وخرجوا في هذه الساعة ليحيّونا، أو ليحيّوا (على الصحيح) شيخَهم الصوّاف. وكان هذا المشهد أول ما رأيت من ثمار دعوة الصواف في العراق.
عشت في العراق سنين، فلمست في الشباب فتوّة ونشاطاً وهِمّة وعزيمة وقوّة ورجولة، ولكن لم ألمس فيهم مثل هذا التديّن وهذا الإيمان. ولست أدري كيف سرى الخبر بوصولنا في هذا الليل فاجتمع عشرات من الناس. عشرات؟ لقد أخطأت التعبير، بل إن المجتمعين كانوا أكثر من مئة، هجروا فُرُشهم في هذه الليلة الباردة ليستقبلوا شيخهم ومَن مع شيخهم. فكيف لو وصلنا في رَأْد الضحى أو في أَلَق الأصيل؟ وكيف لو جئنا بلداً كبيراً فيه ناس كثير ولم نأت بليدة صغيرة كالرمادي؟
وأخذونا إلى دار من دورهم فكانت جلسة تعارف وتوجيه وسمر، كانت كشفاً لهذا المنجم الزاخر بالتقى والفضيلة والكرم في هذه النفوس الخيّرة. وودّعتهم وكأنني أودّع أصدقاء أو أبناء عرفَتهم روحي من عشر سنين. وكتبت يومئذ أقول: يا شباب الرمادي وياشيبه، عليكم سلام الله وتحيّاته وبارك الله فيكم.
* * *
وسرنا مع الفرات، وهو يسير إلى جنبنا لا يبالي بنا ولا يلتفت إلينا كما كان يسير منذ ملايين السنين. مَن يعرف عمر الفرات حتى يقدّره بالسنوات؟
رأى في سيره أجناساً من البشر اختلفَت سماتهم وتعدّدَت
стр. 1787
لغاتهم، ولكنهم جميعاً يمشون على أرض واحدة، فلم يرَ فيهم ناساً هم أقرب الناس إلى الإنسانية وأحقّهم بوصف البشرية وأسماهم نفساً وأطهرهم قلباً مثل الذين جاؤوا من الصحراء ترفرف فوق رؤوسهم رايات محمد ‘.
ومررنا بالفلّوجة، ورأينا من بعيد الحبّانية ومنازل الإنكليز. وتواردَت على الذهن صور لَمّاعة زاهية للنار التي أضرمها مرة رشيد علي الكيلاني ليحرق بها الاستعمار ويبدّد ظلامه، ولكن رياح الشرّ كانت أقوى من لهيبها فما أسرع ما أطفأتها. ودنونا من بغداد فازداد الشوق إلى بغداد:
وأكثرُ ما يكونُ الشوقُ يوماً ... إذا دنتِ الخيامُ مِن الخيامِ
ثم دخلنا أرباضها وجزنا بمدينة المنصور وبغداد الحديثة، ثم ولجنا المطار وقد دنت طلائع الفجر. واستيقظَت في نفسي الذكريات التي كانت نائمة في جنباتها، ذكريات أيامي في بغداد. ولقد عشت فيها أكثر من ألف يوم، فلو أن لكل يوم ذكرى لكانت في النفس عنها ألف ذكرى.
وكان المخفر خالياً والمراقب وراء بابه يحتمي به من لذعة البرد في هذه الساعة من الليل، فقرعنا عليه الباب فخرج يتلقّانا بالبِشر والترحاب، لا ترى فيه مراقب مكس (جمرك) وموظف جوازات، بل تلقى (كما تلقى في كل بلد عربي، بل كل بلد مسلم حقاً) مضيفاً كريماً يقابل ضيوفاً أحبّة. وتلك هي سلائق العروبة وتلك هي خلائق المسلم.
стр. 1788
وصلنا بغداد ومؤذّن الفجر ينادي «حيّ على الصلاة حيّ على الفلاح»، فأسرعنا إلى أقرب مسجد فصلّينا فيه مع الجماعة، وبدأنا أيامنا في بغداد بالقيام بين يدي الله.
وكان التعب والإعياء قد بلغ منّا كلّ مبلغ، وصار أقصى مانتمنّى فندقاً نأوي إليه وفراشاً نطرح أجسادنا عليه، وما معنا من أهل البلد إلاّ الصوّاف، ولكنه لا يكاد يعرف فنادقها. ولا أعرف أنا فنادق الشام، وما حاجة ابن البلد إلى الفنادق حتى يعرفها؟ إنما يعرفها القادمون إليها.
تركت الفندقين الكبيرَين لأن النفقات فيهما لا يحملها كيس نقودي، إن كان الدفع عليّ فأنا أعجز عنها، وإن كان الدفع من المؤتمر فأنا أخشى الله أن أنزل فيهما على حساب المؤتمر.
والفنادق الكبيرة التي عرفتها في البلاد الإسلامية التي زرتها أحسّ حين أجتاز بابها كأنني خرجت من هذا البلد ودخلت بلداً غريباً عليّ لا أعرفه ولا يعرفني؛ فاللسان فيه غير لساني، والعادات غير عاداتي، والمنكَرات في أكثر هذه الفنادق معلَنة بادية، والأسعار محرقة غالية، والشيء الذي تشتريه من السوق بعشرين يُحسَب عليك في الفندق بمئة وعشرين ... لذلك أنفر منها وأبتعد عنها.
درنا مع الشيخ الصواف نفتّش عن الفندق المناسب، فكلّت أقدامنا من الصعود والنزول وألسنتنا من السؤال والاستفهام. وكنّا في تعب فازددنا تعباً، حتى رضينا من الغنيمة بالإياب وقبلنا أن ندخل كل باب. ورأينا فندقاً هادئاً جميلاً على دجلة اسمه فندق
стр. 1789
سومر، دخلته مستأنساً ونمت فيه هانئاً وأصبحت فيه مستريحاً، وسمعت أذان الفجر من جامع السيد سلطان علي الذي قابلْنا فيه شيخَ علماء العراق الشيخ إبراهيم الراوي سنة ١٩٣٦.
ثم جاؤوا فأخذوني إلى دار الأخوّة الإسلامية في باب المعظم، فإذا دنيا جديدة وإذا ناس غير من عرفت من الناس؛ كأنني كنت في جاهلية وأدركت الإسلام: شباب مؤمنون صالحون إنْ سلَكَ أمثالُهم طرقَ الغواية واللذّة سلكوا هم طرق العبادة والصلاح، يَدَعون هوى نفوسهم لطاعة ربهم، مجالسُهم أنس وحديثهم عبادة وصحبتهم خير وبركة.
أين كان هؤلاء قبل سبع عشرة سنة لمّا كنت أدرّس في العراق؟ كيف كانت هذه النهضة الإسلامية؟ جزى الله الشيخ الصواف الذي يرجع إليه بتوفيق الله وبنعمته الفضل فيها. ولا أحسب أنه يقع في وهم أحد منكم أني أقول هذا مجاملة له أو رغبة فيه أو رهبة منه؟ لا يا سادة، ولكن أقوله شهادة حقّ إن كتمتها كنت مِمّن وصفه الله بأنه آثمٌ قلبُه. على أن أنفع له من ثنائي عليه دعائي له، فجزاه الله خيراً ووفّقه ووفّقني إلى ما يُرضيه، وأكثرَ الدعاة إلى الله وألّف بين قلوبهم، وأذهب الخلف بينهم ونزع الحسد والغِلّ من قلوبهم وحقّق الخير على أيديهم.
كان الشباب الذين يقابلونني يسألونني: أين نزلت؟ فإذا سَمّيت لهم الفندق الذي نزلت فيه فتحوا عيونهم دهشة وقلبوا وجوههم استنكاراً، كأنني أقول منكَراً من القول أو كأنني أخبر عن منكَر من العمل، أو «كأنني أفطرت في رمضان» كما قال
стр. 1790
أبوالعتاهية في البيت المشهور الذي بلغ في صدره السحاب وهبط في عجزه حتى توارى في التراب (١). فكنت أسألهم وأستوضحهم فلا يقولون شيئاً، كأن الأمر عندهم أعرف من أن يُعرَّف وأقبح من أن يوصف.
فلما عدت إلى الفندق جعلت أنظر وأدقّق النظر فلا أرى شيئاً من المنكَر، لا أرى ما يخالف الدين أو ينافي الخلق الكريم، وسألت صاحب السيارة ورفيقه الذي جاء معه (وهما من عمان) هل ينكران في هذا الفندق شيئاً؟ قالا: لا. قلت: فمِمّ إذن عَجَبُ الشباب واستنكارهم؟ حتى إذا كان اليوم الثاني وقد عدت بعد صلاة العشاء مبكّراً عن موعد عودتي، فوجدت نزلاء الفندق جميعاً من ذوات الشعر الأشقر ومرتكبات المنكَر، من الكاسيات العاريات، أي من «الأرتيستات»!
ومن طريف ما وقع لي أنني مررت في إحدى قدماتي بغداد لمّا كنت مدرّساً فيها بمخفر الرطبة، فوقفَت سيارة فيها إحدى
стр. 1791
هؤلاء البنات، فلما جاء الموظف يدوّن اسمها ونعتها وجد في الجواز أن مهنتها «أرتيست» (ومعنى الكلمة الحرفي «فنّانة»)، فما عرف كيف يقرؤها، فسأل زميلاً له أكبر منه، عراقياً عربياً أصيلاً، كيف يكتب الكلمة، فقال له: أكتب «قحبة»!
أعود إلى حديث الفندق. لمّا رأيت هؤلاء سألت فعلمت أنه يكاد يكون مخصّصاً لهذا الصنف من البنات، وأنهن ينَمنَ حين أقوم لصلاة الفجر ويَقُمن بعد صلاة الظهر، لذلك لا أراهن. فذهبت إلى الشيخ الصواف فقلت له: تدري أين أنزلتني؟ فلما خبّرته كان عجبه أشدّ من عجبي. وفهمت لماذا كان الشباب إذا سألوني أين نزلت يُدهَشون من سماع الجواب: الشيخ الطنطاوي يُنزله الشيخ الصوّاف بين القِحاب!
وكان عديلي الشيخ ماجد الخطيب ﵀ يسكن يومئذ بغداد، وزوجته شقيقة زوجتي وبيني وبينها رضاع فهي لا تحتجب مني. وكان أخوه الأستاذ محمد كمال يكرّر دعوتي لأنزل في الدار فكنت آبى خشية الإزعاج، فلما رأيت ما رأيت قبلت الدعوة وتركت الفندق وذهبت إلى الدار.
* * *
جدّدَت لي هذه الرجعة إلى بغداد ذكرى أيامي فيها. قابلت إخواناً لي وتلاميذ، منهم من بقي على العهد وقليل منهم تنكّر لي ونسي صحبتي. وممّن لم أجد له عهداً طالبٌ كان أديباً وكان يَنْظم الشعر، وكنت أخصّه برعايتي وأدلّه على طريق النبوغ في الأدب، فلما عدت صار عميد إحدى الكلّيات. ودُعيت إلى إلقاء
стр. 1792
محاضرة في هذه الكلّية، فلم يُرِد أن يقدّمني إلى السامعين على العادة في مثل هذا الموقف، وأحسست كأنه كره أن يعترف أمامهم بأنه كان تلميذي.
فكان جوابي على ذلك أنني بدأت المحاضرة بحمد الله على أنْ جعل من تلاميذي الذين كانوا يقعدون أمامي مَن صار أستاذاً كبيراً أو عميداً في كلّية أو قاضياً في محكمة، وأن منهم فلاناً. وأشرت إليه ليعلم الناس جميعاً أنه كان من تلاميذي.
ما أردت من ذلك التعالي عليه ولا أردت الفخر بأنني درّسته، وليس ذلك من شِيَمي، ولكني وجدته لا يزال بحاجة إلى درس آخر من الدروس التي كنت ألقيها عليه وعلى إخوانه، فألقيت عليه هذا الدرس في الوفاء وفي كرم الأخلاق.
وكنت في محاضرة ألقيها في بهو أمانة العاصمة في بغداد، فدخل شيخ كبير وقال للناس: لقد تركت فراش المرض وجئت تحيّةً لفلان (يعنيني).
هذا الشيخ هو نابغة الموسيقى العربية الذي اعترف له مؤتمر الموسيقى الأول الذي عُقد في القاهرة سنة ١٩٣٢ (على أغلب الظنّ) بالصدارة فيها، هذا الذي كان أحسن من يقرأ (يغنّي) المقام العراقي، والذي سمعت أنه زاد على المقامات العراقية الموروثة أحد عشر مقاماً جديداً. ذلكم هو الأستاذ القبانجي، رحمة الله عليه.
* * *
стр. 1793
-١٤٢ -
زيارة للموصل وإربل
في بدء رحلتنا الطويلة
إن أحلى الأسفار ما كان بالقطار. ولقد عرفت قطارات العراق من سنة ١٩٣٦ يوم كنت أدرّس فيه، وركبتها من بغداد إلى البصرة ومن بغداد إلى كركوك، فوجدتها أحسن القطارات في البلاد العربية. فلما جئت هذه المرة (سنة ١٩٥٤) رأينا أن نبدأ رحلتنا للتعريف بقضية فلسطين وحثّ الناس على الاهتمام بها جولةً في أرجاء العراق. ذهبنا فيها إلى الموصل في الشمال ثم إلى البصرة في الجنوب.
وكانت سفرة الموصل ممتعة، وكانت نافعة ببركة الشيخ أمجد وصحبة الشيخ الصواف مع ولدَيه: مجاهد ومصلح، وكانا يومئذ صغيرَين. وأخذنا تذكرة للنوم، فلما جاء موعده انقلبَت المقاعد أسِرّة وثيرة نظيفة غاية النظافة مريحة أكمل الراحة، وألقيت رأسي على الوسادة وأنا أؤمّل نومة هنيئة وصحوة نشيطة، ولم أكُن أدري ما هو مخبوء لي.
ما كدت وكاد الشيخان نستغرق في المنام حتى أيقظتني
стр. 1794
(أوركسترا) (١) مرعبة، فيها أصوات لا أدري بماذا أشبّهها ولا أجد كلاماً يفي بوصفها. وتصبّرت ولكنني لم أستطع الصبر، تلك هي أصوات غطيط الشيخَين (أي شخيرهما)، ولن أصفه لأن الشيخ الصواف سيقرأ هذه الحلقة فيظنّ أنني أغتابه عند القُرّاء. فاشهدوا أني لم أقُل عنه شيئاً، واستغفروا الله من شهادة الزور. هل سمعتموني أقول عنه شيئاً؟
فنهضا ووعدا وعداً حسناً، واسترحت إلى هذا الوعد فرجعت أحاول المنام، ورجعَت تلك الموسيقى وتلك الأنغام. فقمت مذعوراً وخرجت من الغرفة ومشيت في ممرات القطار، فوجدت في آخره شطر غرفة: مقعد واحد بدلاً من المقعدَين المتقابلَين في الغرفة الكاملة. فحملت وسادتي وغطائي ودخلتها وأغلقت عليّ الباب بالمزلاج، وقررت ألاّ أفتح لأحد ولو جاءت الشرطة. وسأقول للشرطي إنني كنت نائماً. وهذا صحيح، فلقد كنت في بعض الزمان نائماً، وإن في المعاريض لَمَنجَى من الكذب. ولكن الله سلّم فلم يدخل عليّ أحد.
وكنت كلّما سار القطار أنام، فإن وقف في المحطّات أيقظني وقوفه وصمته كما تُزعِج النائمَ في بيته الأصوات والحركات! حتى وصلنا الموصل.
وذكّرني مجاهد الصواف من سنتين في مكّة (وقد صار دكتوراً من أكسفورد) بهذه الرحلة، وبالحكايات التي سمعها مني والطرائف التي لبث يرويها عني.
стр. 1795
رحمة الله على الشيخ أمجد، فلقد كان بَرَكة العصر، وكان مجلسه مدرسة، وكان يؤثّر بقوّة حاله أكثر من تأثيره بروعة مقاله.
ولن أسرد الحديث عن الأيام التي قضيناها في الموصل، ولا أستطيع سردها ولكن أذكر ما بقي لديّ منها. من ذلك أن الصواف أخذني لأحاضر في ناديهم (وقد صار للإخوان المسلمين بسعي الصواف ناد في الموصل كما صار لهم ناد في بغداد وفي البصرة). وكنت وسط المحاضرة وأنا مندفع بحماسة فَوّارة، فرفعت رأسي، فإذا منارة المسجد تُطِلّ علينا قد أحنت رأسها فوقنا ... إي والله، فما ظننت إلاّ أنها ستسقط علينا. فقطعت الخطبة فجأة وقلت: السلام عليكم، ونزلت. فضجّ الحاضرون وقالوا: أكمل، أكمل، تكلّم، تكلّم. فقلت: ويحكم! أما ترون المنارة تريد أن تنقضّ علينا؟ فإذا كان مقدّراً عليّ أن أموت فدعوني أذهب إلى فلسطين فأقاتل اليهود فأكون شهيد المعركة، لا أن أموت تحت الأنقاض.
قالوا: إن هذه هي الحدباء، منارة مسجد نور الدين، نور الدين الذي ردّ الله علينا به وبصلاح الدين أرض فلسطين. أفما سمعت بها؟ إن لها ثمانمئة سنة وهي مائلة. أما سمعت ببرج بيزا المائل في إيطاليا؟ قلت: بلى، وعندنا في أول حيّ الميدان في دمشق منارة مائلة (١). ولكن من يضمن أنها وقد ظلّت راكعة طول هذا الزمان لا تسجد فوقنا الآن؟
ولا أدري كيف أقنعوني وأرجعوني، ولا أدري كيف أكملت خطبتي ورأسُ المنارة مائل عليّ أراه من فوق رأسي!
стр. 1796
وقام يخطب في هذا الاجتماع شيخ بعمامة بيضاء عرفت -بعدُ- أنه رئيس هذا النادي. تكلّم فأجاد ونمّ ما قال عن علم وفضل وإخلاص، وأُعجبت به وأثنيت عليه. فلما كان من الغد وكان الشيخ الصوّاف يمرّ بي في سوق مزدحمة (بقيَت في نفسي صورتها وذهب مني اسمها) فوجدت محلاًّ لشواء اللحم، والشوّاء بمئزره الأحمر قائم في مدخله يقطّع اللحم للزبائن، وهم مزدحمون عليه. وفي المحلّ موائد يقعد عليها الآكلون، يأخذون اللحم الذي طلبوه فقطّعه لهم إلى حيث يُشوى قِطعاً أو كَباباً، ثم يأتون به فيأكلونه على هذه الموائد.
و «كَباب» الموصل وحلب أشهى وأشهر كَباب (١) في بلاد العرب. فقال لي الصواف: هل تُحِبّ أن ندخل فنأكل؟ قلت: أفي هذا المكان ووسط هذا الزحام؟ لا يا عم. قال: إنك تعرف صاحب المحلّ. قلت: وأنّى لي معرفته؟ قال: انظر إليه تذكره. قلت له: وأين هو حتى أنظر إليه؟ قال: ها هو ذا. وإذا هو يشير إلى الرجل ذي المِئزر الأحمر. وتلك -كما أدركت- عادة الجزّارين في ذلك البلد، يلبسون هذا الثوب الأحمر. فأنعمت النظر إليه وهو يقطّع اللحم من الخرفان المعلّقة بين يديه، فإذا هو صاحبنا بالأمس وإذا هو الشيخ الذي خطب في الاجتماع!
ومرّ بي الصوّاف في سوق تُباع فيها موادّ التموين فقعدت أمام دُكّان يزدحم الناس على صاحبها، هذا يطلب رزاً أو سُكّراً أو
стр. 1797
سمناً وذاك يسأله عن مسألة في الإرث أو في الطلاق! وإذا هو عالِم تاجر. لقد نسيت اسمه، ولو أنني هتفت وأنا أكتب هذه السطور بالشيخ الصوّاف لأعلمني هاتفياً باسمه، ولكنني خفت أن أكون في سؤالي كالذي يغشّ في الامتحان ويستعين على جوابه بالإخوان.
وهذه الطبقة من العلماء التجّار ومن طلبة العلم الكبار كان عندنا في الشام كثير من رجالها. أذكر منهم الشيخ هاشم الخطيب والشيخ موسى الطويل والسيد شريف النصّ والشيخ أحمد القشلان والشيخ عبد العزيز الخطيب، وآخرهم ويكاد يكون أجلّ أو مِن أجلّ مَن عرفت منهم الشيخ صالح العقّاد.
ومن قرأ كتاب «صناعات الأشراف» (وعهدي بقراءته بعيد جداً فلا أذكر الآن منه شيئاً) ومَن تتبّع أخبار أهل التجارة والصناعة من الأعيان والعلماء في كتب الأدب وجد منهم جماعة لا تُحصى كثرة من الصحابة ومن التابعين ومن الأئمة المتبوعين، كأبي بكر وعثمان وعبد الرحمن. وعمرو بن العاص الذي كان -كما أذكر- جزّاراً، كما كان عمر بن الخطاب سمساراً، ومن التابعين سعيد ابن المسيّب الذي كان يتّجر بالزيت، وأبو حنيفة وهو بَزّاز (تاجر قماش) وله دائرة مالية توزّع رواتب شهرية على كثير من فقراء العلماء، والليث بن سعد الذي شهد له الشافعي (وحسبكم به شاهداً) بأنه أفقه مِن مالك ولكن أصحابه لم يقوموا به، والذي كان دخله الصافي ثمانين ألف دينار من الذهب في السنة ولم تجب عليه زكاة قط، لأنه لا يستبقي منها ما يحول عليه الحول! وعبد الله بن المبارك، ولي عنه كُتيّب في سلسلة أعلام التاريخ التي أصدرتها من قديم، كما أن لي كتابات عمّن ذكرت هي في كتابي «رجال
стр. 1798
من التاريخ» وفي غيره من كتبي.
كان عبد الله بن المبارك يحجّ سنة ويغزو سنة، فإذا أراد أن يحجّ بعث من ينادي في الناس: إن ابن المبارك يريد الحجّ فمن يحبّ أن يصحبه فليأتِ إليه. فيجيئه الناس أفواجاً فيقول لهم: نجعل نفقتنا شركة، فإن البركة فيها أكثر. فيعطيه كل منهم ما معه من النقود في صرّة يصرّها يكتب عليها اسمه، ثم يذهبون معه، فكلّما نزل منزلاً أعدّ لهم أطايب الطعام، ومن ذلك الطعام الفالوذج، يأكلونه ويأكل هو مِن زُهده -على غناه- طعاماً دون ذلك. ثم إذا أنهوا حجّهم قال لهم: انظروا ماذا تريدون أن تُهدوا إلى ذويكم وإلى أصدقائكم لأشتريه لكم ثم أحاسبكم عليه. فيشتري كلٌّ مايريد. حتى إذا ما رجعوا إلى بلادهم (وكانت بلده في أطراف بلاد الأفغان اليوم) أقام وليمة كبيرة، ثم أعاد لكل منهم صرّته التي فيها نقوده وكانت السفرة كلّها على حسابه.
ومن طريف خبره أنه نزل مرة منزلاً، فرأى بعدما نام أصحابُه شاباً يأتي إلى دجاجة ميتة كانوا قد رموا بها فيأخذها. فدعاه وسأله، فتردّد الشابّ واستحيا وامتنع عن الجواب. فلما ألحّ عليه علم أنه هو وأخت له لا يملكان شيئاً وأنهما احتاجا حتى حلّت لهما الميتة، فلذلك أخذ الدجاجة. فدعا عبد الله بن المبارك وكيلَه وقال: انظر كم بقي معك من النفقة (أي من نفقته هو لحجّه) فأَمسِكْ منها ما يكفي لعودتنا وادفع الباقي إلى هذا الشابّ، فإن إعطاءه خير لنا من حجّة النفل هذه السنة.
ذكرتُ هذه الحادثة استطراداً ليقرأها الذين يحجّون في كل سنة، لا سيما من المقيمين هنا في المملكة، فيضيّقون المكان
стр. 1799
على مَن يحجّون حجّة الفرض ويزيدون الازدحام، ليعلموا أن لهم قدوة إن تركوا حجّة النفل واستبدلوا بها عملاً آخر من أعمال الخير. وأبواب النوافل التي توصل إلى الجنّة كثيرة.
كان من الصحابة ومن التابعين، وكان من الأئمة المتبوعين، مَن هو غنيّ يكاد يُحسَب في عُرف اليوم في أصحاب الملايين، ومن هو فقير لا يكاد يجد الفلوس (والملاليم). ولكن مال الأول في يده لا في قلبه، لا يفرح بما زاد فيه ولا يأسى على ما فاته منه، وكان فقر الثاني في يده لا في قلبه، فحاله حال فقير ونفسه نفس ملِك.
وليس الغِنى بكثرة المال، بل بفقده مع الحاجة إليه. فمَن كان معه مليونان وهو يتمنّى أن تكون ثلاثة فهو ناقصٌ مليوناً، ومن كان معه ألفان، وهو لا يطمح إلاّ إلى ألف فهو زائد ألفاً.
هل عقّدت المسألة؟ إذن أزيدها تعقيداً فأقول إن مقدار الغِنى يتناسب عكساً مع كِبَر الفرق بين ما يتمنّاه المرء وما يصل إليه! إن لم تفهموا هذه الفلسفة فالحقّ معكم، فأنا لا أكاد أفهم عمّن يتكلم بهذا الأسلوب ويحسب أنه صار بذلك من كبار المفكّرين!
* * *
كنّا نقرأ في التاريخ القديم أنباء بابل ونَيْنَوى وتاريخاً لهما مستفيضاً. ولقد زرت بابل من قبلُ لمّا كنت أدرّس في العراق، ولكن ما عرفت أين هي نينوى (مدينة يونس ﵇ حتى زرت الموصل، فعرّفني بها الصوّاف: قطع بي النهر فإذا آثارها على الضفّة الأخرى مقابل الموصل.
стр. 1800
شعرت في الموصل كأنني في حلب (وإن لم أبِتْ في عمري كله إلاّ ليالي معدودة في حلب). ولمّا عدا اللصوص على تَركة مَن كانوا يدعونه «الرجل المريض»، عدوا على الدولة العثمانية لمّا مات عبد الحميد وجاء الاتحاديون أحفاد اليهود فأضعفوها ومزّقوا وحدتها وأبعدوها عن النصر لمّا أبعدوها عن الإسلام، لمّا تقاسم اللصوص هذه التركة كانت الموصل في القسمة مع سوريا، فلما ظهر النفط في أرضها (وكان الإنكليز يومئذ دهاة العالَم ودهاقين السياسة، وكانت لهم مملكة لا تغيب الشمس عنها) لعبوا لعبتهم فإذا الموصل مع العراق، لأن العراق يومئذ كان معهم، لا باختياره ورضاه فالمسلمون جميعاً، والعرب خاصّة، والعراق على الأخصّ، يأبى إلاّ الحُرّية الكاملة، لا يرضى وصاية من أحد ولا تبعيّة لأحد. وأنا لا أقول هذا الكلام تعصّباً لسوريا لتعود إليها الموصل ولا عداوة للعراق لينزع منها الموصل، فأنا أراهما بلدَين في دولة واحدة، وأنا كما قال الشيخ رضا الشبيبي:
ببغدادَ أشتاقُ الشآمَ وها أنا ... إلى الشامِ في بغدادَ جَمُّ التشوّقِ
هما بلدٌ فردٌ وقدْ فَرّقوهما ... رمى اللهُ بالتشتيتِ شَمْلَ المُفَرّقِ
وُلدت في دمشق، وأصلي من مصر، وقلبي متوجّه دوماً إلى مكّة كلّما قمت بين يدَي ربي، وانتسابي إلى كلّ بلد مسلم، وحُبّي لكل قطر عربي، ووطني حيث يُتلى القرآن ويُصدح بالأذان وتقوم صفوف المؤمنين بين أيدي الرحيم الرحمن. هذا هو الوطن عندي، لا الشام وحدها ولا مصر ولا العراق.
* * *
стр. 1801
كان عملنا الذي سافرنا من أجله أن نعرّف بقضية فلسطين، فلما استوفيناه في الموصل توجّهنا إلى إربل (التي تُدعى اليوم أربيل)، ولها في التاريخ ذِكر لأن أوّل من جعل الاحتفال بيوم المولد عيداً ورتّب له مهرجانات واجتماعات هو ملكها الذي كان من قُوّاد صلاح الدين، فلما تصدّعَت هذه المملكة الضخمة وقام في كل جانب منها ملك من الملوك كان هو واحداً منهم، وخبره في كتابي «رجال من التاريخ» (١):
ممّا يزهّدني في أرضِ أندلسٍ ... ألقابُ معتضدٍ فيها ومعتمدِ
ألقابُ مملكةٍ في غيرِ موضعها ... كالهرِّ يحكي انتفاخاً صَولةَ الأسدِ
وإربل على تلّ صناعي عالٍ في رأسه قلعة واسعة هي المدينة، أو مدينة مسوّرة فيها القلعة. وأمثال هذه القلاع التي يتّسع سور إحداها حتى يضمّ صغار المدن، أو هذه المدن المسوَّرة كالقلاع القائمة كلّها على تلال مصنوعة، تمتدّ على امتداد الهلال الخصيب، من حِمْص إلى حماة إلى حلب إلى الموصل إلى كركوك وإربل، كأنها خطّ دفاعي عن هذه البلاد. وأجمل ما بقي منها قلعة حلب.
كان في إربل وفي السليمانية وفي كركوك مشايخ صالحون من شيوخ النقشبندية. وإذا كان في الطرق الصوفية ما يؤخَذ عليها
стр. 1802
من البِدَع والمخالفات فإن النقشبندية أقلّها مخالفات وبدعاً. ولهم تَكايا، كل تكيّة منها أو رباط مدرسةٌ ومسجدٌ وفندقٌ ومطعم؛ تبقى مفتّحة الأبواب لكل قادم عليها، تعطيه ما يريد وتقدّم إليه ما يطلب: إن طلب العلم وجد فيها العلم، وإن كان مطلبه المنام والطعام وجد فيها الطعام والمنام.
وصلنا مسجد المدينة حين كان المؤذّن يدعو الناس لصلاة العصر فحضرناها معهم، فلما قُضِيَت الصلاة جلس الناس صفوفاً يستمعون للخُطَب التي جئنا نُلقيها عليهم تعريفاً بقضية فلسطين وشرحاً لحالها وحثاً على مساعدتها. ولكنني فوجئت بعَجَب ما كنت أتصور أنني أراه، ولقد شككت فيه وهو أمام عيني أبصره. ذلك أن كبار المشايخ استندوا إلى الجدران وأخرجوا دخائنهم (سيجاراتهم) الطويلة وشرعوا يدخّنون في المسجد! وبدا لي أن ذلك مألوف معروف عندهم لا يرون به بأساً، كما أن من المعروف (أو ممّا كان معروفاً) عند المشايخ في الشام حتى في الجامع الأموي أن يُخرج أحدهم علبة «النشوق» وفيها مسحوق «التبغ» فيشمّونه في المسجد، لا يستنكرون ذلك ولا يُنكِره الناس منهم.
وكلا الأمرين منكَر: التدخين وشمّ النشوق، ولكن العادات تُضعِف الشعور بالعمل وتصرف الذهن عن تقويمه والحكم عليه.
ألقيت أنا خطبتي وخطب الشيخ الصوّاف. ثم قام الشيخ أمجد، وهو قلّما يخطب، فكلّمهم بالكردية لأن أكثر الحاضرين من عامّة الأكراد الذين لا يعرفون إلاّ القليل من العربية، فخطبهم
стр. 1803
بلسانهم. وأسرة الزّهَاوي التي خرج منها علماء أجلاّء وأدباء أصلها -كما فهمت- من الأكراد.
والإسلام لا يفرّق بين عربي وكردي ولا بين تركي وفارسي، إنما المؤمنون إخوة، فالإيمان يجمعهم والاختلاف في العقيدة هو وحده الذي يفرق بينهم.
وطال الكلام، وتوالى المتكلّمون بالكردية وأنا قاعد كالأصمّ في الزّفَّة لا أفهم، فمللت وضاق صدري وقلت للشيخ الصوّاف: أنا أمشي أمامكم تلقونني على الطريق. وكنت قد عرفت الطريق من المسجد إلى ساحة البلد، فلما وصلت إليها أخذت طريق الموصل الذي جئت منه، وفي ظني أنني لا أمشي نصف ساعة حتى يكون القوم قد ختموا اجتماعهم وأكملوا خطبهم ولحق بي الشيخان بالسيارة فأدركاني على الطريق.
ولكنني مشيت، ومضت نصف ساعة، وأذّن المغرب وأظلم الليل وأنا أتلفّت ورائي فلا أجد ضوء سيارة ولا أرى أحداً. وكنت في تلك الأيام امرَءاً يحبّ المشي الطويل وكنت أقدر عليه، فما زلت أمشي بخطوات عسكرية موزونة حتى مرّ على أذان العشاء ساعة ونصف الساعة، وأنا وحيد في هذه البرّية ما معي أحد، ولم تمرّ بي سيارة ولم يمرّ بي ماشٍ على رجلَيه.
ثم بدت أضواء سيارة فحسبت أنها سيارة الشيخين قد لحقَت بي، فوقفت فإذا هي سيارة الشرطة، نزل منها ضابط فنظر إليّ بارتياب وسألني من أنا وماذا أصنع هنا، فخبّرته وأريتُه أوراقي، فعجب مني وقال لي: اركب معنا. قلت: لا أستطيع لأنني أنتظر
стр. 1804
مَن يلحق بي وأخاف أن أضيع عنهم. فوقفوا معي وخبّروني أن في هذه البرّية وحوشاً خطيرة وأن فيها أشقياء فارّين من العدالة فهم يتعقّبونهم، فلو أدركَني وحش من الوحوش أو شرّير من هؤلاء الأشرار لقضى عليّ.
فتنبّهت كالذي يصحو من منام، وإذا أنا أسير وما معي سلاح وليسَت لي معرفة بالطريق، وقد ابتعدت عن البلد بُعداً كبيراً.
وقفت معهم حتى وصلَت السيارة، فنزل منها الشيخ أمجد ﵀ والشيخ الصواف ومعهم جماعة. وكان من عادة الشيخ الصواف أنه يكلّمني بلطف ويعاملني برقّة، فثار عليّ ثورة هائلة، فتصوّروا الشيخ الصوّاف بصوته العريض وحماسته المشتعلة وماآتاه الله من بسطة في الجسم يُقبِل بذلك كلّه عليّ أنا!
وسكتّ على غير عادتي إقراراً مني بأن الحقّ معه، وتبيّنت بعد أن هدأَت الأمور كيف أضاعوا هذا الوقت كله في التفتيش عليّ في طرق البلد وسخّروا لذلك الشرطة والشباب وكلّ من يعرفون من الناس، حتى لم يَدَعوا موضعاً قدّروا أنني أكون فيه إلاّ ذهبوا إليه فلم يجدوني.
لم يخطر على بال أحد منهم أنني مشيت وحدي في هذا الطريق وابتعدت عن البلد ثلاثين كيلاً (كيلومتراً) كاملة.
هذا بعض ما بقي لديّ الآن من ذكريات زيارتي للموصل وإربل.
* * *
стр. 1805
-١٤٣ -
من بغداد إلى كراتشي
فارقت الموصل:
سَقى رُبَى المَوْصلِ الفَيْحاءِ مِن بَلَدٍ ... جُودٌ مِنَ المُزْنِ يَحكي جُودَ أهلِيها
أأندُبُ العَيْشَ فيها، أم أنوحُ على ... أيّامِها، أم أعزّى في لياليها؟
أرضٌ يَحِنُّ إليها مَن يفارقُها ... ويَحمَدُ العيشَ فيها مَن يُدانيها
وعدنا إلى بغداد. ولكن هل بغداد التي عُدت إليها هي بغداد التي كنت أُعلّم في مدارسها؟ وهل بغداد اليوم هي بغداد الأمس التي أتكلّم الآن عنها؟ ألا تتبدّل المدُن كما يتبدّل الإنسان؟ ألا يعمل فيها الزمان مثل عمله في الإنسان والحيوان؟
على أنّ الزمان لا ينفع ولا يضرّ، إنه وعاء للحوادث، إناء للصلاح وللفساد، «وكلّ إناء بالذي فيه ينضح». فإذا وجدتم زماناً فاسداً فلا تعيبوه فالعيب ليس منه:
نَعِيبُ زَمانَنا والعَيبُ فينا ... وَما لِزَمانِنا عَيْبٌ سِوانا
стр. 1806
وإذا كان من الناس من يذكر ومن ينسى ومن يفي ومن لا يعرف الوفاء، فإن ذلك يفيض على الزمان وعلى المكان! لمّا رجعت إلى بغداد سنة ١٩٥٤ ذهبت أزور المدارس التي كنت أدرّس فيها قبل سبع عشرة سنة: الثانوية المركزية، والمدرسة الغربية، ومدرسة الأعظمية (كلّية الشريعة) التي عشت فيها لياليّ ونهاراتي، ورأتني في يقظتي وفي هجعتي، وكانت يوماً مستقَرّي من دنياي.
أفتدرون ماذا وجدت في هذه المدارس التي ذهبت أزورها؟ جئت المدرسة الغربية التي أعرفها وتعرفني، يعرفني كل مَن كان يعلّم فيها معي من إخواني وكلّ من كان يتعلّم فيها من أبنائي، وتعرفني غرفها وأبهاؤها وممراتها وأبوابها وأركانها وجدرانها. تركت فيها بقايا مني، من أيامي، من أمانيّ وأحلامي، فلما بلغت بابها أُصِبْت بصدمة اهتزّ لها جسدي؛ صاح بي البواب: ممنوع يا أفندي.
فلما رآني ماضياً قُدُماً لا أقف عليه ولا أتلفّتُ إليه وثب يعترضني ويقول: قلت لك ممنوع، فماذا تريد يا أفندي؟ قلت أريد أن أقابل المدير. فتردّد ثم قال لي مستسلماً: تفضّل.
ودخلت على مدير المدرسة، فإذا كهل يدلّ سَمْته على فضل وعلى صلاح، فانتسبت له (كما كانوا يقولون قديماً، أو عرّفته بنفسي كما يُقال الآن)، فرحّب بي، وأراد أن يُكرِمني فدعا بأساتذة الأدب العربي ليلقوني، فدخل رجلان سلّما وسلّمت، ثم دخلَت صبيّة حسناء سافرة حاسرة، قصيرة الكمّ واسعة الجيب
стр. 1807
يبدو منها الساعد والنحر وأعلى الصدر، تتهدّل خصلة من شعرها على جانب جبينها، فكلّما تكلّمت اهتزّت فسقطت على عينيها فأزاحتها بيدَيها، قصيرة الثوب، ما أنعمت النظر إلى ساقها لأعرف هل تلبس جوارب أم هي كاشفة الساق؟
دخلَت غير محتشمة ولا مستحيِية، كأنها رجل يدخل على رجال أو كأنها حسبَتنا نساء تتكشّف أمامهن كما تتكشّف أمام النساء. وما طالت حيرتي في أمرها ودهشتي منها حتى سمعت المدير يقدّمها إليّ يقول: أعرفك بفلانة (نسيت اسمها)، مدرّسة الأدب العربي. ومدّت يدَها لتصافحني فتأخّرت لحظة ثم قبضت يدي، وقلت كلمة اعتذار ما أعجبَتها.
وأسرعت لأتخلّص من هذا الموقف فسألت المدير: هل تدرّس الآنسة هنا في مدرسة كلّ طلاّبها شباب؟ فابتدرَت هي الجواب وقالت للمدير بجرأة عجيبة: يظهر أن الأستاذ لم يعجبه أن أدرّس هنا. قلت للمدير: اسمح لي أسألك، هل الآنسة مسلمة؟ قالت وقد انقلبَت كالنمرة المتوحّشة: وما دخل الإسلام في الأمر؟ قلت: يا آنسة، أنا لم أخاطبك وإنما خاطبت المدير. فإن كنت مسلمة فالإسلام يدخل حياة المسلم كلها، يكون معه إن كان وحده أو كان مع أهله، أو كان في سوقه أو كان في مدرسته، يبيّن له حكم كل عمل من أعماله، لأنه ليس في الإسلام عمل يعمله المسلم إلاّ وله حُكم في الشرع.
ورأيت أن الكلام معها لا يُفيد، فقمت فسلّمت على المدير وانصرفت، ودمي كلّه يغلي في عروقي وغضبي يضرب قحف رأسي. وذهبت فسألت مَن لقيت من الشبّان في «دار الأخوّة
стр. 1808
الإسلامية»، فإذا هي سنّة سيّئة جديدة: أن يذهب مدرّسون شُبّان إلى مدارس البنات ومدرّسات شابّات إلى مدارس البنين، في أخطر مرحلة من العمر، مرحلة الدراسة المتوسطة التي يكون فيها التلاميذ في بداية العهد بالبلوغ، نار الرغبة مشتعلة بين جوانحهم وكوابح العقل والتجرِبة ضعيفة في نفوسهم، أمّا الدين فقد كان من أثر المستعمرين في أكثر بلاد المسلمين أنهم أضعفوه في نفوس الناشئين.
وروى لي هؤلاء الشباب حوادث ممّا يقع في المدارس التي تدرّس فيها فتيات. حوادث مخيفة أخشى على أعصاب القُرّاء من الشباب أن أذكرها أو أن أشير إليها، فأكون من الذين يريدون الفساد في الأرض. نار وبنزين، هل يكون من اجتماعهما نبع في ظلّ حوله ورد وياسمين؟
وذهبت فنشرت مقالة مشتعلة، لم أكتبها بقلم مقطوف من أغصان الجنّة بل بحطبة من جهنّم، تلتهب كلماتها التهاباً فتُلهِب نفوس أهل الإيمان وأهل الشرف ومَن في نفسه بقيّة من سلائق العروبة وخلائق الإسلام. تردّد صداها بين جوانب البلد تردّد صدى صوت المدافع، أرضَت ناساً أبلغ الرضا وأغضبَت آخرين أعنف الغضب.
حملت على الذين جاؤوا بهذه البنت فألقوها بين الشباب، حمامة بيضاء بين صقور، وقد أشرعَت هذه الصقور مناقيرها وأعدّت مخالبها. على أنها لا تخلو هي من اللوم، فما الذي أدخلها هذا المدخل؟ وإن هي أرادته فما الذي عقد ألسنة أهلها فلم ينصحوها وكفّ أيديهم عنها فلم يمنعوها؟ وإن هي اضطُرّت
стр. 1809
(وما ثَم اضطرار) فما لها وما لهم: تختار هذا الثوب القصير وهذا الزي المثير وهم يُقِرّونها على ما اختارت؟
على أنني لا أتّهم شباب العراق ولا بناته. إنهم جميعاً أولادي أو إخوتي، ولا شباب الشام ومصر، ولا أتّهم أحداً بضعف الخلق ولا بامتهان العفاف. هل أتّهمُ المنحدَر إن سيّرت فيه سيارتي بلا كوابح فانهارت السيارة؟ هل أتّهم النار إن أدنيت يدي منها بلا حجاب؟ الطريق إنما شُقّ لتسلكه السيارات، ولكن مع قوّة الكابح (الفرامل) ويقظة السائق. والنار إنما خُلقت ليستفيد منها الإنسان فيطبخ عليها ويتدفّأ بها. وكابح السيارة هنا إنما هو الزواج، والانتفاع بنار الشهوة إنما يكون بإنشاء الأسرة واستيلاد الولد.
ما قال الله لنا كونوا رهباناً فعطّلوا هذه الطاقة واحبسوا السيل المندفع من فم الوادي، فمَن أراد حبس السيل بعدما سال يذهب به السيل. ولكن أعِدّوا له مجرىً ليجري فيه، أو فاستفيدوا من طاقته يُدِرْ لكم معملاً أو يسيّرْ لكم قطاراً. هذه الشهوة طاقة إن أهدرناها خسرناها، وإن وضعناها في حدودها التي حدّدها الله لها انتفعنا منها. إن كان المصنع ينتج لنا ثياباً وأواني وسيارات فإن هذه الطاقة هي التي جعلها الله منتجة للناس الذين يصنعون الثياب والأدوات والسيارات، فلا تُهدِروها ولا تضيّعوها.
إن المدارس إنّما عُرفت لتزيد الناس علماً، لتقوّم منهم الخلق، لتُبعدهم عن طريق الرذيلة، وهذا الاختلاط يسوقهم إلى هذا الطريق سوقاً.
لقد كانت مقالة طويلة وكان ممّا قلت فيها: إن من المترَفين
стр. 1810
الأغنياء قوماً يراجعون الأطباء يشكون إليهم بعض ما يجدون من الأبناء، يقولون إنهم إن حضر الغداء أو العشاء أعرضوا عنه ولم يُقبِلوا عليه، فهم يطلبون لهم دواء يفتح نفوسهم إليه ويزيد إقبالهم عليه. ولا يخبرون الطبيب أن السبب فيما يشكونه أن الولد أكل قبل الطعام بنصف ساعة حبّة شُكلاطة وقبلها تفاحة وقبل ذلك شرب شراباً حُلواً، أي أنه أكل ما لا يغذّيه ولا يكفيه، ولكنه شغل معدته وأضعف شهيّته. والله قد جعل الجوع الذي تحسّون به دافعاً إلى الطعام الذي تحتاجون إليه، كما جعل الشهوة (وهي جوع آخر) دافعاً إلى الزواج، فالشابّ الذي يأخذ من هذه نظرة بشهوة ومن هذه لمسة أو قُبلة، لم يحقّق له ذلك المراد من الزواج ولم يبق عنده قوّة تدفعه إليه ليُقبِل عليه.
* * *
كان هذا الذي رأيته، وهذا الذي كتبته ونشرته قبل ثلاثين سنة. لم أكُن أتصور أنه سيأتي عليّ يوم أرى فيه مدارس البنات في بعض بلاد المسلمين تكشف عن أجسادهنّ بحُجّة الرياضة، وتعلّمهن الاختلاط باسم الفنّ، وتُخرِجهن من بيوتهن للفتوّة أو للتدريب العسكري ... وسيأتي إن أذن الله ومدّ في الأجل وصفُ ما رأينا من ذلك في الشام أيام الوحدة مع مصر. لقد رأينا شيئاً عجباً تشيب له نواصي الأطفال.
لقد كانت العراق لمّا تركتها بعد أن كنت مدرّساً فيها (كما كانت أكثر البلاد العربية) مَثَلها كمثل غدير كبير كان عذباً صافياً فتعَكّر ماؤه وخالطه الكدر فلم يعُد سائغاً شرابه، فلما عدت بعد
стр. 1811
سبع عشرة سنة (أي سنة ١٩٥٤) وجدت قوماً قد أقاموا مصفاة إلى جنب الغدير أخرجَت ماء صافياً أبلغ الصفاء عذباً غاية العذوبة، فوضعوه في بِركة صغيرة، وما خرج منه من أوضار كانت في الماء العكر أُلقِيت في بركة أخرى صغيرة كلها دنس وطين قذر.
هذا مَثَل أكثر البلاد العربية لمّا كنّا صغاراً ومَثَلها الآن: ترى الآن في كل بلد قِلّةً أطهاراً صالحين متعبّدين كأنهم (كما شبّهتهم مرة غيرَ مبالغ) من أهل الصدر الأول، وقِلّةً أنجاساً تتلقّف كل خبيث من المذاهب وسخ من العادات، أسماؤهم أسماء المسلمين وما هم في عقائدهم وفي أعمالهم وفي سلوكهم كالمسلمين.
وسائر الناس (أي باقيهم) وجمهورهم كما كانوا من قبل: خلطوا عملاً صالحاً وآخر سيّئاً؛ يُقيمون الصلاة ويصومون ويحجّون كما كان السلف يصومون ويصلّون ويحجّون، فالأعمال هي الأعمال، ولكن النيّات ليست هي النيّات. ومنهم من لا تنهاه صلاته عن فحشاء ولا منكر، ومنهم من لا يحافظ على صلواته أو لا يكاد يصلّي، ويحسب أن الإسلام قول بلا عمل ودعوى بلا دليل، وأن الله يوم القيامة يميّز أهل الجنّة من أهل النار بأوراق النفوس وجوازات السفر، فمَن كُتب فيها أنه مسلم جاز الصراطَ إلى الجنّة ومن كُتب فيها أنه غير ذلك كُبّ في جهنّم.
* * *
بقينا في بغداد إلى أواخر آذار (مارس) سنة ١٩٥٤، ذهبنا خلالها مرة إلى البصرة كما ذهبنا إلى الموصل. وكان الشيخ الصوّاف قد أسّس في البصرة فرعاً لجمعية الأخوّة الإسلامية،
стр. 1812
يقوم عليه الشيخ عبد الله أبا الخيل، وهو والد الوزير الشيخ عبدالرحمن وزير الشؤون الاجتماعية سابقاً، ولا أعرف ما قرابته بوزير المالية. ولقد زرناه في داره وأجبنا دعوة منه إلى الطعام (وإن كنت في العادة أعتذر عن أمثال هذه الدعوات) فرأينا رجلاً كريماً وبيتاً مفتوحاً ونُبلاً وفضلاً، ورأينا أثره في العمل الإسلامي أثراً واضحاً، وفهمت أنهم سَمّوها جمعية الأخوّة الإسلامية لأن الحكومة يومئذ لم تسمح لهم باتخاذ اسم الإخوان المسلمين.
وقد نزلنا في فندق شطّ العرب، وهو أحد الفنادق التي أنشأتها إدارة السكك الحديدية وهي التي تديره، ووجدنا به الراحة والنظافة والاطمئنان.
وعدنا إلى بغداد، وبقينا إلى أن فارقناها في يوم من أيامها الشداد، قد عمّها الذعر وطار بألباب أهلها الفزع.
وأشهد -وقد عشت في العراق سنين- أنه ليس في العراق جبان، ولكن كان في بغداد تلك الأيام ما يَجبن أمامه كلُّ الشجعان؛ عدوّ لا تردّه المدافع ولا تدفعه النار ولا الحديد، غَضِبَ على بغداد وكان مُحِباً لها يحنو عليها، واشتدّ على بغداد وهو اللطيف الرقيق الذي تراه من لطفه ورقته يسيل سيلاناً. إنه النهر يا سادة: دجلة. إنه الفيضان!
وقد رأيت الفيضان العظيم سنة ١٩٣٦ (ومرّ حديثه في هذه الذكريات) (١) ولكن فيضان سنة ١٩٥٤ لم يسبق له مثيل. علا
стр. 1813
الماء حتى قارب الأرض، ثم حاذاها، ثم صار أعلى منها بمتر، لا يمسكه إلاّ أكياس الرمل التي رُصفت على الشطّ. لا يحمي بغدادَ إلاّ هذه الأكياس، فإذا وقف الإنسان من ورائها رأى وجه الماء يحاذي صدره، يموج كأنه أسد هائج يمسكه قيدٌ ضعيف، فإن نفذ الماء من مكان واحد غرقَت بغداد كلها.
وكانت ليلة سفرنا ليلة لا تُنسى (١): جمع كل امرئ أطفاله والغالي من متاعه واستعدّ للهرب. يستوي في ذلك الغنيّ والفقير، لأن دجلة إن غضبَت لا تفرّق بين الكوخ وبين القصر.
وفي الساعة الرابعة من تلك الليلة كان موعد سفرنا. وفي الرابعة تماماً، لا قبل دقيقة ولا بعد دقيقة، حطّت الطائرة الضخمة (طائرة «ك. ل. م.» الهولندية) على أرض المطار، وشرعَت تأخذ البنزين، فصُبّ فيها أكثر من مئة وخمسين صفيحة. ولم تكن مستودعاتها فارغة بل كان فيها نقص، فملؤوها بهذا الذي صبّوه فيها.
ولم أحسّ بها وهي تقوم، ولم أعلم بأنها طارت حتى نظرت من تحتي فرأيت بغداد والنهر الفيّاض يحيط بها، يلمع كأنه ثعبان ضخم قد التفّ على فريسته. وابتعدنا حتى غابت بغداد عن عيوننا ولكن صورتها لا تزال في قلوبنا، نحاذر عليها الغرق ونرجو لها السلامة. ولكن السلامة لم تتمّ وكانت الفاجعة بعد ذلك بيومين، سمعنا بها ونحن في السفارة العراقية في كراتشي.
стр. 1814
ومرّت بنا الطيارة إلى البصرة فلم تنزل بها، ورأيت الناس فيها صغاراً كالنمل تمشي في الشوارع، وكانوا إذا رفعوا رؤوسهم رأوا طيارتنا صغيرة كأنها عصفور فوق سطوح المنازل! وهذا هو مَثَل المتكبر على عباد الله. والكبرياءُ لله وحده، والكبرياء كانت سبب هلاك إبليس واستحقاقه لعنة الله. المتكبر يرى الناس صغاراً وهم يرونه صغيراً، فليخجل الذين يستكبرون من البشر، وأوّل أحدهم -كما قال الأوّلون- نطفة مذرة وآخره جيفة قذرة وهو بينهما يحمل في بطنه العذرة!
يغرّه أنه استطاع أن يطاول الجبال طولاً ويخرق بطونها قوّة واقتداراً، فإذا جاء الأجل واراه التراب لا يملك دفعاً ولا حراكاً. أنا أعدّ هذه الكلمات وأمامي الجريدة فيها صورة تشيرنينكو، الرئيس السوفياتي الذي ظنّ بإلحاده أنه يستطيع أن يحارب الله وأن يمحو من الأرض دين الله وأن يُكرِه الناس على الكفر، فاسألوه الآن لو استطعتم سؤاله: ماذا وجد؟ اسألوه ماذا أعَدّ للقاء الله الذي لا مهرب منه ولا معدى عنه؟ اسألوه ماذا هيّأ لنفسه ليجتاز الصراط فلا يسقط تحته؟
ما أغنى عنه ماله، وقد هلك عنه سلطانه، وانفضّ عنه جنده وأعوانه، ونزل التراب وحده، وسيقوم بين يدَي ربّه للحساب وحده. فيا أيها الطغاة اعتبروا؛ فلقد كان هذا الرجل أقوى منكم قوة، وكان أضخم جيشاً، وكان أكثر مالاً، وكان أعزّ سلطاناً، فذهب ذلك كله ولم يبقَ في يده منه شيء. اجعلوه عِبرة لكم، فالعاقل من يعتبر بغيره والأحمق من يكون هو العِبرةَ لغيره.
* * *
стр. 1815
ومرّت بنا الطيارة فوق أرض فارس، فوق إيران؛ البلاد التي ملأ ذكرها تاريخنا، وغلبت أسماء بلدانها على ألقاب علمائنا الذين خرجوا منها والذين غدوا من دعائم صرح مجدنا: الرازي (نسبة إلى الريّ، وهي طهران أو قريبة منها) والقزويني والجرجاني والتبريزي والأصفهاني والشيرازي، وعشرات لهم مثل هذه الألقاب لكل واحد منها في نفوس المتعلّمين منّا والمتأدّبين ذكريات حافلة بالأمجاد.
جزنا العراق ثم طرنا فوق إيران. وهما جارتان، فكيف جارَتا حتى تقاتلتا؟ وهل تتقاتل الأختان أم تتقابلان وتتعانقان؟ وما لهما -وهذه الروابط تربط بينهما- يدع كلّ منهما عدوَّه، بل عدوّهما، ويوجّه قوته إلى الصديق بدل العدو؟!
لمّا جزت بالبصرة من فوق ذكرت أياماً لي فيها لم تكن من أطيب الأيام ولم تكن ذكرياتها من أحلى الذكريات، ولكن المرء يحنّ إلى ما مضى من عمره، كأن فقده منه ويأسه من عودته حبّباه إليه فرأى آلامه مسرّات.
لم أكُن أرى -وأنا أطير فوق هذه البلاد الواسعة- إلاّ أضواء متناثرة، تلوح لحظة من أعماق الأعماق ثم تختفي. فقلت في نفسي: ما أشدّ غرور ابن آدم بهذه الدنيا! إن في هذه الظلمة التي تمتدّ من تحتي لَعالَماً يتنازع أهله، يدفعهم الطمع أو الفزع فيقتتلون ويبيعون الآخرة وما فيها بدنيا هم واثقون من زوالها. وأنا حين علوت في الجوّ لم أرَ من هذا العالَم إلاّ ظلاماً تلوح فيه مصابيح ضئيلة. فكيف يرى أرضَنا كلَّها من يعيش في الكواكب البعيدة (إن
стр. 1816
كان فيها ناس يعيشون)؟ إن هذه الكرة كلها لا تبدو لعينيه أكثرَ من ذرّة مضيئة في الفضاء، كهذه الذرّات التي نراها تسبح في جوّ الغرفة في أشعة الشمس التي تدخل من نافذة الجدار إذا كنس الخادمُ أرضَ الدار.
فما أحقر الدنيا وما أشدّ غرور الإنسان! وغبت لحظة عن حاضري وشعرت كأني أعيش في التاريخ، أمشي مع القوافل التي كانت تحمل خيرات الأرض من الشرق إلى الغرب وتعود بمثلها من الغرب إلى الشرق، وحيثما سارت استظلّت بظلّ العَلَم الإسلامي، عَلَم الدولة التي تملك هذه الأرجاء كلها. وأساير الطلبة الذين كانوا يقطعون هذه المراحل الطوال ويصبرون على المشقّات والأهوال ليروُوا حديثاً أو يتعلّموا مسألة. فما أعظم هِمَم أولئك العلماء!
كنت أعيش في الماضي أيام كان الحكم في الأرض لنا، والعلم فينا، والمال معنا، والمجد في ركابنا، وكل خير بأيدينا، لأن أيدينا كانت ممسكة بمفتاح كل خير، ومفتاحُه القرآن.
وعاد بي إلى الحاضر صوت مضيفة الطائرة تقول بالإنكليزية: العشاء! وهي فتاة مولَّدة، نصفها هولندي ونصفها جاويّ، جمعَت الجمال من أطرافه: فتنة الغرب وسحر المشرق. وجاءت بالعشاء سخناً قد طُبخ في الطيارة. وهذه الطيارة كانت يومئذ عَجَباً من العجب، لم تكن نفّاثة (ولا أظنّها عُرِفت يومئذ الطائرات النفّاثة)، ولولا الألفة والعادة لرأينا فيها معجزة، ففيها ثمانون مقعداً كلّ مقعد له زرّ تكبسه بالأصبع فينقلب المقعد سريراً كاملاً، وفيها
стр. 1817
بهو للمدخّنين فيه أرائك لا تؤجّر ببطاقات، بل هي مباحة لكل راكب يريد أن يتناول السمّ البطيء بامتصاص الدخائن (السجائر)، وفيها أسِرّة للأطفال مخبوءة في الجدران، إن كانت ثمة أمّ وأرادتها مسّت زراً فخرج لها من الجدار سرير.
فندق كامل يطير في الجو، وهي لا تهتزّ ولا تتحرك لأنها تستطيع أن تعلو حتى تجاوز مكان الاهتزاز. ولقد نظرت مرة فإذا تحتنا، تحت في الأعماق، سحاب مركوم يحجب الأرض وإذا فوقنا سحاب مركوم يحجب الشمس، ونحن نمشي بينهما في جوّ ليس فيه ذرّة من السحب.
ولمّا انقضت سبع ساعات كاملة قيل: لقد دنونا من كراتشي وسنهبط، فشدّوا الأحزمة على أوساطكم.
سبع ساعات قطعنا فيها خطاً مستقيماً طوله ثلاثة آلاف وخمسمئة كيل، مَن مشاها على الأرض في الطرق الملتوية مشى ستة آلاف كيل (كيلو متر). سبع ساعات قطعنا فيها ما كانت تقطعه القوافل في ثلاثة أشهر.
هذه كراتشي التي دخل منها الإسلام إلى القارة الهندية، فكانت فاتحة كتاب أمجادنا في تلك الديار، وستكون إن شاء الله فاتحة كتاب مجدنا الجديد. من هنا دخل ابن القاسم، القائد العربي المسلم، ومن هنا بعد حين (أو من طريق قريب من هنا) دخل القائد الأفغاني المسلم السلطان محمود الغزنوي، ومن هنا دخل الفاتحون المسلمون الذين أراقوا على كل ثرى دماً من دمائهم زكياً، وتركوا في كل أرض شهيداً عزيزاً، وخلّفوا في كل بلد مَن
стр. 1818
يُشعِل للناس المصباح الهادئ في ليل الجهل والظلم، يدلّهم على طريق الحقّ والخير حين يلقّنهم أحكام الإسلام.
إن التاريخ مليء بأخبار الفتوح؛ لقد شرّق الإسكندر حتى بلغ بفتحه الصين، وغرّب المغول وقَبيلُهم حتى وصلوا إلى روما مرة وإلى حدود مصر مرة، وفتح نابليون أوربّا، وجاء مئات من الفاتحين، جاء هتلر وجاء غيره مِمّن ظنّ أن الدهر قد سلّمه قياده وأن النصر قد مشى في ركابه ... فكان ذلك كلّه فتحاً عسكرياً يبقى ما بقي السيف أو المدفع، فإذا زال زال. أما الفتح الإسلامي فكان فتحاً للقلوب وفتحاً للعقول، فبقي أثره إلى يوم القيامة (١).
وقطع عليّ تفكيري -كرّةً أخرى- صوت المضيفة تقول: حلّوا الأحزمة فقد هبطنا في كراتشي. فهبطَت بي من سماء الذكرى والحلم إلى أرض الواقع.
* * *
стр. 1819
-١٤٤ -
صور ولمحات من كراتشي
ما أدهشني لمّا وصلنا مطار كراتشي أنني رأيت المراوح الكِبار فوق مكاتب موظفي المُكوس (الجوازات) وهم بقمصان ما لها أكمام، ونحن نلبس الصوف من تحت الثياب والمعاطف من فوقها وفوق ذلك العباءات! فكدت أحترق، ولكن برودة الموظف الذي وقفنا أمامه، هذه البرودة التي أعداه بها الإنكليز على ما يظهر، أطفأَت الحريق الذي أوشك أن يشبّ فيّ وردّتني إلى برد بغداد التي فارقناها وهي في الشتاء.
وكان وراء الحاجز سفراء السعودية ومصر والعراق وسوريا، ووفود الجماعة الإسلامية وحشد ضخم من كرام القوم، تركوا بيوتهم وجاؤوا إلينا يسلّمون علينا نصف الليل، وأخونا الموظف لا يحسّ بهم ولا ينقص من عمله شعرة.
وانتهت الإجراءات أخيراً ففتحوا لنا، لا عناية بنا بل لأنها وصلَت طائرة جديدة ودخل وفد آخر من المسافرين. وخرجنا فوجدنا سفير مصر الصديق الجليل الدكتور عبد الوهاب عزّام، وسفير السعودية الصديق الفاضل الشيخ عبد الحميد الخطيب،
стр. 1820
وسفير سوريا الصديق الكريم ورفيقنا في المدرسة (وإن كان متقدّماً عني وكان أكبرَ سناً مني، لكن لا تشوا بي إليه فتخبروه بأني فضحت سنّه) الأستاذ جواد المُرابط، والسفير العراقي الفاضل النبيل الشيخ عبد القادر الجيلاني، وأمير الجماعة الإسلامية الداعية العالِم المودودي وصحبه، والمفتي الشيخ محمد شفيع، وجماعة التبليغ الإسلامي، وكبار التجّار، وجماعة من الصحافيين والمصوّرين الذين أزاغوا أبصارنا ممّا أبرقوا بمصابيحهم أمامنا.
وأنا أحب أن أسرع فأقرّر حقيقتين وجدناهما من أول ساعة دخلنا فيها باكستان، وكلّما مرّت الساعات ازددنا إيماناً بهما، هما:
(١) إن القوم هنا يُحبّون العرب حبّ تقديس، ويتبرّكون بالعربي تبرّكاً، ويعدّون معرفة العربية شرفاً ومجداً، بل إنهم يرون تعلّمها ديناً، لأنها لغة قرآنهم وسنّة نبيّهم، ولا يسرّهم شيء كما يسرّهم التقرّب إلى العرب. رأينا هذه الحقيقة عند الحاكمين والمحكومين والكبار والصغار والمتعلّمين والجاهلين.
(٢) وإن عتبهم علينا بمقدار حبّهم لنا. يتألّمون لأنهم يُقبِلون علينا ونُعرِض عنهم، ويَدْعون بالدعوة الإسلامية التي تُدخِلهم فينا وندعو بالدعوة العربية التي تُخرِجهم منّا، حتى إنهم كانوا يشكون من بعض الصحافيين العرب لأنهم كانوا ينصرون الهند على باكستان تبعاً لإمامهم الذي كاد يقودهم في طريق النار، فرعون الجديد الذي صنع ما لم يصنع الفراعنة الأوّلون. سمعنا هذا العتب من أكبر رجال باكستان على الإطلاق، كما سمعناه من
стр. 1821
المشايخ والطلاب ومن عوامّ الناس.
وحقيقة ثالثة أستعجل بتقريرها، هي الشكر الحقّ على الرعاية والعناية التي وجدناها من السفراء العرب في باكستان، فلم يكن يمضي يوم دون أن نزور السيد عبد الحميد الخطيب والسيد الدكتور عبد الوهاب عزام أو الأستاذ الجيلاني أو الأستاذ المرابط، يستقبلوننا ويُكرِموننا ويمهّدون لنا طريق الاجتماع بالرجال المسؤولين ويصحبوننا إليهم. أمّا الدعوات والسهرات وإرسال السيارات إلينا فشيء لا يُحَدّ ولا يبلغ شكره القلم ولا اللسان.
* * *
لم نخرج من المطار حتى جاوزنا منتصف الليل وانتهينا من المعاملات الرسمية والاستقبالات. والإنسان مفطور على حبّ الاستطلاع، لذلك يجد المسافرُ المتعةَ الكبرى في قدومه ليلاً على بلدة جديدة وانتظاره الصباح ليُرفع له الستار عنها؛ يحسّ في ليلته تلك كأنه في حلم طال حتى اتصل بالنهار فكانت الحقيقة هي تَتِمّة الحلم. فكيف إذا كان يقدم على عالَم جديد كشبه القارّة الهندية، التي كانت ولا تزال غاية أمل كل سائح، الهند التي يثوي فيها أكثر من خُمس بني آدم.
لذلك كنت لمّا خرجت من مطار كراتشي في شبه نشوة، شديد الانتباه مفتوح العين، لكن الظلام كان يلفّ دوني كلَّ شيء بستار أسود. وكان بين المطار والمدينة أكثر من خمسة عشر كيلاً، مشيناها في طريق لم نجد على طرفَيه إلاّ تخوم الصحراء. هذه
стр. 1822
الصحراء التي لازمَتنا من دمشق إلى كراتشي، فكنّا حيثما طرنا وجدناها تحتنا، فكلّ بلاد العرب صحارى، واتصلَت إلى ما حول كراتشي. ثم اختفت الصحراء فلم نعُد نجد من كلكتّا إلى آخر جزر أندونيسيا إلاّ أرضاً مخضرّة، تغطيها مزارع الأرز وغابات المطّاط والنارجيل والموز ومنابت الشاي.
كما أنني لم أجد في أوربّا -لمّا زرتها- إلاّ أرضاً مخضرّة كلّها أشجار ونباتات، وجبالها تلبس جلباباً من الغابات. فكأن الصحراء نطاق يلفّ الكرة الأرضية من خصرها من باكستان وإيران إلى جزيرة العرب إلى شمالي إفريقيا، وأحسبها تمتدّ (وإن لم تكن متصلة) إلى صحراء نيفادا وراء البحر. وأحسب (والله أعلم) أن الله لمّا قسم الخيرات جعل خير هذه الصحارى في بطنها، نفطاً، ذهباً أسود، كما جعل الخير فيما سِواها على كتفَيها وعلى رأسها، ورداً وزهراً، وماء جارياً وثمراً طيّباً دانياً.
فلما قاربنا مدينة كراتشي بدت لنا على الجانبَين مغانٍ ودارات أنيقة (أي فيلات) متناثرة. وكان أول ما عجبت منه أن السائق كان يسير بنا على يسار الطريق، فحسبته نائماً أو سكران ونبهت مَن معي إلى ذلك، فعجبوا من عجبي، وإذا هي طريقة الإنكليز: يخالفون الناس في كلّ شيء؛ إن مشَت سيارات الناس على يمين الطريق مشوا هم على شماله، وإن قاس الناس بالمتر قاسوا بالياردة، وإن وزنوا بالكيلو وزنوا بالليبرة والرطل، ولا يكتفون بهذه المخالفة حتى يفرضوها على ثلث أهل الأرض، ولا يقول لهم أحد: ماذا تفعلون؟ فإذا قسنا نحن بالذراع أو كِلْنا بالمُدّ أو وزنّا بالرطل قامت علينا القيامة، ووُصِمنا بكلّ وصمة سوء واتُّهمنا بأننا خصوم المدنية
стр. 1823
وأعداء التقدّم!
ولست أقول هذا لنترك المتر ونعود إلى الذراع وندع اللتر ونرجع إلى المُدّ. لا، ولكن لأبيّن كيف تكون سيّئات الضعفاء حسنات الأقوياء.
وأوّل ما يراه الغريب من البلدة التي ينزلها ثلاثة: الفنادق والسيارات ومظاهر العمران. لذلك تحرص كلّ أمة على تحسين فنادقها ووسائل مواصلاتها، وتُعنى بسياراتها العامّة، وأخلاق سائقيها وعُمّالها وانتظام سيرها.
أمّا فنادق كراتشي فقد رأيت منها الفندق الذي حجزوا لنا الغرف فيه أوّل ما وصلنا، وكان ميزان الليل قد مال والصبح قد اقترب، فلم يعجبني وسألت: أليس في البلد غيره؟ فأخذونا إلى فندق سنترال، وهو أحد الفنادق الثلاثة الكبرى في كراتشي. وسرّني منه أنه عمارتان منفصلتان، إحداهما للطعام والشراب والموسيقى والسماع، والأخرى للمنام. نزلنا في غرف كلّ غرفة منها جناح كامل أو منزل صغير.
وكان التعب يجرّني إلى الفراش جراً، ويدفعني إلى النوم دفعاً، ولكنني خفت أن تفوتني صلاة الفجر فأبدأ رحلتي في باكستان بهدم ركن من أركان الإسلام، فانتظرت حتى أذّن الفجر وصلّيت مع القوم وأويت إلى سريري، وحب الاستطلاع وترقب النهار الذي أرى فيه أول بلدة في القارة الهندية يطردان النوم من عيني.
стр. 1824
وقد لبث المستقبلون معنا حتى صلّينا الفجر، فما مضت ثلاث ساعات حتى أيقظني من منامي قرع باب الغرفة، فقمت مضطرباً فإذا هو النادل (الجارسون) يحمل صينية الشاي. فصِحت به أسأله من الذي أمره أن يأتيني بالشاي في مثل هذه الساعة. فحار وعجب وكلّمني بلغة لا أعرف ما هي، فما فهمت عنه ولا فهم عني.
وتبيّنت بعد ذلك أن هذه عادة الإنكليز، يشربون الشاي في السابعة تماماً لا يسبق دقيقة ولا يتأخّر دقيقة. وقد وجدت عادات الإنكليز معي في كلّ فندق نزلناه إلى آخر الرحلة، ولم أفهم معنى قولهم: «إن المؤمن يأكل في مِعَىً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (١) إلاّ حين عاشرت الإنكليز ورأيت أكلهم.
يُفيقون الساعة السابعة فيأخذون الشاي بالحليب قبل القيام من الفراش، فإذا مرّت ساعة جاء الفطور فأكلوا أكل من لا يخشى الفَزْر: بيضتين وقطعة لحم وزبداً ومُربّى وشيئاً اسمه «البودينغ» لا أدري ما هو، وشربوا معه الشاي باللبن. فإذا جاء الظهر أكلوا أكلاً لَمّاً: لحماً بارداً ولحماً حاراً ورزاً وخضراً وحلوى وفاكهة. فإذا كانت الساعة الرابعة أكلوا الفَرَانيّ (أي الكاتوه) وشربوا عليه الشاي باللبن الحليب، فإن كان المساء أكلوا أكبر من أكلة الظهر. ولا يأخذون الخبز مع ذلك كله إلاّ مُغطّى بالزبد. والعجيب حقاً أنه ليس لهم -مع ذلك الأكل كله- أكراش ظاهرة ولا بطون كبطون الحبالى ولا يركبهم الشحم! فأين يذهب هذا الطعام كله؟
стр. 1825
وكان من أثر حُكم الإنكليز أنْ تركوا في مظاهر الحياة في الهند وباكستان كثيراً من آثارهم، فأسماء الشوارع في كراتشي إنكليزية (أو كانت في العهد الذي أتكلّم عنه، قبل ثلاثين سنة كاملة، إنكليزية) وعادات العلية من الناس عادات إنكليزية، واللغة الإنكليزية فاشية بين الكبار والصغار. وكثيراً ما رأيت فقيهاً في مسجده أو تاجراً في سوقه وهو ينطق الإنكليزية كأهلها، مع أن النطق بها عمل من الأعمال الشاقّة التي يُحكَم بها على عُتاة المجرمين!
وكان من عادتي إذا نزلت بلداً أنني أحفظ اسم الفندق ثم أمشي على غير هدى، أمشي الساعة والساعتين والثلاث، ثم أقول لسائق السيارة (أو الركشة، وسأخبركم ما هي الركشة): خذني إلى فندق كذا، فيأخذني إليه.
مشيت مرة ثم ركبت ركشة فقلت لسائقها: "سنترال أوتيل"، فما فهم عني. فكرّرت اللفظ وهو يهزّ رأسه بأدب، فكتبت له الاسم كتابة على ورقة كانت معي، فضحك وقال: "صنطرل هطل"؟ أي أنه خطف الراء وفخّم اللام ومضغ الكلمة بين لسانه وأسنانه مضغاً حتى صار الأوتيل هطلاً، وكانت هذه هي بلاغة الكلام عند الإنكليز.
ولقد كتبت مرة أقول إن اللغة الإنكليزية أفظع اللغات، وإن كنت لا أعرفها، أشهد عليها بما سمعته عنها. فيها حروف تُكتَب ولا تُقرأ وحروف تُقرَأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرأ في كلمة على صورة وتُقرأ في الكلمة الأخرى على صورة غيرها، وقواعدها