-١٣٩ -
رجال كرام عرفتهم في مؤتمر القدس
أقدّم بين يدَي هذه الحلقة تعليقاً قصيراً على مقالتَي الأستاذ نجدة فتحي صفوة (١).
لقد انقضى أسبوع والهواتف لا تنقطع عني من إخوان لنا أدباء، من صيارفة الكلام الذين يميزون عاليه من نازله كما يميّز الصيرفي العملة النادرة الغالية من العملة الرخيصة المبتذَلة، ومن صاغة البيان الذين يعرفون عياره ومقداره كما يعرف الصائغ عيار الذهب من النظر إليه. يقولون: أقرأت مقالة نجدة فتحي صفوة؟
стр. 1752
لقد أصبحت -يا نجدة- معروفاً في المملكة لأن البضاعة الجيّدة لا يحتاج رواجها إلى إعلان، هي تعلن عن نفسها.
لقد أعدت لي بمقالتيك أياماً حلوة عزيزة على نفسي بعدما ولّت تلك الأيام، وذكّرتني عهوداً كنت أعيش بها ثم بذكراها فكاد النسيان يغلبني عليها، ونشرت لي صوراً أنا لا أملك نسخاً منها، فتعالَ انظر إلى هذا الشيخ الذي أثقلَت كاهلَه أعباءُ السنين وجثمَت عليه ثمانٍ وسبعون سنة، هل هذا الشيخ هو الشابّ الأنيق الذي نشرتَ صورته وأفضت في وصفه؟
وأعدت لي ذكرى أنور العطار. وما نسيته ﵀، فقد كان شقيق النفس وكان قسيم الروح. أمّا ما كتبتُ عنه في «المكشوف» فقد كان كما حزرتَ وقدّرت؛ في حالة جفوة لا بد أن يقع مثلها أحياناً بين الإخوان والأصدقاء، بل بين الإخوة والأشقاء.
يا نجدة (أناديك كما كنت أناديك يوم كنت طالباً، لا أعرف كيف يُنادى وزير مفوض ولو كان متقاعداً): هل تذكر أيام انقطعَت «الرسالة» عن دمشق في سنوات الحرب وكانت تأتيكم في بغداد، وكنت أحب أن أعرف ما نُشر لي أو لغيري فيها، فلمّا علمتَ أرسلت لي جدولاً بفهارس تلك الأعداد كلها؟ إنها لا تزال بخطّك عندي. فهل تعمل الآن مثل ذلك المعروف الذي عملته من أربعين سنة، فتصوّر لي ما نشرت في «المكشوف»، أم أن الأستاذ نجدة الباحث الأديب والوزير السابق لا يعمل ما كان يعمله ذلك الطالب الصغير؟
على أني ما كتبت هذا التعليق لأطلب منك أعداد «المكشوف»،
стр. 1753
بل لأكشف لك عمّا أدخلتَ على قلبي من المسرّة بما كتبت وبما نشرت من مطويّ الذكريات، وأطلقت لساني بالفخار أن نشأ في تلاميذي من هو مثلك، وإن كان التلميذ ربما فاق أستاذه. وقد عشتُ حتى رأيت من تلاميذي مَن صار أرسخ في الأدب مني قدماً وأكثر في الناس علماً، وأوسع ذكراً وأكبر اسماً. فلله الحمد على ذلك، وأشكرك وأرجو لك التوفيق.
* * *
أعود إلى سرد حديث المؤتمر.
لمّا جاءتني الدعوة إلى حضوره هممت -على عادتي دائماً- بالاعتذار عنها والفرار منها، لولا أن هتف بي هاتف (أي كلّمني بالهاتف) من أحد الفنادق في دمشق بأن الشيخ أمجد الزهاوي والشيخ الصواف قد وصلا. فلم يبقَ بُدّ من أن أذهب إليهما، سروراً بلقائهما وقياماً بحقّهما. ووجدت عندهما شيخنا الشيخ بهجة البيطار ورفيقنا الأستاذ محمد المبارك رحمة الله عليهما، فحصراني بالليّن من قولهما والعظيم من حقّهما في زاوية لا أستطيع الخروج منها، فاضطُررت أن أوافق على حضور المؤتمر.
وتركا لي اختيار من يذهب معي أو أذهب أنا معه من دمشق، فنظرت فإذا العاملون في الساحة أكثرهم شيخ كبير له الوجاهة في الناس والصدارة في المجلس، إن مشى مشى الناس وراءه وإن قعد قعدوا بين يديه وإن قال استمعوا لقوله، لكن لا يُرجى منه كبير عمل لأنه استفرغ طاقته وأذهب شبابه وقوّته. ثم إن كثيراً من هؤلاء الذين هم مشايخنا يعيشون (كما أعيش أنا الآن) على
стр. 1754
هامش الحياة، لا يخالطون الناس ولا يداخلونهم ولا يعرفون ما يُخفون من مقاصدهم وما يعدون من مكايدهم. فالواحد منهم ينخدع إن خُدع، يظن الناس كلهم صادقين مثله فيصدّق كل ما يقوله الناس. ولو سردت ما وجدت منهم في هذا الباب لأطلت السرد وأمللْتُ القُرّاء.
ووجدت آخرين كل واحد منهم خَرّاج وَلاّج، يعرف من أمر الناس الظواهر والخفايا ويكاد يُدرِك النوايا ويكشف الخبايا، فلا ينخدع لأحد من الناس، ولكنه ربما خدع هو الناس إذ يتّخذ الدين سُلّماً إلى الدنيا، فهو تاجر وتجارته معقود بها الخَسار، لأنه يبيع ذهباً بنحاس وألماساً بزجاج، يُعطي الخالد الباقي من أمور الآخرة ليأخذ الموقوت الفاني من حطام الدنيا. وهل أَخْسَرُ مِمّن يبيع دينه بدنياه، هَمُّه إعجاب العامّة فهو يُقِرّها على بِدَعها وضلالها، ورِضا الحُكّام فهو يمالئهم ويجاريهم؟ يرجو الناس واللهُ أَولى أن يرجوه، ويخشاهم واللهُ أحَقّ أن يخشاه.
فعلى أيّ هذين أعتمد وبأيهما أعتضد؟
لذلك تركتهم وتخيّرت نفراً من الشباب العاملين، مِمّن أعرفه من أهل الفهم والعلم والعقل والدين. كانوا يومئذ شباباً فكأن الله أراني ما صاروا إليه اليوم، صاروا أساتذة كباراً يُشار إليهم بالبَنان. منهم الأساتذة عصام العطار، وزهير الشاويش، وأديب صالح.
أمّا عصام فقد عرفت أباه من قبله في المحكمة، فلما جئت أدرّس في المعهد العربي مع اشتغالي بالقضاء وأوشكَت الساعة الأولى على الانتهاء قام طالب من بين الطلاّب، فحسبته يريد أن
стр. 1755
يسأل سؤالاً، فإذا هو يُلقي خطبة بلسان فصيح وبلاغة متدفّقة، يُثني على درسي ثناء لا يستحقّه الدرس. ففتحت عيني دهشة، وشهدت في تلك الساعة مولد خطيب.
ثم لمّا اجترحتُ السيئةَ التي تُبْتُ منها فلم أعُد إلى مثلها فرشّحت نفسي في انتخابات سنة ١٩٤٧ (١)، كان ذلك اختباراً مني لصداقة الأصدقاء، إذ انصرف عني أكثرهم، حتى إخوان الصِّبا ورفاق العمر الذين لا أفتأ أذكرهم دائماً في هذه الذكريات أعرضوا عني فلم يساعدوني، بل حاربني من كنت أعدّهم من أوليائي فكانوا أشدّ عليّ من أعدائي! وأنا هنا لأقول الحقّ لا لأجامل، وسيأتي إن شاء الله خبر ذلك كله مفصلاً.
وربحت أصدقاء جُدُداً مِمّن كانوا يوماً من تلاميذي، ثم صاروا من أقراني ثم سبقوني وتخطّوني، كالأستاذ محمد القاسمي الذي كان على رأس من أعانني على خوض الانتخابات، كما كان الأستاذ زهير الشاويش وعمر عودة الخطيب والأستاذ وحيد العقّاد، الذي أقام لي أبوه الشيخ محمود ﵀ حفلة انتخابية في مدرسته في حيّ العمارة بجوار الجامع الأموي. والشيخ محمود تلميذ أبي وأستاذي.
في هذه الحفلة قام فتكلّم شابّ أدهش الحاضرين حقاً بإشراق بيانه وانطلاق لسانه وثبات جَنانه، وكان هذا الخطيب
стр. 1756
هو عصام العطار (١). وسأكتب يوماً إن شاء الله عنه وعن إخوانه وأقرانه، مِمّن هم أبنائي في السنّ وخُلَصائي وأصدقائي في الحياة، أكتب عن كلّ منهم، تاريخه معي أو تاريخي معه.
أسفت بعد هذه الحفلة على هذا العلم وهذا النبوغ أن يغفله الناس أو لا يهتمّ به الحُكّام، الذين لا يزِنون البشر بما في رؤوسهم من علم ولا بما في قلوبهم من إيمان ولا بما على ألسنتهم من بيان، بل بما في أيديهم من شهادات قد تكون مزوّرات. فسعيت إلى إرساله إلى مصر ليأتي منها بشهادة، ولكن الإخوان هناك لمّا رأوا فيه هذه المزايا قدّموه إلى المنابر وصدّروه في اجتماعات الأسَر، وقعد بين يديه يأخذ عنه ويستفيد منه مَن كان المفروض أن يكونوا أساتذته في الجامعة فيتلقّى هو عنهم ويأخذ الشهادة منهم.
ومن طرائف أخبار الشهادات ومن ظرائفها أنه ذهب إلى مصر في تلك السنة التي أقمتها فيها (سنة ١٩٤٧) اثنان من رفاقنا كل منهما عالِم، بل هو مرجع في العلم الذي انقطع إليه، الشيخ مصطفى الزرقا الفقيه والأستاذ سعيد الأفغاني النحوي، ذهبا ليأخذا شهادة رسمية يحتاجان إليها لأن القانون لا ينصف إلاّ من يحملها، على طريقة الفرنسيين. ولقد كنت أحفظ قديماً أنك إذا قلت للفرنسي: هذا عالِم، قال: ما هي شهاداته؟ والإنكليزي يقول:
стр. 1757
ما هي معلوماته؟ والأمريكي يقول: ما هي أعماله؟ ولست أدري مدى صحّة هذا القول.
وتبيّن من اللقاء الأول بين الأستاذ الزرقا والأستاذ الأفغاني وبين من ذهبا ليتعلّما منه أنه أمام زميلَين لا طالبَين، بل ربما كانا أعلم من كثير من أقرانهما من أساتذة الجامعات.
* * *
لقد كنت في هذا المؤتمر حاضراً كأني غائب. ذلك أني -على مشاركتي الكبيرة في النضال للاستقلال في بلدي وفي الدعوة إلى الإسلام- كان عملي لا يعدو واحدة من ثلاث: إما أن أعلو المنبر فأخطب، أو أن أمتشق القلم فأكتب، أكتب ما أطمئنّ أنا إليه لا ما يُلزِمني غيري بكتابته، أو أن أُستشار فأشير بما يُخطِره الله على بالي ... على بالي أنا لا على بال غيري. لذلك لم أدخل في عمري حزباً ولم ألتزم بمبادئ هيئة ولا جماعة.
كان لي طريق حدّدته وسرت فيه، فمَن كان طريقه على طريقي مشيت معه حتى يختلف الطريقان. إن أردت وأنا في مكّة السفر إلى الشام وصاحبي يريد مصر، رافقته من مكّة إلى المطار، ثم أخذ هو طيارته وركبت أنا طيارتي.
فعلى هذا كنت في المؤتمر: شرّفوني فجعلوني أحد خطباء حفلة الافتتاح، فقلت شيئاً لا أحفظه الآن ولكنه كان بحمد الله صحيحاً موفّقاً.
وكلّما جلّت المناسبة وكثر السامعون وكان بينهم أهل الفكر
стр. 1758
والعلم والمنصب، جادت خطبة الخطيب وزادت بلاغته وانجلى بيانه. وهذا الذي يرهّب غير الخطيب ويمنعه أن يعتلي المنبر ويكلّم الناس هو الذي يرغّب الخطيب المتمرس ويدفعه إلى الكلام. ولو أني -حين أتكلم وحدي في الإذاعة فتنقل كلامي إلى عشرة ملايين أو يزيدون- لو أني على منبر أرى أمامي عُشر معشارهم، أقوم بينهم أخاطبهم وأنا أراهم ... لو كان لسمعتم مني غير الذي تسمعونه الآن حين أتحدّث في الإذاعة أو الرائي.
لا تفهموا من كلامي هذا أنني أحدّث ابتغاء إعجاب الناس أو طلباً لرضاهم، أو أني لا أعمل لله. إني لأرجو أن يكون قصد الثواب أكبر، ولكنها طبيعة طبع الله النفوس عليها، وما لنا في الغرائز والطباع من عمل.
ألقيت خطبة كان أثرها في الناس ظاهراً. ولست أذكر الآن ما الذي قلت فيها ولكن أذكر معنى ما قلت، وقد تختلف المعاني باختلاف طريقة التعبير عنها كما يختلف منظر الغادة الحسناء إن بدت لك بثياب التفضّل (أي ثياب البيت) أو ثياب العروس. أذكر أني جلوت لهم حقيقةً كلُّهم يعرفها، ولكن منهم من ينساها ويطلب مَن يذكّره بها. والقرآن -الذي يجد فيه مَن يحسن فهمَه كلَّ ما يحتاج إليه في دنياه وآخرته، في فكره وسلوكه- علّمنا أن الذكرى تنفع المؤمنين، لأنها وإن لم تُعطِهم ما ليس عندهم تضع تحت أيديهم وأعيُنهم ما بَعُد عنها ممّا هو عندهم.
هذه الحقيقة التي شرحتها في خطبة افتتاح المؤتمر هي أن الله نزّل هذا القرآن وتعهّد بحفظه، وما حفظه الله لا يقدر أن يضيّعه
стр. 1759
بشر. وأن الإسلام باقٍ خالد وأن أهله لهم المنصورون، وأن العاقبة لهم وإنْ كتب الله الظفر حيناً لعدوّهم في معركة من المعارك عليهم لما خالفوا عن أمره ولمّا اتبعوا غير سبيله. فليس هذا تعذيباً من الله للمؤمنين ولكنه تأديب لهم أن يعودوا لمثله. وقلت إننا بين أمرين: إما أن ننصر الله فينصرنا ويكون لنا بذلك عِزّ الدنيا وسعادة الآخرة، وإما أن نقعد عن نصرة ديننا ونهمل شريعتنا، فيستبدل الله بنا غيرنا، فيدخل في الإسلام شعب حيّ عامل كشعب الألمان أو اليابان فيحملوا هم لواءه ويصيروا هم أولياءه، ونرجع نحن كفقراء اليهود: لا دنيا ولا دين، نسأل الله السلامة من هذا المصير.
وأبلغُ الخُطَب ليس الذي يَحشد فيه الخطيب أضخم الألفاظ وأبلغ الجُمَل ويسوق فيه أروع الشواهد، ويهدر بذلك هدراً ويتكلم فيه مع لسانه يداه وعيناه. بل إن أبلغ الخُطَب ما قلتَ فيه الحقيقة التي تدخل قلب السامع، فيؤمن بها ويصدّقها ويقول لك: صدقت. على أن توقد تحتها نار العاطفة لا أن تعرضها قضية منطقية باردة تخاطب العقل ولكن لا تهزّ الروح ولا تحرّك القلب، وأن يكون كلامك من قلبك قبل لسانك.
صرت كلّما وجدت في جلسات المؤتمر مجالاً لإحدى الثلاث التي ندبتُ نفسي لها وقصرتها عليها حضرت معهم، فإن لم يكن شيء منها بَعُدت عن هذه المجالس وأويت إلى غرفتي في الفندق. وصرت ألقى على انفراد مَن اصطفيت من أعضاء المؤتمر، فكانت لنا لقاءات مع الشهيد السعيد سيد قطب كان يحضرها عصام وزهير ويحضرها أحياناً أديب صالح، وكنّا لا نفترق إلاّ قليلاً، وأُخذت لهذه الجلسات صور نُشر بعضها.
стр. 1760
ولي مع سيد قطب رحمة الله عليه تاريخ طويل: كنت معه في دار العلوم سنة ١٩٢٨ (إن صدقت الذاكرة)، ولكني نسيت ذلك ونسيَه. ثم عاركته فيمَن عاركه في معركة العقّاد والرافعي، وكان يومئذ أكرهَ الناس إليّ وأبغضَهم إلى قلبي، شتمته وشتمني وأنكرته وأنكرني، حتى جاء أخ من فلسطين اسمه (نسيت الآن اسمه (١)) فكتب في الرسالة يعجب منّا فيقول: أتتناكَران ولقد كنتما معاً، وكنت معكما في دار العلوم، في فصل واحد؟
ثم لمّا ألّف كتابه «التصوير الفنّي في القرآن» رأيت فيه فتحاً جديداً في دراسة القرآن، وكتبت أثني عليه بعدما هجوته وشتمته. وكنت في الحالَين مدفوعاً بمبدأ انطلقت منه. ثم كانت المفاجأة لي أني كنت يوماً في دار «الرسالة» عند الأستاذ الزيات، فدخل رجل رأيته دقيق العود أسمر اللون هادئ الطبع ساكن الجوارح، يكاد يكون خافت الصوت قليل الكلام. فسلّمت عليه سلامَ مَن لا يعرف الآخر، فضحك الزيات وقال: ألا تعرف خصمك سيد قطب؟
ففوجئت حقاً، لأني كنت أتصوّره ضخم الجسم بارز العضلات تقدح عيناه شرراً، كالمصارع الذي ترونه في المصارعة الحرّة يضرب رأسه بالحديد ويضرب رأس خصمه بالحديد!
كنت بادئ الأمر في صفّ وكان في صفّ، كنّا في صفّ
стр. 1761
الرافعي وهو أقرب إلى الجهة الإسلامية، وكان في صفّ العقّاد قبل أن يؤلّف العقّاد كتبَه الإسلامية. ثم اقترب منّا بكتابه «التصوير الفني»، ثم أعطاه الله ما أرجو أن أُعطى نصفه أو رُبعه أو عُشره، فعلا عليّ وسبقني وصنع ما لم أصنع مثله حين ألف «الظلال»، ثم أعطاه الله النعمة الكبرى التي طالما تمنيتها ولم أعمل لها:
ترجو النّجاةَ ولم تَسْلُكْ مَسالكَها ... إنّ السّفينةَ لا تَمشي على اليَبَسِ
أعطاه ما كنت أتمناه، بل ما تمنّاه من هو أكبر مني قدْراً وأجلّ في خدمة الإسلام أثراً، الملك فيصل ﵀، وهو الشهادة في سبيل الله.
* * *
وألف المؤتمر (ولم أكُن حاضراً) لجاناً أربعاً، منها لجنة للدعاية لقضية فلسطين وتعريف الناس بها، جعلوني رئيسها. فكانت اللجان تجتمع الساعات لتضع منهجها وتحدّد طريقها، وأنا قعدت وحدي فحصرت ذهني وعصرت تجارِبي في الدعوة الإسلامية التي عملت لها جندياً صغيراً من يوم أصدرت أول مطبوعة لي سنة ١٣٤٨هـ.
فوضعت أنا المنهج ودعوت الأعضاء للنظر فيه ومناقشته، فغضب الشيخ الراميني (وأحسب أنه كان مفتي عمان) وقال بأن هذا استبداد مني، فأرضيته وأقنعته بأن الذي قدّمته اقتراح لا يُلزم أحداً، وأن الرأي رأيهم وأن لهم أن يعدّلوا وأن يبدّلوا.
وممّن اتصل حبل الودّ بيني وبينه وأحببته محبّة الأخ،
стр. 1762
ووجدت فيه فضائل البداوة التي سمعت أنه نشأ أوّل نشأته فيها: بلاغة في المنطق واستقامة في السيرة وصدقاً في القول ورجولة وشجاعة، وسافرت معه فكان رفيقي في الحجّ لمّا دُعينا إليه فذهبنا باسم المؤتمر، فنمت أنا وهو في غرفة واحدة (وقلّما ضمّتني في المنام غرفة واحدة مع غيري)، فما أنكرت في السفر ولا في الحضر في سلوكه شيئاً، ما لمست منه غلظة ولا وجدت منه إزعاجاً، ولمست فيه صواب الفكرة وصدق المقال. وهو الأستاذ كامل الشريف. وكان ثالثنا في رحلة الحجّ الأستاذ سعيد رمضان.
وكلّفونا أنا وهو السفر إلى طهران لمّا حُكم على صديقنا نَوّاب صفوي بالموت، لنعمل على إنقاذه. فلما وصلنا بغداد منعونا من دخول إيران، فاجتمعنا في الكاظمية بوفد كبير من علماء الشيعة وبذلنا الجهد، فما قدرنا لأخينا نواب على شيء، وقُتل ﵀.
ودامت صلتي بالأستاذ كامل الشريف حتى صار وزيراً. وأنا في العادة أبتعد عن الوزراء حتى يُلقُوا عن عواتقهم وقر الوزارة، وإن كنت أستثني من ذلك نفراً ما بدّلَتهم الوزارة ولا غيرَتهم، كالأستاذ نهاد القاسم رحمة الله عليه، والشيخ مصطفى الزرقا والدكتور إسحق الفرحان والدكتور مصطفى البارودي أطال الله أعمارهم، وجماعة آخرين لعلّي كنت أعدّ معهم كامل الشريف لو أني قابلته وزيراً.
وممّن زادت صلتي به وطال اجتماعي معه وتقديري له وصحبتي إياه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي، في المؤتمر في القدس وفي عمان في فندق بالاس، وفي دمشق في داري ودار
стр. 1763
شيخنا الشيخ بهجة البيطار، وفي بغداد. وقد بلغني أن ابنه الآن وزير خارجية الجزائر وأنه على طريقة أبيه في العمل لله وفي السعي للخير والإخلاص فيه.
ومنهم الأستاذ عبد الرحمن خضر، المحامي العراقي الذي أكبرت فيه دينه وإخلاصه وجِدّه في عمله، وبراعته في صناعته (في المحاماة) وحسن خلقه. ورافقته في بغداد إلى بعض المحاكم وسمعت مرافعته، وكنّا يوماً في زيارة رئيس محكمة من المحاكم يبدو عليه أنه كبير السنّ بادي الشيخوخة، فلما جاء يعرّفه بي قال: شنو؟ إنه أستاذي. فعجبت أولاً، ثم لمّا ذكر اسمه أدركت أنه كان حقاً من تلاميذي في الثانوية المركزية سنة ١٩٣٦ وأنه في سِنّ إخوتي الصغار، وقد حسبته لمّا رأيته في عمر أبي!
وإن أنا ذكرت في هذه الحلقات طائفة من الناس قلت إنهم تلاميذي فربّ تلميذ فاق أستاذه. عمل الأستاذ -يا أيها القُرّاء- مثل واد بين جبلَين في وسطه جدول صغير، لا يستطيع السائح أن يصل من جبل إلى جبل حتى يقطع الجدول، وليس على الجدوَل جسر يجتاز الناس من فوقه، فقام عليه من يُجيز المسافرين، ينقلهم من ضفّة إلى ضفّة حتى يصل بأحدهم إلى الجانب الآخر ثم يؤمّ الجبل صُعُداً، فيبلغ منهم ناس عاليه وهو لا يزال في مكانه.
هذا مثال الأستاذ، فإن أنا قلت إن فلاناً وفلاناً كانا من تلاميذي فإنما أعني السبق الزمني التاريخي، ولست أعني أنهم يبقون التلاميذ دائماً وأبقى الأستاذ دائماً.
* * *
стр. 1764
-١٤٠ -
كيف قابلنا الشيشكلي ؟
نحن كالنمل. هل رأيت قرية النمل؟ ادنُ منها ترَ حركة دائبة وصفوفاً متعاقبة، كلّ واحدة تأخذ بعقِب أختها فتمشي وراءها. كنت أحسب أنّ لها غاية تريد بلوغها، ثم علمت أنها تدع مِن أثرها شيئاً له رائحة، تهدي رائحته التي بعدها فتتبع سبيلها، فإذا مسحت بإصبعي طريقها اضطرب حبلُها واختلّ سيرها.
أليس هذا مثال البشر؟ بعضهم يموج في بعض، منهم من يمشي يميناً ومن يمشي شمالاً، وكلٌّ مسرع لا يقف، وكلٌّ يحسب أن طريقه هو الصراط المستقيم. وهل أنا إلاّ واحد من الناس أمشي مشيهم وأصنع صنيعهم؟ أصبح فأعدو نهاري كله، فإذا جاء الليل هجعت أستريح، ثم غدوت لأعود فأعدو من جديد.
لا أقف إلاّ مرة في رأس كل سنة. أقف قليلاً لأنظر أمامي لأرى إلى أين أسير، وأنظر ورائي لأرى كم قطعت من الطريق. أفتح دفاتري وأصفّي حسابي، كما يصنع التاجر عند الجرد السنوي إذ ينظّم موازينه ليبصر كم ربح وكم خسر. واليوم (الأربعاء ٢٣ جمادى الأولى) هو يوم الجرد، في هذا اليوم من سنة ١٤٠٥
стр. 1765
ختمت ثمانياً وسبعين صفحة من كتاب حياتي الذي لا أدري ولا يدري أحد كم عدد صفحاته، لأن النسخة الأصلية لا يستطيع أحد أن يراها، فهي في كتاب مكنون مخبوء، ما فرّط الله في هذا الكتاب من شيء.
وليس المراد بالكتاب الذي ما فرط فيه من شيء القرآن، بل هو كتاب القدَر الذي انفرد بعلمه الرحيم الرحمن، لا يعلمه نبيّ مُرسَل ولا ملَك مقرَّب. إنه غيب ولا يعلم الغيب إلاّ الله.
فتحت اليوم (٢٣/ ٥/١٤٠٥هـ) الصفحةَ التاسعة والسبعين، فمتى تُغلَق؟ وهل أقدر أن أعود إلى ما قبلها فأصحّح ما فيه من أخطاء مطبعية أو ما فيه من أغلاط فكرية؟
إن من رحمة الله بنا أن جعل لي ذلك، أعود إليها ولكن بالذاكرة، وأصحّح ما فيها بالتوبة. فاللهمّ إني تبت إليك فتُب عليّ، وجئت أستغفرك فاغفر لي، فلقد أيقنت والله الآن أن لذائذ الدنيا سراب وأن مخاوفها أوهام، وأنها كلها رؤى منام أو أضغاث أحلام.
كتابة على الماء، يموج الماء فيمحوها، يمحوها أمام عينك ولكنها ثابتة أمام الله، لا تضيع منها صغيرة ولا كبيرة يُحصيها ليحاسبنا عليها. دنيا كالذي تراه في لوحة الرائي (التلفزيون): مناظر جميلة وجبال وأنهار وناس وبهائم، عالَم كامل، ولكن إذا أدرت المفتاح أو انقطع تيار الكهرباء ذهب كلّ ما ترى في لمحة فكأنه ما كان.
* * *
стр. 1766
كنت أقف على رأس كلّ سنة فأصفّي حسابي مع الزمان، ولكنْ كَبُر الآن رقم الحساب وطال العمر، وما عدت أستطيع أن أشمل كلّ الذي رأيت في عمري بنظرة، ولا أن أحصره في فكرة، ولا أن أصوّره في مقالة.
إني لأفكّر الآن: ما الذي قدّمته لآخرتي في هذه السنوات الطوال؟ ما الذي نفعت به الناس؟
لقد طُبع ممّا كتبت إلى هذا اليوم أكثر من أربعة عشر ألف صفحة، وما لم يُطبع كثير. لقد علّمت في المدارس من سنة ١٩٤٥. إنها ستّون سنة، بدأت التعليم قبل أن أُكمِل التعلّم، علّمت في المدارس الأولية في القُرى وفي الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ودرّست في الجامعات وفي أقسام الدراسات العُليا فيها، في الشام وفي العراق وفي لبنان وفي الرياض وفي مكّة. علّمت بنين وبنات، علّمت مشايخ وأفندية، ألقيت محاضرات في النوادي ودروساً في المساجد، وخطباً في المظاهرات وفي الشوارع والساحات. والله وحده الذي يعلم عددها. وضعت أو شاركت في وضع قوانين كثيرة ومناهج للمدارس الشرعية.
فما الذي بقي لي من ذلك كله الآن؟
إن كان عملي للدنيا وحدها فما بقي شيء: المال الذي دُفع لي أُنفِقَ وذهب، والتقدير الذي أرجوه من الناس نُسِي وراح، وكذلك يكون العمل للدنيا. وإن كان شيء منها لله، قد خَلُصَت فيه النيّة وصفي القلب وأُريدَ به الله والدار الآخرة، فهذا الذي يبقى عند الله ويسبقني ثوابه إلى الدار الآخرة.
стр. 1767
كان موضوعي في هذه الحلقة مقابلة نفر من أعضاء المؤتمر العقيد أديب الشيشكلي، يوم كان هو الحاكم في سوريا، حكمه النافذ وقوله المسموع وإليه المرجع. فأين الشيشكلي؟ وأين مَن رأيت قبله وبعده من الحُكّام؟ وهل أقدر أن أعدّ من رأيت من الحُكّام؟
كنّا ونحن في المدرسة الابتدائية أيام الحرب الأولى نرى جمال باشا هو كل شيء، وإليه ينتهي في بلدنا كل شيء. يخافه الكبار فكيف لا نخاف -إن ذُكر اسمه- نحن الصغار؟ كان معه الجيش، ومعه المال، ومعه السلاح. وكان يشنق ... لا يزال أمام عيني منظر المشنوقين في ساحة المرجة أيام الحرب العالَمية الأولى. وبكيتهم مع من بكاهم وسَمّيتهم الشهداء مع من سَمّاهم، وقلنا للمرجة بعدهم «ساحة الشهداء»، ثم لمّا كبرت وعرفت بعض ما كنت أجهل من الحقائق علمت أن أكثرهم لم يكونوا شهداء ولا مظلومين برآء، ولكن كان أكثرهم مجرمين. كانوا جواسيس وكانوا أعواناً للإنكليز والفرنسيين، ثبت ذلك من الأوراق الرسمية التي وجدوها في القنصلية البريطانية والفرنسية ومن وثائقهما (١).
فكيف تضيع حقائق التاريخ في دعايات بعض الدول وبياناتها الرسمية؟ إنْ كذب عليك ولدك أو تلميذك نصحتَه ثم زجرته ثم عاقبته. ولكن من يعاقب من يزوّر التاريخ وهو يملك كلّ وسائل التزوير وأنت لا تملك من أسباب التصحيح شيئاً؟ السلطان معه
стр. 1768
والدولة والمال والإذاعة والصحف معه، فما الذي هو معك؟
كُن مع الله ترَ الله معك، وكفى بالله لمن كان معه بقلبه معيناً ونصيراً. وسيُظهِر الله الحقّ ولو طال المدى، وإن لم يظهر في الدنيا فإن هذه الدنيا فصل من الرواية وليست الرواية كلها، إنه سيُرفع الستار عمّا بقي من فصولها.
كم رأيت في حياتي من حُكّام انتهى إليهم في حياتهم أمر كلّ شيء، ثم أمسوا ليس في أيديهم من الأمر شيء، بل لقد باتوا هم لا شيء:
ماتوا فما ماتتِ الدنيا لمَوْتِهمُ ... ولا تعطّلَتِ الأعيادُ والجُمَعُ
وسيموت كل طاغية جبّار ويمشي على طريق من سبقه. ما بقيَت الدنيا لأحد قبله حتى تبقى له. بل إن الأسماء التي كبرت حتى مشَت على كل لسان ودخلَت كلّ أذن وصار منها ما يُخوَّف به الأولاد كالبعبع والعفريت والغول، لقد نُسيت هذه الأسماء!
كنت مرة مع بعض العوام فجرى ذكر ستالين، فسألت أحدهم: ألا تعرف ستالين؟ فخجل من جهله ثم قال: أنا يا أستاذ أستعمل الأسبرين، لا أعرف الستالين!
كم عدد الذين يعرفون من القُرّاء تاريخَ القرامطة؟ القرامطة الذين احتلّوا مكّة، وأقَضّوا جانب الدولة العباسية، وعاثوا في الأرض فساداً، وكانوا شرّ قَبيل انتسب زوراً إلى بني آدم. الذين ذبحوا الحُجّاج ذبح النعاج وهم يطوفون حول البيت، واقتلعوا الحجر الأسود وأخذوه معهم إلى هَجَر. ولست أعرف ما هجر:
стр. 1769
أهي القطيف أم البحرين؟ ولا يضرّني ألاّ أعرف ما هَجَر بعد أن أباد الله ذلك الصنف الفاسد من البشر.
وصاحب الزِّنْج الذي أثار الأذناب على الرؤوس والعبيد على السادة، وأراد أن يقلب وضع المجتمع ويجعل سافله عاليه ورأسه تحت ورجلَيه من فوق، فقلبه الله فجعل جسده تحت الأقدام وصيّره عِبرة للأنام.
لو كنت أستطيع أن أعُدّ مَن علا حتى ظنّ أنه بلغ برأسه السحاب ثم غدا تأكل جسدَه الدود تحت التراب! كلّما رأيت من يسيطر اليوم بقوّته أو يحكم بجيشه وسلاحه ويستعين بجنده وأعوانه على ظلم الأنام والتحكّم في الناس، يظلم عباد الله ويخالف شرع الله ويسعى في الأرض فساداً، كلّما رأيت ذلك تذكّرت أمثاله وتخيّلت مصيره الذي لا يستطيع أن ينجو منه، فهان عليّ ما أرى.
يا أيها القُرّاء، أقول لكم بعد تجارِب ثماني وسبعين سنة كاملة في هذه الحياة، رأيت فيها من خيرها وشرّها وذقت من حُلوها ومُرّها، أقول لكم: من اغترّ بهذه الدنيا واطمأنّ إليها فهو أحمق.
* * *
أعود الآن إلى موضوعي.
قلت لكم في الحلقة الماضية إنهم انتدبوني أنا والأستاذ كامل الشريف، لمّا حُكم على أخينا نَوّاب صَفَوي بالقتل، أن نذهب
стр. 1770
إلى طهران فنسعى للعفو عنه أو للرفق به. لمّا بلغنا بغداد منعونا دخول إيران، وكأنهم كرهوا أن نذهب إلى النجَف فنجتمع بعلمائها لنتعاون معهم على ما جئنا نسعى إليه، فقَدمت جماعة كبيرة من علماء الشيعة إلى بغداد. واجتمعنا في مسجد الكاظمية فقلت لهم: إن نواب صفوي أنتم أولى به وإن قضيّته قضيّتكم، وإنه وإن لم يكن بعيداً منّا أقربُ إليكم، فاعملوا ونحن معكم.
وقلت لكم إنّا ما استطعنا أن نصنع شيئاً وإن سهم القضاء قد نفذ فيه فمات، رحمة الله عليه.
وقد يسأل سائل: من أين عرفت نواب صفوي؟ لقد سمعت أخبار جماعته الفدائية، تلك الأخبار التي ملأت الصحف في تلك الأيام، وما كان يعمل أعضاء «فدائيان إسلام». فلما قرأت اسمه بين أعضاء المؤتمر كرهت لقاءه، وخفت أن يكون كما قالوا مغرقاً في شيعيته فيقع بيني وبينه جدال ربما أساء إلى المؤتمر وأبعده عن بلوغ الغاية التي يسعى إليها. فلما لقيته وجدته شاباً صغير السنّ بهيّ الطلعة لطيفاً، بعمامة أظن أنها كانت سوداء وجبّة سابغة، ولمّا كلّمته وجدته متأدّباً يحترم الكبير ويستمع النصيحة، فخضت معه في الموضوع الذي كنت أخشاه فوجدته كما كنت أقدّر غالياً في شيعيته.
ولا يأتينا الضرر ولا يقع بيننا الخلاف إلاّ من أصحاب الغلوّ والتشدّد. فصرت أبيّن له ما أرى أنه الحقيقة، فكان يُصغي إليّ ويَقبل ما يقوم الدليل على أنه صحيح من كلامي، فلما لمست طيب قلبه وإخلاصه وحُبّه للوصول إلى الحقّ، كدنا نتّفق على كثير
стр. 1771
من المسائل التي يختلف فيها من كان في مثل موضعه وموضعي. ثم صار يُكثِر الاجتماع بي ويمشي معي، ولنا صور كثيرة في المؤتمر وفي المسجد الأقصى بالقدس، ثم في عمان في دار صهري الأستاذ عصام العطار لمّا كان في عمان. وأقول لكم إنني أحببته لِما لمست فيه من كريم الصفات.
ولمّا انقضى المؤتمر ورجعنا إلى دمشق أحبّ وأحبّ فريقٌ مِمّن كانوا في المؤتمر من الأساتذة والمشايخ أن يقابلوا الشيشكلي.
وأنا في العادة لا أطرق أبواب الحُكّام ولا أحوم حولها ولا ألتمس الدنوّ منهم، ولكن لمّا ألقيت تلك الخطبة عن حفلة دوحة الأدب ورقصة السماح وكان بعدها ما كان (وقد قرأتم خبر ما كان) جاء صديق لنا طبيب عقيد في الجيش، وكان العقداء (الكولونيلات) في الجيش السوري نفراً معدودين، منهم العقيد أديب الشيشكلي والعقيد عزّة الطباع، الطبيب الذي أتكلم عنه، وهو أديب النفس وأديب الصنعة، أظنّ أنه يَنْظم الشعر ويكتبه، وهو من إخواننا. اقترح عليّ أن أزور الشيشكلي لأوضّح له ظروف الخطبة التي ألقيت فأزيل من نفسه بقايا الألم لِما قلت عن حاضري الحفلة في دار العظم أن من لا يغار على نسائه ونساء المسلمين يكون ديّوثاً.
وقبلت هذا اللقاء وحدّد الموعد، وذهبت أنا وأخي الشاعر أنور العطار ﵀ فقابلناه في «الأركان». وجدته لطيفاً ناعم الملمس حلو اللفظ، كأنه تاجر شامي قديم. وكان -كاسمه- أديباً
стр. 1772
عند المقابلة، ما شمخ بأنفه ولا صعّر خدّه، بل استقبلَنا كما يستقبل العربي ضيفه، يُكرِمه ويقدّمه ويرفع مقامه ويتأدّب معه.
ثم كان بيننا لقاء ثانٍ، لا سعيت أنا إليه ولا طلبته ولكن طُلب مني. جاءني يوماً في داري، وكان الشيشكلي والعسكريون هم الحُكّام في الشام، وكان شبح سجن المزة يلوح من ورائهم والناس يخشونهم ويحذرونهم ... في هذه الحال جاءني صباحَ يوم إلى الدار ضابطٌ في الجيش يخبرني أن سيادة العقيد يحب أن يجتمع بي. وطمأنني بأن الاجتماع وُدّي وأن لي أن أوافق عليه أو أن أعتذر عنه.
وقد حاولت الاعتذار لكني وجدت فيه حرجاً، وطمأنني أن الاجتماع في داره لا في قصر الحكومة. والاجتماع في الدار أدعى إلى الاطمئنان. وكان مستأجراً دار نسيب بك البكري، في أول فرع شارع بغداد الذي يبدأ من ساحة السبع بحرات.
وأنا -كما عرفتم- أستصعب أن أذهب وحدي في زيارة ولو كانت لأقرب أصدقائي إلى نفسي، فأصحب معي واحداً من إخواني. فلما جاءتني هذه الدعوة مررت على دار صديقي وزميلي في المحكمة الشيخ صبحي الصباغ فقلت له: إن العقيد يدعونا لنزوره في داره.
وأستغفر الله أني كذبت في هذا القول، وإن كان إلى المعاريض الجائزة أقربَ منه إلى الكذب الحرام. فقال: خَيّو (أي يا أخي)، لماذا نذهب؟ قلت: نزوره، هو يريد ذلك. ففكّر قليلاً ثم قال: باسم الله.
стр. 1773
ذهبنا إليه صباحاً قبل ابتداء العمل في المحكمة، وكذلك حدّد هو الموعد. فلما دخلنا عليه خرج من وراء مكتبه واستقبلَنا من وسط الغرفة، ثم قعد أمامنا فحيّانا بأحسن ما يُحيّي به مضيفٌ ضيفَه. وجاءت القهوة فأبى إلاّ أن يقدّمها هو إلينا، أخذ الصينية من الخادم ووقف أمامنا يقرّبها إلينا! وأنا أتحرّج من أمثال هذه المواقف ولو كانت من زميل أو صديق وأرتبك ولا أعرف ماذا أصنع، لقلّة اختلاطي بالناس واندماجي بالمجتمعات، فقمت واقفاً وقام صاحبي نشكره ونرجو منه أن يقعد، فأبى وقال ضاحكاً: أنتم ضيوفنا، هل نسيتم عاداتنا العربية؟
ثم كان حديثٌ كالذي يكون بين الأصدقاء في المجالس. وبعد أن ذهب بالحديث يميناً وشمالاً قال إنه عازم على نشر دستور جديد، قد استشار فيه أهلَ الحلّ والعَقْد وأراد منه الخير للناس وللبلد، وهو يريد مني (وخصّني هنا بالحديث) أن أُبدي رأيي فيه في عشر حلقات إذاعية من حديثي الذي كان يُذاع بعد صلاة الجمعة من كلّ أسبوع.
فسألته: هل لكم توجيهات معيّنة تريدون أن نتوجّه إليها في الحديث أو أمور تُحِبّون أن نؤكّد عليها؟
قلت هذا وأنا أعلم وهو يعلم أنني لن أستجيب له إذا أملى عليّ شيئاً لا أقتنع به. وتبيّن لي من هذه المقابلة والتي قبلها أنه ذكيّ نادر الذكاء، فقال: أعوذ بالله، وهل أنا مِمّن يُملي على مثلك؟ إنما نريد أن نستفيد من خبرتك ومن علمك ما ينفعنا وينفع الناس.
وأنا أظهرت أنني صدّقته، وأخذت كلامه على ظاهره. وذهبت
стр. 1774
فجعلت حديثي يوم الجمعة التي تلَت المقابلة عن الدستور، وقلت بأن الدول الإسلامية المتأخّرة كانت تدّعي أن دستورها القرآن، ولكن كان أكثر حكامها فاسدين فما نفَعهم الدستور لمّا لم يطبّقوه، لذلك أقول إن دستوراً سيّئاً مع الحاكم الصالح القوي الصادق خيرٌ من دستور صالح مع حاكم فاسد.
سمع الناس هذا الكلام وسمعه هو، فما لامني عليه ولا شكرني، ولكن لم يُذيعوا لي الأحاديث التسعة الباقيات!
* * *
فلما جاء إخواننا في المؤتمر يريدون لقاءه كان الوسيط هذه المرة بيني وبينه الأستاذ أحمد عسّة، مدير الإذاعة، وكان يوماً من الأيام تلميذي، فطلبت إليه أن يأخذ لنا موعداً ففعل.
وذهبنا إليه، نَوّاب صَفَوي الذي أتحدّث عنه، والشيخ محمد البشير الإبراهيمي الجزائري، والأستاذ الفضيل الوَرْتلاني الجزائري، والأستاذ مُحيي الدين القُلَيبي التونسي، ومعهم اثنان أو ثلاثة نسيت أسماءهم الآن، ولم يكن فيهم سوري غيري أنا.
فلما دخلنا عليه أحسن استقبالنا على عادته واستمع منّا. فقال الشيخ الإبراهيمي كلاماً جيّداً صريحاً صادقاً ولكنه مهذّب مؤدّب، وقال آخر كلاماً لا أذكره، ثم استلم الكلام نواب صفوي فقال بلهجة المهاجم المقاتل لا الناصح الصديق: يا شُشْكُلي (وكان يضم الشين الأولى ويُسكّن الثانية)، أنت تخالف الإسلام وأنت تحارب العاملين له وأنت تعمل كذا وكذا ...
стр. 1775
وقال كلاماً ما كنت أحسب أن رجلاً يواجه به آخر من عامّة الناس في لقاء له معه أول مرة! وكان العقيد الشيشكلي مبتسماً، ما اختلجَت عضلة في وجهه ولا تقلّصَت بَسمتُه شعرة ولا بدا عليه أنه غضب أو تألّم، وكان يهزّ رأسه مستمعاً كأن الذي يُلقى عليه قصيدة مدح له لا كلام هجوم عليه. وكان يلحظني بطرف عينه خلسة كأنه يقول لي: أهؤلاء الذين جئتني بهم وسألتني الاجتماع بهم؟
وكأني أحسست أن في نظرته تهديداً ووعيداً، فلما خرجنا من عنده (وقد شيّعَنا إلى الباب) قال لي نواب صفوي: ما رأيك؟
ينتظر مني أن أقول له الله يعطيك العافية، فقلت له: الله لا يعطيك العافية! فصُدم وقال: لماذا؟ قلت: الله لمّا بعث موسى وهارون إلى فرعون قال لهما: ﴿فقُولا لهُ قولاً ليّناً﴾. هل أنت خير من موسى أم هو شر من فرعون، أم أنت لا تعرف آداب الخطاب؟
وكان عندنا بعد هذا الاجتماع احتفال كبير في جامع تنكز، وهو من مساجد الدرجة الثانية بعد الجامع الأموي، في مكان هو لُبّ البلد ومجمع الناس. فوجدنا فيه حشداً عظيماً يريدون أن يستمعوا لمن حضر من المؤتمر، فقام نواب صفوي فحدّثهم بما كان في مجلس الشيشكلي وروى لهم ما قال له.
* * *
وكنت قد رتّبت أموري على أن أذهب في رحلة الشرق مع الشيخ الصوّاف والشيخ أمجد الزّهاوي، وكاد الأمر ينتهي، بل
стр. 1776
لقد سعوا لي أن يكون سفري إيفاداً في مهمّة رسمية آخذ عنها تعويضاً. فلم أعُد أنتظر التعويض ولا أرجو أن تكون مهمّة، بل كان هَمّي كله أن أنجو بريشي، لا أكتمكم أنني خفت أن أبيت في سجن المزة!
إن سَلَف الشيشكلي الذي ابتدع بدعة الانقلابات وحقّقها بعد أن وضع مشروعَها في العراق بكر صدقي في انقلابه الجزئي (وقد شهدت الانقلابَين وسأتحدّث عنهما)، إن حسني الزعيم اعتقل رئيس الجمهورية، فهل يمتنع خَلَفه أن يعتقل رجلاً مثلي ليس رئيساً ولا وزيراً؟
هذه هي قصّة لقائنا مع الشيشكلي. وأنا لا أدنو عادة -كما قلت لكم- من أبواب الحُكّام، ولم ألقَ الشيشكلي إلاّ هذه المرات. وقد لقيت عقيدَين من أعوانه، الأوّل هو العقيد إبراهيم الحسيني الذي جاء المملكة في آخر أيامه فاشتغل فيها. وكان ناعماً مؤدّباً رقيق الحاشية مهذّب اللفظ، قابلناه مرة مع جماعة من المشايخ فاحتفل بنا وأصغى إلينا، فلما ودّعناه وخرجنا تلفّتُّ فإذا هو يمشي ورائي من غرفته إلى أوّل الدرَج، فأقسمت عليه فرجع. ونزلنا الدرَج فلما وصلنا إلى الباب الخارجي لدائرة الشرطة تلفّتُّ فوجدت أنه قد نزل معنا يشيّعنا إلى هذا الباب!
والآخر عقيد خشن بذيء اللفظ قليل التهذيب، نسيت بحمد الله اسمه. استدعى مرة جماعة من العلماء والمشايخ فاعتذر منهم ناس كالشيخ حسن حبنكة رحمة الله عليه وآخرون، وذهبت أنا والشيخ أحمد الدقر والأستاذ محمد المبارك ونفر لا أذكر
стр. 1777
الآن أسماءهم. قابلناه في المكان الذي قابلنا فيه من قبل العقيد الحسيني، ولكن اختلف الوجه وتبدّل اللسان، فواجهَنا بتهديد ووعيد وكلام شديد، بلفظ بذيء وصل فيه إلى حدّ الكفر. وأنا المعروف عادة بأنني جريء الجَنان ماضي اللسان، شغلَتني هذه المفاجأة فجعلَتني أفكّر في الذي أقول، وإذا بأخينا المبارك كان أسرع مني، فبادر إلى الردّ عليه بلهجة حاسمة قوية وقال له: نحن لا نقبل أن نستمع إلى هذا الكلام ولا أن نُهدَّد هذا التهديد. وكلاماً هذا معناه أكبرته به وأعظمته منه (وأنا أشهد له هذه الشهادة بعدما ذهب إلى رحمة الله، كما شهدتها في حياته ﵀.
ومن غرائب الأمر أننا لمّا خرجنا من عنده حدّث بهذه المقابلة أحدُ المشايخ الحاضرين الذين لم يفتحوا فماً ولم يتكلّموا كلمة، فنسب لنفسه الهجوم على العقيد وتفجّرَت حماسته بعدما انتهت المعركة، وانطلق لسانه بعد أن لم يبقَ للكلام مجال، فزعم أنه قال وقال.
وقد اختلفنا مرة: أيّ العقيدين أقوى مراساً وأشدّ بلاء: العقيد الحسيني الناعم المعسول الكلام أم الآخر الخشن البذيء الذي نسيت اسمه؟ فقلت لهم: لا تغرّنكم نعومةُ الفأس ولا تخدعنّكم خشونةُ الحطبة، فإنّ الفأس على نعومتها تقطع أشدّ الحطب على خشونته.
* * *
стр. 1778
-١٤١ -
بغداد، المحطّة الأولى
في رحلتنا من أجل فلسطين
لوحة جميلة، فيها صور مدن وناس ومشاهد مختلفات، وفيها من غرائب العادات ما يستهوي النفس ويُثير الرغبة في الاطّلاع، ولكن ثلاثين سنة مرّت عليها محَت خطوطها إلاّ العريضةَ منها، وطمسَت ألوانها إلاّ ملامحَ منها تدلّ عليها.
وهذه الخطوط العريضة وهذه الملامح العامّة هي ما جئت أعرضه عليكم اليوم على استحياء.
رحلة امتدّت حتى عدلَت ربع محيط الأرض، ولكنها بدأت من هذه البادية: بادية الشام التي قطعتها ذاهباً وآيِباً، من دمشق إلى بغداد ثم من بغداد إلى دمشق، مرات لا أحصيها ... قولوا عشراً، قولوا أربع عشرة، إنكم لا تكونون مبالغين، ولربّما كانت أكثر من ذلك.
إذا انتهيت من مرحلة عُدت فابتدأت من حيث انتهيت، فتكون النهاية بداية والبداية نهاية، والدولاب يدور والعجلة
стр. 1779
تمشي، كما تمضي أيام العمر:
يَومٌ يَمُرّ وليلٌ يكِرُّ ... وفجرٌ يعودُ بيوم جَديدْ
ثم يصير الجديد قديماً والعمر ينقضي بينهما، والأجل يقترب، حتى يأتي على المرء مساء لا صباح له أو صباح ما له من مساء.
نغدو ونروح والبادية لا تحسّ بمن غدا أو راح؛ يتبدّل الناس وهي باقية على ما كانت عليه، حتى يجيء عليها هي أيضاً يوم تُبدَّل فيه الأرض غير الأرض والسماوات، فيموت كل حيّ ويسكن كل متحرّك، ويعود إلى التراب كُلّ ما فوق التراب، ولا يبقى إلاّ وجه ربك ذو الجلال والإكرام. هنالك ينادي المنادي: لِمَنِ المُلْكُ اليوم؟ فيجيب المجيب: لله الواحِدِ القَهّار.
ثم نعود بشراً نخرج من التراب كما بدأنا أوّل مرة من التراب، ويرجع حياً من مات ويصير حاضراً يرى التاريخ الذي كان ماضياً يُروى، ويجتمع البشر في صعيد الحشر، يُساقون جميعاً للحساب بين يدَي ربّ الأرباب.
* * *
إن رأيتموني خرجت عن موضوع الرحلة فلا تثريب عليّ، فإن هذه الرحلة التي خرجتُ إليها هي التي لا بُدّ منها ولا مَعدى لنا عنها، يذكرها العاقل أبداً ويشكر من يذكّره بها، وينساها الأحمق الجاهل ويؤذيه أن يأتي مَن يحدّثه حديثها، أو يسأله ماذا أَعَدّ لها وماذا عمل في دنياه التي جعلها الله مزرعة لها، يحصد كلٌّ ما زرع،
стр. 1780
فلا يقطف من الحطب العنب ولا من الشوك الرطَب.
ورُبّ قائل يقول لي: إنك لم تستوفِ الكلام عن المؤتمر؛ لم تصِفْ جلساته ولم تسرد مقرّراته ولم تُفِض في بيان أعماله. وهذا الذي قالوا حقّ، وأنا كتبت منه ما رأيت. كتبت ذكرياتي ولم أكتب تاريخ المؤتمر، كنت فيه ولم أكُن حاضره.
لا تعجبوا من هذا الكلام، فلقد كنت فيه على الهامش أمسّ محيط الدائرة مسّاً، أما الذي كان في مركزها وكان هو قطب المؤتمر، وهو الداعي إليه والساعي لإقامته وهو الذي جمع له المال، وهو الذي يعرف ظواهره ودواخله وباديه وخافيه، فهو رجل اسمه الشيخ محمد محمود الصواف. فاسألوه يُجِبْكم واستكتبوه يكتُبْ لكم، عن المؤتمر وعن الدعوة إلى الإسلام في شباب العراق التي كان له شرف حملها. إن عنده صفحة من تاريخ العراق الحديث، كما أن عند الدكتور معروف الدواليبي صفحة أخرى من تاريخ الشام، فخذوهما منهما وانسخوهما عنهما، قبل أن تفقدوهما وتفتّشوا عنهما فلا تجدوهما.
على أني لن أدع المؤتمر وأسافر قبل أن أذكر بالخير فتية أحسنوا إليّ، فلم يفارقوني ولم يضنّوا عليّ لحظةً أن يؤنِسوني ويُعينوني. كانوا يومئذ فتية كراماً وصاروا الآن أساتذة أعلاماً، لهم كتب ولهم مصنّفات ولهم مآثر ظاهرات، ولهم في الإصلاح أثر وفي الصلاح مكان: عصام العطار وزهير الشاويش وأديب صالح، وصحب لهم مثلهم وإن لم أذكرهم الآن كذكري إياهم.
أمّا عصام فقد عرفتم مكانه مني وصِلَته بي، وأمّا زهير
стр. 1781
فليس في المكانة دونه وهو في الصلة مثله. وهو ابنُ نَفْسِه، علّمَها وزكّاها. قرأ الكتب وصحب العلماء، وفتح عينيه على الحياة وأذنيه للعلم، وأمدّته ذاكرة قلّ نظيرها وذكاء ندر مثيله، ثم أقبل على طبع الكتب وتصحيحها والرجوع عند التصحيح إلى أصولها التي أخذ مؤلّفوها منها. فبلغ كلّ منهما ما ترونه منه الآن.
* * *
خرجنا من عمان أنا والأستاذ الصواف يوم الجمعة بعد الصلاة يوم ٢٢/ ١/١٩٥٤ في سيارة صغيرة لصديق من أصدقاء الصواف. ولئن كان السفر بالطيارة أسرع والسفر بالقطار أمتع، فإنك حين تسافر بالسيارة الصغيرة، ولا سيما إن كانت سيارة رفيق موافق، تحسّ بالحُرّية والانطلاق. تقف السيارة بك متى شئت وتنزل منها متى أردت، لا كراكب الطيارة الذي يمضي طريقه كالمحبوس في غرفة واحدة وكالمصفَّد بالأغلال.
لقد كتبت عن هذه السفرة مقالة طويلة. لكن أين هو الذي يعلم مكان المقالة؟ وأنّى لي الوصول إليها الآن؟ على أن الصور التي أودعتها المقالة ماثلة أمامي والأفكار التي وضعتها فيها محفوظة في ذاكرتي. مشينا في رحلتنا مع خطّ النفط (البترول)، فوجدناهم قد أقاموا محطّات كأنها قُرى صغيرة سَمّوها بحروف مرقّمة بأرقام (H٤) و (H٥)، ورأينا في المحطّة بيوتاً مثل بيوتهم في بلادهم جمعوا فيها الراحة من أطرافها، ففيها الفراش الوثير، والطعام النافع اللذيذ، والوسائل إلى دفع الحَرّ والقَرّ، والكتب والمجلاّت، والمجامع والملاعب، وفيها كلّ ما يكون في المدينة
стр. 1782
الكُبرى. والمرء لا يشعر بالاطمئنان والأمان إلاّ في بيته. ولا أعجب مثل عجبي مِن الذين يَدْعون المرأة إلى الخروج من بيتها، فتجول في الشوارع أو تعمل في المصانع أو تخوض المعارك والمعامع. يقولون لنا محتجّين علينا: هل تريدون للمرأة السجن في دارها؟
ما أجهلكم وما أضأل بالحياة معرفتكم حين تسمّون البيت سجناً! لقد طالما نزلت في رحلاتي الكثيرة بلاداً لم أجد فيها فندقاً آوي إليه أو نُزُلاً أبيت فيه، فشعرت أن البلد كلّه -على سعته- هو السجن إن لم يكن لي فيه دار، وأن الدار، إن كانت داري، هي البلد.
لقد عرف الإنكليز هذه الحقيقة فنقلوا بيوتهم إلى هذه الصحراء، فأقاموها فيها أو أقاموا فيها مثلها حتى لا يحسّوا الغربة عن منازلهم.
ومن الصور التي بقيَت في ذهني إلى الآن أن البدوي الذي رأى السيارة أول مرة فهرب منها وحسب أن الجنّ تسيّرها، والذي كان يجزع من الرادّ (الراديو) الذي تغنّي فيه العفاريت ويرتجف قلبه هلعاً من المحرّك (الموتور) الذي تديره يد مارد لا يُرى، صار يسوق اليوم السيارة التي كان يهرب منها ويُصلِحها هو إن فسدت، ويفكّك أجزاء الرادّ ويجمّعها، ويحرّك (الموتور) ويعرف كيف يدور. عرف الحقيقة فبطل السحر، ورأى الغربيَّ مثلَه فلم يعُد يخشاه ولا يجبن أمامه.
وكنّا نمرّ على مخافر الجيش العربي الأردني. وهم يعيشون في هذه الصحراء بما ورثوه من أخلاق الصحراء، ومن أخلاقها
стр. 1783
الصبر والجلَد والاحتمال والصراحة والبعد عن النفاق. ولقد مررنا بأحد المخافر فكلّفونا أن نحمل صرّة صغيرة وقربة فيها ماء. قلنا: لمن هذه؟ قالوا: للولد دهّام. قلنا: وأين هو؟ قالوا: جِدّام (أي قدام). فسرنا ثلاثين كيلاً (كيلومتراً) حتى وجدناه وحده في خيمة قائمة في الصحراء يحرس الحدود، وإلى جانبه على مرمى حجر منه خيمة مثلها تتّصل بها خيمات. وإذا في الصرّة قليل من التمر وفي القربة شيء من الماء، وإذا هو يعيش بهذا التمر وهذا الماء يومه كلّه.
يا أيها القُرّاء، هذه أخلاق الصحراء، فثقوا بأنكم لا تزالون أقوياء ما دمتم متمسّكين بها، تجمعون إلى فضائلها فضيلةَ العلم والمعرفة بأسرار الفكر، فما ضَعُفَ العرب إلاّ حينما فقدوا أخلاق الصحراء.
ولقد وقع مثل ذلك لغيرهم. هذا جيش هاني بعل (هانيبال) القرطاجي (القرطاجنّي) الفينيقي الذي وضع رأسه في رأس روما أيام قوّتها وعظمتها، والذي حاربها فانتصف منها، والذي صنع ما لم يصنعه قبله أحد حين صعد جبال الألب بجنوده ودوابّه وأثقاله فانقضّ عليها من علٍ انقضاضاً. لقد قلّده في ذلك بعد دهر من الزمان نابليون حين صنع مثله، فهبط على النمساويين فظفر ذلك الظفر المؤزّر. فلما استقرّ جنود هاني بعل في إيطاليا وذاقوا نعيم الحضارة سَرَت إليهم رخاوتها ومشى إليهم ضعفها، وأضاعوا أخلاقهم الأولى فغُلبوا على أمرهم.
وقريب من ذلك ما كان سيقع لجنود ابن تاشفين لو أنّهم
стр. 1784
عاشوا في الأندلس، ولكن الله نبّهه فعاد بهم من حيث جاء، وعصمهم من فتنة هذه الحضارة الرخوة الضعيفة.
ورحم الله شيخنا الرافعي إذ قال في نشيده الإسلامي الذي لم يُنظَم مثله:
إنما الإسلامُ في الصّحرا امتهَدْ ... لِيَجيءَ كلُّ مسلمٍ أسدْ
ومن أعجب ما رأيت في هذه الرحلة (وما لا أزال أذكره إلى الآن) أنني سمعت وأنا في قلب الصحراء حديث علي الطنطاوي الذي كان حدّث به في غرفة من دار الإذاعة في شارع جمال باشا في دمشق قبل أسبوعين من ذلك التاريخ. سجّلته في الشام وسمعته بعد ذلك في الصحراء، أفلا تعجبون من ذلك؟
لو قيل لأكبر علماء الأرض قبل مئة سنة إن هذا سيكون لَجُنّ أو لَحَسِبَ القائل مجنوناً. ونحن لو سمعنا بما سيكون من العجائب بعد مئة سنة لصرنا كلّنا مجانين. هذا ونحن في الدنيا، فكيف بما سيكون في الآخرة؟
* * *
ووصلنا الرطبة في آخر النهار. ولقد مررت بالرطبة مرات لست أحصيها، حين ذهبت إلى بغداد أوّل مرة وحين رجعت منها في عطلة الصيف، وحين عدت إليها في السنة التي بعدها مرات ومرات لم أعُد أعرف عددها.
كانت الرطبة يومئذ محطّة سيارات ومركزاً للجوازات ولا شيء وراء ذلك، فرأيتها هذه المرة (١٩٥٤) قد صارت قرية فيها
стр. 1785
زرع وفيها بساتين. ولقد حدّثني مدير الناحية عن أماني الحكومة فيها وقال لي: إنك ستراها بعد عشرين سنة أخرى مدينة هي جنّة الصحراء، وستمرّ بها وستكتب عنها. فقلت له: ولكن هل يُقدَّر لي أن أعيش حتى أراها؟ وما أصنع برؤيتها والكتابة عنها وأنا يومئذ شيخ على أبواب السبعين هَمُّه -إن عقل- الاستعداد للقاء ربه والعمل لآخرته؟
هذا ما قلته وكتبته في تلك السنة، وأنا أكتب هذه السطور الآن لا بعد عشرين سنة كما قال المدير، بل بعد ثلاثين، وأنا اليوم لست على أبواب السبعين ولكنني على عتبة الثمانين، فهل عقلت حتى أجعل هَمّي كله الاستعداد للقاء ربي والعمل لآخرتي؟ رَبِّ إني ظلمت نفسي فاغفر لي، اللهمّ رُدّني إلى صراطك المستقيم واختم لي بالحسنى.
وعدنا نسير وليس مع سيارتنا سيارة أخرى، فهي تضرب وحدها في ظلمات الليل وفي مهامه البادية، ولكننا بحمد الله في أمان.
حتى إذا قارب السحر لمحنا في الأفق مصابيح الرّمادي (ولعلّها هي الأنبار)، ثم وضحَت، ثم ابيضّت حواشي الأفق بالأضواء الساطعة لمشروع مجلس الإعمار الذي كان قائماً يومئذ هنالك. ودخلنا شوارع الرمادي تحت صوب من المطر والريح تعصف فتصيب الوجه والأطراف بمثل لذع السياط، وإذا نحن بفتيان وشُبّان ينبعثون من سواد الليل، وأكثرهم بثياب النوم قد وضعوا المعاطف عليها، هجروا فُرُشهم وعافوا دفء بيوتهم
стр. 1786
وخرجوا في هذه الساعة ليحيّونا، أو ليحيّوا (على الصحيح) شيخَهم الصوّاف. وكان هذا المشهد أول ما رأيت من ثمار دعوة الصواف في العراق.
عشت في العراق سنين، فلمست في الشباب فتوّة ونشاطاً وهِمّة وعزيمة وقوّة ورجولة، ولكن لم ألمس فيهم مثل هذا التديّن وهذا الإيمان. ولست أدري كيف سرى الخبر بوصولنا في هذا الليل فاجتمع عشرات من الناس. عشرات؟ لقد أخطأت التعبير، بل إن المجتمعين كانوا أكثر من مئة، هجروا فُرُشهم في هذه الليلة الباردة ليستقبلوا شيخهم ومَن مع شيخهم. فكيف لو وصلنا في رَأْد الضحى أو في أَلَق الأصيل؟ وكيف لو جئنا بلداً كبيراً فيه ناس كثير ولم نأت بليدة صغيرة كالرمادي؟
وأخذونا إلى دار من دورهم فكانت جلسة تعارف وتوجيه وسمر، كانت كشفاً لهذا المنجم الزاخر بالتقى والفضيلة والكرم في هذه النفوس الخيّرة. وودّعتهم وكأنني أودّع أصدقاء أو أبناء عرفَتهم روحي من عشر سنين. وكتبت يومئذ أقول: يا شباب الرمادي وياشيبه، عليكم سلام الله وتحيّاته وبارك الله فيكم.
* * *
وسرنا مع الفرات، وهو يسير إلى جنبنا لا يبالي بنا ولا يلتفت إلينا كما كان يسير منذ ملايين السنين. مَن يعرف عمر الفرات حتى يقدّره بالسنوات؟
رأى في سيره أجناساً من البشر اختلفَت سماتهم وتعدّدَت
стр. 1787
لغاتهم، ولكنهم جميعاً يمشون على أرض واحدة، فلم يرَ فيهم ناساً هم أقرب الناس إلى الإنسانية وأحقّهم بوصف البشرية وأسماهم نفساً وأطهرهم قلباً مثل الذين جاؤوا من الصحراء ترفرف فوق رؤوسهم رايات محمد ‘.
ومررنا بالفلّوجة، ورأينا من بعيد الحبّانية ومنازل الإنكليز. وتواردَت على الذهن صور لَمّاعة زاهية للنار التي أضرمها مرة رشيد علي الكيلاني ليحرق بها الاستعمار ويبدّد ظلامه، ولكن رياح الشرّ كانت أقوى من لهيبها فما أسرع ما أطفأتها. ودنونا من بغداد فازداد الشوق إلى بغداد:
وأكثرُ ما يكونُ الشوقُ يوماً ... إذا دنتِ الخيامُ مِن الخيامِ
ثم دخلنا أرباضها وجزنا بمدينة المنصور وبغداد الحديثة، ثم ولجنا المطار وقد دنت طلائع الفجر. واستيقظَت في نفسي الذكريات التي كانت نائمة في جنباتها، ذكريات أيامي في بغداد. ولقد عشت فيها أكثر من ألف يوم، فلو أن لكل يوم ذكرى لكانت في النفس عنها ألف ذكرى.
وكان المخفر خالياً والمراقب وراء بابه يحتمي به من لذعة البرد في هذه الساعة من الليل، فقرعنا عليه الباب فخرج يتلقّانا بالبِشر والترحاب، لا ترى فيه مراقب مكس (جمرك) وموظف جوازات، بل تلقى (كما تلقى في كل بلد عربي، بل كل بلد مسلم حقاً) مضيفاً كريماً يقابل ضيوفاً أحبّة. وتلك هي سلائق العروبة وتلك هي خلائق المسلم.
стр. 1788
وصلنا بغداد ومؤذّن الفجر ينادي «حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح»، فأسرعنا إلى أقرب مسجد فصلّينا فيه مع الجماعة، وبدأنا أيامنا في بغداد بالقيام بين يدي الله.
وكان التعب والإعياء قد بلغ منّا كلّ مبلغ، وصار أقصى مانتمنّى فندقاً نأوي إليه وفراشاً نطرح أجسادنا عليه، وما معنا من أهل البلد إلاّ الصوّاف، ولكنه لا يكاد يعرف فنادقها. ولا أعرف أنا فنادق الشام، وما حاجة ابن البلد إلى الفنادق حتى يعرفها؟ إنما يعرفها القادمون إليها.
تركت الفندقين الكبيرَين لأن النفقات فيهما لا يحملها كيس نقودي، إن كان الدفع عليّ فأنا أعجز عنها، وإن كان الدفع من المؤتمر فأنا أخشى الله أن أنزل فيهما على حساب المؤتمر.
والفنادق الكبيرة التي عرفتها في البلاد الإسلامية التي زرتها أحسّ حين أجتاز بابها كأنني خرجت من هذا البلد ودخلت بلداً غريباً عليّ لا أعرفه ولا يعرفني؛ فاللسان فيه غير لساني، والعادات غير عاداتي، والمنكَرات في أكثر هذه الفنادق معلَنة بادية، والأسعار محرقة غالية، والشيء الذي تشتريه من السوق بعشرين يُحسَب عليك في الفندق بمئة وعشرين ... لذلك أنفر منها وأبتعد عنها.
درنا مع الشيخ الصواف نفتّش عن الفندق المناسب، فكلّت أقدامنا من الصعود والنزول وألسنتنا من السؤال والاستفهام. وكنّا في تعب فازددنا تعباً، حتى رضينا من الغنيمة بالإياب وقبلنا أن ندخل كل باب. ورأينا فندقاً هادئاً جميلاً على دجلة اسمه فندق
стр. 1789
سومر، دخلته مستأنساً ونمت فيه هانئاً وأصبحت فيه مستريحاً، وسمعت أذان الفجر من جامع السيد سلطان علي الذي قابلْنا فيه شيخَ علماء العراق الشيخ إبراهيم الراوي سنة ١٩٣٦.
ثم جاؤوا فأخذوني إلى دار الأخوّة الإسلامية في باب المعظم، فإذا دنيا جديدة وإذا ناس غير من عرفت من الناس؛ كأنني كنت في جاهلية وأدركت الإسلام: شباب مؤمنون صالحون إنْ سلَكَ أمثالُهم طرقَ الغواية واللذّة سلكوا هم طرق العبادة والصلاح، يَدَعون هوى نفوسهم لطاعة ربهم، مجالسُهم أنس وحديثهم عبادة وصحبتهم خير وبركة.
أين كان هؤلاء قبل سبع عشرة سنة لمّا كنت أدرّس في العراق؟ كيف كانت هذه النهضة الإسلامية؟ جزى الله الشيخ الصواف الذي يرجع إليه بتوفيق الله وبنعمته الفضل فيها. ولا أحسب أنه يقع في وهم أحد منكم أني أقول هذا مجاملة له أو رغبة فيه أو رهبة منه؟ لا يا سادة، ولكن أقوله شهادة حقّ إن كتمتها كنت مِمّن وصفه الله بأنه آثمٌ قلبُه. على أن أنفع له من ثنائي عليه دعائي له، فجزاه الله خيراً ووفّقه ووفّقني إلى ما يُرضيه، وأكثرَ الدعاة إلى الله وألّف بين قلوبهم، وأذهب الخلف بينهم ونزع الحسد والغِلّ من قلوبهم وحقّق الخير على أيديهم.
كان الشباب الذين يقابلونني يسألونني: أين نزلت؟ فإذا سَمّيت لهم الفندق الذي نزلت فيه فتحوا عيونهم دهشة وقلبوا وجوههم استنكاراً، كأنني أقول منكَراً من القول أو كأنني أخبر عن منكَر من العمل، أو «كأنني أفطرت في رمضان» كما قال
стр. 1790
أبوالعتاهية في البيت المشهور الذي بلغ في صدره السحاب وهبط في عجزه حتى توارى في التراب (١). فكنت أسألهم وأستوضحهم فلا يقولون شيئاً، كأن الأمر عندهم أعرف من أن يُعرَّف وأقبح من أن يوصف.
فلما عدت إلى الفندق جعلت أنظر وأدقّق النظر فلا أرى شيئاً من المنكَر، لا أرى ما يخالف الدين أو ينافي الخلق الكريم، وسألت صاحب السيارة ورفيقه الذي جاء معه (وهما من عمان) هل ينكران في هذا الفندق شيئاً؟ قالا: لا. قلت: فمِمّ إذن عَجَبُ الشباب واستنكارهم؟ حتى إذا كان اليوم الثاني وقد عدت بعد صلاة العشاء مبكّراً عن موعد عودتي، فوجدت نزلاء الفندق جميعاً من ذوات الشعر الأشقر ومرتكبات المنكَر، من الكاسيات العاريات، أي من «الأرتيستات»!
ومن طريف ما وقع لي أنني مررت في إحدى قدماتي بغداد لمّا كنت مدرّساً فيها بمخفر الرطبة، فوقفَت سيارة فيها إحدى