حَمّالين اختارهم زيوار بك، المحاسب، فجعلنا نفتح الغرف غرفة غرفة وننقل ما فيها من المكاتب والكراسي والخزائن والأوراق، بحضور مندوب الوزارة وبحضوري أنا، إلى المكان المخصّص لكل واحد منهم في القاعة الكبرى وراء الحاجز. فما كانت عشيّة الجمعة حتّى كان كل شيء قد تمّ وأمست الغرف خالية ما فيها شيء، واجتمع ديوان المحكمة كله في هذه القاعة الكبيرة جداً التي وسعَت هذا كله، وبقي ربعها للناس المراجعين يدخلون إليه ويقفون فيه.
* * *
فلما جاء الموظفون يوم السبت في مواعيدهم (وكنت قد سبقتهم مبكّراً إلى المحكمة) رأوا ذلك، وقامت قيامتهم وجُنّ
стр. 1534
جنونهم وأقبلوا يَقدُمهم (١) رئيس الديوان محتجّين معترضين، فقلت لهم: هذا ما أقرّته الوزارة، فمن شاء منكم أن ينتقل إلى محلّه الجديد فأهلاً وسهلاً، ومن أبى فليذهب إلى الوزارة فليشكُ إليها.
رأوا أنهم لا حيلة لهم ولا ينفعهم احتجاج ولا تفيدهم شكوى، فقبلوا مُكرَهين بالأمر الذي وقع.
ثم جعلت لكل معاملة من المعاملات الإدارية مُدّة معلومة تُسلَّم بعدها صور قراراتها إلى أصحابها. فمعاملة الزواج وحصر الإرث تُنجَز في يومها، فتُسلّم صورها إلى أصحابها بعد أربع وعشرين ساعة على الأكثر، ومعاملات الوصايا جعلت لها مدة مناسبة، وأعلنت للناس أنّ مَن تأخّرَت له معاملة عن هذا الأمد الذي حدّدتُه فليراجعني.
وكان من المسموح به قانوناً أن تُعقَد عقود الزواج في المنازل بطلب من أصحابها، وكانت الأجرة المقررة للكاتب (أو المأذون) لإجراء العقد هي خمس ليرات سورية فقط والسيارة تنقله إلى دار المتعاقدين وتعيده منها. وأعلنت للناس أن من دفع أكثر من ذلك يكون قد خالف القانون ويُعتبر عمله رشوة يُعاقَب فاعله عقوبة الراشي، وكنت أبعث من قِبَلي ناساً يحضرون العقد ويتشمّمون الأخبار ويعرفون كم دُفع للكاتب.
وكان أكثر الناس يُجزِلون العطاء لمن يعقد العقد في هذه
стр. 1535
المناسبات، حتّى إن أحد قُضاة قصر العدل طلب كاتباً بموافقة مني ليعقد عقد ابنته فدفع له مئة ليرة! وبلغني الخبر فدعوت الكاتب وأنذرته بأن يأخذ خمساً منها وأن يردّ له الباقي، وهددت من يعود إلى مثل ذلك برفع أمره إلى وزارة العدل، فصار الكُتّاب إذا أُكرِهوا على أخذ شيء يزيد عن الحدّ المقرَّر جاؤوني به في اليوم الثاني خوفاً من العقوبة.
وجعلت لأصحاب المعاملات أرقاماً كالتي تكون في المصارف (البنوك)، فمن قدّم معاملته أولاً أعطيه رقم واحد، يأخذ الرقم بيده مطبوعاً على ورق مقوّى عليه ختم المحكمة ويُربط مثيله بالمعاملة، وأنذرت الديوان بأن تسير المعاملات وفق هذه الأرقام، فإذا كان رقم أربعة -مثلاً- لواحد من عامّة الناس ورقم خمسة لوكيل وزارة العدل أو لقاضٍ من كبار القُضاة فقدّمه الكاتب (الديوان) على الرقم الذي قبله أوقعت عليه الجزاء القانوني. وكنت أنزل في النهار فأدخل بين الناس، أدع العمامة في غرفتي فأعود بثياب كالتي يلبسها جمهور الناس فلا ينتبه أحدٌ إليّ ولا يتعرف عليّ، وأرى، فإن لمست مخالفة عملت على عقوبة المخالف.
فانتظم أمر المحكمة، وسيق الناسُ جميعاً بعصا واحدة لا تفرّق بين الغنيّ والفقير ولا الكبير والصغير، بل لا يستطيع الموظف إذا جاء صديقه أو قريبه أو جاء أخوه أن يراعيه على حساب الناس.
ثم رأيت أن هذا كله علاج مؤقّت لا يكاد يأتي منه الإصلاح المنشود، فعملت على إبدال مَن في الديوان واحداً بعد واحد.
стр. 1536
وأعانني الله أولاً بإخلاصي، وبأنني لا أبتغي من ذلك جرّ منفعة لنفسي ولا درء مضرّة عنها، والله يعلم ذلك مني. بل إن منفعتي الدنيوية كانت في إرضاء الناس والاستكثار من الأصدقاء وإسكات الألسنة المعترضة، لو أنني أردت مصلحة نفسي. وأعانني الله فجعل مَن في الوزارة يثقون بي ويستمعون مني، لا لأنني قاضٍ، فالقُضاة كثيرون والمنازل بين الموظفين مراعاة ومعتبَرة، لكن لصلات شخصية كالتي كانت بين أبي وخالي وبين الرجلين القائمَين على وزارة العدل، وهما سامي العظم ورشدي الحكيم، ومساعده الموظف القديم الرجل الطيب زيوار الجابي، رحم الله الثلاثة. ولأن كل من كان ينشد الحقّ ويبتغي الإصلاح في الوزارة وخارج الوزارة وعلم بما صنعت كان مؤيّداً لي ومعاوناً على ما أريد.
ما مرّ وقت طويل حتّى تبدّل موظفو الديوان جميعاً، ذهب من كان منهم على أيام عزيز أفندي رحمة الله عليه وحلّ محلهم غيرهم، منهم من سَهُل عليّ أمر نقله ومنهم من تبيّن أن له جذوراً ممتدّة في الأرض يصعب اقتلاعها. والغريب أن أطول هذه الجذور وأكثرها امتداداً وتشعّباً كان لرئيس الديوان الذي كان إليه أمر المحكمة كله، ولأصغر عامل فيها وهو الآذن (الفرّاش) الذي كان على باب القاضي الممتاز!
كان هذا الفراش (واسمه أبو محجوب) يرفع ويضع ويقدّم ويؤخّر، ويستطيع أن يصنع في المحكمة ما لا يقدر على صنعه مساعد من المساعدين، حتّى إنه كان يستعمل غرفة القاضي
стр. 1537
الممتاز للبيع والشراء، فوراء أرائكها المصنّفات (الملفّات الفارغة) يبيعها بضعف ثمنها في السوق والطوابع يبيعها بأكثر من قيمتها، ويعلّق ثيابه في المكان المخصّص لتعليق جبّة القاضي، أي أن هذا الفراش الصغير كان حاكماً بأمره في المحكمة! ولقد وجدت في اقتلاعه مشقّة أكثر من المشقّة التي وجدتها في نقل الموظفين جميعاً.
* * *
وضح الآن سبيل الإصلاح لأن العاملين في المحكمة تبدّلوا، جاء جماعة يستمعون كلمة الحقّ ويطيعونها ويمشون عليها.
ووقعتُ في أزمة أكبر حين منعت مختاري الأحياء (المختار هو العمدة باصطلاح مصر والسعودية) من دخول المحكمة إلاّ إذا كانت لهم قضية شخصية أو كانوا وكلاء بوكالة رسمية من أصحاب القضية، ومنعت معقّبي الأوراق. وعندنا في الشام مهنة كأنها معترَف بها وهي مهنة المعقّب، لهم مكاتب وعندهم عُمّال يسخّرونهم ويسيّرونهم إلى المحاكم. وأنا أعلم أن في هذا تسهيلاً على الناس لأن من الناس من لا يتّسع وقته ولا جهده لمتابعة المعاملات بنفسه في الدوائر، ولكن هؤلاء يأتي منهم شرّ أكبر؛ فهم يأخذون من الناس أكثر ممّا يستحقون، وربما اتفق الواحد منهم مع الموظف المنحرف على صاحب المعاملة أو مع خصمه الذي يشكوه ... وكل شيء في الدنيا يغلب ضرره على نفعه يُصار إلى منعه، فالخمر والميسر فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما
стр. 1538
أكبر من نفعهما، ولذلك حُرِّما.
وهؤلاء المختارون والمعقّبون ليسوا فئة قليلة ولا كانوا ضعاف الحيلة، وإن لهم لأصدقاء ومعارف وأعواناً، فجمعوا جموعهم واستعانوا بأصدقائهم ومعارفهم وحزّبوا عليّ الأحزاب، حتّى إنهم رفعوا شكوى إلى رئيس الجمهورية! فأحالها على وزير العدل ووصلت إليّ لإعطاء الجواب، ثم لم يطالبني أحدٌ بجواب ولم أرسل أنا هذا الجواب وبقيَت عندي إلى الآن، وهي أمامي وعليها أختام الأئمة والمختارين (أي العُمَد) في أحياء دمشق كلها.
وغاية ما في الأمر أن الوزارة سألَتني سؤالاً غير رسمي عن حقيقة هذه الشكوى، فشرحت لهم ما عندي وبيّنت حُجّتي، فسكتوا وسكتّ. ما أدري هل سكتوا اقتناعاً بها أم لغير ذلك. الله أعلم.
* * *
كان في المحكمة قُضاة ثلاثة، فلما بقيتُ فيها وحدي عملت على نقل أخي الشيخ مرشد عابدين إليها. والشيخ مرشد هو أخو شيخنا الطبيب الفقيه المفتي الشيخ أبي اليسر عابدين، وأبوهما مفتي الشام الشيخ أبو الخير عابدين، الذي كان عمّه صاحب الحاشية المشهورة. وقد خلَفني الشيخ مرشد في النبك ثم في دوما، ثم جاء معي إلى دمشق، فاتفقنا على أن نقوم وحدنا (أنا والشيخ مرشد) بالأعمال الإدارية (أي الديوانية) وبالقضاء؛ فأخذت أنا قاعة الشيخ صبحي الصبّاغ وأخذ هو قاعة الشيخ عادل
стр. 1539
العلواني، واقتسمنا الأعمال الإدارية بعد أن اتفقنا على منهج العمل وعلى خُطّة السير.
كانت الغاية واحدة، ولكن كلاًّ منّا يختار الطريق الموصل إليها بما يوافق سرعة خطوه وطبيعة نفسه؛ أنا كنت أقرب إلى الصراحة والشدّة، بل إلى العنف أحياناً، وهو أقرب إلى اللين وإلى اللطف. أضرب لكم مثالاً:
جاءنا على عهد الشيشكلي ﵀ ضابط كبير يريد أن يتزوّج امرأة من دمشق، فلما نظرت في أوراقه تبيّن لي أنه درزي، فحاولت أن أصرفه بما أقدر عليه من اللطف واللين وهو يُصِرّ، ثم رفع صوته وقال: نحن نفدي الوطن بأرواحنا وندافع عنه بحياتنا، فهل نحن مسلمون أم لا؟ فلم يبقَ مجال للمجاملة فقلت له: إذا لم تُمْحَ هذه الكلمة من أوراقك ولم يُكتَب مكانها كلمة «مسلم» فلا أستطيع أن أعتبرك مسلماً وأن أُزوّجك بها.
قذفتها في وجهه قذفة واحدة. إلى متى أصبر؟ فلم يكن منه إلاّ أن ستر غضبه بالضحك، وقديماً قالوا: «شرّ البلية ما يُضحِك». قال: ولكن القاضي الشيخ مرشد يقول غير ذلك. فتنبّهت إلى أنها إحدى هِناته وأنه يريد أن يهرب من هذا المأزق فرماني أنا فيه، فقلت أردّ كُرَتَه إليه كما يكون في الملعب. وقلت للرجل: إن الذي قال بأن الدروز غير مسلمين هو جدّ الشيخ مرشد، وهو ابن عابدين في كتابه الذي يُرجَع في الفتوى إليه وهو الحاشية المعروفة. فاذهب إلى الشيخ مرشد وقل له أن يمحو هذه الكلمة من كتاب جدّه أو أن يدبّر هو الأمر.
стр. 1540
قال: صحيح؟ قلت: نعم، وانتظر قليلاً. وذهبت وجئته بالحاشية وبالكلمة المدوَّنة فيها عن الدروز وأمثالهم من الفرق، فذهب إليه.
وأرجو ألاّ يغضبَ من هذا الكلام أحدٌ من الناس، فأنا لا أحكم على كل من انتسب إلى الدروز وعلى كل من وُلد في أسرة درزية، فالله لا يحاسبنا بأنسابنا ولكن يحاسبنا بما نعتقده بقلوبنا وما نعمله بجوارحنا، فمَن كان يعتقد العقائد المدوَّنة في كتب الفرق المعروفة المنسوبة إلى الدروز وأمثالهم يكون غير مسلم، ومن كان متّبعاً الإسلام معتقداً عقائده ومؤدّياً فرائضه مجتنباً محرّماته، ولكن أباه أو جدّه كان درزياً أو أنه وُلد من أسرة درزية فلا شيء عليه، وهو أخ لنا له ما لنا وعليه ما علينا. ولقد كان ابن أبي جهل من المسلمين الطيّبين وأبوه أبو جهل فرعون هذه الأمة. فلا ينفع الشقيَّ العاصي الكافر صلاحُ أبيه أو جدّه ولا يضرّ الصالحَ التقيّ المؤمن كُفرُ أبيه أو جدّه.
وأنا هنا لتسجيل ذكرياتي ولبيان حكم الله، والذكرياتُ المدارُ فيها على الصدق، فمَن أمسك عليّ كذبة متعمَّدة فلينبّهني إليها، فإن لم أعتذر منها وأرجع عنها كان الحقّ له عليّ. أمّا حُكم الله فهو حُجّة على الكبير والصغير؛ كتابُ الله وسنّة رسوله والثابتُ المُجمَع عليه من شريعته حُجّةٌ على الناس كلهم، وما في الناس كلهم أحد يكون حُجّة على الشرع.
* * *
стр. 1541
-١٢٥ -
بعض ما صنعت في محكمة دمشق
كنت قبل أن ألي القضاء وبعد أن أنهيت عهد الطلب وأيام الدراسة، كنت عاكفاً على كتب الأدب والتاريخ، قلّما أنظر في كتاب فقه أو أصول إلاّ إن احتجت إلى مراجعة مسألة أو تحقيقها. ولكني كنت على ذلك أقرأ في اليوم عشرين أو ثلاثين صفحة من مثل كتاب «الخراج» لأبي يوسف أو كتاب «الأم» للشافعي أو «المبسوط» للسَّرَخْسي، لا لاستيعاب ما فيه ولكن إعجاباً بأسلوبه واستئناساً ببلاغة عبارته وسلامة لغته. كذلك كانت كتبنا الأولى، ثم فسد الأسلوب وغلبَت عليه العُجمة وبَعُدَ عن السليقة العربية، وتفرّع عن ذلك الأسلوب قراراتُ المحاكم ووثائقُها فمالت إلى التطويل الذي لا داعي له والتكرار المملّ، على ما فيها من الركاكة والضعف، حتّى صار يُضرَب المثل بها، فمَن رأى رسالة طويلة زادت عن حدّها قال: إنها ليست رسالة ولكنها حُجّة شرعية!
وكانت الحُجَج تُكتب على ورق سميك وتُلَفّ لفاً تبدو معه كأنها قنبلة أو عصاً غليظة تهشّم رأس قارئها! ثم تهذّبَت حواشيها قليلاً قبل استلامي محكمة دمشق ولكنْ بقيَت مليئة بالحشو
стр. 1542
والتطويل، فكان أول ما صنعت أن استحدثت صِيَغاً جديدة في الوثائق، مختصَرة واضحة جامعة للشرائط على اختصارها، صحيحة اللغة على وضوحها، لا تكاد تزيد عن عشرة أسطر إلى عشرين سطراً.
واتّبع ذلك مَن جاء بعدي واستمرّ أكثرُه حتّى الآن، ولا يكاد يدري أحدٌ مَن وضع هذا الأسلوب الجديد إلاّ مَن فتح الدفاتر القديمة وقابل أسلوب الوثائق الذي كان فيها قبلي بالأسلوب الذي استُحدث على عهدي واستمرّ بعدي.
وبمناسبة الكلام عن الوثائق أعود إلى ذكر شيء طالما أبدأت فيه وأعدت وكتبت وخطبت، أنبّه إلى ثروة عظيمة أخاف عليها أن تضيع، وأحسب أنها قد ضاعت الآن؛ تلك هي «الوقفيّات». عندنا في المحكمة الشرعية وقفيات من مئتين أو من مئة وخمسين سنة أو من مئة سنة، فيها من تاريخ البلد العمراني وخُطَطه، ومن وصف دمشق وحاراتها وأحيائها، وذكر وُلاتها وحكّامها، ووصف دورها ومساجدها، وذكر القُرى التابعة لها ... فيها من ذلك شيء كثير لم يَعُد يعرفه منّا إلاّ القليل، تُستخرَج منه عشرون رسالة جامعية تُنال بكل واحدة منها أعلى الشهادات؛ فهي كنز لا يُقدَّر بثمن ولا تُغني عنه التواريخ المطبوعة، لأن فيها ما لا تحتويه هذه التواريخ.
كانت هذه الوقفيات أدلّة شرعية لأصحاب الحقوق، فلما ألغى حسني الزعيم الأوقاف الذرية (التي تُسمّى في مصر بالأوقاف الأهلية) وصفّاها ووزّعها على مستحقّيها من غير دليل
стр. 1543
شرعي يستند إليه ويعتمد عليه، لم تبقَ لها قيمة مادّية وصَفَتْ للتاريخ والعلم. لذلك خفتُ أن تضيع وبذلت ما أستطيع من جهد، بلساني وبقلمي، فكتبت إلى وزارة المعارف وإلى الجامعة وإلى المَجْمع العلمي، وندبت الناس إلى الاحتفاظ بها خوف ضياعها، فلم يُصغِ إليّ أحد، وأخشى أن تكون الآن قد ضاعت، وحينئذ لا تكفي موازنة الدولة لخمس سنين لتعويضها لأنها كنز لا يُعوَّض.
* * *
كان أعرض باب يدخل منه المفسدون والطامعون بأموال الناس هو قضايا الأيتام الذين ليست لهم أهليّة الدفاع عن أنفسهم ولا يملكون التصرّف بأموالهم. وليس عندنا إلاّ قانون عثماني قديم مستمَدّ في الأصل من المذهب الحنفي.
والمسائل الفرعية في الشرع التي تشتمل عليها كتب الفقه منها ما هو مبدأ ثابت بالنص لا يؤثّر فيه تحوّل الأحوال وتبدّل الأوضاع، وهذا الذي تنطبق عليه القاعدة الشرعية المعروفة: «لا مجال للاجتهاد مع ورود النصّ»، وقسم هو تطبيق لهذا المبدأ، يتبدّل بتبدّل الأزمنة والأمكنة، وهذا الذي تنطبق عليه القاعدة الأخرى: «لا يُنكَر تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان».
مرّ على قانون الأيتام دهر طويل تغيرَت فيه أوضاع الناس وهو باقٍ على حاله، كأنه ثوبٌ خِيطَ للولد الصغير على مقاسه، كان مناسباً له، ثم كبر الولد فضاق عنه الثوب! كان هذا القانون يقضي ببيع التركة كلها إن كان في الورثة قاصر وتقسيم الثمن
стр. 1544
وحفظ حصّة القاصر في صندوق الأيتام.
وقد وردَت عليّ معاملة أول عهدي بالمحكمة لقاصر مات أبوه وكانت له دُكّان بقالة، أي أنه كان سَمّاناً في القصاع (في حارة النصارى). فقوّمنا الدكّانَ وما كان فيها فبلغ ألفاً وأربعمئة ليرة، وهي بحساب تلك الأيام مبلغ كبير. ولكن المورد الشهري للدكّان كان نحو أربعمئة ليرة، كسباً خاصاً. ففكّرت: كيف أبيع الدكّان بموردها في ثلاثة أشهر؟ بقرة تحلب لي كل يوم، هل أبيعها بثمن لبنها في ثلاثة أيام أو أربعة؟!
وعرضت القضية على مجلس الأيتام الذي كانت لي (أي للقاضي) رياسته وسألتهم رأيهم، فأبدوا آراءهم ثم قالوا (كما هي العادة): الرأي ما تراه. قلت: أنا عليّ أن أنفّذ حُكم القانون ولو خالفت طريق الحقّ الظاهر وآذيت القاصر، ولو عملت ما لا يعمله عاقل في ماله لو كان هذا المال ماله. قالوا: فكيف نصنع إذن؟ قلت: هذا القانون لم ينزله الله وحياً من عنده ولم يأمر به رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، ولكنْ وضعه أناسٌ أرادوا الخير فحققوه في أيامهم، ثم ظهر أنه يُضيع ما أرادوا من الحق لمّا تغيرَت الأيام، وعلينا نحن أن نُرضي الله وأن نحقّق العدل، ولو خالفنا هذا القانون البشري، فما رأيكم؟ قالوا: نحن معك.
فجئت بالرجل الذي أقامه الميت في حياته مديراً لهذا المحل، فتعاقدت معه -بوصفي وليّ القاصر القانوني- على أن يستمرّ في إدارة المحلّ، وأن يكون الربح مناصفةً بينه وبين القاصر، بشرط ألاّ يقلّ الربح عن الحدّ الذي هو عليه الآن
стр. 1545
وأن يتعهد بدفع الفرق من ماله إذا قلّ الربح بغير إرادته، أو أن يراجعني لفسخ هذا العقد الذي بيننا وبينه.
ولم يكن قرار القاضي في المعاملات الإدارية خاضعاً لاستئناف ولا لتمييز (أي لنقض)، إلاّ أن يشتكي أصحاب العلاقة فتنظر الوزارة في شكواهم. ولم يتفق -بحمد الله- أن رُفعَت عليّ شكوى في مثل هذه المعاملات.
هذا الذي عملتُه وحملتُ تَبِعتَه مخالفاً به نص القانون صار هو السنّة المتبَعة في مثل هذه الحال، ومشَت عليه المحكمة حتّى بعد أن تركتها وخرجت منها، ولم يعُد يشكّ أحدٌ بأنه إجراء قانوني، مع أنه في الأصل مخالف لهذا القانون!
وسأبيّن لكم أنني لمّا وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية (وأُوفِدت بسببه سنة كاملة إلى وزارة العدل في مصر، شاركت فيها في جلسات اللجان التي تضع القوانين المستمَدّة من الشرع للمحكمة الشرعية) عدّلت كثيراً من أحكام هذا القانون.
* * *
ومن غرائب قضايا الأيتام التي عُرضت عليّ أوائل عهدي في المحكمة أنّ شيخاً جليلاً من علماء الشام تُوفّي، وكان له ورثةٌ كبيرُهم طالب علم ظاهره ظاهر أهل الصلاح، وهو مدرّس من مدرّسي وزارة المعارف. وكان ممّا ترك عمارة فيها قبو نصفه تحت الأرض فوقه دور أرضي، فوقهما دوران، الأول والثاني.
جاءني هذا المعلّم فقدّم مقدمة طويلة ألقاها بكلا شدقَيه