الخمسة ولكن ضرّت نفسها؛ لقد نفعَتنا فرنسا وزادتنا إيماناً بالنصر. وما شكَكْنا في النصر قط أنه لنا. إن أُمّة ولدَت عشرة آلاف بطل ليس لفرنسا عشرة فقط من وزنهم لا يُعجِزها إذا أُسِرَ بن بيللا (أحسن الله خلاصه وأجزل ثوابه) أن تُخرِج ألف بن بيللا.
فلا تحسبوا أنكم صنعتم شيئاً؛ ما صنعتم إلاّ أن أخرستم كل لسان كان على طرفه بقيّة كلام في تحسين الظنّ بكم والأمل فيكم، وجعلتم المغرب كلّه، والمشرق الإسلامي من بعده، ناراً تتلظّى عليكم وجهنّم مفتَّحة أبوابها لكم. فلا تقولوا خلا بأسر بن بيللا العرين:
لا تقولوا خلا العرينُ ففيهِ ... ألفُ ليثٍ إذا العَرينُ أهابا
فاجمعوا كيدَكم وروعوا حِماهُ ... إنّ عندَ العرينِ أُسْداً غِضابا
* * *
стр. 1647
-١٣٢ -
بقيّة من حديث الجزائر
هل ترونني أخطأت الصواب حين قطعت سلسلة ذكرياتي وأخذت أنشر مقاطع تدلّ على الأسلوب الذي كنت أكتب به، وعلى اختلاف الأساليب باختلاف المقامات، وتفيد بعرضها القُرّاء وتُريهم صُوَراً للحياة التي كنّا نحياها قبل ثلاثين أو أربعين أو خمسين سنة؟
ليضع هذه الصورة مَن لم يدركها إلى جانب صور الحياة التي يعيشها، ثم يوازن بينهما فيرى خيرهما وشرّهما. لقد كنّا (في الشام خاصة وفي أكثر البلاد عامّة) لا نعيش لأنفسنا بل لنا ولإخواننا، لإخواننا في الدين وفي العروبة، فإن ألمّ بمصر خَطْب أو نزلَت بالعراق نازلة أو أصاب المغرب مصاب أحسّت دمشق ألمه، فواست أو سلّت أو غضبَت فثارت واحتجّت. أمّا فلسطين فكانت قضيّتها قضيّتنا، وكنّا نحن أهلها كما كان أهلوها أهلينا، وما الذي يُبعد شمالي الشام عن جنوبيه وكلُّه عند العرب، وفي الواقع، وعلى مدى التاريخ الطويل، كلّه بلد واحد فيه شعب واحد؟
كانت هذه مشاعر كلّ قطر عربي، بل كلّ صقع مسلم، ولكن
стр. 1648
دمشق كانت أشدّ بها إحساساً ولها إدراكاً.
لقد بسطت أمامي لمّا هممت بطرق هذا الموضوع بعض ما كتبت فيه، فوجدت فيه أكثر من ثلاثمئة صفحة مطبوعة، ومثلها أو ما هو قريب منها من الصحف المنشورة، وقريب منها بل ربما زاد عليها مخطوطات، منها صفحات فُقدت وصفحات بَقيَت.
ووجدت خُطَباً ومحاضرات تزيد على المئة. وأكثر الخطب ما كتبتها (وما أشدّ الآن أسفي وحزني على أني ما كتبتها) بل كنت أفكّر فيها وأرتّب أفكاري، ثم أكتب أطراف الأفكار وعناوينها على بطاقة لا تزيد على حجم الكفّ أحملها بيدي وأنا على المنبر، فأنساها تارات فلا أنظر فيها، وإذا عدت إليها لم أعرف ما الذي كتبته فيها، وأرى العنوان ولا أذكر ما كان تحت هذه العنوان. ومنها ما لا أستطيع، صدّقوني، أن أفكّ حروفه فأعرف ما هو لأنني أكتبها بمثل خربشة الدجاج!
أرأيتم آثار أقدام الدجاج على الطين الطري؟ هذه هي الخربشة التي كنت أخربش بها حين أُعِدّ المحاضرة.
* * *
وقد علّمونا أن الكاتب إذا أراد أن يصفو له ذهنه ويجتمع فكره يؤمّ مرابع الجمال ويقصد الرياض وحفافي الحِياض، يستمتع بالأوراد والأزهار، ولكني لم آخذ بهذا الذي علّمونا ولا وجدت منه خيراً. جرّبته فوجدته يفرّق فكري بدلاً من أن يجمعه ويوزّعه على ما أرى حولي بدلاً من أن يركّزه على ما في ذهني. لذلك كان
стр. 1649
أكثر ما أكتب أكتبه عندما أضطجع في الفراش وقد أرخى النعاس جسمي وأغلق أجفاني، هنالك يتيقّظ الفكر وينطلق، فأشعل النور لأدوّن فكرة عرضت لي، فإذا نفدَت أطفأته وتمدّدت لأنام، فتأتي فكرة أخرى فأعود إلى النور فأشعله. تأتيني الأفكار مثلما تُقبِل الأمواج على الشاطئ، موجة بعد موجة، وإذا توالت عليّ وتعاقبت طار النوم من عيني، فإما أن أستغني عنه وأبقى ساهراً وأقضي نهاري بعده خاملاً، أو أن أطرد الأفكار وأنام، فإذا أصبحت لم أجد في ذهني منها شيئاً؛ كحلم كنتَ مستغرقاً فيه فلما أفقت تصرّم الحلم، أو صورة على لوحة الرائي قُطع عنها التيّار فلم يبق لها من آثار.
وقد أزعج هذا زوجتي لمّا جاءت إليّ من سِتّ وأربعين سنة فحطّم أعصابها وزاد أوصابها، فحملَت وسادتها وفراشها وذهبت تنام في غرفة أخرى. والحقّ معها، فإنّ الذي كنت أصنعه مضطراً يَذهب بحلم الحليم وصبر الصبور، وهو باب من أبواب التعذيب عند الطغاة الجبّارين، يمنعون المعتقَل السجين من المنام، حتى إذا استبدّ به النعاس وأخذ منه بمعاقد الأجفان تركوه ينام فعلاً، فإذا استغرق في النوم أيقظوه. وأنا أسأل الله أن يغفر لي ما صنعت مع أهلي.
فإذا قويَت الفكرة ووضحت لي وثبتت أصولها في ذهني، تركتها ونمت مطمئناً لأنني إذا صحوت وجدتها قد امتدّت جذورها واتّسق ساقها وأورقَت وأثمرَت.
وطالما كانت تستعصي عليّ مسألة وأنا طالب أو تستغلق
стр. 1650
عليّ قضية وأنا قاض، فإذا قمت من النوم وجدت حلّ المسألة وانفتاح القضية. ذلك أن الذهن كهذا المِحساب (الذي يدعونه الكمبيوتر)؛ تضع فيه الأصول تم تتركه يعمل فيأتيك هو بما شئت من الفروع.
* * *
رأيت في كتبي المطبوعة وما بقي من مقالاتي المنشورة وفي المخطوط من أوراقي خطباً ومقالات ومحاضرات وتعليقات، لو أنها جُمعت كلها لكان منها كتاب كبير، في أجزاء كثيرة لا في جزء واحد، عنوانه «العرب والنضال للاستقلال».
عشرات بالجمع، وأقلّ الجمع ثلاث، ثم عشرات ثم عشرات ثالثة، فهذه تسعون مقالة عن نضال سوريا ولديّ أكثر منها. ولقد كتبت نحو ثلثها، بل كتبت قريباً من نصفها عن فلسطين. وقد قرأتم في الحلقة الماضية بعض ما كتبت عن الجزائر، وقرأتم لي في هذه الذكريات من قبل بعض ما كتبت عن العراق وعن الحجاز، وأمامي مقالة كتبتها عن اليمن. أمّا المقالات التي كتبتها عن مصر فكثيرة جداً.
تحتفل الجزائر الآن بأنها قد مرّت ثلاثون سنة على استقلالها، فكان لي أن أشارك ولو من بعيد بهذا الاحتفال كما شاركت بلساني وقلمي من بعيد في النضال، وإن كانت مشاركتي قليلة ضئيلة وكانت لبنة واحدة في هذا الصرح العظيم.
الرئيس الزعيم شكري القوّتلي ﵀ كان من المناضلين ثائراً مع الثوّار، وبقي مناضلاً وهو رئيس من الرؤساء، وكنّا معشر
стр. 1651
الشباب جنوده، نأتمر بأمره ونمشي وراءه. وكانت لي -على ذلك- حظوة عنده ودالّة عليه، لأنه رأى أنه لا مطمع لي من الصلة به، وأني ليس لي طلب أطلبه منه، لا أطلب منصباً ولا مالاً. لذلك كان يسمح لي أن أبيّن له إن رأيت في عمله أو في عمل حكومته ما أظنّه مخالفاً للشرع أو مجانباً طريق الحقّ. وكان الرجل مؤمناً مقيماً للفرائض مجتنباً للكبائر، وإن كان إيمانه إيمان العوامّ، لا يخلو من بعض البدع وبعض الأوهام.
وأنا قد دنوت الآن في ذكرياتي من مرحلة الخطر. ذلك أني أذكر الحقّ عن رجال منهم القليل الذي بقي، ومَن ذهب إلى رحمة الله بقي أبناؤه أو إخوانه الذين يريدون أن تكون هذه الذكريات قصائد مدح كمدح الشعراء للخلفاء، ولا يحتملون نقداً ولو كان يسيراً ولو كان حقاً. ولقد ترددت بين أن أسايرهم وأرضيهم بعض الرضا وبين أن أقول كلمة الحقّ ولا أبالي، فآثرت أن أقول كلمة الحقّ. وأستاذنا محمد كرد علي رحمة الله عليه لبث يكتب أكثر من ستّين سنة وجلّ القُرّاء راضٍ عنه مُحِبّ له، فلما نشر مذكّراته وتعرّض فيها لبعض الأحياء أثار عليه نصف الناس وهاجموه وكتبوا عنه، ومن هؤلاء الذين كتبوا عنه الأستاذ أحمد أمين والأستاذ الزيات.
أعود إلى موضوعي: شكري بك ﵀ أقام أسبوعاً للجزائر، ثم جعل لها احتفالاً كبيراً حضره وجوه الناس. ولقد كُلّفت الخطابة فيه، ولولا الخجل لقلت إن خطبتي كانت هي الخطبة الرئيسية، كما كانت خطبتي في «أسبوع التسلح»، وربما جاء حديثها.
стр. 1652
وكنت قد شرعت من يومئذ أخطب ارتجالاً بعد أن كنت أدون الخطبة تدويناً، وارتجلت خطبتي عن الجزائر. ولكن لمّا أُذيعت الحفلة من الإذاعة السورية تفضل أحد الإخوان فكتب الخطبة وأهداها إليّ مكتوبة، ففرحت بها كأني أُعطيت بها عطيّة، وتمنّيت لو أن مثل هذا الأخ الكريم كتب أمثالها من خطبي، أو لو أن مُحسِناً آخر يستخرج من أشرطة الإذاعة والرائي بعض أحاديثي الآن في برنامجَيّ الاثنَين «نور وهداية» و «مسائل ومشكلات»، ويكتبها ثم يعرضها عليّ فأنقّحها وأصحّحها وأجعل له شطر أرباحها إذا هي طُبعت لبيعها، أو دعوت الله أن يكون له حظّ من ثوابها إذا نُشرت مجّاناً للثواب (١).
أنشر الآن فقرات من هذه الخطبة لأن فيها مثالاً لأسلوبي في الخطب، ولأنه لم يطّلع عليها واحد في الألف من قُرّاء «الشرق الأوسط» ومن كان قد سمعها منهم قبل أكثر من ثلاثين سنة أنسته مشاغله ومطالب حياته ما كان قد سمعه منها، ولأن فيها وصفاً لما كنّا فيه يومئذ وصوراً من حياتنا.
قلت في أولها لمّا استقبلني الجمهور بتصفيق استمر أكثر من أربع دقائق، وأنا أشير بيدي شاكراً ومسلّماً وراجياً وقف هذا التصفيق (٢):
стр. 1653
شكراً يا سادتي وعذراً، فإن هذه التحيّة النبيلة، هذا التصفيق الذي ينبعث من القلب هزّة حبّ تحرّك الأعصاب وتُطلِق الأيدي لتستحقّ خطبة من تلك الخطب العبقريات، التي تبدّل نفوساً بنفوس وتحوّل السامعين من حال إلى حال، وتتلاعب بالأفئدة والقلوب، وتسعّر الدم في العروق، وتصبّ العزم في الأعصاب.
وليس عندي الليلة شيء من هذا. ما عندي ما أستحقّ به تحيّتكم، لا لأني شخت وعجزت وغاض بياني وكَلّ لساني، بل لأني مُنعت يا سادتي. أُشهِدكم على أنني مُنعت من أمثال هذه الخطب.
لا تسرعوا بالعجب، بل فاسمعوا السبب. كان الفرنسيون في كل مكان من بلاد الشام، وكانوا هم السادة وكانوا هم القادة، لهم في كل دائرة مستشار والمستشار هو الحاكم، ولهم في كل قرية جند، وعلى كل أَكَمة قلعة موجّهة مدافعها إلينا لا إلى عدوّنا، وكانت الحكومة في ظاهرها منّا ولكنها في الحقيقة معهم علينا، فكنّا نخطب ونهجم على الحكومة ونثير الشعب على الفرنسيين، فيصفّق لنا الناس ويحملوننا على الأعناق.
فأُجلِيَ الفرنسيون عن ديارنا، وصارت الحكومة منّا ولنا، وصار زعيمنا في النضال رئيسَنا في الحكم، فلم يبقَ لنا ما نخطب فيه، فامتنع علينا الكلام وانقطعَت أرزاقنا!
فقلنا: لئن مُنعنا عن الكلام في شمالي الشام فلنمشِ إلى جنوبيه، إلى الأردن. فكنّا نسبّ غلوب ونطعن على الذين يأتمرون بأمره، فنشتري بذلك إعجاب الناس وتصفيق المستمعين، فطردوا
стр. 1654
غلوب وحرّروا البلد، فقطعوا أرزاقنا ومنعونا من الكلام.
فمشينا إلى الحجاز، فكنّا نتكلم على ضيق الحرم وسوء الطرق فنجد من السامعين التقدير والإكبار، فوسّعوا حرم المدينة حتى جعلوه آية في الإبداع، ووضعوا ستمئة مليون ليرة لإصلاح حرم مكّة، ولن تمرّ إلاّ سنوات قليلة حتى ينشأ في مكّة حرم جديد أوسع وأبدع في بنائه من هذا المسجد القديم. وخدموا الحرمَين في هذه السنوات الأربع أكثر ممّا خدمه ملوك المسلمين جميعاً في القرون الثلاثة عشر التي مضت، ووسّعوا الطرق وشرعوا بالإصلاح الشامل، فلم يعُد لنا مجال المقال.
فرحلنا إلى مصر، فكنّا نهمس في بعض الآذان نسبّ فاروقاً ونُظهِر عوراته ونطعن على الإنكليز، وكان لنا في ذلك ميدان، فجاؤوا فطردوا فاروقاً وألحقوا به الإنكليز، وفعلوا الأفاعيل التي ملأ حديثها الدنيا وشغل الناس.
فأين نذهب وماذا نقول؟ وهل يستطيع الأديب أن يعيش بلا أدب ولا لسان؟
(إلى أن قلت): وقفت فيكم يوم أسبوع التسلح على هذا المنبر أستحلفكم وأذكّركم، فما تركتموني أُتِمّ كلامي حتى تزاحمتم على صندوق التبرع، وتدافعتم مقبلين لا لتأخذوا بل لتُعطوا، ووقفتم في الطريق في هذا البرد تحت المطر تنتظرون أن تُفتَح لكم الأبواب لتدخلوا فتُعطوا، وعملتم العجائب.
(إلى أن قلت): لقد آذيتموني في أسبوع التسلّح وفضحتموني،
стр. 1655
فإذا كنتم تريدون أن تفضحوني هذه المرة أيضاً فخبّروني من الآن لأريحكم من كلامي وأستريح. وما فائدة الدرس إذا كان المتعلّم أعرفَ به وأسبقَ إليه من المعلّم؟ وإذا كنت أقول لكم «ألف» فتسبقون فتقولون «باء»، فأقول «باء» فتقولون «تاء» ... ندعو دمشق للإضراب فتُضرِب دنيا العرب كلها من مراكش إلى الخليج، بل إلى باكستان وأندونيسيا، فلا يبقى لكلامنا معنى!
(إلى أن قلت): لو كان مقامي الليلة في القاهرة أو بغداد لوجدت مشقّة في عرض صورة الحياة في الجزائر اليوم، لأن القوم هناك لم يجرّبوا فرنسا ولم يعرفوا منها إلاّ وجهها الثاني. فرنسا ذات وجهين: الوجه الذي يتمثّل فيه أدب الحُرّية وتتمثّل فيه مباحث علماء القانون وأعيان الفكر، والوجه الحقيقي الذي قابلَتكم به في ميسلون ثم في الغوطة التي كانت خضراء فجعلوها حمراء من مُهرَق الدماء.
فاذكروا ما كان في الثورة وانشروا صورتها في أذهانكم، وكبّروها مئة مرة تروا صورة الجزائر في هذه الأيام. أعرضُ عليكم لوحة صغيرة من لوحات الثورة كنت كتبت فيها قصّة نُشرت في مصر من ثماني وعشرين سنة (نُشرت في الزهراء سنة ١٩٢٨)، ولكني لن أعرض القصّة بل الحادثة التي بنيتها عليها.
كنت يوماً في «بَسّيمة» في أواخر الثورة. وبسيمة جنّة من الجنان في وادي برَدى، هي جارة لنبع الفيجة الذي يسقي دمشق. وكان فيها الأمير الشابّ البطل عِزّ الدين الجزائري سبط شيخ الجهاد وبطل الجزائر الأمير عبد القادر، وكان في عدد قليل من
стр. 1656
المجاهدين، فكانت تخرج له الحملة الضخمة من الجنود معها السلاح والعتاد، فيربط لهم فم الوادي فيصيد جنودها ويهزمها ويردّها، فتعدو فرنسا على القرى الآمنة تنتقم -لعجزها- منها، فتسوق البُرآء من أهلها إلى الموت وتُذيقهم العذاب قبله ألواناً، وتهدم البيوت وتنهب الأموال ... كبّروا هذه الصورة ألف مرة تروا أمامكم صور الجزائر اليوم.
لكن الجزائر اليوم أوعى منّا يومئذ، لقد تقدّم بها الزمان. إن الجزائر تقف صفاً واحداً، لقد ذابت الأحزاب كلها في «جبهة التحرير» واجتمعَت القوى كلها في جيش التحرير.
تصوّروا مئة واد كوادي بسّيمة، وفي كل واد منها ووراء كلّ صخرة فيها مجاهدون من جيش التحرير. في كل مكان، في الوعور وفي أصلاد الجبال، يعيشون مع الصخر حيث لا تصبر جِمال الفَلا ووحوش البيد، فكيف بالشُّقْر المخنَّثين مِمّن قذفت حانات باريس يضربهم الثوار ولكنهم لا يرونهم، كالأُسد تعرف أنها في آجامها ولكن مَن يراها؟ لا لأنها تخاف فتهرب بل لأنها تُخاف فيُهرَب منها.
لقد عرفنا هذا أيام الثورة السورية، يوم كانت فرنسا لا تحكم إلاّ على بعض دمشق، وأكثرُ دمشق مع الغوطة بأيدي الثوّار. وكان في وسط العقيبة حصن (استحكام) فرنسي فيه ضابط باريزي أشقر ناعم، كأن رجولته خطأ مطبعي في سجل الحياة أو كأنه أنثى متخفّية في ثياب رجل، أَحَبّ أن يرى صورة حسن الخرّاط (أحد أبطال الثورة، الذي كتبت عنه قصّة لم تتمّ في مجلّة «الناقد»
стр. 1657
سنة ١٩٣٠) فجاءه أحد ظرفاء الحيّ بصورة عنتر التي تُعلَّق في القهوات، فلما نظر إلى الصورة ورأى سواداً كالليل وعينين تتّقدان كعينَي الصقر وشاربَين كساريتَي المركب (وكذلك كانوا يصوّرون عنتر) انخرط بطنه وأصابه الزُّحار (الديزنطاريا) فحُمل من فوره إلى المستشفى.
كذلك -يا سادة- يلقى هؤلاء المجاهدون مئات الألوف من جنود المستعمرين، ولذلك يتعاقب النصر فيهم وتتوالى الهزائم على عدوّهم. لقد تعلّموا درساً جيّداً في حروب الهند الصينية التي نكّست أعلامَ فرنسا وقضت على ما بقي من أسطورة بطولتها.
ينهزم الفرنسيون في كلّ معركة في الجزائر، ولكن البطولة الفرنسية لا تنهزم! البطولة التي أدهشوا بها الدنيا سنة ١٨٧٠ أمام بسمارك، وسنة ١٩١٤ أمام غليوم، وسنة ١٩٣٩ أمام هتلر، وبينهما سنة ١٩٢٥ أمام حسن الخرّاط وأبطال الثورة السورية! تبدو هذه البطولة في القرى الآمنة، وعلى المدنيين المسالمين وعلى النساء والأطفال، وتعود من هناك معقوداً بنواصيها الغار لأنها انتصرَت على الأطفال، ولأنها ظفرَت بالنساء بنار المدافع والرشاشات!
إنهم يمحون القرى محواً ويُبيدُون أهلها إبادة. وتحت يدي وصف لما جرى في قرية سكيكدة في إقليم المقلع في الجزائر، لم يكتبه عربي جزائري ولكني قرأته لكاتب فرنسي في جريدة فرنسية؛ جاء هذا الصحفي الفرنسي القرية عقب ضربها فلم يجد فيها حياً واحداً، ووجد الكلاب تنبح نباحاً يقطع نياط القلوب
стр. 1658
تبحث عن أصحابها خلال الأنقاض، ولو استطاعت البكاء لبكت في هذه المأساة دماً.
لقد رقّت قلوب الكلاب ولم ترقّ قلوب المستعمرين، لقد صارت الكلاب أكثرَ إنسانية من قوم روسو وموسّه ولامارتين.
إنهم كلّما انهزموا انتقموا من القرى، فيطوّقون القرية ثم يأخذون الرجال فيعذّبونهم (كما يفعل اليوم الأنذال المسوخ من جند ما يُدعى بدولة إسرائيل). يبتدعون طرقاً في التعذيب لا تعرفها الأبالسة، ويذبحون الأطفال أمام آبائهم ويعتدون على نسائهم أمامهم، ثم يقتلونهم جميعاً.
أخذ المجاهدون أصابع من الديناميت من منجم العالية فدُمّرت القرية كلها وأُبيدَ أهلها. وكانت خصومة (خناقة) بين خبّاز فرنسي ورجل من العرب في قرية ابن غانم، فصيّروها قضية ثورة وجهاد، وسُعِي بها إلى المستعمرين فأبيدت القرية كلها بالمدافع.
وقُتل رئيس الشرطة في قسنطينة فقتل ابنُه ستّة من العرب بالسلاح الرسمي وجرح أربعة، فاختارت السلطات المستعمرة ثلاثة عشر من كبار أهل البلد، منهم الأديب المعروف مدير جريدة «الشعلة» وعضو جمعية العلماء أحمد رضا حوحو ومنهم نواب في المجلس البلدي، وساقوهم مشياً إلى المعتقل. ثم رأوا أن الاعتقال والتحقيق أمر متعِب فقتلوهم جميعاً بلا محاكمة ولا تحقيق!
يا سادتي، إن المصائب حينما تكبر يعجز الفكر عن تصوّرها،
стр. 1659
وأنا أخشى أن تمرّ بكم هذه الأخبار فلا تعرضوا في أذهانكم تفاصيلها. إن اللصّ ينزل على دار من الدور فتصيح المرأة ويبكي الطفل ويرتاع الجيران، وإن النار تشبّ في غرفة من الغرف فيضطرب الحيّ وتُزلزَل المنطقة كلها، وما هي إلاّ نار تنطفئ أو لصّ ينهزم.
فتصوّروا ما يصيب هؤلاء الناس حينما تفاجئهم وسط الليل وهم آمنون في دورهم المدافعُ ترجّ بهم الأرض، والطياراتُ تصبّ عليهم الحمم، والدبّابات قد صارت وسط دورهم والجند قد دخلوا بسلاحهم إلى غرف نومهم، فيطيش الرجل عن أهله ويُقتَل الأب أمام بناته، ويُنال من البنت بحضرة أبيها والمرأة بعين زوجها.
وإن هرب المرء لحقه الموت. وأين المهرب من النار وقد تفتّحَت أبوابها من كل جانب؟ وإن أفلت ولد من الموت عاش باليتم حياة ليست خيراً من الموت، وإن نجَت امرأة عاشت تتجرّع حزنها على زوجها وولدها، وقاست مرارة الحاجة وذلّ السؤال.
هذا ما يجري اليوم في الجزائر.
لقد سُنّ فيها قانون فاجر، لو صدر مثله عن جنكيز أو عن قبائل الهون في ذلك الزمن البعيد لقال التاريخ: إنهم تأخّروا عن زمانهم وانحطّوا عن رتبة أمثالهم، فكيف وقد أصدره الفرنسيون، أحفاد من نادوا بحرّية المساكين في قرن العشرين؟ قانون يسوغ لجنود فرنسا، حتى الأخلاط منهم (الفرقة الأجنبية) الذين هم حثالة كلّ أمة، أن يدخلوا ما شاؤوا من الدور فيما شاؤوا من ساعات
стр. 1660
الليل أو النهار، فجأة بلا إنذار، بحجّة التفتيش عن المجاهدين. وتصوّروا ما يكون من سرقات وما يكون من فجور. ونحن العرب قد نصبر على كل شيء ولكن لا نصبر على المساس بالعرض، وهذه حقيقة لا تفهمها فرنسا لأنه ليس في لغة فرنسا كلمة تُترجَم بها كلمة العرض، لأنهم ليس لهم أعراض.
فهل تستطيعون أن تأكلوا وتشربوا، وتلهوا وتلعبوا، وتغنّوا وتطربوا، وإخوانكم في الجزائر يقاسون هذه الأهوال؟ لو كان في الطريق قطّة تموء من الألم أو كان عند الجيران عامل يضرب بالمطرقة لما قدرتم على المنام. أفتنامون وفي الجزائر إخوة لكم يهتفون بكم وينتظرون العون منكم؟ أتنامون والمدافع تضرب من حولكم؟
إن في الجزائر إخوة لكم يعيشون في الموت ويموتون في الحياة.
لا أريد أن تنشروا المناديل وتستدرّوا الدموع، ولا أريد أن تصعّدوا الزفرات وتنفثوا الآهات. لا، فليس إخوانكم هناك هلكى يستَجْدون الدمع، بل هم بحمد الله أبطال يطلبون المدد. إنهم أقوياء بالله ثم بكم، فإن نصرتموهم اليوم بأموالكم طهّروا الجزائر من أرجاس الاستعمار، ثم جاؤوا يعينونكم على تطهير القدس من نجس إسرائيل.
إن فرنسا تعرفهم وتعرف بطولتهم؛ إن كلّ نصر نالته فرنسا خلال القرن الذي مضى من صنع أيديهم هم، وهذه حقيقة يُقِرّ بها تاريخ فرنسا. إن معركة «المارْن» التي يجعلها الفرنسيون مدار
стр. 1661
فخرهم ومسار ذكرهم إنما كسبها الجنود الجزائريون.
(إلى أن قلت): كان الجزائريون في هذه الحرب الأخيرة في فم المدفع وكانوا في وجه النار، وبذلوا لقضية الحلفاء مالم يبذل مثلَه شعب. إنهم تدرّبوا في جيش فرنسا، ولكن ليس لفرنسا عليهم فضل فقد دفعوا أجرة التدريب. ما دفعوا مليوناً وربع مليون فرنك، لا يا سادة، بل مليوناً وربع مليون روح بشرية سيق أصحابها لإزهاقها جبراً من أجل فرنسا. لقد جاؤوا اليوم يتقاضون بعض هذا الدين.
إن الفرنسيين يخشون المجاهدين لأنهم عرفوهم، ونحن لم نعُد نخشى فرنسا لأننا عرفناها!
يا أهل الشام، هذا «أسبوع الجزائر». الجزائر تناديكم: المجاهد الذي نفدت ذخيرته وأحاط به أعداؤه وتلقّفَته نيرانهم يسقط وهو يهتف بكم ويناديكم. المرأة التي أرادوها على الخَنا وأبَت إلاّ العفاف وفقدت من حولها النصير تفكّر فيكم وتناديكم. الطفل الذي خرج من المأساة وحيداً قد نجا بأعجوبة من أعاجيب القدر يمشي يتعثّر جائعاً ويمدّ يده من وراء حُجُب الصحارى والبيد يناديكم.
تناديكم أمجاد الماضي وآمال المستقبل. العروبة تناديكم والأُخُوّة، والكعبة التي تتوجّهون إليها والأرض والسماوات، فاسمعوا النداء. نداء الأرض الحُرّة التي أراد أن يستعبدها الظالمون، نداء العرض المصون الذي يعدو عليه الظالمون، نداء الدين والفضيلة والشرف والإنسانية.
стр. 1662
هذا أوان الثأر فاثأروا لميسلون، اثأروا لضحايا الغوطة والجبل، اثأروا لدمشق التي ضربها هؤلاء المستعمرون بالمدافع مرتين في ربع قرن فدمّروا أجمل أحيائها وقتلوا زهرة أبنائها.
وبعد يا أيها السادة، فلقد افتتحت هذا الحديث بذكر الأمير عزّ الدين الجزائري، فدعوني أختمه بذكر جدّه الأمير عبد القادر الجزائري، هذا المجاهد البطل الذي بسط يديه على الجزائر خمس عشرة سنة يحكمها وحده، بيدٍ تحمل المصحف وتؤسّس على التقوى الحكومة الحُرّة العادلة، ويدٍ تحمل المسدس وتدفع عن البلاد القُوى المعتدية الظالمة. فلمّا نخر سوس الخيانة في أساس هذا الصرح واضطُرّ إلى الهدنة أرادوه على أن يسلّم مصحفه ومسدسه، وكان أبداً يصحب مصحفه لا يفارق جيبه أو خيمته، وكان أبداً يحمل مسدسه لا يُنزِله عن عاتقه، فأبى أن يسلّم سلاحه وقال: لن أدع المعلّمين في فرنسا يقولون لتلاميذهم وهم يزورون المتحف: انظروا، هذا هو مسدس عبد القادر.
وبذلت المتاحف الفرنسية النفائس لتحظى بهما فلم تصل إليهما، ولكني أنا وصلت إليهما. هذا هو مصحف الأمير عبدالقادر وهذا مسدس الأمير عبد القادر، هذا الذي كانت تنطلق الرصاصة منه فتنفتح من بعدها عشرات الآلاف من البنادق، في تلك المعارك الطاحنة التي لا يزال التاريخ مشدوهاً من خبرها، هذا الذي أبى الأمير أن يسلّمه لفرنسا يسلّمه حفيده الأمير سعيد لأسبوع الجزائر.
لمّا شرفني فخامة الرئيس فكلّفني الكلام في هذا الاحتفال
стр. 1663
فكّرت في شيء له قيمة معنوية أفاجئ به الناس ليُطرَح للمزايدة (لا لليانصيب، فاليانصيب حرام قطعاً). فقصدت الأمير سعيداً ففتح لي صندوق مخلفات جده الأمير عبد القادر وخيّرني أن أحمل منها ما أشاء، فحملت المصحف والمسدس وجئت بهما.
إن الأمير سعيداً ليس بالرجل الغني، وإني أقول لكم -إذا كان يسمح- أن أملاكه مرهونة وأنه يستطيع أن يبيع هذه المخلفات إلى المتاحف الفرنسية بنصف مليون ليرة، ولكن الأمير سعيداً الذي يتحرق شوقاً إلى الذهاب إلى الجزائر ليجاهد مع المجاهدين وهو ابن ثمانين، لا يبيع مخلفات جدّه لفرنسا ولو دفعت له فيها عشرة ملايين. لقد تبرع بهما الأمير سعيد لأسبوع الجزائر.
ولو كانت هذه الحفلة للتبرع لافتتحت المزايدة الآن، ولكن اللجنة لم ترَ التبرع في الحفلة، لذلك أضعهما بين يديها، وأرجو أن ينتهي بهما الطريق إلى يد أمينة لا يتسرّبان منها إلى بلد أجنبي، بل إلى متحف عربي أو إلى قادة جيش التحرير، يُهدَيان إليهم ليطلقوا آخر طلقة وراء الاستعمار الراحل بالمسدس الذي أُطلقت منه أول طلقة في وجه الاستعمار الداخل.
* * *
стр. 1664
-١٣٣ -
ذكريات فلسطينية
مسافر حدّد غايته من السفر وعرف طريقه إليها، وتزوّد له زاده وهيّأ عتاده، ومشى فنزل منزلاً يستريح فيه، فأعجبه منظره وراقه جماله فبات فيه ليلة، فلما أصبح وهمّ بالمسير قالوا: إن ها هنا مهرجاناً يأتيه الناس من كل مكان ولم يبقَ دونه إلاّ يومان، أفتسير وتدع المهرجان وأنت في المكان؟ ألا تمشي إليه فتزوره؟ قال: بلى. فلما انتهى وأزمع السفر قالوا: إن أمامك بلداً قريباً لا يُترَك مثله وهو مقصود من بعيد، فكيف بك وأنت منه قريب، أفيصحّ عندك أن تمشي ولا تراه؟ قال: لا، لا يصحّ، فلنبقَ حتى نراه.
وما زال يقصد بلداً بعد بلد، وليسَت هذه البلاد على طريقه والمشيُ إليها يُطيل عليه الطريق وينأى به عن الغاية.
أنا يا سادة ذلكم المسافر، وأنا واقف الآن حائر؛ إن مضيت في سرد ذكرياتي مع السنين أضعت وحدة الموضوع وقطعت أوصال الحوادث، وفعلت ما فعل شيخ المؤرّخين ابن جرير ومن بعده ابن الأثير وابن كثير وكل من رتّب تاريخه على السنين. ومَن راعى الموضوعات وجمع أطراف الحادثات مشى في طريق
стр. 1665
التاريخ ورجع، كمن يسعى بين الصفا والمروة. ولكن الساعي يؤدّي عبادة ويرجو عليها أجراً، وهذا يذرع الطريق بلا زاد ولا رفيق ولا أجر ولا تعويض!
كان عليّ أن أكمل الكلام عن عملي في القضاء، فقد تركتكم في محكمة دمشق تنتظرون بقيّة حديثها، ومشيت مع الذين كتبوا عن الأدب في بلاد العرب قبل نصف قرن، رحلت معهم من الحجاز إلى تطوان وفاس، فلما عدت وجدت الاحتفال بذكرى النضال في الجزائر فتكلمت عن الجزائر. واليوم هو يوم التضامن مع شعب فلسطين والصحف وأصحابها وكُتّابها يكتبون عن فلسطين، فهل أستطيع أن أمرّ بهذا اليوم ولا أتكلّم عنها؟ لا متضامناً مع شعبها كما يفعل البعيدون عنها، فأنا الضامن وأنا المضمون، أنا ابن فلسطين لأني ابن الشام، إنها بلدي كما أن دمشق بلدي.
* * *
القدس أقرب إلى دمشق من نصف مدن سوريا. وكما عرّفني بالجزائر وتونس وطرابلس (ليبيا) والمغرب مشايخ وأساتذة لنا منها، أحببناهم فأحببنا البلاد التي أخرجَتهم وكانت إليها نسبتهم، فلقد حبّب إليّ فلسطين أولَ الأمر أساتذة ومشايخ وإخوان لنا من فلسطين.
حسني كنعان ﵀ الذي مرّ بعض حديثه، والذي جاءنا معلّماً سنة ١٩١٨ ثم صار صديقاً وواحداً من رفاق العمر، وهو من نوادر الدهر طِيبَ قلبٍ وصفاءَ حنجرة وجمال صوت.
стр. 1666
ولقد سمعت من الأصوات ما يستعصي على الحصر، فما وجدت أحلى ولا أطرى ولا أعذب من صوته لمّا كان شاباً. وكانت له معرفة قليلة بالموسيقى، يعزف على القيثارة ولم يُحسِن العزف عليها. وكان أشهر وأقدر مَن يعلّم الأناشيد المدرسية، وربما ألّفها ولحّنها، أي فعل ما يفعل كثير مِمّن يُسمَّون ملحّنين: يأخذ ممّا يحفظ جُمَلاً موسيقية يغيّر نسقها ويبدّل ترتيبها، فيجعلها لحناً جديداً أو كالجديد ويدّعي أنه له. وربما عمد إلى لحن لا يعرفه إلاّ قليل من الناس فنسبه إلى نفسه، أو ربما حفظه ثم نسي أنه حفظه وأنه لغيره فظنّ أنه له، كما فعل ملحّن نشيد «بلادي بلادي منار الهدى» الذي أحفظ لحنه من أيام شبابي.
وحسني كنعان أوّل من علّمني الإنشاء العربي (وكنّا نتعلّم على عهد الأتراك الإنشاء بالتركية)، ثم شرع يكتب، ولقد كتب مئات من المقالات، وكان كاتباً ساخراً يسخر حتى من نفسه ويروي النكتة ولو كانت عليه. وقد تكلّمت عنه كثيراً في هذه الذكريات وسأعود إلى الكلام عنه كثيراً.
وممّن هم في منزلة معلّمينا ثم صاروا من زملائنا في التدريس زهدي الخمّاش، وهو من مؤلّفي الكتب المدرسية في الدين. وكانت قد أصابته آفة لست أدري ما هي (ونسأل الله السلامة من الآفات) ففتحوا له في مقدّم عنقه فتحة كان يتنفّس منها، وكان يتّخذ له صداراً صغيراً يسترها، فإذا أراد أن يتكلم مدّ إصبعه من وراء الصدار فسدّها.
ومن هم في منزلة مشايخنا من أهل فلسطين الشيخ سعيد
стр. 1667
الكرمي، العالم الأديب وأولاده كلهم أدباء: أحمد شاكر صاحب «الميزان»، وحسن الكرمي الذي كان في إذاعة لندن، وعبد الغني وعبد الكريم (أبو سلمى)، وهما رفيقاي في مكتب عنبر. والشيخ عبد الله العلمي وأولاده كلهم أطباء وهم إخواننا.
وكان من معلّمينا الفلسطينيين في الابتدائية عبد الهادي الخليلي. وأنا أميّز الخليلي من النابلسي من الغزّي كما أميّز الحلبي من الحِمْصي من الحوراني من لهجة كلامه، وكما أميّز الإسكندراني من الصعيدي والموصلي من البغدادي.
وممّن عرفت الأستاذ عِزّة دروزة، العالم المؤلّف وأحد أركان القضية الفلسطينية، الذي توفّاه الله من أيام عن مئة عام. والنشاشيبي، ولي معه صحبة طويلة، عرفته في الشام عند كرد علي وفي مصر عند الزيات، ثم اتصل الودّ بيني وبينه إلى أن توفّي. كانت أول معرفتي به في فندق الشرق (أوريان بالاس) في دمشق، ذهبنا نسلّم عليه مع سعيد الأفغاني وحسني كنعان ورفاق لنا، فلما رأيناه كان قد نسي أن يعقد أزرار بنطاله (وإن كانت لا تكشف عن شيء ممّا وراءها)، وسمعنا لجهته العجيبة التي كان يتفرّد بها، فضحكنا أو كدنا. ثم ظهر لنا واسع اطّلاعه وكثرة مرويّاته.
ولمّا أصدر كتابه «الإسلام الصحيح» (وكأنه كان موجّهاً ضدّ آل الحسيني، لِما كان بين الأسرتين من النزاع) وجدت فيه ما لا يوافق الإسلام الصحيح، فنقدته نقداً قاسياً جداً على طريقتنا في تلك الأيام، اتّباعاً لمذهب شيخَي الأدب الرافعي والعقّاد. ثم ندمت على اتباع هذا الأسلوب، وندمت مرة أخرى لأنني نشرت
стр. 1668
الردّ في مجلّة «المكشوف» عند فؤاد حبيش. ثم انقشعَت هذه الغمامة وعاد الصفاء ورأيت فيه مزايا جَمّة.
وهو أول مَن نظم من الشعر ما يشبه هذا المذهب الجديد (شعر التفعيلة كما يقولون)، وذلك حين أراد أن يرثي شوقي فعجز عن نظم القصيدة، فجاء بشيء هو بين الشعر والنثر: أبيات موزونة لا يجمعها بحر واحد ولا قافية واحدة، سَمّاها «ذات البحور والقوافي»، وهي في رسالة له عن شوقي. وكان إذا ألقى محاضرة طبعها آنَق طبع على أجود ورق، ووزّع أكثرها هدايا.
وكنّا في مصر يوم تُوفّي ﵀، وقد سهرنا معه في الفندق (الكونتيننتال) وفارقناه وهو حيّ مُعافى، فلما أصبحنا بلغَنا نبأ وفاته، وحيداً إذ لم يكن له زوج ولا ولد.
* * *
أما الحاجّ أمين الحسيني المفتي فقد جمعني به ﵀ حَجّ سنة ١٣٩١هـ، وكنّا معاً في فندق مصر. وعرفته في مؤتمر القدس الذي أخذني إليه أخي الشيخ محمد محمود الصواف سنة ١٩٥٤م. وللصواف ولهذا المؤتمَر، وللرحلة التي رحلتُها بعده فقطعت فيها ربع محيط الأرض وزرت فيها الهند والسند وسنغافورة وأندونيسيا، لهذا كله حديث طويل سيأتي إن شاء الله عمّا قريب.
ومثل الحاجّ أمين الحسيني لا يُعرَّف به في مقالة لأنه أعرف من أن يُعرَّف، ولكن أذكر واقعة واحدة لعلها أدلّ عليه من مقالات.
стр. 1669
ولمّا كتب إميل لودفيغ (الألماني اليهودي الذي كان هو وأندريه موروا الفرنسي أقدر من اشتغل في هذا العصر بتراجم الرجال)، لما كتب لودفيغ عن فولتير ما زاد على أن أخذ مشاهد من سيرته أحسبها كانت عشرة، عرضها عرضاً وسردها سرداً ولم يعلّق عليها بشيء، لأنها تغني بسردها عن التعليق عليها.
لمّا كَثُر المتكلمون على الحاجّ أمين بعد ضياع فلسطين واتهموه -بالحقّ أو بالباطل- بأنه هو والهيئة العربية العليا كانوا بتقصيرهم من أسباب هذا الضياع، وكان عندي يوماً الأستاذ محمد كمال الخطيب وهو محام من أبرز العاملين في حقل الدعوة الإسلامية، له لسان وله قلم ويملك الحُجّة والبلاغة التي يعرضها بها، أراد أن يلقى الحاجّ أمين، فأخذت له ولمن معه موعداً من الحاجّ أمين، على أن يسمع منهم كلّ ما يُقال عنه وأن يسمعوا منه ما يُجيب به. وكان الاجتماع كما أذكر في دار الشيخ موسى الطويل ﵀، وكانت داره مواجهة داري في المهاجرين في دمشق. فذهب الأستاذ محمد وذهب معه الأستاذ زهير الشاويش صاحب المكتب الإسلامي وأخي ناجي (وأنبّه -بالمناسبة- إلى أن يختلط الاسمان: اسم ناجي الطنطاوي الشيخ الذي كان قاضياً وهو الآن مستشار شرعي في وزارة الحجّ والأوقاف هنا من إحدى وعشرين سنة، وناجي الطنطاوي المذيع والممثل الشابّ الذي يقيم أيضاً هنا).
أقول إنهم ذهبوا إليه، ولم أذهب معهم. وأسمعوه كل ما يقال عنه وما يوجَّه من تُهَم إليه، صرّحوا به تصريحاً ما لوّحوا تلويحاً ولا لمّحوا تلميحاً، وهو صامت لا تتحرّك في وجهه عضلة، مصغٍ
стр. 1670
إليهم ما أعرض عنهم ولا ضاق بهم، كأنهم يقصّون عليه قصّة من قصص الأوّلين فهو يستمع إليها بلا انفعال ولا غضب. ومضت ساعة وربع الساعة، حتى إذا انتهوا قال: هل بقي شيء؟ قالوا: لا. وماذا بقي وهم ما أبقوا عليه؟ قال: اسمعوا ... وطفق يعيد التهم كما أوردوها ويردّ عليها واحدة واحدة، رداً منطقياً هادئاً مؤيَّداً بالبرهان مقوّىً بالدليل، فخرجوا وهم يحملون العجب منه والإعجاب به، وصاروا بعد ذلك معه وكانوا من قبلُ عليه.
وكذلك يمتلك الكبار أعصابهم. وسأحدّثكم عن واقعة مثلها لنواب صفوي، الزعيم الإيراني، مع الرئيس الشيشكلي على أيام حكمه في الشام.
* * *
مررت بفلسطين أوّل مرة -كما حدّثتكم- لمّا ذهبت إلى مصر سنة ١٩٢٨، ووقفت بها في سفرتي الثانية سنة ١٩٢٩ فزرت مع رفيقنا حسام الدين القدسي (ناشر الكتب المعروف الذي تخرّج قبلنا في كلية الحقوق في دمشق ولكنّه لم يشتغل قاضياً ولا محامياً، بل آثر الاشتغال بتحقيق الكتب ونشرها، والذي نشره منها يملأ خزانة كاملة) زرت معه أكثر مدن فلسطين وقابلت جماعة من أعيانها، منهم الشيخ الخالدي الذي زرناه في القدس، وهو صاحب المكتبة الكبيرة في داره، وخلاصة أسماء كتبها ومؤلّفيها والمخطوطات وأمكنة وجودها في ذهنه، فكأنّ الذي استوعبه ذهنه عن الكتب مكتبة أخرى بل مكتبات مجموعة، وهذا الذي دهش منه الدكتور عبد الوهاب عزام ﵀، حتى كتب عن مجالسه
стр. 1671
في «الرسالة» مقالات كثيرة.
والمرة الثالثة التي زرت فيها فلسطين كانت لمّا ذهبت إلى مصر سنة ١٩٤٥، والرابعة بعدها بقليل لمّا أوفدَتني وزارة العدل في دمشق إلى وزارة العدل في القاهرة فأقمت فيها سنة، وكان لي فيها (أي في مصر) مكتب في إدارة التشريع، وحضرت بعض جلسات اللجان القانونية الشرعية، وعرفت الرجل العالم القانوني الشيخ محمد فرج السنهوري وتوثّقَت الصلة به في داره في حيّ السيدة وفي مكتبه في الوزارة. وعرفت جلّة من القُضاة والعلماء منهم المحدّث الثقة والكاتب البليغ الشيخ أحمد شاكر، أمّا أخوه الأستاذ محمود شاكر فعرفته وصادقته من يوم رأيته عند خالي مُحبّ الدين في المطبعة السلفية في شارع الاستئناف من أكثر من خمسين سنة، وجالسته عشرات من المرات في مصر عند خالي وعند الزيات وفي داره في مصر الجديدة (إن صحّ ما أذكر) وفي داري في الشام وفي مكّة هنا. وهو رجل لم يبقَ له في بابَته نظير. وكنّا نصطدم ونتجادل ونتصاول تصاوُل الأعداء ثم نفترق تفرّق الأصدقاء، وأنا أُحِبّه وأُجِلّه وأعرف له فضله.
زياراتي لفلسطين لا أستطيع أن أُحصيها، وكانت آخر مرة رأيتها فيها سنة ١٩٤٧، وكان قد اتّسع بنيانها وامتدّت أطرافها. وصعدت جبل الكرمل في حيفا الذي صار فيه أحياء جديدة وامتلأت الأحياء بالبيوت الأنيقة، وكانت الحافلات (الباصات) تصل إلى أعلاه. ولكني لمست أثر اليهود في الرجس الذي بثّوه في أرجائها، حتى إنني لمّا ذهبت أسأل عن فندق مناسب قال لي المسؤول: أتريد فندقاً للنوم أم لـ ... وأشار بيده إشارة قرنها ببسمة
стр. 1672
من فيه. قلت: ما أدركت ما تريد. قال: تريد فندقاً ببنات أم بلا بنات؟ فتركته وانصرفت عنه وحسبته يمزح معي أو يسخر مني.
ولكني لمّا ولجت كثيراً من الفنادق دخلتها لأختار واحداً منها، رأيت بنات جالسات كأنهنّ من نزيلات الفندق، وعلمت بعدُ أنّهُنّ يهوديات، ثم خبّروني أن من شاء أشار بيده إلى واحدة منهنّ دلّ عليها كاتب الفندق، فذهب معها نصف ساعة إلى غرفتها أو ذهبَت معه ليلة أو بعض ليلة إلى غرفته.
بغاء مُعلَن وعهر ظاهر! فماذا أصنع؟ أأبيت في فندق فيه مومس وأنا قاضٍ شرعي وكاتب يدعو إلى الدين والعفاف؟ وجُلت في البلدة القديمة، قلت: أضيّع الوقت حتى أجد مكاناً مناسباً أنزل فيه. فمررت بسوق الخضر ورأيت أكوام القمامة والخضر فاسدة رائحتها تملأ المكان، فسألت: ما هذا؟ وأين البلدية؟ قالوا: إن البلدية تنظف الأحياء اليهودية والجديدة وتُهمِل الأحياء الإسلامية، تدعها فلا تلتفت إليها. فقلت: أما في البلد علماء؟ أما فيه جمعيات إسلامية تُعنى بالإصلاح؟ قالوا: بلى، هذه الجمعية الخيرية.
وأشاروا إلى مكان قريب منّا، فصعدت سُلّماً فإذا أنا في رحبة متّسعة فيها الأعضاء مجتمعون، عرفت منهم الشيخ نمر الخطيب ولكنه لم يعرفني. فوصفت لهم ما رأيت من القذارة المعنوية في الفنادق والقذارة المادّية في السوق، وحملت عليهم حملة منكَرة، ونفثت ما في صدري ونفّست بذلك عن نفسي، وبدا لي أنني أوجعتهم بالكلام فاعتذروا بأنهم لا يملكون شيئاً،
стр. 1673
وذكروا اليهود والإنكليز.
والإنكليز رأس كل بلاء رأيناه، وهم الذين جاؤوا باليهود وكانوا يحمون اليهود.
قلت: هل يمنعكم الإنكليز واليهود من أن تنبّهوا الناس إلى أن الطهور شطر الإيمان، وأن النظافة من شأن المسلم، وأن إزالة أكوام القمامة من الساحة من شُعَب الإيمان لأن الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها شهادة أن لا إله إلاّ الله وأن محمداً رسول الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق؟ فالذي ينظّف الطريق يكون متمسّكاً بهذه الشعبة من شعب الإيمان ومن يوسخها يكون بعيداً عنها. قالوا: عرّفنا بنفسك، فمن أنت؟ قلت: إن الذي يعنيكم هو ما أقول، فإن كان صحيحاً فاعملوا به ولا يضرّكم أن تجهلوا القائل.
فنظر إليّ الشيخ نمر (وكنت قد لقيته قبل ذلك مرتين) فعرفني. ثم ذهبنا بعد انتهاء الجلسة إلى دار القاضي نزوره، وكان في عمارة تحتها مقهى (١) رأيت فيه نساء جالسات، فقلت: وهل تجلس النساء عندكم في المقاهي؟ فكأنهم خجلوا من سؤالي وأحبّوا أن يبتعدوا عن جوابي، فأصررت، ففهمت منهم أن هؤلاء الجالسات يهوديات يقعدن في المقهى ليستلبنَ شاباً غريراً يفسدن أخلاقه ودينه. ونظرت من الشارع فرأيت رجلاً اقترب من واحدة منهن فكلّمها كلاماً لم أسمعه لأنني بعيد عنه، ثم رأيتها تقوم وتمشي معه.
стр. 1674
وكذلك حاربَنا اليهود: بالسلاح الذي أخذوه من أميركا، وبالرجال الذين جاؤوهم من روسيا، وحاربونا بالبنات. سلاحهم أنواع ثلاثة كلها فاجرة عاهرة داعرة.
ولقد حدّثني جندي كان يقاتل في حرب ١٩٤٨ أنه رأى في طرف البلد داراً ينبعث منها الرصاص على المقاتلين العرب، فاقتحمها عربي باسل فلم يلقَ إلاّ مجندة واحدة يهودية، نفدت ذخيرتها كانت تحمل رشّاشاً تطلق الرصاص منه فلم يبقَ عندها رصاص، فاستعملَت سلاح اليهود. وسامحوني إن خبرتكم بما وقع: إنها حلّت حزام بنطالها فأسقطته، فنظر فإذا ليس تحته شيء.
والعرب تقول في أمثالها: «تجوع الحُرّة ولا تأكل بثديَيها»، أمّا اليهودية فتأكل من غير أن تجوع بكل عضو فيها. ويأتي مَن ديدنه التقليدُ على طريقة القرود، والأخذ بكل جديد ولو كان شراً مصدره اليهود، فيدعو أن نجعل في جيشنا نساء مجندات وأن نعلّمهنّ فنون القتال!
لماذا ويحكم؟ لماذا؟! لماذا والشباب يملؤون القهوات ويزدحمون على أبواب السينمات، فلماذا نجنّد البنات؟ هل عندكم من دليل فتُبدُوه لنا أم هو اتّباع سنن الفُسّاق حتى في الدخول إلى جحر الضبّ؟ ويا ليته كان جُحراً سالماً، ولكنه جحر ضبّ خَرِب كما جاء في المأثورات.
* * *
قد يقول قائل: فلماذا إذن ضاعت فلسطين؟
إن ضياع فلسطين جريمة ستحكم فيها محكمة التاريخ حين
стр. 1675
تسقط قيود المنافع والمجاملات وحُجُب الجهل والغفلة وينكشف الخفيّ ويفتضح المزور؛ عندئذ يستطيع التاريخ أن يحقّق في هذه الأحداث وأن يكشف ملابساتها ويحدّد المسؤول عنها. على أن المحكمة الكبرى هي التي تكون يوم الحساب بين يدَي رب الأرباب، يوم لا تخفى عليه خافية، يوم لا ينفع مال ولا بنون ولا جند ولا أعوان.
إن النصر يكون بالعَدد، وإن كانت كثرة العدد لا تُجدي إن لم يكن معها العُدَد الكافية. والعَدد والسلاح لا ينفعان إن لم يكن معهما العلم، وهذا كله لا يأتي إلاّ بالمال. فهل ينقصنا نحن المسلمين العدد؟ نحن ألف مليون واليهود بضعة ملايين، لو أننا (وعفوكم عني إن جئت بمثال بشع) لو أن كل مسلم بصق بصقة لأُغرِق يهود العالَم، ولو أنه نفخ نفخة وجُمعت هذه النفخات لأطارَتهم، ولو ألقى عليهم كل واحد نعله القديم لماتوا ودُفنوا في قبر من النعال!
وإذا كان العدد لا ينقصنا، وإذا كان ما عند المسلمين من السلاح أكثر ممّا عند اليهود، وإذا كان مجموع العلماء من المسلمين، العلماء بالطبيعة وعلومها، أكثر ممّا عند اليهود، وإذا كنّا معشر المسلمين جميعاً نملك من المال أكثر ممّا عند اليهود، فما الذي ينقصنا؟
إذا كان لا ينقصنا العدد ولا ينقصنا المال ولا ينقصنا السلاح ولا ينقصنا العلم، فما الذي ينقصنا؟ إن الذي ينقصنا هو الإيمان: أن نكون مع الله حتى يكون الله معنا، أن نُدخل الإسلام في المعركة،
стр. 1676
فلا نجعلها معركة استرداد الأرض فقط ولا نجعلها فلسطينية فقط ولا عربية فقط، بل نجعلها معركة إسلامية. إنها قضية المسلمين جميعاً ليست قضية العرب وحدهم.
وسترون حين أحدّثكم عن المؤتمر الإسلامي في القدس الذي حضرته ورحلنا على أثره إلى أكثر بلاد المشرق الإسلامي أن قضية فلسطين يشركنا فيها كل مسلم، ألف مليون يَمُدّون أيديهم ليكونوا معنا، فلماذا نُعرِض عنهم ونقبض أيدينا دونهم؟ وإذا سمحتم لي قلت الآن كلمة صغيرة عن هذا المؤتمر ثم رجعت إليه إذا جاء وقت الحديث عنه فتكلّمت بالتفصيل.
لقد كان مؤتمَراً إسلامياً للنظر في نكبة فلسطين وطريق العمل على نصرتها، وَفَدَت عليه الوفود من بلاد الإسلام كلها، من مرّاكش إلى أندونيسيا فكان «برلماناً شعبياً» مثّل كلَّ بلد فيه ناسٌ من زعمائه ومن كبار أهله.
وقد أوفدَت بعض البلاد رجالاً لهم صفة رسمية، كالأستاذ عبد المنعم خلاّف الذي حضر من جامعة الدول العربية مراقباً والدكتور سوبارجو وزير خارجية أندونيسيا السابق، وأوفدَت بعضُ الدول رجالاً يمثّلون أحزاباً أو هيئات معروفة، كالأستاذ علاّل الفاسي رئيس حزب الاستقلال في المغرب، والأستاذ الشيخ الإبراهيمي رئيس جمعية العلماء المسلمين في الجزائر، والأستاذ القليبي رئيس حزب الدستور القديم في تونس، واللواء صالح حرب باشا الرئيس العامّ لجمعيات الشبّان المسلمين في مصر، والأستاذ الشيخ أمجد الزهاوي رئيس جمعية إنقاذ فلسطين في العراق، ومندوب عن الكاشاني في إيران، ونَوّاب صفوي عن
стр. 1677
فدائيّان إسلام في إيران، وسعيد بك شامل حفيد الشيخ شامل زعيم مسلمي القوقاز، وابن الشيخ صادق المجدّدي الزعيم الديني الأفغاني ووزير الأفغان في مصر.
ورأى أعضاء المؤتمر القدسَ وما حلّ بها والقرى الأمامية ومصابها وشاهدوا آثار المأساة وبقاياها، ولم تكن قد ذهبَت هذه كلّها إلى أيدي اليهود، رأوا ذلك فتقاسموا وتحالفوا على نذر أنفسهم للعمل لها.
وانتخب المؤتمر لجاناً ثلاثاً، كانت إحداها لجنة للدعاية لفلسطين والتعريف بقضيّتها، وشرّفني المؤتمَر برياستها وكلّفها أن تطوف العالَم الإسلامي تعرّف بفلسطين وتدعو الناس لإمدادها بالمال.
وكنّا خمسة: اثنان من العراق: الشيخ الزهاوي والشيخ الصواف، واثنان من الجزائر الشيخ الإبراهيمي والأستاذ الفضيل الورتلاني، وأنا. ذهبوا جميعاً إلى رحمة الله إلاّ الشيخ الصواف مدّ الله في عمره، وأنا أحسن الله ختامي.
واعتذر الجزائريان، ورجع الصوّاف مضطراً من كراتشي لمصلحة إسلامية دعته للرجوع، فبقيت مع أستاذنا الجليل بركة العصر، الشيخ أمجد الزهاوي رحمة الله عليه. وكان علينا أن نجمع المال، ولكنا خفنا أن يقول الناس إننا سرقنا أو أخذنا لأنفسنا فآثرنا السلامة، وجعلنا عملنا أن نشرح للناس قضية فلسطين ونصف لهم مأساتها ونعرض عليهم أدوارها، وأن نؤلّف اللجان في كلّ بلد لتجمع هي المال لها وتبعثه مع أمناء منها.
стр. 1678
ولقد ألقيتُ في هذه الرحلة التي وصلنا بها إلى آخر أندونيسيا (حيث لم يبقَ بيننا وبين أستراليا إلاّ مرحلة واحدة بالطيّارة) وأمضينا فيها شهوراً، ألقيتُ فيها ثلاثاً وأربعين محاضرة وخطبة عن فلسطين، وعقدت ثمانية وعشرين مؤتمَراً صحافياً، وشغلت بها ستّ إذاعات وأكثر من أربعمئة جريدة ومجلّة.
وسيأتي إن شاء الله الحديث المفصّل عن هذه الرحلة، ولكنْ أردت الآن أن أقول إننا وجدنا المسلمين في كل مكان يهتمّون بقضية فلسطين مثل اهتمامنا، ولا يُزعِجهم منّا إلاّ أننا جعلناها معركة عربية فقط؛ أي أننا قلنا لهم: تفضّلوا اخرجوا فما لكم معنا مكان! فلما قابلنا (الشيخ الزهاوي والشيخ الصواف وأنا) الحاكمَ العامّ بباكستان يومئذ (سنة ١٩٥٤) غلام محمد، عرّض بهذا ولامنا عليه، كأنه يقول: إذا كنتم تجعلونها معركة عربية فلماذا جئتم إلينا؟
فاستأذنت الشيخين وقلت له: يا فخامة الحاكم. القدس مسرى محمد نبيّنا ونبيّكم، والمسجد الأقصى كان القبلة الأولى لنا ولكم، فالقضية قضيّتنا وقضيّتكم يطالبنا بها ويطالبكم الله ربنا وربكم. فهَبْ أن العرب قصّروا أو تقاعسوا، فهل يُنجِيكم عند الله أن تفعلوا مثلهم؟
صدّقوني لقد كان كلامه الذي أجاب به ممزوجاً بالبكاء، وكان دمع عينيه ينساب على خديه، وأجابنا إلى كل ما طلبنا.
لم ينته الموضوع فعذراً، وإلى حلقة آتية إن شاء الله.
* * *
стр. 1679
-١٣٤ -
شارل ديغول وسوريا
انتهت الآن المقالات التي نشرتها «الشرق الأوسط» في سيرة شارل ديغول، وكنت أترقّب نهايتها قاعداً على كرسي من أسلاك فيها الكهرباء المشحون، أنظر أيسطر كاتبها تاريخاً فيه الإحاطة بجوانب الحقّ، أم هو شاعر عاشق يرى بعين الرضا التي لا تُبدي المساوئ ولا تبصر العيوب؟
لمّا سقطَت باريس تحت سنابك خيول الألمان (أو تحت دواليب مصفحاتها إن شئتم تعبيراً حديثاً) بكاها ناسٌ من كبار أدبائنا وكُتّابنا ونسوا ما صنعَت بنا. أنسَتهم لذّاتُ ذكريات لهم عن الفواتن من صباياها وما أصابوا من المتع في مخادع الفواسق من بغاياها، عمّا حاق بإخوانهم في الشام وفي الجزائر وتونس وما والاها. فكتبت وكتب منصفون أحرار من أصدقائنا وألقموهم فيها حجراً، بل جمراً متّقداً يسدّ تلك الأفواه ويودي بتلك الأقلام.
فهل تُعاد اليوم قصّة الأمس؟ ألم يبلغك يا كاتبَ هذه المقالات عن ديغول ماذا صنع بنا؟ ألم يُنبِئك أحد عن أعمال ديغول وجماعة ديغول في بلادنا؟ قد يقول قارئ: لماذا تحطّ دائماً على الفرنسيين
стр. 1680
وتنزل عليهم نقداً؟ تدرون لماذا؟ لأنهم هدموا دورنا، لأنهم قتلوا أبناءنا، لأنهم سرقوا حرّيتنا، لأنهم غلبونا على بلدنا.
لأنها لو صنعَت أمة أخرى بهم عُشرَ ما صنعوا بنا لقالوا أضعاف ما قلنا نحن عنهم. والذي كان قبلَ أن يأتي ديغول كان على بشاعته وفظاعته أهون ممّا رأينا بعد أن جاءنا ديغول.
* * *
كانت فرنسا في يوم من أيامها السود، كان يحكمها الألمان يجوسون ديارها يستعبدون كبارها، كانوا هم مالكي أمرها، ولم يكن قد بقي للفرنسيين إلاّ حكومة تعيش في ظلّ الاحتلال، دولة كانت عند ينبوع الماء في قرية فيشي، أقامها الشيخ الكبير الذي كان ماريشال فرنسا، فأنقذ منها ما استطاع إنقاذه وأبقى لها اسماً على حكومة ولو كانت حكومة من ورق.
فسمعنا بأنه قام جنرال فرنسي شابّ في بلد بعيد في إفريقيا، في برازفيل في الكونغو (كما كانت تُسمّى) يحاول أن يجمع بقايا الجيش الفرنسي، يستميل إليه من استطاع من القُوّاد ويجمع حوله من قدر على جمعه من الأفراد، ليُبقي لبلده مكاناً في صفوف الحلفاء.
أمّا سوريا فكانت مستقلّة اسماً ولكنها كانت محكومة فعلاً، لا من الفرنسيين وحدهم بل من الفرنسيين والإنكليز. وكان الرأي لممثل بريطانيا الجنرال سبيرس، الذي كان أخف علينا وأسهل مِمّن عرفنا من جنرالات الفرنسيين. وكان في قرارة نفسه كارهاً
стр. 1681
للفرنسيين يريد أن يزيحهم عن كراسي الحكم في الشام وأن يحلّ بريطانيا محلّهم فيها.
عند ذلك وجد ديغول منفذاً ينفذ منه إلى سوريا ليُعيد إليها حكم الفرنسيين، فتقرّب من أهل البلاد. وكانت قد ظهرَت حركته واشتدّ ساعده وكوّن حوله جيشاً صغيراً، ولولا تشرشل والإنكليز ما نجح وما كان له جيش. ولمّا مال ميزان الحرب ورجحَت كفّة الحلفاء أعرضوا بوجوههم عن ديغول، كما يفعلون دائماً؛ إن كانت لهم مصلحة كان منهم وُدّ وصداقة فإن لم تبقَ لهم هذه المصلحة ذهبَت الصداقة وذهب الوُدّ. وفقد ديغول مكانه بينهم حتى إنهم لم يَدْعوه إلى المؤتمرات التي عقدها روزفلت وتشرشل وستالين في طهران وفي يالطا وفي بوتسدام.
وأنا لا أريد هنا أن أسرد تاريخاً، فالتاريخ له مراجع متوفّرة وفيه كتب كثيرة، ولكن أكتب ما بقي في ذاكرتي من ذكريات تلك الأيام. كنّا نسمع أن تشرشل كان يُلِحّ على السوريين لعقد معاهدة تُبقي لفرنسا بعض المزايا في الشام وتُعيد إليها جانباً من سلطانها الذي لم تُحسِن سياسته (وكلّ من لا يسوس المُلك يخلعه). وكان قد استلم الحكم في الشام الوطنيون سنة ١٩٤٣ وعلى رأسهم شكري بك القوّتلي، فرفض اقتراح تشرشل ولم يستجِب لضغطه ولم يعترف لفرنسا بمركز خاصّ (كما يقولون) في سوريا وفي لبنان.
ولا ننسى أن لروزفلت الذي كان يُدير سياسة الولايات المتحدة أثراً في إزاحة العَلَم الفرنسي عن سماء سوريا ولبنان.
стр. 1682
ما فعل هذا ابتغاء ثواب الله ولا فعله حباً بنا، فالدول لا تعرف في سياساتها الحب ولا الغرام وإنما تمشي مع مصالحها ومع منافعها.
ولو ذهبت أسرد كل ما أصابنا من ديغول لرأينا ما قبله بالنسبة إليه كان أخفّ منه. ولقد أدركت أنا عهد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، ثم عهد الشريف فيصل بن الحسين (الملك فيصل ملك العراق)، وعهد الاحتلال الفرنسي بعد ميسلون، وعهد الحكم الوطني اسماً الأجنبي حقيقة، وشهدت عهود الانقلابات التي سنّ سنّتها وفتح طريقتها فكان عليه وزرها ووزر من عمل بها حسني الزعيم ... ما رأينا عهداً إلاّ بكينا فيه منه وبكينا بعده عليه! لن أعرض لذلك فأخرج من نطاق الذكريات إلى ميدان التاريخ، ولكن أحدّثكم عن يوم واحد من أيام ديغول وحكم ديغول وهو يوم البرلمان، يوم المجلس النيابي في دمشق. هل سمعتم به؟
أعلم أن جوابكم هو: لا. أعرف أنكم لم تسمعوا به، وليسَت علّتكم وحدكم ولكنها علّتنا معشر العرب، بل علّة المسلمين جميعاً؛ لا يكاد يحسّ أحدٌ منّا بآلام أخيه! ولماذا؟ أليس المسلمون كالجسد الواحد إن تألّم عضوٌ منه نقلت أعصابُ الحِسّ الألمَ إلى سائر الأعضاء؟ فهل أصيب الجسد الإسلامي بشلل الأعصاب؟ وعلّة أخرى فينا: هي طيب قلوبنا. وربما كان لطيب القلب اسم آخر، اسم أصدق وأدلّ على الواقع هو «الغفلة»؛ فنحن -لأننا مغفلون أحياناً- ننسى إساءات عدوّنا إنْ بَسَم في وجوهنا أو مسح على رؤوسنا أو قال لنا: آسف فلا تؤاخذوني.
стр. 1683
إنْ نَسي الفرد الإساءة وعفا عن المسيء مع المقدرة عليه فهذا من نبيل الأخلاق وكريم السلائق، ولكن إن نسيَت الأمة أنّ هذا الجُحر فيه ثعبان يلدغ وعادت فأدخلت يدها فيه مطمئنّة إليه فلا؛ لأن الرسول علّمنا «أن المؤمن لا يُلدَغ من جُحر مرّتين».
صلّى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، فما تركتَ باب شرّ إلاّ حذّرتنا منه ولا طريق خير إلاّ أرشدتنا إليه. إنك المعلّم الأعظم، ولكن أكثرنا من أغبياء التلاميذ الذين لا تنفعهم عظمة المعلّمين. لقد طالما لُدغنا من الجُحر الواحد، لا مرتين اثنتين بل عشر مرات، ثم يعود أكثرنا ويمدّون أيديهم إليه!
إن يوم البرلمان واحد من أيام عهد ديغول فينا.
إحدى لياليكِ فهيسي هيسي ... لا تَنْعمي الليلةَ بالتّعريسِ
«شِنْشِنَة أعرِفُها من أخزم» ... كما يقول المثل، وجرعة سمّ من القارورة الكبيرة التي شربناها كلّها مرغَمين من أيدي قوم روسو ولامرتين، من الذين ثاروا ثورتهم الكبرى (زعموا) ليُقِرّوا في الأرض حقوق الإنسان وينشروا فيها السلم والأمان!
* * *
قبل أن أحدّثكم عن يوم الندوة، أي يوم المجلس النيابي (البرلمان) الذي كتبت عنه وعن أمثاله عشرات وعشرات من الصفحات، أستأذنكم أن أنقل إليكم فقرات من مقالة في مجلّة «الرسالة» (رحمة الله على صاحبها الزيات) عنوانها «كلمة إلى الجنرال ديغول» نُشرت في عدد الرسالة الذي صدر في الثامن
стр. 1684
عشر من شوال سنة ١٣٦٤هـ، قلت في أولها (١):
رأيت في سينما ديانا في القاهرة منذ شهور جريدة الأخبار الفرنسية تعرض صوراً من انهيار ألمانيا، فترى المهاجرين معهم النساء والعجائز هائمين مشردين، ثم تعرض منظراً مثله كان في فرنسا يوم انهزمَت فرنسا. ويعقّب المذيع فيقول بصوت خافت رهيب: "إن في الكون عدلاً". وترى المدائن المخرّبة والذعر البادي والدمار الشامل، ثم تعرض مثل ذلك ممّا كان في فرنسا، ويعقّب المذيع فيقول: "إن في الكون عدلاً".
نعم يا جنرال، إن في الكون عدلاً.
ولكن قومكم ما استوفوا قسطهم من عدل الله، وآية ذلك أنكم أُصبتم فبكى لكم أعداؤكم ورحمكم خصومكم، وكنتم عند الناس ضحيّة القوة العاتية وشهداء العدوان المجرم، وكنتَ أنت تثير الدنيا على الألمان أن حاربوا قومك، وقومُك هم أعلنوا الحرب وهم تقدّموا إليها وهم -كما ادّعوا- بنوها، قد غُذوا بلبانها وربوا في ميدانها، فلما نبَتَ ريشك ورُدّ عنك عدوّك وأغضى عنك الدهر إغضاءة نسيت كل ما كنت فيه وما كنت تقوله وتخطب به، وأقبلت تجرّب سلاحك فينا، فأخذتنا على ساعة غرّة بحرب ما آذنتَنا بها ولا أعلنتها لنا، فسخّرت لقتالنا مدافعك وطياراتك.
ويا ليته كان سلاحك يا أيها المحارب الظافر، ولكنه سلاح أُعطِيتَه عاريّة لتحارب به عدوّ صاحبه وعدوّك، فحاربت به قوماً
стр. 1685
آمنين. حاربت -يا أيها البطل- النساء في الخدور والأطفال في المدارس والمرضى في المستشفيات!
وما هابك النساء منّا ولا الأطفال ولا المرضى، ولا رفعوا مثل العلَم الأبيض الذي رفعه قومك حين كان لهم سلاح وكان لهم خطّ ماجينو، لأن لنا نحن من إيماننا حصناً لا تهدمه قنابلك ولا تحرقه نارك.
إنني أسرد عليك -يا جنرال- حقائق ما فيها ذرّة من خيال. صورة ما رسمتها يد فنان ولكن نقلتها آلة التصوير (فوتوغراف)، هذا الجيش الذي عقدت له اللواء ورفعت فوقه العلم وائتمنته على شرف فرنسا وتاريخها، قد أهوى باللواء وطوّح بالعلم وعبث بالأمانة حين سطا بالمخازن، فكسّر أقفالها وفتح أبوابها وأخذ ما فيها. وهذا الذي وقع أسرده كما كان لا أتخيل ولا أتزيّد، وذلك يا جنرال فعل اللصوص لا عمل الجنود.
ثم عاد فأوقد فيها النار، أحالها إلى جهنّم الحمراء ليُخفي باللهب السرقة، وذلك يا جنرال صنع المجرمين لا المقاتلين.
ثم وقف يتربّص، فكلّما أقبل مَن يطفئ النار وينقذ الأطفال رماه فأصماه، وهذه حقائق أسردها لا خيالات أتخيلها، وذلك عمل القتلة السفّاكين لا الأبطال المحاربين.
جيشك يا جنرال هاجم المستشفى الوطني وسلّط ناره من أفواه رشاشاته ومدافعه على الجرحى والمرضى، ولم يقدر بعد ذلك إلاّ على أربع ممرّضات شوابّ (شابّات) أخذهن «سبايا»!