لهم: إني فعلت ذلك لله، والله لا يتخلّى عمّن يعمل له.
ومشَت كلمتي في الناس مشي الكهرباء، تنتقل من أقصى البلد إلى أقصاها في لحظة، فلم يُمسِ المساء حتى كانت حديث الناس.
أمّا الحكومة فعلمت أنها فوجِئَت وغضبَت، ولكن لم تجد سبيلاً عليّ فأنا أتمتّع بحصانات: بحصانة القضاء، وحصانة الدين لأني أخطب خطبة الجمعة في بيت الله، ومن ورائي الأُمّة المسلمة وآلاف من الشباب يدافعون عمّن ينصر دين الله. فلم تجد الحكومة إلاّ أن تصبّ غضبها على رأس مذيعة ما لها ذنب، أظنّ أن اسمها فاطمة البديري، ولست أعرفها.
لمّا سألوها قالت لهم: ماذا كنتم تريدون أن أصنع؟ هل أقطع البثّ؟ (ونسيت أن أقول لكم إن الخطبة كانت تُذاع من الإذاعة على الهواء). هل أقطع الخطبة والخطيب من رجال الدين؟ ثم إنه قاضي البلد، وماذا يقول سامعو الإذاعة؟ ثم إن الأمر كله لم يمتدّ إلاّ أقلّ من دقيقتين، لم أُفِق فيهما من دهشتي حتى أرجع إلى عقلي وأقدّر ما ينبغي عليّ أن أفعل؟
وعلى هذا الدفاع المخلص أوقعوا عليها العقاب.
* * *
وانقسم الناس قسمَين: أمّا أهل الدنيا وفيهم بعض الحاكمين وبعض الصحافيين فحملوا عليّ وكتبوا عني ما شاؤوا وشاء لهم هوى نفوسهم. وقد قلت لكم من قبلُ شيئاً قد لا تصدّقونه ولكنه
стр. 1717
حقّ، هو أن الجرائد في الشام تُعلَّق على جدار القصر العدلي، وأنه طالما وقع لي أن الجرائد كلها تحمل عليّ وتسبّني بالعناوين الكبيرة، وأنا أمرّ بها فلا ألتفت إليها وأدخل إلى المحكمة وأباشر عملي وأنساها كأنني ما رأيتها. وأقسم لكم لتصدّقوا أنني إلى هذه الساعة لم أدرِ ما الذي كتبوه عني.
أمّا أهل الدين (وهم الكثرة الكاثرة من السوريين بحمد الله ربّ العالمين) فهم معي، حتى إن القاضي الفاضل العالم الشيخ محمد الأهدلي ﵀ كتب مقالة عنوانها: «كلنا علي الطنطاوي» ذهب فيها في تأييدي كل مذهب ممكن. ونشرَت الهيئات الإسلامية بياناً طبعت منه أكثر من مئة ألف نسخة ووزّعته في أرجاء البلاد عنوانه «بيان الهيئات الإسلامية إلى الشعب الكريم». كان ممّا قالت فيه:
إن الجمعيات الإسلامية وعلماء المسلمين تُعلِن للحكومة باسم الدين، وباسم الدستور، والكثرة الساحقة من هذا الشعب الذي تُنكِر أديانه على اختلافها، وتُنكِر أعرافه وأخلاقه الفسوقَ والدعارة والتهتّك وإقامة الحفلات الراقصة المتكشّفة باسم الفنّ والذوق والرياضة، والتي غضبت من الحفلة التي أقامتها مدرسة دوحة الأدب وعُرضت فيها البنات المسلمات راقصات أمام الرجال، في شهر رمضان شهر الطاعة، ونحن في مرحلة حرب مع اليهود، ولا يُستنزَل نصر الله بمعصية الله.
تعلن للحكومة أنها -قياماً بواجب الدين الذي يأمر بإنكار المنكَر، وتنفيذاً لأحكام الدستور الذي يحمي الخلق والعفاف،
стр. 1718
وذوداً عن عقائدها وأخلاقها- لا ترضى بمخالفة شرع الله وشرع العفاف، والسماح للفئة التي تتبع أهواءها وشهواتها باسم دعوى التقدمية والتجدّد أن تتحكم بأخلاقها وأعراض بناتها ومستقبل أبنائها، وتؤيّد (وأنا هنا أنقل ما هو مكتوب) فضيلة الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي في كلمة الحقّ التي أعلنها في خطبته في مسجد الجامعة وعبّر فيها عن حكم الدين، وتُنكر كل تحريف لها، وتطلب وضع حدّ لمؤازرة بعض رجال الحكومة لهؤلاء الناس وحمايتهم للحفلات الماجنة، إلخ.
أما التوقيعات فهي: رئيس رابطة العلماء أبو الخير الميداني، رئيس جمعية تضامُن العلماء كامل القصّاب، رئيس جمعية الهداية الإسلامية محمد سعيد الحمزاوي، نائب رئيس رابطة العلماء مكي الكتّاني، رئيس جمعية التوجيه الإسلامي حسن حبنّكة الميداني، رئيس جمعية الأنصار أحمد كفتارو، رئيس جمعية التهذيب والتعليم هاشم الخطيب، رئيس جمعية الشعائر الدينية محمد الهاشمي، نائب رئيس الجمعية الغرّاء أحمد الدقر، المراقب العامّ للإخوان المسلمين مصطفى السباعي، رئيس جمعية التمدن الإسلامي محمد حسن الشطي ﵏ جميعاً).
* * *
ثم أصدرَت جمعية الهداية الإسلامية منشوراً آخر قالت فيه: لقد حذّر فضيلة الشيخ الطنطاوي (عفواً فإني أنقل ما هو مكتوب) وكثيرٌ من العلماء والجمعيات الحكومةَ من إقامة هذه الحفلة وممّا ينشأ عنها من ذيول هي في غِنى عنها وعن عواقبها. وليس الظرف
стр. 1719
بالذي يلائم التفكّك بين أفراد الشعب الواحد أو إثارة مسائل لا يرضى عنها الدين ... إلى أن قالت: وما كان الذي جرى بالأمر الذي يسكت عنه قادة الدين وعلماء المسلمين وفي طليعتهم (عفواً مرة ثانية) فضيلة قاضي دمشق الشرعي الأستاذ الطنطاوي، إلخ.
ولمّا قابل وفود العلماء رئيسَ الوزراء (وأحسب أنه كان خالد بك العظم) قال لهم إنه يحترمني ويقدّرني، ولكنه أنكر لفظاً بذيئاً لا يليق بي قد استعملته هو لفظ الديّوث. فصرخ به الشيخ عبد القادر العاني (وكان جهير الصوت حديد المزاج صدّاعاً بالحقّ): "لقد كفرت وحَرُمَت عليك امرأتك إلاّ أن تجدّد إسلامك! أتقول عن لفظ استعمله رسول الله ووَرَدَ في الحديث أنه لفظ بذيء؟ " ... يريد لفظ «الديّوث» الذي ورد في حديث أخرجه الإمام أحمد والنسائي والحاكم وغيرهم، فبُهِت ولم يجد بداً من الاعتذار.
ثم انتقلَت القضية إلى المجلس النيابي وأُثيرَت في جلسة ٢٦ حزيران (يونيو) ١٩٥١ (الموافق ٢٢ من شهر رمضان سنة ١٣٧٠هـ)، وكان الاستجواب موقَّعاً من نائب دمشق مصطفى السباعي ونائب دمشق محمد المبارك ونائب المعرّة حكمة الحراكي ونائب الباب عبد الوهاب سكر، رحم الله الجميع فقد مضوا إلى رحمة الله. أمّا الاستجواب فمنشور في الجريدة الرسمية في الصفحة ٢٥٩ من المجلد الصادر سنة ١٩٥١.
لا أستطيع أن أورد الاستجواب كله لأنه طويل، ولكن ألخّصه فيما يأتي:
يقول أولاً: هل ترى الحكومة في هذه الحفلة التي أُقيمَت في
стр. 1720
قصر آل العظم باسم معهد دوحة الأدب، وبرزَت فيها الفتيات في سنّ الثامنة عشرة والعشرين في رقصات متعدّدة أمام الجمهور، وأنشدن أناشيد الهوى والغرام بشكل مثير استُعملت فيها آيات القرآن في مواطن لا تتّفق مع جلالة القرآن وقدسيته، هل ترى الحكومة في هذا ما يتفق مع نصوص الدستور وبيانها الوزاري؟
هل ترى الحكومة أنه كان من المناسب إذاعة هذه الحفلة من محطّة الإذاعة الرسمية في شهر هو عنوان العبادة والتقوى والخضوع إلى الله، وهو شهر رمضان؟ هل ترى الحكومة أن مثل هذه الحفلات يصحّ أن يقوم بها معهد أُنشئ للتعليم والتهذيب؟ هل ترى الحكومة أنه ممّا ينسجم مع بيانها الوزاري ومع تعليمات وزارة الداخلية بمنع الاختلاط في الشوارع العامّة بين الرجال والنساء في شهر رمضان أن سُمح بالاختلاط في تلك الحفلة، حين كانت السيدات والتلميذات في أتمّ زينة وأجمل حلية؟
هل ترى الحكومة في تقديم الأستاذ الطنطاوي للقضاء احتراماً لحرّية الرأي ولحرّية المساجد، وللإسلام الذي نصّ الدستور على وجوب استمساك الدولة به وبآدابه؟ إلخ.
وتكلّم في هذه الجلسة الأستاذ محمد المبارك ﵀ ورحم الجميع) فقال كلمة طيّبة جاء فيها: إن رقص السماح -أيها الإخوان- الذي يريد بعض الناس أن يفخر به قد رافق عصر الانحلال والانحطاط في الأندلس وفي بعض البلاد العربية الأخرى، أفلا يجب أن نقلّد، إذا ما أردنا أن نقلّد، عصور الحضارة والمدّ الذهبي الذي كانت فيه المرأة تجمع بين الخلق والكرامة
стр. 1721
والجهاد والكفاح؟ إلخ.
ثم تكلّم رئيس المجلس فدعا النوّاب إلى إرجاء البحث في هذه القضية حتى يَرِدَ جواب الحكومة، ثم أعطى الكلمة للدكتور منير العجلاني فكان ممّا قال: سيدي الرئيس، لقد ألقيت سؤالاً على معالي وزير العدلية يتعلّق بقضية قاضي دمشق الأستاذ الطنطاوي. وليس القصد إحراج معالي الوزير، فهو شخصية محببة مهذّبة وأنا من الذين يُحِبّونه ويحترمونه، ولكنْ أردت أن نفهم من هذا السؤال الأسباب الحقيقية التي حملت الصحف على تكثيف حملة غاشمة ضدّ كاتب كبير ومناضل وطنيّ معروف (أعتذر مرة ثالثة لأنني أنقل مدح نفسي) هو فضيلة قاضي دمشق الأستاذ علي الطنطاوي. وقد كان من جملة الأشخاص الذين استمعوا إلى خطابه في المسجد أستاذ في كلّية الحقوق هو الأستاذ مصطفى الزرقا، كما استمع إليه أستاذ آخر هو الدكتور مصطفى البارودي، وقد أكّدا لي أن فضيلة القاضي لم يأتِ على ذِكر حفلة دوحة الأدب بصراحة ولا تعرّض لها بجملة مخصوصة، إلخ.
ثم ألقى الشيخ الدكتور مصطفى السباعي كلمة قال فيها: إننا نزولاً عند رغبة مقام رئاسة المجلس النيابي ودولة رئيس مجلس الوزراء نُرجئ بحث هذا الموضوع حتى يأتي جواب الحكومة، ولعلها تسعى في هذه المدّة إلى إصلاح الجوّ بما يحفظ لنا الأخلاق ويحفظ سمعتنا في البلاد العربية الشقيقة ... إلى آخر ما قال.
* * *
هذه هي القضية التي شغلت الناس والتي لم أُرِدْ من إثارتها
стр. 1722
-يعلم الله- إلاّ إنكار المنكَر، وقد حوكمتُ بعدها أمام مجلس القضاء الأعلى، عليها وعلى مقالة كنت كتبتها في نقد قانون العقوبات الذي يكاد يُبيح الزنا، وقلت عنه إنه قانون «القطاط في شباط»!
وقصة المحاكمة طويلة، وقد انتهت بالحكم عليّ بخصم عُشر راتبي شهرَين متعاقبَين!
* * *
стр. 1723
-١٣٧ -
تعليقات وهوامش
مَثَلي فيما كتبت عن ديغول وسوريا مَثَل الذي يتبوّأ كرسيه في السينما، يرى الفلم معروضاً لكن لم يشهد مراحل إعداده ولا يعرف خفايا أعمال أبطاله، ولا يدري ما حقيقة القصّة وما صَنع فيها مرتِّب المشاهد (السيناريست) ولا مؤلف الحوار.
ولكنّ هنا في المملكة من قدماء أصدقائنا ومن رفاقنا في كلّية الحقوق رجلاً كان وراء الحُجُب (الكواليس)، رأى أبطال الرواية بلا تحسين ولا تزيين ولا (ماكياج)، دنا منهم وكلّمهم، وعنده من الأخبار ما هو عند الناس سر من الأسرار. وأسرار السياسة تُفشى وتُعلَن بعد ثلاثين سنة، وقِصّتنا مع ديغول قد مضى عليها أكثر من أربعين سنة.
هذا الرجل الذي ولي رياسة وزراء سوريا ورياسة مجلسها النيابي، وكان أوّل من تجرّأ على الكلام في كسر احتكار دول الغرب للسلاح وحظر استيراده إلاّ منهم، هو الدكتور معروف الدواليبي. وأنا أقترح على الجريدة أن تبعث إليه مَن يسمع منه هذا الحديث ويكتبه، وكيف نجا على يده مفتي فلسطين الحاجّ
стр. 1724
أمين الحسيني ﵀ من براثن الحلفاء، وما صنع ممّا هو أقرب إلى الأساطير منه إلى الواقع. وإن شئتم ما هو خير من ذلك وأجدى على الجريدة وقُرّائها وأنفع للتاريخ، فاستكتبوه مذكّراته وستجدونها من أغنى الذكريات بالمعلومات.
* * *
وتعليق آخر جاءني من الأستاذ زهير الشاويش عن المقابلة التي أشرت إليها بين الأستاذ محمد كمال الخطيب ومَن كان معه، وبين الحاجّ أمين. لقد ذكّرني أن هذه المقابلة في بيت الشيخ موسى الطويل قد حضرها -على رأس المعترضين على الحاجّ أمين وفي مقدّمة مجادليه- طبيب كبير السن معروف في دوما وعند بعض المُسِنّين من أهل الشام، هو الدكتور سعيد عودة. وهو طبيب من دوما، طويل اللسان جداً جارح اللفظ جداً، لا يداري ولا يواري ولا يبالي ممّا يتعارفه الناس من أدب الخطاب، كان سيّئ الظنّ بالناس، ما يُذكَر عنده أحد إلاّ صنّفه في الـ «إنتلجنس سيرفس». وترجمتها اللفظية «مصلحة الذكاء»، ومعناها المعروف «الاستخبارات»، أي التجسّس للإنكليز ولغيرهم من أعداء العرب والإسلام. وزاد على ذلك فأعطاه رقماً في هذه المصلحة.
وكان من شأنه أنه إذا حضر مجلساً لم يدَعْ لأحد مجالاً للكلام، يبدأ فلا ينتهي حتى ينتهي المجلس. وكان صديقنا بل أستاذنا الدكتور حمدي الخيّاط جاراً لنا في الدار، وكان له مجلس مفتوح للناس يوم الجمعة، وكان إذا حضر الدكتور سعيد ثَقُل المجلس ووقف الحديث. ولقد اصطدمت به مرات وأسمعته كلاماً
стр. 1725
من جنس ما يخاطب به الناس. وأنا إذا شئت أقدَرُ عليه منه لأنني أحفظ ثلاثة أرباع أهاجي العرب، ولكن حيائي منه لسِنّه وخوفي أن أسيء إلى الرجل الكريم صاحب الدار جعلني أكفّ عنه.
لقد خبّرني الأستاذ زهير وكان حاضراً هذا المجلس مع الشيخ عبد القادر العاني، وهو رجل صريح غاية الصراحة ولكنه مخلص إلى أقصى درجات الإخلاص، يعمل لله، جهير الصوت شديد الهجوم، ولكنه صافي القلب محب للحق، فإذا نُبّه انتبه ورجع إلى الصواب. والأستاذ زهير بالنسبة لهؤلاء صغير السنّ ولكنه واسع الاطلاع؛ لمّا نسيت اسم الطيار التركي الذي كان من السابقين إلى الطيران في الشرق وسقطَت طيارته ودُفن في صحن مقبرة صلاح الدين الأيوبي ذكّرني هو به مع أن القصّة كانت قبل أن يُولد بزمان. ذلك أنه يضمّ إلى ما رآه ما سمعه، ويستودع ما سمع ذاكرة قوية يؤيّدها -كما يبدو- بمذكّرات يكتبها.
وقد وصف لي الاجتماع مع الحاجّ أمين في بيت الشيخ موسى الذي كنت السبب في عقده ولم أحضره، وصف مجلس الدكتور سعيد ومجلس الحاجّ أمين فقال: جلس الدكتور سعيد عودة على كرسي خيزران مرتفع، ورفع رجله قبالة وجه الحاجّ أمين الذي كان يجلس على أريكة ليّنة أقرب إلى الأرض من كرسي الخيزران ...
إلى أن قال: وأنا اليوم وقد انتقل الحاجّ أمين والدكتور سعيد عودة إلى رحمة الله، وزادت معرفتي وكَثُر اطّلاعي وتجمّعَت لديّ وثائق خطّية وشهادات صحيحة تلقّيتها مباشرة من أصحابها، أنا
стр. 1726
بعد هذا أشهد أن سعيد عودة عرف شيئاً وغابت عنه أشياء. ويقول (وأنا أنقل ما يقول): إن ممّا غاب عنه خوف الله في إطالة لسانه على عباد الله، وأشهد أنه كان ظالماً. ويقول إن الفكرة التي كانت سائدة عند مجادلي الحاجّ أمين هي أن الوكالة اليهودية أنشأت دولة والهيئةَ العربية العليا أضاعت شعب فلسطين وأخرجَته من بلده. وأن هذه النقطة كانت موضع قناعة أكثر الحاضرين ومنهم -على ما أظن- الدكتور أحمد حمدي الخياط والأستاذ أحمد محمد كمال الخطيب والأستاذ مظهر العظمة والأستاذ عصام العطار والشيخ عبد القادر العاني (وأزيد أنا أنني كنت أيضاً أقول بهذا وأؤمن به إلى حدّ ما)، وبيّن أن الاجتماع استمرّ أكثر من ستّ ساعات، وأنه عُقد في اليوم التالي في جلسة مثلها، وأن الحاجّ أمين ردّ على هذه النقطة بأن الوكالة اليهودية تأوي إلى ركن ركين وحصن حصين، يؤيّدها العالَم الغربي والشرقي ومن نعرف ومن لا نعرف، واستشهد ببيت المتنبّي:
وسوى الرومِ خلْفَ ظهرِكَ رومٌ ... فعلى أيّ جانبَيكَ تميلُ؟
واليوم وقد رأينا دول العرب وحُكّامها بعد خمسين سنة من الدعاوى العريضة لم تستطع أن تصنع شيئاً، كَبُرَ في نفسي الحاجّ أمين.
وزاد تعلّقي به لمّا تجاورنا في لبنان سنوات توثّقَت فيها صلتي به واستفادتي منه، وقد أطلعني على الكثير جداً من الوثائق، وبعضها ممّا كان أثاره الدكتور سعيد عودة عن قضايا مالية. وأنا أرجو (يقول الأستاذ زهير) أن أتمكّن يوماً من الأيام من نشر
стр. 1727
ماعندي من تلك الوثائق، فإن فيها الكثير من الحقائق التي تضع الأمر في نصابه، وترفع رؤوساً طالما حاول أعداؤها خفضها وتَخفض رؤوساً يحاول أصحابها التفاخر والتطاول بها بغير حقّ.
* * *
هذا الذي كتب إليّ به الأستاذ زهير الشاويش.
إن أخبار رجال العصر أكثرها لم يُدوَّن، ولا يزال في صدور أصدقائهم أو في وثائق خاصّة عند مُحِبّيهم والمقربين منهم. فيا ليت بعض من يُعِدّ رسائل الدكتوراة أو الماجستير ويريد أن يكتب عن الرجل الذي كان له المكان الظاهر في قضية فلسطين والذي عاش حياة حافلة بالأحداث، الحاجّ أمين الحسيني، يجمع فيما يجمع من أخباره ما عند الدكتور معروف الدواليبي وما عند الأستاذ زهير الشاويش.
وبمناسبة الكلام عن الوثائق: لقد طالما قلت إنني أعرف أن عند خالي محبّ الدين الخطيب الوثائق الأصلية للحركة العربية التي قامت رداً على ما ذهب إليه غُلاة الأتراك من الاتحاديين وغيرهم من قبلهم، قبل أن تصير إلى هذه القومية المعروفة. عنده رسائل رجالها، عنده ضبوط جلساتها، وكل ذلك بخطوط أصحابها وتوقيعاتهم. ويا ليت إحدى الجامعات أو الهيئات التي تهتم بتدوين تاريخ العرب الحديث تشتريها أو تأخذ صوراً عنها لئلاّ يضيع شيء منها.
* * *
стр. 1728
وتعليق آخر ما كنت أحسب أني سأُضطَرّ يوماً إليه وإلى أن أثبت معرفتي بأدب الأستاذ إسعاف النشاشيبي وعلمه وتذوّقه الشعر. وقد صحبته مدّة طويلة في مصر لمّا كان وكنت أقيم فيها، وحينما كان يزورنا في دمشق. فلما تسلّمت الإشراف على تحرير «الرسالة» (تقريباً) سنة ١٩٤٧ كنت في كثير من أيام تلك السنة أذهب مع الزيات ﵀ دائماً وسعيد الأفغاني أحياناً فنسهر عنده حيث ينزل في فندق الكونتنينتال في ميدان الأوبرا. وكنت بحكم عملي في المجلّة أرى ما يكتب قبل نشره، أعرفه من خطه إن كان مكتوباً بخطه ومن أسلوبه إن استكتبه غيره، لأن العطر الزكيّ -ولو خبّأته في ثنايا ثوبك- أريجُه يدلّ عليه ويرشد إليه. كان ينشر تارة باسمه وتارة باسم «السهمي» (لأن النشاشيبي نسبة إلى «النشاب» وهو السهم)، وتارة بحرف نون، وأحياناً يكون الإمضاء «أزهريّ المنصورة»، وربما أغفل الاسم ووضع في مكانه نقطاً متجاورة.
وأعجب منه أشدّ العجب حين يستشهد على صحّة كلمة بعبارة وردت خلال كتاب أو رسالة لبعض البلغاء: كيف وصل إليها؟ وكيف جمعها وما أخذها من مُعجَم مرتب على الحروف؟ أكان قد وضعها بيده فاستخرجها حين أرادها؟ ولو أنه وضعها بيده فلربما نسي مكانها. أم كان يفهرس كتبه كلها؟ وأنا أعلم أنه لمّا كان في مصر لم تكن مكتبته معه بل كانت في فلسطين. أم كان يستوعب ذلك كله في ذهنه؟ لعلّ عند الأستاذ أكرم زعيتر الجواب أو بعض الجواب.
وإذا كان الأستاذ ناصر الدين النشاشيبي يجمعه بالأستاذ
стр. 1729
إسعاف النسَب فإن الذي يجمعنا به (الأستاذ أكرم وأنا) هو الأدب، وقد عجبت من الذي أنكر عليّ قولي أنه لم يستطع أن يَنظم قصيدة في رثاء شوقي فجاء بالتي سَمّاها «ذات القوافي والبحور» وفتح بها من حيث لا يريد باب فنّ جديد هو شعر التفعيلة. ما الذي أنكره وأكبره في هذا المقال؟ هل يعرف للنشاشيبي قصيدة زاحمت في ميدان البلاغة قصائد شوقي وحافظ ومحمد عبد المطلب وأحمد محرّم؟ هل ادّعى هو أنه شاعر، أو ادّعى ذلك أحدٌ من إخوانه ومُحِبّيه؟ وأنا من مُحِبّي أدبه ومقدّريه. وماذا يضيره مع هذا الإطلاع الواسع على أدب العرب، والفهم العميق لكلام العرب، والمحبّة الصادقة للسان العرب، ما الذي يضيره بعد ذلك كله ألاّ يكون شاعراً؟
أمّا عجبي وعجب من معي لمّا كلّمناه أول مرة فما كان ذلك لأنه يتكلم الفصحى، بل لأن له في كلامه وإشاراته أسلوباً يعجب منه مَن لم يكن يعرفه. أنا أعلم أنه كان بليغ القول وكان لا ينطق بالعامّية، وكان يلتزم حتى في الكلام العادي النمط العالي من بلاغة القول، ولكنه كان يُبهِم أحياناً فلا يفهم عنه إلاّ من عرفه. من ذلك أن قاضياً في الشام اسمه محمد نور الله، من أسرة هذا اسمها معروفة على الساحل السوري، كتب إليه مرة في شأن من الشؤون فجاء الردّ في برقية ما فيها إلاّ هذه الجملة: «محمد نور الله ما شاء الله».
فما فهم المراد منها. فقلت له: أنا أفسّرها لك. وتصوّرت الأستاذ ينطق بها أمامي، وذكرت حُبّه محمداً وتعظيمه إياه تعظيماً يكاد يجاوز به الحدّ المشروع، فقلت له: ما هكذا تُقرَأ. قال:
стр. 1730
فكيف إذن؟ فقلت له (وقلدت لهجة الأستاذ): محمد، نور الله؟ ما شاء الله!
وكان يكلّم العامّة بما تكلَّم به الخاصّة، وكان ذلك ممّا أخذه أدباؤنا على بعض المتقدّمين. دعانا مرات إلى الغداء معه في فندقه الكبير الذي كان ينزل فيه فأحببنا (أنا وأنور العطار) أن نردّ إليه الدعوة، فأبى علينا وكاد يغضب منّا، كما يغضب إن لم نُجِب دعوته. فلما ألححنا عليه خفّف عنّا فرضي أن نغديه لحماً مشوياً. وكان قد أنشئ مقهى جديد في طرف دمشق في أول شارع يُدعى شارع بغداد فأخذناه إليه.
قال للجزار بلهجته المعروفة: جنّبني الدهن، جنّبني الدهن. فلما جاء اللحم وجدناه غارقاً في الدهن يسبح فيه. فقلت له: لماذا خالفت ما طلب الأستاذ وقد أمرك أن تجنّبه الدهن؟ فقال: لا ياسيدي، قال لي: "جِبْلي الدهن"! ذلك لأنه كان يخاطب صبيّ الجزار بمثل ما يخاطب به عضو المجمع العلمي.
أما كتابه «الإسلام الصحيح» فالذي كنت كتبته عنه (والذي يهمّني الآن منه وقد سمعت أنه أُعيدَ طبعه) أن أقول إن فيه أشياء ليست من الإسلام الصحيح. وهذا أمر ليس من اختصاص الأستاذ إسعاف على علوّ قدره في الأدب، ولا الأستاذ ناصر الدين على منزلته في الصحافة، بل إن المرجع فيه -كما يكون المرجع في كل علم من العلوم- إلى أصحابه وثقات أربابه.
فالذي يملك أن يحكم عليه: هل هو موافق للدين أو مخالف له؟ هم علماء الدين. ولم أقُل رجال الدين لأنه ليس عندنا في
стр. 1731
الإسلام رجال دين (أي إكليروس)، وإنما عندنا علماء وجهلاء، كما أن في كلّ علم من العلوم وكل صنعة من الصناعات قوماً لهم معرفة بها وقوماً بعيدين عنها قد شُغلوا عنها بغيرها.
أمّا الأستاذ عادل الصلاحي فأشكر حبّه إياي وخوفه عليّ ودفاعه عني، وأقول له على ذلك كلّه: إنني لست الذي:
نَسَماتُ الرّبيعِ تجرحُ خدّيْـ ... ـهِ ولَمْسُ الحريرِ يُدمي بَنانَهْ
ولا أنا إناء ثمين من البلّور الرقيق تكسره وقعة من علوّ ذراع، بل أنا قطعة من الفولاذ المتين الذي يسقط من المنارة العالية ويبقى سالماً. فلا تخَفْ عليّ أن تهدمني مقالة مهما كانت. على أنني شكرت الأستاذ ناصر الدين وإن كان قد أسرف، وشكرت الأستاذ حسن الكرمي الذي أنصف.
وأنا لم ألقَ الأستاذ حسن الكرمي، ولكنّ أخاه عبد الكريم ﵀ كان معنا وأخاه عبد الغني كان سابقاً لنا. وأحسب أن الأستاذ حسن كان في المدرسة (مكتب عنبر) متقدّماً علينا، فهو إذن أكبر مني سِناً. فإن كان هذا يسوؤه فلا تخبروه به، فإن من إخواننا من يكره أن يصرّح بعمره. والعرب تقول: «إنما يأسى على العمرِ النّساء»، فما بال بعض الرجال يكرهون أن يُقال إنهم صاروا شيوخاً؟
أمّا ما كتبه عن ذكرياتي الأستاذ أكرم زعيتر، فما أملك إلاّ أن أُطرِق معه خجلاً وأن أقول له (صادقاً): شكراً. فلئن كانت كلمته كريمة فلا عجب فإنه هو الأكرم.
* * *
стр. 1732
وإنني أشرع الآن بالكلام على رحلة المشرق:
يقولون إن الإنسان حيوان اجتماعي، فهل هذا القول باطل أم أني لست بإنسان؟ أم أن الله خلقني وحدي دون بني آدم متوحّشاً أخاف المجتمعات التي لم آلفها وأخشاها أن أغشاها؟ وإلاّ فما لي كلّما دعتني الدواعي إلى لقاءِ مَن لم تَزِدْ بيني وبينه الألفة حتى ترتفع بازديادها الكلفة أفرّ من هذا اللقاء، أو أُرجِئه ما استطعت الإرجاء؟
أفليس هذا عجيباً؟ أوَليس أعجب منه أني إذا ضمّني المجلس وصرت فيه تبيّنت أن عندي من المعلومات والمحفوظات والطرائف واللطائف، ما يوجّه إليّ الأبصار ويُميل الأسماع؟
ويقولون إن لكل جديد لذّة، ولكنني لا أذكر أنني مرّ عليّ عيد وأنا صغير وجاؤوني بثوب العيد الجديد إلاّ لبسته مُكرَهاً باكياً. ولا انتقلت من دار إلى دار ولا من بلد إلى بلد، ولا تحولت من عمل إلى عمل، إلاّ أسيت على فراق ما تركت ورائي وخشيت ما سألقاه أمامي. فهل كان المتنبّي ينطق بلساني حين قال:
خُلِقتُ أَلوفاً لو رَجعتُ إلى الصِّبا ... لَفارقتُ شَيْبي مُوجَعَ القلبِ باكِيا
إن لي الآن بنات ثلاثاً في جدّة وثلاث حفيدات، والبيوت الستّة مفتّحة لي ومَن فيها يستحبّون لقائي ويرحّبون بمجيئي، وأنا أتهيّب أن أسافر من مكّة إلى جدّة وبينهما على الطريق الجديد العظيم أربعون دقيقة أو أقلّ من أربعين. فكيف إذن سافرت إلى
стр. 1733
أقصى المشرق؟ بل كيف رضيت أن أحضر المؤتمر وفيه رجال من كلّ البلاد؟
إني لأفكّر في ذلك الآن فأعجب والله منه، وأعجب كيف رحلت قبل ذلك رحلة الحجاز التي حدّثتكم حديثها، والتي كانت سياراتُنا فيها أولَ سيارات دارت عجلاتها على ثراها من يوم خلقها الله وبراها.
إن الذي استطاع أن يضمّني إلى رجال الرحلة الأولى هو الشيخ ياسين الروّاف ﵀، والذي جرّني إلى الثانية هو الشيخ محمد محمود الصواف شفاه الله (١).
إن صندوق الحديد في المصرف يوزن بالقناطير ولا يستطيع أن يحمله بعير، ولا تحطّمه المطارق ولا تحرقه النار، ولكنه -على هذا الوقْر كله وهذه المنَعة كلها- يفتحه مفتاح صغير بمقدار عقدة الإصبع، وربما فتحَت بابَه كلمة، كلمة سرّ رُكّبت حروفها بحيث يُغلَق الصندوق بها ويُفتح عليها.
ذلك هو مفتاح شخصية الرجل. فمن الناس من تدخل إلى قلبه بإخافته منك بقوّتك، ومنهم من تصل إليه بإثارة شفقته عليك لضعفك ورقّتك، أو بإطرائه حتى يشلّ الإطراء أعضاءه ويخدّر جسده، أو بإطماعه حتى ينزل لك عن الكثير أملاً بما هو أكثر ... ومفاتيح أخرى لا أستطيع إحصاءها. وليس حتماً أن يكون
стр. 1734
للشخصية مفتاح واحد، بل قد يحتاج معرفة ما في باطنها إلى سلسلة مربوط فيها عدد من المفاتيح.
فمَن أعلمَ الشيخ الصواف بمفتاح شخصيتي حتى استطاع أن يبلغ مني ما لم يبلغه إلاّ قليل من الإخوان والخلاّن؟
إن الحديث عن هذا المؤتمر لا بدّ فيه من الكلام عن الشيخ الصواف والشيخ أمجد، وهما اللذان دَعَوَا إليه وجمعا من المال ما أنفقنا منه عليه. وسأشرع إن شاء الله من الحلقة المقبِلة بتدارُك ما يمكن تدارُكه ممّا بقي في ذهني من أخبار هذه الرحلة (١).
* * *
стр. 1735
-١٣٨ -
مؤتمر القدس الإسلامي
كان قبل هذا المؤتمر مؤتمرات، أعرف أنّ من أقدمها مؤتمر باريس الذي عُقد لمواجهة ما سُمّي «تتريك العناصر العثمانية»، وقد أخرج عنه خالي محبّ الدين الخطيب كتاباً صغيراً. ومؤتمر القدس الأول سنة ١٣٥٠، وكان رئيسه المفتي الحاجّ أمين الحسيني، ونُوّابه: محمد إقبال شاعر الإسلام، ومحمد علي علوبة الوزير المصري، وضياء الدين الطبطبائي من إيران، ومحمد زيارة الوزير اليماني. وكان في لجنة الأمانة العامّة (السكرتارية) الأساتذة: عزة دروزة وعبد القادر المظفّر وشكري القوّتلي ورياض الصلح وأحمد حلمي باشا.
ثم عُقد مؤتمر العالَم الإسلامي في كراتشي الذي كان فيه الدكتور معروف الدواليبي، وبعده بنحو عشر سنين كان هذا المؤتمر الذي جئت أتكلّم عنه.
لو أردنا تقويم (ولا تقُل تقييم) هذه المؤتمرات لوجدنا فيها خيراً كثيراً، لا شكّ في ذلك أبداً، وفيها أمور كنت أتمنّى ألاّ تكون. أوّلها حُبّ الكلام، فنحن أمة البلاغة وشعب البيان،
стр. 1736
ولكنها ما سُمِّيت بلاغة إلاّ لأنها تبلغ بنا الغاية التي نريد وتوصلنا إلى المقصود، فإن لم تكن لنا غاية معروفة كان الكلام لمجرّد الكلام.
ولا بُدّ من الكلام على أن يكون بعده عمل، فكلام الطبيب سبب للشفاء، ولكن إن لم يُعمَل به فلم يشترِ المريض الدواء ولم يأخذه في مواعيده لم يكن لكلام الطبيب نفع. والثانية أن هذه المؤتمرات فيها رجال كبار من أكثر أقطار الإسلام، ولكن لم يُختاروا اختياراً من أهل هذه الأقطار ولم يوكلوا الكلام عنها ولا يلزمها الذي يقولونه بلسانها.
والثالثة أن أيام المؤتمر تنقضي ويعود كل من حضره إلى بيته وينغمس في دنياه مقبلاً على عمله، وتصير أيام المؤتمر عنده كما صارت عندي الآن: ذكرى من الذكريات. ولكن يبقى المكتب الذي انتُخب فيه واللجنة التي انبثقت عنه، تتكلّم باسمه وتتخذ له مقراً تشتريه أو تستأجره وتضع على بابه لوحة كبيرة تدلّ عليه وتشير إليه، ويحضر رجال هذه اللجنة المؤتمرات والمجتمَعات باسمه، وربما فُرض لهم أو لبعضهم مرتّب دائم من المال الذي جُمع لإقامته، وربما اتخذه بعضهم سُلّماً إلى نيل رغائب الدنيا ومنافعها.
الفلاّح يملك بستانه وما فيه من شجر وما لهذا الشجر من ثمر، وهؤلاء الأعضاء لم يشتروا البستان ولا زرعوا شجره ولا ملكوها، ولكنهم دُعوا فاستظلّوا بظلّها وأكلوا من ثمرها، ولبثوا يأكلون ويبيعون بعد أن زال الشجر والبستان ولم يبقَ لشيء منه وجود.
стр. 1737
وعندي شيء أُحِبّ أن أشير إليه هنا إشارة، وإذا كتبت في «المسلمون» الجديدة التي تصدر إن شاء الله بعد أيام فصّلت القول فيه تفصيلاً. شيء كنت أهمس به همساً في آذان إخواني الأدنَين، ثم تكلّمت به في المجالس، ثم عرضت إليه في خُطَبي ومحاضراتي، وأنا أجهر به اليوم لعلّ الله يحقّقه إن كان فيه نفع للمسلمين: هو أننا لا ينقصنا في الدعاة فكر ولا علم ولا لسان، ولكن الذي ينقصنا خطة واحدة نسير كلنا عليها وطريق واضح نمشي كلنا فيه، نعرف من أين نبدأ وإلى أين ننتهي فلا نشتغل بالأمور المختلَف عليها قبل المتفَق عليها، ولا يضع أحدٌ دعوتَه أو حزبيته أو قانون جماعته التي ينتسب إليها، ولا صوفيتَه مثلاً ولا مذهبَه أساساً للدعوة الإسلامية، يصبغها بذلك حتى تصير معرض ألوان. ولا يبدأ بالفروع قبل الأصول، ولا يفرض ما يراه في المسائل الاجتهادية على من يرى غير رأيه.
ولست أقلّد اليهود، ولكن علينا أن نُعِدّ للعدوّ ما استطعنا من قوّة. ومن أقوى القوّة خُطَط العمل. فإذا كانوا قد وضعوا مخططات حكماء صهيون ورسموا فيها طريقهم إلى عشرين أو ثلاثين أو أربعين سنة، يهتدون فيها بعقولهم الفاسدة ووحي شيطانهم، فلماذا لا نضع خُطَط «حكماء حراء» مثلاً، نرسمها للسنين المُقبِلات، نستهدي فيها بهدي القرآن ونسير على ضوء وحي الرحمن؟
هذا هو الشيء الذي أريد أن أقوله.
* * *
стр. 1738
لقد ضمّ مؤتمرُنا جماعةً من صفوة العلماء والمفكّرين القادرين على هذا العمل، كالأستاذ علاّل الفاسي من المغرب، والأستاذ البشير الإبراهيمي، والأستاذ الشهيد السعيد سيد قطب، والأستاذ الشيخ أمجد الزهاوي، والأستاذ عبد المنعم خلاّف، والأستاذ الصوّاف، والأستاذ السبسبي، والأستاذ عبد الحميد السائح، والأستاذ عبد الله غوشة، والأستاذ عارف العارف، وأمثالهم ممن ضمّ مؤتمرنا هذا.
وهؤلاء وغيرهم ممن نسيت أن أذكر أسماءهم هم من صفوة العلماء والمفكّرين، وقد ضمّت المؤتمرات من قبله ناساً هم في الفكر والعلم في الذروة والسنام. على أن يكون عملهم سراً لا علناً، وأن يكون مدروساً لا مرتجَلاً.
وأمر آخر لم أفهمه إلى الآن، ولعلّ في القُرّاء من يُفهِمُنيه؛ هو أنه إذا كانت هذه المؤتمرات تسعى إلى غاية واحدة وتصدر عن بداية واحدة، فلماذا لا تمشي معاً؟ لماذا تتعدّد وأولى بها أن تتوحد، وديننا دين التوحيد الذي يدعونا إلى الوحدة؟ إذا تعدّدَت لاختلاف أوقات عقدها فلماذا لا تتوحّد الآن اللجان التي انبثقَت عنها فيكون منها لجنة واحدة، لعلّ مِن أظهر فوائدها لقاء الرجال، ولا يكون من لقائهم إلاّ خير ونفع وتعاون على البِرّ والتقوى، واحتكاك الآراء، ولا يكون من احتكاكها إلاّ شرارة تنطلق فتحرّك مصنعاً وتسيّر قطاراً. وربما أسأنا استعمالها فإذا هي تحرق ولا تحرك، وإذا هي تدمر ولا تسيّر.
وهذا كله يحصل، بل يحصل أضعاف أضعافه في مِنى
стр. 1739
بعد قضاء المناسك وأداء الفروض والواجبات لو كنّا نحجّ حجاً كاملاً. وما يكون في مِنى لا يكون مثله في عشرات من هذه المؤتمرات.
* * *
وسترون أننا جمعنا في هذه الرحلة لفلسطين أموالاً طائلة ما تسلّمْنا بأيدينا قرشاً واحداً منها، بل دللنا المتبرعين على مَن سَمّوه الأمين العامّ للمؤتمر، وهو الأستاذ سعيد رمضان (المصري لا البوطي) فأرسلوه إليه. وما تسلّمتُ من المال إلاّ بمقدار ما أدفع منه أجور السفر والفنادق والنفقات التي لا بُدّ منها ولا غِنى عنها، فلما عُدت قدّمت إليهم حساباً عنها كلها مربوطاً به وثائقها.
ولكن ما أرسل الأستاذ سعيد رمضان حساباً ولم أعرف كيف أنفق المال ولا أين ذهب. فلما كانت الدورة الثانية للمؤتمر في دمشق أصررت على أن يُطلع المؤتمرين على حسابها، وقلت إنني لا أتهمه ولا يحقّ لي أن أتهم أحداً، ولكن أطالب بما يطلبه الدين وتطلبه الأمانة وما هو الحقّ. فلما لم يستجيبوا لي قاطعت المؤتمر فلم أحضره. وقد بلغني أن واحداً من الأساتذة المعروفين من الإخوان المسلمين من حلب قام فيهم خطيباً، فنال منهم موافقة على بياض على حساب لم يقدَّم ولم يطّلع عليه أحد.
أعفوَه من تقديم الحساب، ولكن بقي الحساب الأكبر يوم العرض على الله؛ هنالك ينكشف الغطاء، فمَن أكل قرشاً من مال الله أو وضعه في غير موضعه، أو ستر على هذا الأكل وإن لم يشاركه الأكل، كان شريكه في الإثم ... هنالك ينال كلٌّ ما يستحقّ.
стр. 1740
وليس الصلاح بتجميل ظاهر الحال ولا بتحسين المقال، بل إن المقياس المعاملة. وعُمَر لمّا جاء رجل يزكّي عنده رجلاً سأله: هل عاملته؟ هل سافرت معه؟ فلما قال لا، ردّ شهادته ولم يسمع كلامه.
وأنا تعوّدت أن أبتعد عن مواطن التهم، لذلك أحذر الدخول في قضية فيها مال. ولمّا كان العمل لدفع الصهيونيين عن فلسطين وأقبل الشباب على التطوع والأغنياء على التبرع، وجمع هنا في المملكة أبناء كلّ بلد عربي ما يساعد متطوّعيه على الجهاد، عرض أحد كبار المحسنين المعروفين مبلغاً ضخماً جداً على أن يكون صكّ قبضه (الشيك) باسمي أنا فأبيت، فلامني إخواني وقالوا: تحرم مجاهدي بلدك من هذا المال؟ قلت: إن هذا المال سيُسجَّل على أنني استلمته، فمن أين أُقنع الناس أنني قد وضعته في مواضعه وسلّمته لمن رُصِد له؟ رحم الله امرءاً جبّ الغيبة عن نفسه ودفع قالة السوء عنها.
لذلك لا أتسلّم مالاً بيدي ولا أشارك بجمعه إلاّ إن وثقت بمن يتسلّمه، ولا أمشي في طريق أرى أوّله ولا أعرف آخره.
هذه مقدّمة ما كان من حاجة إليها، ولكن الأدب هو البثّ، والأديب كالمرأة الحامل، لا يزال يثقل عليها حملها حتى ولادتها، والأديب لا يستريح حتى يُلقي إلى القُرّاء وِقْر الفكرة فيشاركوه في حملها. أمّا إن كان أحسنَ في هذا أو أساء فأمرٌ قلّما يهتمّ بمثله الأدباء.
* * *
стр. 1741
في ربيع الأول سنة ١٣٧٣ تلقّيت كتاباً من جمعية إنقاذ فلسطين في العراق بإمضاء أمجد الزهاوي ومن مكتب الإسراء والمعراج بإمضاء محمد محمود الصواف، جاء فيه أنهما -أداء للأمانة وإيفاء بالعهد وإبراء للذمّة- يُبلِغان المسلمين كافّة أن بيت المقدس، مهبط الأنبياء والمرسَلين والقِبلة الأولى للمسلمين، مُعرّض لأذى اليهود الذين هاموا بتخريب ما وصل إلى أيديهم من مساجد المسلمين ومعابدهم، وتعمّدوا تدنيسها واتخاذ بعضها دوراً للبغاء. ورغم الهدنة فإن اعتداءاتهم المسلحة على المسلمين متكرّرة ومتوالية دون رادع، وفوق ذلك فإنهم يتطلّعون الآن إلى بيت المقدس، حيث المسجد الأقصى، للاستيلاء عليه وإعلان قيام إسرائيل مملكة حقيقية فيه وتشيِيد هيكل سليمان على أنقاض المسجد. إن تخاذل المسلمين في هذا الأمر وتقاعسهم عن أداء واجبهم في الدفاع عن مقدساتهم معناه إعلان فشلهم في الدفاع عن كرامتهم، إلخ.
وفي الكتاب دعوة لمؤتمر يُعقَد في القدس، يكون موعد انعقاده في اليوم السابع والعشرين من شهر ربيع الأول سنة ١٣٧٣، الموافق للثالث من الشهر الأخير من سنة ١٩٥٣.
وأنا وعدت أن أقول لكم -إكمالاً لهذه الذكريات- كيف عرفت الشيخ الزهاوي والأستاذ الصواف.
قال الشاعر الأول:
إذا همّ ألقى بينَ عينَيهِ عزمَهُ ... ونكّبَ عن ذكرِ العواقبِ جانبا
أو لعلّي حرّفت البيت أو صحّفته، فما أعني الآن رواية نصّه
стр. 1742
بل الكلام على معناه. لقد أراد الشاعر ثناء ومدحاً، فكان هجاء وقدحاً. وهل أسوأ من أن يُقدِم المرء على أمر بلا نظر إلى مناقبه ومعايبه ولا فِكر في عواقبه؟ ولكنه -على ذلك- وصف لي أنا! إن أكثر ما فعلته في حياتي كان بقرار مفاجئ؛ أُقدِم على الأمر بلا تفكير ظاهر، وإن كانت الفكرة تدخل في عقلي الباطن كما تدخل المعلومات في المِحساب (الكمبيوتر) فيشتغل بها وصاحبها منصرف عنها حتى يعطي جوابها. من ذلك أنني كنت سنة ١٩٢٩ في مصر أدرس في دار العلوم وأحرّر في «الزهراء» وأكتب في «الزهراء» و «الفتح»، وكانت الزهراء من المجلاّت الأدبية الأولى في مصر، وكانت الفتح المجلّة الإسلامية الوحيدة التي تشبه الجريدة اليومية في ذيوعها وانتشارها.
وكنت أشارك في عمل المطبعة السلفية. كان طريقي واضحاً وغايتي من سيري ظاهرة، هي أن أُتِمّ الدراسة في دار العلوم وأقيم في مصر وأستمرّ في مثل عمل خالي. فخطر على بالي يوماً بلدي دمشق، وهاجني الشوق إليها وإلى أمي وإخوتي وأهلي وأصحابي فيها، واسودّت الدنيا في مصر في عيني كأني منها في ليل مظلم، وكأن صورة دمشق هي النجم الذي يلمع لي من بعيد. فتركت دار العلوم، وفارقت خالي على كُره منه وعلى دهشة مِمّن حولي، وكان جواز سفري حاضراً فركبت القطار من محطّة باب الحديد في المساء فأصبحت في حيفا.
ومن فرحي بالعودة لم أنَم. وكيف أنام وأنا مسافر في الدرجة الثالثة ... لأنه ليس في القطار درجة رابعة أرخص منها؟ أمضيت ليلى على مقاعد من الخشب لا يطمئنّ إليها الجنب ولا يستريح
стр. 1743
عليها الجسد، فلما بلغت حيفا ركبت السيارة وصعدت إلى رأس الناقورة (حيث تُعقَد الآن جلسات المفاوضات بين الحرامي وصاحب الدار)، ومنها إلى دمشق.
ولم أعُد إلى مصر إلاّ بعد ستة عشر عاماً، عُدت أزورها سنة ١٩٤٥. أفليس عجيباً أنني جئت أتحدّث عن هذه السفرة إلى مصر بعد أربعين سنة كاملة؟ أوَليس أعجب منه أنني أذكر هذا كله استطراداً خرجت به عن موضوع الكلام عن المؤتمر؟ إنه داء الاستطراد الذي ابتُليت به وآذيت به القُرّاء، وهم كرام فليحتملوه مني وليقبلوني عليه.
لم أكُن أريد السفر يومئذ (أي سنة ١٩٤٥) إلى مصر ولا أفكّر فيه، وإن كنت أتمنّاه وأحنّ إليه، فإذا بشباب يتحدّثون بأمر السفر إلى مصر، فسألتهم: ما القصّة؟ قالوا إنهم ذاهبون إليها مع الشيخ محمد الحامد. فقلت: أتأخذونني معكم؟ فظهر السرور عليهم وعلا البشر وجوههم، وخبّروه فرحّب بي كما رحّبوا أجمل ترحيب.
كذلك كانت بداية هذه السفرة. وليس الذي قلته رؤيا منام ولا أضغاث أحلام، ولكنها لوحة محا النسيان أكثر أجزائها، فلم يبقَ منها إلاّ ما يبقى من حلم النائم الذي إذا سمع قصّته السامع قال: خير إن شاء الله!
عرضت عليهم الصحبة لأني طول عمري أعجز عن أن أشتري أو أن أبيع أو أن أستقلّ بأمر من أمور الدنيا وحدي، كأن ما أعطاني الله من عقل ومن ذكاء ومن قوة ومن مضاء انصبّ كله على الكتاب
стр. 1744
وانحصر بالفكر والعلم وانصرف إلى الأدب، ولأن الشيخ محمد الحامد (رحمة الله عليه) صديق أُحِبّه، وإن كنت أخالفه في بعض ما يذهب إليه؛ فهو صوفي، وأنا مررت في حياتي بأدوار: قربت من الصوفية لأن مشايخي أكثرهم من أهلها ولكني لم أقبلها كلّها ولم أنخرط فيها، وصرت سلفياً (أو كما يقولون عندنا في الشام «وهابياً») ولكني كنت أقف في أشياء هي عندهم من المسلّمات وأراها من المشكلات. وكنت يوماً حنفياً ملتزماً متعصّباً لمذهبي لا أقبل ما يخالفه ولو كان حديثاً صحيحاً! وكنت قد أوتيت من صغري جدلاً، فكنت أقول إن مذهبي امتدّ اثني عشر قرناً وانتشر علماؤه بين مشرق الأرض ومغربها، فهل بلغهم هذا الحديث أم لم يبلغهم؟ وإن هو بلغهم فهل خالفوه متعمّدين وهم من صفوة علماء المسلمين، أم أن لديهم دليلاً آخر يرجعون إليه ويعتمدون عليه؟
وأمثال هذه الجدليات التي رأيت أنها قد تُسكِت المجادل ولكنها لا تُرضي العاقل ولا يقبلها المسلم العالم العامل. وانتهيت إلى الوقوف عند قول المعصوم حين يبلغ آيات الله، وفيما يشرع بما أعطاه الله من وحي آخر اللفظ فيه من عنده والحكم من عند الله، وهو الحديث الثابت الصحيح.
وكنت أخالف الشيخ في مسائل في الفقه يذهب فيها إلى التضييق على الناس وفي أدلّة الشرع سعةٌ فيها، كالغناء، أو يتمسّك بفرعيات هي من الكماليات وليست من أسباب النجاة ولا يُعَدّ تركها من المحرمات. وأشهد مع ذلك أن الشيخ محمد الحامد كان صادقاً مع الله صادقاً مع نفسه، وقد جعل الله له من الأثر في الناس ما لم يجعل لعشرات من أمثالي أنا.
стр. 1745
تقولون: وهل يكذب أحد مع الله؟ أو هل يكذب مع نفسه؟ وأقول: نعم، الذي يعلم المصلح من المفسد والصادق من الكاذب يعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور، ولكنّ من سفه نفسه وجهل قدرها يحسب أنه يخادع الله، ولا يخدع إلاّ نفسه: يُظهِر العمل لله ويُبطِن قصده الدنيا، فيَعُدّه الناس في الصالحين لأن لهم الظاهر ويكتبه الله في سواهم لأنه يتولى السرائر.
أما الصادق مع الله (مثل أخي الشيخ محمد الحامد ﵀ فإنه يُصلِح جُوّانيّه قبل إصلاح بَرّانِيّه، ويصفّي نية قلبه قبل تحسين أعمال جوارحه. والصادق مع نفسه هو الذي يأمر الناس بالخير ويكون أولَ من يأتمر به، لا الذي يدعوهم إليه ثم لا يعمل به ولا الذي ينهاهم عن الشرّ ثم يخالفهم إلى ما نهاهم عنه.
وأقول استطراداً آخر: هل تدرون ما خائنة الأعيُن التي ذكرها الله وما الذي تُخفي الصدور؟ إن كل آيات القرآن عظيم، ولكن في هذه الآية صورة من حياتنا لو أنّنا تنبّهنا إليها.
يكون الشابّ المسلم في البلد الذي انحرف عن جادة الإسلام، ففشا فيه السفور وظهرت العورات، وعمّ الاختلاط في الجامعة باسم العلم وفي الملعب بحُجّة الرياضة وفي المسرح بدعوى الفنّ وفي المستشفى باسم الطبّ، فتمرّ به البنت الجميلة، فيغضّ بصره عنها ويُمسِك بإرادته أجفانَه أن تنظر إليها، ولكن لحظة غفلة منه تجعل عينه تخونه فتقع عليها، فإذا هو ناظر إليها. هذه هي «خائنة الأعين». أما الذي تخفيه الصدور فهو الاقتراب منها والوصول إليها.
стр. 1746
أعود إلى حديثي: عرفت الشيخ الحامد من قديم (وكان أخوه الأكبر الذي ربّاه الشاعر بدر الدين الحامد معنا في مكتب عنبر، لا أقول إنه سَنيني وإن عمره من عمري، فهو أكبر مني بكثير كما أن الشيخ محمد أصغر مني بقليل) ولكنني إذا أفَضتُ في الكلام عنه خرجت عن خطّ سيري. وإن كتب الله لي عُدت فكتبت عنه كثيراً لأني أعرف عنه وعن أثره في حماة الكثير.
وجدته في هذه السفرة صاحب نكتة، وفي روحه خِفّة على القلب وفي سلوكه أنس للنفس. وأنا أكره المتزمّتين الذين يتكلّمون الجدّ دائماً أو يحرصون على «المشيَخة». والمشيَخة غير العلم وغير التدريس والتهذيب، فمَن شاء أن يعرف ما هي فليرجع إلى مقالة لي قديمة عنوانها «صناعة المشيَخة» (١). وأنا قد أصبر على الجِدّ المحض نصف ساعة، ثم أُفسِده بنكتة تجيء عفواً أو ملاحظة تُضحِك مَن حولي وتُخرِجني من ثقل هذا الجِدّ.
أقول إنني صحبت الشيخ ومن معه في الطريق إلى مصر، فلما بلغناها استأذنتهم وفارقتهم وذهبت إلى دار خالي. وداره أبداً فوق مطبعته، وقد خلّفتها في شارع الاستئناف في باب الخلق فوجدتها هذه المرة في روضة المنيل في شارع الفتح.
وأول مَن ذهبت إليه أقرب الناس إليّ بعد خالي، هو أخي الكبير وأستاذي الزيات ﵀. وكانت «الرسالة» في دار صغيرة في طرف ميدان عابدين، كنت حين أدخلها أحسّ أنني ولجت
стр. 1747
مَثوى المُنى ومَهوى الهوى وصرت في دار الأمان.
ثم زرت الصديق القديم والأخ الكريم الذي كان سنة ١٩٢٨ شاباً صالحاً مثله في مصر كثير، لا يكاد يدري به إلاّ من يتّصل حبله بحبله، فلما عدت الآن سنة ١٩٤٥ وجدته قد صار عَلَم البلد ورجل الرجال، ومرشد الآلاف والآلاف من الشباب في جميع مدن مصر وقراها. ولكن هذا المجد العظيم الذي تعجز عن حمله هامات الرجال فتُصاب منه بالدوار كما تصنع بشاربها المعتقة الصرف من بنات الكرْم، لم يدُرْ رأسه ولم يُبدّل حاله ولا أنساه إخوانه، وبقي معهم كما كان، حتى لقد أحسسْتُ لمّا قابلته أنني فارقته بالأمس، وأن هذه الأعوام الستة عشر ليست إلاّ عشيّة وضحاها.
وكذلك يكون العظيم؛ لقد تعلّمنا في المدرسة ونحن صغار أن السنبلة الفارغة ترفع رأسها في الحقل وإن الممتلئة بالقمح تخفضه، فلا يتواضع إلاّ كبير ولا يتكبّر إلاّ حقير. وأن من أحسّ أن الكرسي أو المنصب أو المنزلة الاجتماعية أقلّ منه ازداد به تواضُعاً، وأنّ من رأى نفسه أصغر من ذلك انتفخ به كِبْراً وتاه على الناس أشراً وبطراً.
إن الذي يكون ارتفاعه على أرجُل الكرسي فقط إذا زال كرسي الوظيفة من تحته هوى وأخلد إلى الأرض، أمّا من كان كالنسر ارتفاعه بجناحَيه، فلا يزال محلّقاً في الجِواء (١).
هل عرفتم من هو الذي أتكلم عنه؟ إنه مجدّد الإسلام في
стр. 1748
هذا القرن، إنه الشيخ حسن البنّا (١). أقام لنا حفلة شاي في دار الإخوان التي اشتروها في الحلمية الجديدة، لولا الخجل لقلت إنني أنا المقصود بهذه الحفلة، إكراماً منه لي لا استحقاقاً مني لها. بقيت مُحِباً له من بعيد صديقاً مُخلِصاً أدعو له بظهر الغيب، ولكنني -على طريقتي- ما انتسبت إلى جماعة الإخوان ولا إلى غيرهم من الجماعات.
خطبت في هذا الحفلة وخطب الشيخ الحامد، وخطب الشيخ حسن، وهو في خطبه التي يلقيها كما تُلقى الأحاديث، بلا انفعال ظاهر ولا حماسة بادية، مِن أبلغ مَن علا أعواد المنابر. تفعل خُطَبه في السامعين الأفاعيل وهو لا ينفعل، يُبكيهم ويُضحكهم ويُقيمهم ويُقعدهم، وهو ساكن الجوارح هادئ الصوت، يهزّ القلوب ولا يهتزّ.
وأعرف في الخطابة طريقتين: الطريقة التي نشأنا عليها أول عهدنا في ارتقاء المنابر والتي كان عليها الشيخ مصطفى السباعي ﵀ (وأنا أَسَنّ منه بكثير) والأستاذ عصام العطّار والأستاذ الصواف الذي سأتكلم عنه الآن، وطريقة الشيخ حسن البنا والدكتور عبد الرحمن الشهبندر. وكلّ هؤلاء من الخطباء الأبيِناء
стр. 1749
ومن سادة المنابر. وأنا قد جرّبت الطريقتين، كنت أخطب مثل السباعي وأمثاله: تغلبني الحماسة فيعلو صوتي ويحمرّ وجهي وتتلاحق الجمل والعبارات مني، ثم انتقلت منها إلى مثل طريقة الشيخ حسن البنا والدكتور الشهبندر.
في هذه الحفلة في دار الإخوان سنة ١٩٤٥ قام يخطب شابٌّ آتاه الله جمالاً في الوجه وبسطة في الجسم وجَهارة في الصوت، على رأسه عمامة ليست مثل عمائم المشايخ في مصر، بل هي على طربوش مقشَّش مكويّ كعمائم السوريين والأتراك. فألقى خطبة تتفجّر حماسة وتتدفّق إيماناً، تزدحم ألفاظها ازدحاماً. فسألت عنه، فوصفوه لي بإعجاب وعرّفوه بفخر، وإذا هو طالب عراقي موصلي.
وللحديث بقيّة (١).
* * *
стр. 1750
_________
= دار المنارة سنة ١٩٨٥، وهكذا خرجت من سياق «الذكريات» المنشورة، ولكنها تسببت أحياناً في انقطاع مفاجئ كما حصل هنا. فمن شاء من القراء أن يُتمّ المشهد الذي انقطع هنا فليذهب إلى مطلع مقالة «الشيخ أمجد الزهاوي» في كتاب «رجال من التاريخ»، وفيها يقول المؤلف: "لما كنا صغاراً كان شيوخنا -أحسن الله إليهم- يبعدوننا عن كل ما يفسد ملكتنا الأدبية أو يُدخل العُجمةَ والضعف على أساليبنا، لذلك لم أقرأ قصص «ألف ليلة» حتى كبرت وصلب عودي واشتد ساعدي، فلما قرأتها وجدت شهرزاد كلما أدركها الصباح سكتت عن الكلام المباح، فإذا انقضى النهار ودجا الليل عادت فوصلت ما كانت قد قطعته ومشت من حيث وقفت. وأنا اليومَ مثل شهرزاد، مثلها في حديثها ومقالها لا في حسنها وجمالها! قطعت الحديث في الحلقة الماضية لما صعد المنبرَ الشابُّ العراقي الموصلي، وفارقتكم قبل أن أسميه لكم ... فاعلموا الآن أن اسمه محمد محمود الصواف".
وبعد هذه الإيجاز فصّل الشيخ الطنطاوي الحديثَ عن الشيخ الصواف (رحم الله الاثنين)، وهو حديث شيّق يستحق القراءة، فراجعوه في المقالة المذكورة في كتاب «رجال» (مجاهد).
стр. 1751
-١٣٩ -
رجال كرام عرفتهم في مؤتمر القدس
أقدّم بين يدَي هذه الحلقة تعليقاً قصيراً على مقالتَي الأستاذ نجدة فتحي صفوة (١).
لقد انقضى أسبوع والهواتف لا تنقطع عني من إخوان لنا أدباء، من صيارفة الكلام الذين يميزون عاليه من نازله كما يميّز الصيرفي العملة النادرة الغالية من العملة الرخيصة المبتذَلة، ومن صاغة البيان الذين يعرفون عياره ومقداره كما يعرف الصائغ عيار الذهب من النظر إليه. يقولون: أقرأت مقالة نجدة فتحي صفوة؟
стр. 1752
لقد أصبحت -يا نجدة- معروفاً في المملكة لأن البضاعة الجيّدة لا يحتاج رواجها إلى إعلان، هي تعلن عن نفسها.
لقد أعدت لي بمقالتيك أياماً حلوة عزيزة على نفسي بعدما ولّت تلك الأيام، وذكّرتني عهوداً كنت أعيش بها ثم بذكراها فكاد النسيان يغلبني عليها، ونشرت لي صوراً أنا لا أملك نسخاً منها، فتعالَ انظر إلى هذا الشيخ الذي أثقلَت كاهلَه أعباءُ السنين وجثمَت عليه ثمانٍ وسبعون سنة، هل هذا الشيخ هو الشابّ الأنيق الذي نشرتَ صورته وأفضت في وصفه؟
وأعدت لي ذكرى أنور العطار. وما نسيته ﵀، فقد كان شقيق النفس وكان قسيم الروح. أمّا ما كتبتُ عنه في «المكشوف» فقد كان كما حزرتَ وقدّرت؛ في حالة جفوة لا بد أن يقع مثلها أحياناً بين الإخوان والأصدقاء، بل بين الإخوة والأشقاء.
يا نجدة (أناديك كما كنت أناديك يوم كنت طالباً، لا أعرف كيف يُنادى وزير مفوض ولو كان متقاعداً): هل تذكر أيام انقطعَت «الرسالة» عن دمشق في سنوات الحرب وكانت تأتيكم في بغداد، وكنت أحب أن أعرف ما نُشر لي أو لغيري فيها، فلمّا علمتَ أرسلت لي جدولاً بفهارس تلك الأعداد كلها؟ إنها لا تزال بخطّك عندي. فهل تعمل الآن مثل ذلك المعروف الذي عملته من أربعين سنة، فتصوّر لي ما نشرت في «المكشوف»، أم أن الأستاذ نجدة الباحث الأديب والوزير السابق لا يعمل ما كان يعمله ذلك الطالب الصغير؟
على أني ما كتبت هذا التعليق لأطلب منك أعداد «المكشوف»،
стр. 1753
بل لأكشف لك عمّا أدخلتَ على قلبي من المسرّة بما كتبت وبما نشرت من مطويّ الذكريات، وأطلقت لساني بالفخار أن نشأ في تلاميذي من هو مثلك، وإن كان التلميذ ربما فاق أستاذه. وقد عشتُ حتى رأيت من تلاميذي مَن صار أرسخ في الأدب مني قدماً وأكثر في الناس علماً، وأوسع ذكراً وأكبر اسماً. فلله الحمد على ذلك، وأشكرك وأرجو لك التوفيق.
* * *
أعود إلى سرد حديث المؤتمر.
لمّا جاءتني الدعوة إلى حضوره هممت -على عادتي دائماً- بالاعتذار عنها والفرار منها، لولا أن هتف بي هاتف (أي كلّمني بالهاتف) من أحد الفنادق في دمشق بأن الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ الصواف قد وصلا. فلم يبقَ بُدّ من أن أذهب إليهما، سروراً بلقائهما وقياماً بحقّهما. ووجدت عندهما شيخنا الشيخ بهجة البيطار ورفيقنا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليهما، فحصراني بالليّن من قولهما والعظيم من حقّهما في زاوية لا أستطيع الخروج منها، فاضطُررت أن أوافق على حضور المؤتمر.
وتركا لي اختيار من يذهب معي أو أذهب أنا معه من دمشق، فنظرت فإذا العاملون في الساحة أكثرهم شيخ كبير له الوجاهة في الناس والصدارة في المجلس، إن مشى مشى الناس وراءه وإن قعد قعدوا بين يديه وإن قال استمعوا لقوله، لكن لا يُرجى منه كبير عمل لأنه استفرغ طاقته وأذهب شبابه وقوّته. ثم إن كثيراً من هؤلاء الذين هم مشايخنا يعيشون (كما أعيش أنا الآن) على
стр. 1754
هامش الحياة، لا يخالطون الناس ولا يداخلونهم ولا يعرفون ما يُخفون من مقاصدهم وما يعدون من مكايدهم. فالواحد منهم ينخدع إن خُدع، يظن الناس كلهم صادقين مثله فيصدّق كل ما يقوله الناس. ولو سردت ما وجدت منهم في هذا الباب لأطلت السرد وأمللْتُ القُرّاء.
ووجدت آخرين كل واحد منهم خَرّاج وَلاّج، يعرف من أمر الناس الظواهر والخفايا ويكاد يُدرِك النوايا ويكشف الخبايا، فلا ينخدع لأحد من الناس، ولكنه ربما خدع هو الناس إذ يتّخذ الدين سُلّماً إلى الدنيا، فهو تاجر وتجارته معقود بها الخَسار، لأنه يبيع ذهباً بنحاس وألماساً بزجاج، يُعطي الخالد الباقي من أمور الآخرة ليأخذ الموقوت الفاني من حطام الدنيا. وهل أَخْسَرُ مِمّن يبيع دينه بدنياه، هَمُّه إعجاب العامّة فهو يُقِرّها على بِدَعها وضلالها، ورِضا الحُكّام فهو يمالئهم ويجاريهم؟ يرجو الناس واللهُ أَولى أن يرجوه، ويخشاهم واللهُ أحَقّ أن يخشاه.
فعلى أيّ هذين أعتمد وبأيهما أعتضد؟
لذلك تركتهم وتخيّرت نفراً من الشباب العاملين، مِمّن أعرفه من أهل الفهم والعلم والعقل والدين. كانوا يومئذ شباباً فكأن الله أراني ما صاروا إليه اليوم، صاروا أساتذة كباراً يُشار إليهم بالبَنان. منهم الأساتذة عصام العطار، وزهير الشاويش، وأديب صالح.
أمّا عصام فقد عرفت أباه من قبله في المحكمة، فلما جئت أدرّس في المعهد العربي مع اشتغالي بالقضاء وأوشكَت الساعة الأولى على الانتهاء قام طالب من بين الطلاّب، فحسبته يريد أن
стр. 1755
يسأل سؤالاً، فإذا هو يُلقي خطبة بلسان فصيح وبلاغة متدفّقة، يُثني على درسي ثناء لا يستحقّه الدرس. ففتحت عيني دهشة، وشهدت في تلك الساعة مولد خطيب.
ثم لمّا اجترحتُ السيئةَ التي تُبْتُ منها فلم أعُد إلى مثلها فرشّحت نفسي في انتخابات سنة ١٩٤٧ (١)، كان ذلك اختباراً مني لصداقة الأصدقاء، إذ انصرف عني أكثرهم، حتى إخوان الصِّبا ورفاق العمر الذين لا أفتأ أذكرهم دائماً في هذه الذكريات أعرضوا عني فلم يساعدوني، بل حاربني من كنت أعدّهم من أوليائي فكانوا أشدّ عليّ من أعدائي! وأنا هنا لأقول الحقّ لا لأجامل، وسيأتي إن شاء الله خبر ذلك كله مفصلاً.
وربحت أصدقاء جُدُداً مِمّن كانوا يوماً من تلاميذي، ثم صاروا من أقراني ثم سبقوني وتخطّوني، كالأستاذ محمد القاسمي الذي كان على رأس من أعانني على خوض الانتخابات، كما كان الأستاذ زهير الشاويش وعمر عودة الخطيب والأستاذ وحيد العقّاد، الذي أقام لي أبوه الشيخ محمود ﵀ حفلة انتخابية في مدرسته في حيّ العمارة بجوار الجامع الأموي. والشيخ محمود تلميذ أبي وأستاذي.
في هذه الحفلة قام فتكلّم شابّ أدهش الحاضرين حقاً بإشراق بيانه وانطلاق لسانه وثبات جَنانه، وكان هذا الخطيب