المشايخ والطلاب ومن عوامّ الناس.
وحقيقة ثالثة أستعجل بتقريرها، هي الشكر الحقّ على الرعاية والعناية التي وجدناها من السفراء العرب في باكستان، فلم يكن يمضي يوم دون أن نزور السيد عبد الحميد الخطيب والسيد الدكتور عبد الوهاب عزام أو الأستاذ الجيلاني أو الأستاذ المرابط، يستقبلوننا ويُكرِموننا ويمهّدون لنا طريق الاجتماع بالرجال المسؤولين ويصحبوننا إليهم. أمّا الدعوات والسهرات وإرسال السيارات إلينا فشيء لا يُحَدّ ولا يبلغ شكره القلم ولا اللسان.
* * *
لم نخرج من المطار حتى جاوزنا منتصف الليل وانتهينا من المعاملات الرسمية والاستقبالات. والإنسان مفطور على حبّ الاستطلاع، لذلك يجد المسافرُ المتعةَ الكبرى في قدومه ليلاً على بلدة جديدة وانتظاره الصباح ليُرفع له الستار عنها؛ يحسّ في ليلته تلك كأنه في حلم طال حتى اتصل بالنهار فكانت الحقيقة هي تَتِمّة الحلم. فكيف إذا كان يقدم على عالَم جديد كشبه القارّة الهندية، التي كانت ولا تزال غاية أمل كل سائح، الهند التي يثوي فيها أكثر من خُمس بني آدم.
لذلك كنت لمّا خرجت من مطار كراتشي في شبه نشوة، شديد الانتباه مفتوح العين، لكن الظلام كان يلفّ دوني كلَّ شيء بستار أسود. وكان بين المطار والمدينة أكثر من خمسة عشر كيلاً، مشيناها في طريق لم نجد على طرفَيه إلاّ تخوم الصحراء. هذه
стр. 1822
الصحراء التي لازمَتنا من دمشق إلى كراتشي، فكنّا حيثما طرنا وجدناها تحتنا، فكلّ بلاد العرب صحارى، واتصلَت إلى ما حول كراتشي. ثم اختفت الصحراء فلم نعُد نجد من كلكتّا إلى آخر جزر أندونيسيا إلاّ أرضاً مخضرّة، تغطيها مزارع الأرز وغابات المطّاط والنارجيل والموز ومنابت الشاي.
كما أنني لم أجد في أوربّا -لمّا زرتها- إلاّ أرضاً مخضرّة كلّها أشجار ونباتات، وجبالها تلبس جلباباً من الغابات. فكأن الصحراء نطاق يلفّ الكرة الأرضية من خصرها من باكستان وإيران إلى جزيرة العرب إلى شمالي إفريقيا، وأحسبها تمتدّ (وإن لم تكن متصلة) إلى صحراء نيفادا وراء البحر. وأحسب (والله أعلم) أن الله لمّا قسم الخيرات جعل خير هذه الصحارى في بطنها، نفطاً، ذهباً أسود، كما جعل الخير فيما سِواها على كتفَيها وعلى رأسها، ورداً وزهراً، وماء جارياً وثمراً طيّباً دانياً.
فلما قاربنا مدينة كراتشي بدت لنا على الجانبَين مغانٍ ودارات أنيقة (أي فيلات) متناثرة. وكان أول ما عجبت منه أن السائق كان يسير بنا على يسار الطريق، فحسبته نائماً أو سكران ونبهت مَن معي إلى ذلك، فعجبوا من عجبي، وإذا هي طريقة الإنكليز: يخالفون الناس في كلّ شيء؛ إن مشَت سيارات الناس على يمين الطريق مشوا هم على شماله، وإن قاس الناس بالمتر قاسوا بالياردة، وإن وزنوا بالكيلو وزنوا بالليبرة والرطل، ولا يكتفون بهذه المخالفة حتى يفرضوها على ثلث أهل الأرض، ولا يقول لهم أحد: ماذا تفعلون؟ فإذا قسنا نحن بالذراع أو كِلْنا بالمُدّ أو وزنّا بالرطل قامت علينا القيامة، ووُصِمنا بكلّ وصمة سوء واتُّهمنا بأننا خصوم المدنية
стр. 1823
وأعداء التقدّم!
ولست أقول هذا لنترك المتر ونعود إلى الذراع وندع اللتر ونرجع إلى المُدّ. لا، ولكن لأبيّن كيف تكون سيّئات الضعفاء حسنات الأقوياء.
وأوّل ما يراه الغريب من البلدة التي ينزلها ثلاثة: الفنادق والسيارات ومظاهر العمران. لذلك تحرص كلّ أمة على تحسين فنادقها ووسائل مواصلاتها، وتُعنى بسياراتها العامّة، وأخلاق سائقيها وعُمّالها وانتظام سيرها.
أمّا فنادق كراتشي فقد رأيت منها الفندق الذي حجزوا لنا الغرف فيه أوّل ما وصلنا، وكان ميزان الليل قد مال والصبح قد اقترب، فلم يعجبني وسألت: أليس في البلد غيره؟ فأخذونا إلى فندق سنترال، وهو أحد الفنادق الثلاثة الكبرى في كراتشي. وسرّني منه أنه عمارتان منفصلتان، إحداهما للطعام والشراب والموسيقى والسماع، والأخرى للمنام. نزلنا في غرف كلّ غرفة منها جناح كامل أو منزل صغير.
وكان التعب يجرّني إلى الفراش جراً، ويدفعني إلى النوم دفعاً، ولكنني خفت أن تفوتني صلاة الفجر فأبدأ رحلتي في باكستان بهدم ركن من أركان الإسلام، فانتظرت حتى أذّن الفجر وصلّيت مع القوم وأويت إلى سريري، وحب الاستطلاع وترقب النهار الذي أرى فيه أول بلدة في القارة الهندية يطردان النوم من عيني.
стр. 1824
وقد لبث المستقبلون معنا حتى صلّينا الفجر، فما مضت ثلاث ساعات حتى أيقظني من منامي قرع باب الغرفة، فقمت مضطرباً فإذا هو النادل (الجارسون) يحمل صينية الشاي. فصِحت به أسأله من الذي أمره أن يأتيني بالشاي في مثل هذه الساعة. فحار وعجب وكلّمني بلغة لا أعرف ما هي، فما فهمت عنه ولا فهم عني.
وتبيّنت بعد ذلك أن هذه عادة الإنكليز، يشربون الشاي في السابعة تماماً لا يسبق دقيقة ولا يتأخّر دقيقة. وقد وجدت عادات الإنكليز معي في كلّ فندق نزلناه إلى آخر الرحلة، ولم أفهم معنى قولهم: «إن المؤمن يأكل في مِعَىً واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء» (١) إلاّ حين عاشرت الإنكليز ورأيت أكلهم.
يُفيقون الساعة السابعة فيأخذون الشاي بالحليب قبل القيام من الفراش، فإذا مرّت ساعة جاء الفطور فأكلوا أكل من لا يخشى الفَزْر: بيضتين وقطعة لحم وزبداً ومُربّى وشيئاً اسمه «البودينغ» لا أدري ما هو، وشربوا معه الشاي باللبن. فإذا جاء الظهر أكلوا أكلاً لَمّاً: لحماً بارداً ولحماً حاراً ورزاً وخضراً وحلوى وفاكهة. فإذا كانت الساعة الرابعة أكلوا الفَرَانيّ (أي الكاتوه) وشربوا عليه الشاي باللبن الحليب، فإن كان المساء أكلوا أكبر من أكلة الظهر. ولا يأخذون الخبز مع ذلك كله إلاّ مُغطّى بالزبد. والعجيب حقاً أنه ليس لهم -مع ذلك الأكل كله- أكراش ظاهرة ولا بطون كبطون الحبالى ولا يركبهم الشحم! فأين يذهب هذا الطعام كله؟
стр. 1825
وكان من أثر حُكم الإنكليز أنْ تركوا في مظاهر الحياة في الهند وباكستان كثيراً من آثارهم، فأسماء الشوارع في كراتشي إنكليزية (أو كانت في العهد الذي أتكلّم عنه، قبل ثلاثين سنة كاملة، إنكليزية) وعادات العلية من الناس عادات إنكليزية، واللغة الإنكليزية فاشية بين الكبار والصغار. وكثيراً ما رأيت فقيهاً في مسجده أو تاجراً في سوقه وهو ينطق الإنكليزية كأهلها، مع أن النطق بها عمل من الأعمال الشاقّة التي يُحكَم بها على عُتاة المجرمين!
وكان من عادتي إذا نزلت بلداً أنني أحفظ اسم الفندق ثم أمشي على غير هدى، أمشي الساعة والساعتين والثلاث، ثم أقول لسائق السيارة (أو الركشة، وسأخبركم ما هي الركشة): خذني إلى فندق كذا، فيأخذني إليه.
مشيت مرة ثم ركبت ركشة فقلت لسائقها: "سنترال أوتيل"، فما فهم عني. فكرّرت اللفظ وهو يهزّ رأسه بأدب، فكتبت له الاسم كتابة على ورقة كانت معي، فضحك وقال: "صنطرل هطل"؟ أي أنه خطف الراء وفخّم اللام ومضغ الكلمة بين لسانه وأسنانه مضغاً حتى صار الأوتيل هطلاً، وكانت هذه هي بلاغة الكلام عند الإنكليز.
ولقد كتبت مرة أقول إن اللغة الإنكليزية أفظع اللغات، وإن كنت لا أعرفها، أشهد عليها بما سمعته عنها. فيها حروف تُكتَب ولا تُقرأ وحروف تُقرَأ وهي غير مكتوبة، وحروف تُقرأ في كلمة على صورة وتُقرأ في الكلمة الأخرى على صورة غيرها، وقواعدها
стр. 1826
سماعية ليست قياسية، واللفظ بها شنيع. وهم مع ذلك قد فرضوها على رُبع العالَم، لأن أصحابها أهل اعتزاز بها وحرص عليها، ونشاط في تسهيل تعليمها والدعوة إليها، حتى إننا نجعل لها في مدارسنا خُمس الساعات الأسبوعية أو سُدسها ونوزّع الأخماس الأربعة على الدروس الباقية كلها، ثم لا يأخذ منها أبناؤنا ما يسهّل عليهم الدراسة بها إذا ذهبوا يُتِمّون تعليمهم في البلاد الأخرى بل يُمضُون سنة من أعمارهم في تعلّمها من جديد.
ولغتنا العربية أكمل لغات الأرض بلا جدال، صارت لغة كاملة قبل أن يُوجَد في الدنيا كلها من يقول عن نفسه أنا إنكليزي وقبل أن تعرف الأرض هذا الجنس، ولا أقول المبارك. ولم يشهد التاريخ ولادتها ولا طفولتها ولم يعرفها إلاّ بالغة رشدها، لأنها أكبر من التاريخ وأقدم منه مولداً. ولا نزال نجد في هذه اللغة التي كانت مستعمَلة قبل ألفَي سنة كلمات تفي بكل ما يحتاجه أستاذ الطبّ وأستاذ الحقوق وأستاذ العلوم في الجامعة ... ولا أقول هذا خيالاً ولا فرضاً مستحيلاً، بل أُخبِر عمّا صنعه أساتذة كلية الطب في دمشق حين عرّبوا المصطلحات كلها في السنين الستين الماضية.
ولكنْ قعد بهذه اللغة العربية النبيلة، قعد بها أننا نحن أبناءها (١) لا نعتزّ بها اعتزاز الإنكليز بلغتهم الشوهاء، ولا نحرص عليها حرصهم على لغتهم ولا ننشط في تعليمها ونشرها مثل نشاطهم. بل إن فينا من يظنّ بأن من الظُّرف والحضارة أن يدَع الكلمة العربية
стр. 1827
الفصحى وينطق بمرادفتها من الإنكليزية أو الفرنسية، فلا نقول «خِمار» ولا «وِشاح» بل «إشارب»، ولا نقول «معطف» بل نقول «مانطو»، ولا نقول «البُرد» بل نقول «روب دو شامبر»، ولا نقول «تِقانة» بل نقول «تكنولوجيا»، وأمثال ذلك مئات.
عفواً يا سادة فقد خرجت عن الموضوع، بل أنا على الأصحّ لم أدخل بعدُ في الموضوع.
* * *
أمّا وسائل الركوب في كراتشي فكثيرة متنوّعة، منها السيارات الصغار (التاكسي)، وكنّا إن ركبناها وأسرعَت بنا لم نرَ شيئاً. ومنها عربات الخيل، ولكن الخيل ليست مهذّبةً التهذيب الكامل، فهي لا تمتنع عن أن تؤذينا ونحن خلفها بفعل قبيح أو رائحة كريهة تنقض وضوءها لو كانت متوضّئة! ومنها السيارات الكبيرة (الباصات)، ولكنها كانت تلك الأيام، سنة ١٩٥٤، عتيقة ومزعجة. وكان في كراتشي ترام يسير على المازوت (السّولار)، فلم يبقَ إلاّ الركشة.
و «الرَّكْشَة» هي المركب الشعبي في آسيا كلها، وهي في الأصل عربات صغيرة جداً تتسع لراكب واحد يجرّها إنسان مثلي ومثلكم ويعدو بها. وقد ركبتها -كما سأحدّثكم- في كلكتا، المدينة الهائلة التي كان فيها في تلك الأيام خمسة ملايين ونصف مليون، أي بمقدار سكان سوريا ولبنان والأردن (في تلك الأيام)! وكان السائق رجلاً عجوزاً لم يبقَ منه إلاّ قفص عظام، ولم أكُن أريد الركوب لأنني أخجل من الله أن أقعد في عربة يجرّها بشر، لا
стр. 1828
سيما إذا كان شيخاً كبيراً. لكنه توسّل إليّ وألحّ عليّ حتى أركب معه، فأعطيته الأجرة ومشيت، فأباها ورفضها وأصرّ على أن أركب. فركبت وانطلق راكضاً، وحرارة الجوّ فوق الأربعين والعرق يغسل جسده، وأنا أرجوه أن يُبطئ وأكلّمه بالإشارة، وهي اللغة التي لم أكُن أعرف غيرها في رحلتي كلها، فيظنّ أني أستحثّه فيزداد ركضاً وإسراعاً، حتى وَقْفتُه وأعطيته أجرته، وزدته عليها ونزلت فأخذت سيارة.
والغريب حقاً أن هذه العربات يجرّها الإنسان، والبقر المقدسة تمشي في شوارع الهند -كما سترون- طليقة. وليست بقرة ولا بقرتين ولا عشراً، بل إنك لا تمشي عشرين متراً في كلكتا مثلاً حتى تلقى بقرة. وقد تمرّ واحدة في الشارع العظيم فيَقِفُ لها الشرطيُّ السيارات حتى تجتاز بسلام واحترام. وقد تأكل أثمن الفاكهة من الدكاكين أو أندر الأزهار من الحدائق فلا ينهاها أحد، بل يتبرّكون بها! وسيأتي خبر ذلك كله إن شاء الله.
هذا هو الأصل في الركشة. لكنها تطوّرَت فلم يعُد يجرّها رجل. بل صارت مقعداً مربوطاً بدرّاجة يركبها السائق ويحرّكها برجلَيه. والمقعد في كراتشي وراء سائق الدرّاجة وفي أندونيسيا أمامه، كأنهم خافوا أن يهرب من غير أن يدفع الأجرة أو أرادوا من الرّاكب إذا كان حادث اصطدام أن يتلقّاه بوجهه الكريم وأن ينجو السائق سالماً! ورأيت الركشة في سنغافورة إلى جنب راكب الدرّاجة. ثم تطوّرَت الركشة فصار مقعدها يُربَط بدرّاجة آليّة (بخارية) فلا يتعب السائق بتسيِيرها، ولم تبقَ الركشة الأصلية إلاّ في المدن الهندية العتيقة مثل كلكتا.
стр. 1829
كراتشي مدينة جديدة مشرقة مضيئة، على الضدّ من كلكتا. كانت قبل إنشاء باكستان مدينة صغيرة فصارت من بلاد العالَم الكبار، وكانت لمّا زُرناها عاصمة باكستان، فهي مرفأ عظيم ومطارها من أكبر المطارات، وهي باب الشرق كلّه. شوارعها فسيحة فيها الأشجار المزهرة، الشجرة منها بحجم شجرة الجوز الكبيرة ولكنها ذات زهر دائم أحمر أو أصفر.
وأوّل ما ينتبه إليه المسافر إذا نزل بلداً نظامُ السير. وهو في كراتشي على غاية من الضبط والإحكام، تتسابق السيارات في الشوارع كأنها بنات الجِنّ ولا ترى حادثاً واحداً، وللمارّة عند تقاطُع الشوارع نفق تحت الأرض من جانب إلى جانب. ورأيت وأنا أمشي في كراتشي برجاً عالياً فيه ساعة ضخمة وتحته بناء جديد له بوّابة كبيرة، فحسبته جامعة أو مكتبة عامّة، ورأيت الناس يدخلون إليه فدخلت مع الداخلين، فوجدته ليس بالجامعة ولا بالمكتبة ولكنه سوق الخضر! سوق نظيفة عجيبة مرتّبة أجمل ترتيب، فقِسم للقصّابين ليس فيه ذبابة واحدة، وقسم للخضر، وقسم للفواكه، وأقسام لكلّ ما يحتاج إليه البيت، والأسعار محدّدة معلَنة. وإذا في كل حيّ من أحياء البلدة مثل هذه السوق.
وكنت كلّما سرت مئة متر وجدت دكاكين صغاراً فيها رجال قاعدون، وأمام كل واحد منهم جامان من النحاس الأصفر وورق شجر أخضر يلفّه ويضع عليه ممّا في الجامَين، والناس مزدحمون عليه. وقد ذكر هذا الورقَ وطريقة استعماله ابنُ بطّوطة في رحلته، وقد بقي من أيامه إلى الآن لم يتبدّل ولم يتغير. هذا هو ورق «الفوفل» يأخذونه ويضعون عليه شيئاً حاراً ملوّناً ويمضغونه ثم
стр. 1830
يبصقونه في الطرق أو في آنية تكون في المجالس، على صورة لا يستحبّها مَن لم يتعوّدها. فترى شفاههم محمرّة منه، وهو يُقدَّم بدلاً من الدخائن (السجاير) أو معها، وتقديمه من علامات الإكرام.
والمترَفون من الناس يتخذون في جيوبهم علباً وقناني صغاراً فيها من هذه البهارات وهذه الموادّ كما يتخذ المدخّنون علب الدخائن، وهم يزعمون أنه ينقّي الفم ويقوّي الأسنان. وهذا الورق لا يَنبت شجرُه في كراتشي بل يأتون به كل يوم -كما سمعنا- بالطيارة من الهند؛ أي أنه في الهند كمصيبة القات في اليمن، نجّى الله البلدَين من هاتين المصيبتين.
والأسواق كثيرة والبضائع فيها معروضة عرضاً جميلاً. ولقد مررت مرة على مخزن واسع في وسط البلد كأنه من كثرة الأنوار كالثريّات شعلة أو كأنه دار فيها عرس، فدخلته فإذا جامات كبيرة مضاءة مملوءة بزهور ملوّنة حمراء وصفراء وخضراء على هيئة النجوم والأوراد والأزهار، مصفوفة في الصواني مزينة بنقاط من الفضّة اللمّاعة أو بالورق الذهبي أو الفضّي، والناس يقفون على الجامات يأخذون منها.
منظر هو الغاية في حسن العرض وتوزيع الأضواء والنظافة. وإذا هي الحلوى الباكستانية، هذه أشكالها وهذه طريقة عرضها. وهي كلها كالحلوى المسمّاة في الشام «الغُرَيْبَة» ولكنها هنا أدسم وأكثر دهناً، تخلط بأنواع من العطور والبهارات فيختلف طعمها باختلاف لونها، وأكثرها لا يخلو من لذعة كلذعة الفلفل الخفيف.
* * *
стр. 1831
أقمنا في كراتشي يومين، ثم دُعينا إلى حفلة كبيرة في حديقة واسعة اسمها -كما أذكر- حديقة آرام باك. وكان في صدرها دكّة عالية عليها صدور المدعوّين ووجوههم وكبارهم، وكانت عادتهم أن ينصبوا لكل حفلة عريفاً، وكان عريف هذه الحفلة الدكتور عبد الوهاب عزّام. وسألت عن سبب الاجتماع فقالوا إن سببه هو المطالبة الشعبية بتطبيق الدستور الإسلامي.
كانت باكستان حلماً في خيال شاعر اسمه محمد إقبال وكانت هدفاً في رأس سياسي اسمه محمد علي جنّة (جناح)، ولكن الإسلام الذي دعوا إليه كان أقرب لأن يكون إسلاماً سياسياً منه إلى الإسلام الحقيقي الذي يقيم شرع الله كاملاً، يلتزم بأحكامه ويؤدّي فرائضه ويبتعد عن حرامه، ولذلك ضاق صدر الشعب بالانتظار فدعا إلى هذا الاجتماع.
حديقة كبيرة جداً والناس فيها آلاف مؤلّفة لا أدري كم عددهم، ولكنني لم أكُن أبصر وجه الأرض من كثرتهم. ومن عادتهم في مثل هذه الحفلات أنهم يقعدون على الأرض لا على الكراسي، فيتسع المكان لعدد أكبر.
خطب خطباء باللسان الأردي الذي لا أعرفه، وألقى بعض الشعراء قصائد. ومن عادة الشعراء أنهم يُلقُون قصائدهم ملحّنة، أي أنهم يغنّونها غناء. وهو شيء جديد لم أكُن أعرفه من قبل، وإن كان لفظ «أنشد شعراً» قد يُشير إلى أن إلقاء الشعر لا يخلو من بعض النغم عند العرب قديماً.
دعَوني إلى الكلام. وكان الذي يترجم لي إذا خطبت الشيخ
стр. 1832
القدوسي، وهو المترجم في المفوّضية السعودية، يُحسِن العربية ويُحسِن الأردية. فألقيت كلمة كان لها وقع عظيم، وصدرت الجرائد لا سيما جريدة «الفجر» (وقد نسيت اسمها الأردي) وجعلت العنوان الكبير لذلك العدد جملة من خطبتي.
قلت في هذه الخطبة ما خلاصته: إنكم انفصلتم عن الهند لأنكم مسلمون وأقمتم هذه الدولة على أن تكون دولة إسلامية، فإذا لم تُقيموا فيها حكم الله ولم تطبّقوا فيها الإسلام فلا معنى لقيام باكستان، فارجعوا إلى الهند.
وقد تَرجم لي هذه الفقرة إلى اللغة الأردية فألقيتها بها. ولعلّي حرفت الكلام أو أضعت بلاغته بسوء تعبيري، فإن لهجة الكلام وإيقاعه قد تبدّل معناه: كنت مرة في دمشق فرأيت سائحاً أجنبياً قد ضلّ الطريق؛ فسألني: "سوكيل أميديا"؟ فلم أفهم عنه. فأعاد الكلمة فلم أفهم، وإذا به يريد أن يسألني عن سوق الحميديّة! فتصوّروا كيف يُضيع سوء الأداء وقبح النطق معاني الكلمات.
صرت بعد هذه الحفلة خطيباً شعبياً. وكانت تلك الأيام أيام ذكرى الإسراء والمعراج والحديث عن فلسطين، فوجدت في كلّ كراتشي مثلَ ما تركت في الشام، يتسابق الأحياء في مثل هذه المناسبات إلى إقامة الحفلات وإلقاء الخطب. وكان من أبرز الخطباء الشعبيين في تلك الأيام عبد الربّ نشتر، وهو خطيب بليغ بِلُغته الأردية ووزير سابق ورجل معروف.
وكان من الخطباء الشيخ الصوفي البدايوني، وهو كما فهمت من أبلغ من يخطب باللغة الأردية، وجماعة قلّما تخلو حفلة منهم.
стр. 1833
فضمّوني إليهم وألحقوني بهم، فصرت كلّما أقيمت حفلة أثناء مقامي في كراتشي أكون بين خطبائهم، أتكلّم العربية ويترجم عني المترجمون إلى اللغة الأردية. وأشهد أن الشعب هناك شعب يُحِبّ البلاغة ويتأثر بها وينقاد للخطباء، ويُصغي إليهم ويعمل بما يقولون.
أقمت في كراتشي شهرين ما مر عليّ يومٌ فيها إلاّ مشيت فيه أكيالاً كثيرة: خمسة أكيال أو عشرة أكيال، حتى عرفت البلدة كلّها مثل معرفتي ببلدان المملكة هنا الآن ومعرفتي بالشام التي هي بلدي ومعرفتي ببغداد وبالقاهرة وبعمّان. والحديث عن كراتشي طويل، وسأعود إلى إتمامه إن أذنتم لي في الحلقات المقبلات إن شاء الله.
* * *
стр. 1834
-١٤٥ -
قصة باكستان
وصلنا باكستان واستقلالُها وليد جديد لم يبلغ عمره سبع سنين، وُلد لأمه على كبر بعدما عاشت في الاستعمار عمراً يشيخ في مثله الأطفال.
ولعلكم تعجبون إذا قلت لكم إنني لم أسمع بكلمة الاستقلال، ولم يسمع بها أحد من أهل بلدي، قبل دخول الشريف فيصل بن الحسين دمشق سنة ١٩١٨، وكنت في آخر الدراسة الابتدائية. ذلك أن الاستقلال لا يكون إلاّ بعد الاستعمار، والاستعمار لا يكون إلاّ باستيلاء الأجنبي الكافر على البلد المسلم. وقد نشأنا في ظلّ الراية العثمانية، والدولة العثمانية قامت بالإسلام وعملت للإسلام، وكان ملوكها الأوّلون من خيار الحاكمين في تاريخ الإسلام، فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتّبعوا الشهوات، وتركوا دعوة الإسلام لدعوات ما أنزل الله بها من سلطان، فضاعوا وأضاعوا بلادهم وأضاعونا معهم.
ولكن كيف تمكّن الاستعمار الإنكليزي من الهند؟ والهند قارة كبيرة والإنكليز -إذا قيسوا بأهلها- قِلّة قليلة؟ كيف تمكّنوا
стр. 1835
منها حتى جعلوها جوهرة تاج مُلكهم وأغلى ممتلكاتهم، وبنوا فيها بناءَ من يعيش فيها أبداً لا من يظنّ أنه سيخرج منها غداً؟ ما كنّا نظنّ ولا يظنّ أحد (مهما حسن به الظنّ واتسع له أفق التفاؤل وزاد به الأمل) أنه سيرى الإنكليز خارجين من الهند. لقد حسبوا -كما يحسب خنازير البشر الإسرائيليون الآن- أنهم باقون فيها إلى الأبد وأنهم مانعتهم حصونهم من الله، ونسوا أنه لا يمتنع على قدَر الله أحد.
الهند وكندا وأخواتهما، التي سرقَتها إنكلترا من أصحابها وضمّتها إلى أملاكها، هي التي جعلَت منها بريطانيا العظمى. وإلا فما بريطانيا؟ إن سكوتلندا تتبرّأ منها وأيرلندا كانت ولا تزال حرباً عليها، حتى ويلز ليست منها ولا شعبها شعبها ولا لسانها لسانها. فهل بقي إلاّ لندن وبقعة من الأرض صغيرة من حولها؟
حتى هذه، حتى الإنكلو والسكسون، التي دُعيَت نسبة لها إنكلترا (أي أرض الإنكل) هما قبيلتان جرمانيّتان استولتا على هذه الأرض بلا حقّ مشروع ولا نصر مؤزّر، بل بأسلوب هو أقرب إلى الحيلة والغدر. فما هي إنكلترا؟ وكيف ملكَت الهند؟ ضفدعة تلتهم ثوراً! لقد قالوا قديماً: إن للضفادع مثل صوت البقر ولكنها لا تجرّ المحراث.
كيف استعمرَت الهند؟ هل تعرفون كيف ملكت الهند وكيف سيطرَت عليها؟ لقد كان ذلك كما يسيطر المرض على الجسم، المرض الذي يصرع البطل القوي حتى يلقيه جسداً بلا حراك. بل الذي يصرع الفيل والأسد إن استطاعت جرثومته (جرثومة الشيء:
стр. 1836
أصله) الدخول إلى جسم الأسد والفيل. وما جرثومته؟ إنها حيوان أصغر من أن يُلمَس باليد وأدقّ من أن يُرى بالعين، لو اجتمع منه مئة مليون، أو ألف مليون، بعدد سُكّان الصين، لقضت عليها كلّها نقطة واحدة من الغَوْل (الإسبيرتو) أو من أي سائل مطهّر.
بدأ الاستعمار الإنكليزي بمخزن صغير، بدُكّان جاؤوا صاغرين يستأذنون إمبراطور الهند المسلم بافتتاحها! فما زالت هذه الدكان تتّسع، وتتّسع، وتتّسع، حتى وصلَت جدرانها إلى حدود الهند فإذا البلاد كلها قد دخلت فيها.
إن الراية الإسلامية انطوت بعدما ظلّلَت الهندَ أكثر من ثمانمئة سنة. إن للإسلام في الهند أندلساً كبرى يقف المسلم في آثارها، في دهلي ولكنَوْ وعليغار وهاتيك الديار ... على المساجد التي لم يعُد يسيطر عليها أهلوها، على القلاع التي خلت من جنودها، على العروش التي غاب عنها أصحابها، على الآثار الإسلامية الضخمة، على مسجد قبّة الإسلام (الذي يدعونه مسجد قوّة الإسلام)، على منارة قطب، على القلعة الحمراء، على المسجد الجامع ... وكل ذلك في دهلي، على تاج محلّ القريبة من دهلي، يقف المسلم على ذلك فيحسّ أنه يعصر قلبه دموعاً ويزلزل جوانحه أسىً.
لن أطيل عليكم الكلام ولن أنقل لكم نصوصاً ولا أروي تاريخاً، بل أعرض عليكم خلاصة لما بقي في ذهني بعد أن زرت الهند وقرأت تاريخها.
هذه القارة التي يعيش فيها خُمس سكان الأرض والتي تحوي
стр. 1837
من الأديان واللغات ضعف ما في أوربّا كلها وأميركا، قارة الهند، بلد الماضي البعيد الحافل بالأحداث، بلد الحضارات والمجد التالد، بلد العجائب والغرائب ... لقد فتحناها ثلاث مرات: مرة على يد القائد العربي الشابّ محمد بن القاسم، ومرة على يد الملك الأفغاني السلطان محمود الغَزْنَوَي، والثالثة على يد الفاتح المغولي المسلم بابر حفيد تيمورلنك (أي تيمور الأعرج).
دخلها ابن القاسم من موضع كراتشي، ودخل مَن بعده من ممرّ خيبر، بالقرب من بيشاور في الشمال. وقد عرفتم (إن كنتم لا تزالون تذكرون) ما تحدّثت به عن أورانك زيب وما كتبته عنه في كتابي «رجال من التاريخ»، هذا الملك الصالح المصلح التقيّ المجاهد، الذي حكم الهند كلها إلاّ قليلاً، وكان سيدها الأكبر، لا أمر فوق أمره ولا إرادة مع إرادته، إلاّ إرادة الله التي يخضع لها كلّ شيء. في عهد هذا الملك العظيم تبدأ الحكاية:
في عهد هذا الملك سنة ١٦٠٦ للميلاد استأذن عليه سفير الإنكليز، هوكنز. فلما أذن له دخل خاضعاً خاشعاً وانحنى وحيّا وطلب من مكارم الملك وأفضاله الإذن لشركة إنكليزية اسمها «الشركة الشرقية» بأن تفتح مركزاً تجارياً (أي دُكّاناً) في ميناء سورت في مقاطعة كُجُرات. ولم يجد الملك مانعاً من إجابة الطلب فأذن له بافتتاحه.
ولم يدرِ، وأنّى له أن يدري، أنه لم يأذن بفتح دُكّان للتجارة ولكنْ أَذِنَ بفتح الباب للاستعمار وللفساد وللخسارة. وكيف كان يعرف ما عرفناه نحن اليوم من أن الاستعمار في آسيا وإفريقيا
стр. 1838
إنما بدأ كلّه بدُكّان، بمركز تجاري يُفتَح، ثم يحشد فيه الرجال، ثم تكون له الفروع، ثم تتحوّل هذه الفروع إلى لجان إحصاء واستطلاع (أو هي بالاسم الصريح جمعيات تجسّس ومواطن إفساد)، ثم تصير قلاع حرب علينا، ثم تكون قصور حكم فينا.
وهذا الذي كان.
فتح الإنكليز هذا المركز، وسكتوا. سكتوا سبع سنين ينسجون القيود لنا من وراء الستار، لا يجرؤون أن يُظهِروها لأن الحكم بيد من حديد، هي يد السلطان المسلم السلطان أورانك زيب. حتى إذا مضت السنون السبع وذهب الملك القوي، أقبلوا مرة أخرى يسألون ويستأذنون صاغرين بفتح مراكز جديدة في بلاد اختاروها، فأُذِن لهم. وما زالت هذه المراكز تزداد وتمتدّ، كما يمتدّ المرض الذي ينتشر في الجسم ولا يدلّ عليه ألم ولا ينبّه إليه هُزال، فلم تمضِ مئة وخمسون سنة حتى طوّقَت هذه المراكز البلاد، وصارت الشركة حكومة مستترة تقوم من وراء الحكومة الظاهرة.
عفواً، لقد نسيت أن أقول لكم إن هذه الدولة الإسلامية الضخمة قد تصدّعَت بعد موت الملك الصالح العظيم أورانك زيب (كما تصدّع مُلك صلاح الدين الأيوبي بعد موته) وأدركها مرض المسلمين في أكثر عصور تاريخهم، وهو الانقسام؛ فصارت الدولة الواحدة القوية دولاً صغاراً.
ذهب البطل العملاق وحلّ محلّه نفر من الغلمان المَهازيل. لذلك لم تأتِ سنة ١٨٣٢ حتى أيقنَت الشركة أن هذه الحكومات
стр. 1839
الصغيرة لا يمكن أن تتّحد عليها ولا تستطيع واحدة منها أن تصمد لها وحدها، عندئذ رفعَت النقاب وسفرت عن وجهها القبيح، وبدأت ببعض المقاطعات الهندية فحكمتها حكماً مباشراً ظاهراً مدّة ربع قرن.
وهنا استيقظ المسلمون وتنبّهوا إلى الخطر الداهم، إلى النار الآكلة التي شبّت في ديارهم، وهي تمشي إليهم تريد أن تأتي على بنيانهم من القواعد، فاجتمعوا وتداولوا ثم قرّروا الجهاد. وفي صباح يوم الأحد ١٠ آذار (مارس) سنة ١٨٥٧ بدأت الحرب قرب دهلي. الحرب التي يظلمها المؤرّخون الإنكليز ومَن ينقل عنهم بلا فهم من مؤلّفين فيسمّيها حركة عصيان، وما هي بالعصيان ولكنها الحرب الدفاعية المقدسة.
وكان يقودها ميرزا مغول ابن بهادر شاه، آخر إمبراطور مسلم في الهند، ولم يكن بقي له من الملك إلاّ اسمه! انضوى تحت رايته المسلمون جميعاً وقليل من الهنادك (الهندوس)، وأبدى المجاهدون من ألوان البطولات ما أدهش المؤرّخين. ولكنهم قوم يظلمون وتدفعهم مصلحة بلادهم إلى استحلال الكذب وتزوير التاريخ.
لم تنفع بطولات المجاهدين مع أسلحة الإنكليز الحديثة ومع دسائسهم المعروفة وتفريقهم بين المتّحدين، فقضوا على هذه النار بعد خمسة أشهر من اشتعالها. فلما هدأت وانطفأت أسرعوا بالانتقام، الانتقام الوحشي المروّع الذي لم يُسمَع بمثله عن جنكيز وهولاكو. هذا الانتقام قام به الإنكليز الذين يزعمون
стр. 1840
أنهم أُمّة الحضارة وأهل الديمقراطية وأصحاب الدستور!
دمّروا دهلي المسلمة وقتلوا أهلها قتلاً عاماً، حتى غدت خرائب وأطلالاً وقد كانت أعظم بلاد الهند. وتتبّعوا المسلمين إلى القرى والدساكر يقتلونهم، وكانت تكفي إشارة من هندوسي إلى المسلم حتى يُعلَّق بغصن شجرة مشنوقاً أو يُذبَح بسكّين كما تُذبَح النعاج، وكان شيء لا يوصف.
ثم قبضوا على الإمبراطور فحبسوه، وعلى أمرائه ووُلاته وعلّقوا لهم المشانق في الطرق والساحات. أمّا الإمبراطور فتُرك بلا طعام وهو صابر، حتى إذا عضّه الجوع طلب ما يأكل ... أمسكوا يا أيها القُرّاء بقلوبكم، فإن ما سأعرضه عليكم من تاريخ الإنكليز المتحضّرين وما صنعوا مع الإمبراطور المسلم يصدع قلوب البشر ولو كانت من جلمد الصخر: جاؤوه بصحن كبير مُغطّى، فلما كشفه وجد رؤوس أبنائه الثلاثة قد قُطعت وهي تقطر دماً! وجاؤوه بها فوراً عندما طلب الطعام لتُقدَّم إليه حارّة. هذا الذي صنع الإنكليز المتحضرون! ثمّ شكّلوا خمس محاكم لمحاكمة من بقي من زعماء المسلمين والقضاء عليهم، محاكم سبقت في وحشيتها محاكم التفتيش في إسبانيا.
وعاد المسلمون بعد ذلك كلّه إلى الثورات وإلى الجهاد، سنة ١٨٦٣ وسنة ١٨٦٨، ولكن الله لم يكتب لهم النصر. وتفانى الزعماء والقادة ومضوا شهداء واحداً بعد الواحد، وأصاب عامّة المسلمين من هذه الصدمات مثلُ اليأس، فاستسلموا للأقدار وانزووا وتواروا، وانطووا على أنفسهم وابتعدوا عن الحكم بعد أن
стр. 1841
كانوا هم الحاكمين، وأخلوا المكان للهندوس الذين قرّبهم الإنكليز وأعطوهم الوظائف والولايات التي كانت للمسلمين وشجّعوهم على العلم والدرس والاطلاع على الثقافة الغربية. واستمرّ ذلك نحواً من أربعين سنة، كل سنة منها تزيد المسلمين ذبولاً وانطواء على أنفسهم وعزوفاً عن الحياة العامّة وبعداً عن غمار السياسة.
حتى قام أحمد خان ينبّه المسلمين ويذكّرهم بما كان لهم من سلطان. ولم يكن أحمد خان ماشياً على الطريق الإسلامي الصحيح، ولكن في نفسه غيرة وهِمّة، وكان يريد أن يعمل عملاً يرفع من شأن المسلمين، ولم يكن يريد طفرة ولا يدعو إلى ثورة، بل كان يدعو المسلمين أن يُقبِلوا -مثلما أقبل الهنادك- على الثقافة الغربية ويُتقِنوها ويدخلوا في غمار السياسة وفي وظائف الدولة.
وهو الذي وضع أساس جامعة عليكرة. ولست أريد أن أتقصّى حديث أحمد خان، فمَن شاء وجد خبره عند الأستاذ أحمد أمين في كتابه «زعماء الإصلاح»، ولا أن أُلِمّ بتاريخ المسلمين في الهند، فإنه تاريخ طويل لا يمكن أن تتّسع له هذه الذكريات وليس من صلب موضوعها، فمَن أراد أن يعرفه رجع إلى ما كُتب فيه، ومِن أقرب المراجع ما كتبه الأستاذ مسعود الندوي رحمة الله عليه، وما كتبه أخونا الحبيب الأستاذ أبو الحسن الندوي أحسن الله إليه وأطال عمره. ولكني أعرض عليكم حادثة تبيّن لكم الأخلاق العملية عند أحمد خان:
لمّا كان يطوف أرجاء الهند ليجمع المال لإنشاء الجامعة وفد على ولاية نَوّابها (أي واليها) مسلم، ولكنه معارض لمشروع
стр. 1842
الجامعة وكاره لأحمد خان، فسأله أن يشارك في هذا التبرع فوعده بأن يرسل إليه ما يقدر عليه. فلما عاد أحمد خان إلى بلده ومضت أيام جاءه في البريد صندوق صغير من هذا النَّوّاب، فحسب أن فيه هدية ثمينة أو مبلغاً من المال، فلما فتحه وجد فيه حذاء قديماً! أفتدرون ما الذي فعله أحمد خان؟ لم يُعلِن غضبه عليه ولم يردّ الحذاء إليه ولم يشهّر به بين الناس، ولكنه باع هذا الحذاء بقروش قليلة معدودة وبعث إليه سند إيصال بهذا المبلغ ومع الإيصال كلمة شكر. فاستحيا النَّوّاب وتبرع بخمسة وعشرين ألف ربّية للجامعة.
وكان أحمد خان يرى اتحاد المسلمين والهندوس في المطالبة بحقوق البلاد، وكان متحمّساً لذلك حتى أنشأ الهندوس «حزب المؤتمَر» سنة ١٨٨٥، أي قبل قرن كامل، واتضح له ممّا بدا من سياسة الحزب وأعماله أنّ مصالح الفريقَين مختلفة لا يمكن أن تأتلف. وكيف يجتمع اثنان أحدهما يذبح البقرة ليأكلها، والثاني يقدّسها ويتبرّك بها ويتضمّخ بروثها ويتطيب ببولها؟! ورأى أنه لا يمكن الاتحاد إلاّ بفناء القِلّة المسلمة في الكثرة الهندوسية، فنبذ فكرة الاتحاد.
وتوالت الأحداث واتّسعَت شقّة الخلاف بين المسلمين الذين تنبّهوا قليلاً وبين الهندوس، وعاد إليهم بعض الثقة بأنفسهم، وجاءت سنة ١٩٠٥ ميلادية وظهر الخلاف على أشدّه في البنغال التي يَعمُر شرقيّها (أي منطقة بنغلاديش اليوم) المسلمون ويسكن غربيّها الهندوس، واستجاب الإنكليز للواقع فقسموها إدارياً بين الطرفين.
стр. 1843
وكانت تجرِبة موفّقة، حفظت للمسلمين بعض حقوقهم فيها وصانتها بعض الصيانة من الضياع. ويَعُدّ المؤرّخون سنة ١٩٠٦ بداية اليقظة الحقيقية لمسلمي الهند بعدما ظلّوا مئة وخمسين سنة في حالة إغماء، أو شبه إغماء، من تلك الضربة التي انصبّت غدراً على رؤوسهم من الإنكليز.
في هذه السنة، ١٩٠٦، تأسّسَت الرابطة الإسلامية لعموم مسلمي الهند، وألّفَت وفداً من ستّة وثلاثين زعيماً من زعماء المسلمين في أقطار الهند كلها للمطالبة بحقوقهم، وأوّلها الاحتفاظ بتقسيم البنغال الذي كان الهندوس يعملون على إلغائه، ووصلوا إلى ما كانوا يسعون إليه سنة ١٩١١ فأُلغِي تقسيم البنغال.
والدنيا يا إخوان يومان: يوم لك ويوم عليك. وقد بدأ في تلك السنة (١٩١١) اليوم الذي كان علينا، وكان يوماً طويلاً وكان صعباً أليماً، مال فيه الميزان واشتدّ علينا الزمان، ففي الهند كانت هذه النكسة، وطرابلس (ليبيا) هجم عليهم الطليان بلا حُجّة ولا برهان، بل كما تهجم الذئاب الجائعة على القرية الآمنة في الليل البهيم. وكان الاتحاديون (وأكثرهم مفسدون ملحدون) قد عزلوا السلطان عبد الحميد بعدما شوّهوا سيرته، فكذبوا عليه ونسبوا كل منقصة إليه، واستولوا على الدولة العثمانية فأضاعوا -بجهلهم وقلة حنكتهم وفساد نيّاتهم- بلاد البلقان التي كان يحكمها السلاطين من آل عثمان.
وهُتك الستار الذي كانت تختبئ وراءه أوربّا، وظهر للعيان أن الحروب الصليبية لم تنتهِ حملاتها ولم تَزُلْ من نفوس القوم الدوافع إليها، فإذا هي تتّحد علينا جميعاً في حرب البلقان، حتى
стр. 1844
إن إنكلترا نسيَت ما صنعت في الهند بالأمس القريب وبكت في اليونان بدموع التماسيح (إن صحّ أن التماسيح تبكي بالدموع)! وتحمّس أبناؤها للدفاع عن الحُرّية وعن العدالة. وما يريدون حُرّية ولا عدالة، وإنما هي عداوتهم للإسلام الذي كان يتمثّل في أنظارهم بدولة آل عثمان. وتطوّعوا للحرب مع اليونان، حتى وصلَت الحماسة إلى الشاعر الفاسق الذي عشق أخته. هل سمعتم بإنسان يهبط في درك البهيمية حتى يعشق أخته؟ ذلكم هو اللورد بيرون!
وقلب الإنكليز في الهند للمسلمين ظهر المِجَنّ، فسُجن الزعيمان المسلمان شوكت علي ومحمد علي وصودرَت صحف المسلمين، عندئذ أعلنت الرابطة الإسلامية غضبها على بريطانيا. وكانت هدنة عُقدت بينها وبين حزب المؤتمَر لمّا أعلنت الحرب سنة ١٩١٤، فلما انقضَت الحرب وقام غاندي بحركة العصيان السلميّ ... وقد مرّ علينا دهر كنّا نظنّ فيه غاندي من أبعد الناس عن التعصّب ومن أقربهم للمسلمين، فلما ذهبت إلى الهند ورأيت الحقائق من قرب علمت أنه أعدى علينا مِمّن يُظهِر منهم العداوة لنا، ولكنه يطعن بخنجر حادّ يمسكه بيد ناعمة تلبس قفّازاً من حرير. وسيأتي خبر ذلك.
لمّا قامت حرب ١٩١٤، وهي أفظع حرب شهدها تاريخ الإنسان إلى ذلك الزمان، أدخل الاتحاديون دولتهم فيها وما للدولة مصلحة في دخولها، وزادهم الله عَمَى في البصيرة وقِصَراً وضعفاً في البصر فضلّوا الطريق، فكانوا مع الجانب الذي كان عليهم -لو عقلوا- أن يجانبوه، كانوا مع الألمان. فلما انهزموا
стр. 1845
وضاعوا ضاعوا معهم.
ثم جاء رجل منهم فأعلن الحرب على الإسلام جهاراً، الإسلام الذي جعل من قومه ملوكاً وسادة للقارّات الثلاث بعد أن كانوا بدواً رعاة بقر وشَاء، لا شأن لهم في الدنيا إلاّ أنهم يقاتلون فيحسنون القتال. وألقى بيده عن رأس قومه تاجَ الخلافة، فتلقّفه محمد علي وصحبُه في الهند وجعلوا الخلافة وإعادتها شعاراً لهم، فانضوى المسلمون إليهم. ولا يربط المسلمين دائماً شيء مثل الدين، وكل رابطة سواه مصيرها إلى التقطّع والانحلال.
وانتهت الزعامة الإسلامية إلى الذي يدعونه «القائد الأعظم»، وهو محمد علي جنّة (جناح)، واقترب تحقيق الحلم الذي كان اسمه باكستان. وهي كلمة جُمعت حروفها من أسماء الأقاليم الإسلامية هنا: البنجاب (ومعناها الأنهار الخمسة) وكشمير والسند. أما المعنى الحرفي لكلمة باكستان فهو «أرض الأطهار».
والأطهار حقاً هم المتمسّكون بالإسلام اعتقاداً وسلوكاً، قولاً وعملاً، يخلصون لله رجاء ثوابه ومخافة عقابه، لا يكون لهم فيما قضى الله فيه رأي ولا اختيار، فلا يفكرون في ترك واجب أوجبه الله ولا استحلال أمر حرّمه الله أو مخالفة ما في كتاب الله وما جاء به رسول الله. فهل كان القائد الأعظم وكان صحبه كذلك؟
أنا لا أقول شيئاً ولكن أسأل سؤالاً. هل كانوا مع الله يتبعون شرعه، ويسلكون طريقه، ولا يحيدون عنه، في خلواتهم وفي جلواتهم، في أنفسهم وفي أُسَرِهم وفيمن ولاّهم الله أمرهم من قومهم؟
стр. 1846
أكثر القُرّاء يعرفون كيف قُسِّمت القارة الهندية بين المسلمين والهندوس: حيدر أباد التي كان يحكمها حاكم مسلم كان في أيامه أغنى رجل في الدنيا أُعطِيَت للهنادك، لأن العبرة -كما قالوا- ليست بدين الحاكم بل برغبة الشعب المحكوم. فلما جئنا إلى كشمير التي يسكنها شعب مسلم لا يريد إلا الإسلام، قالوا: لا، بل العبرة بدين الحاكم لا برأي الشعب! لأن كشمير كان حاكمها غير مسلم.
وقامت باكستان جسماً مقطَّع الأوصال، نصفٌ في الشرق ونصفٌ في الغرب، ودخلَت أيدي الأشرار بين القسمَين فلم تجمعهما ولكن ثبّتت تفريقهما.
ولو أن الدولة أُسِّست على التقوى من أول يوم، ولو أنها اتّبعَت شرع الله وطلبت النصر من الله، ولو لم يدركها الداء الذي أصابنا جميعاً، داء الثقة بغير الله واتباع أعداء الله واقتفاء خطواتهم والسير على أثرهم ... لو أن المسلمين جميعاً، لا باكستان وحدها، كانوا مع الله لكان الله معهم، ومن كان الله معه لم يضرّه عدو مهما كان كبيراً، لأن «الله أكبر».
ودعوني أقُل لكم كلمة أنا أعلم أنها ليست من صميم الذكريات، وأعلم أنها موعظة، والمواعظ شديدة على النفس تنفر منها وتأباها، ولكنني أردت أن أختم هذه الحلقة بها:
لقد عرفت كثيراً من الزعماء المسلمين الذين قاموا يحاربون الاستعمار والمستعمرين، ولكنهم يسلكون طريقهم ويفكّرون تفكيرهم ويعتادون عاداتهم، ولا يكاد جلّهم يتمسّك بما يدعو
стр. 1847
إليه الإسلام. فخبّروني: كيف يحارب الاستعمارَ مَن الاستعمارُ في رأسه فأفكارُه أفكار المستعمرين، والاستعمارُ في قلبه فهواه تَبَعٌ لهوى المستعمرين، والاستعمار في بيته وفي أسرته فسلوكه في البيت سلوك المستعمرين؟ إذا كنت لا أستطيع أن أتحرّر أنا منهم فكيف أحرّر بلادي من الاستعمار؟
والكلام لم يكمل، والحديث متصل إن شاء الله.
* * *
стр. 1848
-١٤٦ -
دهلي: الفردوس الإسلامي المفقود
يا سيد «ع. س»، ولست أدري أهذه حروف من أوائل اسمك أم حروف أقمتَها تختفي وراءها، ولا أبالي أهذا الذي كان أم ذاك: إنها دهلي كما كتبتُ لا دلهي كما يقول الناس. ولقد زرتها وبقيت فيها أمداً، وجُلتُ في شوارعها وحاراتها، ولقيت من رجالها وعلمائها، وقرأت الكثير عنها. وكان الحديث سيصل إليها، ولكن رسالتك التي أرسلتها واعتراضك الذي أبديته جعلني أستأذن القُرّاء فأبدأ بالحديث عنها.
إنها المدينة التي لبثَت ثمانمئة سنة وهي دارة الإسلام وسدة الملوك المسلمين الذين ملؤوا الهند مصانع وآثاراً، وأترعوها مساجد ومدارس وقباباً، والتي أقاموا فيها صرح مجد أرسوه على جذور الصخر، وساموا به شُمّ الذّرى، وباروا به الزمان في طريق الخلود. المدينة العظيمة التي عاش فيها أبطالنا حاكمين، ثم ثووا في ثراها خالدين.
دهلي التي تجمع الزمان من طرفَيه والأرض من جانبَيها: ففيها القديم والحديث، وفيها الشرق والغرب جميعاً، فهي من هنا
стр. 1849
المدينة الأوربّية السافرة المتبرّجة. ففي دهلي القديمة سحر الشرق وروحانيته، وفي دهلي الجديدة (نيودلهي) روعة الغرب وحضارته.
في دهلي أروع آثار الملوك المسلمين وفيها أكبر آثار الحُكّام البريطانيين. وإن أردنا الإنصاف لم نستطع أن نحكم أيّ الأثرَين أعظم: أمّا المسلمون فقد عُنُوا بالجمال أولاً ثم بالضخامة والجلال، وأمّا الإنكليز فأرادوا الضخامة والجلال ثم الروعة والجمال. فمَن أراد الهيكل الضخم والعظمة البادية رآه في آثار الإنكليز، ومن طلب الدقّة والفنّ والجمال وجدها في آثار المسلمين.
والآثار الإسلامية أجلّ وأعظم، لأن الإنكليز بنوا ما بنوا في الأيام التي اتسع فيها العلم وكُشفت فيها خفايا الكون وسخّر الإنسان فيها الآلات من الحديد، وأولئك بنوا بنيانهم حين لم يكن في إنكلترا إلاّ شعب لا يَفضُل في العلم والحضارة الشعوبَ البادية المتدنّية اليوم، وبلغوا به -على ذلك- هذا المبلغ. وحسبهم أن «قبراً» بناه الملك المسلم شاه جيهان لا يزال إلى اليوم أجمل من كل قصر شيد في الشرق والغرب، بل لا يزال بالإجماع أجملَ بناء أقيم على ظهر الأرض كلها، هو «تاج محلّ» الذي يجيء السياح من أقصى أميركا ليقفوا عليه مشدوهين مُكبِرين متعجّبين.
ولئن عرف التاريخ رجالاً مَلَك الحبُّ قلوبَهم، بل منهم من ذهب بعقولهم، وعرف عباقرة من الشعراء العشاق خلّدوا عواطفهم بقصائد بقيَت وستبقى على طول الزمان، فإن حبّ شاه
стр. 1850
جيهان لزوجته ممتاز محل قد خلّده بقصيدة من الرخام كلماتها من المرمر، طوّع له الحجر اليابس حتى لان في يده فكان قصيدة ناطقة، تنافس بجمالها خوالد القصائد في آداب الأمم.
ولقد دخلت (كما سيمرّ بكم) إلى دهلي، ولكنني لم أذهب إلى أغرة ولم أرَ فيها تاج محل. وتجدون -على ذلك- وصفاً له في كتابي «رجال من التاريخ»، أحسب أن من زاره ووقف عليه لم يصفه مثل هذا الوصف. وعفوكم إن سلكت طريق الشعراء فمدحت نفسي بدلاً من أن يمدحني الناس!
دهلي في منبسط من الأرض كلّه خضرة، غابات وبساتين وخمائل، وقد أبصرت لمّا حوّمَت بنا الطيارة فوقها مساكن مختبئة وسط الأيك، وقباباً كثيرة بادية، وسعة وعمراناً. وكان في دهلي لمّا زرناها قبل ثلاثين سنة كاملة (أي سنة ١٩٥٤) مطاران: مطار داخلي للطيّارات القادمة من مدن الهند ومطار دولي لطيارات السياحة العالَمية. وكنّا قادمين من لكنَوْ في داخل الهند فحطّت بنا الطيارة في المطار الداخلي.
وكان أول ما بدا لنا من الآثار الإسلامية مسجدٌ ضخم عليه قِباب شامخة على الطراز المغولي. ثم سرنا في ريف دهلي نقصد المدينة، فلما بلغنا أوائلها رأينا شوارع فِساحاً تظلّلها الأشجار الكبيرة (والعجب أن هذه الأشجار على كبرها مُزهِرة مثل أزهار الروض البهيج) وعلى جانبَيها حدائق وبساتين فيها دارات ومغانٍ (فيلاّت)، بين كل دارة ودارة أكثر من أربعين متراً، فلم تكن بيوتاً لها حدائق بل كانت حدائق فيها بيوت! وهي تُشبِه في هذا جاكرتا.
стр. 1851
وعفوكم إن لم أسِرْ بكم من حيث سرت وعرضتُ ذكرياتي مختلطة أنتقل فيها من مدينة إلى مدينة، فسبب ذلك أنها قد اختلطَت في ذهني فصارت كلها صورة واحدة جميلة. ولعلّ جمالها في تنوّعها، وقديماً قالوا: «والضدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضدُّ». ألا تطربون للتناسق الموسيقي (الهارموني) حين يغنّي معاً رجال بأصواتهم الضخمة وصِبْية صغار بحناجرهم الحادّة، فيختلط الصوتان فيجيء منهما صوت واحد مطرب معجِب؟ وإن كانت مساكن جاكرتا (كما سيمرّ عليكم) صغيرة ملوّنة كلعب الأطفال، وكانت حدائقها أكثر وأشجارها أعجب.
ثم رأيت في طريق دهلي بوابة ضخمة جداً من الحجر قائمة في وسط ساحة تتفرع منها شوارع كثيرة، عليها نقوش وكتابات إنكليزية وأمامها تمثال جورج الخامس، الذي حسب أنه سيبقى وتبقى الهند لقومه، فذهب كما يذهب كل حيّ وخرجَت الهند من أيدي أمّته. وكان التمثال وسط بركة هائلة عجيبة الصنع. ورأيت في بومبي (وسيأتي ذكر ذلك) بوّابة أخرى أفخم وأقدم، أرادوا أن تكون باب الهند الرمزي.
ولمّا جزنا البوّابة ظهرَت دهلي الجديدة. وهي مدينة مدوّرة، لا أعرف لها شبيهاً إلاّ بغداد عندما بناها المنصور. في وسطها (في وسط دهلي) ميدان كالدائرة الكاملة حوله العمارات الكبيرة، تنصبّ فيها شوارع مستقيمة ثم تخرج منه كأنها أشعّة النجم، ووراء العمارات دائرة أخرى أوسع منها، وتتوالى الدوائر تقطعها هذه الشوارع المستقيمة.
стр. 1852
وإلى جنب دهلي الجديدة (نيو دلهي) دهلي القديمة، يحيط بها سور ضخم له أبواب، لا تزال باقية أبوابه عليها أسماءُ مَن شادها من ملوك المسلمين. وبين المدينتين فضاء واسع أشبه بالمرج الأخضر في دمشق، بل هو أوسع وأكبر، يلعب فيه الشبّان ويتكوّم على أرضه الرجال والنساء والأسر كلّ مساء. فإذا جاوزت هذا الفضاء الذي تشقّه الشوارع رأيت أمامك السور القديم وأبوابه الباقية، ولكن المدينة خرجَت منه كما خرجَت المدن من كل سور كان يطوّقها، وامتدّت حتى صار السور وسط الشوارع والعمارات كما هي الحال في دمشق. ولكن دمشق لم يقف التجديد عند حدودها القديمة بل وصل إلى أقدم حارة فيها، وليته لم يصل، وليتهم حفظوا قديمها كما صنعت فاس وكما صنعت بعض المدن في سويسرا، تحفظ القديم على حاله ليكون تاريخاً ناطقاً، وتجدّد ما شاءت من حوله.
ودهلي التي تعيش وسط السور رأيناها لمّا زرناها كما كانت منذ خمسمئة سنة. وهذا سِرّ إقبال السياح عليها وإعجابهم بها، فالسائح الغربي لا تهمّه الشوارع الكبيرة والعمارات ومظاهر الحياة الأوربية، فإن عنده الكثير منها، ولكن يهمه ما لا يجد مثله في بلاده. وما كنت أدرك هذه الحقيقة حتى سِحت في مدن آسيا. لذلك أحببت دهلي القديمة وأمضيت عشرة أيام أجول في أسواقها وطرقها، وأعجب بما وجدت فيها. وما الذي وجدته؟
أسواقاً ضيقة لا أوّل لها ولا آخر، كأسواق دمشق حول الجامع الأموي، وأسواق بغداد، وأسواق مكّة والمدينة التي رأيتها من أكثر من نصف قرن. تقوم على جوانب هذه الأسواق الدكاكين
стр. 1853
فيها من كل شيء، وهي مرتفعة عن الطريق، والبيّاعون يقعدون متربّعين في وسطها كما كان يفعل تُجّار سوق الخيّاطين في الشام. وفيها حارات وأسواق ضيقة ملتوية، منها ما لا يتّسع إلاّ لمرور رجلين اثنين، وقد رأيت مثلها في الرياض (في الديرة) لمّا زرتها أوّل مرة من أكثر من نصف قرن.
وهي كمدن الهند جميعاً، معرض عجيب لكل ما يتصوّر الإنسان من ألبسة وأزياء، فأنت ترى امرأة قرويّة مسلمة قد لبسَت كيساً، كيساً حقيقياً معلّقاً برأسها، يُخفي كل شيء من جسمها حتى يديها ويمسّ وجه الأرض فيستر قدميها، وأمام عيونها كوّتان بمقدار العين قد أُسدِل الكيس عليهما. وأخرى تلبس الزيّ البنجابي، وهو الزيّ الشائع للمسلمات ولا سيما في باكستان، وهو مؤلّف من سروال طويل كسراويل المَنامة (البيجامة)، فوقه قميص إلى الركبتين ومنديل (خمار) من قماشه يستر الرأس، وهم يَفْتَنّون في ألوان هذا الزيّ افتناناً. وثالثة تلبس الساري، وهو قماش غير مَخيط يُلَفّ لفاً على الجسد ليستر إحدى الكتفين وأكثر الظهر ويترك البطن حول السرة مكشوفاً، ويُعرف بالزيّ البنغالي. وهو في الأصل لغير المسلمات، ولكنني رأيت بعض المسلمات يتخذنه. والساري أنواع منوّعة وأشكال مشكّلة، منه ما يبلغ ثمنه الآلاف.
والرجل منهم يلبس الشّرواني، وهو اليوم اللباس الرسمي لباكستان. ومنهم من يتخذ العمامة الضخمة جداً ويُطيل لحيته، وهو لباس السيك (السيخ)، وحلقُ الشعر حرام في مذهبهم، لذلك تراهم يتعبون أشد التعب باللحى التي تطول وتعرض ولا يدرون ماذا يصنعون بها وقد مُنعوا من قصّها وحلقها، فهم يربطونها
стр. 1854
بالخيطان أو يضفرونها ضفراً، مع ما في الهند من حرّ ومع ما يكون فيها من العرق الشديد. وربما رأيت رجلاً بلحية هائلة تبلغ بطنه وعمامة بمقدار رأس الفيل الصغير، وتحت ذلك بنطال قصير لا يستر إلاّ أربعة أصابع من أعلى الفخذ!
وعلماء المسلمين يتّخذون في الهند قميصاً واحداً يبلغ الركبتين تحته لباس (سِرْوال) (١) طويل، وعلى الرأس كمة (طاقية صغيرة)، وكل ذلك من الخام أو الكتان. ومن الرجال من يتخذ الزيّ الإفرنجي، ولكنه يلبس على البنطال (البنطلون) قميصاً ينسدل عليه من فوقه بدل الرداء (الجاكيت) الذي لا يُحتمَل في ذلك الحرّ.
وكنت أسير مرة في السوق الكبير في دهلي القديمة، فسمعت طَبْلاً وزمراً ورأيت جوقة موسيقية (الجوقة كلمة عربية، أي الأوركسترا) ووراءها موكب ضخم وجَمَل قد عُلِّقت به عشرات الأجراس الصغيرة، وفوقه هودج فيه فتاة تلبس ثياباً تكشف من جسدها أكثر من الذي تستره، فعجبت من ذلك فحاولت بالكلمات العشرة التي تعلّمتها من الأردية وبمثلها من الإنكليزية، وبالإشارات والحركات أن أفهم ما هو، فإذا هو ... موكب إعلان عن حفلة مسرحية.
وسمعت مرة أجراساً قوية تجلجل بصوت حادّ يكاد يثقب طبلات الآذان، فتتبعت الصوت فإذا أنا أرى بيتاً في وسطه غرفة، على بابها أصنام قبيحة النحت لها بدل اليدين أزواج كثيرة من
стр. 1855
الأيدي، وكلّما دخل البيت داخلٌ صُبّ الماء على رأسه حتى صارت أرض البيت كالبِركة، ثم وقف الناس صفّين عن طرفَي الغرفة، وأنا أراهم من خارجها وأسمعهم يتبادلون الصياح العجيب بأصوات عالية، والأجراس تُقرَع بشدّة وعنف. فسألت فقالوا: إن البيت معبد وهذه هي صلاة القوم فيه. ﴿وما كانَ صَلاتُهم عِندَ البيتِ إلاّ مُكاءً وتَصْدِيَة﴾.
ومن العجيب أن الذي يقف وسط دهلي الجديدة يرى شارعاً طويلاً، على طرفه الأيمن قبّة بعيدة تلوح من بعيد وعلى طرفه الأيسر قبّة مثلها: هذه قبّة قبر نائب الملك أيام كان ملك الإنكليز هو الحاكم الأعلى للهند، وتلك قبّة المسجد الجامع أيام كان المسلمون هم حكّامها. يقف على طرفَيه الماضي والحاضر والشرق والغرب، متقابلَين متعادلَين.
أمّا قصر نائب الملك فلست أدري كيف أصفه لكم. إن قصر عابدين في القاهرة يبدو إلى جنبه بيتاً عادياً، بل هو أكبر -كما قالوا- من قصر الملك في لندن. فيه داران كبيرتان عاليتان مشمخِرّتان على الجانبَين، وبينهما الدار الكبيرة وفوقها قبّة شامخة تنطح النجم، وهو من سعته كأنه مدينة كاملة.
وأما المسجد فهو من أعظم مساجد الهند، بل هو من أعظم مساجد الأرض، لم أرَ أروع منه. وهو قائم على قاعدة يُصعَد إليها على درَج عريض جداً يزيد على أربعين درجة، وله سور عالٍ فيه ثلاثة أبواب على كل باب بُرج كأنه عمارة، فإذا صعدت الدرَج ودخلت وجدت صحناً رحيباً أوسع من صحن الجامع الأموي في
стр. 1856
الشام، لكنه مربّع، وفي صدره مكان الصلاة. وهو على الطراز المغولي: له واجهة عالية فيها ثلاثة أقواس: الأوسط مها بعلوّ سقف الأموي، وفوق السقف قبّة أعلى من قبّة قصر نائب الملك. وهو من بناء شاه جيهان (أي ملك الدنيا)، منشئ تاج محل أجمل أبنية الأرض. وأمامه القلعة الحمراء، سُمّيت بذلك لأنها مبنيّة بنوع نادر من الحجر لونه أحمر، وتُدعى القلعة تجوّزاً، وهي في الحقيقة بلد كامل، فيها قاعات وأبهاء لا تكاد تقلّ في روعة نقشها وبراعة تزيينها عن قاعات الحمراء في الأندلس.
ولمّا وقفت عليها وأحاط بي صمتها وهدوؤها أحسست كأني قد انفصلت عن حاضري وغبت عن نفسي، وأنني قد عُدت إلى الماضي القريب. وشعرت كأني أسمع في أرجاء القلعة دويّ الطبول وهتاف الجند، وصدى الأذان تردّده منارات المسجد، وأرى خفق الراية الإسلامية على رأس الإمبراطور أورانك زيب الملك المسلم الصالح، وأبصر جحافله ترمح ظافرة من سمرقند والأفغان إلى سواحل الهند كلها، تقطف ثمار النصر وتنثر في الأرض نور القرآن وعدالة الإسلام.
وتنثال عليّ صور الأمجاد الخالدة لهذه المملكة العظيمة، التي أقامها مجاهدون كِرام اختلفَت ألسنتهم وتباعدَت أنسابهم، ولكنْ جمعهم الإسلام، ووحدة المبدأ الذي هو توحيد الله، ووحدة الغاية التي هي العمل لما يرضي الله. وإذا جاءت وحدة الإسلام لم يضر معها اختلاف جنس ولا لسان. مِن فتح محمد بن القاسم العربي الثقفي، إلى فتح محمود الغزنوي التركي الأفغاني، إلى فتح بابر المغولي. وكلهم مجاهد في سبيل الله عامل على إعلاء
стр. 1857
كلمة الله. الأول غرس البذرة، والثاني تعهّد النبتة، والثالث رعى الدَّوْحة؛ أقاموا لهذه المملكة سوراً من جماجم شهدائهم وسقوها من دماء أبطالهم، فظلّلَت فروعُها وأغصانها الهندَ كلّها.
الهند التي كانت كلها لنا، فلم يبقَ في أيدينا منها إلاّ آثارنا: مساجد -كما قلت لكم- قد عطلت من شعائرها، ومآذن قد فقدت مؤذّنيها، وقلاع غاب عنها جنودها، وقصور فارقها أصحابها، ورايات قد سكنت المتاحف لم تعُد ترفرف في سمائها، وسيوف قد صدئت في أغمادها لم يبقَ لها منّا مَن يسلّها.
هذه هي الأندلس الكبرى، وهذا هو الفردوس الإسلامي المفقود.
* * *
فإذا اختصرتُ الطريق فجئتُ بحديثها في غير موعده فإنما فعلت ذلك جواباً على الرسالة التي افتتحت بالإشارة إليها هذه الحلقة من ذكرياتي. إن صاحب الرسالة (مثل أكثر المسلمين اليوم) لا يعرفون من تاريخ الإسلام في الهند إلاّ شيئاً قليلاً لا يكاد يُعَدّ شيئاً. إن ثلث التاريخ الإسلامي في الهند. لقد أقام المسلمون في الهند دولاً وأنشؤوا فيها حضارة، وفتحوا فيها مدارس وبنوا مساجد، وكانت مساجدهم ومدارسهم منارات تدلّ السفن الضالّة على الشاطئ الآمن لتعصمها من الأمواج العاتية وتخلّصها من المخاطر والمهالك.
إن اليوم هو ابن الأمس وهو أبو الغد، فمَن كان له تاريخ
стр. 1858
عظيم وعرف تاريخه دفعه أن ينشئ كما أنشأ الأجداد وأن يبني مثل ما بنوا. والأمم التي لا تاريخ مكتوباً لها تُنشئ لها تاريخاً مكذوباً لتبني عليه مستقبلاً مزعوماً، فلا الأساس ثَبَتَ لهم ولا البنيان سيتمّ ويبقى لهم.
فيا أيها القُرّاء، اعرفوا تاريخكم، لا لتقفوا عنده وتقنعوا بالفخر به وتناموا عليه، بل لتصنعوا مثل ما صنع أجدادكم ولتحققوا قول شاعركم:
نَبني كما كانت أوائلُنا ... تَبني، ونفعَلُ مثلَ ما فعلوا
بل فوق ما فعلوا. وإذا صدق العزم وصفَت النيّة وصحّ التوكّل على الله، بعد أن يتّحد المسلمون ويُعِدّوا للنصر عُدّته، فإن هذا سيتحقق إن شاء الله.
* * *
стр. 1859
-١٤٧ -
حديث يوم الجلاء عن سوريا
رَبْعُ الشآمِ، أعامرٌ أمْ خالي؟ ... اليومَ عيدُكَ عيدُ الاستقلالِ
هذا البيت مطلع قصيدة للأستاذ العقّاد في يوم الجلاء، أخطرَه على بالي الآن أني أكتب عن هذا اليوم. ولست أدري ما الذي زين للعقاد -غفر الله له- أن يفتتح به قصيدة في التهنئة، وهو لا يبعث في النفس شعور التهاني بل أشجان العزاء، وإني لأتخيّل هذا البيت في مطلع القصيدة كالنائحة في العرس أو الضاحكة في المأتم! وأتصوّر أن الأستاذ حسب الشام خلت من سُكّانها أو أنهم نسوا أيام انتصارهم وموطن فخارهم، فهو يذكّرهم بها (١).
وربما اقترنَت الذكرى أحياناً بمشهد تراه العين، أو نغمة تسمعها الأذن، أو رائحة يشمّها الأنف، أو لفحة حرّ أو لذعة برد ... وأنا رجل ذاكرته بصرية لا سمعية، ولكن بعض النغمات يرتبط عندي ببعض الذكريات، فأنا لا أسمع الأغنية التي تشدو بها أم كلثوم والتي فيها «مينْ في حُبّه شافْ هَنا زيّي أنا» إلاّ كرّت
стр. 1860
بي الأيام راجعة فرأيت نفسي في سلمية سنة ١٩٣١ لمّا أُرسِلت إليها معلّماً في مدرستها، ولا أسمع قصيدة «يا شام» تغنّيها فيروز إلاّ عُدت إلى أيام الانفصال، ولا أسمع «ليلة الوداع» لمحمد عبد الوهاب إلاّ عُدت إلى سنة ١٩٣٧ حين كنت أدرّس في بيروت وأُوفِدَ أخي عبد الغني إلى باريس ليأتي منها بالدكتوراة في الرياضيات.
وقد يسمع غيري هذه الأغاني فلا تثير في نفسه ذكرى. يقول هيراقليط الفيلسوف اليوناني: "لو أن مئة شخص شهدوا مشهداً واحداً لأثار في نفوسهم مئة إحساس". أو لعلّ القائل فيلسوف يوناني آخر، فما يهمّني الآن تعيين القائل ولكن يهمّني اللفظ المَقول.
وقد أسمع أغنية عامّية اللفظ سوقية الأسلوب فتفتح عليّ باب التخيّل، فأرى فيها عالَماً لا يراه غيري مِمّن يسمعها. كهذه الأغنية التي تقول «ما في حدا، لا تندهي ما في حدا»، إنها تملأ صدري حزناً وقلبي بالشجن، حين أتصوّر من يأتي دار أحِبّته الذين استودعهم قلبه وأولاهم حُبّه، فناداهم كما كان ينادي، فإذا الدار خلاء ما فيها أحد يردّ النداء. ويتوارد على ذهني حين سماعها كلّ ما أحفظ في بكاء الديار ومخاطبة الأطلال.
لذلك يرنّ في ذهني كلّما سمعت هذا البيت للأستاذ العقّاد ﵀ صدى الأغنية المشهورة، التي وُلدَت بعدها آلاف الأغاني وماتت وهي تدور على ألسنة الناس تنتقل من الأجداد إلى الأحفاد، أغنية: «الحنّة الحنّة يا قطر الندى». وأنتم تعرفون أن