أمّا المقالة الثانية عن الحياة الأدبية في بغداد فقد بين كاتبها أن الذي حمله عليها قراءته مقالتي التي أشرت إليها.
وممّا قال فيها أنه لو أتيح للقارئ أن يتصفّح الصحف والمجلاّت قبل عشر سنين (أي في سنة ١٩٢٦) لَما فاته أن يلحظ فيها طيف اليقظة الأدبية وهي في مهدها، ولرأى من كثرة ما يُنشَر في الصحف حينذاك، من الشعر على الأخصّ ومن بقية الفنون الأدبية، وإن كانت بصورة بدائية، روحاً أدبياً يبشّر بمستقبل لا بأس به. إلى أن قال: على أننا قد خسرنا حتّى تلك الحركة البدائية البسيطة، وقد ماتت كلّ المحاولات التي كان القصد منها بعث الروح في الأدب العراقي.
إلى أن قال: إن طغيان السياسة والصحافة على الأدب هو الذي أدّى إلى ضعفه. وقد جرى ذلك في الصحف اليومية، فإن كلّ صحيفة صدرت في العراق كانت في مبدأ أمرها خالصة لوجه الأدب أو تخصّه بأكبر عناية، فأصبحت كلّ الصحف تقريباً لا تنشر القطعة الأدبية أو القطعة الشعرية إلاّ في الأسبوع أو الأسبوعين مرّة، وقد كانت جريدة «البلاد» (وهي كبرى جرائد العاصمة) في أول مبدئها تخصّ الأدب بثلث صفحاتها يومياً، وكانت تستكتب الأدباء والشعراء وتنشر لهم، وكانت وقتئذ تصدر في ستّ صفحات فقط، والآن بعد أن زيدت صفحاتها إلى الثماني فقد تركت الأدب مرّة واحدة. وكذلك قلّ في الصحف الباقية اليومية منها والأسبوعية. وممّا يؤلم ويَستفزّ النفسَ أن الصحف في العراق لا تتكبّد في نشر الأدب شيئاً مادّياً، بل كل ما يُنشَر فيها تقريباً أدب التبرّع وليس أدباً مأجوراً.
стр. 1577
ثم بيّن أن أكثر ما يُنشَر في بغداد كتب مدرسية غير مستكملة حتّى الشروط المطلوبة في مثل هذه الكتب، وأكثرها مترجَم ومقتطَع من الكتب الغربية، وهي تبدَّل حسب مناهج التعليم كلّ سنة، وفي بعض الأحيان في أقلّ من السنة. ثم قال: فليس هناك إذن لا مؤلّف ولا ناشر.
ثم تكلّم عن الطباعة فقال: والمطبعة العراقية فقيرة إلى حدّ مُزْرٍ، فهي لا تزال على نمط المطابع قبل عشرين سنة. وهناك جريدة يومية كانت تُطبَع إلى زمن قريب بمطبعة تُدار باليد ... إلى آخر المقالة.
* * *
والمقالة الثالثة عن الحياة الأدبية في السودان، بيّن فيها أن أدب السودان يسير وراء الأدب المصري ويتبعه خطوة خطوة، نظراً للجوار ولتشابه الأخلاق والعادات وغير ذلك، إلى آخره. وبيّن أثر الصحف الأدبية الراقية كالسياسة الأسبوعية في إبّان حياتها، وعندما اختفت وظهرت «الرسالة» وسدّت الثغر تهافتوا عليها وخطبوا وُدّها، فإذا أنت تراها بأيديهم في النوادي والمجالس والمنازل وفي عربات الترام، حتّى صارت قراءتها محتمة على كلّ أديب ومتأدّب.
إلى أن قال: الشباب السوداني متطلّع دائماً إلى العلياء، وهم رغم ضيق وقتهم وقلّة مالهم يُقبِلون على تنظيم المحاضرات والمناظرات قدر المستطاع، حتّى النوادي الرياضية لم تُهمِل الأدب بجانب اشتغالها بترقية الروح الرياضية، وكذلك تُعنى
стр. 1578
بإقامة حفلات تمثيلية تعرض فيها الروايات العربية والمصرية. ويسرّني (يقول) كل السرور أن القصّة السودانية قد صار لها شأن في عالَم التمثيل السوداني، ولا أكون مبالغاً إذا قلت إنها اكتسحَت أو كادت تكتسح الروايات غير الوطنية، وكل هذه الروايات البلدية موضوعة بفعل الشعب المسمّى بـ (الدوبيك).
إلى أن قال: ودعني أعرّفك بأسماء هذه الروايات، فمنها «مصرع تاجوج ومحلق»، وهي معروفة لدى المصريين وقد نُشر ملخصها في بعض المجلاّت المصرية، ثم رواية «خراج سوبا» ورواية «فتاة المستقبل» ورواية «البتول» وغيرها. وقد أُعيدَ تمثيل هذه الروايات كثيراً نظراً للإقبال العظيم الذي قوبلت به من الجمهور المتعطش لكل ما هو سوداني أصيل.
إلى أن قال: أمّا حركة التأليف فضعيفة لغلاء أجرة المطابع ولعدم وجود ناشرين يتولون إخراج الكتب. ويوجد الآن أدباء وشعراء يملكون كتباً ودواوين شعرية، وهم حائرون لا يعرفون كيف يُخرِجون هذه الآثار الأدبية التي هي ذخر للسودان. وهذه مشكلة يتألّم لها الأدباء ولا يعرفون لها حلاًّ، ولذلك لا تجد كتاباً قيّماً أخرج إلى الآن في السودان، لا لِعُقم في القرائح بل لِما بينّا.
أما الصحف فحدّث عنها ولا حرج، فلدينا الآن جريدة «حضارة السودان» وجريدة «السودان» وتصدران في الأسبوع مرّتين، وجريدة «النيل» اليومية وملحقها الأدبي الأسبوعي، ومجلّة «الفجر» وهي نصف شهرية، وكذلك لكلّية كردوم مجلّة
стр. 1579
خاصّة لا تقف فائدتها على الطلاّب فحسب بل لا تخلو من فائدة لغيرهم. وقد اختفت بعض المجلاّت كمجلّة «النهضة السودانية» ومجلّة «مرآة السودان» نظراً لقلّة المال. وفي نظري أن صحفنا السودانية لو وجدت الإقبال الذي هي أهل له في البلاد العربية، وخاصّة في مصر، لَما تعثّرت ولَما اختفت.
* * *
المقالة الرابعة عن لبنان. يقول الكاتب: ظهر في «الرسالة» مقال عن الحياة الأدبية في دمشق، وفي عدد آخر تكلّم الأستاذ عبد الوهاب الأمين عن الحياة الأدبية في العراق، فكان من الإنصاف لإتمام الفائدة أن نتكلّم عن الحياة الأدبية في لبنان.
ظواهر الحركة الأدبية في لبنان راكدة كما هي في سوريا والعراق، فالصحافة الأدبية تكاد تكون معدومة والأشهُر تمرّ دون أن تُخرِج المطابع كتاباً نفيساً، وجمهور الشباب مُعرِض عن الآثار الأدبية العربية. والواقع أن إقبال الشباب على الثقافة الأجنبية، وإن يكن نفخ روحاً جديداً في الأدب العربي، فإنه قد أضرّ كثيراً بالحركة الأدبية، خصوصاً في لبنان. فشبابنا المثقف حائر بين الأدب الغربي (العالمي حقاً) والأدب العربي الناقص بإزائه، يُقبِل على الأول لأنه يُرضي ذوقه وثقافته، ويجذبه إلى الأدب العربي نوع من الشعور الوطني.
في مصر والعراق وسوريا، وهي بلدان مسلمة، يتعلّم الشبّان القرآن منذ صغرهم فينشؤون وفي نفوسهم ملَكة العربية، لا تستطيع الآداب الأجنبية أن تطغى عليها. وليس الأمر كذلك في
стр. 1580
لبنان، ولولا البكالوريا اللبنانية التي توجب على الطلاّب درس الأدب العربي لأهمله هذا النشء الجديد إهمالاً تاماً.
وقد كانت الحركة الأدبية عندنا في لبنان إلى الأمس القريب تتجلّى بقصيدة رثاء أو مديح أو مقالة شكوى، أو كتاب لا يتعدّى موضوعه المبتذَل الفارغ. ولكن من الإنصاف أن نقول إن البعض من أدبائنا نشروا كتباً لا بأس بها، وإن كان لا يرضى عنها الذوق الأدبي السائد اليوم. ومن هؤلاء الأدباء أمين الريحاني صاحب «ملوك العرب» و «ابن سعود» و «فيصل الأول» و «قلب العراق»، وعمر الفاخوري صاحب «غاندي» و «أناتول فرانس»، ولبيب الرياشي، وجميل بيرم، وميخائيل نعيمة مؤلّف كتاب «جبران»، وسلمى صائغ كاتبة «النسمات» ونظيرة زين الدين مؤلّفة «السفور والحجاب».
وكان الاعتقاد السائد بين الأدباء أن المثل الأعلى في الأدب هو أدب القرن السابع عشر الفرنسي، وإن كانوا لم يطّلعوا عليه، والمتطرّفون منهم كانوا يقتبسون من العصر الرومانتيكي. أما اليوم وقد نضج هذا الفوج من الأدباء الذين ذكرناهم ولا يُرجى منهم أفضل ممّا أنتجوا، فقد هُدمت حركتهم الأدبية وتوقّفَت مجلاّتهم.
وعندنا الآن فوج من الأدباء الشباب إلاّ أنهم أثّروا على الأدب في لبنان، منهم «عصبة العشرة» التي بثّت روحاً جديداً في الأدب ووجّهَت خطواته على غرار الأدب الغربي الحديث، ولكن حركتها ما عتمت أن سكنت ولمّا تؤدِّ رسالتها على الوجه الأكمل الذي كانت ترجوه.
стр. 1581
وقامت أخيراً ندوة الاثني عشر تضمّ عدداً من الشبّان المثقفين ثقافة عالية، يجتهدون للنهوض بالأدب في لبنان نهضة صحيحة من كلّ نواحيه. والأدب في لبنان يتّجه نحو القصّة لأنها تتحمّل الدروس النفسانية ولأنها من أرقى صور الأدب. ومن أبرز الذين يُعنَون بالقصّة خليل تقيّ الدين وتوفيق عواد ورئيف الخوري.
أما النقد الأدبي على الأساليب العلمية الحديثة فحامل لوائه في لبنان فؤاد البستاني صاحب الروائع ... وثمّة نَقّادة آخر يمكننا أن نفاخر به هو جبرائيل جبور الذي ينشر الآن كتاباً ضخماً عن عمر بن أبي ربيعة «دون جوان العرب».
أما في الشعر فقد ساد أولَ الأمر المحافظون ينظمون في الرثاء والمديح والفخر، مثل أمين تقيّ الدين وبشارة الخوري، ثم جاء الشاعر إلياس أبو شبكة فتطوّر معه الشعر ... وخطا يوسف غصوب بالشعر خطوة واسعة موفّقة بديوانه «القفص المهجور». وكان أديب مظهر أول من أدخلَ إلى الشعر العربي نظرية الشعر الرمزي التي يعتنقها اليوم شعراء مُجيدون كصلاح لبكي وأمين نخلة وسعيد عقل، الذي نشر مسرحية شعرية هي «بنت يفتاح».
إلى أن قال: وكان من إقبال اللبنانيين على الآداب الأجنبية أنهم أضحوا يؤلّفون بهذه اللغات. وكُتُب الريحاني وجبران بالإنكليزية مثلاً مشهورة، وآخر ما أنتجه اللبنانيون من دواوين شعر فرنسي وكان له دويّ بعيد جيّد في فرنسا شعر القرم الذي نال جائزة إدغاربوا في فرنسا بديوانه «الجبل الملهم». والخلاصة أننا
стр. 1582
لسنا متشائمين من حال الأدب عندنا، بل ما نراه حولنا من مظاهر النشاط الكامن يبشّرنا بمستقبل زاهر وبأن الحياة الأدبية في لبنان ستخطو خطوات بعيدة جداً.
* * *
المقالة الخامسة عن الحياة الأدبية في الحجاز. يقول الأستاذ عبد المجيد شبكشي:
كان الأدب العربي مثال الكمال والروعة والازدهار في دولة الأمويين وفي صدر الدولة العباسية، وكان نصيب الحجاز من هذا الازدهار طيّباً مرموقاً، واقتضى خلوّه من الأحداث السياسية أن يحيا مغموراً حتّى تجرّد من العلم والثقافة وصفر من الرجال الممتازين، وعملَت الهجرة على محو مقوّماته ومميّزاته. ثم بدرَت بادرة من بوادر النهوض ونسمة من نسمات الحياة، فنبغَت في الحجاز روح اليقظة الفكرية فأخذ يسترجع ماضيه بفضل جهود البعض من أبنائه المخلصين ... سرَت اليقظة في أفكار بعض شباب الحجاز وأحسّوا بالواجب الوطني وتنبّهوا إلى فضل الأدب في نهضات الشعوب، فتأسّسَت لِجان للاجتماع ونوادٍ للأدب، حيث تمثّلوا حركة أدبية لا تشوبها شائبة.
إلى أن قال: ثم جاء دور التكوين للنهضة الفكرية، وكان ذلك قبل عشرة أعوام تقريباً نظم في خلالها أدباء الحجاز الشعر وكتبوا النثر ونشروا نماذج منه، وأعلنوا عن أفكارهم وسجّلوا آراءهم. فشَعر الحجاز حينذاك بدبيب الحياة يتمشّى فيه وأحسّ بجمال الأدب والفنّ معاً، وحينذاك قام أحد أدباء الحجاز البارزين
стр. 1583
(الأستاذ محمد سرور الصبّان، مدير إدارة وزارة المالية) وأصدر كتاباً أدبياً ضمّ بين ضفّتيه مختارات لأدباء الحجاز، فأثبت للأمة أن هناك أدباً راقياً يُدعى الأدب الحجازي.
تجد في هذه المجموعة روح الحجاز الأدبية ممثلة من حيث صحّة النزعة وبساطة التفكير وجماله، فكان عمل هذا الأديب بشير يقظة فكرية. وقد كان الأدب الحجازي في ذلك الوقت بسيطاً شأن كلّ شيء في بدايته ... وكان الكُتّاب البارزون في الحجاز لا يزيدون عن عشرة، أما الحجاز اليوم -بفضل الله ثم بفضل جهود أبنائه المخلصين- فتقدّم بخطوات واسعة إلى الأمام ومال إلى احتذاء أدب مصر ونزعاتها الفكرية.
إلى أن قال: والأدب الحجازي اليوم رمز لِما في أفئدة الحجازيين من عواطف وإحساس وحُبّ وولاء ولِما في نفوسهم من شعور وكرم وأخلاق ... وأدباؤنا يشعرون ويتأثرون بعوامل الحياة الفكرية، ويُجيدون التصرّف في فنون القول، ويُبدِعون في سبك العبارات ووضعها في قالب من الحكمة والذوق ليحوزوا قصب السبق في معترك الحياة الأدبية وليرفعوا اسم بلادهم عالياً، وهذا ما يرجوه ويناصره كلّ أديب حجازي وُهب موهبة الإحساس والشعور بالحياة وفرائضها، وليس ولله الحمد ثمة ركود ولا فتور في النفوس والأفكار.
* * *
стр. 1584
المحتويات
الحلقة (١٠٠) رمضان في بغداد ... ٥
الحلقة (١٠١) إيوان كسرى و «سُرّ مَن رأى» ... ١٥
الحلقة (١٠٢) «قصّة» انتهت بنقلي إلى البصرة ... ٢٩
الحلقة (١٠٣) من ذكريات البصرة ... ٤٣
الحلقة (١٠٤) في «الكلّية الشرعية» في بيروت ... ٥٥
الحلقة (١٠٥) بيروت سنة ١٩٣٧ وعملية الزائدة في دمشق ... ٦٩
الحلقة (١٠٦) وقفة في نهاية سبع وسبعين سنة ... ٨٥
الحلقة (١٠٧) أخي المبتعَث إلى باريس ... ٩٩
الحلقة (١٠٨) بغداد تغضب لأختها دمشق ... ١١٥
الحلقة (١٠٩) مقتل الملك غازي ورثاؤه ... ١٢٩
الحلقة (١١٠) من ذكريات المدرسة الغربية في بغداد ... ١٤٣
الحلقة (١١١) رفضت دعوة القومية فنقلوني إلى كركوك ... ١٥٩
الحلقة (١١٢) كيف صرت ضابطاً؟ ... ١٧٥
الحلقة (١١٣) إلى دير الزّور ... ١٩١
الحلقة (١١٤) دخولي في القضاء ... ٢٠٥
الحلقة (١١٥) بين إقرار العدل وتطبيق نص القانون ... ٢٢١
الحلقة (١١٦) من ذكريات الحرب العالمية الثانية ... ٢٣٧
الحلقة (١١٧) في القضاء في دوما ... ٢٤٩
стр. 1585
الحلقة (١١٨) ثورة في دوما: نار شَبَّتْ ثم خمدت ... ٢٦٧
الحلقة (١١٩) هجوم على الأطبّاء ... ٢٨١
الحلقة (١٢٠) دفاع عن الأطبّاء ... ٢٩٥
الحلقة (١٢١) أشتات من الذكريات عن موسم الحج ... ٣٠٩
الحلقة (١٢٢) من محكمة دوما إلى محكمة دمشق ... ٣٢٣
الحلقة (١٢٣) القاضي الشهيد ... ٣٣٥
الحلقة (١٢٤) في سبيل إصلاح محكمة دمشق ... ٣٤٩
الحلقة (١٢٥) بعض ما صنعت في محكمة دمشق ... ٣٦٣
الحلقة (١٢٦) عقد الزواج في محكمة دمشق ... ٣٧٥
الحلقة (١٢٧) الحياة الأدبية قبل نصف قرن (١) ... ٣٩١
стр. 1586
ذكريات
علي الطنطاوي
الجزء الخامس
طبعة جديدة
راجعها وصحّحها وعلّق عليها حفيد المؤلف
مجاهد مأمون ديرانية
دار المنارة
للنشر والتوزريع
стр. 1587
حقوق الطبع محفوظة
يُمنَع نقل أو تخزين أو إعادة إنتاج أي جزء من هذا الكتاب بأي شكل أو بأية وسيلة: تصويرية أو تسجيلية أو إلكترونية أو غير ذلك إلا بإذن خطي مسبق من الناشر
الطبعة الخامسة
٢٠٠٦
دار المنارة
للنشر والتوزريع
ص ب ١٢٥٠ جدة ٢١٤٣١ المملكة العربية السعودية
هاتف ٦٦٠٣٦٥٢ فاكس ٦٦٠٣٢٣٨ المستودع ٦٦٧٥٨٦٤
стр. 1588
-١٢٨ -
كتاب مفتوح إلى الأستاذ أحمد أمين
هذه رسالة بعثت بها إلى الأستاذ أحمد أمين ﵀ مطويّة، فنشرها في «الثقافة» وعلّق عليها. وهذا نصّ الرسالة:
كان هنا شاعر لم يعرفه الناس حتى عرّفتهم به هدآتُ الأسحار؛ إذ كان يطوف فيها على مرابع حيّه، يغنيها على ربابه أعذب ألحانه وأشجى أغانيه، وكان ينادي الليلَ الراحل بأرقّ أسمائه فيلتفت الليل ويقف لحظة يصغي إليه، والفجرَ يستحثّه على الرحيل، وتنصت إليه قلوب العاشقين، فإن غنى بـ «يا ليل» هاج بها الشجن فأجابت من لوعتها بـ «آه!»، ويعرفه القمر لأنه كان يسكب في نوره ألحانه، فتطفو على وجه النور، ثم تسيل من رقتها فيه وتمتزج به امتزاج الراح بالماء، فيشرب فيه أرباب القلوب خمرة نورانية تهيج في نفوسهم سكر الحب الطاهر والعاطفة الخيّرة.
وعرَّفتهم به الضمائر المؤمنة، إذ كان يهتف بها مع الفجر بالنشيد العلوي الذي يوقظ في نفس الإنسان الذي يسمعه «المَلَك»، فإذا استيقظ فيه المَلَك خنس «الشيطان» واستخذى «السبع»، فتعرف بنشيده لذة الإيمان، وما في الأرض لذة كلذة الإيمان.
стр. 1589
شاعر لم يكن يعرف فضلاً (أي زيادة) من عَروض الأوزان ولا سُلَّم الألحان، ولكنه يعرف كيف يعتصر قلبَه بيد الألم وكيف يُذيب نفسه بلهيب الذكريات، ثم يجعل من ذلك أشعاره التي يغنيها على ربابه، فتميل إليه القلوب وتحنو عليه، وتجد عنده الأنس والاطمئنان.
غنّى للإيمان وللوطن وللحب، وأكثر الغناء. ولكن النغمة البارعة التي تجيش بها نفسه لم يتحرك بها لسانه، ولا جرَت بها يده على ربابه إلى اليوم. من أجل هذا كنت تراه -إذْ تراه- حائراً مضطرب الجوانح زائغ البصر، كأنما يفتّش في الفضاء عن شيء أضاعه، يفتّش وراء أفق الزمان عن الشيء الذي لم يجده فيه، فهو لا يفتأ ينظر إلى ماضيه يقلّبه ويجوس خلاله علّه يجد فيه ضالّته، فإذا افتقدها عاد إلى الآتي، يحاول أن يستشفّ بعين الأمل ما خَلْفَ بابه، فلا يشفّ البابُ عن شيء ... أما الحاضر فلا شأن له به ولا يعنيه أمره.
أُعجب به الناس لما عرفوه وأحبوه، ثم ألفوه واطمأنّوا إليه، ثم تعودوا أن يروه ويسمعوه، فأضعفت العادة شعورهم به، فكانوا لا يدرون به إن حضر ولكنهم يفتقدونه إذا غاب ... ثم أصبحوا لا يعنيهم فقده ولا يعزّ عليهم غيابه!
وطرَقَ الحيَّ «شعراءٌ» يضربون على الطبول الكبيرة ويصرخون بأغان فارغة مدوِّية كطبولهم، لا تدعو إلى فضيلة ولا تهزّ عاطفة ولا تمس من النفس موضع الإيمان، ولكنها تدعو إلى الشهوة وتثيرها في الأعصاب، لا تعرِفهم هدآتُ الأسحار ولا يدري بهم فُتونُ
стр. 1590
الفجر ولا شعاع القمر، ولكن تعرفهم أضواء الكهرباء الساطعة في معابد الشيطان وهياكل الشهوة، وتعرفهم موائد الخمور في دور الفجور، فحفَّ الناس بهم وصفقوا لهم!
عند ذلك كسر الشاعرُ ربابَه وانسلّ خارجاً من الحيّ بسكون، وأمَّ الجبل ليتخذ لنفسه من «الجادة السادسة» (أعني في جبل قاسيون) ملتجأ، يعصمه علوّه من أن يسمع قرع هذه الطبول، وعاد كالشيخ الذي صارت أيامُه الثلاثة يوماً واحداً، فطال أمسه حتى شمل يومه وامتدت ظلاله إلى غده، فلم يعد يعيش وإنما يعيش خيالُه في خيالات الماضي، كالشجرة التي عرَّتْها لفحاتُ كانون، فهي تعيش في ذكرى آذار المنصرم وزهره وتموز الماضي وثمره. ومتى رجعت في كانون أزهار آذار (١)؟
أجل يا سيدي؛ لقد مات الشاعر ودُفن في جبة القاضي، ولو جاء أمرك إياه بالكتابة لـ «الثقافة» وفي عاطفته ذلك التوقد وفي أعصابه تلك النار، يوم كانت تنثال عليه المعاني وتجيش بالصور نفسُه ويتحرك بالبيان لسانه من غير أن يحركه، حتى لكأنه الجواد الكريم يتفلّت من الشّكال، وكأنّ قلمه إذ يجري على الطّرس يسابق اليد التي تجريه والفكر الذي يمده، لوجدته أسرع إلى طاعتك من السيل الدفّاع إلى مستقره، بل أسرع من الطرب إلى نفس الكريم
стр. 1591
والحب إلى قلب الأديب! يوم كان يعيش في دنيا الناس وكأن له دنيا وحده؛ يرى فيها ما لا يرون ويسمع ما لا يسمعون: يرى في كل مشهد جمالاً، وفي كل جمال حلماً فاتناً يستغرق فيه مسحوراً، ويدرك من لذاذاته ومتعه ما لا يعرفه إلاّ مَنْ سمع حديث الجمال ووعاه بأُذن قلبه، وأمضى لياليه حالماً سادراً في أحلامه، فإذا صحا لم يجد ما يترجم به عن نفسه إلاّ لغة ضيقة قاصرة خُلقت للتعبير عن حاجات الأرض لا لوصف أحلام السماء!
وماذا تصنع لغة لا تعرف للجمال كله -على ما لَه من الصور التي لا تنتهي والمعاني التي لا تنفد- إلا كلمة واحدة هي كلمة «الجمال»؟ وأنّى لها أن تترجم عن عالَم كله حياة وقوة وسحر؟ وكيف تقنعه وللجمال في عينيه صحائف يقرأ منها كل يوم جديداً؛ فلكل وجه جمال لا يقاس به غيره ولا يشبهه سواه، ولكل مقلة جمال، ولكل بسمة ولفتة، ولكل رنة صوت ولكل ومضة ثغر، ولكل واد وجبل ولكل سهل ونهَر، ولكل مقطوعة من الشعر وكل صورة في المتحف وكل زهرة في الروض، ولكل رائحة وكل نغمة. فجمال ريا الياسمين، وجمال أريج الورد، وجمال عبق الزنبق، وجمال رَوْح الفُلّ، وجمال البَيَات والرصْد والحجاز والصَّبا، والعود والقانون والناي والكمَان، وجمال القصة المؤثرة والحكمة المتخيَّرة، وما شئت وما لم تشأ من أنواع الجمال في الوجود ... كل أولئك ليس له في هذه اللغات البشرية إلاّ لفظ واحد يدل عليه ويشير إليه.
يا ما أفقر لغات البشر!
стр. 1592
وكان تذوُّق الجمال يهيج في نفسه الأدب، والأدب هو البثُّ، فلا تتمّ له متعة ولا يحلو له نعيم حتى يُشرك الناس معه في نعيمه. وكذلك الأديب؛ يجود على الناس بأعزّ شيء عليه: بشعوره وعواطفه، فيفتح لهم نفسه ويكشف لهم عن سرائره ولا يستأثر دونهم بشيء، فهم معه في ألمه وسروره ويأسه وأمله، يتلو عليهم نبأ حبه وبغضه وحركاته وسكناته، فيشاركونه حياته، ثم يقولون: عجباً لهذا الغبيّ الثرثار الذي لا يفتأ يتحدث عن نفسه، ولا ينفك مزهوّاً بها زهو الديك بريشه، مالئاً الصحائف بأخبارها، كأنّ الناس لا همَّ لهم إلاّ أن يسمعوا خبرها! ما درى الظالمون أنهم يتهمون بالأثَرة رجلاً هو أول المُؤْثِرين!
وكان ينقل ما يحس به من معاني الخلود إلى لغة الفناء، فلا يبقى منه إلاّ الأقل الأقل، ثم يعدُّه للنشر فيضيع أكثر جماله الباقي بين مراعاة آداب المجتمع وقوانين النشر وأذواق الناشرين ونزعات القارئين، ثم ينشر فإذا هو يرضي القراء، وإذا منه المعجِب المطرِب المقيم المقعِد، ولكنه لا يرضى عنه ولا يُعجب به، لعلمه بأن خير ما كتب ما (١) لم يعبّر عنه بلفظ ولم يجرِ به قلمٌ على قرطاس.
وما كان -يا سيدي- ليفخر أو ليزهى، وإنه لأعرف الناس بنفسه وعيوبها وأدبه ونقائصه، ولكنك فتحت عليه باباً للذكريات أعياه الليلة سدُّه، وقد كان قبل اليوم مسدوداً.
وذو الشّوقِ القديم وإنْ تسلّى ... مَشوقٌ حين يَلقى العاشقينا
وإنه لواحد ممّن وأَدَ هذا المجتمعُ ما كان لهم من ملكات.
стр. 1593
كانت له «نفس» فماتت، أفما يُترَك ليرثي -يا قوم- نفسه؟ يذهب مال الرجل فيبكي ماله، ويُحرق بيته فيندب بيته، وتودي تجارته فيُعْوِل على تجارته، ويهجره حبيبه فيأسى على فقد حبيبه ... وتموت نفسه ويجِفُّ في حلقه لسانه فلا يُطلَق ليبكي نفسه وينوح على بيانه؟!
والرسالة طويلة، إلى أن قلت فيها:
هذا الشابّ الذي كان يتدفّق حياة ويتوثب نشاطاً، والذي كان له في كل ميدان جولة وكان في كل معمعة فارسها المعلم، والذي عمل للأدب وللإصلاح، وللسياسة وللصحافة، وللتعليم وللتصنيف، والذي عرفته العراق وعرفها، وأحبها وأحبه تلاميذه فيها، وبقي فيهم من يفي له ويذكر عهده وبقي هو وفياً للعراق ذاكراً عهدها. وكان شأنه في لبنان كشأنه في العراق، والذي مشى إلى الحجاز، وكان له في كل بلد أثر في نفوس أصدقائه وفي قلوب الآلاف المؤلفة من تلاميذه، الذين ما انفكّ يوليهم من نفسه وقلبه حتى لم يبقَ له نفس ولا قلب ... هذا الفتى أعادته الأيام بعد هذا كله شيخاً ولم يبلغ الأربعين، ميتاً يمشي مكفَّناً في جبة، وضُيّقت رحاب نفسه حتى أحاطت بها مواد القانون، وحطمت قلمه فتعثر فهو لا يجري إلاّ في حيثيات القرارات وصيغ المخالفات، وصَغُرت دنياه حتى صارت تحدّها جدران المحكمة الأربعة. فماذا -يا سيدي- يرجى منه بعد هذا؟
قضى عليه بلده الذي أحبه وفارق من حبه مصر بعدما بسم له فيها المستقبل عن ثنايا بوارق، ولو أنه بقي في مصر، ومصر
стр. 1594
(موطن أسرته الأول) تعرف للأدب حقه وللأدب منزلته، لكان منه اليوم «شيء»!
على أن مصر -إن أردت الحق- لا تحب إلاّ أبناءها ولا تبسم إلاّ لهم، وترى واحد الأديب المصري مئة، ومئة غيره لا تساوي عندها واحداً. وإلاّ فخبّرني بالله: لمَ يحتفل نقّادها بأصغر كتاب يصدر فيها ويشتغلون بالكلام عنه الأيام الطوال، ولا يخطّون كلمة ثناء أو نقد للكتاب القيم يصدر في بر الشام أو في العراق؟
وما له يعتب على مصر، وهذا بلده طاشت فيه الموازين وانقطعت الأسلاك وتبلبل الرأي، واختلط الحابل بالنابل والمتحليات بالعواطل، حتى إن الصحف لتجمع على مدح الكتاب وتقريظه وتهلل للشعر الجديد وتصفق، وما ثَمّ إلاّ منكَر من القول قد صيّروه معروفاً، أو ثقيل بارد استحبّوه أو غثّ متهافِت رأوه قوياً بليغاً؛ كأن الأدب صار لهواً وعبثاً، وكأن العربية انحلّت عُقَدها ولم يبقَ لها هذا «الكتاب» تعتصم به، فيحفظ عليها وحدتها ويكون بين أولها وآخرها السببَ الموصول والحبل المتين، فقديمها به حديث أبداً نفهمه اليوم ونتذوقه، وحديثها به قديم لو نشر الله العرب الأولين لفهموه وتذوقوه.
وكأن الأديب هو من ينزع عن جسمه جلدَه ليلبس جلداً مصنوعاً في المعامل التي هي (هناك)، ومن يود لو خلع رأسه ليركّب له رأساً فيه عقل من (هناك)، والذي يفرق بالجهات بين الحق والباطل، فما جاء من حيث تشرق الشمس كان باطلاً كله ولو كان الدينَ والأخلاق والشرف، وما جاء من حيث تغيب فهو حق كله ولو كان الكفر والفسوق والعصيان! وحتى إن هذا البلد
стр. 1595
لينكر الأديب الصريح الثابت النسب الموصول السبب، ويحفل بكل لصيق دعيّ ... ولكن هل يشكو امرؤ بلدَه وأهله؟
بلادي وإنْ جارَتْ عليّ عزيزةٌ ... وأهلي وإنْ ضَنّوا عَليّ كِرامُ
فلا عليكِ يا دمشق ما صنعتِ بمَن لم يكد يحبك أحدٌ مثلما أحبك، ولم يصف من جمالك كاتبٌ مثلما وصف ولا أشاد بذكرك مثلما أشاد، وهذي صديقتنا «الرسالة» أخت «الثقافة» شاهدة على ما يقول؛ لا يمنُّ ويؤذي بالمن، ولكن يعاتب ويشكو.
ولئن كتب الله لهذا «الميت» ولادة أخرى (والمرء يولَد فيه كل يوم رجل جديد ويموت رجل قديم) وأعاده إلى الحياة، فليضربنّ إن شاء الله في سماء الأدب بجناحَين مبسوطين، وليطلعن على آفاق لم يرها من قبل، وليحدّثنّ قراء «الثقافة» حديثاً هو أحلى من مناجاة الحب وحديث القلب، وإلاّ يُكتَبْ له ذلك فعليه رحمة الله، وما ضر الناس بفقده (شيئاً)!
وهذا اعتذار تضمنته شكوى، فانشره يا سيدي مشكوراً، أو فدَعْه غيرَ ملوم:
ولا بُدّ مِن شكوى إلى ذي مروءةٍ
يُواسيك أو يُسْليك أو يَتَوجّعُ
والسلام عليك ورحمة الله وبركاته (١).
* * *
стр. 1596
وعلق الأستاذ أحمد أمين على هذه الرسالة في «الثقافة» سنة ١٩٤٣ (١٣٦٢هـ) فقال: أرسلَت «الثقافة» إلى الأستاذ الأديب الدمشقي ترجوه الخروج عن صمته والعودة إلى تلحينه، وقد عرفت منه كاتباً قديراً وأديباً متفنناً، فبعث بهذا الكتاب وأباح لنا نشره. ولعل هذا يكون سبباً باعثاً للأستاذ أن ينفّس عن نفسه، ويستعيد قلمه ويمتع القراء بآثاره، ويتحرر من الدنيا الضيقة التي يعيش فيها بين القضايا وكتب القانون وحيثيات الأحكام إلى الدنيا الواسعة، دنيا العواطف ودنيا الناس ومنازعهم ومشاكلهم وإصلاحهم، فما خُلق الأديب وَقفاً على مثل هذه الدنيا الضيقة.
والأستاذ يعتب على المجلات المصرية أنها تشيد بالتافه من نتاج مصر ولا تشير إلى الجيد من نتاج الأقطار الأخرى كالشام والعراق، وقد سمعنا هذه الشكوى مراراً، وقد يكون فيها شيء من الحق، ولكن أكبر الظن أنه إهمال غير مقصود، ولعلّ كتّاب الشام والعراق يحملون كثيراً من التبعة، فالكتب الشامية والعراقية تظهر بين أظهرهم وهم أعلم الناس بها وبملابساتها وبقيمتها، فلو كتبوا عنها ونقدوها نقداً قيماً وعرّفوا بها تعريفاً صحيحاً لما تأخرت المجلات المصرية عن نشر مقالاتهم ومشاركتهم في الإشادة بالآثار القيمة منها. و «الثقافة» على الأقل تلتزم هذا وتتعهد به، وتعتقد أنها بذلك تسد نقصاً واضحاً فيها وفي سائر المجلات، وهو عدم إيفاء باب النقد حقه، سواء أكان النتاج مصرياً أو عراقياً أو شامياً. وفي انتظار مقالات الأستاذ نحييه ونشكره.
* * *
стр. 1597
وكان الأستاذ أحمد أمين قد أجاب قبل هذا التاريخ بعشر سنين (سنة ١٩٣٣) على سؤال كنت وجّهته إلى «الرسالة» وهو أوّل ما نشرت فيها، فأجاب الأستاذ الزيات جواباً موجَزاً وأجاب الأستاذ أحمد أمين جواباً مفصّلاً، وقد مرّ خبر ذلك. وكان الأستاذ أحمد أمين من أركان «الرسالة» العاملين فيها، فلما انفصل منها وأنشأ مجلّة «الثقافة» (التي صارت الأخت الصغرى للرسالة) تفضّل فكتب إليّ مرتين أن أنشر بعض مقالاتي في «الثقافة».
وأنا إن أقبلت على «الثقافة» أمداً فما أعرضت عن «الرسالة» أبداً، ولئن واصلت الأستاذ أحمد أمين حيناً فما انقطعت عن الزيات، وما زلت أعدّه الأخ الكبير المتفضّل، ولكنني لمّا دخلت القضاء وانصرفت إلى كتب الفقه والقانون انقطعت عن الأدب وأهله وعن الكتابة فيه، حتى إن لي في «الرسالة» سنة ١٩٤٠ مقالة عنوانها «أنا والقلم» (١) أقول فيها:
أعترف أنها قد جفّت قريحتي فما عادت تبضّ بقطرة، وكَلّ ذهني ومات خيالي، ومرّت عليّ أيام طوال لم أستطع أن أخطّ فيها حرفاً، وعُدت من العيّ والحصر كأول عهدي بصناعة الإنشاء، وأصبحت وكأني لم أكن حليف القلم وصديق الصحف، وكأني لم أجرِ للبلاغة في مضمار.
والمقالة طويلة، قلت فيها:
وأنا قد بدأت صحفياً لا كاتباً، والصحفي يعيش مع الناس،
стр. 1598
يصف حالهم ويصوّر آلامهم وآمالهم ومتاعبهم ومطالبهم، فهو الطبيب لأوجاعهم، إن لم يداوِها بالعقاقير داواها بحسن المواساة وجميل القول. ومن أوجاع المجتمع ما يكون مثل القولنج، حبة رمل تعترض في الدقيق من مجرى البول، في الحالب، فيكون منها آلام كآلام الأم عند الطلق. لا يستطيع صاحبها أن يستقرّ على حال فهو يتقلّب ويصرخ، فإذا زالت عن موضعها زال الألم دفعة واحدة كما جاء دفعة واحدة. ومن الأوجاع ما هو كالسرطان، لا يذهب حتى تذهب الحياة. لذلك يكتب الصحفي المقالة تتخاطفها أيدي القُرّاء، ومن لم يصل إليها دفع عشرة أضعاف ثمن الجريدة ليطّلع عليها، فإذا مرّ اليوم ونُسي الحادث لم تجد من يباليها أو يفكّر فيها.
كتبت في كل موضوع شغل الناس: في الدين وفي الإصلاح وفي السياسة وفي الاجتماع، فإذا هدأت الحياة عندنا قليلاً (وقلّما تهدأ) كتبت في الأدب. وكذلك كنت في دراستي وفي مطالعتي، أقرأ كل شيء ولكن للأدب أكثر أيامي وجلّ اهتمامي، قرأت من كتب الأدب العربي القديم كل الذي وصلَت إليه يدي. قلت لكم من قبل إنني سردت الأغاني سرداً وأنا في أوائل المدرسة المتوسطة، قرأته مرة وحدي ومرة مع رفيق العمر سعيد الأفغاني، الذي كان أبوه الرجل العابد الصالح من كشمير لا يكاد يُحسِن العربية وصار هو اليوم المرجع في علوم العربية والحُجّة فيها، فهو الآن يدرّس في جامعة الملك سعود وما أعرف له في علمه بالنحو نظيراً.
ثم قرأت مئات من المجلّدات، وكنت أقتصر أبداً على الأدب
стр. 1599
القديم ثم انتقلت إلى الجديد، بدأت بالمنفلوطي الذي كان الأستاذ لنا والقدوة الذي نقتدي به في الإنشاء، وإن لم ألقَه ولم نعرفه، ثم للعقاد والمازني والرافعي والزيّات وحسين هيكل وصادق عنبر، وقرأت أجمل صفحات الأدب الأخرى: أما الفرنسية فأخذتها من نبعتها وقرأتها بلغتها يوم كنت أعرفها وكنت متمكّناً منها، وإن لم أكُن من المتقدّمين بين رفاقي بمعرفتها. وأمّا الآداب الأخرى فقرأت ما تُرجم إلى العربية منها، ومن أحسن ما أفادني ما تُرجم للمنفلوطي فكتبه بقلمه (وإن خرج به عن أصله)، وبعضه كقطعة تأبين فولتير لفيكتور هيغو يعتبر نموذجاً كاملاً للأسلوب الخطابي، لأن هيغو كان أسلوبه خطابياً وكان بارعاً فيه متقِناً له، وكذلك كان المنفلوطي. وأحسب أن فيكتور هيغو لو عرف العربية وكتب هذه القطعة بها لَما جاء بأحسن ممّا جاء به المنفلوطي.
أما «العبرات» التي حاول المنفلوطي أن يجعل منها قصصاً فلولا جمال أسلوبها ما كان لها في ميزان الأدب الحقّ ثقل، ذلك لأن الأم التي ترتفع حرارة ولدها وليس عندها أحد، فلا تدري ماذا تصنع له، فيتقطّع قلبها شفقة عليه وحُباً له ... وصف هذه الأم أصعب بمئة مرة ممّا ذهب إليه المنفلوطي، وهو أن يجعل الولد يموت فتموت من حزنها عليه الأم، ويأتي الأب فيفاجأ بالخبر فيُصعق فيموت، ويموت الجيران ويموت أهل الحارة، ويكون وباء عاماً. هذا الذي تشتمل عليه «العبرات»!
ومن أجود ما تُرجم إلى العربية من آداب الأمم الأخرى «رافائيل» للامرتين و «آلام فرتر» التي ترجمها الزيات، ثم روايات الجيب. روايات الجيب هذه إن طرحتَ منها حكايات أرسين لوبين
стр. 1600
وجدتَ مجموعة من نفائس القصص والأدب العالَمي، كـ «الفندق الكبير» و «الأبيض والأسود» وأمثالهما.
فلما انصرفت إلى تدريس الأدب في العراق وفي بيروت غلب على كتابتي -لا سيما ما كتبته في «الرسالة» - الأدبُ الخالص. فلما فكّرت في دخول القضاء وأعددت نفسي للمسابقة التي كانت مفروضة على طالبيه تركت الأدب وأهله وجانبت كتبه، وعكفت عكوفاً كاملاً على كتب الفقه: الفقه المذهبي وغير المذهبي، في مثل كتاب «إعلام الموقّعين» و «زاد المعاد» و «فتح الباري» و «سبل السلام» والكتب التي تبحث في علم الخلاف، وهو ما يُسمّى اليوم في الجامعات «الفقه المقارَن» (ترجمة للكلمة الأجنبية).
هنا كان ابتعادي عن الأدب وانقطاعي عن الكتابة، حتى لقد ظننت أني لن أعود إليه أبداً.
* * *
стр. 1601
-١٢٩ -
الحياة الأدبية قبل نصف قرن (٢)
لامني قوم وقالوا إني أخرج من خطّ الذكريات المتّبَع فلا أسلكه، بل أمشي في طريق جديد.
وأنا أعترف بهذا، لأنني لم أُرِد أن أكون كسائق السيارة الذي لا ينظر إلاّ إلى الأمام، بل كراكبها الذي يتلفّت يمنة ويسرة ويرى ما يمرّ به من مشاهد ويصف ما يرى. لست كالجندي المرسَل في مهمّة مستعجَلة فهو يسرع إلى قضائها، بل كالسائح المتمهل الذي يرى ويسمع ليستمتع ويستفيد.
لذلك جئت اليوم أكمل الكلام عن الحياة الأدبية قبل خمسين سنة، ألخّص هذه المقالات التي كتبها عن كل قطر أديبٌ من أبنائه، لا أعدّل فيها ولا أبدّل بل أختصر وألخّص وأروي. إنها صورة نادرة تنفع دارس الأدب، ثم إنها تتّصل بذكرياتي لأنها تعليق على إحدى مقالاتي. وليست صورة شمسية (فوتوغرافية) ترسمها آلة جامدة، بل هي لوحة حيّة يعرضها إنسان يحسّ، فتجيء مترجمة عن نفسيّته كما تجيء مصوّرة للأدب في بلده.
ولا يشكّ أحدٌ أن الحياة الأدبية في تلك الأيام في سوريا
стр. 1602
مثلاً وفي لبنان كانت أحفل وأغنى بالثمرات الأدبية من الأدب في الحجاز، وقرأتم مع ذلك أني لم أعُدّ ما صدر عندنا في الشام من آثار دالاًّ على حياة أدبية صحيحة وعدّ الأستاذ الشبكشي (شفاه الله) ما صدر في الحجاز دليلاً قوياً على حياة أدبية صحيحة، مع أنه لا سبيل إلى المعادلة أو المماثلة بين الأدبَين في البلدَين.
ولست في هذه الحلقات ناقداً، بل ناقلاً ما كتب هؤلاء الأدباء من أهل كل بلد عن بلده.
* * *
وهذه المقالة السادسة عن الحياة الأدبية في فلسطين، يقول كاتبها الأستاذ محمد تقيّ الدين النبهاني:
مدارس الأدب في فلسطين مدرستان: مدرسة الشيوخ ومدرسة الشباب. وهذا التقسيم قد يكون طبيعياً، بل قد يكون عاماً لا يمتاز به قطر ولا يستأثر به بلد، غير أنه في فلسطين غيرُه في سواها، فأدب الشيوخ في أكثر الأقطار مطبوع بطابع المحافظة على القديم حتى لدى المجدّدين منهم، وأدب الشباب كَلِفٌ بالجديد حتى لدى المعتدلين من هؤلاء، أما فلسطين ...
إلى أن قال: ترى طائفة من الشيوخ أن الأدب في رفض هذا النحو المألوف لدى العرب وتذهب إلى أن كتب النحو وأسفار البلاغة (من أمثال كتب الجرجاني والقزويني حتى اليازجي، وأسفار ابن هشام وابن مالك حتى الشرتوني والجارم) يجب أن تُحرق وينبغي أن تُمحى وأن تكون لغةُ الصحف والكلامُ العادي
стр. 1603
هي الأدبَ الحقّ. فكفى المرء أدباً أن يقرأ حتى لو أخطأ رفع المبتدأ ونصب الحال، ما دام هو أو السامع قد فهم مغزى الكلام ... وهذا رأي ينادي على نفسه بالخطل.
وتزعم طائفة أخرى أن الأدب في التضلّع من غرائب الكلِم وأنّ من لم يُحِط علماً بذلك لا يُسمّى أديباً ... هذان رأيان من آراء الشيوخ، وهما متناقضان. وطائفة معتدلة ولكنها تقصر علمها وتحصر نهضتها في غرف الدرس وحلقات السمر، لم تُخرِج بعدُ ثمرة ولم تقُم بمجهود ...
إلى أن قال: أمّا الشباب ففرقتان: فرقة كان موطن ثقافتها مصر وفرقة رضعَت لبان الأدب في فلسطين ولبنان. فالذين تثقفوا في مصر يرون أن خير طريق لإنهاض الأدب هي الطريق التي تسير فيها جمهرة أدباء مصر، وتعتمد على دراسة النصوص وفهمها ونقدها ... أما الفرقة الأخرى فهي تقصر الأدب على رقيق الغزَل وبارع الخيال في الكلم وما يبدع من مقالات الصحف السيارة، حتى إنهم ليعدّون رئيس تحرير جريدة أديباً إذا ما أنشأ كلمة في علاج شؤون البلاد.
إلى أن قال: ولا يحزن القارئ من عرض هذه الصورة، فإن الواقع هو هذا الاضطراب في الحياة الأدبية عندنا، ففلسطين كان أدبها معدوماً وكان أدباؤها غير مخلوقين قبل سنين (وعلّل ذلك بأن الأتراك كانوا يتآمرون على الأدب العربي). وختم مقالته بقوله: بَيد أن هذا الاضطراب والاحتكاك يلمع ببرق أمل في النهضة الأدبية ويبشّر بانتظام حياة أدبية بجهد الشباب والمعتدلين من
стр. 1604
الشيوخ، وما هي إلاّ لمحة حتى تتغير الحياة غير الحياة، وتظهر رياض الأدب في هذه البلاد العربية وتؤتي أُكُلها ثمراً شهياً.
* * *
المقالة السابعة عن الحياة الأدبية في المغرب بقلم محمد عبد المجيد بن جلون. يقول فيها:
وبعد، فما هي حالة الأدب العربي في المغرب اليوم؟ لقد أجهدت نفسي في أن أصل إلى جواب أطمئنّ إليه عن هذا السؤال، فما وجدت الحقيقة إلاّ في أنها حالة ضعيفة. فما هي الكتب الأدبية بالمعنى الصحيح التي يصدرها المغرب؟ أعفِني بربّك أيها القارئ، فالحقيقة مُرّة وقلبي يضطرب عند ذكرها اضطراباً.
وإذا عدمنا الكتب فلنتساءل عن الصحف. إن كلّ ما يُصدِره المغرب مجلّتان أدبيّتان: الأولى مجلّة «المغرب» للأستاذ محمد الصالح نيسة برباط الفتح، والثانية «المغرب الجديد» للأستاذ محمد المكي الناصري بتطوان. اجتازت الأولى مرحلة أربع سنوات والثانية أتمّت سنتها الأولى من قريب، فما قيمة ما تنشر هاتان المجلّتان؟ أوّلاً يجب أن تعلم أن المجلاّت المصرية طغت عليهما إلى درجة أن إحداهما لا تُباع في فاس لأنها فقدت المشتري بالمرّة، وهما معاً تصدران شهرياً، فلننظر الآن إلى ما في هذه المجموعات.
أما ما يُسمّى بالبحث الأدبي ففيها الكثير، خصوصاً حول الأدب العربي في المغرب قديماً، فهذا البحث الذي يتابع نشره
стр. 1605
الأستاذ محمد علال الفاسي على الطريق الحديثة، عن أبي عليّ اليوسي، وبحثه القيّم يبهر القارئ. وهو يكتب الآن بحثاً عن أثر شعر المتنبّي في المغرب بمناسبة ذكراه الألفيّة.
إلى أن قال: أما إن بحثت عما يُسمّى بالإنتاج الأدبي فذلك ما لا تعثر عليه، فليس يدور بخلد المغربي أن يعالج القصّة بل القصّة عنده لهو وعبث يجب أن يضنّ عليه بوقته الثمين. وهنالك شعر قليل، ولكنه نَظْم ليس إلاّ، ذلك أن المغاربة يجهلون الشعر تماماً ... وما عندهم إلاّ تقليد لما مضى ومعانٍ مفكّكة، وهم ضعفاء الخيال. وهنا أستثني شاعر شبابنا الأستاذ محمد علال الفاسي.
إلى أن قال: والنهضة المغربية تقوم على أكتاف الشباب، فالشباب الناشئ الذي يقرأ ما يكتبه أفذاذ الشرق قد اعتدلت أفكاره نوعاً من الاعتدال ... والعقلية المغربية أقرب إلى العلم منها إلى أي شيء آخر، خصوصاً ما في جامعة القرويين من دروس جامعة، مع اعترافنا بما فيها من نقص وما تحتاج إليه من تهذيب.
إلى أن قال: بقي أن نقول إن «القرويين» والمدارس الحكومية والقومية كلها تُحمَد وتُعاب، غير أن أفضل معهد للدرس هو «القرويين». ولو كان أبناء «الكوليج» و «مولاي إدريس» يشتغلون بالعربية لكانوا أنجب من أبناء القرويين.
* * *
المقالة الثامنة عن الحياة الأدبية في الحجاز أيضاً للأستاذ عبد القدوس الأنصاري. قال فيها:
стр. 1606
كانت الحياة الأدبية عندنا فيما قبل الحرب العامّة الماضية تجري على سنن أدباء القرون الوسطى جرياً تقليدياً مَحضاً ميكانيكياً خالصاً، قصائد غزل ورثاء ومدح وهجاء وتطريز وتشجير، ورسائل معذرة وإطراء وعتاب وتواصل وتقاطع. وكانت كل هذه الرسائل وهاتيك القصائد منهوكة القُوى المعنوية، بما تحمله دواماً من أغلال السجع المرهِقة وأثقال المحسِّنات البديعية الجافّة، التي كان لها في الأدب عامّة المقام الأول. أمّا المعاني فهي في الدرجة الثالثة أو الرابعة.
إلى أن قال: فلما وضعَت الحرب أوزارها استيقظ في نفر من ناشئة الحجاز المتعلّمين روح النهوض، وشعروا أن أدبهم قد أخنى عليه التقليد وأفسده داء الجمود.
إلى أن قال: إلى أين نتّجه؟ هنا شاهدنا سببَين ممدودَين إلينا من أقطار العروبة الناهضة، وكل منهما له مغريات: هذا الأدب المصري يجذبنا بنصاعة أسلوبه وقوّة ترتيبه، وهذا الأدب المَهجري يسحرنا بمرونة أسلوبه وبسهولة تعبيره. كان طبيعياً والحالة كذلك أن يحصل انقسام في اتجاه حياتنا الأدبية. ففي المدينة المنورة كان منّا إجماع على اعتناق الأدب المصري أسلوباً وتفكيراً، وفي مكّة وجدّة تمسّكَت طائفة بذيول الأدب المهجري وأخرى اعتنقت الأدب المصري، وكلٌّ سار في اتجاهه يكتب ويفكّر، حتى كان تفاعل فكريّ في الآونة الأخيرة أنتج توحيد مناهج الأدب الحجازي في انتهاج سبيل الأدب المصري وحده.
إلى أن قال: على أن حياتنا الأدبية -بسبب حداثة عهدها
стр. 1607
ولكونها نتيجة ثقافة محدودة- فإنها ما تزال في حاجة إلى الإصلاح والتغذية وإلى التنظيم والنضوج. فالاضطراب الفكري والارتجال الكتابي ظاهرتان ما تزالان تلازمانها فيما تنتجه من ثمار. ولقد خطَت حياتنا الأدبية خطوات مباركة في سبيل النشر والتأليف، فمع وجود كثير من العقبات والحواجز قد ظهر في عالَم المطبوعات كتب أدبية حجازية، منها كتاب «أدب الحجاز» وكتاب «آثار المدينة المنورة» ورواية «التوأمان» و «إصلاحات في لغة الكتابة والأدب» و «تاريخ العين الزرقاء» و «حياة سيد العرب». وفي الحجاز اليوم صحيفة أدبية هي الأولى من نوعها وهي «صوت الحجاز» التي تصدر بمكّة، وهذه الصحيفة هي المنبر الوحيد الذي يتبارى من فوقه حَمَلة الأقلام في الحجاز، وفي نيّة بعض إخواننا من أدباء المدينة وشبابها إنشاء صحيفة في المدينة كصوت الحجاز، نرجو لهم التوفيق.
وخلاصة القول أن في الحجاز اليوم حياة أدبية وإحساساً أدبياً زاخرَين بالآمال.
* * *
المقالة التاسعة عن الحياة الأدبية في شرق الأردن (لمّا كتبت هذه المقالة سنة ١٣٥٥ لم تكن قد أُسِّست المملكة الأردنية الهاشمية، وإنما كانت إمارة شرقيّ الأردن فقط وأميرها هو الأمير عبد الله بن الحسين الهاشمي). جاء في هذه المقالة:
لم تكن بلاد ما وراء الأردن منذ خمسة عشر عاماً إلاّ جزءاً من سوريا لا ينفصل، فهي بلاد فتيّة في تكوينها السياسي وفي نهضتها
стр. 1608
الأدبية والاجتماعية. أمّا والمقصود من هذا المقال النهضة الأدبية فلنقتصر عليها، تاركين البحث في السياسة والاجتماع لعلمائهما.
في شرق الأردن حياة أدبية جديدة لم يكن لنا عهد بها، فكان أوّل عمل قامت به الحكومة فتح المدارس الأميرية ... فتولّد من ذلك روح ويقظة جديدتان. كانت الحياة الأدبية قبل ذلك راكدة والنفوس فاترة، فلم تنبعث إلاّ بتأليف حكومة سموّ الأمير المعظم، عند ذلك دخلَت البلادَ فئةٌ راقية من أدباء الأقطار المجاورة، وخاصة سوريا، فكان دخول هذه الفئة البلاد باعثاً كبيراً على إحياء الأدب العربي وإحداث نهضة فكرية مبارَكة. فكان مثلاً لقصائد الشيخ فؤاد باشا الخطيب، شاعر الثورة، والأستاذ محمد الشريقي وغيرهما من الأدباء الذين رافقوا الثورة العربية أثر كبير في إحياء الآمال في نفوس الأحداث.
ثم بيّن أن الحكومة عملت أيضاً على إرسال البعثات العلمية سنوياً إلى الجامعة الأمريكية في بيروت وغيرها من المعاهد العالية في سوريا وفلسطين. وتنبّه الشعب الأردني إلى فضل الأدب والعلم في نهضات الشعوب ... كلّ ذلك كان يحدث بينما الصحافة المصرية تغذّي نفوس الأحداث بأدبها الراقي وعلمها الصحيح، ولا أبالغ إذا قلت إنه كان للرسالة خاصة أثر ملموس في إحياء النهضة الفكرية وتشجيع الحياة الأدبية، لإقبال الطلاب على مطالعتها إقبالاً شديداً.
إلى أن قال: ونحن نرى طلائع هذه العوامل في تكوين النهضة الأدبية في قيام فئة قليلة من حَمَلة الأقلام النثرية، كأديب
стр. 1609
عباسي والدكتور أبو غنيمة وبشير الشريقي وعبد الحليم عبّاس، وشعرية أمثال مصطفى وهبي التل شاعر النّوَر (أي الغجر) والشيخ رشيد بك وغيرهم من الأدباء الأحداث. لكن شرق الأردن يمتاز عن الأقطار العربية الأخرى بنوع خاصّ من الأدب، أعني به الشعر البدوي ... والشاعر البدوي شاعران: شاعر راوية يحفظ -على أُمّيته- كَمّية وافرة من القصائد المختلفة ويُلقيها في شتّى المناسبات، كمجالس الشيوخ والأفراح المختلفة من مولد وختان وعرس. وشاعر منشئ مبتكر. وعدد الفئة الأخيرة قليل جداً إذا قيس بالفئة الأولى.
إلى أن قال: وأقتصر هنا على ذكر فريق من الشعراء البدو المخضرَمين، نخصّ منهم بالذكر نمر العدوان، وقصيدته في رثاء زوجه مشهورة تتناقلها الألسنة في كل مكان.
وجاء في المقالة بأمثلة كثيرة من الشعر البدوي وشرحها وفسّرها، ومنها ما يعدل في جودة معناه أبلغ الشعر الفصيح.
* * *
المقالة العاشرة عن المغرب الأقصى للأستاذ ع. ك. (ولعلّه عبد الله كنون)، يقول فيها:
أما وقد قرأت في مجلّة «الرسالة» الغرّاء مقالة عن الحياة الأدبية في دمشق بقلم علي الطنطاوي وعن الحياة الأدبية في بغداد، إلخ، ورأيت في أكثرها التبرم والتشكّي من ضعف الحياة الأدبية، كلّ في بلده، ومن تصوير مظاهر الضعف في هذه الحياة التي
стр. 1610
كادت تُزري بتقدّم البلاد من النواحي الأخرى. أمَا وقد قرأت هذا فيحسن بي أن أضمّ صوتي إلى أخوَيّ الدمشقي والبغدادي وإخوتي الآخرين، فأكتب كلمة عن الحياة الأدبية في المغرب ليعرف القُرّاء أن المغرب قد اغترف غرفة ممّا غرفت منه دمشق وبغداد.
إلى أن قال: إذا نظرنا إلى المغرب الحديث وأردنا أن نسبر غور الحياة الفكرية والعلمية والأدبية بمسبر نعرف به مدى ما بلغته من الرقيّ أو الانحطاط، من القوة أو الضعف، من النهوض أو الجمود، إذا أمعنّا النظر استطعنا أن نخرج بنتيجة لا تُرضي. تلك النتيجة هي -في صراحة- أن المغرب الأقصى يتخبّط في ديجور من الجهل قاس، وفي بساطة فكر مفرطة، وفي خمود وجمود لم يسبق لهما مثيل في عصوره التاريخية.
إذا تساءلنا: هل هناك حركة فكرية أو علمية تسود المغرب الأقصى حتى يجني من ورائها ما يزيح به هذه الظلمة التي تغمره من أقصاه إلى أقصاه؟ لم نجد إلاّ كلّية القرويين التي أنجبَت فطاحل علماء المغرب. نخرج بالنتيجة الآتية، وهي أن الحركة التي نبتغي البحث عنها وعن مظاهرها هي شيء لم يوجد حتى الآن، غير أن هناك شبح حركة علمية تغذّيها كلية القرويين ونظامها الجديد، ولكن على حال مشوَّهة لا تُرضي، ولن تُرضي إذا بقيَت الحال كما نرى. فإذا ما أطلقنا عليها «حركة علمية» فقد عرّضنا أنفسنا لظلم الحقيقة والتاريخ.
إلى أن قال: أمّا الحياة الأدبية فليست أحسن حالاً من الحياة العلمية، بل إننا نجدها أضعف منها وأحطّ بكثير ولم نجد هناك
стр. 1611
مايُطلَق عليه اسم الحياة الأدبية ... فهذه المطابع الشرقية تظهر علينا من حين لآخر بعشرات الكتب الجديدة، الأدبية والعلمية، بأقلام أدباء شرقيين وخاصة في مصر، فأين هي آثار المطابع المغربية من ذاك؟
وأين هي المجهودات الأدبية للأدباء المغاربة أمام مجهود الشرقيين على العموم والمصريين على الخصوص؟ فهذا العالَم العربي يطلع علينا كل يوم بمئات الصحف والمجلاّت الأدبية والعلمية فيظهر فيها من المقدرة على البحث الأدبي والإنتاج العلمي ما ينبئنا بقوّة حياته الأدبية وبلوغها أوج الكمال، فأين هي الصحف والمجلاّت المغربية الأدبية؟ وأين هو إنتاج المغاربة الأدبي وبحثهم العلمي؟ وهذه الأندية الأدبية في الشرق تُخرِج لنا كلّ يوم محاضرات قيّمة تغذّي بها الأفكار، فأين هي الأندية المغربية وأين هي آثارها؟
ثم بحث في أسباب هذا الضعف، فتبيّن له أن السبب الأول هو الضعف في التعليم، وبيّن أن المغرب ليس فيه من المعاهد التي تغذّي الحركة الأدبية إلا كلّية القرويين (جامع القرويين) التي يتكفّل برنامجها الجديد بتخريج أدباء بل أساتذة في الأدب العربي، وهم الذين تخرّجوا في القسم العالي الأدبي، وهؤلاء يمكن أن نعلّق عليهم الأمل في بعث حركة أدبية في المغرب. والثاني هو الصحافة.
وبيّن أثر الصحافة في الأدب وفضلها عليه، ثم قال: المغرب الأقصى من جملة الشعوب التي لم تَحظَ حتى الآن بصحيفة أدبية
стр. 1612
أو علمية سوى جريدة «السعادة»، لسان الحكومة الرسمي وناشرة أخبارها ومقرراتها. ويرجع هذا السبق الصحفي في المغرب إلى القانون الجائر الذي وُضع للصحافة في المغرب (إن صحّ لنا أن نسمّيه قانوناً). وهذا القانون يمنع إصدار جريدة أو مجلّة عربية إلاّ بعد الإذن من الصدر الأعظم (رئيس الوزارة)، وله الرجوع عن هذا الإذن في أيّ وقت شاء، ولرئيس الجيش الأعلى أيضاً تقديم تقرير بمنع الصحيفة فينفَّذ أمره بلا استثناء.
وقد أُنشئت صحف في منطقة النفوذ الإسباني فطوردَت في منطقة النفوذ الفرنسي، ذلك أن المستعمرين قسموا المغرب إلى ثلاث مناطق: المنطقة السلطانية أو منطقة النفوذ الفرنسي، المنطقة الخليجية أو منطقة النفوذ الإسباني، المنطقة الدولية. نعم، هناك مجلّة علمية تصدر شهرياً في تطوان باسم «المغرب الجديد» نعلّق عليها الآمال في بعض الحياة الأدبية في المغرب. أمّا مجلّة «المغرب» التي تصدر شهرياً في رباط الفتح فليس يعنيها من الناحية الأدبية والعلمية شيء، وإنما يهمّها الخبز والتعليم على حدّ تعبيرها.
والسبب الثالث المشروعات الأدبية. وقد بيّن أن بعض الأدباء حاولوا أن يخطوا بالمغرب خطوة في هذا السبيل، فكان من آثارهم حفل الذكرى الأربعين لخالد الذكر أحمد شوقي بك، وحفل الذكرى الألفيّة لأبي الطيّب المتنبّي (أقيمت في فاس في ٢٥ رمضان الماضي، أي سنة ١٣٥٤). وهي خطوة حميدة في هذا الباب، غير أن هذا العمل الضئيل لا يكفي في بعث الحركة الأدبية وإيقاظها.
стр. 1613
والسبب الرابع لضعف الحياة الأدبية هو البخل على الأدب، أعني عدم وجود الناشرين لهذا الأدب الذي نودّ أن يُبعَث. فمن دواعي النشاط الأدبي أن يجد الأديب (الذي يقف قسطاً من حياته على تأليف كتاب أو نظم ديوان) ناشراً يُبرِز مجهوداته إلى الوجود ويُخرِجها إلى الناس، ليعرفوا مقدار عمله وليكون ذلك مشجّعاً على المضيّ في سبيله. والمغاربة مع شديد الأسف ليس فيهم مَن يُشفِق على هذه الحياة الأدبية وينظر إليها بعين العطف والحنان فيقف قسطاً من ماله على نشر الكتب الأدبية والدواوين الشعرية أو يقدّم جائزة مثلاً لمن يؤلّف كتاباً في الأدب، مع أن فيهم الأغنياء الذين يستهلكون ثروتهم في شهواتهم فقط. إلى أن قال: فهذا شاعر الشباب الأستاذ محمد علال الفاسي يودّ أن ينشر ديوانه «روض الملك»، ولكن أين هو الناشر؟
هذه جملة الأسباب التي تُعين على ضعف الحياة الأدبية في المغرب، أجملنا القول فيها إجمالاً لنعلّل فقط هذا الضعف المزري في حياتنا الأدبية، وليظهر للقارئ السبب الداعي لخمود الحركة الأدبية في المغرب.
* * *
المقالة الحادية عشرة عن الحياة الأدبية في تونس. وضعوا في أعلاها جملة من مقالتي هي قولي: "يجب أن يصف أدباء كلّ قطر من الأقطار الحياة الأدبية في قطرهم ومبلغ قوّتها أو ضعفها، لنتعاون جميعاً على علاجها ومداواتها". وفيها:
الكلام عن الحياة الأدبية في تونس يشمل الكلام عنها من
стр. 1614
ناحيتين مختلفتين، فإن كان المراد بالحياة الأدبية كثرة المشتغلين بالأدب والمهتمّين بالحديث عن رجاله والمُقبِلين على مجالسه ونواديه والمطالعين لكتبه ومجلاّته، ففي تونس حياة أدبية لا بأس بها. أمّا إذا أردنا الإنتاج الأدبي والمجهود الفردي لخدمة الأدب بواسطة التأليف والنشر، فتونس ليس لها حياة أدبية تليق بمكانتها التاريخية ومركزها الجغرافي في إفريقيا الشمالية ...
إلى أن قال: أمّا الشعر فهناك في تونس شعراء كثيرون ودواوين شعرية مطبوعة، كديوان خزندار وديوان سعيد أبوبكر وديوان مصطفى آغا، ومجموعة للأدب التونسي المعاصر في أربعة أجزاء جمعها زين العابدين السنوسي صاحب مجلّة «العالَم العربي» وترجم فيها لما يزيد على ثلاثين شاعراً واتخذ من شعرهم منتخَبات. ولكن الشعر التونسي في مجموعه لم يبلغ من القوّة والابتكار والاستقلال الفكري والمميزات الفردية وظهور الشخصيات القوية ما يجعله يقوى على تحمّل المقارنة بالشعر العالي أو أن يُنعَت بالأدب الرفيع. ومن سوء حظّ تونس أن الفرد الوحيد الذي استطاع أن يعلو بشعره إلى مكانة الشعر الراقي ويضاهي به أنبغ شعراء العرب قد مات في العام الماضي في ريعان الشباب، وبكته تونس في حفلة رائعة اشترك فيها كثير من أبناء العربية (يريد أبا القاسم الشابي).
والشعر التونسي المعاصر يسيطر عليه تقريباً الشعراء الشيوخ، وهم الذين يقتفون فنون الشعر القديم. أمّا الشعراء الشباب فيغلب على شعرهم الميل إلى التجديد في المعاني والأغراض، وحتى الأوزان والأساليب. ولكن الذي يُعاب عليهم هو غَلَبة أسلوب
стр. 1615
الجرائد ومواضيعها على أدبهم، وفقرُ شعرهم من المعاني القوية والصور الشعرية، واحتياجُهم الثقافة العامّة القائمة على سعة الاطلاع والإحاطة بتاريخ الحركات الأدبية والفكرية في مختلف العصور. ويُعاب عليهم أيضاً هذا النوع من الأدب الباكي الذليل، فلا يكاد أحدهم يجدّ في نظم الشعر حتى تراه ينظم في البؤس وتوابعه ويتشاءم من كلّ شيء في الحياة. ونحن نقبل هذا النوع من الكهول والشيوخ الذين دخلوا معركة الحياة وتمرّسوا بآفاتها، ولكننا نرفضه من الشباب لأن الشباب أمل وعزيمة وحبّ للغلبة والكفاح.
وفي تونس الكتابة كثيرة، فأية كتابة عندنا وأيّ كتاب؟ نقول في الجواب: يوجد عندنا الكاتب الاجتماعي والمؤرّخ والصحفي، وقد نُشر في تونس هذه السنوات الأخيرة كتب بعضها في التاريخ ككتب الأساتذة حسن حسني عبد الوهاب وعثمان الكعاك وأحمد توفيق المدني، وبعضها في الأدب والاجتماع ككتاب أبي القاسم الشابي عن الخيال الشعري وكتاب الطاهر الحداد عن المرأة وكتاب محمد المرزوقي عن مسائل من الفنّ والجمال.
وهناك خمس صحف أسبوعية وجريدتان يوميّتان ومجلّة أدبية لم يستطع صاحبها أن ينفخ فيها الحياة، فهي تُحتضر منذ سنوات. وعدا ذلك فليس في تونس من يمثّل تمثيلاً مشرّفاً أدب القصّة والمسرح وأدب الأطفال والأدب القومي، وكذلك الناحية النقدية والعلمية في الأدب، وتاريخ تونس لمّا يكتب.
إلى أن قال: أمّا المعاهد الثانوية والعالية فهناك جامع الزيتونة الأعظم، والمدرسة الصادقية، والمدرسة العليا للآداب