← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 17076

ذكريات - علي الطنطاوي

علي الطنطاوي

Полный текст (3 178 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

للفرنسيين يريد أن يزيحهم عن كراسي الحكم في الشام وأن يحلّ بريطانيا محلّهم فيها. عند ذلك وجد ديغول منفذاً ينفذ منه إلى سوريا ليُعيد إليها حكم الفرنسيين، فتقرّب من أهل البلاد. وكانت قد ظهرَت حركته واشتدّ ساعده وكوّن حوله جيشاً صغيراً، ولولا تشرشل والإنكليز ما نجح وما كان له جيش. ولمّا مال ميزان الحرب ورجحَت كفّة الحلفاء أعرضوا بوجوههم عن ديغول، كما يفعلون دائماً؛ إن كانت لهم مصلحة كان منهم وُدّ وصداقة فإن لم تبقَ لهم هذه المصلحة ذهبَت الصداقة وذهب الوُدّ. وفقد ديغول مكانه بينهم حتى إنهم لم يَدْعوه إلى المؤتمرات التي عقدها روزفلت وتشرشل وستالين في طهران وفي يالطا وفي بوتسدام. وأنا لا أريد هنا أن أسرد تاريخاً، فالتاريخ له مراجع متوفّرة وفيه كتب كثيرة، ولكن أكتب ما بقي في ذاكرتي من ذكريات تلك الأيام. كنّا نسمع أن تشرشل كان يُلِحّ على السوريين لعقد معاهدة تُبقي لفرنسا بعض المزايا في الشام وتُعيد إليها جانباً من سلطانها الذي لم تُحسِن سياسته (وكلّ من لا يسوس المُلك يخلعه). وكان قد استلم الحكم في الشام الوطنيون سنة ١٩٤٣ وعلى رأسهم شكري بك القوّتلي، فرفض اقتراح تشرشل ولم يستجِب لضغطه ولم يعترف لفرنسا بمركز خاصّ (كما يقولون) في سوريا وفي لبنان. ولا ننسى أن لروزفلت الذي كان يُدير سياسة الولايات المتحدة أثراً في إزاحة العَلَم الفرنسي عن سماء سوريا ولبنان.

стр. 1682

ما فعل هذا ابتغاء ثواب الله ولا فعله حباً بنا، فالدول لا تعرف في سياساتها الحب ولا الغرام وإنما تمشي مع مصالحها ومع منافعها. ولو ذهبت أسرد كل ما أصابنا من ديغول لرأينا ما قبله بالنسبة إليه كان أخفّ منه. ولقد أدركت أنا عهد العثمانيين خلال الحرب العالمية الأولى، ثم عهد الشريف فيصل بن الحسين (الملك فيصل ملك العراق)، وعهد الاحتلال الفرنسي بعد ميسلون، وعهد الحكم الوطني اسماً الأجنبي حقيقة، وشهدت عهود الانقلابات التي سنّ سنّتها وفتح طريقتها فكان عليه وزرها ووزر من عمل بها حسني الزعيم ... ما رأينا عهداً إلاّ بكينا فيه منه وبكينا بعده عليه! لن أعرض لذلك فأخرج من نطاق الذكريات إلى ميدان التاريخ، ولكن أحدّثكم عن يوم واحد من أيام ديغول وحكم ديغول وهو يوم البرلمان، يوم المجلس النيابي في دمشق. هل سمعتم به؟ أعلم أن جوابكم هو: لا. أعرف أنكم لم تسمعوا به، وليسَت علّتكم وحدكم ولكنها علّتنا معشر العرب، بل علّة المسلمين جميعاً؛ لا يكاد يحسّ أحدٌ منّا بآلام أخيه! ولماذا؟ أليس المسلمون كالجسد الواحد إن تألّم عضوٌ منه نقلت أعصابُ الحِسّ الألمَ إلى سائر الأعضاء؟ فهل أصيب الجسد الإسلامي بشلل الأعصاب؟ وعلّة أخرى فينا: هي طيب قلوبنا. وربما كان لطيب القلب اسم آخر، اسم أصدق وأدلّ على الواقع هو «الغفلة»؛ فنحن -لأننا مغفلون أحياناً- ننسى إساءات عدوّنا إنْ بَسَم في وجوهنا أو مسح على رؤوسنا أو قال لنا: آسف فلا تؤاخذوني.

стр. 1683

إنْ نَسي الفرد الإساءة وعفا عن المسيء مع المقدرة عليه فهذا من نبيل الأخلاق وكريم السلائق، ولكن إن نسيَت الأمة أنّ هذا الجُحر فيه ثعبان يلدغ وعادت فأدخلت يدها فيه مطمئنّة إليه فلا؛ لأن الرسول علّمنا «أن المؤمن لا يُلدَغ من جُحر مرّتين». صلّى الله عليك يا سيدي يا رسول الله، فما تركتَ باب شرّ إلاّ حذّرتنا منه ولا طريق خير إلاّ أرشدتنا إليه. إنك المعلّم الأعظم، ولكن أكثرنا من أغبياء التلاميذ الذين لا تنفعهم عظمة المعلّمين. لقد طالما لُدغنا من الجُحر الواحد، لا مرتين اثنتين بل عشر مرات، ثم يعود أكثرنا ويمدّون أيديهم إليه! إن يوم البرلمان واحد من أيام عهد ديغول فينا. إحدى لياليكِ فهيسي هيسي ... لا تَنْعمي الليلةَ بالتّعريسِ «شِنْشِنَة أعرِفُها من أخزم» ... كما يقول المثل، وجرعة سمّ من القارورة الكبيرة التي شربناها كلّها مرغَمين من أيدي قوم روسو ولامرتين، من الذين ثاروا ثورتهم الكبرى (زعموا) ليُقِرّوا في الأرض حقوق الإنسان وينشروا فيها السلم والأمان! * * * قبل أن أحدّثكم عن يوم الندوة، أي يوم المجلس النيابي (البرلمان) الذي كتبت عنه وعن أمثاله عشرات وعشرات من الصفحات، أستأذنكم أن أنقل إليكم فقرات من مقالة في مجلّة «الرسالة» (رحمة الله على صاحبها الزيات) عنوانها «كلمة إلى الجنرال ديغول» نُشرت في عدد الرسالة الذي صدر في الثامن

стр. 1684

عشر من شوال سنة ١٣٦٤هـ، قلت في أولها (١): رأيت في سينما ديانا في القاهرة منذ شهور جريدة الأخبار الفرنسية تعرض صوراً من انهيار ألمانيا، فترى المهاجرين معهم النساء والعجائز هائمين مشردين، ثم تعرض منظراً مثله كان في فرنسا يوم انهزمَت فرنسا. ويعقّب المذيع فيقول بصوت خافت رهيب: "إن في الكون عدلاً". وترى المدائن المخرّبة والذعر البادي والدمار الشامل، ثم تعرض مثل ذلك ممّا كان في فرنسا، ويعقّب المذيع فيقول: "إن في الكون عدلاً". نعم يا جنرال، إن في الكون عدلاً. ولكن قومكم ما استوفوا قسطهم من عدل الله، وآية ذلك أنكم أُصبتم فبكى لكم أعداؤكم ورحمكم خصومكم، وكنتم عند الناس ضحيّة القوة العاتية وشهداء العدوان المجرم، وكنتَ أنت تثير الدنيا على الألمان أن حاربوا قومك، وقومُك هم أعلنوا الحرب وهم تقدّموا إليها وهم -كما ادّعوا- بنوها، قد غُذوا بلبانها وربوا في ميدانها، فلما نبَتَ ريشك ورُدّ عنك عدوّك وأغضى عنك الدهر إغضاءة نسيت كل ما كنت فيه وما كنت تقوله وتخطب به، وأقبلت تجرّب سلاحك فينا، فأخذتنا على ساعة غرّة بحرب ما آذنتَنا بها ولا أعلنتها لنا، فسخّرت لقتالنا مدافعك وطياراتك. ويا ليته كان سلاحك يا أيها المحارب الظافر، ولكنه سلاح أُعطِيتَه عاريّة لتحارب به عدوّ صاحبه وعدوّك، فحاربت به قوماً

стр. 1685

آمنين. حاربت -يا أيها البطل- النساء في الخدور والأطفال في المدارس والمرضى في المستشفيات! وما هابك النساء منّا ولا الأطفال ولا المرضى، ولا رفعوا مثل العلَم الأبيض الذي رفعه قومك حين كان لهم سلاح وكان لهم خطّ ماجينو، لأن لنا نحن من إيماننا حصناً لا تهدمه قنابلك ولا تحرقه نارك. إنني أسرد عليك -يا جنرال- حقائق ما فيها ذرّة من خيال. صورة ما رسمتها يد فنان ولكن نقلتها آلة التصوير (فوتوغراف)، هذا الجيش الذي عقدت له اللواء ورفعت فوقه العلم وائتمنته على شرف فرنسا وتاريخها، قد أهوى باللواء وطوّح بالعلم وعبث بالأمانة حين سطا بالمخازن، فكسّر أقفالها وفتح أبوابها وأخذ ما فيها. وهذا الذي وقع أسرده كما كان لا أتخيل ولا أتزيّد، وذلك يا جنرال فعل اللصوص لا عمل الجنود. ثم عاد فأوقد فيها النار، أحالها إلى جهنّم الحمراء ليُخفي باللهب السرقة، وذلك يا جنرال صنع المجرمين لا المقاتلين. ثم وقف يتربّص، فكلّما أقبل مَن يطفئ النار وينقذ الأطفال رماه فأصماه، وهذه حقائق أسردها لا خيالات أتخيلها، وذلك عمل القتلة السفّاكين لا الأبطال المحاربين. جيشك يا جنرال هاجم المستشفى الوطني وسلّط ناره من أفواه رشاشاته ومدافعه على الجرحى والمرضى، ولم يقدر بعد ذلك إلاّ على أربع ممرّضات شوابّ (شابّات) أخذهن «سبايا»!

стр. 1686

جيشك يا رجل الديمقراطية، يا سليل مَن أعلنوا حقوق الإنسان، هاجم مجلس النوّاب (البرلمان) وفعل به الأفاعيل: مثّل بشُرطته تمثيلاً فبقر بطوناً وسمل عيوناً وقطع أطرافاً، وقد بقي ذلك كله كما بقيَت الدماء على جدران البناء، الذي هو آية في فنّ العمران فجعلتموه آية في الخسّة والعدوان، فتعالَ ترَ الدماء على جدرانه المصدّعة وأبوابه المخلّعة. لقد وجدوا صندوق البرلمان الذي كان فيه المال، وجدوه بعد ذلك فارغاً في دار القيادة الفرنسية، وهم (طبعاً) لم يسرقوه، ولكن أخذوه ليحفظوه! جيشك رمى قنابل الطيارات على السجون حيث لا يملك من فيها دفعاً ولا منعاً، فصيّر سجونهم مقابر لهم. والمستشفى العسكري يا جنرال، جعله جيشك قلعة فيها المدافع، ومنه أحرق سوق صاروجا الذي كان على عهد الأتراك حيّ البشوات والبهوات وحيّ كبار الموظفين وكانت فيه الدور الأنيقة الغالية، فأكل هذا الحريق ثلاثاً وتسعين داراً. ومدرسة الفرنسيسكان كان فيها الرشّاشات تُطلِقها بأيديها الناعمات الراهبات المتبتّلات ذوات الرحمة المسالمات! نسخة التوراة التي سُرقت من سنوات (وهي أقدم نسخة في العالَم) وجرَت لها تلك المحاكمة المشهورة وقُضي على طائفة من الأظناء الأبرياء بأشد العقوبات، هل تدري يا جنرال أين وُجدت؟ وجدت في دار المستشار الفرنسي لما كُبِست داره بعد الحادث، ويُقدَّر ثمنها (في تلك الأيام أي سنة ١٩٤٠) بنصف مليون فرنك!

стр. 1687

القاضي الفرنسي الذي جئتم به إلى المحكمة المختلطة لأن قُضاتنا (بادعائكم) لا يُطمأنّ إلى علمهم ونزاهتهم، هذا القاضي الفرنسي (المسيو سيرو) وُجد في داره رشّاش كان يقتل به الناس، وهو الذي جيء به قاضياً ليحاكم القتلة والمجرمين! إن بطريارك موسكو وكلّ روسيا كان في فندق الشرق (أوريان بالاس) يوم الحادث، يوم عصفت هذه العاصفة برأس قائدك المجنون أوليفا روجيه، فنسي هذا القائد كلّ ما يعتزّ به البشر من فضائلهم ... لبث البطريارك في الملجأ المظلم تحت الأرض ليلة كاملة قال لمّا انقضت: "لقد كنت في ستالينغراد يوم ضربها الألمان، فما رأيت أشدّ ممّا رأيت الليلة"! ولمّا قدمَت دمشقَ زوجةُ رئيس الجامعة الأمريكية في بيروت السيدة دودج ورأت آثار العدوان قالت: لقد قُتل ابني الوحيد في فرنسا فكان يصبّر نفسي عنه أنه مات في سبيل الحقّ والإنسانية، أما الآن فواطول حزني وكمدي؛ لقد أيقنت أن ابني مات في سبيل لا شيء! يا جنرال، لمّا ذهبت أزور القلعة بعد الحادث بأيام لم أستطع أن أدنو منها من رائحة الموت. صدّقني فإنني أشهد شهادة حقّ لا أكتب قصّة من الخيال، تفوح هذه الرائحة من آلاف الجثث، جثث الأبرياء التي كانت بالأمس رجالاً كراماً كانوا ملء الدنيا حياة ونشاطاً وكانوا ذخر عائلاتهم وبلادهم، فصاروا ... صاروا أكواماً من اللحم العفن الذي يؤذي العين والأنف. لم ينجُ من شرّ جيشك لا الأحياء ولا الأموات. لقد أبصرت في تربة الدحداح قبوراً قد نبشَتها القنابل وقذفَت رِمَمها، أفَئن

стр. 1688

عجزت عن حرب أعدائك الأقوياء جئت تحارب موتانا؟ لقد كان ذلك كله وكان أكثر منه، أفهذا من العدل الذي تهتف به؟ لا يا جنرال، إن كلمة «العدل» أكرم من أن تمرّ على لسان مرّ منه ذلك الأمر الهمجي الوحشي بضرب دمشق، دمشق أقدم مدينة عامرة على وجه الأرض بلا استثناء، وكدت أقول بأنها أجملها. إن الفم الذي ينطق بكلمة العدوان لا يمكن أن تسمع منه كلمة العدل والحقّ والإحسان. ولكن في الكون عدلاً. نحن نقولها الآن، وإن من عدل الله أنْ جعل صبرنا نعمة علينا وعدوانَكم وبالاً عليكم، وقد انتهت الرواية وأُسدل الستار، فتعالَ ننظر ماذا ربحنا وماذا ربحتم؟ * * * إلى آخر المقالة، فالمقالة طويلة ولا أحبّ أن أعيدها هنا كلها. أدعها لأعطيكم صورة عمّا كان، أخالف طريقتي التي سرت عليها في ذكرياتي إلى الآن، أنقل لكم صفحة لم أكتبها أنا ولكن كتبها خالد بك العظم رجل الدولة الذي ولي رئاسة وزراء سوريا مرات، فاسمعوا منه ما يتّسع مجال هذه الحلقة لنشره منها. قال: وفي يوم الثلاثاء ٢٩ أيار (مايو) سنة ١٩٤٥ ذهبت إلى الندوة النيابية لحضور الاجتماع المقرّر عقده في الساعة الرابعة، وانتظرت مع لفيف من النوّاب قرع الجرس إيذاناً باكتمال النِّصَاب لعقد الجلسة، ولكن الأكثرية لم تكن قد حضرت. (إلى أن قال): فقطعنا الأمل بإمكان الاجتماع وسرنا إلى

стр. 1689

السرايا (قصر الحكومة) لاستطلاع الأخبار. وجدنا نائب رئيس الوزراء جالساً في بهو الرياسة وحوله بعض النوّاب والموظفين، وبدأ السيد جميل مردم يُدلي بآخر ما لديه من الأخبار والنوّاب يناقشونه فيما يجب عمله. وفي الساعة السادسة تماماً سمعنا أصوات طلقات نارية، وخرجنا إلى الشرفة لمعرفة المصدر، واشتدّ أزيز الرصاص بشكل مزعج فعدنا إلى البهو لنتّقي الرصاصات الطائشة، وعبثاً ذهبَت محاولات نائب الرئيس (وكان الرئيس فارس الخوري) للاتصال هاتفياً بمواقع الشرطة والدرَك، إذ كانت الخطوط الهاتفية مقطوعة. وبعد مدّة جاءنا مَن يُخبرنا بأن الجنود الإفرنسيين المرابطين أمام مركز رياسة أركان الجيش الإفرنسي طلبوا من حرس المجلس النيابي (والأركان كان مقابلاً للمجلس النيابي) أن يصطفّوا لتحيّة العلَم الفرنسي في موعد إنزاله، فما كان منهم تجاه رفض الحرس هذا الطلب إلاّ أن بدؤوا بإطلاق الرصاص عليهم، فقابلهم الحرس بالمثل. ولكنهم ما لبثوا أن هجموا على المجلس ودخلوه عنوة، وقتلوا جميع أفراد الحرس ذبحاً واستولوا على بناية المجلس، وبعده بدأ إطلاق الرصاص على السرايا من الجهة الخلفية. وعلمنا أن مصدره هو الجنود الإفرنسيون المرابطون إلى جانب بناية الهاتف الآليّ، واخترقَت هذه الرصاصات نوافذ السرايا وصارت تتساقط في الممرّ. وكان الليل قد أرخى سدوله، وانقطع التيّار الكهربائي فبتنا في الظلام الدامس، ولجأ كلّ خمسة أو ستّة من النوّاب والوزراء إلى غرفة مستندين إلى جدار بعيد من الرصاص الداخل من

стр. 1690

النوافذ، وخيّم السكوت على الجميع واشتدّ قلقهم. ولم يكن داخل السرايا إلاّ سبعة من رجال الدرك (أي الشرطة) سلاحهم الوحيد البنادق، فأمر نائب الرئيس بإغلاق أبواب السرايا ووضع الكراسي والمناضد خلفها. وأصبح الموقف حرجاً للغاية، فرئيس الوزراء وزملاؤه غير قادرين على الاتصال بأحد وقوة الحرس غير كافية للدفاع عن أي هجوم على السرايا، وكان ضجيج الرصاص يملأ أرجاء المدينة. وبهبوط الظلام تضاعف الرعب، وكان الجميع يتوجّسون خيفة من المصير المماثل لمصير حرس المجلس إذا عمد الجنود الإفرنسيون إلى الهجوم على السرايا واحتلالها والتخلص نهائياً من أعضاء الحكومة وما يقرب من ثلاثين نائباً من نواب المجلس. ودبّ اليأس إلى القلوب، وعكف الجميع على الصلوات والأدعية حيث لم يعُد ثمة ملجأ إلاّ الله لإنقاذنا من هذا المأزق وإخراجنا من السرايا. ثم بيّن خالد بك كيف خرجوا انسلالاً واحداً بعد واحد من الباب الجانبي ومشوا على أيديهم وأرجلهم في ظلّ حاجز نهر بردى حتى دخلوا البَحْصة، ومنها انتقلوا إلى دار خالد العظم في سوق صاروجا. إلى أن قال: ومدّ السيد مردم يده إلى الهاتف ليخبر أهله بأنه سليم وأنه في داري، فعرف الإفرنسيون الذين يستَرِقون السمع الملجأ الذي لجأت إليه الحكومة والنوّاب فصوّبوا مدافعهم علينا، فتساقطت القذائف على الدور المجاورة وانهارت على ساكنيها الآمنين ... ثم بدأ الإفرنسيون بإطلاق القذائف المحرقة على الدور الكائنة في مدخل سوق صاروجا، وأكثرها من الدور القديمة المبنيّة بالخشب واللبِن.

стр. 1691

واشتعلَت النيران في الدور وانتشر الحريق بشكل مخيف، فخرجنا إلى الشارع وشاهدنا الناس آتين من جهة موقع الحريق يحملون ما خفّ من الثياب والأمتعة هرباً من النار، ثم أعقبَتهم جموع السكان وانتشر الذعر بينهم، وساد الاعتقاد بأن الحيّ كله سيكون فريسة للنيران وليس ثمة فرقة إطفائية قادرة على الحضور لأن الجنود الإفرنسيين كانوا يمنعونها من الوصول إلى مكان الحريق لإطفائه. ثم بيّن في تصوير صادق أمين كيف استطاعوا أن يصلوا إلى دار رئيس الجمهورية شكري بك القوّتلي، وكان مريضاً مرضاً ثقيلاً في داره. أعود إلى رواية كلام خالد العظم، قال: وهنالك استطعنا الوقوف على تسلسل الحوادث خلال اليومين السابقَين، فعلمنا أن رئيس الجمهورية استدعى وزير بريطانيا المفوّض فجاء داخل دبّابة إنكليزية، فاستقبله الرئيس وبلّغه احتجاجاً شديداً على أعمال الجيش الإفرنسي وطلب منه تدخّل حكومته لوقف هذا الاعتداء ومعالجة الأمر بالسرعة، فاقترح عليه المستر شون أن ينتقل إلى حيث يكون أقلّ تعرّضاً لأيّ تشبث فرنسي للقبض عليه وألمح إلى إمكان نقله إلى عمّان بحماية الدبّابات الإنكليزية، فرفض الرئيس بإباء وشَمَم ترك المجال فسيحاً أمام الإفرنسيين وقال: إذا كنت سأخرج من داري فسأخرج بسيارة الإسعاف إلى سرايا الحكومة حيث أمكث هناك، وليأتِ الإفرنسيون ليقبضوا عليّ هناك إذا تمكّنوا من أخذي حياً. ثم هدّد الوزيرَ البريطاني بأنه سيفعل ذلك إذا أعيَته الحيلة ولم تبادر إنكلترا إلى التدخّل في الأمر، فتحمّس الوزير وعاد

стр. 1692

إلى مفوضيته وأرسل برقية إلى حكومته واصفاً أعمال الفرنسيين بالطيش والحمق، وذكر عدوانهم على مجلس النوّاب وقتلهم حُرّاسه وقصف المدينة بالمدافع والطائرات ولجوءهم إلى إشعال الحريق بالدور وكسر أبواب المخازن ونهبهم البضائع وسرقتها وإطلاق الحُرّية لجنودهم بالاعتداء على الناس. وأكّد الوزير أن كلّ هذه الأعمال العدوانية لم يكن لها ما يبرّرها ولا هي متفقة مع شرائع الحرب ... إلى آخر ما قال خالد بك. * * * يومان ما أظنّ أنه مرّ على بلد من البلدان مثلهما؛ كان كل بناء وكل إدارة وكل قلعة أو حصن فيها جنود فرنسيون مصدرَ قتل وبلاء، كان كل الجنود حيثما كانوا يطلقون النار على الناس ... لم يبقَ بمنجاة من هذا إلاّ حيّ المهاجرين. أما رئيس مجلس النوّاب فيقول خالد العظم في مذكّراته إنه كان في فندق الشرق، لم يستطع الخروج منه لأن الفرنسيين كانوا يُطلِقون الرصاص على الفندق ويسدّون مدخله فلا يَلِجه أحدٌ ولا يخرج منه أحد، فبقي معتصماً فيه حتى جاء وزير روسيا المفوض بسيارته يرفرف عليها علم دولته، فتوقّف إطلاق النار مدّة من الزمن، فانتهز سعد الله بك الجابري الفرصة وطلب من الوزير مرافقته بسيارته فخرجا معاً، وتابع معه سيره إلى بيروت حتى يُطلع حكومة لبنان على ما حصل بدمشق، وامتطى طيارة إلى القاهرة وأثار القضية على الملأ، فأدلى الرئيس مصطفى النحاس باشا بتصريح رسمي احتجّ فيه على موقف الفرنسيين وهدّدهم بنسف

стр. 1693

مصالحهم في مصر. ثم اجتمع مجلس الجامعة العربية واشترك فيه الجابري مندوباً عن سوريا، وفيه تقَرّر الاحتجاج والسعي لإنقاذ سوريا. إلى أن قال: ولم يمضِ إلاّ وقت قليل حتى هتف بي الوزير حسن جبارة وقال لي: لك البشرى، هل استمعت إلى الراديو؟ قلت: أيّ راديو؟ أجاب: راديو لندن، فقد أذاع قبل هنيهة أن مستر تشرشل أرسل إنذاراً إلى الجنرال ديغول لإيقاف العدوان وأمهله مدة قصيرة لسحب جيشه من سوريا، وأبلغه أن قائد الجيش البريطاني المقيم في لبنان تلقّى أمراً بإرسال قوّة عسكرية إلى سوريا. * * * وفي يوم الجمعة في أول حزيران (يونيو) وصلت الدبّابات الإنكليزية الضخمة إلى دمشق ورابطَت في الشوارع الرئيسية، واختفى الجنود الفرنسيون بمثل لمح البصر وعادوا إلى أوكارهم، وكان يوماً شديداً عليهم كيومنا في ميسلون معهم. نعم، إن في الكون عدلاً، وإن له رباً إذا أمهل الظالم فإنه لا يُهمِله. هذه صفحة صادقة من سيرة ديغول كان ينبغي لمن سطرها ونشرها أن يضمّها إليها. * * *

стр. 1694

-١٣٥ - في سبيل فلسطين قطعنا ربع محيط الأرض كنت أمشي في هذه الذكريات في طريق واضح، فتشعّبَت أمامي المسالك وافترقَت (كما قلت من قبلُ) الطرق، فمن أين أمشي الآن؟ أُتِمّ الكلام عن عملي في القضاء؟ أُكمِل الحديث عن فلسطين؟ أستمرّ في عرض نماذج عن أساليبي في كتاباتي؟ وهل أستطيع أن أعرض هذه النماذج كلها؟ اخترت مرة فقرات ممّا كتبت في شبابي عن الحب من كتابي «صور وخواطر» وكتابي «قصص من التاريخ» وكتابي «قصص من الحياة» ... وثقوا أني قلت ولم أفعل، والشعراء يقولون ما لا يفعلون. وإن وصفت جمال المرأة وفتونها وصفاً دقيقاً صادقاً، ولكن ما قارفت لذة منه بالحرام ولا قاربتها. فسمعَت طرفاً منه زوجتي وأنا أُمليه في الهاتف على الأخ الكريم طاهر أبي بكر ناموس «الشرق الأوسط» (أي سكرتيرها)، وهو جزاه الله خيراً يسجّلها ويطبعها، وجزى خيراً ولدي الأستاذ عادل صلاحي الذي يصحّحها، وجزى قبل ذلك الناشرَين الكريمَين الأخوين

стр. 1695

الأستاذين هشاماً ومحمداً صاحبَي الجريدة وصبرهما عليّ وعلى طول ذكرياتي. فأنكرَت عليّ ما سمعت وقالت: ماذا يقول الناس عن شيخ يكتب في الحب؟ فتردّدت وأخّرت نشر ما اخترت. وهتف بي أستاذ كبير ما أُحِبّ أن أصرّح باسمه واستحلفني أن لا أفعل، وطلب إليّ أن أشرح قصّة الرحلة التي رحلناها من أجل فلسطين والتي أشرت إليها في الحلقة الماضية. فكان هذا الأستاذ كجَهيزة التي زعموا أنها دخلت نادي قومها وهم يحاولون رأب الصدع بين فرعَين منهم قتل رجلٌ من الفرع الأول رجلاً من الفرع الثاني، يريدون أن يقبل أولياء القتيل الدية وهم يأبَون إلاّ القصاص، وكانت قد استحكمَت بينهم عقدة الخلاف واشتدّ النزاع فقالت لهم: إن ولد المقتول قد انتقم لأبيه من القاتل. فقالوا: «قطعَتْ جهيزةُ قولَ كل خطيب»، وسارت مثلاً باقياً إلى الآن. قلت للأستاذ: شكراً لك، لقد أرحتني من هذا التردّد وأوضحت لي طريقي، ولكن الرحلة كانت سنة ١٩٥٤ وأنا لا أزال في ذكريات سنة ١٩٤٥. فقال: ومن طالبك بالسير في ذكرياتك مع السنين؟ إن القُرّاء يريدون الخبر سالماً كاملاً ولو خَفِيَ تاريخه، ولا يريدون أن تُقطَع أوصاله وتُفرّق أعضاؤه ليسلم له تاريخ وقوعه. قلت: هل تعرف حكاية بنت السلطان التي كانت تحكيها لنا الجدّات ونحن في الفراش في ليالي الشتاء الطوال لننام عليها؟ سألخّصها للقُرّاء، ولكن لا ليناموا بل ليبقوا مستيقظين، فإني

стр. 1696

جاعلها فاتحة حلقة واسعة جداً من حلقات هذه الذكريات التي طالت جداً؛ بداية قصّة طويلة هي قصّة رحلة المشرق التي رحلناها من أجل فلسطين. كان لبنت السلطان عقد من نفيس الجواهر وغالي اللآلئ، ولكن ميزته فوق نفاسة جوهره وغلاء لآلئه رَصُّه العجيب، فهو من عشرين لوناً ولكن صانعه جعلها تأتلف وتختلف وتتقارب وتتباعد، حتى جاء منها صورة تُبهِر البصر وتستهوي القلب. فانقطع خيط العقد (أي نظامه) وتبعثرَت حبّاته، فأمضت بقيّة عمرها تبحث عنها وتحاول جمعها وما وصلت إلى الأقلّ منها، وما وصلت إليه لم تستطع أن تعيد صَفّه كما كان. لقد انقطع الآن -يا أيها القُرّاء- خيط ذكرياتي ولم أعُد أقدر أن أرتّبها على السنين، لقد ضاع التاريخ وتداخلَت الأحداث. فماذا أصنع؟ قلت ذلك للأستاذ الذي اقترح عليّ أن أكتب قصّة الرحلة فقال: إن ذهبَت صورة العقد وتبعثرَت حبّاته فاجعل ما وجدته منها عقوداً صغيرة وارصف في كلّ واحدة منها ما تجد من حبّات العقد الكبير، ثم إذا فرغتَ منها أَعدتَ ترتيبها ونسّقته. أي أن تنشر الذكريات الآن كما تجيء في ذهنك، ثم إن طبعتها الطبعة الثانية أعدتَ ترتيبها. كما فعل صديقك الكبير خير الدين الزركلي في كتابه «شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز»؛ لقد جعله متداخل الأخبار مهوَّش الترتيب، ثم نظر فيه فجمع ما هو من أخبار الملك نفسه في كتاب سَمّاه «الوجيز في سيرة الملك عبد العزيز». وأنت إن مدّ الله لك في العمر فعلتَ مثله، وإلاّ فإن

стр. 1697

لك من إخوتك العلماء وبناتك المتعلّمات وأحفادك وحفيداتك، الطبيب منهم والمهندس، كان لك منهم مَن يعيد ترتيب الذكريات وكتابتها (١). المهمّ أن تدوّن ما بقي في ذهنك قبل أن تنساه. * * * كانت هذه الرحلة سفرة عجيبة، مشينا فيها من حيث مشى ابن بطّوطة وبلغنا من الجنوب الشرقي من آسيا ما لم يبلغ. وكان كلّما نزل بلداً ولي قضاءها وتزوّج منها وكان له من زوجاته أولاد، ثم ترك الزوجة والولد وذهب. ونحن ما قضينا بين الناس في محكمة ولا قضينا على أنفسنا بزواج! وكان ابن بطّوطة يجد من يمشي معه لا يفارقه يترجم عنه، ونحن كنّا نلقى المستقبِلين في كل بلد ندخله، ثم يدَعوننا أو نؤثر أن يدَعونا جلّ وقتنا وحدنا. رحلنا من القدس إلى عمّان إلى بغداد إلى كراتشي إلى آخر باكستان الشرقية، زرنا الهند ورأينا من بلادها دهلي (لا دلهي كما يقول الإنكليز) وبومباي (وهي من أجمل بلاد الدنيا) ولكنَوْ (بلد الصديق الداعية الشيخ أبي الحسن النّدْوي) وكَلْكُتّا التي كان فيها في تلك الأيام، قبل ثلاثين سنة، خمسة ملايين ونصف المليون. وكان معنا الشيخ محمد محمود الصواف، هو يدبّر أمرنا، يزيح عِلّتنا، يكفينا مؤونة الحِلّ والترحال، يهيّئ لنا كل شيء. فلما

стр. 1698

رجع مضطراً من كراتشي إلى بغداد بقيت أنا والشيخ أمجد رحمة الله عليه وحدنا. فتصوّروا اثنين كان أمهرَهما وأخبرَهما بشؤون الحياة أنا الذي لا خبرة لي فيها ولا أملك من المهارة شيئاً. قلت إن الصواف كان ثالثنا في العدد ولكنه كان أوّلنا في العمل، فهو المحرّك لهذا المؤتمر الذي لم أحضر مؤتمراً غيره في عمري؛ هو الذي أعدّ له وله -بعد الله- أكبر الفضل فيه. وهو الرجل الاجتماعي الذي يسمّي كل من يلقاه باسمه ويسائله عن خبره وخبر أهله وأصحابه، والشيخ أمجد كان ينسى من لقيه بالأمس! ولقد دوّنت بعض ما رأيت من أخباره العجيبة بإذنه وبموافقته، فلما جئت أكتب الآن هذه الذكريات وجدت أني صرت مثله، وصحّ فيّ أنا ما رويته عنه هو! وكان أشقّ ما مرّ علينا أنا والشيخ أمجد بعد رجوع الصواف جهلنا لسان الإنكليز. ولغةُ التخاطب حيثما زرنا هي الإنكليزية، وهي لغة عرجاء مقطوعة النسب، تأتي في الترتيب والمنزلة خامسة بين لغات الأمم، ليس فيها قواعد مُحكَمة ولا ضوابط مطّردة، ليست مثل العربية في شرَف نسبها ومتانة سببها (السبب: الحبل) وثبات أصولها وضبط موازينها وحُسن اشتقاقها. العربية هي اللغة الأولى التي لم يعرف تاريخ اللغات مولدها لأن مولدها أقدم من مولد التاريخ، ولم يدرك طفولتها لأنه ما رآها إلاّ شابّة مكتملة الشباب. هي في الدرجة الأولى، أما الدرجة الثانية والثالثة فإنها شاغرة ما احتلّتها لغة من اللغات. وفي الدرجة الرابعة الفرنسية والألمانية معاً. ولكن الإنكليز بجدّهم ونشاطهم وسعة حيلتهم،

стр. 1699

وأنه مرّ عليهم يوم كانوا يملكون فيه خُمس الأرض ويحكمون بقاعاً لا تغيب الشمس عنها لأنها إن غابت عن مغربها بدت في مشرقها، الإنكليز فرضوا لغتهم على الناس على ما فيها من عِوَج وضعف وخلل، ونحن أضعنا بكسلنا وخمولنا لغتنا. ولولا أنها قائمة بكتاب الله واللهُ تعهّد بحفظ كتابه، وما تعهّد الله بحفظه لا يقدر أحد على المسّ به، لولا ذلك لزالت ونُسيَت. قلنا لهم: كيف نمشي وما نعرف من الإنكليزية شيئاً؟ كيف نخاطب الناس؟ قالوا: ندلّكم على كلمة سحرية تفتح لكم كل مغلَق وتيسّر كلّ عسير وتحلّ كل معقود، فمهما رأيتم من ذلك فقولوها. قلنا: ما هي؟ قالوا: هي كلمة: «نو سبيكن». فكان الشيخ ﵀ كلّما واجهته عقبة أو وقعنا في ضيق قال: أفندي قُلها، قُلها. وأذكر أن طائرة «كي. إل. إم» الهولندية التي كانت تُربَط الساعة على مواعيد قيامها وهبوطها تأخرت في سنغافورة ربع ساعة من أجلنا. جاؤونا ببيانات مطبوعة بالإنكليزية فقلنا: نو سبيكن. قالوا: سبيكن فرنش؟ أي تعرفون الفرنسية، فقلت لنفسي: إنني درستها وتعلّمت نحوها وصرفها وتمكنت من أدبها، وإن لم أُحسِنها نطقاً وبياناً، فلماذا لا أجرّب اليوم حظّي منها؟ ورأيت المسألة قد هانت فقلت: نعم. فجاؤوني برجل ما أدري من أين التقطوه، يتكلّم الفرنسية بفصاحة شاتوبريان وسرعة الممثل فرنانديل الذي كان يقلّده إسماعيل ياسين، فلم أستطع أن أفهم منه شيئاً، فعدت إلى الكلمة السحرية فقلت: نو سبيكن فرنش. قالوا ما معناه: سبيكن ماذا؟ قلت: العربية. فلم يجدوا في مطار سنغافورة من يعرفها. وأقول إن ممّا وقع لنا: لمّا وصلنا كراتشي في أوّل الرحلة

стр. 1700

وعرفوا أني عربي أتكلّم العربية تباشروا ودعوا واحداً منهم، حسبته سيبويه آخَرَ ظهر من الأعاجم في آخر الزمان فكان في العربية كسيبويه الإمام. فلما وصل سلّم وسلّمت وقال: عربي؟ قلت: نعم. فأقبل عليّ عناقاً وتقبيلاً، وشممت منه رائحة هذا «التانبول» الذي يُقبِل عليه الهنود فأزعجني من ذلك تقبيله وعناقه. ثم بدأ الحوار. فقال: ما اسمي؟ قلت: لا أدري ما اسمك. قال: لا لا، اسم أنت. فقلت: اسمي أنا علي. قال: اسم أبي؟ قلت: عدنا إلى ما نجونا منه. ما الذي يدريني ما اسم أبيك؟ قال: أبي أنت، أبي أنت. قلت: الله يخرب بيتك، أنا أبوك؟ قال: لا لا، اسم أبي، اسم أبي أنت. ففهمت أنه يريد اسم أبي أنا ولكنه أخطأ في الضمائر ... وأكثر أخطائنا من علل الضمائر! ولكن ما لي أستعجل بسرد هذه الأخبار وأنا لم أفتح بعدُ صفحة الرحلة ولم أعرّف بها؟ عليّ أولاً أن أتكلّم عن السفر إلى المؤتمر ومَن دعا إليه، وعمّا كان فيه وكيف جرّني إليه الصواف ... ولست أدري الآن كيف استطاع ذلك وجَرُّ جبل أُحُد أهونُ من جَرّي، وحلحلة «ثهلان ذي الهضبات» الذي ذكره الفرزدق (ولا أعرف أين مكانه) (١) أهون من زحزحتي أنا عن مكاني!

стр. 1701

لقد كنت ألقي في تلك الأيام حديثاً أسبوعياً من إذاعة دمشق بعد صلاة الجمعة، يتفضّل السامعون بالإقبال عليه كما يتفضّل الناس هنا بسماع حديثي في الإذاعة وفي الرائي، كرماً منهم لا لأن أحاديثي تستحقّ هذا الاهتمام. انقطعت عن هذا الحديث نحواً من ثمانية أشهر، ثم عدت فحدّثت السامعين عن هذه الرحلة؛ وصفت فيها مراحلها مرحلة مرحلة، أَرَيتُهم ما رأيت وأسمعتُهم ما سمعت ونقلت إليهم ما شعرت به حتى كأنهم كانوا فيها معي، حدّثتهم عن فلسطين التي رأيتها يومئذ حديثاً لا يعرفونه وهم جيران فلسطين، عن القدس والقُرى الأمامية يوم كانت المشكلة مشكلة القدس، حين أخذوا أحياءها الجديدة فأعطوها اليهود وتركوا لنا القدس العتيقة بأزقّتها. وكانت مشكلة القرى الأمامية: قَلْقيلية وأمثالها التي أخذ اليهود بساتينها وزرعها وتركوا للناس بيوتها وصخرها، فصارت المشكلة الآن أنهم أخذوا حتى القدس القديمة وحتى القُرى الأمامية! حدّثتهم عن بغداد وعظمتها، بغداد التي عرفتم أني عشت فيها من عمري سنين، فلما عدت إليها بعد خمس عشرة سنة (أي سنة ١٩٥٤) رأيت بغداد غير التي تركت فلم أكَد أعرفها. عن الموصل التي يُحِسّ الشامي فيها أنه في الشام أو في حلب على التخصيص من مدن الشام، عن البصرة، بندقية العرب (١) ومفتاح الشرق. عن باكستان، البلد المتوثّب الناهض الذي لم يكن مضى على استقلاله إلاّ سبع سنين. عن الهند، والهند دنيا من الأجناس

стр. 1702

والألوان والعجائب. عن ماليزيا، عن سيام (تايلاند) التي يسكن أهلها في بيوت تراها من بعيد كأنها ألاعيب الأطفال ولا ترى فيها إلا ضاحكاً، عن أندونيسيا بلاد الماء والخضرة والجمال. عن الشرق الغنيّ بطبيعته وناسه وأرضه وسمائه وماضيه ومستقبَله، فالطبيعة كلها كنوز: معادن وزيوت وشلاّلات، وثروات لا تنفد، والناس بعدد حبّات الرمل، والملايين فيه كالآلاف عندنا أو المئات، والسماء تسطع بالنور وتقطر بالخيرات، والأرض خصب ونبات وحقول وغابات ورياض وجنّات؛ ما رأينا من كراتشي إلى سورابايا في آخر جاوة بقعة واحدة جرداء. حدّثتهم عن الشرق الغنيّ بالماضي الفخم يوم كانت الحضارة فيه وكان فيه العلم وكانت فيه القوة وكان له في الأرض السلطان، وعن المستقبل الفخم الذي سيرجع إن شاء الله ذلك الماضي، والذي بدَت تباشيره وظهرَت بواكيره حين لم يبقَ في آسيا كلّها من جحيم الاستعمار إلاّ شُعَل صِغار لا تزال هنا وهناك؛ لقد أطفأَت أيدي الشرقيين تلك النار وأقامت مكانها جنّات تجري من تحتها الأنهار، لقد تحرّر الشرق ولن يعود إن شاء الله إلى الرّق أبداً. لقد انتهى عهد الاستعمار الذي كانت ترفرف راياته فوق أرضنا وتخطو جنوده على ثرانا، وخَلَفه استعمار آخر شَرٌّ منه، لا يحمل أخطارَه غرباء عنّا ولكن ناس منّا من أبنائنا، أخذهم الاستعمار فربّاهم على ما يريد هو فأتمّوا ما بدأ به، بل سبقوه وجاؤوا بما لم يقدر على أن يأتي بمثله. ولكن ذلك إن شاء الله لا يدوم. حدّثتهم عن الفتوح الإسلامية الثلاثة في الهند: الفتح

стр. 1703

العربي؛ لقد سلكتُ طريقه الذي سلكه ومشيت من حيث مشى، وتتبعت آثار أقدام الجيش الذي خرج من دياره في أرض الحجاز يقوده الفتى العربي، ابن الطائف الذي فارق منازل أهله فيها ومشى ومشى ومشى، حتى جزع الأرض إلى موضع كراتشي اليوم. وأين أنت يا طائف من كراتشي؟ وكان الجندي يشري زاده بنفسه، وراحلته يشريها بنفسه أو يمشي على رجلَيه، وكان يصبر على الحر والقر والجوع والعطش، وكان مع ذلك كله يدعس (لا يدهس كما تقول الصحف) في طريقه كل قوة تعترضه وكل قلعة وحصن حتى بلغ الهند. ذلك الفتى هو محمد بن القاسم الثقَفي الذي لم يَزِدْ عمره يومئذ عن سبع عشرة سنة، وهي سنّ تلميذ في الصف الثاني الثانوي! والفتح الأفغاني، حين استعاد السلطان محمود الغزنوي ما فتح ابن القاسم، ثم حاز من الهند ما لم يَحُزْه قبله فاتح. ثم الفتح المغولي، فتح بابر وأحفاده الذين ملكوا الهند كلها، وكان منهم الإمبراطور «أكبر» الذي كفر في آخر عمره وأكره الناس على الكفر، ولفّق ديناً جديداً ما أنزل الله به من سلطان، فمحا الله هذا الدينَ الملفّق الجديد وبقي الإسلام إلى يوم القيامة. وكان من أحفاده شاه جيهان، أحد أعظم البنّائين من الملوك، الذي ترك أجمل أثر عمراني على وجه الأرض هو «تاج محل». ثم جاء منهم الملك الصالح «أورانك زيب» الذي ملك من الهند ما لم يملكه أحد، والذي جمع الحزم والعزم والتقى والصلاح والعلم والأدب، وكان خطّاطاً لا يجاريه إلاّ كبار الخطّاطين، ذلك الذي لا أعرف بعد الخلفاء الراشدين وبعد عمر بن عبد العزيز، وبعد

стр. 1704

نور الدين وصلاح الدين وأمثالهم من الملوك الصالحين الكبار من هو أصلح منه. ومَن أراد أن يعرف قصّة «تاج محل» وذلك الحبّ الخالص وذلك الوفاء العجيب الذي حمله شاه جيهان لزوجته المحبوبة الجميلة التي ماتت في شبابها وفي فتنتها وجمالها «ممتاز محل»، ومن أراد خبر أورانك زيب (هذا الملك الصالح) وجد ذلك في كتابي «رجال من التاريخ» (١). حدّثتهم عن آثار المغول في قلب دهلي، عن القلعة الحمراء التي لا تزال آية في القوّة وفي الرشاقة بناها باني المسجد الجامع شاه جيهان. حدّثتهم عن كلكتا التي كان فيها بمقدار ما كان في سوريا ولبنان والأردن معاً يومئذ من السكان، وكان الناس فيها من بني آدم يَجرّون عربات الركوب والحمل بدلاً من أن تجرّها الحيوانات، والبقر تمشي تتبختر في الشوارع لأنها مقدسة معبودة لا يعرض لها أحد بسوء! عن لكنَو (التي فيها ندوة العلماء)، عن ديوبَنْد (التي فيها «أزهر» الهند)، عن عروس المدائن بومباي. ثمانية أشهر، كم دخلت فيها من بلدان وكم لقيت من ناس، وكم شاهدت من عجائب وغرائب ولطائف وطرائف! وما نسيت

стр. 1705

بلدي على هذا كلّه يوماً ولا خمد الشوق إليها ساعة، وكان في قلبي وعلى لساني دائماً بيت الشريف: وقائلةٍ في الرّكْبِ ما أنتَ مُشتهٍ؟ ... غداةَ جزَعْنا الرملَ، قلتُ: أعودُ لقد عدت وفي جعبتي مئات من الصور، من كلّ طريف مُعجِب وكل طريف مُطرِب، نثرت عليهم أكثرها وجلّيتها لهم في أحاديثي فرأوا جديداً لا يعرفونه. ولو أنني رجعت من أوربّا وأميركا وفتّشوني لما وجدوا معي عجباً لأنهم يعرفون ألوان الحياة في أوربّا وأميركا، يعرفونها من السينمات والأفلام، ومن الكتب والمجلاّت، ومن ألسنة الراحلين إليها. أمّا بلاد المشرق فما كنت أعرف أنا ولا يعرفون هم من أمرها إلا القليل؛ لم يكن قد زار أندونيسيا قبلي من السوريين إلاّ نفر قلائل، والذين كتبوا عنها أقلّ. هذه الأحاديث التي أذعتها لم أكتبها، وقد ضاع أكثرها فيما ضاع ممّا حدّثت به (١). أقول هذا وقلبي يملؤه الأسف. وما جدوى الأسف على ميت قد مات ولن يعود إلى الحياة؟

стр. 1706

فهل أستطيع الآن (بعد ثلاثين سنة كاملة) أن أتذكّر ما كان في هذه الرحلة؟ أن أصف ما رأيت؟ أن أروي ما سمعت؟ أن أُسَمّي من عرفت من أفاضل الرجال؟ هل أستطيع ذلك؟ سأجرّب وعلى الله الاتكال، ومنكم صالح الدعوات. * * *

стр. 1707

-١٣٦ - قصّتي مع رقص السماح فارقتكم في آخر الحلقة الماضية على أن نبدأ رحلة المشرق، «قَد أَزِف الرّحيلُ وشُدّت الأهْداجُ»، كما قال الشاعر القديم، يوم كانوا يسافرون على الإبل، ينصبون عليها الهوادج للنساء مبالغة منهم في إعزازهن وإكرامهن، حتى كأنهن لا يخرجن من بيوتهن ليسافرن بل تسافر بهن البيوت وهن فيها. ولكن خبّروني: ماذا تصنعون إذا عرضَت لكم ساعةَ السفر حاجةٌ ترغبون قضاءها قبل الرحيل؟ لذلك أستأذنكم أن أجيب على رسالة وصلت إليّ معها قصاصة من جريدة، فيها كلمة يُثني كاتبها على رقص السماح وعلى أنه مثال الاحتشام والكمال، ويسألني ما رأيي فيه. لي مع رقص السماح هذا قصّة هزّت دمشق هزاً وشغلَت صحفها، وكان لوزارة العدل نصيب فيها وللمجلس النيابي، واستُجوِبَت الحكومة بشأنها. أفأسافر قبل أن أنبّئكم نبأها؟ في القصص يقدمون للقُرّاء أبطالها ويعرّفونهم بهم قبل الدخول فيها. وأبطال هذه القصّة مدرسة «دَوْحة الأدب» في

стр. 1708

دمشق، وشيوخ الموسيقى في حلب، وفخري البارودي. أمّا مدرسة دوحة الأدب فهي ثانوية أهلية أنشأها بعض من يدعوهم الناس بالزعيمات النسائيات، اللواتي يُغلِقن عيناً وينظرن بالأخرى وحدها (كما يفعل الصيّاد قبل أن يضغط على الزناد). ينظرن إلى الغرب وعاداته بعين الرضا ويُغمِضن العين عن عيوبه وعن مفاسده، كما يُغمِضنها فلا يبصرن بها جَمال ما في الشرق المسلم من فضائل ومكرمات. استدعت هذه المدرسة من دمشق أكابر مترَفيها ففسقوا فيها. أوَليس من الفسوق في نظر الشرع أن يُرسِل أبٌ ابنتَه البالغة متكشّفةً مُبدِية زينتها إلى حيث تختلط برجال أجانب عنها ليسوا بمحارمها؟ ولو كانوا أساتذة لها، وإن لم يكن بينها وبين واحد منهم حبّ ولا غرام ولا اتصال بالحرام؟ وأمّا حلب فقد كانت مثابة الفنّ العربي فيها أساطينه ودهاقينه، وكان ممّا تفرّدَت به فرع من هذا الفنّ عنوانه «اسقِ العِطاش» مشهور معروف، مختلَف في أصله؛ فقائل إنه قديم منسوب للشيخ أبي الوفاء المصري الصوفي وإن الشيخ عبد الغني النابلسي عارضه. وهو فقيه دمشقي عالم متمكّن، لكنه من القائلين بوحدة الوجود على مذهب ابن عربي. وهي مقالة مقتبَسة عن الأفلاطونية الحديثة منافية للتوحيد الذي جاء به محمد والرسل من قبله عليهم صلوات الله وسلامه. والكلام الآن على النغمة والمقام لا على صحّة أو بطلان الكلام. ولعلّ أصله نوع من الاستسقاء كانوا ينشدونه عندما ينقطع

стр. 1709

غيث السماء، أكثره تضرع ودعاء، من مثل قولهم: يا ذا الْعَطا، يا ذا الْوَفا ... يا ذا الرّضا، يا ذا السَّخا اسقِ العِطاشَ تكرُّما ... فالعقلُ طاشَ منَ الظَّما وكان هؤلاء المشايخ إذا أنشدوا الموشّحات وما يماثلها وقفوا وعبّروا بدقات أقدامهم على الإيقاع الموسيقي وبأيديهم عن حركات النغمة على أسلوب يعرفونه. ولا شكّ أنه بدعة سيّئة، وأسوأ منه وأقبح وأولى بالإنكار ما يُسمّى عندهم بالذكر، وما هو من الذكر، لكنه في لغة العرب وفي اصطلاح العلماء يُدعَى الرقص. ونقل ابن عابدين في الجزء الثالث من حاشيته (وهي عمدة المفتين في المذهب الحنفي) عن المنظومة الوهبانية هذا البيت: ومَن يستحِلّ الرقصَ قالوا بكُفرِهِ ولا سيّما بالدّفِّ يلهو ويزمِرُ وأمّا فخري البارودي فهو أبرز الزعماء الوطنيين الشعبيين في دمشق، غنيّ واسع الغِنى كريم شديد الكرم، خفيف الروح ساحر الحديث حاضر النكتة، لكنه -والله أعلم بحاله- رقيق الدّين. يخطب خُطَباً يخلط فيها الفصحى بالعامّية، تؤثّر في الناس تُضحِكهم كثيراً وتبكيهم أحياناً، يخاطب العامّة باللسان الذي تفهمه العامّة، ولا تنكر ما يقوله الخاصّة. ولقد سبق الكلام عنه في هذه الذكريات. ولي معه مواقف طريفة، منها أنه لمّا نجح في الانتخابات في سنة من السنين، وكان الحشد الكبير في داره الكبيرة في

стр. 1710

القَنَوات وتعاور الخطباء المنبر، قال لي: لا بد أن تتكلّم. وصاح بالناس: كَفّ يا شباب، سَمَاع (أي صفّقوا واستمعوا)، الشيخ علي الطنطاوي. وكنت أُدعى بالشيخ من قبل سنة ١٩٣٠، ولذلك قصّة سأقصّها يوماً (١). فقلت له: إني نظمت قصيدة. قال (بلهجته العامّية) وشاعر أيضاً؟ تقبرني (وهي كلمة تحبُّب تُقال في الشام). قلت: نعم. قال: هات. وأصغى الناس، وأردت أن أجعلها نكتة فقلت (كأنني ألقي مطلع قصيدة): دمشقُ قدْ فازَ الزعيمُ فخري. هل انتبهتم إلى النكتة في كلمة «فخري»؟ فضحكوا جميعاً وقال: بلحيتك (يخاطبني أنا). نطق بدري! (وهي كلمة لا يعرفها إلاّ الشاميون، أو الكهول والكبار منهم) (٢). كان فخري البارودي وطنياً مُخلِصاً وأميناً على المال، ولكن الناس يتّهمونه تهمة شائعة وقالة سوء قيلت عنه، ما حقّقتها

стр. 1711

وأستغفر الله من روايتها من غير تأكد منها. ولكن الذي حقّقته وتأكدت منه أن ولعه بالموسيقى وحبّه للفنّ أوصله إلى فكرة شيطانية ما أحسب أنها خطرت في بال إبليس نفسه، هي أن ينقل رقص السماح هذا من المشايخ والكهول ذوي اللِّحى إلى الغيد الأماليد والصبايا الجميلات من بنات دوحة الأدب، التي دعوتها من يومئذ «دوحة الغضب». ولعلّ هذه النقلة على ما فيها من الفسوق الظاهر، لعلّها أيسر من بعض ما في أناشيد المشايخ من شِرك يكاد يكون ظاهراً. فجاء من حلب بأستاذ كان في حفظ الموشحات ومعرفة الغناء القديم مُفرَداً لا يجاريه في ذلك أحد ولا يدانيه، هو الشيخ عمر البطش. وكان بعمامة مطرزة يلبسها التجّار في الشام تفريقاً لها عن العمامة البيضاء التي يلبسها العلماء، وإن كان الشيخ بدر الدين الحسني المحدّث الأكبر والشيخ علي الدقر الواعظ الأشهر يتخذانها. وفُصّلت للطالبات ثياب من الحرير بأزهى الألوان، فضفاضة كثياب القِيان والإماء في بغداد قديماً وفي مدن الأندلس. وحفّظهن هذه الموشحات، ولكنه نقلها ممّا كانت عليه حين كان يُنشِدها ويرقص عليها المشايخ من تضرّع ودعاء واستغاثة ونداء، إلى كلام كلّه عشق وغرام وشوق وهيام، وكثير منه صيغ ليكون من كلام البنت تخاطب الرجل. وشتّان بين غزل الشاعر ونسيب الشاعرة! أشرح لكم الفرق: حين تقول "ضرب زيد عَمراً" يكون موقع الرجل كمحل زيد من الإعراب، ومحلّها هي في موضع عمرو.

стр. 1712

هل فهمتهم؟ هو يقول: تعالي، وهي تقول: خذني. واستمرّ التدريب ونحن لا ندري به. وما يُدرينا بالذي وراء جدران مدرسة أهلية للبنات، ونحن لا ندخلها وما لنا فيها قريبة ولا نسيبة تخبرنا بالذي فيها؟ حتى سمعت أنها ستقام حفلة كبيرة في دار أسعد باشا العظم، وهي أوسع الدور الدمشقية وقد صارت الآن متحف الفنون الشعبية. فكتبت أنقد إقامتها وأحذّر منها، وأنصح آباء البنات وأولياءهن أن يمسكوا بناتهم فلا يبعثوا بهنّ إليها. وكيف يرضى لبنته مسلمٌ عربي أبيّ أن ترقص أمام الرجال الأجانب، وتتخلّع وهي تغنّي أغاني كلها في الغرام والهيام؟ ولكن الحفلة أُقيمت، وحضرها رئيس الوزراء وأظنّ أنه كان خالد بك العظم، وحضرها العقيد أديب الشيشكلي، وقد كان بعد قتل حسني الزعيم هو الحاكم من وراء ستار، الجيش معه وحكم البلد في يده، وحضرها قوم مِمّن يُدعَون بوجوه الناس وكبارهم. وعرفنا خبرها من الجرائد ومن الإذاعة، ولم يكن قد جاءنا هذا الرائي أي التلفزيون. * * * وأنا من عادتي إذا سمعت بمنكَر أو رأيته أُدخِله ذهني كما تدخل المعلومات في المِحساب (١)، فأنام عنه كما أنام كل ليلة

стр. 1713

كأن شيئاً لم يلج فكري، فإذا كان قبل موعد قيامي لصلاة الفجر استيقظت من نومي، فوجدت الفكرة قد ملأت نفسي وغلبَت على فكري وتملّكَت أعصابي، فأتحمّس لها وأُعِدّ في ذهني ما أكتبه أو أقوله عنها، ويطير النوم من عيني فألبث متيقّظاً أترقّب طلوع النهار. وكنت يومئذ القاضي الممتاز في دمشق، ولعلّ ذلك بمثابة رئيس المحكمة الشرعية الكبرى في المملكة وفي مصر. وكنت أخطب مع ذلك في مسجد الجامعة، وهو مسجد صغير أقامه العثمانيون لمّا بنوا الثكنة الحميدية التي صارت فيها الجامعة، وهي الأخت الكبرى للثكنة في مكّة التي ترونها عند البيبان، هي مثلها في بنيانها ولكنها أوسع منها وأضخم. فلما غلب الفرنسيون عليها جعلوا المسجد نادياً أو ملهى وصوّروا على جدرانه صوراً، فلما استرددنا الثكنة عمل طائفة من الشباب على رأسهم أخي الأصغر محمد سعيد، بذلوا الجهد ودأبوا وثابروا حتى استرجعوا المسجد. وأُقيمت فيه الصلاة، وألقيتُ فيه أول خطبة جمعة وكان موضوعها «خطبة الجمعة»، ثم جعلوا فيه دروساً ليلية ألقيت أنا بحمد الله أول درس فيها، ثم نُشرت رسائل كتبت أنا أوّل رسالة منها، وكان الذي يرتّب الخطب والدروس ويطبع الرسائل أخي محمد سعيد. * * *

стр. 1714

فلما أُقيمت هذه الحفلة رقص فيها هؤلاء البنات رقصة السماح، وهُنّ صفوة فتيات دمشق جمالاً ومالاً ودلالاً، وألبسوهن ألبسة حريرية ملوّنة فضفاضة كالتي كان يلبسها الجواري قديماً. لم يكن في هذه الرقصة عورة مكشوفة، ولا كانت رقصة هزّ البطن الظاهر التي تعرفها بعض البلاد، ولا كان فيها عرض الأفخاذ بحركات متّزنة كالذي يدعونه رقص الباليه. ولكن فيها ما أظنّ أنه أضرّ على الشباب من ذلك كله؛ لأن فيها -على الرغم من الثياب الواسعة- من الإثارة ما كان يتعمّد مثلَه في العصر العباسي الإماءُ الفاتنات المستورَدات لإثارة ميول الرجال. وكان من عادتي حين أصعد المنبر لأخطب خطبة الجمعة أن أُعِدّ الموضوع في ذهني، لا أكتبه لأنه ليس أقبح من خطيب يتلو خطبته من ورقة مكتوبة، يضع عينيه فيها، لا ينظر إلى الناس بل يكلّمهم مُعرِضاً عنهم. وأقبح منه مَن يفعل ذلك في الرائي (أي في التلفزيون). وربما أعددت في ذهني موضوعَين أتردّد بينهما، أيهما أختار منهما. حتى إن المؤذّن بين يديّ يصل إلى «حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح» وأنا لا أزال متردّداً في اختيار الموضوع، ولكن الموضوعَين في ذهني، فإذا بدأت بأحدهما فتح الله عليّ وانطلقت أتكلّم فيه. ولم أكُن أنوي التعرّض للحفلة لأنني تكلّمت فيها وكتبت، وحسبت أني أعذرت بذلك إلى ربي. ولكني لمّا بلغت الدعاء في آخر الخطبة خطرَت على بالي الحفلة وما كان فيها، فخفت من

стр. 1715

الله أن يراني ساكتاً على إنكارها وأن أكون شيطاناً أخرس. وأنا لا أرضى لنفسي أن أكون شيطاناً ناطقاً بليغاً، أفأرضى أن أكون شيطاناً أخرس؟ وأحسست أن شيئاً قد نبض في قلبي فهزّه مثل هزّة الكهرباء وسرى في أعصابي وعروقي. وحين أحسّ بذلك أعلم أني إن تكلّمت كان كلامي لله وأن الله لا يخذلني، وقع لي ذلك عشرات من المرات، ما تخلّى الله عني في واحدة منها. أمّا حين أتكلّم للدنيا وأفكّر في نفع أناله من كلامي أو ضرر أتحاشاه، إن تكلّمت في هذه الحال لم يكن لكلامي أثر في نفوس السامعين. لمّا بلغت الدعاء قلت كلاماً صدِّقوا أنني لا أحفظه لأنني لم أُعِدّه ولم أرصفه، وإنما تكلّم به إيماني على لساني. قال السامعون لي بعد ذلك أنني قلت ما معناه أن دمشق ظئر الإسلام ومثابة الأخلاق لا ترضى بما يخالف الإسلام ولا بما يذهب بمكارم الأخلاق، كائناً مَن كان قائله أو فاعله وكانت منزلته بين الناس، وأن هذه الحفلة منكَرة وأنها حرام وأنها تنافي الإسلام، وأن كل من حضرها ورضي بها آثم، وأن الذي لا يغار على محارمه ديّوث! وخرجَت الكلمات من فمي كالرصاصات من المدفع الرشاش، ما احتمل هذا الكلام كله دقيقتين اثنتين. وشُدِهَ السامعون أوّلاً، ثم خشعوا ثم اقتنعوا واستيقظَت ضمائرهم المؤمنة، وقرأت في الصلاة آيات قالوا إنها جاءت مناسبة للمقام، لا أعرف الآن والله الذي قرأت يومئذ في الصلاة. وأقبل الناس عليّ بعدها داعين مهنّئين خائفين عليّ، فقلت

стр. 1716

لهم: إني فعلت ذلك لله، والله لا يتخلّى عمّن يعمل له. ومشَت كلمتي في الناس مشي الكهرباء، تنتقل من أقصى البلد إلى أقصاها في لحظة، فلم يُمسِ المساء حتى كانت حديث الناس. أمّا الحكومة فعلمت أنها فوجِئَت وغضبَت، ولكن لم تجد سبيلاً عليّ فأنا أتمتّع بحصانات: بحصانة القضاء، وحصانة الدين لأني أخطب خطبة الجمعة في بيت الله، ومن ورائي الأُمّة المسلمة وآلاف من الشباب يدافعون عمّن ينصر دين الله. فلم تجد الحكومة إلاّ أن تصبّ غضبها على رأس مذيعة ما لها ذنب، أظنّ أن اسمها فاطمة البديري، ولست أعرفها. لمّا سألوها قالت لهم: ماذا كنتم تريدون أن أصنع؟ هل أقطع البثّ؟ (ونسيت أن أقول لكم إن الخطبة كانت تُذاع من الإذاعة على الهواء). هل أقطع الخطبة والخطيب من رجال الدين؟ ثم إنه قاضي البلد، وماذا يقول سامعو الإذاعة؟ ثم إن الأمر كله لم يمتدّ إلاّ أقلّ من دقيقتين، لم أُفِق فيهما من دهشتي حتى أرجع إلى عقلي وأقدّر ما ينبغي عليّ أن أفعل؟ وعلى هذا الدفاع المخلص أوقعوا عليها العقاب. * * * وانقسم الناس قسمَين: أمّا أهل الدنيا وفيهم بعض الحاكمين وبعض الصحافيين فحملوا عليّ وكتبوا عني ما شاؤوا وشاء لهم هوى نفوسهم. وقد قلت لكم من قبلُ شيئاً قد لا تصدّقونه ولكنه

стр. 1717

حقّ، هو أن الجرائد في الشام تُعلَّق على جدار القصر العدلي، وأنه طالما وقع لي أن الجرائد كلها تحمل عليّ وتسبّني بالعناوين الكبيرة، وأنا أمرّ بها فلا ألتفت إليها وأدخل إلى المحكمة وأباشر عملي وأنساها كأنني ما رأيتها. وأقسم لكم لتصدّقوا أنني إلى هذه الساعة لم أدرِ ما الذي كتبوه عني. أمّا أهل الدين (وهم الكثرة الكاثرة من السوريين بحمد الله ربّ العالمين) فهم معي، حتى إن القاضي الفاضل العالم الشيخ محمد الأهدلي ﵀ كتب مقالة عنوانها: «كلنا علي الطنطاوي» ذهب فيها في تأييدي كل مذهب ممكن. ونشرَت الهيئات الإسلامية بياناً طبعت منه أكثر من مئة ألف نسخة ووزّعته في أرجاء البلاد عنوانه «بيان الهيئات الإسلامية إلى الشعب الكريم». كان ممّا قالت فيه: إن الجمعيات الإسلامية وعلماء المسلمين تُعلِن للحكومة باسم الدين، وباسم الدستور، والكثرة الساحقة من هذا الشعب الذي تُنكِر أديانه على اختلافها، وتُنكِر أعرافه وأخلاقه الفسوقَ والدعارة والتهتّك وإقامة الحفلات الراقصة المتكشّفة باسم الفنّ والذوق والرياضة، والتي غضبت من الحفلة التي أقامتها مدرسة دوحة الأدب وعُرضت فيها البنات المسلمات راقصات أمام الرجال، في شهر رمضان شهر الطاعة، ونحن في مرحلة حرب مع اليهود، ولا يُستنزَل نصر الله بمعصية الله. تعلن للحكومة أنها -قياماً بواجب الدين الذي يأمر بإنكار المنكَر، وتنفيذاً لأحكام الدستور الذي يحمي الخلق والعفاف،

стр. 1718

وذوداً عن عقائدها وأخلاقها- لا ترضى بمخالفة شرع الله وشرع العفاف، والسماح للفئة التي تتبع أهواءها وشهواتها باسم دعوى التقدمية والتجدّد أن تتحكم بأخلاقها وأعراض بناتها ومستقبل أبنائها، وتؤيّد (وأنا هنا أنقل ما هو مكتوب) فضيلة الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي في كلمة الحقّ التي أعلنها في خطبته في مسجد الجامعة وعبّر فيها عن حكم الدين، وتُنكر كل تحريف لها، وتطلب وضع حدّ لمؤازرة بعض رجال الحكومة لهؤلاء الناس وحمايتهم للحفلات الماجنة، إلخ. أما التوقيعات فهي: رئيس رابطة العلماء أبو الخير الميداني، رئيس جمعية تضامُن العلماء كامل القصّاب، رئيس جمعية الهداية الإسلامية محمد سعيد الحمزاوي، نائب رئيس رابطة العلماء مكي الكتّاني، رئيس جمعية التوجيه الإسلامي حسن حبنّكة الميداني، رئيس جمعية الأنصار أحمد كفتارو، رئيس جمعية التهذيب والتعليم هاشم الخطيب، رئيس جمعية الشعائر الدينية محمد الهاشمي، نائب رئيس الجمعية الغرّاء أحمد الدقر، المراقب العامّ للإخوان المسلمين مصطفى السباعي، رئيس جمعية التمدن الإسلامي محمد حسن الشطي ﵏ جميعاً). * * * ثم أصدرَت جمعية الهداية الإسلامية منشوراً آخر قالت فيه: لقد حذّر فضيلة الشيخ الطنطاوي (عفواً فإني أنقل ما هو مكتوب) وكثيرٌ من العلماء والجمعيات الحكومةَ من إقامة هذه الحفلة وممّا ينشأ عنها من ذيول هي في غِنى عنها وعن عواقبها. وليس الظرف

стр. 1719

بالذي يلائم التفكّك بين أفراد الشعب الواحد أو إثارة مسائل لا يرضى عنها الدين ... إلى أن قالت: وما كان الذي جرى بالأمر الذي يسكت عنه قادة الدين وعلماء المسلمين وفي طليعتهم (عفواً مرة ثانية) فضيلة قاضي دمشق الشرعي الأستاذ الطنطاوي، إلخ. ولمّا قابل وفود العلماء رئيسَ الوزراء (وأحسب أنه كان خالد بك العظم) قال لهم إنه يحترمني ويقدّرني، ولكنه أنكر لفظاً بذيئاً لا يليق بي قد استعملته هو لفظ الديّوث. فصرخ به الشيخ عبد القادر العاني (وكان جهير الصوت حديد المزاج صدّاعاً بالحقّ): "لقد كفرت وحَرُمَت عليك امرأتك إلاّ أن تجدّد إسلامك! أتقول عن لفظ استعمله رسول الله ووَرَدَ في الحديث أنه لفظ بذيء؟ " ... يريد لفظ «الديّوث» الذي ورد في حديث أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم وغيرهم، فبُهِت ولم يجد بداً من الاعتذار. ثم انتقلَت القضية إلى المجلس النيابي وأُثيرَت في جلسة ٢٦ حزيران (يونيو) ١٩٥١ (الموافق ٢٢ من شهر رمضان سنة ١٣٧٠هـ)، وكان الاستجواب موقَّعاً من نائب دمشق مصطفى السباعي ونائب دمشق محمد المبارك ونائب المعرّة حكمة الحراكي ونائب الباب عبد الوهاب سكر، رحم الله الجميع فقد مضوا إلى رحمة الله. أمّا الاستجواب فمنشور في الجريدة الرسمية في الصفحة ٢٥٩ من المجلد الصادر سنة ١٩٥١. لا أستطيع أن أورد الاستجواب كله لأنه طويل، ولكن ألخّصه فيما يأتي: يقول أولاً: هل ترى الحكومة في هذه الحفلة التي أُقيمَت في

стр. 1720

قصر آل العظم باسم معهد دوحة الأدب، وبرزَت فيها الفتيات في سنّ الثامنة عشرة والعشرين في رقصات متعدّدة أمام الجمهور، وأنشدن أناشيد الهوى والغرام بشكل مثير استُعملت فيها آيات القرآن في مواطن لا تتّفق مع جلالة القرآن وقدسيته، هل ترى الحكومة في هذا ما يتفق مع نصوص الدستور وبيانها الوزاري؟ هل ترى الحكومة أنه كان من المناسب إذاعة هذه الحفلة من محطّة الإذاعة الرسمية في شهر هو عنوان العبادة والتقوى والخضوع إلى الله، وهو شهر رمضان؟ هل ترى الحكومة أن مثل هذه الحفلات يصحّ أن يقوم بها معهد أُنشئ للتعليم والتهذيب؟ هل ترى الحكومة أنه ممّا ينسجم مع بيانها الوزاري ومع تعليمات وزارة الداخلية بمنع الاختلاط في الشوارع العامّة بين الرجال والنساء في شهر رمضان أن سُمح بالاختلاط في تلك الحفلة، حين كانت السيدات والتلميذات في أتمّ زينة وأجمل حلية؟ هل ترى الحكومة في تقديم الأستاذ الطنطاوي للقضاء احتراماً لحرّية الرأي ولحرّية المساجد، وللإسلام الذي نصّ الدستور على وجوب استمساك الدولة به وبآدابه؟ إلخ. وتكلّم في هذه الجلسة الأستاذ محمد المبارك ﵀ ورحم الجميع) فقال كلمة طيّبة جاء فيها: إن رقص السماح -أيها الإخوان- الذي يريد بعض الناس أن يفخر به قد رافق عصر الانحلال والانحطاط في الأندلس وفي بعض البلاد العربية الأخرى، أفلا يجب أن نقلّد، إذا ما أردنا أن نقلّد، عصور الحضارة والمدّ الذهبي الذي كانت فيه المرأة تجمع بين الخلق والكرامة
следующие страницы →