← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

-١٢٥ - بعض ما صنعت في محكمة دمشق كنت قبل أن ألي القضاء وبعد أن أنهيت عهد الطلب وأيام الدراسة، كنت عاكفاً على كتب الأدب والتاريخ، قلّما أنظر في كتاب فقه أو أصول إلاّ إن احتجت إلى مراجعة مسألة أو تحقيقها. ولكني كنت على ذلك أقرأ في اليوم عشرين أو ثلاثين صفحة من مثل كتاب «الخراج» لأبي يوسف أو كتاب «الأم» للشافعي أو «المبسوط» للسَّرَخْسي، لا لاستيعاب ما فيه ولكن إعجاباً بأسلوبه واستئناساً ببلاغة عبارته وسلامة لغته. كذلك كانت كتبنا الأولى، ثم فسد الأسلوب وغلبَت عليه العُجمة وبَعُدَ عن السليقة العربية، وتفرّع عن ذلك الأسلوب قراراتُ المحاكم ووثائقُها فمالت إلى التطويل الذي لا داعي له والتكرار المملّ، على ما فيها من الركاكة والضعف، حتّى صار يُضرَب المثل بها، فمَن رأى رسالة طويلة زادت عن حدّها قال: إنها ليست رسالة ولكنها حُجّة شرعية! وكانت الحُجَج تُكتب على ورق سميك وتُلَفّ لفاً تبدو معه كأنها قنبلة أو عصاً غليظة تهشّم رأس قارئها! ثم تهذّبَت حواشيها قليلاً قبل استلامي محكمة دمشق ولكنْ بقيَت مليئة بالحشو

стр. 1542

والتطويل، فكان أول ما صنعت أن استحدثت صِيَغاً جديدة في الوثائق، مختصَرة واضحة جامعة للشرائط على اختصارها، صحيحة اللغة على وضوحها، لا تكاد تزيد عن عشرة أسطر إلى عشرين سطراً. واتّبع ذلك مَن جاء بعدي واستمرّ أكثرُه حتّى الآن، ولا يكاد يدري أحدٌ مَن وضع هذا الأسلوب الجديد إلاّ مَن فتح الدفاتر القديمة وقابل أسلوب الوثائق الذي كان فيها قبلي بالأسلوب الذي استُحدث على عهدي واستمرّ بعدي. وبمناسبة الكلام عن الوثائق أعود إلى ذكر شيء طالما أبدأت فيه وأعدت وكتبت وخطبت، أنبّه إلى ثروة عظيمة أخاف عليها أن تضيع، وأحسب أنها قد ضاعت الآن؛ تلك هي «الوقفيّات». عندنا في المحكمة الشرعية وقفيات من مئتين أو من مئة وخمسين سنة أو من مئة سنة، فيها من تاريخ البلد العمراني وخُطَطه، ومن وصف دمشق وحاراتها وأحيائها، وذكر وُلاتها وحكّامها، ووصف دورها ومساجدها، وذكر القُرى التابعة لها ... فيها من ذلك شيء كثير لم يَعُد يعرفه منّا إلاّ القليل، تُستخرَج منه عشرون رسالة جامعية تُنال بكل واحدة منها أعلى الشهادات؛ فهي كنز لا يُقدَّر بثمن ولا تُغني عنه التواريخ المطبوعة، لأن فيها ما لا تحتويه هذه التواريخ. كانت هذه الوقفيات أدلّة شرعية لأصحاب الحقوق، فلما ألغى حسني الزعيم الأوقاف الذرية (التي تُسمّى في مصر بالأوقاف الأهلية) وصفّاها ووزّعها على مستحقّيها من غير دليل

стр. 1543

شرعي يستند إليه ويعتمد عليه، لم تبقَ لها قيمة مادّية وصَفَتْ للتاريخ والعلم. لذلك خفتُ أن تضيع وبذلت ما أستطيع من جهد، بلساني وبقلمي، فكتبت إلى وزارة المعارف وإلى الجامعة وإلى المَجْمع العلمي، وندبت الناس إلى الاحتفاظ بها خوف ضياعها، فلم يُصغِ إليّ أحد، وأخشى أن تكون الآن قد ضاعت، وحينئذ لا تكفي موازنة الدولة لخمس سنين لتعويضها لأنها كنز لا يُعوَّض. * * * كان أعرض باب يدخل منه المفسدون والطامعون بأموال الناس هو قضايا الأيتام الذين ليست لهم أهليّة الدفاع عن أنفسهم ولا يملكون التصرّف بأموالهم. وليس عندنا إلاّ قانون عثماني قديم مستمَدّ في الأصل من المذهب الحنفي. والمسائل الفرعية في الشرع التي تشتمل عليها كتب الفقه منها ما هو مبدأ ثابت بالنص لا يؤثّر فيه تحوّل الأحوال وتبدّل الأوضاع، وهذا الذي تنطبق عليه القاعدة الشرعية المعروفة: «لا مجال للاجتهاد مع ورود النصّ»، وقسم هو تطبيق لهذا المبدأ، يتبدّل بتبدّل الأزمنة والأمكنة، وهذا الذي تنطبق عليه القاعدة الأخرى: «لا يُنكَر تبدّل الأحكام بتبدّل الأزمان». مرّ على قانون الأيتام دهر طويل تغيرَت فيه أوضاع الناس وهو باقٍ على حاله، كأنه ثوبٌ خِيطَ للولد الصغير على مقاسه، كان مناسباً له، ثم كبر الولد فضاق عنه الثوب! كان هذا القانون يقضي ببيع التركة كلها إن كان في الورثة قاصر وتقسيم الثمن

стр. 1544

وحفظ حصّة القاصر في صندوق الأيتام. وقد وردَت عليّ معاملة أول عهدي بالمحكمة لقاصر مات أبوه وكانت له دُكّان بقالة، أي أنه كان سَمّاناً في القصاع (في حارة النصارى). فقوّمنا الدكّانَ وما كان فيها فبلغ ألفاً وأربعمئة ليرة، وهي بحساب تلك الأيام مبلغ كبير. ولكن المورد الشهري للدكّان كان نحو أربعمئة ليرة، كسباً خاصاً. ففكّرت: كيف أبيع الدكّان بموردها في ثلاثة أشهر؟ بقرة تحلب لي كل يوم، هل أبيعها بثمن لبنها في ثلاثة أيام أو أربعة؟! وعرضت القضية على مجلس الأيتام الذي كانت لي (أي للقاضي) رياسته وسألتهم رأيهم، فأبدوا آراءهم ثم قالوا (كما هي العادة): الرأي ما تراه. قلت: أنا عليّ أن أنفّذ حُكم القانون ولو خالفت طريق الحقّ الظاهر وآذيت القاصر، ولو عملت ما لا يعمله عاقل في ماله لو كان هذا المال ماله. قالوا: فكيف نصنع إذن؟ قلت: هذا القانون لم ينزله الله وحياً من عنده ولم يأمر به رسوله الذي لا ينطق عن الهوى، ولكنْ وضعه أناسٌ أرادوا الخير فحققوه في أيامهم، ثم ظهر أنه يُضيع ما أرادوا من الحق لمّا تغيرَت الأيام، وعلينا نحن أن نُرضي الله وأن نحقّق العدل، ولو خالفنا هذا القانون البشري، فما رأيكم؟ قالوا: نحن معك. فجئت بالرجل الذي أقامه الميت في حياته مديراً لهذا المحل، فتعاقدت معه -بوصفي وليّ القاصر القانوني- على أن يستمرّ في إدارة المحلّ، وأن يكون الربح مناصفةً بينه وبين القاصر، بشرط ألاّ يقلّ الربح عن الحدّ الذي هو عليه الآن

стр. 1545

وأن يتعهد بدفع الفرق من ماله إذا قلّ الربح بغير إرادته، أو أن يراجعني لفسخ هذا العقد الذي بيننا وبينه. ولم يكن قرار القاضي في المعاملات الإدارية خاضعاً لاستئناف ولا لتمييز (أي لنقض)، إلاّ أن يشتكي أصحاب العلاقة فتنظر الوزارة في شكواهم. ولم يتفق -بحمد الله- أن رُفعَت عليّ شكوى في مثل هذه المعاملات. هذا الذي عملتُه وحملتُ تَبِعتَه مخالفاً به نص القانون صار هو السنّة المتبَعة في مثل هذه الحال، ومشَت عليه المحكمة حتّى بعد أن تركتها وخرجت منها، ولم يعُد يشكّ أحدٌ بأنه إجراء قانوني، مع أنه في الأصل مخالف لهذا القانون! وسأبيّن لكم أنني لمّا وضعت مشروع قانون الأحوال الشخصية (وأُوفِدت بسببه سنة كاملة إلى وزارة العدل في مصر، شاركت فيها في جلسات اللجان التي تضع القوانين المستمَدّة من الشرع للمحكمة الشرعية) عدّلت كثيراً من أحكام هذا القانون. * * * ومن غرائب قضايا الأيتام التي عُرضت عليّ أوائل عهدي في المحكمة أنّ شيخاً جليلاً من علماء الشام تُوفّي، وكان له ورثةٌ كبيرُهم طالب علم ظاهره ظاهر أهل الصلاح، وهو مدرّس من مدرّسي وزارة المعارف. وكان ممّا ترك عمارة فيها قبو نصفه تحت الأرض فوقه دور أرضي، فوقهما دوران، الأول والثاني. جاءني هذا المعلّم فقدّم مقدمة طويلة ألقاها بكلا شدقَيه

стр. 1546

متفاصحاً بها. وقد كان الرسول ﵊ يكره المتشدّقين المتفيقهين، أي الذين يملؤون بالكلام أفواههم ويدفعونه من شدقَيهم ولا يتكلّمون كما يتكلّم الناس. قال بعد هذه المقدّمة إنه يخاف أن يأكل حقّ الأيتام ويريد أن يخرج بأوكس النصيبين في الدنيا، يظلم نفسه لئلاّ يحمل إثم ظلم القاصرين، ولذلك قسم العمارة قسمَين متساويَين أعطى القُصَّر أفضلَهما (وهو القبو والدور الأرضي) وأخذ هو الدورَين العُلويّين. وأنا -كما قلت لكم- أجهلُ الناس بأمثال هذه الأمور، ولكن الله لمّا استهديتُه ورجعت إليه مُقِراً بضعفي ألهمني وجهَ الصواب وبصّرني، فقلت له: اكتب ما تقول ووقّعْ على أن الاثنين متعادلان، وأنّ خيرهما ما اخترتَه للقاصرين. فكتب ذلك بخطّه ووقّعه. فلما صارت الورقة بيدي قلت له: أنا وكيل الأيتام، لذلك أدَعُ لك القسم الأغلى الذي هو القبو والدور الأرضي وآخذ القسم الأقلّ للقاصرين، وهو الدوران العُلويّان. لا أزال أتذكّر بعد خمس وثلاثين سنة من هذا الحادث، لا أزال أتصور وجهه لمّا قلت له ذلك. لقد رأى أن الله قد كشف كيده وأنه أراد بالأيتام ضراً فوقع الضرر عليه، ولم يستطع أن يقول شيئاً. وخرج وقد كان هو الخاسر وكان الأيتام الرابحين. وكان أحد إخواننا القُضاة الأذكياء الأقوياء قد أُحيلَ إلى التقاعد (على المعاش) فاختار مهنة المحاماة، وجاءني يوماً في قضية لأيتام كان أبوهم يعمل مخلّصاً جمركياً في محطّة الحجاز، وهي التي يبدأ منها الخطّ الحجازي في دمشق، وكان مقرّ كبار المخلّصين فيها.

стр. 1547

كان في الورثة أيتام، فجاءني يعرض عليّ أن أقوّم التركة وأن آخذها كلها للأيتام ولا أدع لموكّله شيئاً. فعجبت من ذلك وتنبّهت إلى ذكاء هذا المحامي والقاضي القديم وإلى مقدرته وسعة حيلته، ففكّرت في الأمر فقلت له: يا أستاذ، إن التركة كلها هي هذه الطاولة والكراسي والخزانة الخشبية والمكان المستأجَر الذي كان يعمل فيه المورّث، وأنا الوكيل عن الأيتام أدع هذا كله لموكِّلك وآخذ اللوحة فقط التي فيها الاسم وأكتفي بها. فعرف أني كشفت سرّه. وراح يداورني وأنا ثابت مكاني حتّى اضطُرّ إلى القبول. من أين اهتديت إلى ما قلت؟ لمّا ذهبت إلى مصر أول مرّة للدراسة سنة ١٩٢٨ (وقد مرّ بكم خبر ذلك) سمعت أن «أورزديباك» قد اشترى اسم التاجر المصري المشهور «عمر أفندي». ولم نكن نعرف من قبل أن الأسماء تُباع وتُشترى، فقرنت هذه بتلك، ورأيت أن هذا المخلّص إنما كان يعمل باسمه التجاري، وزبائنه مرتبطون بهذا الاسم لا بالمكتب الذي كان يقعد إليه ولا بالكراسي ولا بالخزانة ولا بالغرفة التي كان يسكنها، فرأس ماله إذن وثروته كلها في هذا الاسم، لذلك أصررت على أن يكون الاسم للقُصَّر. ثم انتهينا إلى نوع من الشركة في الاسم بين موكّل الأستاذ البالغ الراشد وبين القُصَّر، كان لهم فيها بحمد الله نصيب الأسد. وأنا لست من أهل الخبرة بشؤون الحياة، ولكنني كنت -والحمد لله- إذا سمعت خبراً أو رأيت حادثة استخلصت منها

стр. 1548

العِبرة فاحتفظت بها في ذاكرتي. ولقد كنت ذهبت من قديم مع شيخنا الشيخ بهجة البيطار ﵀ إلى عمارة كان أكثرها لأيتام هو الوصيّ عليهم، وقد تعاقد مع مقاول على أن يُنهي بناء هذه العمارة، أي على أن يكسوها بعد أن أقام هيكلها، فوجدت رجلاً من أدْعياء الصلاح والدين، ليّن اللسان قاسي القلب، حلو الكلام ولكنه مُرّ المعاملة، يقصّر في العمل ولكنه إذا رأى الشيخ أسرع فقبّل يده، وكلّما لامه قال له بلهجته المعسولة ولكن عسلها مشوب بالسمّ: يا سيدي أنت شيخنا، تأمرنا أمراً، هل نستطيع أن نخالف أمرك؟ أنا تلميذك وخادمك وربي سيؤاخذني إن قصّرت في حقّ الأيتام، لذلك أبذل طاقتي كلها في خدمتهم والعمل لهم ... وأمثال هذا الكلام الذي لا يأتي من بعده عمل. تذكّرت ذلك لمّا عرضَت عليّ قضية لأيتام أبوهم مقاول يشتغل بالبناء، فلما أحصيت التركة كان للأيتام عمارة صغيرة لم يتمّ بناؤها، فعرض إخوتهم الكبار أن نقدّر نحن نفقات إتمام البناء وأن يتمّوه على حسابهم ثم يسلّموه إلينا. هنا ذكرت قصّة مقاول الشيخ بهجة ﵀، فقلت لهم: بل نقوّم البناء ونأخذه بحالته الحاضرة ونأخذ الباقي نقداً، ونحن (أي دائرة الأيتام) نقوم بإنجازه وإتمامه. وكان ذلك، واستعنت بإخواننا الذين يعرفون هذه الأمور ويراقبون الله ولا يأخذون على ذلك أجراً، كالشيخ عبد القادر العاني رحمة الله عليه، الذي أفاد القُصَّر في هذه وفي عشرات غيرها فوائد أسأل الله له الآن -وقد ذهب للقائه- أن يجزل له

стр. 1549

ثوابها. وكان ذلك، فوفّرنا على القاصرين مالاً كثيراً وأبعدناهم عن الغشّ الذي كان يمكن أن يقعوا فيه. * * * ولو ذهبت أحصي حوادث الأيتام التي عرضت عليّ في المحكمة لطال الكلام وملّ منه القُرّاء، على أنني قد نسيت أكثرها لبُعد العهد وضاعت مني تفاصيلها، وأسأل الله ألاّ يضيع عليّ ثوابها. ولا أزكّي نفسي، ولكن أقول إنني عملت ذلك احتساباً ورجاءَ ثواب الله، ما نالني منه إلاّ خصومات وعداوات مع الذين أصابهم الضرر أو ضاعت منهم منفعة كانوا يرجونها من هذه القضايا. وجدت قضايا الأيتام من أثقل تَبِعات القضاء، لأن الله شدّد الوعيد على آكلي أموال الأيتام وعلى مُؤكليها مَن لا يستحقّها، وبيّن أن هؤلاء لا يأكلونها وإنما يأكلون في بطونهم ناراً. والخطر على الأيتام ليس أكثره من المحكمة ومن موظفيها ولكن من الأوصياء ومن الوسطاء، وإن كان موظفو المحكمة -إن لم يخشوا الله- عاملاً من عوامل الإفساد. والخطر فيها ليس مالياً فقط بل هو خطر أخلاقي، رأيناه في الشام كما رأيته في مصر لما أقمت فيها سنة ١٩٤٧ وطرفَي السنة التي قبلها والتي بعدها، وكان عملي فيها متصلاً بالمحكمة الشرعية وبالمجلس الحسبي. ذلك أن المراجِعات في قضايا الأيتام هُنّ الأمهات، وهُنّ في حالات كثيرة من الصبايا الجميلات ومن اللاتي فقدن الأزواج بعد

стр. 1550

أن ذُقن متعة الزواج، فمن هنا تَقوى النفسُ الأمّارة بالسوء ويُفتَح للشيطان باب يدخل منه، إن لم يقف أمام النفس وأمام الشيطان إيمان بالله قوي وعون من الصالحين على دفع كيد المفسدين. وأنا أعلم أن المرأة ولو كانت غير صالحة لا تخطو أبداً الخطوة الأولى في طريق الإثم، ولكنها تتبع الرجل إذا مشى أمامها إليه أو قادها من ورائها وسهّل لها بلوغه. لذلك اخترت كاتباً ديّناً جدياً قوي الشكيمة مستقيم السيرة متزوجاً محصَناً، فجعلته «مدير الأيتام». وكانت أموال الأيتام -عملاً بالقانون القديم- تُعطَّل، والمال المعطَّل تفنيه النفقات أو تأكله على المدى الطويل الزكاة (لذلك كان من حكمة الزكاة أنها تدفع إلى تشغيل المال واستثماره). والشرع يمنع تعريض مال اليتيم لما فيه احتمال الخسارة، وعمل الوصيّ أو النائب عن اليتيم هو زيادة المال لا نقصه، فلا يجوز له أن يتاجر به فضلاً عن أن يتبرع به أو يهبه. وكان القانون القديم يأذن بأن تُقرَض أموال الأيتام بالربا ويستند في ذلك إلى فتوى قديمة من أحد شيوخ الإسلام. ولقب «شيخ الإسلام» كان يُطلَق قديماً على كبار العلماء الموثوق بعلمهم وبدينهم فكان لقب تشريف، فصيّره العثمانيون لقب توظيف وجعلوا منصب شيخ الإسلام بمثابة وزير الشؤون الدينية في بعض البلدان في هذه الأيام، وكان يحضر مجلس الوزراء العثماني ويأتي في التشريفات بعد الصدر الأعظم (أي رئيس الوزراء) مباشرة. وقد تعاقب على هذا المنصب كثيرون جداً،

стр. 1551

منهم مَن كان عالماً عاملاً متّقياً لله متثبّتاً في دينه، ومنهم من كان موظفاً كبيراً كسائر كبار الموظفين. والإسلام لا يعترف بهذه الألقاب وليس فيه «إكليروس» كالذي عند النصارى. ولو أفتى شيخ الإسلام أو مفتي الأنام في حُكم من الأحكام من غير استناد إلى دليل شرعي وكانت فتواه خطأ ردّ عليه أحد العامة، بل استطاع غلامٌ أن يردّ على شيخ الإسلام؛ كالذي رُوي أن امرأة ردّت على عمر بن الخطاب (وما أدراكم مَن عمر؟) لمّا أراد أن يحدّد المهور، فرجع عمر إلى رأيها. ونحن -بحمد الله- لم نعمل في الشام بهذا القانون الذي يبيح إقراض أموال الأيتام بالربا، وإن عُمل به في الأردن مدّة من الزمان. فما العمل إذن بأموال الأيتام، وقد يجتمع فيها مبلغ كبير جداً ربما تجاوز المليون أو الملايين؟ فكّرت في هذا لمّا وليت أمر الأيتام، فاتخذنا وسائل تنفع اليتيم وأقمنا احتياطات لئلاّ يقع عليه الضرر. من ذلك أنني كنت أشتري لليتيم أسهُماً قوية يُستبعَد جداً أن تعرض لها الخسارة، كأسهم معمل الإسمنت في تلك الأيام أو الأسهم التي تكفلها الحكومة وتضمن لها حداً أدنى من الربح، أو نشتري له بها عقاراً -بعد الاستئناس بخبرة الخبراء- في مكان لا تنزل فيه أثمان العقارات، وأشباه ذلك، خوفاً من أن يتعطّل هذا المال وأن تضيع فائدته على الأيتام. * * *

стр. 1552

-١٢٦ - عقد الزواج في محكمة دمشق كان عندنا يومان كل أسبوع، إذا جاءا جاء معهما الزحام وجاءت الفوضى وأصوات الرجال وخليط من أحاديث النساء (والنساء في العادة يتكلّمن جميعاً معاً وتسمع كل واحدة ما تقول الأخرى) وضجيج الأولاد وصراخ الصغار وبكاء الأطفال! وانقلب صحن المحكمة المفروش بالرخام اللمّاع المزدان بالورد والزهر إلى ما لا يسرّ العين ولا يُرضي النفس؛ ذلك هو يوم عقود الزواج. نُجري فيه نحواً من ثلاثين عقداً أو أكثر من ذلك أحياناً، ويأتي مع كلّ عقد اثنان: الخاطب والمخطوبة، وأهله وأهلها، وأكثرهم معهم أولادهم، وربما جاء مع المرأة قريبتها أو جارتها ومع الرجل أبوه أو صديقه، ليروا المحكمة ويتخذوا من رؤية صحنها وجمال بنائها فرجة ينفّسون بها عن قلوبهم، وموضوعاً يتحدّثون به إلى أهليهم. ولم يكن عندنا نظام المأذون الشرعي المعروف في مصر وفي المملكة وغيرهما، وإنما يَعقد العقدَ القاضي أو مَن يأذن له

стр. 1553

به. فكان الذي يتولاّه فعلاً واحداً من اثنين: أحد كُتّاب المحكمة (وربما كان جاهلاً بشروط العقد وأحكامه) أو بعض المشايخ ممّن يختارهم القاضي، فيخطب خطبة طويلة تخرج من فمه ميتة يقرؤها قراءة تنوّم المستيقظ. والأصل في الخطبة أن توقظ النائم وتقيم القاعد وتثير الهمم وتبعث العزائم، وهذه الخطب التي تكون في العقد دواء الأرق، تأتي بالنوم لمن جفا عيونَه المنام! والخطبة سنّة ولكنها ليست شرطاً في صِحّة العقد، فكنا بين أمرين كلاهما أقرب إلى الشرّ: بين استعجال الكاتب الذي يضيع بعض شرائط العقد وتطويل الشيخ الذي يُذهِب بهاءه ويضيع فرحته. وكان الناس ينتظرون حتّى يأتي دور الواحد منهم، فيملّ الانتظار ويزيد الازدحام. فلما جئت رتّبت أولاً السبق إلى العقد بالسبق إلى المجيء إلى المحكمة، وأعطيت أصحاب المعاملات أرقاماً وربطت بالمعاملة أرقاماً مثلها (كما سبق بيان ذلك من حلقتين)، ثم عمدت إلى العقد الشرعي الأصلي الذي ليس فيه تطويل ولا تعقيد وليس فيه «طقوس» كالتي توجد عند الأمم الأخرى، وليس فيه ما نراه في مصر أحياناً من أخذ العاقد منديلاً أبيض وأمره المتعاقدَين بأن يتماسكا باليدين ويغطّي يديهما بالمنديل، حتّى صار الناس يظنّون وضع هذا المنديل الأبيض من شروط العقد، وما هو من شروطه ولا أصل له في الشرع أبداً. عقد الزواج في الإسلام أسهل عقد عرفه الناس من القديم إلى الآن، فإذا قال وليّ البنت بحضورها ورضاها للخاطب:

стр. 1554

زوّجتُك بنتي (أو موكِّلتي) على مهر مقداره كذا (معجَّلاً أو مؤجَّلاً)، وقال له الخاطب: قبلت، وشهد على ذلك شاهدان ... فقد صارت امرأته. هذا هو العقد في الإسلام؛ لا يُشترَط فيه إذن القاضي ولا حضور مندوب عنه، ولكن ذلك من الأمور التنظيمية التي تركها الشرع للحاكم المسلم، فهي من باب «المصالح المُرسَلة» التي لم يأمر الشرع بها ولم ينهَ عنها، فإن وجدنا المصلحة فيها وأمر الحاكم المسلم بها صار أمره واجب الاتّباع. وهذا التنظيم في الشام يقتضي أن يزوّج القاضي البنت إذا أكملَت السابعة عشرة من عمرها والشابّ إذا أكمل الثامنة عشرة من عمره. وليس معنى هذا أنّ زواج مَن كان دون هذه السنّ باطل شرعاً، ولكن الحاكم رأى في ذلك مصلحة فأمر الناس به فوجب اتّباعه، فمن خالف أمره لم يبطل زواجه ولكن أوقعنا عليه عقوبة مناسبة لمخالفته أمر الحاكم. فإذا ادّعى المراهق البلوغ بعد إكماله الخامسة عشرة أو المراهِقة بعد إكمالها الثالثة عشرة وطلبَت زواجها يأذن به القاضي إذا تبيّن له بمشاهدتهما صدق دعواهما واحتمال جسمَيهما، وإن كان الوليّ هو الأب أو الجدّ اشتُرِطت موافقته على ذلك. فكنّا نشاهد البنت الصغيرة بعد التثبّت من شخصها، تكشف عن وجهها. وكشف المرأة عن وجهها للشهادة لها أو عليها جائز شرعاً، على أن تتخَذ الاحتياطات التي تمنع وقوع الفتنة بهذا الكشف. وكنت في أحوال كثيرة أكتفي برؤيتها بحجابها إذا كانت

стр. 1555

متحجّبة من غير أن آمرها بأن تكشف عن وجهها، وإن كان الوجه في الأصل ليس عورة متفَقاً عليها ويجوز كشفه في بعض المذاهب، مع غضّ البصر، فإذا نشأ عن كشفه فتنة للمرأة أو عليها وجب ستره عند عامّة العلماء. وقد وقعت لي في هذا الباب حوادث طريفة. منها أنها جاءت مرّة معاملةٌ البنت فيها في الثالثة عشرة من عمرها، فبينت لمن قدّم الأوراق أنه لا بد من حضورها مع وليّها لمشاهدتها قبل الإذن بعقد زواجها. فلما كان اليوم التالي جاءني رجل طويل عظيم الخَلق عريض كأنه من بقايا قوم عاد أو من سلالة العماليق، قدّم نفسه إليّ على أنه أبو البنت، ثم جاء برجُل مثله كأنه صورة عنه فقال: هذا عمّ البنت، ثم جاء ثالث كأنه نسخة منهما لا يقلّ في طوله وعرضه عنهما وقال: هذا خال البنت، ثم جاءت امرأة متحجّبة، لولا أنها في حجابها وأنها امرأة وهُم رجال لقلت إنها صورة عنهم ونسخة منهم. قال: هذه أمها. ثم جاءت بنت في مثل جثّة الأم متحجّبة كأمها، قال: هذه البنت. فقلت بعد أن رأيت أباها وأمها وخالها وعمّها، وتيقنت أن الله أعطاهم بسطة في الجسم أو أنهم أسرة من الفِيَلة، قلت لهم: قد وافقت على إجراء العقد وهذا توقيعي على الأوراق. بنت ثلاث عشرة سنة أطول مني وأعرض! ورُبّ بنتِ ثلاث عشرة غيرها إذا وقفَت إلى جنبها لم يصل رأسها إلى كتفها، فليسَت العبرة إذن بالسنّ وحده؛ لذلك يُخطئ الذين يُسرِعون

стр. 1556

فيتكلّمون بلا علم ولا فهم عن زواج رسول الله ﵊، وهو أفضل البشر وهو سيد مَن أنصف وعدل، عن زواجه بالسيدة عائشة وهي بنت تسع سنين! هل رأوها؟ هل شاهدوا جسدها؟ ألا يمكن أن تكون مثل هذه البنت التي أحدّثكم الآن حديثها؟ ولو لم يكن أبوها (أبوبكر ﵁ ولا أمها مثل والدَي هذه البنت التي أتكلم عنها. * * * أرجعت العقد إلى وضعه الأصلي في الشرع، فبدلاً من أن يزدحم الناس في صحن المحكمة لينتظروا دَورهم في عقد الزواج جعلت العقد يتمّ في عشر دقائق: أتحقّق أولاً من رِضا البنت، فإن لمحت ما يدل على أنها مُكرَهة على الزواج أو رأيت فارقاً كبيراً في السنّ بينها وبين خاطبها، أو لمست من أبيها قسوة عليها في ملامحه أو في نظراته فهمت منها أنه يُجبِرها على ما لا تريد ... أي أنني كنت أستعين بفراسة المؤمن، فإذا ارتبت في الأمر أخذتها جنباً وسألتها بعد أن طَمْأنتها أن ما تقوله لي يبقى سراً بيني وبينها: هل هي راضية عن هذا الزواج أو أنها قد أُكرهت عليه إكراهاً؟ فإذا فهمت أنها غير راضية رِضاً قلبياً لم آذن بإجراء الزواج واعتللت لذلك بعلّة لا تُدني الشبهة من البنت فيغضب منها أبوها أو أمّها، وإن علمت رضاها رضاً حقيقياً ودلّت القرائن والظواهر على هذا الرِّضا أجريت العقد في دقائق، فسمّيت الله وحمدته من غير إطالة ولا إسهاب، وقلت للوالد: قُل للخاطب: زوجتك بنتي على مهر معجّله كذا ومؤجّله كذا، فيقول. وقلت للخاطب: قل:

стр. 1557

قبلت. فيقول قبلت، ويسمع ذلك الشاهدان، ويوقّع الجميع في صحيفة العقد من سجلّ العقود وينصرفون. فلا تكاد تمضي ثلاث ساعات أو أقلّ من النهار حتّى ننجز العقود جميعاً، وينصرف الناس راضين مسرورين. ولم أُحدِث في ذلك حدثاً ولا جئت بشيء جديد، ولكن رددت الأمر إلى نصابه وأعدته إلى وضعه الشرعي البعيد عن التكلّف وعن الرسميات وعن الإطالة التي لا معنى لها. * * * ولي مع الآباء حوادث منها ما هو طريف؛ ذلك أنني كنت خلال ولايتي القضاء أُلقي محاضرات في الثانويات أسدّ بها خلل الراتب وأُكمِل نقصه، وكُلِّفت أحياناً بالتدريس في بعض ثانويات البنات. ولست أوافق على هذا المبدأ ولا أسوّغ أن يدرّس شابّ بنات شابّات، فضلاً عن أن تدرّس امرأةٌ (كما حدث أخيراً في العراق أولاً، ثم في الشام ومصر) أن تدرّس فتاة طُلاّباً شباباً. كِلا الأمرين ممنوع شرعاً وعقلاً، ولكني مع ذلك درّست مدّة قصيرة في دار المعلّمات. ولم يكن في هيئة التدريس من الرجال غيري وغير شيخنا الشيخ بهجة البيطار، فكنا نعتزل النساء ونقعد على حدة، وكانت الطالبات من غير ضغط منّا ولا إلزام يتغطّين في درسي ودرس الشيخ، يسترن شعورهن بالخمار (بالإيشارب). فجاءت مرّة إحدى المدرّسات تسألني وتسأل شيخنا الشيخ بهجة -رحمة الله عليه- عن مسألة شرعية، وكانت كاشفة الوجه، وأظنّ أن كشفها لا

стр. 1558

يؤدّي إلى فتنة بها ولا عليها! ولستم تعرفونها ليكون كلامي عنها غيبة لها أو تشهيراً بها، امرأة لم يؤتِها الله أيسر حظّ من الجمال، والله يخلق ما يشاء ويختار. ذكرت هذه القصّة لأن هذه المدرّسة جاءتني في المحكمة ومعها شابّ أصغر منها، جميل الصورة مكتمل الشباب، يريد أن يعقد عليها عقداً شرعياً. فكلّفتها أن تأتي بأبيها، قالت: إنه ممتنع عن الموافقة على هذا الزواج. وهذا الامتناع من الوليّ إذا لم يكن له سبب مشروع كان عَضْلاً، والعضل ممنوع شرعاً. وفي مثل هذه الحال يدعو القاضي الوليّ فيسأله عن سبب امتناعه عن الموافقة، فدعوت به فلم يُبدِ سبباً مشروعاً، وقال خلال كلامه إن البنت لا تسكن معه ولا تعطيه شيئاً من مرتّبها. فقلت: هل أنت محتاج لهذا الراتب؟ قال: لا، بحمد الله، ولكن يجب عليها أن تعطيني شيئاً لأنني أبوها. قلت: إذا كانت لا تسكن عندك فأين تسكن؟ قال: غضب الله عليها، إنها تسكن مع هذا الشابّ في دار استأجرَتها لها وله! قلت: وكيف سكتّ عن سكناه معها وليس زوجاً لها ولا قريباً تربطه قرابة تُحِلّ له مساكنتها؟ قال: لقد عصَت أمري ولم أقدر عليها. قلت: فلماذا إذن لا توافق على زواجها به؟ إذا كنت قد رضيت مرغَماً على أن تقيم معه بالحرام أفلا ترضى أن تقيم معه بالحلال؟ قال: لا. فكلّمته ووعظته فلم يستمع مني. وكان عندي في المحكمة جماعة من العلماء ومن طلبة العلم يلازمونني في المحكمة،

стр. 1559

أكلّفهم بأعمال ينتفعون منها، كالتحكيم بين الزوجين إذا لم يكن في أهلهما من يصلح للتحكيم، وتقدير النفقات، والبحث والتحقيق عن بعض الأمور التي تحتاج إلى تحقيق. ولم يكونوا يَرزؤون المراجعين شيئاً من أموالهم إلاّ ما أقرّره أنا لهؤلاء المشايخ وطلبة العلم ضمن حدود الشرع والقانون. فوكّلتهم به ليحاولوا إقناعه، فأصرّ على موقفه ولم يتزحزح عنه. وتبيّن لي ولهم أن مقصده كلّه أن يمنع زواج البنت ليستأثر هو براتبها أو ليضع يده على قسط منه، فهو يخاف أن يأتي الزوج فينازعه فيما يأمله ويطمع فيه. عند ذلك استعملت حقّي فزوجتُهما بالولاية العامّة بعد أن تبيّن أن الوليّ الخاصّ عاضل لها. وإن كانت القاعدة الشرعية أنّ «الولاية الخاصّة أقوى من الولاية العامّة». وكنت أحرص دائماً على أن يصل المهر كاملاً إلى يد الزوجة فلا يغلبها عليه أبوها كما يفعل كثير من الآباء، يحسبون أن البنت نعجة يبيعونها ويقبضون ثمنها، ومنهم من يقول: "بنتي وأنا حرّ فيها"! لا يا أخانا، لست حراً فيها ولست مالكاً أمرها وليست بضاعة تبيعها وتشتريها، ولكن الشرع جعل لها شخصية حقوقية كاملة، وجعل لها إذا كانت بالغة راشدة أن تتصرف هي بمهرها. فالمهر لها وحدها لا لأبيها وأمها ولا لخالها ولا لعمّها. * * * وكان النظام الإداري للزواج في سورية أن تُقدَّم أوراق معيّنة، هي شهادة من المختار (أي العمدة) وعرفاء المحلّة بأنه لا يمنع مانع شرعي من هذا الزواج. وهذه الشهادة للتثبّت

стр. 1560

وللاطمئنان وليست شرطاً في صحّة الزواج، فإن تمّ الزواج من غيرها كان شرعياً لا شكّ فيه. ومن الأوراق التي تُربَط عندنا بمعاملة الزواج صورة مصدَّقة من قيد نفوس الطرفين وأحوالهما المدنية، لأن سجلّ الأحوال المدنية في الشام لكل رجل ولكل امرأة صفحة فيه، يدوَّن فيها تاريخ الولادة وتاريخ الزواج والطلاق والأولاد، ويتبيّن منها إن كان للزوج أربع زوجات وجاء يخطب الخامسة مثلاً. ومن هذه الأوراق شهادة من طبيب يختاره الطرفان بخلوّهما من الأمراض التي تسري من أحدهما إلى الآخر أو تنتقل بالوراثة إلى الأولاد، وللقاضي التثبّت من هذه الشهادة إذا شكّ فيها بمعرفة طبيب يختاره. وقد وجدت بالاستقراء والتتبّع خلال عملي الطويل في القضاء أن الأطبّاء، حتّى أصحاب الضمائر منهم، لا يتورعون من أن يعطوا شهادة بخلوّ الزوجين من الأمراض من غير فحص لهما. فكنت إذا شككت أسأل المخطوبة: هل راجعتِ الطبيب؟ فتقول: نعم. فأسألها عن اسمه فأجدها تحفظه أحياناً وتنساه أو لا تعرفه حيناً. فإن عرفَته قلت لها: أين عيادته؟ ومن أخذك إليها؟ وما صفته؟ أسأل عن هذا كله لأكشف كذب التقرير الطبّي إذا أعطاه الطبيب زوراً. ولقد أحلت جماعة من الأطبّاء ثبت أنهم أعطوا تقريراً بسلامة الخاطب والمخطوبة من الأمراض من غير فحص لهما أو نظر إليهما، أحلتُهم إلى النيابة العامّة ونالوا الجزاء

стр. 1561

القانوني. ثم اتفقت مع طبيب كبير من أصحاب الوجدان، كان أستاذاً لنا في مكتب عنبر، هو الدكتور جودة الكيال الذي مرّ ذكره في هذه الذكريات لمّا ذهب يكمل دراسته في لوزان مع أستاذنا الآخر الدكتور يحيى الشمّاع ومع شيخ الأطبّاء الدكتور حسني سبح رئيس مجمع اللغة العربية في دمشق الآن ... اتفقت مع الدكتور الكيال أن يفحص مَن أحيلُه إليه من الخُطّاب أو المخطوبات من غير أن يأخذ منهم شيئاً، تبرّع بذلك رحمة الله عليه تبرّعاً، ابتغاء لثواب الله ولكشف الكذب الذي ذمّه الله ولعن فاعليه. فاستقام بذلك الأمر، وصار الأطبّاء يتردّدون قبل أن يمنحوا التقرير الطبي بسلامة الخاطب والمخطوبة من الأمراض، وتحقّق بذلك غرض مَن وضع هذا القانون. وقد يقول قائل: هذه بدعة لم يعرفها السلف ولم يشترطها الفقهاء. وجوابنا عليها هو أن الوقاية خير من العلاج، وأن الاحتياط من الوقوع في الشرّ خير من دفعه بعد الوقوع فيه، وأن من الأمراض ما يسوّغ للمرأة أن تطلب الطلاق بعد إتمام العقد وبعد اللقاء الزوجي، فتنهدم بذلك أسرة ويتشرّد أعضاؤها. أفليس خيراً من هذا أن نتدارك الأمر قبل وقوعه؟ ثم إن هذا من باب المصالح المرسَلة؛ أي أن هذا الفحص الطبّي لم يأمر به الشرع ولم ينهَ عنه، فإذا تحقّقَت المصلحة فيه وأمر الحاكم المسلم به صار أمره واجباً شرعياً. وفرق ما بينه وبين الواجب الشرعي الأصلي أن ما أوجبه الله يبقى واجباً في كل زمان ومكان، وهذا الذي يأمر به الحاكم من المصالح المرسَلة يكون

стр. 1562

واجباً مؤقّتاً، ودليله قوله تعالى: ﴿وأطيعوا اللهَ وأطيعوا الرسولَ وأولي الأمرِ منكم﴾. جملة أطيعوا الله جملة مستقلّة، وجملة أطيعوا الرسول جملة مستقلّة، وشبه جملة أولي الأمر منكم معطوفة عليهما لا تُفهم إلاّ بذكرهما؛ فدلّ ذلك على أن وليّ الأمر إذا لم يكن منّا (كأن يكون كافراً غالباً على بلدنا أو يكون في الأصل منّا ولكنه اعتقد عقيدة أو فعل فعلاً يجعله مرتداً عن ديننا خارجاً من جماعتنا) فلا طاعة له ولا للكافر علينا. وإن كان وليّ الأمر منّا ولكنه يأمرنا بما يخالف كتاب ربنا وسنّة نبيّنا فلا نطيعه فيما خالفهما، لأن القاعدة العامّة عندنا أنه «لا طاعةَ لمخلوق في معصية الخالق». * * * كانت عقود الزواج تجري في المحكمة أو في دار أحد المتعاقدَين، والاختيار لهما، فمن أراد إجراء العقد في المحكمة لم يكلّفه شيئاً، وكان يستنفد منه وقتاً طويلاً ويحمّله عناء شديداً بالانتظار وبالزحام (فوفّق الله -وله الحمد- فقضيت على هذا كله وجعلت العقد سريعاً سهلاً)، ومن شاء عقْد عقدِه في الدار أوفَدْنا معه أحد الكُتّاب الذين يعرفون طرفاً من أحكام الفقه ويحيطون بشروط الزواج وأركانه، ويكونون من أهل اللطف والذوق فلا يُثقِلون على أصحاب العقد. أما خُطبة العقد فكان يتولاّها في الشام من القديم جماعة من علماء البلد ووجهائه. لمّا كُنّا صغاراً كان يخطب في العقود الكبيرة التي يجتمع فيها مئات من الناس جماعة معدودون،

стр. 1563

أذكر منهم شيخنا الشيخ بهجة البيطار والزعيم الوطني زكي بك الخطيب والأستاذ الخطيب الشيخ جودة المارديني، فلما كبرت أنا ضمّني الناس إليهم فصرت أخطب مع هؤلاء، وإن لم تكن سِنّي من أسنانهم ولا قَدْري من أقدارهم ولا علمي مماثلاً علمهم. ثم جاء بعدي بقليل الأستاذ أحمد مظهر العظمة رحمة الله عليه، فكان يخطب في بعض الحفلات ويخطب في بعضها الأستاذ محمد بن كمال الخطيب زميله وصديقه ورفيقه في إدارة جمعية التمدّن الإسلامي وتحرير مجلتها، ثم نبغ الخطيب البليغ المصقع الأستاذ عصام العطار، ثم جاء جماعة لست أحصيهم الآن. كانت حفلات الزواج الكبيرة كأنها نادٍ أدبي أو وطنيّ، تُلقى فيها الخطب الوطنية الاجتماعية العلمية ويعلو منبرَها أكابر القوم، ولست منهم، ولكنني خطبت في عشرات منها. أذكر منها الاجتماع الضخم يوم عَقْد أخينا في الله الخطيب البليغ المجاهد الذي احتمل مرضه في سبيل الله الشيخ الدكتور مصطفى السباعي ﵀، ويوم زواج أخي وولدي الأستاذ العالم الشيخ الدكتور محمد الصباغ، ويوم زواج أخي وصديقي الشيخ فخر الدين الحسني، وهو حفيد الشيخ بدر الدين الذي كنّا نسميه المحدّث الأكبر والذي طالما كتبت عنه في هذه الذكريات وفي غيرها. وقعَت لي يومئذ قصّة طريفة أحدّث بها لأنها إحدى الذكريات: ذكرت جدّه شيخ الشام المحدّث الأكبر الشيخ بدر الدين الحسني، وقلت أنه لم يُرزَق تلاميذ يحملون علمه وينقلون هذا الكنز من المعرفة عنه، فكأنه كان جنّة حُفّت بالمكاره ... وأمثال هذا الكلام. فلما انتهى الاحتفال قالوا لي: إن الشيخ رفيق

стр. 1564

السباعي يترصّدك عند الباب! والشيخ رفيق رجل فاضل ديّن من أخلص تلاميذ الشيخ بدر الدين، وكان طبيباً يحمل شهادة الطبّ من جامعة دمشق ولم يمارسه، وكان جسيماً وسيماً عرضُ كفّه كعرض كفَّيّ معاً، فقلت: إن خرجت أمسك بعنقي. فهربت واختفيت في الدار حتّى قالوا قد انصرف! مع أنه ﵀ ما كان يؤذي أحداً، وكان يُحبّ الناس وينصح لهم ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ولكن خُيّل إليّ أنني لما تكلمت عن تلاميذ الشيخ وهو منهم غضب مني. ومن حفلات الزواج الكبيرة التي أذكرها وخطبت فيها خطبة قال الناس إنها كانت موفَّقة، يوم زواج ولدنا قيس ابن أستاذنا أبي قيس عِزّ الدين التنوخي، الأديب العالم اللّغويّ العَروضي الذي جمع من المزايا ما لو وُزِّع على عدد من النابغين لخلد به ذكرهم. الأستاذ عزّ الدين كان دائماً مع الشيخ بهجة، وقد لزمتُهما مدّة طويلة واستفدت منهما. والأستاذ عزّ الدين التنوخي لم يُعطَ حقه من الكتابة عنه ومن دراسة أدبه، فقد كان سبّاقاً إلى أمور كثيرة؛ من ذلك ما ترونه الآن أو ما رأيتموه قبل قليل في الرائي (التلفزيون)، هذا البرنامج الذي يصوّر حياة الطلبة في إيطاليا (وقد نسيت عنوانه)، هو مقتبَس من كتاب ترجمه من قديم الأستاذ التنوخي، كتاب لم أرَ إلى الآن كتاباً أجود منه في وصف حياة الطلاّب ومشكلاتهم، وأفراحهم وأتراحهم وصلاتهم بأساتذتهم وبأهليهم، هو كتاب «قلب الطفل». ترجمه الأستاذ التنوخي رحمة الله عليه من قديم وطُبع في جزأين كبيرَين، ولكن

стр. 1565

لغته أعلى من أن تصل إليها أفهام التلاميذ، وكنت قد استأذنته في أن أسهّل عبارته وأن أكتب قصصه بأسلوب أقرب إليهم وأسهل عليهم، فأذن لي، ثم توفّاه الله وضعُفَت هِمّتي عن العمل. فلو أن أحد الأدباء الذين يُحسِنون الكتابة للتلاميذ يستأذنون ورثة الأستاذ التنوخي ويُعيدون كتابته بأسلوب سهل قريب، ليقدّموا بذلك للتلاميذ أكبر هدية فكرية. * * * وممّا كنت أصنع في محكمة دمشق (وأسأل الله أن يغفر لي الخطأ في عملي إن كنت أخطأت، لسلامة نيّتي وحسن مقصدي): كنت إذا جاءتني امرأة تدّعي الزوجية وكنت أعلم أنها تقيم مع المدّعى عليه على غير زواج تساهلت مع الشهود ولم أناقشهم على عادتي في مناقشة أمثالهم، وأثبتّ زوجيتها. وكنّا نُثبت الزواج بالتصادق بين الرجل والمرأة، فإذا جاء رجل وقال إن هذه المرأة هي زوجتي، وصادقَته على ذلك، أثبتنا الزوجية بينهما على المذهب الحنفي. وكنت أتساهل بذلك وأشجّع عليه ليعلم كلّ مَن يجرؤ على مساكنة امرأة بالحرام أنها سترتبط به برباط لا يستطيع فكّه، لذلك كنّا نُثبت الزوجية بالشهادة على أن الرجل والمرأة كانا يسكنان معاً في دار واحدة وكان يدخل عليها كما يدخل الرجل على زوجته ويخرج من عندها كما يخرج الرجل من عند زوجته. ولم نكن نخالف الشرع في ذلك، لأن الشهادة في الأصل لا تكون إلاّ عن عيان وعن حِسّ، فلا يجوز للمرء أن يشهد على شيء ممّا يرى

стр. 1566

أو يسمع إلاّ إذا رآه بعينه أو سمعه بأُذنه، إلاّ الشهادة على الزواج وعلى الوقف وعلى مسائل عدّها الفقهاء، فيجوز أن يُشهد بها على التسامع. أنا أشهد وأنتم تشهدون أن فاطمة بنت رسول الله ﵊ وعلى آله كانت زوجة لعليّ بن أبي طالب ﵁، وما حضرنا عقدهما ولا سمعنا الإيجاب والقبول، فالشهادة على الزواج بالتسامُع شهادة شرعية مسموعة. لم آتِ في ذلك بشيء جديد، ولكن تساهلي في إثبات هذا الزواج وترك حقّي في مناقشة الشهود كنت أريد به أن أردع الفُسّاق عن أن يساكن رجل امرأة لا تحلّ له بغير عقد شرعي. لمّا انتشر هذا بين الناس في السنوات التي بقيت فيها قاضياً في دمشق أقلع كثير منهم عن هذا الأمر القبيح، وصاروا يخافون أن يشهد على أحدهم مَن يراه وهو داخل على المرأة وخارج من عندها، فتثبت بذلك زوجيته لها. ومن طريف الحوادث أنها جاءتني مرّة وأنا في مجلس الحكم امرأة معها أولاد، تدّعي أنها زوجة للرجل الواقف موقف المدّعى عليه وأن هؤلاء أولاده، وهو يُنكِر ذلك. فكلفتها البيّنة فلم يكن معها أوراق تثبت الزواج ولا شهود يشهدون لها، وطلبت تحليفه اليمين، وكان الرجل -كما يبدو- قليل الدين، فحلف اليمين. فلما هممت بإعلان الحكم برفض دعواها بكت، فبكى الأولاد معها وصاح صغيرهم: "هيك يا بابا بتعمل مع ماما؟ "، وقال الأولاد الآخرون: "يابابا ليش ماما بتبكي؟ " ...

стр. 1567

فرأيت التأثر على وجه الرجل. فاغتنمت هذه اللحظة ووعظته وعظاً مؤثّراً خرج من قلبي فوقع في قلبه، فاعترف بأنها زوجته وأن هؤلاء أولاده، واستغفر الله من اليمين الكاذب وسألني: ماذا يفعل؟ قلت له: إن باب التوبة مفتوح، فإذا كنت قد ندمت حقاً (وقد ظهر عليك الندم) فانوِ واعزِم من الآن ألاّ تعود إلى مثلها، وأحسن معاملة امرأتك وأولادك، وأكثِر من الحسنات فإن الحسنات يُذهِبْنَ السيئات. وخرجوا جميعاً متصافين متراضين، والحمد لله رب العالمين. * * *

стр. 1568

-١٢٧ - الحياة الأدبية قبل نصف قرن (١) كتبت في عدد «الرسالة» الصادر يوم الإثنين ١٧ ذي القعدة سنة ١٣٥٤ مقالة عنوانها: «الحياة الأدبية في دمشق»، وصفتها فيها وصفاً موجَزاً شاملاً، فكتب عبد الوهاب الأمين في «الرسالة» (عدد الخامس عشر من ذي الحجّة ١٣٥٤) مقالة عن الحياة الأدبية في بغداد تعقيباً على مقالتي وتعليقاً عليها. وفي عدد السابع من المحرّم سنة ١٣٥٥ كتب حيدر موسى عن الحياة الأدبية في السودان، وفي عدد الرابع عشر من المحرّم كتب سامي الشقيقي عن الحياة الأدبية في لبنان، وفي عدد الواحد والعشرين من المحرّم كتب الأستاذ عبد المجيد شبكشي عن الحياة الأدبية في الحجاز، وفي عدد السادس من صفر كتب الأستاذ محمد تقي الدين النبهاني عن الحياة الأدبية في فلسطين، وفي عدد الثالث عشر من صفر كتب محمد عبد المجيد بن جلون عن الحياة الأدبية في المغرب، وفي عدد العشرين من صفر كتب الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن الحياة الأدبية في الحجاز، وفي عدد الرابع من ربيع الأول كتب جريس القسوس عن الحياة الأدبية في شرقي الأردن، وفي عدد الخامس والعشرين من ربيع

стр. 1569

الأول نُشرت مقالة في الرسالة أيضاً عن الحياة الأدبية في المغرب الأقصى للأستاذ ع. ك. (وأظنه الأستاذ عبد الله كنون)، وفي عدد العاشر من ربيع الثاني سنة ١٣٥٥ كتب محمد الحليوي عن الحياة الأدبية في تونس. والمقالات لها حظوظ كحظوظ الناس، منها الذي يقصر عمره ولا يكون له أثر، ومنها ما يطول عمره ويبعد أثره، كهذه المقالة التي كتبتها عن الحياة الأدبية في دمشق؛ قيّض الله لها مَن علّق عليها هذه التعليقات كلّها، التي يجيء منها صورة مُجمَلة للحياة الأدبية في البلاد العربية قبل نصف قرن. هذه المقالات كلها نُشرت في «الرسالة». ومجموعة «الرسالة» التي أملكها تنقص فيما تنقص الجزء الأول من سنة ١٩٣٦، وهو الجزء الذي نُشرت فيه هذه المقالات. وحاولت أن أصل إليها فتعذّر ذلك عليّ، فذكرتُه لمخرج برنامجي في الرائي ولدي السيد عبد الله رواس، فأرسل لي شاباً ذكياً طالباً في قسم الإعلام في جامعة أم القرى، وهو ابن أخيه عصام رواس، ليساعدني على جمعها. فلما أعلمتُه أنها في «الرسالة» صنع أكثر ممّا كنت أرتقب وما كنت أتمنّى، فصوّرها لي جميعاً وجاءني بها، وكتب في رأس كلّ مقالة تاريخ نشرها في الرسالة. فله ولعمّه الشكر. * * * وأنا هنا لا أنقل هذه المقالات كلها، ولا يتّسع لها مجال هذه الذكريات في الجريدة، ولكن أشير إلى أهمّ ما جاء فيها

стр. 1570

ليستفيد منه مَن يريد الاطلاع على حال الأدب في هذه البلاد العربية قبل خمسين سنة. كان ممّا قلت في مقالتي: لا شكّ أن «الرسالة» بسموّها عن الفكرة الإقليمية الضيقة، وفتحها أبوابَها لأبناء العربية جميعاً، ودعوتها إلى الاجتماع على التوحيد في العقيدة، والفضيلة في الأخلاق، والوحدة في السياسة، والصحّة في اللغة، والجمال في الأسلوب، والتجديد في الأدب، سيكون لها أثر كبير في تاريخ الصحافة العربية لِما سنّت من هذه السنّة الحسنة التي لم تعرفها من قبل كُبريات مجلاّت مصر إلاّ قليلاً، وبما بلغته من الجمال والإتقان في الشكل والموضوع. وسيكون لها أثر كبير في تاريخ الأدب العربي لِما وضعت للأدب من منهج مستقيم، وما أحيَت من الأسلوب البليغ، وما قبسَت من روائع الآداب الأجنبية، وسيكون لها أثر كبير في التاريخ العربي العامّ بما دعَت إليه من الوحدة العربية، وما نشرَت من أمجاد السلف، وما وضعَت في نفوس الناشئة من قُرّائها من العمل للجامعة العربية الواسعة لا للإقليمية الضيّقة. ولا شكّ أن «الرسالة» اليوم للأقطار العربية كلّها لا لمصر وحدها؛ فكما تفتح «الرسالة» أبوابها للمقالات وللقصائد والبحوث التي يبعث بها إليها أدباء الشام والعراق وغيرهما، فلتفتح أبوابها للفصول النقدية والبحوث المستفيضة عن الحركة الأدبية في هذه البلاد، ولو كانت قاسية شديدة على النفوس، ولو كشفت عن حقائق يحبّ بعض الناس ألاّ ينكشف عنها الستار.

стр. 1571

وليس من مصلحة الأدب أن يظل أدباء مصر والعراق جاهلين مدى الحركة الأدبية في الشام ومغترّين بها، وليس من المصلحة أن يبقى أدباء الشام ومصر جاهلين مدى الحركة الأدبية في العراق، بل يجب أن يصف أدباء كلّ قطر من الأقطار الحياةَ الأدبية في قطرهم، ومبلغ قوّتها أو ضعفها، وسبب تقدّمها أو عِلّة قصورها، وأن يُحلّلوا أدواءها وأمراضها، لنتعاونَ جميعاً على علاجها ومداواتها وتقويتها وشدّ أزرها. والحياة الأدبية في الشام أحوج شيء إلى المداواة والعلاج ... إن كان في الشام حياة أدبية لها وجود ولها آثار يستطيع الناقد أن يصفها ويتحدث عنها. وأنا أشكّ في وجود هذه الحياة، فلا أستطيع أن أجزم بوجودها لأني لا أرى علامة من علامات الحياة في أدباء دمشق وأدبها، ولا أستطيع أن أنفيها لأن في دمشق أدباء كباراً معروفين، ولأن دمشق -كما يعلم الناس جميعاً- عاصمة من عواصم البيان العربي. ولقد رجعت أعرض التاريخ الأدبي في دمشق منذ عهد الاحتلال إلى اليوم (أي إلى سنة ١٩٣٦) وأنظر الآثار الأدبية الخالصة التي أخرجها أدباء دمشق في هذه السنين، فلا أجد إذا استثنيت مجلّتَي «الرابطة الأدبية» و «الميزان» وروايتَي «سيد قريش» و «عمر بن الخطاب» لمعروف الأرناؤوط وكتابَي «المتنبّي» و «الجاحظ» لشفيق جبري (وإن كان هذان الكتابان نمطاً جديداً من الكتابة عن الأدباء، ويكاد صدورهما يُعَدّ فتحاً لكنه غير كامل) ورسائل «أئمة الأدب» لخليل مَرْدَم بك ... إذا استثنيت

стр. 1572

هذه الكتب وكتابَين آخرَين أو ثلاثة قد أكون نسيتها، لا أجد أثراً أدبياً له قيمة. وهناك كتب محمد بك كرد علي: «خُطَط الشام» و «الإسلام والحضارة» وغيرها، ولكنها ليست من الكتب الأدبية الخالصة وإنما هي كتب تاريخ لا تدخل في موضوع المقال، وإن كان كتابه «غرائب الغرب» نمطاً عالياً من كتب الرحلات، وكان أسلوب الأستاذ كرد علي لا سيما في «أمراء البيان» أسلوباً فريداً في الترسّل، ولقد كتبت عنه حين صدوره صادقاً غير مبالغ: إنني كنت أتخطّى عبارة عبد الحميد الكاتب الذي يكتب عنه كرد علي لأقرأ عبارة كرد علي! على أن هذه الكتب التي استثنيتها ليست في درجة واحدة من حيث قيمتها الأدبية، فبينما نعدّ «سيد قريش» عملاً فنّياً كبيراً (على ما فيها من ضعف العقدة الروائية، وتشابه المناظر، وتكرار الأوصاف، وغلبة النصرانية على أجمل صفحاتها) نعدّ رسائل أئمة الأدب لخليل مردم بك كتباً مدرسية موضوعة لطلاّب البكالوريا، لا تبلغ أن تُعَدّ في الدراسة الأدبية القوية التي تستند إلى طريقة في البحث معروفة وتكشف عن نواحٍ مجهولة من حياة الأديب الذي تبحث عنه ومن أدبه. ثم إن هذه الكتب إذا قيسَت بمدينة كدمشق في مُدّة طويلة كهذه المُدّة لا تعدو أن تكون أثراً ضئيلاً لا يدلّ على حياة. وهذا الأثر -على ما فيه من ضعف- ينحصر في فنّين من فنون الأدب هما: القصّة التاريخية والدراسة التحليلية. أمّا سائر فنون الأدب كالقصّة التمثيلية، والأقصوصة الصغيرة، والرواية

стр. 1573

الطويلة، والصورة الوصفية، والذكريات الأدبية، والتأمّلات الفلسفية والشعرية، والخطب البليغة، وغيرها من فنون الأدب فلا نكاد نجد لأدباء دمشق فيها أثراً يُذكَر. لأجل ذلك لم أقُل إنّ في دمشق حياة أدبية لأن ما نجده فيها ليس بالحياة ولا يصوّر الحياة، ولم أنفِ هذه الحياة لأن في دمشق أدباء يُنتِجون أو يستطيعون أن ينتجوا. وإنما أقول بأن أدباء دمشق في منزلة بين الموت الكامل والحياة الصحيحة، هي كالسّبات العميق والنوم الطويل ... (إلى أن قلت): وإلاّ فما يصنع كتّاب دمشق وشعراؤها؟ وأين هي منتجاتهم الأدبية؟ وهل يكفي شاعراً أن يقول كلّ سنتين قصيدة واحدة تضطرّه إليها المناسبات اضطراراً، ثم لا يكون في القصيدة أثر من نفسه ولا تصف شيئاً من عواطفه؟ وهل يكفي الكاتبَ أن ينشر كلّ عام مقالة تُطلَب منه أو مقدّمة كتاب يُسأل كتابتها؟ بل هل يستطيع أن يملك لسانَه الشاعرُ فلا يقول شيئاً، وهو يرى كل يوم ما يُنطِق الصخرَ بالشعر من مصائب الأمة ونكباتها، بل من همومه هو ومتاعبه وما يشاهده في حياته في بيته وحياته في عمله؟ أليس في حياته سرور أو ألم؟ أليس فيها أمل أو قنوط؟ أليس فيها ضحك أو بكاء؟ أفيضحك الشاعر فلا يغنّي ويبكي فلا ينوح، وتهزّ قلبَه الحادثات فلا يقول شيئاً؟ أنا لا أستطيع أن أتصوّر شاعراً أو كاتباً لا يكتب ولا يَنْظم وكلّ ما حوله يهيج نفسه ويثير عاطفته!

стр. 1574

إن أدباءنا يحتجّون بأنهم لا يجدون مكاناً ينشرون فيه، وإذا لم يجد الأديب سبيلاً إلى النشر ضعُفَت هِمّته وانكسر نشاطه ولم يجد حافزاً إلى العمل، لأن فَقْد الناشر من أكبر الأسباب في هذا الركود الأدبي. وهذا صحيح، فليس في دمشق مجلاّت أدبية إلاّ مجلّة صغيرة اسمها «الطليعة» يُصدِرها نفر من الشباب المثقفين الذين يحملون أكبر الشهادات العالية من أكبر المعاهد في أوربّا، ولكن لها منحى خاصاً لا يرضى عنه الناس كلهم، وأخصّ أهل الدين والمحافظة منهم، وهي تمشي بخُطىً مضطربة، وربما اضطُرّ أصحابها إلى إغلاقها كما اضطُرّ من قبل أصحاب «الثقافة» إلى إغلاقها. على أن أصحاب «الثقافة» كانوا من صفوة أدبائنا ومفكّرينا، كخليل مردم بك وجميل صليبا وكاظم الداغستاني. ثم إن الجرائد اليومية لا تُعنى بالأدب عناية كبيرة ولا تخصّص له صفحات دائمة، وإن هذه الصفحات الأدبية التي تتزيّن بها صدور بعض جرائدنا اليومية أكثرُها صفحات فارغة، لا أظنّ أن أحداً من أهل الذوق الأدبي يرضى عنها، بل إن أصحاب الجرائد والقائمين عليها لا أحسبهم راضين بها. وإذا ألّف الأديب كتاباً أو قصّة لم يجد الناشر، وإذا أنفق عليها من ماله لم يشترِها أحد، لأن دمشق بلد يقرأ أهله كثيراً ولكنهم لا يشترون! وهذه مجلّة «الرسالة» لا تجد في دمشق أديباً أو متأدّباً إلاّ اعترف لك بأنها خير مجلّة أُخرِجَت للناس وأن العالَم العربي لم يعرف مجلة مثلها منذ أُنشئت أول مطبعة في مصر، ولا تجد أديباً أو متأدّباً أو طالباً إلاّ وهو ينتظر يوم الثلاثاء ليقرأ

стр. 1575

«الرسالة» (١)، وبعد ذلك كله يُباع من أعدادها في دمشق كلّها أقلّ من خمسمئة عدد! وإن كان يقرأ كلَّ عدد خمسةٌ أو عشرة من القُرّاء. (إلى أن قلت): على أن الذنب في رأيي ذنب المدارس والمدرّسين، ليس ذنب الأدباء ولا ذنب القُرّاء؛ فليس في الشام اليوم من دروس الأدب إلاّ هذا المقدار القليل الذي يتعلّمه الطالب في مقرّر البكالوريا (أي الشهادة الثانوية)، وهذا المقدار لا يُحِقّ حقاً ولا يُبطِل باطلاً، ولا يصنع شيئاً أكثر من تكريه الأدب إلى الطلاّب وتسويده في أعينهم، ذلك لأن شُعَب الأدب في صفوف البكالوريا تسير في طريق عَوجاء أبعد ما تكون عن بثّ الملَكة الأدبية في نفس الطالب. وكيف تكوّن الملَكة الأدبية طائفةٌ من أخبار الشاعر وأشعاره يستظهرها الطالب من غير أن يفهمها غالباً، وإن فهمها لم يدرك جمالها ولم يتلذّذ بها ولكنه يحتفظ بها في دماغه إلى يوم الامتحان، فإذا أدّاه ونال الشهادة أهملها، أو دخله الغرور فظنّ أن معنى «بكالوريوس في الآداب» كاتبٌ أو أديب فهجر المطالعة وانصرف عنها. إلى آخر المقالة، وهي طويلة وفيها نقد لمناهج الأدب في المدارس ولمدرّسيه ولأسلوبهم في التدريس (٢). * * *

стр. 1576

أمّا المقالة الثانية عن الحياة الأدبية في بغداد فقد بين كاتبها أن الذي حمله عليها قراءته مقالتي التي أشرت إليها. وممّا قال فيها أنه لو أتيح للقارئ أن يتصفّح الصحف والمجلاّت قبل عشر سنين (أي في سنة ١٩٢٦) لَما فاته أن يلحظ فيها طيف اليقظة الأدبية وهي في مهدها، ولرأى من كثرة ما يُنشَر في الصحف حينذاك، من الشعر على الأخصّ ومن بقية الفنون الأدبية، وإن كانت بصورة بدائية، روحاً أدبياً يبشّر بمستقبل لا بأس به. إلى أن قال: على أننا قد خسرنا حتّى تلك الحركة البدائية البسيطة، وقد ماتت كلّ المحاولات التي كان القصد منها بعث الروح في الأدب العراقي. إلى أن قال: إن طغيان السياسة والصحافة على الأدب هو الذي أدّى إلى ضعفه. وقد جرى ذلك في الصحف اليومية، فإن كلّ صحيفة صدرت في العراق كانت في مبدأ أمرها خالصة لوجه الأدب أو تخصّه بأكبر عناية، فأصبحت كلّ الصحف تقريباً لا تنشر القطعة الأدبية أو القطعة الشعرية إلاّ في الأسبوع أو الأسبوعين مرّة، وقد كانت جريدة «البلاد» (وهي كبرى جرائد العاصمة) في أول مبدئها تخصّ الأدب بثلث صفحاتها يومياً، وكانت تستكتب الأدباء والشعراء وتنشر لهم، وكانت وقتئذ تصدر في ستّ صفحات فقط، والآن بعد أن زيدت صفحاتها إلى الثماني فقد تركت الأدب مرّة واحدة. وكذلك قلّ في الصحف الباقية اليومية منها والأسبوعية. وممّا يؤلم ويَستفزّ النفسَ أن الصحف في العراق لا تتكبّد في نشر الأدب شيئاً مادّياً، بل كل ما يُنشَر فيها تقريباً أدب التبرّع وليس أدباً مأجوراً.

стр. 1577

ثم بيّن أن أكثر ما يُنشَر في بغداد كتب مدرسية غير مستكملة حتّى الشروط المطلوبة في مثل هذه الكتب، وأكثرها مترجَم ومقتطَع من الكتب الغربية، وهي تبدَّل حسب مناهج التعليم كلّ سنة، وفي بعض الأحيان في أقلّ من السنة. ثم قال: فليس هناك إذن لا مؤلّف ولا ناشر. ثم تكلّم عن الطباعة فقال: والمطبعة العراقية فقيرة إلى حدّ مُزْرٍ، فهي لا تزال على نمط المطابع قبل عشرين سنة. وهناك جريدة يومية كانت تُطبَع إلى زمن قريب بمطبعة تُدار باليد ... إلى آخر المقالة. * * * والمقالة الثالثة عن الحياة الأدبية في السودان، بيّن فيها أن أدب السودان يسير وراء الأدب المصري ويتبعه خطوة خطوة، نظراً للجوار ولتشابه الأخلاق والعادات وغير ذلك، إلى آخره. وبيّن أثر الصحف الأدبية الراقية كالسياسة الأسبوعية في إبّان حياتها، وعندما اختفت وظهرت «الرسالة» وسدّت الثغر تهافتوا عليها وخطبوا وُدّها، فإذا أنت تراها بأيديهم في النوادي والمجالس والمنازل وفي عربات الترام، حتّى صارت قراءتها محتمة على كلّ أديب ومتأدّب. إلى أن قال: الشباب السوداني متطلّع دائماً إلى العلياء، وهم رغم ضيق وقتهم وقلّة مالهم يُقبِلون على تنظيم المحاضرات والمناظرات قدر المستطاع، حتّى النوادي الرياضية لم تُهمِل الأدب بجانب اشتغالها بترقية الروح الرياضية، وكذلك تُعنى

стр. 1578

بإقامة حفلات تمثيلية تعرض فيها الروايات العربية والمصرية. ويسرّني (يقول) كل السرور أن القصّة السودانية قد صار لها شأن في عالَم التمثيل السوداني، ولا أكون مبالغاً إذا قلت إنها اكتسحَت أو كادت تكتسح الروايات غير الوطنية، وكل هذه الروايات البلدية موضوعة بفعل الشعب المسمّى بـ (الدوبيك). إلى أن قال: ودعني أعرّفك بأسماء هذه الروايات، فمنها «مصرع تاجوج ومحلق»، وهي معروفة لدى المصريين وقد نُشر ملخصها في بعض المجلاّت المصرية، ثم رواية «خراج سوبا» ورواية «فتاة المستقبل» ورواية «البتول» وغيرها. وقد أُعيدَ تمثيل هذه الروايات كثيراً نظراً للإقبال العظيم الذي قوبلت به من الجمهور المتعطش لكل ما هو سوداني أصيل. إلى أن قال: أمّا حركة التأليف فضعيفة لغلاء أجرة المطابع ولعدم وجود ناشرين يتولون إخراج الكتب. ويوجد الآن أدباء وشعراء يملكون كتباً ودواوين شعرية، وهم حائرون لا يعرفون كيف يُخرِجون هذه الآثار الأدبية التي هي ذخر للسودان. وهذه مشكلة يتألّم لها الأدباء ولا يعرفون لها حلاًّ، ولذلك لا تجد كتاباً قيّماً أخرج إلى الآن في السودان، لا لِعُقم في القرائح بل لِما بينّا. أما الصحف فحدّث عنها ولا حرج، فلدينا الآن جريدة «حضارة السودان» وجريدة «السودان» وتصدران في الأسبوع مرّتين، وجريدة «النيل» اليومية وملحقها الأدبي الأسبوعي، ومجلّة «الفجر» وهي نصف شهرية، وكذلك لكلّية كردوم مجلّة

стр. 1579

خاصّة لا تقف فائدتها على الطلاّب فحسب بل لا تخلو من فائدة لغيرهم. وقد اختفت بعض المجلاّت كمجلّة «النهضة السودانية» ومجلّة «مرآة السودان» نظراً لقلّة المال. وفي نظري أن صحفنا السودانية لو وجدت الإقبال الذي هي أهل له في البلاد العربية، وخاصّة في مصر، لَما تعثّرت ولَما اختفت. * * * المقالة الرابعة عن لبنان. يقول الكاتب: ظهر في «الرسالة» مقال عن الحياة الأدبية في دمشق، وفي عدد آخر تكلّم الأستاذ عبد الوهاب الأمين عن الحياة الأدبية في العراق، فكان من الإنصاف لإتمام الفائدة أن نتكلّم عن الحياة الأدبية في لبنان. ظواهر الحركة الأدبية في لبنان راكدة كما هي في سوريا والعراق، فالصحافة الأدبية تكاد تكون معدومة والأشهُر تمرّ دون أن تُخرِج المطابع كتاباً نفيساً، وجمهور الشباب مُعرِض عن الآثار الأدبية العربية. والواقع أن إقبال الشباب على الثقافة الأجنبية، وإن يكن نفخ روحاً جديداً في الأدب العربي، فإنه قد أضرّ كثيراً بالحركة الأدبية، خصوصاً في لبنان. فشبابنا المثقف حائر بين الأدب الغربي (العالمي حقاً) والأدب العربي الناقص بإزائه، يُقبِل على الأول لأنه يُرضي ذوقه وثقافته، ويجذبه إلى الأدب العربي نوع من الشعور الوطني. في مصر والعراق وسوريا، وهي بلدان مسلمة، يتعلّم الشبّان القرآن منذ صغرهم فينشؤون وفي نفوسهم ملَكة العربية، لا تستطيع الآداب الأجنبية أن تطغى عليها. وليس الأمر كذلك في

стр. 1580

لبنان، ولولا البكالوريا اللبنانية التي توجب على الطلاّب درس الأدب العربي لأهمله هذا النشء الجديد إهمالاً تاماً. وقد كانت الحركة الأدبية عندنا في لبنان إلى الأمس القريب تتجلّى بقصيدة رثاء أو مديح أو مقالة شكوى، أو كتاب لا يتعدّى موضوعه المبتذَل الفارغ. ولكن من الإنصاف أن نقول إن البعض من أدبائنا نشروا كتباً لا بأس بها، وإن كان لا يرضى عنها الذوق الأدبي السائد اليوم. ومن هؤلاء الأدباء أمين الريحاني صاحب «ملوك العرب» و «ابن سعود» و «فيصل الأول» و «قلب العراق»، وعمر الفاخوري صاحب «غاندي» و «أناتول فرانس»، ولبيب الرياشي، وجميل بيرم، وميخائيل نعيمة مؤلّف كتاب «جبران»، وسلمى صائغ كاتبة «النسمات» ونظيرة زين الدين مؤلّفة «السفور والحجاب». وكان الاعتقاد السائد بين الأدباء أن المثل الأعلى في الأدب هو أدب القرن السابع عشر الفرنسي، وإن كانوا لم يطّلعوا عليه، والمتطرّفون منهم كانوا يقتبسون من العصر الرومانتيكي. أما اليوم وقد نضج هذا الفوج من الأدباء الذين ذكرناهم ولا يُرجى منهم أفضل ممّا أنتجوا، فقد هُدمت حركتهم الأدبية وتوقّفَت مجلاّتهم. وعندنا الآن فوج من الأدباء الشباب إلاّ أنهم أثّروا على الأدب في لبنان، منهم «عصبة العشرة» التي بثّت روحاً جديداً في الأدب ووجّهَت خطواته على غرار الأدب الغربي الحديث، ولكن حركتها ما عتمت أن سكنت ولمّا تؤدِّ رسالتها على الوجه الأكمل الذي كانت ترجوه.
следующие страницы →