← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

مايُطلَق عليه اسم الحياة الأدبية ... فهذه المطابع الشرقية تظهر علينا من حين لآخر بعشرات الكتب الجديدة، الأدبية والعلمية، بأقلام أدباء شرقيين وخاصة في مصر، فأين هي آثار المطابع المغربية من ذاك؟ وأين هي المجهودات الأدبية للأدباء المغاربة أمام مجهود الشرقيين على العموم والمصريين على الخصوص؟ فهذا العالَم العربي يطلع علينا كل يوم بمئات الصحف والمجلاّت الأدبية والعلمية فيظهر فيها من المقدرة على البحث الأدبي والإنتاج العلمي ما ينبئنا بقوّة حياته الأدبية وبلوغها أوج الكمال، فأين هي الصحف والمجلاّت المغربية الأدبية؟ وأين هو إنتاج المغاربة الأدبي وبحثهم العلمي؟ وهذه الأندية الأدبية في الشرق تُخرِج لنا كلّ يوم محاضرات قيّمة تغذّي بها الأفكار، فأين هي الأندية المغربية وأين هي آثارها؟ ثم بحث في أسباب هذا الضعف، فتبيّن له أن السبب الأول هو الضعف في التعليم، وبيّن أن المغرب ليس فيه من المعاهد التي تغذّي الحركة الأدبية إلا كلّية القرويين (جامع القرويين) التي يتكفّل برنامجها الجديد بتخريج أدباء بل أساتذة في الأدب العربي، وهم الذين تخرّجوا في القسم العالي الأدبي، وهؤلاء يمكن أن نعلّق عليهم الأمل في بعث حركة أدبية في المغرب. والثاني هو الصحافة. وبيّن أثر الصحافة في الأدب وفضلها عليه، ثم قال: المغرب الأقصى من جملة الشعوب التي لم تَحظَ حتى الآن بصحيفة أدبية

стр. 1612

أو علمية سوى جريدة «السعادة»، لسان الحكومة الرسمي وناشرة أخبارها ومقرراتها. ويرجع هذا السبق الصحفي في المغرب إلى القانون الجائر الذي وُضع للصحافة في المغرب (إن صحّ لنا أن نسمّيه قانوناً). وهذا القانون يمنع إصدار جريدة أو مجلّة عربية إلاّ بعد الإذن من الصدر الأعظم (رئيس الوزارة)، وله الرجوع عن هذا الإذن في أيّ وقت شاء، ولرئيس الجيش الأعلى أيضاً تقديم تقرير بمنع الصحيفة فينفَّذ أمره بلا استثناء. وقد أُنشئت صحف في منطقة النفوذ الإسباني فطوردَت في منطقة النفوذ الفرنسي، ذلك أن المستعمرين قسموا المغرب إلى ثلاث مناطق: المنطقة السلطانية أو منطقة النفوذ الفرنسي، المنطقة الخليجية أو منطقة النفوذ الإسباني، المنطقة الدولية. نعم، هناك مجلّة علمية تصدر شهرياً في تطوان باسم «المغرب الجديد» نعلّق عليها الآمال في بعض الحياة الأدبية في المغرب. أمّا مجلّة «المغرب» التي تصدر شهرياً في رباط الفتح فليس يعنيها من الناحية الأدبية والعلمية شيء، وإنما يهمّها الخبز والتعليم على حدّ تعبيرها. والسبب الثالث المشروعات الأدبية. وقد بيّن أن بعض الأدباء حاولوا أن يخطوا بالمغرب خطوة في هذا السبيل، فكان من آثارهم حفل الذكرى الأربعين لخالد الذكر أحمد شوقي بك، وحفل الذكرى الألفيّة لأبي الطيّب المتنبّي (أقيمت في فاس في ٢٥ رمضان الماضي، أي سنة ١٣٥٤). وهي خطوة حميدة في هذا الباب، غير أن هذا العمل الضئيل لا يكفي في بعث الحركة الأدبية وإيقاظها.

стр. 1613

والسبب الرابع لضعف الحياة الأدبية هو البخل على الأدب، أعني عدم وجود الناشرين لهذا الأدب الذي نودّ أن يُبعَث. فمن دواعي النشاط الأدبي أن يجد الأديب (الذي يقف قسطاً من حياته على تأليف كتاب أو نظم ديوان) ناشراً يُبرِز مجهوداته إلى الوجود ويُخرِجها إلى الناس، ليعرفوا مقدار عمله وليكون ذلك مشجّعاً على المضيّ في سبيله. والمغاربة مع شديد الأسف ليس فيهم مَن يُشفِق على هذه الحياة الأدبية وينظر إليها بعين العطف والحنان فيقف قسطاً من ماله على نشر الكتب الأدبية والدواوين الشعرية أو يقدّم جائزة مثلاً لمن يؤلّف كتاباً في الأدب، مع أن فيهم الأغنياء الذين يستهلكون ثروتهم في شهواتهم فقط. إلى أن قال: فهذا شاعر الشباب الأستاذ محمد علال الفاسي يودّ أن ينشر ديوانه «روض الملك»، ولكن أين هو الناشر؟ هذه جملة الأسباب التي تُعين على ضعف الحياة الأدبية في المغرب، أجملنا القول فيها إجمالاً لنعلّل فقط هذا الضعف المزري في حياتنا الأدبية، وليظهر للقارئ السبب الداعي لخمود الحركة الأدبية في المغرب. * * * المقالة الحادية عشرة عن الحياة الأدبية في تونس. وضعوا في أعلاها جملة من مقالتي هي قولي: "يجب أن يصف أدباء كلّ قطر من الأقطار الحياة الأدبية في قطرهم ومبلغ قوّتها أو ضعفها، لنتعاون جميعاً على علاجها ومداواتها". وفيها: الكلام عن الحياة الأدبية في تونس يشمل الكلام عنها من

стр. 1614

ناحيتين مختلفتين، فإن كان المراد بالحياة الأدبية كثرة المشتغلين بالأدب والمهتمّين بالحديث عن رجاله والمُقبِلين على مجالسه ونواديه والمطالعين لكتبه ومجلاّته، ففي تونس حياة أدبية لا بأس بها. أمّا إذا أردنا الإنتاج الأدبي والمجهود الفردي لخدمة الأدب بواسطة التأليف والنشر، فتونس ليس لها حياة أدبية تليق بمكانتها التاريخية ومركزها الجغرافي في إفريقيا الشمالية ... إلى أن قال: أمّا الشعر فهناك في تونس شعراء كثيرون ودواوين شعرية مطبوعة، كديوان خزندار وديوان سعيد أبوبكر وديوان مصطفى آغا، ومجموعة للأدب التونسي المعاصر في أربعة أجزاء جمعها زين العابدين السنوسي صاحب مجلّة «العالَم العربي» وترجم فيها لما يزيد على ثلاثين شاعراً واتخذ من شعرهم منتخَبات. ولكن الشعر التونسي في مجموعه لم يبلغ من القوّة والابتكار والاستقلال الفكري والمميزات الفردية وظهور الشخصيات القوية ما يجعله يقوى على تحمّل المقارنة بالشعر العالي أو أن يُنعَت بالأدب الرفيع. ومن سوء حظّ تونس أن الفرد الوحيد الذي استطاع أن يعلو بشعره إلى مكانة الشعر الراقي ويضاهي به أنبغ شعراء العرب قد مات في العام الماضي في ريعان الشباب، وبكته تونس في حفلة رائعة اشترك فيها كثير من أبناء العربية (يريد أبا القاسم الشابي). والشعر التونسي المعاصر يسيطر عليه تقريباً الشعراء الشيوخ، وهم الذين يقتفون فنون الشعر القديم. أمّا الشعراء الشباب فيغلب على شعرهم الميل إلى التجديد في المعاني والأغراض، وحتى الأوزان والأساليب. ولكن الذي يُعاب عليهم هو غَلَبة أسلوب

стр. 1615

الجرائد ومواضيعها على أدبهم، وفقرُ شعرهم من المعاني القوية والصور الشعرية، واحتياجُهم الثقافة العامّة القائمة على سعة الاطلاع والإحاطة بتاريخ الحركات الأدبية والفكرية في مختلف العصور. ويُعاب عليهم أيضاً هذا النوع من الأدب الباكي الذليل، فلا يكاد أحدهم يجدّ في نظم الشعر حتى تراه ينظم في البؤس وتوابعه ويتشاءم من كلّ شيء في الحياة. ونحن نقبل هذا النوع من الكهول والشيوخ الذين دخلوا معركة الحياة وتمرّسوا بآفاتها، ولكننا نرفضه من الشباب لأن الشباب أمل وعزيمة وحبّ للغلبة والكفاح. وفي تونس الكتابة كثيرة، فأية كتابة عندنا وأيّ كتاب؟ نقول في الجواب: يوجد عندنا الكاتب الاجتماعي والمؤرّخ والصحفي، وقد نُشر في تونس هذه السنوات الأخيرة كتب بعضها في التاريخ ككتب الأساتذة حسن حسني عبد الوهاب وعثمان الكعاك وأحمد توفيق المدني، وبعضها في الأدب والاجتماع ككتاب أبي القاسم الشابي عن الخيال الشعري وكتاب الطاهر الحداد عن المرأة وكتاب محمد المرزوقي عن مسائل من الفنّ والجمال. وهناك خمس صحف أسبوعية وجريدتان يوميّتان ومجلّة أدبية لم يستطع صاحبها أن ينفخ فيها الحياة، فهي تُحتضر منذ سنوات. وعدا ذلك فليس في تونس من يمثّل تمثيلاً مشرّفاً أدب القصّة والمسرح وأدب الأطفال والأدب القومي، وكذلك الناحية النقدية والعلمية في الأدب، وتاريخ تونس لمّا يكتب. إلى أن قال: أمّا المعاهد الثانوية والعالية فهناك جامع الزيتونة الأعظم، والمدرسة الصادقية، والمدرسة العليا للآداب

стр. 1616

واللغة العربية. أمّا جامع الزيتونة فهو حصن العربية الأشمّ، وهو بمثابة الأزهر في مصر، وخريجوه الصفوة من العلماء والحُكّام والقُضاة، وهم الطبقة الوحيدة ذات الثقافة العربية المحضة. أمّا المدرسة الصادقية ومدرسة اللغة والآداب العربية فإن الدراسة تقع فيهما باللسانَين، وربما غلبت فيهما الثقافة الفرنسية على العربية. وفي هاتين المدرستين تخرّج جلّ كبار موظفي الإدارة الفرنسية ومترجميها، وعن طريقهما سافرَت البعثات التي تتكوّن اليوم منها نخبة طيّبة من الأطباء والمحامين والمهندسين. ولكن أطباءنا ومحامينا ومثقَّفينا قلّما يكتبون أو يؤلّفون بالعربية، وكم كنّا نودّ لو أن دكاترتنا كانوا كدكاترة مصر الذين قامت على سواعد أكثرهم نهضة مصر العلمية والأدبية. أمّا المؤسّسات الأدبية فهناك الجمعية الخلدونية، وهي أقدم المؤسّسات التونسية، ثم جمعية قدماء تلامذة المدرسة الصادقية، وأخيراً جمعية الكُتّاب والمؤلّفين. فأما الخلدونية وقدماء الصادقية فأغلب نشاطهما منصرف إلى تنظيم المسامرات الأدبية والعلمية وإقامة الحفلات لإحياء ذكرى نوابغ الأمة العربية في القديم والحديث. وأمّا جمعية المؤلّفين والكتّاب التونسيين فإنها افتتحَت أعمالها بإقامة حفلة ذكرى الشاعر العبقري المرحوم أبي القاسم الشابي، ثم لم تفعل بعدها شيئاً إلى الآن. ثم بيّن أسباب هذا الركود فحصرها في سببَين: الأوّل قِلّة القُرّاء في الأوساط الشعبية نظراً للأُمّية الغالبة على السواد، ثم جهْل كثير من الشباب بلغته القومية أو مصادر معارفه التي لا تسمح له بالاستفادة من الأدب والصحف الجدّية (يعني غلبة معرفته باللغة

стр. 1617

الفرنسية على إلمامه باللغة العربية). الثاني عدم وجود مَن يأخذ بيد الأديب إذا هو أراد أن يُنتِج وينشر. إلى أن قال: والخلاصة أن الأدب في تونس لا يعدو كونَه رواية من الروايات، ولا يوجد الأديب المحترف، وإن وُجد الصحافي والمؤلف فإنه يقاسي الأمرّين من فقدان الناشر والقارئ بالعربية. وليس هناك من المشجّعات للأديب ما يجعله دائم الإنتاج والعمل، فلا مكافآت ولا جوائز، ولا مجلاّت لنشر آرائه، ولا حُرّية لمن أراد أن يفكّر باستقلال. والأصوات التي ارتفعَت في تونس وترقّب منها كلّ مخلص أن تكون في يوم من الأيام مدوّية في العالَم العربي خرست وصمتت لتكاتف هذه العوامل عليها. * * * لقد خرجت عن الموضوع الأصلي للذكريات لأقدّم للقراء هذه الصورة الشاملة التي يستخلصونها من هذه المقالات للأدب العربي قبل خمسين سنة، لعلّ بعض طلبة الدراسات العالية يُعِدّ أحدهم رسالة للماجستير أو الدكتوراة في هذا الموضوع، فيأخذ هذه المقالات ويتوسّع فيها ويترجم لمن وردت أسماؤهم خلال سطورها، وتكون مفتاحاً له يفتح له باب هذا الموضوعُ فيكون منه -إن شاء الله- دراسة شاملة، ومقابلة بين ما كان عليه الأدب في هذه البلاد وما انتهى إليه الآن. * * *

стр. 1618

-١٣٠ - أنا والقلم تيقّنت الآن أن مثل هذه الذكريات لا موضع لها في الجريدة اليومية، لأن الجرائد إنما وُجدت لتُظهِر ما يُضمِر الناس في قلوبهم من ألم يضيقون بحمله أو أمل يشوقهم تحقيقه، ولتكون مرآة لحياتهم وصدى لأحاديثهم فيما بينهم، تكتب لهم ما يهمّهم من أحداث يومهم ومطالب غدهم. فهم يشترونها ليقرؤوا فيها أنباء السياسة وأهلها، والدنيا وأحداثها، وغرائب الوقائع وطرائفها، وكلّما كان الخبر أكثر إثارة للقُرّاء كانوا أشدّ حرصاً عليه وميلاً إليه. هذه هي الحقيقة. فما الذي يهمّ الناس ممّا وقع لي أنا قبل خمسين سنة؟ ثم أرجع فأقول لنفسي إني أسرد اليوم تجرِبتي في ميدان الكتابة والإنشاء، أفليس في القُرّاء من يرغب في معرفتها؟ أو ليس مِن الراغبين فيها مَن يستفيد منها؟ إنّ شُداة الأدب وطُلاّب الإنشاء كثير، وليس يخلو ما وقع لي -إذا سردت خبره- من نفع لهم يدلّهم سردُه على ما فيه من خير ليأخذوه وما فيه من شرّ ليجتنبوه. ولا تمنعني فضيلة التواضُع من ذِكر حقيقة معروفة لست أدّعيها دعوى ولكنني أقرّرها تقريراً، هي أنني اتّبعت في الكتابة

стр. 1619

أسلوباً يكاد يكون جديداً، عُرف بي وعُرفت به، وما كان في أساتذتي الذين قرأت عليهم ولا في الأدباء الذين قرأت لهم وأفدت منهم مَن له مثله حتى أقلّده فيه وأتّبع أثره، وإن كان فيهم من هو أبلغ مني وأعلى درجة في سُلّم البيان. كما أن صديقي ورفيق طريقي أنور العطار ﵀ كان له في الشعر أسلوب تفرّد به، قلده فيه كثير وما قلّد هو فيه أحداً. فمن أين جئت بهذا الأسلوب؟ أعترف أنه ليس عندي جواب حاسم على هذا السؤال، فأنا لا أعرف مِمّن أخذته ولا عمّن نقلته. إن أساتذتي الذين قرأت عليهم ليس فيهم مَن ترك أثراً أدبياً يحشره في زُمرة الكتاب، حتى العلماء منهم الذين أخذت جلّ علمي بالعربية وفنونها عنهم، كالجندي والمبارك؛ فالمبارك ﵀ ورحم الجندي) ما كان كاتباً قط، لا ادّعى هو ذلك ولا ادّعاه له ولد ولا تلميذ، على أنه كان إماماً في اللغة صدراً بين الرواة، والجندي ليس دونه في اللغة والإحاطة بها وهو فوقه في الأدب، لم يكتب إلاّ كتابة علمية بعيدة عن الأدب المحض. فكان كلاهما عالِماً بالأدب ولم يكن أديباً، حتى إن الجندي -على سنّة كبار علماء الأزهر وأمثالهم من علماء الأقطار العربية- يقرّرون القواعد ويقوّمون المعوَجّ ويعرفون وجه الصواب، فإذا كتبوا جانبوه. ولمّا أراد مدير الأوقاف العامّ جميل بك الدهان (وكان بمثابة الوزير لأن الأوقاف لم تكن قد صارت وزارة) لما أراد أن يُصدِر مجلّة جمع لها أدباء الشام جميعاً وجعل رياسة تحريرها لأستاذنا سليم الجندي. وكنت أنا محرّراً عنده، وجدته كتب مرة في افتتاحية المجلّة كلمة «مواضيع»، مع أنه لمّا ردّ على اليازجي في كتابه

стр. 1620

«لغة الجرائد» وألّف في ذلك كتاباً سَمّاه «إصلاح الفاسد من لغة الجرائد» كتب فيه فصلاً طويلاً في منع جمع موضوع على مواضيع وبيّن أن الصواب فيها «موضوعات»، فلما جاء يكتب نسي ذلك. فعلّقت على مقالته بهذه الجملة: "قوله مواضيع خطأ صوابه موضوعات، كما قرّر ذلك أستاذنا سليم الجندي في كتابه إصلاح الفاسد" ... فكانت نكتة. * * * فمن أين قبست هذا الأسلوب الذي أكتب به؟ لم آتِ به ثمرة بلا شجرة، فما تكون الثمار إلاّ من الأشجار، ولا أوجدت شيئاً من غير شيء، فما كان موجودٌ من معدوم إلاّ إن قال له الله كُن فيكون. وما منّا إلاّ مَن تأثّر بغيره وأثّر في غيره، والدنيا أخذ وعطاء، وما مثالنا إلاّ كتاجر فتح دُكّانه على طريق القوافل يوم كانت التجارة مقايضة ومبادلة ولم تكن وُجدت نقود: يمرّ به المسافرون دائماً، وكلّما مرّ به أحد أخذ منه سلعة وأعطاه بدلها سلعة أخرى، ولبث على ذلك أكثر من خمسين سنة فاجتمعَت عنده مئات من الأشياء من كل صنف وكلّ لون، فهل ترونه يعرف كلّ شيء منها مِمّن أخذه ومتى أخذه وما الذي أعطاه بدلاً منه؟ هذا مثالي ومثال من كانت حاله كحالي؛ ما قرأت كتاباً، ولا جالست عالِماً ولا أديباً، ولا سمعت خبراً، ولا رأيت سروراً ولا كدراً، ولا نزلت بلداً ولا قابلت أحداً، إلاّ ترك في نفسي أثراً. فهل أقدر أن أُحصي كم قرأت من الصحف، وكم لقيت من الناس، وكم رأيت من المسرّات والأحزان، وكم قصدت من الأقاليم والبلدان؟ كان لكل ذلك أثر في تفكيري، وفي مشاعري،

стр. 1621

وفي أسلوبي. وإن لأسلوب كل كاتب سمات عامّة نستدلّ عليه بها؛ فبين سطورها وفي تضاعيف جُمَلها وكلماتها، وطريقة صفّها ورصفها، وطول جُمَلها أو قصرها، وسهولتها أو وعورتها، وقُربها من الحقيقة أو ضربها في طرق المجاز ... في كل ذلك إمضاؤه واسمه، إن لم يكتبه في ذيل المقالة صريحاً كتبه هنا تلميحاً وتلويحاً. ومن الأساليب ما يكون كالفتاة الشابة تبدو للنساء بوجهها الذي وهبه الله لها، تخرج به كما هو بحسن البداوة الذي وصفه المتنبّي. والتي تُجمّله أو تُبدّله بالأصباغ، فتُورِّد خدّيها المُصْفَرَّين، وتتّخذ لها رموشاً ليست لها، وتستبدل التكحّل بالكحل الذي حُرمت منه، وتغطّي شعرها المجعّد بشعر مصنوع سبط. وكم بين كاعب غضّة الإهاب ليّنة الأعطاف تتفجّر شباباً وصحّة وجمالاً، وبين نَصَف: وإن أتوكَ وقالوا إنّها نَصَفٌ ... فإنّ أطيبَ نصفيها الذي ذهبا نَصَف غطّت ما فعلت بها السنون بالأصباغ والدهون، وطمسَت ما عراها من بوادر الدمار بما حوى دُكّان العطار: وهل يُصلِح العطّارُ ما أفسدَ الدهرُ؟ لا، ولا يصلحه المزيّن ولا الحلاّق. هل تعدل بسيارتك الجديدة التي خرجت الآن من الوكالة سيارة أكل عليها الدهر وأكل منها، وإن أدخلتها المرأب ونجّدتَ فرشها وصبغت سطحها؟ * * *

стр. 1622

لذلك كان أفضل ما كتبت -في رأيي- ما كنت أنطلق به على سجيّتي وأساير طبعي، فأكتب بلا تكلّف ويقرأ الناسُ ذلك بلا تعب، وأسوأ ما كتبتُه ما كنت أتصنّع فيه وأحتشد له وأريد أن آتي بما أحسبه رائعاً، فأتعب أنا بكتابته ويتعب القارئ بقراءته. ويبدو النوعان فيما نشرت إلى الآن (١). والذي نشرتُ إلى الآن وطُبع وهو في أيدي الناس يزيد على أربعة عشر ألف صفحة، منها ما أودعتُه كتبي التي أصدرتها ومنها ما بقي في مجلاّت عرفتها وحفظتها، ومنها ما نسيت أين نُشر ولم أحتفظ بالجريدة ولا

стр. 1623

المجلّة فضاع، ومنها كتب لا تزال مخطوطة. ولمّا جئت أجمع مقالاتي، أضمّ النظائر والأشباه أؤلّف من كل زمرة كتاباً، كان من أقرب كتبي إلى الطبع وأبعدها عن التصنّع وأكثرها غلياناً كتاب «هتاف المجد». ولا تقولوا إن جمع المقالات في كتاب يُفقِد الكتاب معناه ويُذهِب وحدة موضوعه، فإن هذا الكلام على صحّته لم يأخذ به أحد. ها هم أولاء الكُتّاب الذين سبقونا وكانوا قبلنا، وقرأنا ما كتبوا واستفدنا منه، كلهم جمع مقالاته في كتب؛ من أمثال العقّاد والمازني وطه حسين والرافعي والزيات، الذين كانوا أئمة الأدب وكانوا قادته وكانوا سادته. كل منهم جمع مقالاته في كتب. وإلاّ فخبّروني: ماذا يصنع بها؟ يرميها؟ يمزّقها؟ يحرقها؟ حتى تضيع فيضيع معها أدب كثير ويُفقَد بفقدها نفع كثير. ولو أن كاتب المقالات حين يجمعها يقصّ مع كلّ مقالة قصّتها ويبيّن ظروف كتابتها، لو فعل ذلك لجاء منه كتاب ينفي ما ينكرونه عليه من فقد الوحدة في الموضوع. هذا كتاب «هُتاف المجد»، وقعت يدي عليه فقلت: أبدأ الكلام عنه. على أنه لم يُطبَع إلاّ طبعة واحدة سنة ١٩٦٠. في هذا الكتاب بقيّة ممّا ألقيت من خطب، أقلّها مكتوب وأكثرها مرتجَل، وأقلّ المكتوب هو الذي أودعته هذا الكتاب. وأعترف أنها قد تبدّلَت الأحوال، ففرنسا مثلاً التي كانت عدوّنا الأوّل في الشام وفي الشمال الإفريقي المسلم دانيه وقاصيه، خفّ الآن عدوانها واعتدل موقفها، ولكنني أبقيت ما قلت على

стр. 1624

حاله لأنه تاريخ ولأنه يصوّر مرحلة من مراحل حياتنا. ولقد تقارب اليوم ما بين فرنسا وألمانيا وزال أكثر ما كان بينهما من العداء، فهل نطمس لذلك ما كتب موباسان وألفونس دوده وبعض ما قال فيكتور هيغو، والأدباء الذين تحدّثوا عن حرب السبعين وأثرها في فرنسا؟ إن الأدب يبقى لأن له قيمة في ذاته ولو تبدّلت الأحوال. * * * لقد عزمت -ما دمت أكتب ذكرياتي وأسرد أحداث حياتي- أن أختار من كل نوع من أساليب كتابتي فقرات أدلّ بها عليه وأمثّل بها له. والكاتب وإن كان فكره واحداً وقلمه واحداً يتبدّل أسلوبه بتبدّل حاله. أمثّل على أسلوب كتاب «هتاف المجد» بمقدّمته أذكر فقرات منها (ولقد نُشر الكتاب كما قلت لكم في شعبان سنة ١٣٧٩هـ). قلت: إني أحاول أن ألقي اليوم خطبة، فلا تقولوا قد شبعنا من الخطب. إنكم قد شبعتم من الكلام الفارغ الذي يُلقيه أمثالي من مساكين الأدباء، أمّا الخطب فلم تسمعوها إلاّ قليلاً: الخطب العبقريات الخالدات التي لا تُنسَج من حروف ولا تؤلَّف من كلمات، ولكنها تُنسَج من خيوط النور الذي يضيء طريق الحقّ لكل قلب، وتُحاك من أسلاك النار التي تبعث لهب الحماسة في كل نفس. ولا تقولوا: وماذا تصنع الخطب؟ إن خطب ديموستين صبّت الحياة في عروق أُمّة كادت تفقد الحياة، ونفثَت فيها روحاً وملأتها عزماً، حين استعارت لها من جلال ماضيها أجنحة تضرب بها في

стр. 1625

طِباق الجوّ بعدما هاض الزمان جناحها، ووقفَت -وهي كلمات- سداً في وجه أعظم قائد عرفَته قرون ما قبل الإسلام: الإسكندر، وفي وجه أبيه من قبله، فيليب. وخطبة طارق هي التي فتحت الأندلس. وخطبة الحجّاج أخضعَت يوماً العراق وأطفأت نار الفِتن التي كانت مشتعلة فيه ثم وجّهَته إلى المعركة الماجدة، ففتح رجل واحد من قُوّاد الحَجّاج أكثر ممّا فتحَت فرنسا في عصورها كلها، وبلغ مشارف الصين، وحمل الإسلام إلى هذه البلاد كلها فاستقرّ فيها إلى يوم القيامة، ذلك هو قتيبة بن مسلم. ولمّا اجتاح نابليون بْروسيا (ألمانيا) ما أعاد لها حرّيتها ولا ردّ عليها عزمها إلاّ خطب فيخته التي صارت لقومه «معلّقات» كالمعلقات العشر عندنا، يحفظها في المدارس الطُلاّبُ ويردّدها على المنابر الخطباءُ، وتقرؤها كل امرأة ويتلوها كل رجل. إن خطب فيخته كانت من أظهر العوامل التي أنشأت ألمانيا الجديدة. ما قام في التاريخ زعيم عبقري ولا قائد نابغة إلاّ كان السلّم الذي صعد عليه هو الخطب. وما زعمت أني أستطيع أن ألقي مثل هذه الخطب، ولا جئت أباري في ميدان البيان، ولكنْ جئت لأقول الحقيقة التي تملك العقول بصدقها وتأسر القلوب بجمالها. فيا أيها المستمعون إليّ مقبلين عليّ (أُذيعت هذه القطعة من إذاعة دمشق)، ويا أيها المستمعون وهم مُعرِضون عني، يلهون في القهوات أو يتبخترون في الطرقات. إلى العالِم في مكتبه، والعامل في معمله، والمرأة في بيتها، والطفل في مدرسته ...

стр. 1626

إلى كلّ من يتفيأ الظلال من جنّات الشام، ومن يَضحَى بشمس القفار في فلوات الجزيرة، ومن يحيا على شطّ الفرات وعلى جنبات الخليج. إلى الأسود المرابطين في نحور العدوّ في شوارع بورسعيد، وعلى شعفات الجبال في الجزائر، وعلى سِيف القرى الأمامية في فلسطين ... (إلى أن قلت): إلى كل من شرّق من أمة محمد وغرّب، ما جئت اليوم لأستنفر وأستثير، ولا لأشكو وأستغيث، ولا لأفخر وأحمّس، بل جئت لأبارك هذه الحرب التي أشعلها العرب في كل مكان، من الجزائر إلى مصر إلى العراق، وأطعموها الجماجم وسقوها الدماء. هذه الحرب، ويا بارك الله هذه الحرب. لقد كشفَت منّا عن الجوهر الذي طالما اختفى تحت غبار القرون، وأظهرَت منّا العزائم التي طالما هجعَت في ظلام الليالي، وسلّت بأيدينا السيوف التي طالما تلوّت في الأغماد وتشكّت طولَ الرقاد. وذكّرَتنا -وقد طالما نسينا- أننا نحن بنو الحرب، بنو التضحيات، بنو المعامع الحُمر والأيام العوابس. وأنها ما كانت قطّ قلوبٌ أقوى ولا أظهر من قلوبنا، ولا كانت سيوفٌ أحدّ ولا أمضى من سيوفنا، ولا كان مجد أعظم من مجدنا ولا تاريخ أحفل بالنصر والظفر والفضل والنبل من تاريخنا. وأننا نحن طهّرنا أرض الجزيرة العربية من نجس يهود، ونحن أنقذنا الشرق والغرب من عبودية كسرى وقيصر، ونحن قصمنا ظهر كل جبّار وكسرنا رقبة كل متكبّر، وأننا نحن أبطال بدر واليرموك، والقادسية ونهاوند، وحِطّين وعين جالوت، والغوطة وجبل النار (في نابلس)، وأننا هدمنا صروح الشرّ في الدنيا ثم

стр. 1627

بنينا فيها صروح الخير والعلم، وأقمنا فيها منار الحقّ والهُدى، وصنعنا للناس خير حضارة عرفها الناس. لا، ما جئت أفخر بالتاريخ الذي كتبناه أمس، بل بالتاريخ الذي شرعنا نكتبه اليوم. لقد وصلْنا ما كان انقطع من أمجادنا، فالتقى المجدُ الجديد بالمجد التليد، واجتمعَت البطولات التي نُبديها اليوم بالبطولات التي أبديناها بالأمس، وأرينا الدنيا أننا ما أضعنا إرثنا من أمجاد الأجداد. لقد هببنا لنطهّر بلادنا من اللصوص المستعمرين، ولنعيد بناء دارنا ونرفع عليها لواء مجدنا، ونسترجع تحت عين الشمس مكاننا. لا أريد الكلام، ولو أردناه لكنّا نحن سادته؛ نحن فرسان المنابر ونحن أرباب الأقلام، ولكننا نريد الفعال. فليقُل أعداؤنا ما شاؤوا وليكتبوا في صحفهم ما أرادوا، فلقد كتبنا نحن ما أردناه سطوراً على ثرى بورسعيد، ومن قبل كتبناها على بِطاح فلسطين وجنّات الغوطة وجنبات الرّمَيثة، وفوق ثرى طرابلس والجزائر والريف المغربي، سطوراً سطرناها بجثث الغاصبين: قد مَلأْنا البرَّ من أشْلائِهمْ ... فدَعُوهُمْ يَملؤوا الدّنيا كلاما * * * هذا مثال من كتاب «هُتاف المجد». ولو اتّسع المجال وساعدَت الحال لذكرت أمثلة أخرى. وسآتي بأمثلة من الأسلوب العاطفي، وأسلوبي في الترسّل، وأسلوبي القصصي. ولقد قلت لكم في آخر الحلقة الماضية إني لمّا دخلت ساحة القضاء خرجت من نطاق الأدب وظننت أني لن أعود إليه، ولكنني عدت. فهل

стр. 1628

ترون الطنطاوي الشيخ يكتب بمثل الأسلوب العاطفي الذي جرى به قلم الطنطاوي الشاب؟ لقد سألني أخي ناجي لمّا قرأ كتابي إلى الأستاذ أحمد أمين ﵀ في الحلقة الماضية: هل تقدر أن تكتب اليوم مثل هذا؟ قلت: هاتِ ذلك القلب الذي كان يخفق بالحب ويصفق بالعواطف أكتبْ مثلها، بل أجمل منها، ولكن المرء يلبس لكل حالة لبوسها ويتخذ لكل سنّ ما يناسب تلك السنّ. كان الشاعر العربي في الجاهلية يهتمّ بأمرَين، بالحبّ وبالحرب، فكان أوسع فنون الشعر عندهم فنّ الغزل ثم فنّ الفخر والحماسة. ولقد سمعتم في الفقرة التي نقلتها من كتاب «هتاف المجد» ما كنت أكتب في الحماسة، فاسمعوا أمثلة، مقاطع موجزة، ممّا كنت أكتب في الحب. قلت في قصّة «ابن الحبّ» من كتابي «قصص من التاريخ»: واللهُ الذي أمال الزهرة على الزهرة حتى تكون الثمرة، وعطف الحمامة على الحمامة حتى تنشأ البيضة، وأدنى الجبل من الجبل حتى يولَد الوادي، ولوى الأرض في مسراها على الشمس حتى يتعاقب الليل والنهار، هو الذي ربط بالحبّ القلبَ بالقلب حتى يأتي الولد. ولولا الحبّ ما التفّ الغصن على الغصن في الغابة النائية، ولا عطف الظبي على الظبية في الكِناس البعيد، ولا حنا الجبل على الرابية الوادعة ولا أمَدّ الينبوع الجدول الساعي نحو البحر. ولولا الحبّ ما بكى الغمام لجدب الأرض، ولا ضحكت الأرض

стр. 1629

بزهر الربيع، ولا كانت الحياة. وفي فصل «القبر التائه» من كتاب «صور وخواطر» هذا المقطع عن لبنان: لبنان الذي كان يوماً دار الأولياء والشعراء والسيّاح والزهّاد، من كل عابد متبتّل ومحبّ هائم وتائب أوّاب. لبنان الذي جعل الله ماءه خمراً وجمالَه سحراً، فلا تدري أهو السحر قد خَيّل لك أنك في جنّة الخلد أم هو السُّكْر قد جعلك تحسّ التخلّص من هذا العالَم الغارق في الدم الملتحف باللهَب (نُشر هذا الفصل سنة ١٩٤٠ في شدّة وحدّة الحرب العالَمية الثانية). لبنان الذي لا تدري أي شيء فيه هو أجمل: أذُراه التي تبرقعَت ببراقع الثلج فلم تبصرها عينُ حيّ من يوم خلق الله العالَم، فعزّ بالحجاب جمالها حين ذلّ بالسفور الجمال، أم سفوحه الحالِيَة بالصنوبر، أم القرى المنثورة على تلك السفوح، أم ينابيعه المتفجّرة تفجّر الحكمة على لسان نبيّ، أم أوديته الملتوية التواء الفكرة في رأس أديب لا يملك البيان عنها؟ وأيّه هو أبهى: أصباح بْلُودان أم ظهيرة الشّاغور وحمّانا، أم الأصيل الفاتن في ربا صوفر أم المساء الوادع في خليج جونية، أم مناجاة الملائكة في قمّة جبل الشيخ أم مسامرة الزمان عن «الأرْز» أو في بعلَبَكّ؟ أم أنت تؤثر هذا كله وتتمنّى لو شملته بنظرة منك واحدة ثم ضممته إليك، ثم شددت عليه حتى أفنيته فيك أو فنيت أنت فيه؟

стр. 1630

تعالوا سائلوا سفوحه وذُراه وأوديته ورُباه كم شهدت من فصول هذه القصّة الخالدة، قصّة الحبّ، وكم أريقَ على صخوره من الحَيَوات والعواطف، يُطِلْ جوابَكم لو ملك الكلام. * * * يا أصدقائي القُرّاء، أستأذنكم أن أشير إلى بعض كتبي وآخذ من كلّ كتاب فقرة أو فقرات، أمثل بها عليه وأعرض بها أسلوبه، ثم أعود إلى قِصّتي في المحكمة. وإن أمامي -إن صبر عليّ القُرّاء وصبر الناشران الفاضلان- مرحلة طويلة، فأنا لا أزال في ذكرياتي قبل أربعين سنة. وكم مرّ عليّ في هذه السنين الأربعين وعلى بلدي وأمتي من أحداث، لو عرضتُ ما بقي في ذهني منها لامتدّت الذكريات مئة حلقة أخرى! فامتحنا -يا أخوَيّ الكريمَين الأستاذَين هشام ومحمد- نفسيكما ومبلغ احتمالكما: هل تصبران عليّ ويصبر القُرّاء، وإن صبرتم فهل يمهلني القدَر حتى أُتِمّها؟ أنا إلى الآن لا أزال في الرقراق، ما بلغت اللجّ ولا بعدت عن الشاطئ، وإنّ أمامي لبحراً من الذكريات يموج بالأخبار وبالأحداث، فهل أوغل فيه وأستمرّ في عرض ذكرياتي، أم أقف هنا لأنني أمللت القُرّاء واستنفدت صبر الناشرَين؟ (١) * * *

стр. 1631

_________ = طول الذكريات، بل إن الناشرَين سعيدان جداً بأن تكون «الشرق الأوسط» هي الصحيفة التي يخصّها أستاذنا الطنطاوي بذكرياته. وهما يعرفان أن قُرّاء «الشرق الأوسط» مثلهما حريصون كذلك على استمرار هذه الذكريات. وتأكيداً لذلك فهما يطرحان سؤال الأستاذ الطنطاوي على القُرّاء، وهما متأكّدان من تجاوُب القُرّاء معهما وإصرارهم على مواصلة الأستاذ الطنطاوي كتابة ذكرياته" (مجاهد).

стр. 1632

-١٣١ - ذكريات جزائرية أستعير هذا العنوان من الأستاذ أكرم زعيتر، فقد كتب تحته ذكرياته الجزائرية، وأنا لي أيضاً ذكريات جزائرية، ولكن شتّان ما بينهما، وكم بين من ينفق من كيس مملوء بالذهب ومن كان مثل المتنبّي: «أمواله المواعيد»! وأنا لا أحسده ولكن أغبطه على أنه يرجع إلى يوميّات كُتبت في حينها، يستند إليها ويعتمد عليها، واعتمادي على ذاكرة تَعِدُ ولا تفي وتُستودَع ولا تؤدّي، وهو مع علية القوم الذين يشتركون في تأليف الرواية ووضع حوارها، وأنا مع المتفرّجين بها (بها لا عليها). كلانا يصف مرحلة سفر واحدة، ولكنه في غرفة القيادة وأنا بين الركّاب. أنا لم أزُر الجزائر، ولكن ربطني بها فوق رابطة الإسلام ورابطة العروبة أساتذةٌ لنا منها، كالشيخ المبارك، والأستاذ علي الجزائري الذي كان إماماً في لغة الفرنسيين يرجعون هم فيها إليه، وكنّا ندعوه «السيد علي»، وأستاذ الأساتذة أحمد جودة الهاشمي، والفاضل الذي كان أستاذه يوماً وصار مدير مدرستنا: محمد علي

стр. 1633

الجزائري، ومن قبلهم مربّي الشام وأحد بُناة نهضتها الشيخ طاهر الجزائري، والشيخ البشير الإبراهيمي الذي طالت صحبتي إياه، في دمشق عندما كان يزورها (وما أكثر ما كان يزورها) وفي عمان مرات، وفي القدس وفي بغداد. وطالما خطبت في الحفلات التي كان يخطب فيها، وهو عالم طلق اللسان ناصع البيان، يتدفّق الكلام من فيه تدفّقاً بلا لحن ولا زلل. وقد كنّا يوماً معاً في سيارة واحدة من القدس إلى دمشق، وكنت إلى جنب السائق حيث تعوّدت أن أركب دائماً (حتى إني إن ركبت داخل السيارة توهّمت أنه دار رأسي وضاق نفَسي). وكنّا نتحدّث، فتعبَت رقبتي من الالتفات إليه لأنني لم أكُن أتلو بيتاً من الشعر إلاّ قال: إنه لفلان الشاعر من قصيدة كذا، وسرد عليّ القصيدة كلها أو جلّها. فقلت: كيف حفظت هذا كله؟ قال: وأخبرك بأعجب منه، فهل تحبّ أن تسمع؟ قلت: نعم. فراح يقرأ عليّ مقالات لي كاملة ممّا نُشر في «الرسالة» أو مقاطع كثيرة منها، ما كنت أنا نفسي أحفظها. قلت: يا سيدي، الشعر فهمت لماذا تحفظه، فلماذا حفظت مقالاتي وما هي من روائع القول ولا من نماذج الأدب؟ قال: ما تعمّدت حفظها، ولكني لا أقرأ شيئاً أحبّه وأطرب له إلاّ علق بنفسي فحفظته. فأظهرت (صادقاً) العجب منه والإعجاب به، وأضمرت في نفسي حقيقة استحيَيت أن أجهر بها، هي أنه مرّ عليّ دهر كنت أنا فيه كما قال. وأنا لا أزال أحفظ مقاطع كثيرة ممّا كتب المنفلوطي

стр. 1634

والرافعي والزيات والبشري وكرد علي وأمثالهم من أئمة البيان، مع صعوبة حفظ النثر وتفَلّته من الأذهان. أمّا ما أحفظ من الشعر فكثير كثير، وإن لم يبقَ منه إلاّ القليل، على أن هذا القليل الذي بقي في ذهني كثير والحمد لله. * * * وممّا حبّبني بالجزائر أن جدّنا الذي قدم الشام من مصر سنة ١٢٥٠هـ كان من جماعة الأمير عبد القادر، وكان مربّياً لأولاده، وكان مفتياً عنده يأخذ راتبه منه، فلما مات الأمير قبله بمدّة يسيرة أبى أن يتسلم الراتب الذي جعلَته له الدولة، وطفق يبيع من كتبه ما يعيش بثمنه حتى توفّاه الله. وما نقله الأستاذ أكرم من حديث العقيد عطاف الجزائري عن الرئيس شكري بك كنّا نسمعه من الثوّار أيام الثورة السورية سنة ١٩٢٥، وكنّا طُلاّباً في الثانوية. ولقد سمعت من عمّي الشيخ عبد القادر الطنطاوي من قديم خبراً ما حقّقته ولا توثّقت منه، هو أن أصل أسرتنا من الجزائر. ولعلّ ما عندنا من الحِدّة يشير إلى ذلك، وقد كان جدنا الشيخ محمد الطندتائي (وطندتا هو الاسم القديم لطنطا) يذكر الجزائريين مرة أمام الأمير ويثني على خلائقهم وسلائقهم، واستثنى واحدة. فصرخ به الأمير وقد اعتراه غضب مفاجئ فقال: "وِشْ هيّه؟ " قال جدّنا باسماً: "هذه هيه". يعني هذه الحدّة التي عُرف بها الجزائريون والتونسيون،

стр. 1635

والتي ورد في خبر لم يصحّ أنها تعتري خيار أمّة محمد ﵊. ومن كان حديد المزاج (يثور بسرعة وتهدأ ثورته بسرعة) لا يكون ماكراً ولا حاقداً ولا يكون في قلبه غِلّ على أحد، لأنه يوفي كل واحد حسابه من ساعته فلا يبقى له عند أحد دَين يحقد عليه به. وكان للأمير أحفاد في دمشق أدركت منهم اثنين وانعقدَت المودّة بيني وبينهما، وإن كنت في سنّ أولادهما: الأمير طاهر الذي كان له مجلس أسبوعي يحضره كما يحضر أمثالَه (وكان لهذا المجلس أمثال في دمشق) أكابرُ الوجهاء وأفاضلُ العلماء. والأمير طاهر هو والد الصديق الأمير جعفر الذي لبث أمداً طويلاً أمين المجمع العلمي العربي في الشام. والثاني هو الأمير سعيد الذي كانت صلتي به أوثق، وكنت أزوره في داره في زقاق النقيب ويتفضّل فيزورني في داري في الجبل. وفي زقاق النقيب كانت دار الأمير عبد القادر الجزائري التي صارت بعدُ الكلّية الشرعية، ودرّست فيها، ثم اشتراها السيد مكي الكتاني. صحبت الأمير سعيداً في السفر والحضر وعاشرته معاشرة عرفته فيها من قرب. والأمير سعيد هو الذي أعلن قيام الحكومة العربية في الشام سنة ١٩١٨، يوم كنت تلميذاً في آخر المدرسة الابتدائية وأول المدرسة التالية، وبقي يأمل أن تقوى الدعوة إلى الملَكية في الشام وأن يكون هو الملك عليها. وعرف ذلك ناسٌ هم في البشر كالطُفَيليات في الحشرات والنباتات: تعيش على غيرها،

стр. 1636

تمتصّ من الحيّ دمَه ومن النبات نسغَه وتتسلّق على ساق الشجرة لأنها حُرمت الساق الذي تقوم عليه، وأخذوا منه جليل الأموال، وأغراه بعضهم فجاء بالنقّاش والمصوّرين فجعل من داره نموذجاً مصغراً للحمراء في غرناطة. ثم أنشأ على سفح الجبل في دمّر (وهي أقرب مصايف دمشق إليها) أنشأ قصراً عجيباً: له أدراج ملتوية تصعد من الجانبَين تلتقي وتفترق، وكلّما التقت قامت بِركة مزخرَفة فيها نوافير عجيبة. ومن أعظم مآثر العرب براعتهم في الصناعات وفي النوافير خاصة، وفي الساعات. أمّا الكلام عن الساعات وما أبدعوا فيها فله مكان غير هذا المكان، وأمّا النوافير فأضرب لها مثلاً واحداً: دخلت على عهدي بالدراسة في دار العلوم سنة ١٩٢٨ متحف الفنون الإسلامية في ميدان باب الخلق في القاهرة، فرأيت هذه النوافير، فقال لي قيّم المتحف: إذا قعدت على هذا الكرسي ترى عجباً. فقعدت ففتح الصنبور، فإذا الماء من حولي كأنه قبّة متّصلة مبنيّة من الزجاج، تتكسّر عليها الأنوار فتضيء كأنها جوهرة كبيرة، وأنا فيها لا تصيبني قطرة من الماء! لقد أضاعت هذه الزخارفُ وأضاع تمنّي المُلك ثروةَ الأمير، فبيع القصر وصار حيناً مقهى. كما ضاع في الحمراء سلطان المسلمين في الأندلس حين بعنا حقائق المجد بنقوش وزخارف تُبهِج الأبصار، ولكنها لا تحمي الذمار ولا تدفع الأعداء عن الديار. وممّا يتصل بحديث الأمير وحديث الجزائر أن وفداً عربياً فيه

стр. 1637

من العراق الشيخ أمجد الزهاوي وجماعة، وفيه من لبنان الرجل الذي أنشأ «النَّجّادة» المسلمة ليقابل بها الكتائب النصرانية (وقد نسيت اسمه وهو مشهور)، مرّ هذا الوفد في دمشق في طريقه إلى مصر لمقابلة جمال عبد الناصر وحثّه على نصرة الجزائر في جهادها، وكان ذلك قبل أن تستقلّ الجزائر، فانتخبوا اثنين من الشام ليكونا فيه هما الأمير سعيد وأنا. وقد ذهبنا إلى مصر وقابلنا جمال عبد الناصر مقابلة طويلة في دار صغيرة لم أعُد أعرف أين هي. وقد استولى علينا بما توهّمناه صراحة كاملة في الحديث، وإخلاصاً نادراً لله وللإسلام، وشبه سذاجة فيه. ورجعنا نثني عليه ونرى فيه المثل الكامل للحاكم المرجوّ، ثم تبيّن أننا الذين كانوا السذّج المخدوعين، وأنه لعب بنا وضحك علينا ولفّنا بلسانه المعسول. وأُخِذت لنا معه صورة تذكارية هي عندي، ولكنها اختفت الآن بين أوراقي. * * * وأنا الآن في معرض التمثيل لأساليب كتابتي الماضية بفقرات أنقلها منها أمثّل بها عليها، وهذا كلام ممّا أذعت وكتبت يومئذ عن الجزائر، إن كان في بعضه ما يمسّ فرنسا اليوم فهو كلام مؤرّخ لا سياسي، والمؤرّخ يصف ما كان وما ليس له فيه يدان، والسياسي يتكلّم فيما هو كائن أو يسعى ليكون، وفرنسا التي كتبت عنها ما أنقله الآن غير فرنسا اليوم. فقد كان قُوّادها في الجزائر يُسيئون بفعلهم إليها، ثم انكشف الستار فتبيّن أن الفرنسيين غضبوا منهم كما غضبنا. ثم أعلن هؤلاء

стр. 1638

القُوّاد تمرّدهم على حكومتهم (حكومة ديغول) ونشوزهم عن طاعتها، وكان من التاريخ ما تعرفون. ثم إنني أنقل هذا الكلام اليوم لأمثّل به على الأسلوب لا لأعيد مضمونه ومعناه. لمّا خطفَت فرنسا الزعماء الخمسة الجزائريين (بن بيللا وأصحابه)، وكنت يومئذ أحدّث في إذاعة دمشق بعد صلاة الجمعة حديثاً، استمرّ عشرات من السنين وكان له جمهور كبير من المستمعين، أملى عليّ الغضب ممّا صنعوا والنصرة لإخواني في الدين وفي اللسان ولأخلاق الفروسية التي انتقص منها، فقلت من حديث أذيع يومئذ (١): إن فرنسا لم تعُد تبالي، لأنها لمّا خسرت بطولة الميدان ولم يعُد يعرف تاريخُها الحديث إلاّ الهزائم، جاءت تستردّ اعتبارها وتُثبِت بطولتها على العُزّل الأقلاّء المطالبين بحقوقهم، وجاءت تجرّب فيهم سلاحها. هل قلت سلاحها؟ إنها زلة لسان أعتذر إليكم منها، لا، ليس سلاحها. لم يبقَ لفرنسا سلاح، ولكنه السلاح الذي استجدَته فرنسا، الذي «شحدته شحادة» من أميركا لتحمي به استقلالها من الألمان أن يطؤوها بنعالهم مرة رابعة كما وطئوها في حرب السبعين، وحرب أربع عشرة، وحرب تسع وثلاثين.

стр. 1639

(إلى أن قلت): إنها مجزرة ظاهرة ومذبحة مُعلَنة، والرأي العامّ في أوربّا وأميركا يسمع ويرى ولكنه لا يتكلم. في الحرب الماضية نادوا يا للإنسانية ويا للديمقراطية، ويا للعدالة التي استُبيح حماها ودُنِّس قدسها لأن اللصوص الخوَنة من اليهود نكّل بهم الألمان. وفي كوريا بكوا بعيون التماسيح ونعبوا بحناجر البوم، فما لهم اليوم خرسوا فلا ينطقون؟ وما لهم عَمُوا وصَمُّوا فلا يُبصِرون ولا يسمعون؟ ألا يدرون ماذا يجري في الجزائر أو يدرون ويتغافلون؟ (إلى أن قلت): فيا أيها الفرنسيون، لا تذكروا الحُرّية والأُخُوّة والمساواة بعد اليوم ولا حقوق الإنسان؛ إنكم تدنّسون طهر هذه الألفاظ ونقاءها حين تضعونها في أفواهكم، ولا تحتفلوا بيوم ١٤ تموز (يوليو) ولا تقرؤوا كتب روسو وهوغو ولامارتين، ولا تُسيئوا إلى الأدب الفرنسي بادعائكم أنكم أربابه. إنكم لم تعودوا خليقين بهذا الأدب. لقد خنتم تاريخكم ولطّختم وجه أمجادكم بالطين. لقد أطفأتم المصباح الذي زعمتم أنكم رفعتموه يوماً للشعوب حين ثرتم ثورتكم الكبرى، وما ثورتكم الكبرى هذه التي ملأتم الدنيا فخراً بها واعتزازاً؟ لقد كانت ثورة القتل والتدمير والسلب والنهب، ثورة مجرمة حمقاء مغموسة بدماء الأبرياء. وما الفرق بينها وبين عهد الملوك قبلها إلاّ أنه كان في عهد الملوك نفر معدودون يظلمون، فصار بالثورة كل فرد من الشعب ملكاً ظالماً! إن فرنسا تمشي القهقرى، كل يوم خطوة إلى الوراء؛ لقد

стр. 1640

كانت لغتكم لغة السياسة والكياسة والحبّ فسبقَتها اللغة الإنكليزية وصيّرتها وراء وراء. وكانت دولتكم من الدول العظمى فصارت اليوم وراء وراء. وكنتم علماء فصرتم تراجمة، لقد انتهى العلم في فرنسا وصار خير ما تُخرِجه مطابعها المترجَم من اللغات الأخرى. لقد عقمَت فرنسا أن تُخرِج مثل باستور ولافوازيه وديكارت وهانري بيرسون وهوغو وأناتول فرانس ومدام كوري، وصارت عجوزاً متصابية فاجرة أدركها سنّ الإياس فلا تلد العظماء. وكانت لكم مستعمَرات فأضعتم بحماقتكم مستعمراتكم، وستضيع منكم إفريقيا كلها على رغم أنوفكم ورغم الرصاص الذي «شحدتموه» من أميركا وسلّطتموه فيها على العزّل الأبرياء. وها أنتم أولاء قد بقيتم في الجزائر قرناً وثلث قرن، فهل استطعتم أن تجعلوها فرنسية؟ هل استطعتم أن تجعلوها تُحبّ فرنسا؟ هل استطعتم أن تمحوا منها العربية والإسلام؟ لقد عملتم كل شيء ولكن الذي أردتموه هو المستحيل. (إلى أن قلت): لقد كتب ملككم فرانسوا الأول يوماً لأمّه، ثم كتب هذه الجملة نفسها إلى أكبر ملوك عصره، السلطان سليمان القانوني، حين مدّ يده يسأله العون والمدد. قال: "لقد خسرنا كل شيء إلاّ الشرف". وسيكتب التاريخ عنكم للأجيال القادمة -بما صنعتم بالجزائر- أنكم خسرتم كل شيء حتى الشرف. أمّا دعواكم أن الجزائر بلد فرنسي وقطعة من فرنسا فستصير ذكرى مضحكة من ذكريات الحماقة الفرنسية، يتفكّه بها التاريخ وتضحك عليكم بها القرون الآتية. الجزائر فرنسية؟ بمَ؟ بمَ يا أيها

стр. 1641

العقلاء جداً؟ أهي فرنسية بشعبها؟ أهي فرنسية بلغتها؟ لقد فشت لغتكم فيها ولكنها ثوب مستعار وعاريّة مستردّة، وستعود إلى أصلها، إلى عروبتها. أهي فرنسية بتاريخها؟ الشعب فيها عربي واللغة عربية والدين إسلامي، وكل حَجَر من جبالها وكل رملة من صحرائها، والتاريخ الذي مضى والمستقبل الذي سيأتي، كل هذا يكذّب هذه الدعوى الوقحة الكاذبة البذيئة، دعوى أن الجزائر قطعة من فرنسا. وأقرب من هذه الدعوى بمئة مرة أن يدّعي الطليان أن فرنسا قطعة من إيطاليا. إن إيطاليا إن قالتها أيّدتها اللغة: كلتاهما لاتينية، والإيطالية أقرب إلى الأصل. وأيّدها تاريخ يوليوس قيصر وبومبي وأن فرنسا بقيَت قروناً وهي تابعة لروما. فماذا يقول الفرنسيون لو ادّعت إيطاليا هذه الدعوى؟ وماذا لو كانت إيطاليا أقوى وساقت قُواها لتذبح الفرنسيين الذين يدافعون عن حرّية بلادهم؟ وبعد يا أيها المستمعون (١)، فما أخاف على الجزائر. إن الجزائر تبدأ في كتاب المجد صفحة جديدة، وأنتم تختمون كتاب أمجادكم بصفحاته كلها. إن ذخر المسلمين من البطولة لن ينقطع أبداً حتى يستكملوا تحرير بلادهم، ثم يكتبوا في تاريخ الدنيا مثل الصفحة التي كتبها جدودهم. إن الاستعمار قد مضى وقته، مضى. إنه بناء من الثلج أقمتموه خلسة في ظلام الليالي الطوال من كانون (ديسمبر)، وقد

стр. 1642

سطعَت الآن شمس آب (أغسطس) فلا تصمد بيوت من الثلج لشمس آب. لقد تحرّرَت آسيا كلها واستقلّت أُمَمُها وشعوبها، وسيتحرّر الشمال الإفريقي المسلم وتعود أرضه كما كانت، ثم يأتي يوم ترجع فيه أرض فرنسا موطئَ أقدام الجنود المسلمين. لقد كنّا نحن الحاكمين يوماً في قلب فرنسا من البيرنة (جبال البرنس) إلى بواتيه، وكنّا نملك حفافي البحر المتوسط الذي كان يُسمّى تارة بحر الروم وتارة بحر العرب. أنا لا أخاف على الجزائر بل أخاف عليكم أنتم. ليس أمامكم أهل الجزائر وحدهم بل المغرب المسلم كله، بل ديار العروبة من أقصاها إلى أقصاها، بل المسلمون في كلّ الأرض، بل الناس جميعاً، الناس الذين لا تزال في صدورهم قلوب ولا تزال في قلوبهم ضمائر. أمّا الذين فقدوا الإنسانية وأضاعوا القلوب، أما الجُثَث التي تمشي إلى المادّة وحدها فستقتلها المادّة التي تمشي إليها. وسيستيقظ العرب كلهم والمسلمون جميعاً، وسيقاطعون كل شيء فرنسي ويرونه رجساً يدنّس طهرهم وناراً تحرق بيوتهم، وسيجاهدون حتى تشهد الدنيا جلاء آخر جندي فرنسي من المغرب العربي كله كما جلا آخر جندي عن أرض الشام. وما يوم الجلاء عن المغرب ببعيد. * * * هذا بعض ما كنت أقوله وأذيعه أيام كان الجزائريون يجاهدون في سبيل تحرير أرضهم.

стр. 1643

لمّا كنّا في أوائل الثانوية عند نهاية الحرب الأولى كان الفرنسيون في الشام وفي أكثر الشمال الإفريقي، وكان الطليان في طرابلس، وكان الإنكليز في مصر وفي فلسطين وفي الهند، ولم يكن بلد مسلم لم تطأه أقدام جنود الاستعمار إلاّ هذه الجزيرة التي برّأها الله من أن تطأ أرضَها أقدامُ جنود الاستعمار. لقد جلت جنودهم عن أرضنا ولكن خلّفوا لهم فيها جنوداً من أبنائنا، فبدؤوا عصر استعمار آخر: استعمار فكريّ، فكانت الوطنية التي أرادوا أن يُحِلّوها محلّ الدين، وهي من مبادئ الثورة الفرنسية التي سرَت إلينا مصطلحاتها ومشت على ألسنتنا كلماتها. ومنها كلمة المواطن والمواطنة الصالحة، بمدلولاتها الغريبة عنّا التي يريد ناس أن يُحِلّوها محلّ رابطة الإسلام. ثم جاءت فتنة أشدّ هي القومية، وشهدتُ في العراق (كما حدّثتكم، وقد كنت أدرّس فيها بين الحربين العالَميتين) أعنفَ المعارك بيننا نحن الإسلاميين وبين دعاة القومية المناوئة للإسلام. ثم جاءت قاصمة الظهر وقاصفة العمر ومصيبة العصر: الماركسية. وما أحسب الدجّال الذي وردَت فيه الأحاديث إلاّ كارل ماركس هذا. والدجّال أعور وهذا أعور حقيقة وإن كان ذا عينَين، لأنه ينظر بعين واحدة؛ المسلم ينظر إلى الدنيا والآخرة وهذا وأتباعه لا يرون إلاّ الدنيا، نحن ننظر إلى المادّة والروح وهذا لا يبصر إلاّ المادّة، نحن نرى الأرض والسماء وهذا بصره عالق بالأرض لا يرتفع عنها ولا يرى السماء.

стр. 1644

ولقد كتبت كثيراً عن الجزائر ونضالها، فكان ممّا قلت في حديث عنوانه «فرنسا والجزائر» هذه الفقرات: أقسم إني لو كنت فرنسياً لخجلت أن أقول إني فرنسي، وكل مفكّر أو أديب فرنسي يخجل اليوم من نسبته إلى فرنسا بعد ما صنعَت بالجزائر وبعد أن خطفَت القادة الخمسة من مجاهدي الجزائر. ولن يستطيع بعد اليوم شاعر من شعرائهم أن ينظم بيتاً واحداً يفخر فيه بفرنسا ويتغنّى ببطولاتها وأمجادها. وبمَ يفخر؟ أبهذا الذي صنعتم؟ أهذه هي البطولة الفرنسية؟ أرضيتم لأنفسكم أن تكونوا قطّاع طرق يختطفون الناس من الطريق؟ ألا واجهتموهم في الميدان؟ ألا صاولتموهم في المعركة الحمراء؟ ألا أخذتموهم من معاقلهم؟ أهذا ما انتهى إليه جنود نابليون؟ وإن لم يكن نابليون وجنوده خيراً منكم. خذوهم من حيث كانوا، من شعفات الجبال ومهامه البيد. وهيهات! إن البيداء للأسد، الأسد الذي يهجم من أمام، لا للعقرب التي تدبّ خلسة وسط الظلام. وفرنسا ما كانت أجمة آساد، إن فرنسا مراتع غزلان مباحة لكل صيّاد ... غزلان، ولكن القرون لذكورها فقط. فدعوا القتال فما أنتم أهله، وجرّوا الذيول على أبواب الحانات والمواخير في مونمارتر ومونبارناس، وسنّوا قانوناً يحرّم على مدرّسيكم أن يعلّموا الصبية الصغار في المدارس تاريخ الثورة وأمجاد الحروب، لئلاّ يدركوا كيف لطّخ الفرنسيون أمجادهم

стр. 1645

بالوحل وكيف عدوا على الحرّيات بعدما ادّعوا أنهم ثاروا دفاعاً عنها، وكيف فقدوا بطولة الحروب فاستعاضوا عنها بقَطْع الطريق وسرقة المارّين، وبالعدوان على النساء والأطفال بعدما زعموا أنهم صاروا تحت علم نابليون يوماً أبطال أوربّا. ولا تُقرِئوهم روائع الأدب الفرنسي التي تتغنّى بالعظمة والسموّ والشرف، لأنكم لم تعودوا خليقين بهذا الأدب ولا أهلاً لهذا التاريخ. تتشدقون بذكر حقوق الإنسان وتعبثون بحقوق الإنسان، وتهتفون بحقّ الشعوب وتعْدُون على حقوق الشعوب، وتدرّسون في كلّيات الحقوق في بلادكم قواعد الحرب وتكفرون بأفعالكم بقواعد الحرب! أفلا تستحون؟ استحوا من الله. استحوا من التاريخ. استحوا من علمائكم وأساتذتكم وأدبائكم. استحوا فما هذه حرب، هذا عدوان على بلد ما لكم فيه حقّ من الحقوق: لا الأرض أرضكم ولا الأهل أهلكم ولا اللسان لسانكم ولا الدين دينكم. هذه سرقة، هذه جريمة، هذه قرصنة، هذه وحشية. وما هذه كلمات سبّ وشتم بل تقرير للواقع. إن الذي يقول للذئب أنت ذئب لا يسبّه ولكنه يُسمّيه باسمه، وكل هذه الكلمات لا تفي بالتعبير عمّا صنعَت فرنسا في الجزائر، ولو صنع عُشرَه شعبٌ آخر لفرنسا لقال عنه كتّاب فرنسا أضعاف ما قلت أنا الآن. إنها جريمة ولكنها جريمة ليس لها قُضاة، وليس للمظلوم فيها محامون. (إلى أن قلت): وما ضرّت فرنسا الجزائرَ باختطافها الزعماء

стр. 1646

الخمسة ولكن ضرّت نفسها؛ لقد نفعَتنا فرنسا وزادتنا إيماناً بالنصر. وما شكَكْنا في النصر قط أنه لنا. إن أُمّة ولدَت عشرة آلاف بطل ليس لفرنسا عشرة فقط من وزنهم لا يُعجِزها إذا أُسِرَ بن بيللا (أحسن الله خلاصه وأجزل ثوابه) أن تُخرِج ألف بن بيللا. فلا تحسبوا أنكم صنعتم شيئاً؛ ما صنعتم إلاّ أن أخرستم كل لسان كان على طرفه بقيّة كلام في تحسين الظنّ بكم والأمل فيكم، وجعلتم المغرب كلّه، والمشرق الإسلامي من بعده، ناراً تتلظّى عليكم وجهنّم مفتَّحة أبوابها لكم. فلا تقولوا خلا بأسر بن بيللا العرين: لا تقولوا خلا العرينُ ففيهِ ... ألفُ ليثٍ إذا العَرينُ أهابا فاجمعوا كيدَكم وروعوا حِماهُ ... إنّ عندَ العرينِ أُسْداً غِضابا * * *

стр. 1647

-١٣٢ - بقيّة من حديث الجزائر هل ترونني أخطأت الصواب حين قطعت سلسلة ذكرياتي وأخذت أنشر مقاطع تدلّ على الأسلوب الذي كنت أكتب به، وعلى اختلاف الأساليب باختلاف المقامات، وتفيد بعرضها القُرّاء وتُريهم صُوَراً للحياة التي كنّا نحياها قبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة؟ ليضع هذه الصورة مَن لم يدركها إلى جانب صور الحياة التي يعيشها، ثم يوازن بينهما فيرى خيرهما وشرّهما. لقد كنّا (في الشام خاصة وفي أكثر البلاد عامّة) لا نعيش لأنفسنا بل لنا ولإخواننا، لإخواننا في الدين وفي العروبة، فإن ألمّ بمصر خَطْب أو نزلَت بالعراق نازلة أو أصاب المغرب مصاب أحسّت دمشق ألمه، فواست أو سلّت أو غضبَت فثارت واحتجّت. أمّا فلسطين فكانت قضيّتها قضيّتنا، وكنّا نحن أهلها كما كان أهلوها أهلينا، وما الذي يُبعد شمالي الشام عن جنوبيه وكلُّه عند العرب، وفي الواقع، وعلى مدى التاريخ الطويل، كلّه بلد واحد فيه شعب واحد؟ كانت هذه مشاعر كلّ قطر عربي، بل كلّ صقع مسلم، ولكن

стр. 1648

دمشق كانت أشدّ بها إحساساً ولها إدراكاً. لقد بسطت أمامي لمّا هممت بطرق هذا الموضوع بعض ما كتبت فيه، فوجدت فيه أكثر من ثلاثمئة صفحة مطبوعة، ومثلها أو ما هو قريب منها من الصحف المنشورة، وقريب منها بل ربما زاد عليها مخطوطات، منها صفحات فُقدت وصفحات بَقيَت. ووجدت خُطَباً ومحاضرات تزيد على المئة. وأكثر الخطب ما كتبتها (وما أشدّ الآن أسفي وحزني على أني ما كتبتها) بل كنت أفكّر فيها وأرتّب أفكاري، ثم أكتب أطراف الأفكار وعناوينها على بطاقة لا تزيد على حجم الكفّ أحملها بيدي وأنا على المنبر، فأنساها تارات فلا أنظر فيها، وإذا عدت إليها لم أعرف ما الذي كتبته فيها، وأرى العنوان ولا أذكر ما كان تحت هذه العنوان. ومنها ما لا أستطيع، صدّقوني، أن أفكّ حروفه فأعرف ما هو لأنني أكتبها بمثل خربشة الدجاج! أرأيتم آثار أقدام الدجاج على الطين الطري؟ هذه هي الخربشة التي كنت أخربش بها حين أُعِدّ المحاضرة. * * * وقد علّمونا أن الكاتب إذا أراد أن يصفو له ذهنه ويجتمع فكره يؤمّ مرابع الجمال ويقصد الرياض وحفافي الحِياض، يستمتع بالأوراد والأزهار، ولكني لم آخذ بهذا الذي علّمونا ولا وجدت منه خيراً. جرّبته فوجدته يفرّق فكري بدلاً من أن يجمعه ويوزّعه على ما أرى حولي بدلاً من أن يركّزه على ما في ذهني. لذلك كان

стр. 1649

أكثر ما أكتب أكتبه عندما أضطجع في الفراش وقد أرخى النعاس جسمي وأغلق أجفاني، هنالك يتيقّظ الفكر وينطلق، فأشعل النور لأدوّن فكرة عرضت لي، فإذا نفدَت أطفأته وتمدّدت لأنام، فتأتي فكرة أخرى فأعود إلى النور فأشعله. تأتيني الأفكار مثلما تُقبِل الأمواج على الشاطئ، موجة بعد موجة، وإذا توالت عليّ وتعاقبت طار النوم من عيني، فإما أن أستغني عنه وأبقى ساهراً وأقضي نهاري بعده خاملاً، أو أن أطرد الأفكار وأنام، فإذا أصبحت لم أجد في ذهني منها شيئاً؛ كحلم كنتَ مستغرقاً فيه فلما أفقت تصرّم الحلم، أو صورة على لوحة الرائي قُطع عنها التيّار فلم يبق لها من آثار. وقد أزعج هذا زوجتي لمّا جاءت إليّ من سِتّ وأربعين سنة فحطّم أعصابها وزاد أوصابها، فحملَت وسادتها وفراشها وذهبت تنام في غرفة أخرى. والحقّ معها، فإنّ الذي كنت أصنعه مضطراً يَذهب بحلم الحليم وصبر الصبور، وهو باب من أبواب التعذيب عند الطغاة الجبّارين، يمنعون المعتقَل السجين من المنام، حتى إذا استبدّ به النعاس وأخذ منه بمعاقد الأجفان تركوه ينام فعلاً، فإذا استغرق في النوم أيقظوه. وأنا أسأل الله أن يغفر لي ما صنعت مع أهلي. فإذا قويَت الفكرة ووضحت لي وثبتت أصولها في ذهني، تركتها ونمت مطمئناً لأنني إذا صحوت وجدتها قد امتدّت جذورها واتّسق ساقها وأورقَت وأثمرَت. وطالما كانت تستعصي عليّ مسألة وأنا طالب أو تستغلق

стр. 1650

عليّ قضية وأنا قاض، فإذا قمت من النوم وجدت حلّ المسألة وانفتاح القضية. ذلك أن الذهن كهذا المِحساب (الذي يدعونه الكمبيوتر)؛ تضع فيه الأصول تم تتركه يعمل فيأتيك هو بما شئت من الفروع. * * * رأيت في كتبي المطبوعة وما بقي من مقالاتي المنشورة وفي المخطوط من أوراقي خطباً ومقالات ومحاضرات وتعليقات، لو أنها جُمعت كلها لكان منها كتاب كبير، في أجزاء كثيرة لا في جزء واحد، عنوانه «العرب والنضال للاستقلال». عشرات بالجمع، وأقلّ الجمع ثلاث، ثم عشرات ثم عشرات ثالثة، فهذه تسعون مقالة عن نضال سوريا ولديّ أكثر منها. ولقد كتبت نحو ثلثها، بل كتبت قريباً من نصفها عن فلسطين. وقد قرأتم في الحلقة الماضية بعض ما كتبت عن الجزائر، وقرأتم لي في هذه الذكريات من قبل بعض ما كتبت عن العراق وعن الحجاز، وأمامي مقالة كتبتها عن اليمن. أمّا المقالات التي كتبتها عن مصر فكثيرة جداً. تحتفل الجزائر الآن بأنها قد مرّت ثلاثون سنة على استقلالها، فكان لي أن أشارك ولو من بعيد بهذا الاحتفال كما شاركت بلساني وقلمي من بعيد في النضال، وإن كانت مشاركتي قليلة ضئيلة وكانت لبنة واحدة في هذا الصرح العظيم. الرئيس الزعيم شكري القوّتلي ﵀ كان من المناضلين ثائراً مع الثوّار، وبقي مناضلاً وهو رئيس من الرؤساء، وكنّا معشر
следующие страницы →