وصلّيت الفجر ولبثت قاعداً أرقب طلوع النهار، فما كاد يطلع حتى ولّيت وجهي شطر المدرسة. ولم يكُن لي أبٌ أستأذنه فقد تُوفّي أبي قبل تلك السنة، ولم يكُن لي أخ كبير أستشيره، فكنت أصدر عن رأي نفسي وحدها. ووجدت باب المدرسة مغلَقاً لمّا يُفتَح، فمررت برفيقي محمد الجيرودي (المحامي) وكان يسكن بجوار المدرسة، فأمضيت عنده ساعة وخضت معه في كل حديث، ولكنني لم أعرج على ما في نفسي ولا أشرت إليه. وذهبنا إلى المدرسة معاً، فلما قُرع الجرس وهمّوا بالدخول وقفت فخطبت، وهيّجت وحمّست ودعوت إلى الإضراب. فاستجابوا جميعاً، لا لما ألقيت عليهم بل لما كان من الاستعداد في نفوسهم، فقد كانوا يلبّون إن دُعوا بهمسة يهمس بها صاحبها ويختبئ، فكيف وقد دُعوا (لأول مرة) بخطبة معلَنة يلقيها صاحبها ويقف؟
ذلك لأنها كانت أيام نضال، وكانت الأمة كلها كالجنود في الثكنة؛ ينامون على استعداد ويقومون على استعداد، لا يسمعون صوت الداعي حتى يفزعوا إلى أسلحتهم ويهبّوا سِراعاً إلى صفوفهم، فلا ترى البلدة هادئة مفتّحةً أسواقُها حتى تسمع من كل دكّان صوت الغَلَق ينحدر، وترى المظاهرات قد قامت ودبّابات الفرنسيين قد نزلت والمعارك قد ابتدأت.
لم يكُن مكتب عنبر في الحقيقة مدرسة، بل كان يومئذٍ مجمع الشباب المثقّف ومصدر كل حركة وطنية، وكان لُبّ البلد. وكانت الإضرابات تُعَدّ في الخفاء لئلاّ يُعرَف مَن دعا إليها فيعاقَب، فلما رآني الطلاّب أجهر وأُعلِم لا أختفي ولا أتوارى،
стр. 212
عجبوا مني وأُعجِبوا بي، وصرت في لحظة زعيم المدرسة (١).
وجرّبَت الإدارة الترغيب والترهيب ولجأت إلى الوعيد والتهديد، ونزل المراقب ثم المدير الثاني، ثم المدير الأول والأساتذة، فكنت أردّ على كل محاولة بخطبة جديدة، فوجدوا الأمر أصعب ممّا كانوا يقدرون ويعرفون فخبّروا الوزارة. فجاء مدير المعارف الأستاذ شفيق جبري، فألقى كلمة أدبية بليغة وردَدْتُ بكلمة أذهبت أثرها. ثم جاء الوزير نفسه، وكان أستاذنا الكبير محمد كرد علي، فصحت به من مكاني: يا معالي الوزير! فمضى قدماً ولم يلتفت إليّ. فأعدت النداء فما وقف، فأسمعته كلاماً استوقفه، ثم حول وجهه إليّ فسمع مني وأجابني.
وكنت يومئذٍ في قمة القدرة على الخطابة والارتجال، لا أحتاج إلاّ إلى ابتداء الكلام حتى تنثال عليّ المعاني وتزدحم الخواطر، وينطلق اللسان يعبّر عنها ببليغ الكلام. وكنت يومئذٍ فتيّ الذاكرة كثير المحفوظ، لم تُضعِف ذاكرتي الأيامُ، فكانت كل خطبة كأنها قطعة أدبية من الأسلوب الفحل تفيض بالآيات والشواهد والأمثال، فضعف مع الأيام جَناني وكَلّ لساني، على أن فيّ بحمد الله بقية (لا تزال) تسرّ الصديق، وتكبت العدوّ (٢).
وفُتح باب المدرسة فخرجت وخرجوا ورائي، وكان حولي
стр. 213
فئة من الشباب الأقوياء والحارس الخاصّ عبد الستار العلمي (الدكتور الذي كان هنا، ﵀، وكان معي من يحمل سلّماً قصيراً، فحيثما تجمع الناس صعدت عليه فخطبت.
نفذنا إلى سوق الحميدية، فالسنجقدار، فالمرجة، فإلى قصر الحكومة. وحيثما مررنا أُغلقَت المخازن ومشى الناس وراءنا، حتى أحاطت جموعٌ لا يُحصيها العادّ بالقصر والبلدية القديمة وإدارة الشرطة. وصعدت على العمود التذكاري أمام قصر الحكومة أخطب وأنادي رئيس الحكومة، ففتح باب الشرفة الكبيرة وأطل منها علينا، وكان الرئيس الشيخ تاج الدين ابن الشيخ بدر الدين الحسني. وكانت خطبة كلماتها من نار الحميم وأسلوبها من هبّة العواصف.
سقى الله تلك الأيام! لقد أسكرني هذا الفوز فكدت أتدحرج فأنحدر في هذا الطريق لولا أن تداركني الله فأراني عاقبته. لقد اغتررت بالحلاوة في أعلى الكأس فأذاقني الله طعم المرارة في أواسطها وفي قعرها.
وعَدَ الشيخ تاج وهدّأ وشجّع، بل وشكر. فلما تفرق الجمع وصرت وحدي أمسكوا بي فلم أنتبه إلاّ وأنا في حاشرة (زنزانة) طول أرضها متر وعرضها متر، وحيد فريد ليس حولي من أخطب له ولا من يصفّق لي. لا أستطيع أن أضطجع ولا أن أمدّ رجلي، وليس من حولي إلاّ جدران مغلقة ليس لها نافذة، ولا معي فيها أحد. فقعدت أفكر.
كنت في أول النهار طالباً مغموراً يمشي في جماعة الناس لا
стр. 214
يعرفه أحد فيضرّه أو ينفعه، فما جاء الظهر حتى صرت عَلَم البلد وأضحيت ملء الأبصار والأسماع، فما صار العصر حتى كنت سجيناً ذليلاً مسلوب الحرية معرّضاً للأذى.
هذه هي حياة السياسيين المغامرين: يوم في الذروة ويوم في الحضيض؛ يأكلون يوم السبت «البقلاوة» ولا يجدون الأحد ولا الخبز اليابس! إنهم كالذي يحتلّ مقعداً في الصف الأول من المسرح، إنه أكبر والمنظر فيه أجمل ولكنْ ليس له رقم ووراءه مَن ينتظر غفلته ليرميه عنه ويحتلّه دونه. أفليس خيراً منه مقعد في الصف الثاني، ولكنه مرقّم محفوظ، إن قمتَ عنه رجعت إليه فوجدتَه؟
وقررت من ذلك اليوم أن أقعد في الصف الثاني.
* * *
стр. 215
-٢٢ -
صفحة جديدة في سِفْر حياتي
دخل علينا شعبان سنة ١٣٤٣ ونحن في الدار الثالثة التي استأجرها والدي في الصالحية، وكانت أعلى من نهر «يزيد» فلا يصل ماؤه إليها، ومياه «الفيجة» في السُّبُل العامّة فقط لم تكُن قد جُرَّت إلى البيوت، فكانت البيوت تستقي من آبار يصل إليها الماء من نهر «يزيد» والناس يسحبون المياه من الآبار بالمضخات، وكان في ضخّها تقوية لعضلات اليد ورياضة ونشاط للبدن. ولكن أبي كان يريد الراحة لأسرته، فما كاد يسمع بوصول المحرّكات الكهربائية إلى دمشق حتى كان أول محرّك (موتور) مركّباً في دارنا، اشتراه من السيد جمال القاري. وكان مَن يزورنا من الرجال والنساء يتعجبون منه لأنهم لم يكونوا قد رأوا مثله.
وكنا نستعد لرمضان لأن الضيوف يزدادون في رمضان، ونحن لا نكاد نخلو منهم سائر أيام السنة. وقلما كان والدي يأكل وحده أو يأكل مع أهله، لا في الفطور ولا في العشاء، وما كان يمرّ يوم لا يزورنا فيه عمّاي (أعني خالَي أبي، وكنت أناديهما بالعمّين)، وأبناء أحدهما وبعض تلاميذ أبي أو بعض أصحابه، فلا ترى إلا «صواني» الطعام داخلة إلى المجلس في وقت الطعام وفي غير وقت الطعام
стр. 216
وكانوا يمدّون السّماط ويأكلون على الأرض. أما الشاي فلا ينقطع فيُنصَب «السّماوَر» ويقوم أحد الضيوف بإعداده. وكان عمّي الشيخ عبد القادر ﵀ «يلقّم» الشاي الأخضر (وما كنا نشرب غيره) ثم يذوقه، فيعدّله ثم يذوقه، حتى إذا ذهب نصف «البرّاد» زاده ماء وقدّمه للحاضرين!
وكانت الدار مفروشة فرشاً دون فرش الأغنياء ولكنه فوق فرش الأوساط من أمثالنا، والخير كثير والمؤونة والفاكهة و «النقل» لا تأتي إلا بالأكياس أو الصناديق.
فما مضت من شعبان إلا أيام حتى مرض أبي، وكان ضعيف الجسد. أما صحتنا أنا وإخوتي فجيّدة بفضل من الله أولاً وأخيراً، ثم بالإرث من جدّي (إن صحّ قانون ماندل في الوراثة)، وقد كان قوياً بالغ القوة متين البنيان، ومن أمي وكانت -بحمد الله- صحيحة الجسم، ما رأيتها مرضت يوماً.
وما كان في دارنا تلك على سعتها غرفة تملؤها أشعة الشمس، وهو محتاج في مرضه إليها، فجاء أحد تلاميذه وهو السيد كامل بكر فأخذه إلى داره، وهي قريبة منا، يمرّضه فيها. وكان تلاميذه: الشيخ هاشم الخطيب وأخوه الشيخ عبد الرحمن، والشيخ محمود العقاد، والشيخ محمود الحفار وأخوه الشيخ عبد الرزّاق، والشيخ عبد الوهاب دبس وزيت، وبعض من إخوانه كالشيخ موسى الطويل، وبعض تلاميذه في التجارية من الأطباء: ابن خاله الدكتور طاهر الطنطاوي والدكتور سهيل الخياط والدكتور محمد سالم، وبعض من كان معه في ديوان المحكمة
стр. 217
كالأساتذة صبحي القوّتلي ومحمد علي الطيبي وعارف حمزة وإبراهيم السيوفي ... كل هؤلاء (ومن نسيت أكثر ممّن ذكرت) لم يكونوا يتركونه، بل كانوا يوالون عيادته وكانوا يسارعون -عن حبّ ووفاء- إلى إجابة طلباته ويتسابقون إلى تحقيق رغباته. وكذلك كان طلبة العلم مع مشايخهم، فجزاهم الله (وقد مضوا جميعاً إلى رحمته) أفضل الجزاء.
* * *
وجاء يوم العشرين من شعبان، جاء اليوم الذي بدّل مسار حياتي.
كنت أمشي في طريق ممهّد إلى غاية واضحة، فتفجّرَت قنبلة فطمست معالم الطريق، فإذا أنا في قَفرة لا أدري من أين أمشي فيها ولا إلى أين. كنا في خيمة تسترنا عن العيون وتظللنا من الشمس وتدفع عنا لفح الحر ولذع البرد وعَصف الرياح، فكُسر عمود الخيمة فانحطّت فوق رؤوسنا، فلما خلصنا منها إذا نحن مكشوفون معرّضون للأخطار تأكلنا الأنظار، فلا تحمينا درع ولا يسترنا ستار.
في اليوم العشرين من شعبان سنة ١٣٤٣ مات أبي.
كلكم يعرف معنى كلمة «مات» لأن كل حيّ إلى ممات، وما من أحد إلاّ شهد موت عزيز أو فَقْد حبيب. أما جملة «مات أبي» فلا تعرفون ماذا كان معناها عندي. كان معناها أن هذه الدار الفسيحة لم تعُد دارنا، أن هذا الفرش كله وكل ما في الدار لم يَعُد
стр. 218
من حقنا؛ ذلك لأن تركة أبي ﵀ كانت رقماً كبيراً كان يُعَدّ في ذلك اليوم ثروة، ولكنه رقم علينا لا لنا، إنه رقم الديون التي كانت عليه لا المال الذي كان له.
كان ﵀ مرة ثانية، ورحمه ألف مرة) يستدين ليوسع على عياله. ما كان يظنّ، ولا نحن نظنّ، أنه سيموت شاباً لم يجاوز عمره ستاً وأربعين سنة. وكان قادراً على وفاء الدين من مرتّبه الكبير لو مدّ الله في أجله، ولكن حكمة الله أعلى وحُكمَه أمضى.
* * *
يقال إن المصيبة تبدأ كبيرة ثم تصغر.
وهذا صحيح من وجه واحد وغير صحيح من تسعة وجوه. إنها تصغر بالنسيان، والنسيان من أعظم نعم الله على الإنسان، ولكنها تكبر كلما ظهر أثر من آثارها. والآثار لا تظهر دفعة واحدة بل تظهر تباعاً، وكلما بدا أثر جديد جدّد وقع المصيبة.
لم أدرك أول يوم مقدار ما ألَمّ بنا ولم أفكّر فيه لأني لم أجد وقتاً للتفكير. كنت كالضائع في الزحمة، لا أحس بنفسي ولا يكاد يحسّ بي مَن كان حولي. من أين اجتمع هؤلاء الناس كلهم؟ لقد ضاقت بهم الدار وضاقت دور الجيران التي فتحوها لهم. وكذلك كنا في الأفراح وفي الأتراح، كانت أخوّة وكانت اشتراكية صادقة، لا اشتراكية المذهب أو الحزب بل اشتراكية الفطرة السليمة التي يوجّهها الإسلام.
стр. 219
وكنت يومئذٍ كالذي تصيبه ضربة على رأسه فيفقد شعوره، كنت أنظر ولكن لا أرى وأتحرك ولكن لا أفكر. لم أعلم كيف غسّلوه ولا كيف كفّنوه، ما دعاني أحدٌ لأرى ولا حاولت أن أرى مِن غير أن أُدعى. كنت أمشي من هنا إلى هناك ثم أعود إلى حيث كنت، لا أهدأ ولكني لا أعمل شيئاً، حتى سمعت النداء بـ «لا إله إلاّ الله»، وكانت تلك علامة سير الجنازة.
مشيت مع الناس. كان الناس يملؤون الطريق كله فلا أعرف أول الموكب من آخره، مشى الناس على أقدامهم من الصالحية إلى مقبرة الدحداح في حيّنا القديم في طرف العُقَيبة، وكانت آخرَ البلد ما بعدها إلاّ البساتين فصارت اليوم في وسطه.
من الصالحية إلى المقبرة أربعة أكيال امتلأت كلها بالناس، وكلما تقدمت قليلاً انضمّ إليها ناس جدد. يسألون: من الميت؟ فإذا قيل: الشيخ مصطفى الطنطاوي، قالوا: ﵀، ومشوا فيها.
ما كان من رجال السياسة ولا من أهل الرياسة، ولا من ذوي الجاه والسلطان ولا من الأكابر والأعيان، ولا من الأدباء ولا من الخطباء، ما كان إلا عالِماً ومعلّماً، ولكنها محبّة وضعها الله له في قلوب الناس. وما كنت أعلم أن له في قلوبهم هذه المحبّة حتى مات.
* * *
رجعنا من المقبرة وأنا لا أزال في دهشة المفاجأة. ثم بدأ
стр. 220
توافد الناس علينا، الباب مفتوح والغرف كلها مُعَدّة، وصحن الدار الواسع صُفّت فيه الكراسي، لا أدري من أين جاءت. كل ذلك ممتلئ بالناس، يخرج قوم فيدخل مثلهم، أعرف منهم واحداً وأجهل التسعة.
حتى انتهت أيام التعزية وخُتم موسم الكلام، والكلام ولو كان حلواً ولو كان بليغاً لا يكلّف مالاً. وذهب كل من المعزّين إلى داره وبقينا وحدنا نواجه أول آثار الحادث.
كنت في أول السنة السابعة عشرة من عمري ولكن لا مال لي ورثته ولا مورد لي أنفق منه، وأنا أكبر إخوتي. أمّا عمّاي (أعني خالَي أبي) فما كانا -رحمهما الله- ممّن يمدّ يده إلى كيسه يُخرِج منه ما يقدمه إلينا، وإن كان في الكيس ما يخرجان منه لو شاءا. أمّا عمّي الأكبر فما زاد على حلو الكلام، دفعه إلينا ومضى. وأمّا الأصغر فقد أعاننا -جزاه الله خيراً- بجهده لا بماله؛ استخرج لأبي معاشاً تقاعدياً كان ضئيلاً لأن مدّة خدمته الحكومية (أميناً للفتوى ومفتياً في السويداء، ثم رئيس ديوان محكمة التمييز) لم تكُن طويلة، وتولّى بيع كلّ ما كان في الدار من فرش وأثاث وبيع المحرك (الموتور)، ولم يبقَ إلاّ المكتبة فقد وقفتُ دونها. واستأجر لنا داراً صغيرة في الحارة التي وُلدت فيها مقابل الدار القديمة.
هل قلت دار؟ لا، بل هي دُويرة، وما أظن هذه التسمية صحيحة لأنها كانت أقرب إلى الإصطبل، بل إنها لا تصلح أن تكون إصطبلاً ولا يوجد طبيب بيطري يوافق على ربط الدوابّ
стр. 221
فيها، لأن الشمس لا تدخلها أبداً، والدار التي لا تدخلها الشمس في الشام لا يخرج منها الطبيب.
أمّا ماؤها فمن نهر «تورا»، ثاني أبناء بردى، ولكنه يأتي في ساقية مكشوفة تمشي ستة أكيال قبل أن تصل إليها، يُلقي فيها مَن شاء ما شاء. لا أقول إن ماءها ملوَّث لأن كلمة ملوّث أنظف من مائها، فماذا أقول عنه؟
تدخل من الباب إلى ساحة صغيرة أرضها من «العدَسة» لا من البلاط ولا الحجارة، فيها غرفتان إذا دخلتَهما في ساعة الظهيرة من تموز (يوليو) أحسست بالرطوبة وشممت ريح العفن، جدرانها من الطين مملوءة بالبقّ. وقد باد البقّ الآن ولم يبقَ له أثر، وهو حيوان صغير، حشرة حمراء كأنها كيس صغير لها رأس وأرجل تمشي عليها، إذا كانت جائعة رأيتها قشرة رقيقة بسُمْك ورق الكتابة، فإذا مسّت جسدَ الإنسان مصّت دمه فتمتلئ بالدم الأحمر.
هذه هي الدار التي استأجرها لنا عمي (١). لم نحمل إليها من الفرش إلاّ شيئاً لا يستغني أحد عن مثله، ممّا لم يشترِه أحد من فرش دارنا التي بيعت لوفاء الديون. فكنا نفرش حصيراً على الأرض وفوقه بساط وفراش رقيق، وكان إخوتي ينامون على هذا
стр. 222
الفراش وأمي تسهر عليهم تذود البقّ عنهم، تمسكه ثم تلقيه في كوب فيه الماء أو تُدني منه مصباح الكاز (إذ لم يكُن في الدار كهرباء) فترميه في بلورة المصباح، وكانت اللّحُف لا تكفي فكانت تغطّيهم بالبساط. تسهر الليل كله تذكر ما كانت فيه وما صارت إليه، تقطع الليل بآهاتها وتذيب آلامها في دموعها، لا يرى بكاءها ولا يسمع شكواها إلاّ ربها. وكانت مؤمنة راضية عن الله صابرة على ما قضاه.
افترقَت أسرتنا. أما عمتي فقد سكنت عند ابنة خال لها، هي أم حلمي حبّاب (الخطاط) ومعها جدتي. وأما نحن أنا وأمي وإخوتي فهنا، وكان عمر أخي سعيد ثلاثة أشهر فقط، فنشأ لا يعرف أباه. بل إن أخي عبد الغني لا يعرفه تماماً، وكذلك أخته الصغرى. وكان بيني وبين أخي ناجي أقلّ من ست سنوات، ولكنها في تلك السنّ تبدو كبيرة، فأنا شابّ وهو ولد، لذلك شعرت من أول يوم أن العبء أُلقيَ عليّ.
ولم يكُن لنا مورد إلاّ معاش التقاعد الذي عُيّن لأبي، وهو قليل، ومعاش الإمامة التي كانت لأبي في جامع رستم، وهو مسجد صغير إلى جنب هذه الدار، فوُلّيت إمامته مكان أبي، وكان راتب الإمامة مئة وخمسين قرشاً في الشهر. وكانت له تلاوة جزء من القرآن في جامع سنان باشا في باب الجابية، فوُلّيتها بعده وراتبها خمسون قرشاً في الشهر.
ولم نجد مَن يَمدّ إلينا يداً بمساعدة إلاّ خالي الأستاذ محب الدين الخطيب، صاحب «الفتح» و «الزهراء» والمطبعة السلفية في مصر، فجعل لشقيقته (أمي) جنيهين مصريّين في الشهر. وكان
стр. 223
الجنيه المصري يُصرَف بخمسة مجيديات عثمانية وبضعة قروش، على حين تُصرف الليرة الذهبية الرشادية بخمسة مجيديات فقط. وقد رددنا إليه بعد أربع سنوات كل ما دفعه إلينا، بل أكثر منه، من حصة في أرض في صَحْنايا في الغوطة الجنوبية ورثتها أمي عن أخوالها من آل الجلاّد، دفعتُها أنا إليه لمّا كنت في مصر. لكن يبقى له الفضل، فله منا الشكر ومن الله حسن الأجر، ﵀.
والذي أعاننا وكان يحمل الأثقال عنا ويمدّ يده في كل ضيق إلينا، بجهده لا بماله، هو ابن خالتي الشيخ طه الخطيب. وقد فرّقَت الأيام ما بيننا، فمن قرأ هذا الذي أكتبه عنه فليبلغه إياه ليعلم أن المعروف لا يُنسى.
وانقطعنا عن الناس؛ أعني أن الناس انقطعوا عنا، الذين كانوا كل يوم في زيارتنا والذين كانوا يُمضون شطر نهارهم في دارنا، حتى إن عمَّيّ -رحمهما الله وسامحهما- جاءا في يوم عيد فزارا جاراً لنا غنياً داره لصق دارنا، وهي التي تسدّ مطلع الشمس علينا، وما طرقا بابنا. لا أقول هذا تشهيراً ولا تشفّياً، بل شكراً لله على أنْ أغنانا عنهما وعن غيرهما، وكتب علينا أياماً عِجافاً لتكون تدريباً لنا وتمريناً، ونزداد بها علماً بالأيام وطاقة على خوض غمرات الحياة.
* * *
لقد فتحت الآن صفحة جديدة في سِفْر حياتي: كنت لا أعرف حمل التبعات فحملتها قبل أن يقوى عاتقي على حملها، وكنت أحسّ أني فرع من أصل فصرت أصلاً (أو كالأصل) لفروع.
стр. 224
كنت أخطُر على الشاطئ أتفرّج بالنظر إلى موج البحر، فرُميت في مائه وأنا لا أحسن السباحة.
فماذا صنعت؟ وماذا وجدت؟ الجواب في الحلقة القادمة إن شاء الله.
* * *
من أوراق أبي (١):
وجدت بخطّه ﵀ مسوَّدات عمل عظيم، لم أعلم متى كتبها ولا كيف قدر عليها، هي أنه أحصى زيادات «القاموس المحيط» على «لسان العرب» فبلغَت نحو ألف مادّة، ويبدو أنه أكمل العمل وبيّض هذه المسوَّدات، ولكني لم أجد إلاّ مقدّمتها، مكتوبة على طريقة العلماء لا بأسلوب الأدباء، وهاكم صورة الصفحة الأولى منها مكتوبة بخطه (٢).
ومن شاء أن يتصور ما بذل -رحمة الله عليه- من جهد فليقرأ القاموس المحيط كله ولسان العرب كله، ثم لينظر ما زاد في أحدهما على الآخر. كم ترون هذه القراءة وهذه المقابلة تقتضيه من وقت مع استنفاد أكثر وقته في التدريس وفي العمل وفي لقاء الأصدقاء؟!
* * *
стр. 225
-٢٣ -
لمّا صرت تاجراً
قلت لكم في أول فصل من هذه الذكريات إن الذي يكتبها ليس واحداً، بل كثير في واحد. لست أعني أنني أُصِبْت بانفصام الشخصية وأن عليّ أن أراجع الدكتور محمد فضل الخاني، بل أعني أن النفس البشرية في تبدّل مستمرّ مع أنها واحدة؛ مثلها مثل مجلس فيه مئة عضو، تنتهي في كل شهر عضوية عشرة منهم ويأتي عشرة جدد، أو كمثل نهر جارٍ لا تقف قطرة منه ولا ترجع بعدما مرّت. وقد يصفو ماؤه أو يتعكّر، وقد يفيض النهر أو يغيض، ولكن يبقى النيل -مثلاً- هو النيل صفا أو تكدّر، وعند الفيضان وفي أيام النقصان.
والإنسان يرضى ويغضب، ويحب ويكره، ويطمع ويقنع، ويصحّ ويمرض، ويفرح ويحزن، وهو في كل حالة من هذه الحالات وأمثالها يصير كأنه إنسان جديد، يتبدّل نظره إلى الأشياء وحكمه عليها. ومن هنا قلت: إن كاتب هذه الذكريات ليس واحداً.
ولقد قرأت اليوم ما كتبته في الفصل السابق فما رضيته! لقد
стр. 226
جعلتُ قارئه يشعر أن المصاب بأبي قد هزّ أركاني وزلزل إيماني، وأنْ قد حطّم آمالي إعراضُ عمَّيّ عنّي، وأن اعتمادي كان عليهما فلما منع أحدهما غضبت عليه وتكلمت عنه، ولما منح الثاني شكرت له وأثنيت عليه. حتى إن ذكرياتي عنهما كانت كالنهر الجيّاش الذي يحمل معه حطباً له شوك شاكَ بعضاً من أقربائي ممّن أفضى إلى ربه، فاللهمّ إن كنت قد ظلمته فاغفر لي ورضّه بكرمك عني، وإن كان الحقّ لي عليه فقد سامحته.
أحفظُ من الصغر أن «لو اطّلعتم على الغيب لاخترتم الواقع»، ولا أقول إنه حديث ولكن أشهد الآن -وقد صار واقعاً بالنسبة لي ما كان ذلك اليوم غيباً- أن الخير فيما اختاره الله لي.
إني لأنظر إلى تلك المصيبة من وراء تسع وخمسين سنة مرّت عليها فأرى أن ما قدّره الله علينا كان فيه النفع لنا. لقد تمرّستُ بالحياة مبكّراً، وذقت منها ألواناً، وخبرت الناس أصنافاً وأجناساً، وكانت الفائدة من ذلك القدر أكثر من الضرر.
لقد أدركت يومئذٍ (وتحقّقتُ اليوم) أن الحياة مثل الناعورة. هل تعرفونها؟ دولاب كبير عُلّقت به دلاء وسطول (١)، يكون السطل منها ملآنَ وهو فوق (كما كنا على عهد أبي) فينزل فارغاً إلى الحضيض (كما نزلنا بعده). فمَن كان قصير النظر ظن أنها النهاية، ومن دقّق وحقّق رأى الدولاب يدور، فما نزل يصعد وما فرغ يمتلئ.
وإن هذه هي الدنيا: ارتفاع وانخفاض، امتلاء وفراغ،
стр. 227
فقر بعده غنى وغنى قد يأتي بعده الفقر؛ لا العالي يبقى فوق ولا الواطي تحت، ولا يدوم في الدنيا حال، والدولاب دوّار. الأحمق يظنها حظوظاً ومصادفات والعاقل يدرك أنه عمل متقَن، فلا البناء الذي يحمل الناعورةَ أقامه الحظّ ولا حرَكتها بنت المصادفات، لكنها هندسة مُحكَمة وحساب دقيق.
ما يُعطى أحد في هذه الدنيا ولا يُحرَم ولا يعلو ولا يهبط إلاّ لحكمة بالغة وأمر مقدَّر، سطّره مقدّره في كتاب. فمن اهتدى إلى هذه الحقيقة واطمأن إلى أنه عادل لا يَظلم، حكيم لا يعبث، سكَنَ واستراح. ومن أنزل غضبه بخشب الناعورة أو بحديدها، يحسب أنها هي أفرغت إناءه وأراقت ماءه، عذّب نفسه بها ولم يَنَلْ منها منالاً.
قعدت الآن أكتب عمّا مرّ بي بعد موت أبي. وقد عرفتم أني لا أعتمد في هذه الذكريات على شيء مكتوب، ما أعتمد إلاّ على ذاكرة خرقها كرّ الليالي فصيّرها مِصْفاة. رجعت إليّ ذاكرتي، فهل تصدّقون أن هذه المرحلة الوعرة من طريق حياتي، المرحلة التي مشيت فيها على الأشواك فلطف الله بي فلم تَدْمَ منها قدمي، وعلى الرّمضاء فلم تُكوَ بها رجلي، هذه المرحلة كادت تُمحى صورها من نفسي.
إي والله، وذلك من نِعَم الله عليّ؛ حتى لا أذكرها فتؤلمني ذكراها. كنت فيها كمَاشٍ على الجادة المعبَّدة، فعاقته العوائق عن الاستمرار فيها واضطرّته إلى تنكّبها وإلى السير في الوعور والقفز من فوق الصخور والتخبّط في المفازات، ثم يسّر الله له العودة إلى الجادة، فمِن فرحه بالخلاص مما كان فيه لم يعُد يريد أن
стр. 228
يعود إليه ولا بالذكرى، لذلك نسيت أكثر أحداثها.
كانت كصفحات دفتر أصابها الماء فطمس سطورها، إلا كلمات متفرقات بقيت واضحات، هذه الكلمات هي التي أسجّلها في هذا الفصل.
* * *
كانت نهضة المشايخ قد بدأت قبل وفاة أبي، ولقد شهدتُ جلساتهم معه يتداولون في أمر افتتاح المدرسة التجارية التي كان والدي مديرها في أثناء الحرب الأولى، لأن من أكبر مقاصد حركة المشايخ (أو «نهضة المشايخ» كما دعُيَت) إخراج الأولاد من مدارس الحكومة، ولا يتحقق هذا إلا بفتح مدارس تُغني عنها. فلذلك أُنشِئت «الجمعية الغرّاء»، وقد كانت أول الأمر بإشراف الشيخين اللذين قاما بهذه النهضة وهما الشيخ علي الدقر والشيخ هاشم الخطيب (١)، ثم أدركها داؤنا المزمن الذي يصيب كل حركة إسلامية، وهو الاختلاف والانقسام، فاستقلّ الشيخ علي بالغرّاء وأنشأ الشيخ هاشم «جمعية التهذيب والتعليم».
لقد كان يؤمَل من هذه الحركة أن يكون لها آثار أعمق وأبقى، ولكنها (ونحن نكتب هنا للتاريخ لا للمدح والذم، ولبيان
стр. 229
الحقّ لا لصوغ المجاملات) كانت قاصرة على كثير من المظهر وراءه قليل من الجوهر، وكانت معنيّة بأمور من فروع الفروع، لا بتدعيم الأسس وتثبيت الأصول كما أمر الشرع وصنع الرسول ﵊. لقد أثمرت خيراً كثيراً وخرّجت علماء ودعاة، وأحيا بها الله أرض حوران والبلقاء (الأردن)، ولكنْ كان أكثر همّ متّبعيها ومن مشى تحت لوائها إعفاء اللّحى وتكوير العمائم، وأن تتخذ النساء الأُزُر البيض بدل الملاءات السود. استفاد من ذلك تجار الشاش وباعة القماش، وخسر الحلاّقون لمّا نأت عنهم الذقون، كأن هذا هو الدين وهذه أركانه:
أغايةُ الدّينِ أنْ تُحفُوا شواربكم ... يا أمّةً ضحِكَتْ من جهلِها الأممُ
جعلوا مدرستهم أولاً في «الريحانية»، وهي مدرسة قديمة كان واضع اليد عليها الشيخ عبد الجليل الدرا، وسأتحدث عنه إن وفقني الله إلى سرد ما أعرف (أو بعض ما أعرف) من أخبار مشايخ الشام. فلما انتهت السنة المدرسية وجاءت العطلة أغروني بأن أدع الدراسة وأشتغل معلّماً في مدرستهم.
وقبلت، وكلّفوني بتدريس النحو في الصف الرابع الابتدائي. ثم طلب الدرسَ الشيخُ أحمد الدقر، فآثروه به وأعطوني درساً آخر. فأبيت وقلت: لماذا؟ ألأنه ابن الشيخ علي الدقر ولأن أبي مات؟ هلمّ امتحنوني وامتحنوه في النحو والصرف وعلوم العربية كلها، فإن ساويته أو لم أفُقْه إلاّ بالشيء القليل فأنا أدع الدرس. ولم أشترط أن يسبقني لأني كنت أعلم أن هذا بعيد. فأبى الامتحان وأبَوهُ هم، فغضبت وتركت التعليم وعدت إلى التعلّم. وكان بيني
стр. 230
وبين شهادة الكفاءة (١) سنة واحدة.
وكذلك ترون أن الذي يختاره الله لعبده خيرٌ له مما يختاره العبد لنفسه، فلو لم يبعث الله الشيخ أحمد ﵀ ينازعني الدرس فيجعلني أعود إلى الدراسة لبقيت معلّم مدرسة ابتدائية، بلا شهادة في يده ولا أمل بالترقّي أمامه.
ولمّا نلت شهادة الكفاية رأى عمي الشيخ عبد الوهاب أن أتعلّم المحاسبة، وكنا نسمّيها «حساب الدوبيا» (أي «الطريقة المزدوجة») لأننا نقيّد كل رقم مرتين، مرة في دفتر الصندوق ومرة في دفتر البضائع أو دفتر الذمم الذي تُقيّد فيه حسابات العملاء. وكانت هناك الطريقة المفردة وتسمّى الأميركية، أمّا الأولى فتُدعى الإيطالية.
وتعلمت الدوبيا، أو المحاسبة، على أقدر محاسب يومئذٍ في دمشق وهو السيد كامل بكر، تلميذ أبي الوفيّ الرضيّ الخلق الذي تُوفّي أبي في داره. وحضر معي هذه الدروسَ بعضُ الإخوان منهم السيد نظمي المجتهد، ولم أرَه من تلك الأيام أي من سنة ١٩٢٥. وكنا نتخذ دفاتر كدفاتر التجّار ونعمل الموازنات السنوية (البلانشو، وهي البالانس بالفرنسية) ولا تزال هذه الدفاتر عندي في دمشق ولا أزال عارفاً بقواعد المحاسبة وأصولها، وإن كنت يومئذٍ (وكنت قبله ولا أزال إلى الآن) أجهلَ الناس بالحساب وأشدَّهم ضيقاً به وكرهاً له.
стр. 231
وحين أتصور أني كنت محاسباً أذكر قصة بكري مصطفى، وهو رجل تركي ماجن (حشّاش)، احتال مرة حتّى جعلوه إماماً في مسجد، فجاؤوا بجنازة ليصلّوا عليها، فانحنى على الميت واقترب من أذنه كأنه يُوَشوشه، فسُئل: ماذا قلت له؟ قال: قلت له: إذا سألوك عن أحوال الدنيا فلا تُطِل الكلام، يكفي أن تقول: بكري مصطفى إمام.
* * *
واختار لي السيد كامل بكر ﵀ بعد أن أكملت التعليم تاجراً أضبط له حساباته، وكان تاجر أدوات كهربائية قبيل باب الجابية وأمام جامع السباهية، وكان في الجامع مدرسة أولية معلّمها الأستاذ أحمد الكزبري من شيوخ المعلّمين في الشام. وكان عملي ساعة في الصباح، إذ يأتي العمّال فيأخذون أسلاك الكهرباء والقطع والأدوات التي يحتاجون إليها في يومهم، ثم تخلو الدكان إلا من طالب مصباح أو زرّ أو شيء ممّا في الدكّان، فأبيعه ما يطلب وأضع الثمن في الدرج وأبقى منفرداً بلا عمل. ومَن سكنت جوارحه تحرّك ذهنه، فما ظنكم بشابّ نشأ في طلب العلم واستعدّ ليكون من أهل العلم، تنأى به الحياة عن غرف المدرّسين في المدرسة وحلقات المشايخ في المسجد ورفوف الكتب في المكتبة، وتحبسه في دكان بياع أدوات كهربائية!
كنت حين أسمع الأولاد يقرؤون جماعة أحسّ بقلبي قد تقطّع بين ماضٍ صار مجرد ذكرى ومستقبل لم يبقَ إليه سبيل. أهذه هي النهاية؟ بيّاعٌ كاتب في دكّان كهربائي؟ ألهذا سهرت الليالي وقرأت الكتب وحصلت العلم؟
стр. 232
أأشقى به غرساً وأجنيه ذلّةً ... إذنْ فاتّباعُ الجهلِ قد كانَ أحزما
لست أذكر كم لبثت في هذا السجن المزري، ولكني أذكر أني ضقت به يوماً ذرعاً فخرجت منه، وصرت محاسباً أو كاتباً أو ما لست أدري عند شريكَين (مسلم ونصراني) في «الخريزاتية»، وهي شعبة من سوق «البزورية». اشتغلت معهما مدّة، ثم اطّلعت على أن عملهما غشّ السَّمْن وخلطه بما ليس منه وبيعه على أنه سمن عربي خالص، وصنع الصابون مغشوشاً.
وكان الصابون يُعمَل بزيت الزيتون، لم تكُن قد جاءت هذه الأنواع من الصابون الإفرنجي المعطّر الملفوف بطبقات من الورق الصقيل المربوط أحياناً بشريط، فهو متعة للبصر وللشم، أما الدهن الذي صُنع به فليس من زيت الزيتون كما كنا نصنع في نابلس وفي حلب والشام، فهذا عمل أبناء العالَم الثالث، أما المتحضرون من أهل العالَم الأول فيأخذون الدهن من جيَف الحيوانات الميتة ويستخرجونه من مياه المراحيض، يجرّدونه ممّا علق به ويمزجونه بعطور لاتُستخرج من الورد ولا من الزهر بل تستخرجها الكيمياء من القَطِران (١)، لها ريح الورد والفلّ والياسمين وما ثَمّ ياسمين ولا فل ولا ورد.
فتركت الشريكَين الغشّاشَين واشتغلت عند تاجر خيطان أعرفه في خان في سوق الخياطين، فسمعت جاراً له كان عنده لما جئته يقول له: هؤلاء الأفندية من تلاميذ المدارس مُتعِبون، فكُلْه قبل أن يأكلك، ولا تدعه يقعد وراء المكتب بل شغّله يُنزِل
стр. 233
بضاعة ويرفع بضاعة ويأتي بها ويذهب. فأقمت عنده مدّة، ثم ذهبت فلم آتِ.
وضقت بالتجّار وبوظيفة الكاتب أو المحاسب فقلت: أكون أنا التاجر! وما خُلقت -والله- للتجارة ولا أصلح لها ولا تصلح لي، وما عندي لها المال ولا الخبرة. وكانت عند أمي قطع حليّ فباعتها، وأخذتُ ثمنها وشاركت تاجراً كان طالب علم هو الشيخ رياض كيوان، واستأجرنا مخزناً في خان العمود، مقابل الخان العظيم والبناء الأثري الرائع خان أسعد باشا العظم. واتخذت لي مكتباً إلى جنب مكاتب كبار التجار، وكانت تجارتي بالسكّر والأرز نربح بالكيس كله قروشاً معدودة لا تكفي للغداء، فمن أين أُطعِم أسرة أنا كبيرها والمطلوبُ منّي أن أكون عائلها؟ أمن هذه القروش التي لا تبلغ ثمن غذائي أحضر فطور أمي وإخوتي الثلاثة وأختَيّ؟
ورأيت أن الرجوع إلى الحقّ أفضل من التمادي بالباطل، فتركت مكاني بين كبار التجار وخرجت من الخان كما دخلت، والحمد لله أن استطعت الخروج.
* * *
وكانت محكمة التمييز (محكمة النقض) التي كان والدي رئيسَ ديوانها تتنقل من السراي إلى بناية العابد في المرجة، إلى طريق الصالحية، إلى البحصة. فمررت أمامها فخطر لي أن أزورها، فرأيت الأستاذ محمد علي الطيبي قد حلّ محلّ أبي، فرحّب بي وساءلني، فلما عرف أني تركت المدرسة عجب وقال:
стр. 234
ومن الذي أشار عليك بهذا؟ قلت: عمّي الشيخ عبد الوهاب. فقال: الله يفرج عنا وعنه!
لقد نبّهَتني هذه الكلمة كما يتنبّه المنحرف عن الطريق إذا سمع من يسأله عن مسيره، وعلمت أني غلطت. فهل يمكن أن أصلح الغلط؟
وكان قد مضى ثلثا السنة المدرسية ودخل الطلاب الامتحان الفصلي الأول وهم على أبواب الثاني، ما بقي له إلا عشرة أيام. فذهبت إلى عمّي الأكبر، العالِم الفلكي الشيخ عبد القادر، وكان عاقلاً هادئ الطبع بعيد النظر، فقلت له: إني أريد العودة إلى المدرسة. فضحك وقال: لقد أبطأت. كنت أنتظر منك هذه الأوبة ولكني ما قدّرت أن تتأخر إلى اليوم، وأنا مع ذلك قد أعددت لك الأمر من ثلاثة أشهر. قُم معي.
وأخذني إلى الأستاذ محمد علي الجزائري مدير مكتب عنبر (أي مدرسة التجهيز ودار المعلمين)، وقال له: هذا هو الذي حدّثتُك عنه. فقال لي: لماذا تأخرت إلى اليوم؟ ألا تعلم أن الامتحان الثاني قد اقترب، فهل تستطيع أن تدخله مع رفاقك؟ وهل تقدر أن تعيد الامتحان الأول بعده بعشرة أيام؟ قلت: أرجو الله. قال: إذن فتوكّل عليه وادخل صفّك، فأنا لم أُلغِ قيدك. إنك لا تزال من الطلاب.
ودخلت الامتحان، وعندي الوثيقة الرسمية بأني كنت -بحمد الله- الأول بين الطلاب.
* * *
стр. 235
-٢٤ -
مشايخي خارج المدرسة
وقفت بكم طويلاً على ذكريات أساتذتي في المدرسة، وما تكلمت إلاّ عن بعضهم ولا سردت إلا بعض أخبار من تكلمت عنهم، ولو أفضت لأطلت وأمللتُ، فأذنوا لي اليوم أن أقف معكم على بعض مشايخي خارج المدرسة.
تنتظرون أن أبدأ بأبي ﵀. وإنّ فضله عليّ لكبير، ولكني وعدت في مطلع هذه الفصول أن أقول الحقّ، لا أضيع شيئاً مما هو لي تواضعاً ولا آخذ شيئاً ليس لي تزيّداً، والحقّ أنّ مَن قرأ على أبي أو لازمه يؤكّد أنه كان معلماً عبقرياً، يُفهِم الغبيّ من التلاميذ حتى يظن نفسه أذكى من الأذكياء، ويبسّط المعقّد من المسائل حتى تُحسَب من الهيّنات الواضحات، وذلك بالأمثال المحسوسة والأدلّة الظاهرة.
والمعلم الذي فهم المسألة وهضمها حتى صارت مِلْكاً له يستطيع أن يُفهمها من شاء، يقلب العبارات ويبدّل الأساليب حتى يصل إلى العبارة المبيّنة والأسلوب المناسب. فإن وجدتَ معلماً يشرح الدرس فلا يُفهم عنه ويعيد الشرح فلا يصل إلى الإفهام
стр. 236
فاعلم أنه ما فهم هو ما يدرّسه، وإنما حفظه فهو يكرره كما حفظه لا يستطيع أن يخرج عنه.
ويظهر أن أبي كان من الصنف الأول، هذا ما سمعته من تلاميذه سماعاً لأنه ﵀ ما خصّني يوماً بدرس ولا أقرأني كتاباً. يقولون: أزهد الناس في العالِم أهله وجيرانه، لأنهم يرونه في جده وهزله وغضبه ورضاه، والبعيدون عنه لا يرونه إلا في أحسن حالاته ولا يبصرون منه إلا أجمل جوانبه. وأنا أزيد: أن العالِم أزهد ما يكون في تعليم أهله وجيرانه، وربما حرص على تعليم التلاميذ وشرح الجواب للسائلين ما لا يحرص مثله على تعليم ولده وإجابته على أسئلته.
لذلك كان حظي من علم أبي دون حظوظ الآخرين، وما كنت أراه إلا طرفَي النهار، وإن كان في الدار لم يَخلُ من أصدقاء أو زوّار. ولو أن الله ألهمه أن يتفرغ لي أو أن يوليني مثل الذي كان يوليه المقرّبين من تلاميذه، لرجوت أن أنتفع به أكثر مما انتفعوا وأن يبدو أثر ذلك فيّ أكثر مما بدا فيهم (١).
وكنت من يوم وعيت وأدركت ما حولي أُصبِح فأرى أبي في
стр. 237
مجلسه وعنده تلاميذ، ما كانوا كتلاميذ المدرسة بل كانوا رجالاً بعمائم ولحى، فكنت أدخل عليه بالشاي أو بالفاكهة يحملها لي أول الأمر نساء أهلي إلى باب المجلس ويقرعن الباب، ويحمّلنني منها ما أطيق حمله، فيثب بعضهم فيأخذه مني ويحمله عني.
ثم صرت أقعد معهم قليلاً فألتقط الكلمة بعد الكلمة، ثم صرت أناولهم الكتاب بعد الكتاب، فعرفت الحاشية والقاموس المحيط وتنقيح الحامدية، والجزء كذا من تفسير الخازن أو من فتح الباري أو الفتاوى الهندية ... أقول إني عرفت شكلها واسمها لا إني قرأتها.
وكانت الحُجُب مسدَلة بين الآباء والأبناء لم تُرفَع كما رُفعَت اليوم، وما كنت أتبسّط معه في حديث فضلاً عن أن أدخل في مناقشة، وكنت أناديه (كما كان يفعل أمثالي ممن أعرف) بسيدي، ما قلت له يوماً يا أبي، أما «بابا» فما كنت أتصور كبيراً يقولها، إنما يقولها الأطفال في بداية عهدهم بالكلام.
وكان أبي معدوداً من مقدَّمي فقهاء المذهب الحنفي في الشام (١)، وكان أمين الفتوى عند المفتي الشيخ أبي الخير
стр. 238
عابدين، وكان يُستفتى في حياة مشايخه. ولما صار رئيس ديوان محكمة التمييز (محكمة النقض) على عهد الشريف فيصل كانوا يدعونه للمشاركة في دراسة القضايا الشرعية، سمعت ذلك من رئيس المحكمة الأستاذ مصباح محرّم ومن بعض الأعضاء فيها كالشيخ سليمان الجوخَدار، الفقيه القانوني الذي كان مفتي الشام قبل الشيخ أبي الخير والذي صار رئيس محكمة التمييز ووزير العدل، ومن القاضي الوزير النصراني يوسف بك الحكيم، ومن القاضي صلاح الدين الخطيب الذي صار -بعدُ- حَمِي (٢) (والد زوجتي)، ومن زميله في عضوية المحكمة الشيخ مسعود الكواكبي عضو المجمع العلمي، ومن عضو المحكمة الشيخ علي عيّاد والد الدكتور كامل عياد.
ولمّا مات وعدنا إلى حارتنا القديمة كان يسكن قريباً منا الشيخ أبو الخير الميداني، وهو صديق أبي وزميله في القراءة على الشيخ سليم المسوتي، الذي كان من كبار المشايخ المعلّمين الصالحين. وهو ألباني الأصل، لم أدركه ولكني أحببته لكثرة ما سمعت من أخباره من أبي ومن شيخنا الميداني، وعن كرمه العجيب الذي يجاوز حد التوسط بين غلّ اليد بخلاً وبسطها كل البسط سفهاً، لا تعمداً منه مخالفة أمر الله، أعوذ بالله أن يتعمد هذا مسلم، ولكنها طبيعة طبعه الله عليها.
стр. 239
وكان يوماً في رمضان وكان مجلسه قريباً من باب الدار، وكانت مائدة الإفطار قد أُعِدّت ودنا المغرب، فقرع البابَ فقيرٌ يسأل ويقسم أن أهله في البيت صيام وليس عندهم شيء يؤكَل، فتلفّت فلم يجد حوله أحداً من أهله، فتناول طبقاً وبعض الخبز فوضعها جانباً وقال له: احمل هذا كله. فحمله فذهب به، ودخل النساء فلم يجدن الطعام، فسخطن وصِحْن عليه وتكلّمْنَ كلاماً شديداً، وهو صامت. وضرب المدفع وأذّن المؤذن من جامع التوبة، فإذا الباب يُقرَع، وإذا بألوان الطعام من الحارّ والبارد والحلو والحامض تدخل عليه! وإذا القصّة أن سعيد باشا شمدين، أحد كبار الوجهاء، كان قد دعا ضيوفاً فلم يحضروا، فأمر بحمل الطعام كله إلى دار الشيخ. فقال: أرأيتن مكافأة الصدقة؟
أعود إلى حديث الشيخ أبي الخير. الذين يؤثّرون فيك ببلاغتهم وطلاقة ألسنتهم -إن سمعتَهم- كثيرون، وكثيرون هم الذين يأسرونك بروعة أسلوبهم وسحر أقلامهم إن قرأت لهم والذين يعجبونك بصحّة محاكماتهم وإصابة آرائهم إن أنت استشرتهم. كل هذا مُشاهَد في كل بلد معروف في كل زمان، ولكن أعجب من هؤلاء كلهم ناس لا يتكلمون، وإن تكلموا لم يكُن لهم من سحر البلاغة ما يُعجِز الكاتبين، وهم مع ذلك يبلغون من التأثير عليك ما لا يكون مثله لكاتب ولا لخطيب.
إنهم يؤثّرون بحالهم لا بمقالهم، ومن هؤلاء شيخنا الشيخ أبو الخير الميداني، ومنهم شيخه وشيخ الشام الشيخ بدر الدين الحسني، وممّن عرفت في مصر شيخ مشايخنا السيد الخضر حسين الذي صار شيخ الجامع الأزهر، ومنهم العالِم اللغوي
стр. 240
المحقق أحمد تيمور باشا.
وعندي في هذا الباب أخبار كثيرة أروي الآن واحداً منها، حدّثني به في مصر الأستاذ أحمد حسن الزيات صاحب «الرسالة» عن شيخ سمّاه ونسيت أنا اسمه، قال: كان هذا الشيخ مدرّساً، لا يعرف من الدنيا إلا الجامع الأزهر الذي يدرّس فيه (قبل أن تدخل عليه تاء التأنيث فيصير جامعة) والبيت القريب منه الذي يسكنه والطريق بينهما. فلما طالت عليه المدة وعلَت به السنّ واعتلّت منه الصحّة احتاج إلى الراحة، فألزمه الطبيب بها وأشار عليه أن يبتعد عن جوّ العمل وعن مكانه، وأن ينشد الهدوء في البساتين والرياض وعلى شط (١) النيل.
فخرج فاستوقف عربة، ولم تكُن يومئذٍ السيارات، وقال له: خذني يا ولدي إلى مكان جميل أتفرج فيه وأستريح.
وكان صاحب العربة (العربجي) خبيثاً، فأخذه إلى طرف الأزبكية حيث كانت بيوت المومسات وقال: هنا. قال: يا ولدي، لقد قرب المغرب، فأين أصلّي؟ خذني أولاً إلى المسجد. قال: هذا هو المسجد.
وكان الباب مفتوحاً وصاحبة الدار قاعدة على الحال التي يكون عليها مثلها. فلما رآها غض بصره عنها، ورأى كرسياً فقعد عليه ينتظر الأذان وهي تنظر إليه، لا تدري ما أدخله عليها وليس من روّاد منزلها، ولا تجرؤ أن تسأله، منعَتها بقية حياء قد يوجد أمام أهل الصلاح حتى عند المومسات، وهو يسبّح وينظر في
стр. 241
ساعته. حتى سمع أذان المغرب من بعيد، فقال لها: أين المؤذّن؟ لماذا لا يؤذّن وقد دخل الوقت؟ هل أنت بنته؟
فسكتَت. فانتظر قليلاً ثم قال: يا بنتي المغرب غريب لا يجوز تأخيره، وما أرى أحداً هنا، فإن كنت متوضئة فصلي ورائي تكُن جماعة. وأذّن، وأراد أن يُقيم وهو لا يلتفت إليها، فلما لم يحسّ منها حركة قال: ما لك؟ ألست على وضوء؟
فاستيقظ إيمانها دفعة واحدة، ونسيَت ما هي فيه وعادت إلى أيامها الخوالي، أيام كانت فتاة عفيفة طاهرة بعيدة عن الإثم، وراحت تبكي وتنشج، ثم ألقت بنفسها على قدميه. فدُهش ولم يدرِ كيف يواسيها وهو لا يريد أن ينظر إليها أو أن يمسّها.
وقصّت عليه قصتها، ورأى من ندمها وصحّة توبتها ما أيقن معه صدقها فيها، فقال: اسمعي يا ابنتي ما يقوله رب العالمين: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ﴿قُلْ يا عِباديَ الذينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهم لا تَقْنَطوا مِن رَحْمةِ الله، إنّ اللهَ يغفِرُ الذّنوبَ جَميعاً﴾. جميعاً يا ابنتي، جميعاً. إن باب التوبة مفتوح لكل عاصٍ، وهو واسع يدخلون منه فيتّسع لهم مهما ثقل حملهم من الآثام، حتى الكفر؛ فمن كفر بعد إيمانه ثم تاب قبل أن تأتيه ساعة الاحتضار وكان صادقاً في توبته وجدّد إسلامه فإن الله يقبله. الله يا ابنتي أكرم الأكرمين، فهل سمعت بكريم يغلق بابه في وجه من يقصده ويلجأ إليه معتمداً عليه؟ قومي اغتسلي والبسي الثوب الساتر، اغسلي جلدك بالماء وقلبك بالتوبة والندم، وأقبلي على الله. وأنا منتظرك هنا، لا تبطئي لئلا تفوتنا صلاة المغرب.
стр. 242
ففعلت ما قال، وخرجت إليه بثوب جديد وقلب جديد، ووقفت خلفه وصلّت صلاة ذاقت حلاوتها، ونقّت الصلاة قلبها. فلما انقضت الصلاة قال لها: هلمّي اذهبي معي، وحاولي أن تقطعي كل رابطة تربطك بهذا المكان ومن فيه وأن تمحي من ذاكرتك كل أثر لهذه المدة التي قضيتِها فيه، وداومي على استغفار الله والإكثار من الصالحات، فليس الزنا بأكبر من الكفر، وهند التي كانت كافرة وكانت عدواً لرسول الله وحاولت أن تأكل كبد عمّه حمزة، لمّا صدقت التوبة صارت من صالحات المؤمنات وصرنا نقول: ﵂.
وأخذها إلى دار فيها نسوة ديّنات، ثم زوّجها ببعض من رضي الزواج بها من صالحي المسلمين وأوصاه بها خيراً.
* * *
لقد خرجت عن الخطّ، ولكن لا كما يخرج القطار عن القضبان فينهار ويسبّب الهلاك والدمار، بل كما يميل المسافر إلى الواحة فيها الظل والماء فيجد فيها الراحة والريّ. فعفوكم إن جرّتني المناسبة إلى سرد قصة ليست من صلب الموضوع، ولكن أرجو أن يكون من سردها متعة أو منفعة.
أعود إلى موضوعي:
كان شيخنا الشيخ أبو الخير الميداني من هذا الطراز. كان كالشيخ بدر الدين الحسني، يبلغ بصَمْته أحياناً ما لا تبلغ ألسنة الأبْيِناء من الخطباء والبلغاء من الكتّاب. وأنا أقول من قديم إني أسمع واعظاً أو محاضراً يتكلم ساعة أو أكثر، في موضوع يجمع
стр. 243
أطرافه ويكشف أسراره ويُظهِر خفاياه بأجود عبارة وأحسن إلقاء، يحشد ما لا مزيد عليه من الأدلة والشواهد، فلا يحرّك شعرة مني ولا يثير فيّ ذرّة من خشوع. وأسمع من راكب في الحافلة أو ماشٍ في الطريق جملتين ما فيهما فكر ولا بيان، فتصلان مني إلى أعماق القلب وتثيران فيه مكامن الخشوع، وربما أسالتا عينيّ بالدمع.
فما السبب؟ السبب أن محاضرة الأول خرجت من عقله ولسانه، وكلمةَ الثاني صدرت عن قلبه، والذي يخرج من القلب يدخل القلب والذي خرج من اللسان لم يجاوز الآذان.
وشيخنا الشيخ أبو الخير الميداني كان من أرباب القلوب، لا أعني قلوب العشاق بل قلوب المؤمنين، المتصلة أبداً بالله الحاضرة مع الله. وكان فوق ذلك محبوباً، لا يستطيع أحد أن يكرهه لأنه لا يؤذي أحداً. كان ليّن العريكة حلو الشخصية، رضيّاً لا يَغْضَب من أحد ولا يُغْضِب أحداً. كانت له نفس شفّافة. إذا أنت قعدت وراء الجدار حجب عنك ما بعده فلا تراه، ولكن إن كان الجدار من بلّور حماك من البرد والمطر ولم يحجب منك النظر، وهذا مثال نفس الشيخ.
كان نقشبندياً، والنقشبندية أقرب الطرق إلى الاعتدال وأبعدها عن المخالفات، ولمّا نُقلتُ إلى كركوك في العراق مدرّساً قبيل الحرب العالمية الثانية لقيت كثيراً من مشايخها من الأكراد، منهم الشيخ علاء الدين ومنهم الملا أفندي، وكدت أتلقى الطريقة يوماً من أحد مشايخها الكبار وهو الشيخ أبو النصر
стр. 244
خَلَف. ثم تركتُها كما تركت غيرها، وقلت: أمشي على الجادة العريضة، ما لي ولبُنَيّات الطريق؟ والجادةُ هي الكتاب والسنّة والفقه المستمَدّ منهما.
سقى الله أيامي مع الشيخ أبي الخير! لقد كانت من أمتع أيام حياتي. وداره الفسيحة التي لم يكُن لها رونق دور الأغنياء المترَفين ولكن لها سعتها وهدوؤها وزهرها وشجرها. كنت أرقب -النهارَ كله- ساعةَ الدرس في المساء، وكان يحضره أربعون أو خمسون، وكان درس النحو. ولقد قرأت عليه «الأزهرية» و «القطر» و «الشذور» و «ابن عقيل»، وكان يشرح باللهجة العامية، ولكن طريقته تثبت النحو حتى لا يمكن أن يُنسى.
كان يقول مثلاً: «جاء قاضيٌ» ... قاضيٌ؟ أترونها سائغة، الياء لتحت والضمة لفوق؟ فوق وتحت معاً؟ لا، لا؛ فلنحذف هذه الضمة. «جاء قاضين». ساكنان؟ تصوّروا التقاء ساكنين ساكتين! هذا مجلس لا يُطاق، فلينصرف أحدهما. لقد انصرف، فصارت: جاء قاضٍ.
وكان أكثر الحاضرين أكبر مني سناً، ولكني كنت أكثرهم علماً فأقامني معيداً للدرس. وكان له درسان في الأسبوع للحديث قرأنا فيهما الصحيحَين وبعض سنن أبي داود، وكان له مجلس للختم، مجلس نقشبندي، حضرته مرة فلم يرتَحْ له قلبي، فاستعفيته منه فأعفاني. وأنا والحمد لله لم أدخل في «طريقة» من الطرق الصوفية ولا «حزب» من الأحزاب السياسية.
* * *
стр. 245
-٢٥ -
أسرة الخطيب
وبعض الأسر العلمية في دمشق
تلقيت رسالة من أطرف الرسائل تقول مرسلتها (الجوهرة) إنها فتاة متعلمة تحبني وتعتب عليّ. تحبني كما كانت تحبّ جدها الذي فُجعت بوفاته، وإنها لمّا رأتني في الرائي شبّهتني به فهفا قلبها إليّ، وفكرت أني ربما لحقت به فبكت.
بكتني وأنا حي ورثتني قبل أن أموت، ألا ترون أن هذا هو الصواب؟ وما أدري لماذا ينتظر الناس حتى يموت الرجل ليندبوه ويرثوه ويثنوا عليه، وينحلوه مزايا ليست له وفضائل ما كان له حظّ امتلاكها! وإن كان كاتباً أو شاعراً فسّروا أدبه تفسيراً لم يكُن يخطر على باله، ونسبوا إليه أفكاراً ما خرجت قط من رأسه، بل ما دخلت إليه.
فهلاّ كان ذلك وهو حيّ يسمع ويرى، حتى يسرّ بالثناء ويصحّح الخطأ؟
أما وجه عتبها عليّ فلأني ذكرت أبي ولم أذكر أمي إلاّ
стр. 246
عرَضاً في أسطر معدودة. ولم أسمِّها ولم أبيّن كيف تزوّج أبي بها. وتسألني: هل أنا على عادة الشيوخ من أهل بلدي، أحسب أن من المروءة ألاّ أصرح بأسماء النساء، لذلك يقول الواحد منهم «الأهل» و «العائلة» و «أم الأولاد»، يرى عيباً أن يقول «زوجتي» فضلاً عن أن يقول «فلانة» باسمها ... إلى آخر ما جاء في كتابها.
وجوابي أن لا. لست في هذا على عادة شيوخ بلدي. ومَن ظن أن التصريح باسم زوجته عيب أو حسب أنه مُخِلٌّ بالمروءة فإني أخشى عليه الكفر، لأنه يكون قد نسب العيب والإخلال بالمروءة إلى أكمل البشر وأفضلهم، محمد ‘؛ فقد ورد في الصحيح أنه صرّح باسم عائشة وفاطمة وأمها خديجة، ولم يرَ في ذلك عيباً.
واسم أمي رئيفة بنت الشيخ أبي الفتح الخطيب شقيقة الأستاذ محب الدين الخطيب. أمّا كيف تزوج بها فأنا أمتنع عن ذكره. لماذا؟ لأنني لا أدريه! لا تعجبوا إذا قلت لكم إن الغرباء دُعوا إلى حضور العقد وأنا، ولدها، لم أُدعَ إليه. إي والله، لم أُدعَ إليه ... ولم أعلم به إلاّ بعد إتمامه بزمن طويل.
الزوج له الحقّ في أن يختار زوجته، مع أنه يستطيع إذا لم يَرضَها أن يفارقها ويتزوج غيرها. وأمي لا سبيل لي إن لم تعجبني أن أتبرأ منها وأتخذ لي أماً غيرها، فكيف إذن لم يؤخَذ رأيي فيها؟ أليس لي أن أبدي موافقتي على المرأة التي ستكون أمي؟!
لكن لا تحسبوا أني لم أَرضَها أو أني أنكرت اختيار أبي إياها، أو أنني لو كنت معه لما فكّر في خطبتها (أو خطبها أبوه له، فما كان الرجل يخطب المرأة بنفسه). لو كنت معه وسألني
стр. 247
عنها لما رضيت غيرها، ﵀ ورحمها؛ فلقد عهدتها -لمّا عرفتها- امرأة صالحة. كانت مثلاً عالياً للمرأة المسلمة الراضية عن الله الصابرة على ما قضاه، جمعت بين الخُلُق وبين النسب. أمّا الجمال فبعينه وحده لا بعيني أنا يكون الحكم عليه. الزوج يميز جمال امرأته من قبحها، أما الولد فلا يرى أمه إلاّ جميلة، ولو كانت أَمةً سوداء ولو كانت عجوزاً وجهُها أخاديد وحفر، وهذا يؤكّد مذهب طاغور في الجمال وأنه ليس ببهاء الطلعة ولا بتناسق الأعضاء ولا بسحر العيون ونضارة الوجه ... كل هذا من شروط الجمال، لا أنازع فيه، ولكنْ أسأل: لماذا ترى الممثلة في المسلسلة أو الفِلم جميلة بارعة الجمال وترى ممثلة أخرى دونها جمالاً، فتقوم الأولى بدور الكذب والمكر والثانية تمثّل الصدق والطهر، فلا ينقضي الفِلم حتى تصير الأولى قبيحة في نظرك تتمنى لو أطبقت بأصابعك على عنقها فخنقتها، وتصير الثانية ملكة الجمال؟
أليس معنى هذا أن سر الجمال -كما يقول طاغور- هو الإخلاص؟
أما أسرة أمي فهي إحدى الأسر العلمية في الشام. حدّثني خالي محبّ الدين الخطيب (ثم نشر ما حدثني به) أن أصلها من بغداد، ثم نزلت حماة، ونزح فرع منها إلى قرية عذراء (عدرا) التي ذكرها ياقوت في معجم البلدان فقال: "إذا انحدرت من ثنيّة العقاب وأشرفت على الغوطة رأيتَها أول قرية تلي الجبل". وثنية العقاب هي التي تُدعى اليوم «الثنايا» (التنايا) تمرّ بها حين تعلو في الجبل (جبل لبنان الشرقي) متوجهاً إلى حمص. وإلى جنب
стр. 248
عذراء تقع «الضُّمَير» التي ذكرها المتنبي في قصيدته التي ودّع بها سيف الدولة (١).
والذي انتقل منهم إلى دمشق هو الشيخ عبد الرحيم بن محمد الخطيب المدفون في مقبرة الدحداح سنة ١١٩٩، وقد بلغَت ذريّته اليوم (أي بعد مئتَي سنة من انتقاله إليها) الآلاف، وغدت من أكبر الأسر الدمشقية. وقد سخّر الله عبقرياً من أبناء هذه الأسرة، وكان رسّاماً فنّاناً، فأحصى أفرادها وجعل لهم سجلاًّ مثل سجلاّت النفوس الرسمية في دائرة الأحوال المدنية، لكل منهم صفحة فيها اسمه واسم أبويه وولادته وزواجه وطلاقه وأسماء أولاده، وجعل للسجلّ فهرساً، ثم صنع للأسرة شجرة رسمها بالزيت على القماش المشمّع وجعل لها فروعاً، فجعل للولد ورقة وللبنت ثمرة، وجعلها بطناً بعد بطن حتى زادت في حياته ﵀ على تسعة بطون. وطول لوحة الشجرة أكثر من ستة أمتار وعرضها نحو الأربعة، وقد اشترتها منه الحكومة السورية، وهي معروضة في متحف الفنون الشعبية في قصر العظم في البُزوريّة. وهذا الرجل هو ابن خالتي الشيخ سهيل الخطيب، وربما عدت إليه فتكلمت عنه.
كان الشيخ عبد القادر الخطيب حفيد الشيخ عبد الرحيم من علماء دمشق، أخذ عن أبيه وعن الشيخ عبد الرحمن الكزبري وعن الشيخ سعيد الحلبي، وكان له أربعة من الولد كلهم علماء:
стр. 249
أبو الفرج وأبو الخير وأبو النصر وأبو الفتح. والشيخ أبو الفرج هو والد الشيخ عبد القادر (خطيب جامع بني أمية والمدير العام للأوقاف يوم لم تكُن لها وزارة فكان هو المرجع الأعلى فيها) والأستاذ صلاحالدين الخطيب عضو محكمة التمييز (أي محكمة النقض)، وهو والد زوجتي. والشيخ أبو الخير هو والد الزعيم الوطني الوزير زكي الخطيب، والشيخ أبو النصر هو خطيب الجامع الأموي القاضي العادل الجريء صاحب النوادر.
والشيخ أبو الفتح هو أبو أمي. قال في الأعلام أنه "وُلّي أمانة دار الكتب الظاهرية والتدريس والوعظ في الجامع الأموي، وكان يميل إلى التقشّف ويكره معاشرة الحكّام، له مختصَر تاريخ دمشق لابن عساكر، مخطوط في خمسة مجلّدات، وهو في الخزانة التيمورية في مصر بخطّه، مولده بدمشق سنة ١٢٥٠ ووفاته فيها سنة ١٣١٥، وهو والد السيد محبّ الدين الخطيب صاحب مجلّتَي الفتح والزهراء". قال: "وله ترجمة في منتخبات التواريخ ٧٠٦، وفي الأعلام الشرقية ٢: ٦٧".
* * *
والأسر العلمية في دمشق كثيرة، أذكر ما يخطر منها على بالي. وربما ذكرت أسرة جليلة ونسيت أجلّ منها، وربما قدّمت بالذكر من يتقدّمه بالمنزلة من أخرت، فلا تؤاخذوني. هذا يومَ كانت الشام كما كانت أكثرُ بلدان الإسلام، يتعارف أهلها يعرف بعضهم بعضاً، يقدّمون أهل الفضل لا ينكرون عليهم فضلهم، لم يكُن قد اختلط الحابل بالنابل والأصيل بالدخيل.
стр. 250
فمن الأسر العلمية آل العِمادي، وقد استمرّ فيهم منصب الفتوى أمداً طويلاً. ومن أشهرهم الشيخ حامد العمادي، وله «الفتاوى الحامدية» التي نقّحها الشيخ ابن عابدين صاحب الحاشية. وقد انتزع منصبَ الإفتاء منهم الشيخ إسماعيل الحايك في قصّة طريفة سمعتها من أستاذنا محمد كرد علي وذكرتها في مقالة عنوانها «التشجيع» نُشرت في «الرسالة» في أواسط الثلاثينيات (١)، وهي في كتابي «فِكَر ومباحث».
ومنهم آل الحمزاوي، وهم أقدم الأسر الشامية، ومن أشهرهم مفتي الشام محمود أفندي الحمزاوي. وآل الكزبري نسبة إلى جدهم الشيخ علي كزبر، وأجلّهم الشيخ عبد الرحمن الكزبري. وآل الغزي، وكان إفتاء الشافعية (غالباً) فيهم، وآل العطار وأصلهم من حمص، من أشهرهم الشيخ حامد العطار وأبوه الشيخ أحمد الذي ندب الناس لدفع نابليون لمّا حاصر عكّا، وكان عصريَّ الشيخ عبد الرحمن الكزبري ونظيرَه في العلم، وثالثهما الشيخ عبد الرحمن الطيبي. وكان للشيخ حامد خمسة من الولد كلهم عالم معروف، منهم الشيخ بكري العطار وهو أشهرهم، وياسين وهو والد الشيخ سليم المشهور، والشيخ إبراهيم وهو والد الشيخ رضا القاضي في المحكمة الشرعية، وهو أبو الأستاذ عصام زوج بنتي رحمها الله.
وآل الشطي وهم فقهاء حنابلة فرَضيون، أصلهم من بغداد ومن أجلّهم الشيخ حسن الكبير المتوفّى سنة ١٢٧٤، أخذ عن